وباتت نيران العذارى قوادح ... بلوذ وبجرجان يشدوا أسيرها
ومن قولهم في رثاء أمير زناتة أبي سعدى اليفرني مقارعهم بإفريقية وأرض الزاب ورثاؤهم له على جهة التهكّم:
تقول فتاة الحيّ [١] سعدى وهاضها ... لها في ظعون الباكرين عويل
أيا سائلي عن قبر الزناتي خليفة ... خذ النعت مني لا تكون هبيل
تراه يعالي وادي ران وفوقه ... من الربط عيساوي بناه طويل
أراه يميل النور من شارع النقا ... به الواد شرقا واليراع دليل
أيا لهف كبدي على الزناتي خليفة ... قد كان لأعقاب الجياد سليل
قتيل فتى الهيجا دياب بن غانم ... جراحة كأفواه المزاد تسيل
أيا جائزا مات الزناتي خليفة ... لا ترحل إلا أن يريد رحيل
ألا واش رحّلنا ثلاثين مرة ... وعشرا وستا في النهار قليل
ومن قولهم على لسان الشّريف بن هاشم يذكر عتابا وقع بينه وبين ماضي بن مقرب:
تبدّى ماضي الجبار وقال لي ... أشكر ما نحنا عليك رضاش
أشكر أعد ما بقي ودّ بيننا ... ورانا عريب عربا لابسين نماش
نحن غدينا نصدفو ما قضى لنا ... كما صادفت طعم الزباد طشاش
أشكر أعد إلى يزيد ملامه ... ليحدو ومن عمر بلاده عاش
ان كان نبت الشوك يلقح بأرضكم ... هنا العرب ما زدنا لهن صياش
ومن قولهم في ذكر رحلتهم إلى الغرب وغلبهم زناتة عليه:
وأيّ جميل ضاع لي في الشريف بن هاشم ... وأي رجال ضاع قبلي جميلها
стр. 807
لقد كنت أنا وياه في زهو بيتنا ... عناني بحجة ما غباني دليلها
وعدت كأني شارب من مدامة ... من الخمر فهو ما قدر من يميلها
أو مثل شمطامات مظنون كبدها ... غريبا وهي مدوّخه عن قبيلها
أتاها زمان السوء حتى تدوّحت ... وهي بين عربا غافلا عن نزيلها
كذلك أنا مما لحاني من الوجى ... شاكي بكبد باديتها زعيلها
وأمرت قومي بالرحيل وبكّروا ... وقوّوا وشدّاد الحوايا حميلها
قعدنا سبعة أيام محبوس نجعنا ... والبدو ما ترفع عمود يقيلها
نظلّ على حداب الثنايا نوازي ... يظل الجرى فوق النضا ونصيلها
ومن شعر سلطان بن مظفّر بن يحيى من الزواودة [١] أحد بطون رياح وأهل الرئاسة فيهم، يقولها وهو معتقل بالمهديّة في سجن الأمير أبي زكريّا بن أبي حفص أوّل ملوك إفريقية من الموحّدين:
يقول وفي بوح الدجا بعد وهنة ... حرام على أجفان عيني منامها
يا من لقلب حالف الوجد والأسى ... وروح هيامي طال ما في سقامها
حجازية بدوية عربية ... عداوية ولها بعيد مرامها
مولعة بالبدو لا تألف القرى ... سوى عانك الوعسا يؤتي خيامها
غيات ومشتاها بها كل شتوة ... ممحونة بيها وبيها صحيح غرامها
ومر باها عشب الأراضي من الحيا ... يواتي من الخور الخلايا جسامها
تشوق شوق العين مما تداركت ... عليها من السحب السواري عمامها
وماذا بكت بالما وماذا تناحطت ... عيون غرار المزن عذبا حمامها
كأنّ عروس البكر لاحت ثيابها ... عليها ومن نور الأقاحي خزامها
فلاة ودهنا واتساع ومنة ... ومرعى سوى ما في مراعي نعامها
ومشروبها من مخض ألبان شولها ... غنيم ومن لحم الجوازي طعامها
стр. 808
تفانت عن الأبواب والموقف الّذي ... يشيب الفتى مما يقاسي زحامها
سقى الله ذا الوادي المشجر بالحيا ... وبلا ويحيى ما بلي من رمامها
فكافأتها بالودّ مني وليتني ... ظفرت بأيام مضت في ركامها
ليالي أقواس الصبا في سواعدي ... إذا قمت لم تحظ من أيدي سهامها
وفرسي عديد تحت سرجي مشاقة ... زمان الصبا سرجا وبيدي لجامها
وكم من رداح أسهرتني ولم أرى ... من الخلق أبهى من نظام ابتسامها
وكم غيرها من كاعب مرجحنة ... مطرّزة الأجفان باهي وشامها
وصفقت من وجدي عليها طريجة ... بكفي ولم ينسى جداها ذمامها
ونار بخطب الوجد توهج في الحشا ... وتوهج لا يطفأ من الماء ضرامها
أيا من وعدتي الوعد هذا إلى متى ... فني العمر في دار عماني ظلامها
ولكن رأيت الشمس تكسف ساعة ... ويغمى عليها ثم يبدأ غيامها
بنود ورايات من السعد أقبلت ... إلينا بعون الله يهفو علامها
أرى في الفلا بالعين أظعان عزوتي ... ورمحي على كتفي وسيري أمامها
بجرعا عتاق النوق من فوق شامس ... أحب بلاد الله عندي حشامها
إلى منزل بالجعفرية للّوى ... مقيم بها ما لذ عندي مقامها
ونلقى سراة من هلال بن عامر ... يزيل الصدا والغل عني سلامها
بهم تضرب الأمثال شرقا ومغربا ... إذا قاتلوا قوما سريع انهزامها
عليهم ومن هو في حمامهم تحية ... مدى الدهر ما غنى يفينا حمامها
فدع ذا ولا تأسف على سالف مضى ... فذي الدنيا ما دامت لأحد دوامها
ومن أشعار المتأخّرين منهم قول خالد بن حمزة بن عمر، شيخ الكعوب، من أولاد أبي اللّيل، يعاتب أقتالهم أولاد مهلهل ويجيب شاعرهم شبل بن مسكيانة بن مهلهل، عن أبيات فخر عليهم فيها بقومه:
يقول وذا قول المصاب الّذي نشا ... قوارع قيعان يعاني صعابها
стр. 809
يريح بها حادي المصاب إذا سعى فنونا من إنشاد القوافي عذابها محيرة مختارة من نشادها تحدّى بها تام الوشا ملتهابها مغربلة عن ناقد في غضونها محكمة القيعان دأبي ودأبها وهيض بتذكاري لها يا ذوي الندى قوارع من شبل وهذي جوابها اشبل جنينا من حباك طرائفا فراح يريح الموجعين الغنا بها فخرت ولم تقصر ولا أنت عادم سوى قلت في جمهورها ما أعابها لقولك في أمّ المتين بن حمزة وحامي حماها عاديا في حرابها أما تعلم أنه قامها بعد ما لقي رصاص بني يحيى وغلاق دأبها شهابا من أهل الأمر يا شبل خارق وهل ريت من جا للوغى واصطلى بها سواها طفاها أضرمت بعد طفيه وأثنى طفاها جاسرا لا يهابها وأضرمت بعد الطفيتين ألن صحت لفاس إلى بيت المنى يقتدى بها وبان لوالي الأمر في ذا انشحابها فصار وهي عن كبر الاسنة تهابها كما كان هو يطلب على ذا تجنبت رجال بني كعب الّذي يتقى بها
ومنها في العتاب:
وليدا تعاتبتوا أنا أغنى لأنني ... غنيت بمعلاق الثنا واغتصابها
عليّ ونا ندفع بها كل مبضع ... بأسياف ننتاش العدا من رقابها
فإن كانت الأملاك بغت عرائس ... علينا بأطراف القنا اختضابها
ولا بعدها الارهاف وذبل ... وزرق كالسنة الحناش انسلابها
بني عمنا ما نرتضي الذل غلمه ... تسير السبايا والمطايا ركابها
وهي عالما بأنّ المنايا تنيلها ... بلا شك والدنيا سريع انقلابها
ومنها في وصف الظعائن:
قطعنا قطوع البيد لا نختشي العدا ... فتوق بحوبات مخوف جنابها
стр. 810
ترى العين فيها قل لشبل عرائف ... وكلّ مهاة محتظيها ربابها
ترى أهلها غبّ الصباح ان يفلها ... بكل حلوب الجوف ما سدّ بابها
لها كل يوم في الأرامي قتائل ... ورا الفاجر الممزوج عفو رضابها
ومن قولهم في الأمثال الحكميّة
وطلبك في الممنوع منك سفاهة ... وصدّك عمن صدّ عنك صواب
إذا رأيت أناسا يغلقوا عنك بابهم ... ظهور المطايا يفتح الله باب
ومن قول شبل يذكر انتساب الكعوب إلى برجم:
لشيب وشبان من أولاد برجم ... جميع البرايا تشتكي من ضهادها
ومن قول خالد يعاتب إخوانه في موالاة شيخ الموحّدين أبي محمّد بن تافراكين المستبدّ بحجابة السلطان بتونس على سلطانها مكفولة أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى وذلك فيما قرب من عصرنا:
يقول بلا جهل فتى الجود خالد ... مقالة قوّال وقال صواب
مقالة حبر ذات ذهن ولم يكن ... هريجا ولا فيما يقول ذهاب
تهجست معنا نابها لا لحاجة ... ولا هرج ينقاد منه معاب
وكنت بها كبدي وهي نعم صابة ... حزينة فكر والحزين يصاب
تفوّهت بادي شرحها عن مآرب ... جرت من رجال في القبيل قراب
بني كعب أدنى الأقربين لدّمنا ... بني عمّ منهم شائب وشباب
جرى عند فتح الوطن منا لبعضهم ... مصافاة ودّ واتّساع جناب
وبعضهم ملنا له عن خصيمه ... كما يعلموا قولي يقينه صواب
وبعضهمو مرهوب من بعض ملكنا ... جزاعا وفي جوّ الضمير كتاب
وبعضهمو جانا جريحا تسمحت ... خواطر منها للنزيل وهاب
стр. 811
وبعضهمو نظار فينا بسوّة ... نقهناه حتى ما عنا به ساب
رجع ينتهي مما سفهنا قبيحه ... مرارا وفي بعض المرار يهاب
وبعضهمو شاكي من أوغاد قادر ... غلق عنه في أحكام السقائف باب
فصمناه عنه واقتضي منه مورد ... على كره مولى البالقي ودياب
ونحن على دافي المدى نطلب العلا ... لهم ما حططنا للفجور نقاب
وحزنا حمى وطن بترشيش بعد ما ... نفقنا عليها سبقا ورقاب
ومهد من الأملاك ما كان خارجا ... على أحكام والي أمرها له ناب
بردع قروم من قروم قبيلنا ... بني كعب لاواها الغريم. وطاب
جرينا بهم عن كل تأليف في العدا ... وقمنا لهم عن كل قيد مناب
إلى أن عاد من لا كان فيهم بهمة ... ربيها وخيراته عليه نصاب
وركبوا السّبايا المثمنات من أهلها ... ولبسوا من أنواع الحرير ثياب
وساقوا المطايا يا لشرا لا نسوا له ... جماهير ما يغلو بها بجلاب
وكسبوا من أصناف السعايا ذخائر ... ضخام لحزات الزمان تصاب
وعادوا نظير البرمكيين قبل ذا ... وإلا هلالا في زمان دياب
وكانوا لنا درعا لكل مهمة ... إلى أن بان من نار العدوّ شهاب
وخلوا الدار في جنح الظلام ولا اتقوا ... ملامه ولا دار الكرام عتاب
كسوا الحي جلباب البهيم لستره ... وهم لو دروا لبسوا قبيح جباب
كذلك منهم حانس ما دار النبا ... ذهل حلمي ان كان عقله غاب
يظنّ ظنونا ليس نحن بأهلها ... تمنى يكن له في السماح شعاب
خطا هو ومن واتاه في سوء ظنه ... بالاثبات من ظنّ القبائح عاب
فوا عزوتي ان الفتى بو محمد ... وهوب لآلاف بغير حساب
وبرحت الأوغاد منه ويحسبوا ... بروحه ما يحيى بروح سحاب
جروا يطلبوا تحت السحاب شرائع ... لقوا كل ما يستاملوه سراب
стр. 812
وهو لو عطى ما كان للرأي عارف ... ولا كان في قلة عطاه صواب
وان نحن ما نستاملوا عنه راحة ... وانه باسهام التلاف مصاب
وان ما وطا ترشيش يضياق وسعها ... عليه ويمشي بالفزوع لزاب
وانه منها عن قريب مفاصل ... خنوج عناز هوالها وقباب
وعن فاتنات الطرف بيض غوانج ... ربوا خلف استار وخلف حجاب
يتيه إذا تاهوا ويصبوا إذا صبوا ... بحسن قوانين وصوت رباب
يضلوه عن عدم اليمين وربّما ... يطارح حتى ما كأنّه شاب
بهم حازله زمّه وطوع أوامر ... ولذة مأكول وطيب شراب
حرام على ابن تافركين ما مضى ... من الودّ إلّا ما بدل بحراب
وان كان له عقل رجيح وفطنة ... يلجج في اليم الغريق غراب
وأما البدا لا بدّها من فياعل ... كبار إلى أن تبقى الرجال كباب
ويحمي بها سوق علينا سلاعه ... ويحمار موصوف القنا وجعاب
ويمسي غلام طالب ريح ملكنا ... ندوما ولا يمسي صحيح بناب
أيا واكلين الخبز تبغوا أدامه ... غلطتوا أدمتوا في السموم لباب
ومن شعر عليّ بن عمر بن إبراهيم من رؤساء بني عامر لهذا العهد أحد بطون زغبة يعاتب بني عمّه المتطاولين إلى رياسته:
محبرة كالدرّ في يد صانع ... إذا كان في سلك الحرير نظام
أباحها منها فيه أسباب ما مضى ... وشاء تبارك والضعون تسام
غدامنه لام الحيّ حيين وانشطت ... عصاها ولا صبنا عليه حكام
ولكن ضميري يوم بان بهم إلينا ... تبرّم على شوك القتاد برام
وإلا كأبراص التهامي قوادح ... وبين عواج الكانفات ضرام
والا لكان القلب في يد قابض ... أتاهم بمنشار القطيع غشام
لما قلت سما من شقا البين زارني ... إذا كان ينادي بالفراق وخام
стр. 813
ألا يا ربوع كان بالأمس عامر ... بيحيى وحله والقطين لمام
وغيد تداني للخطأ في ملاعب ... دجى الليل فيهم ساهر ونيام
ونعم يشوف الناظرين التحامها ... لنا ما بدا من مهرق وكظام
وعرود باسمها ليدعو لسربها ... واطلاق من شرب المها ونعام
واليوم ما فيها سوى البوم حولها ... ينوح على اطلال لها وخيام
وقفنا بها طورا طويلا نسألها ... بعين سخينا والدموع سجام
ولا صحّ لي منها سوى وحش خاطري ... وسقمي من أسباب إن عرفت أوهام
ومن بعد ذاتدّى لمنصور بو علي ... سلام ومن بعد السلام سلام
وقولوا له يا بو ألوفا كلح رأيكم ... دخلتم بحور غامقات دهام
زواخر ما تنقاس بالعود إنما ... لها سيلات على الفضا وإكام
ولا قستمو فيها قياسا يدلكم ... وليس البحور الطاميات تعام
وعانوا على هلكاتكم في ورودها ... من الناس عدمان العقول لئام
أيا غزوة ركبوا الضلالة ولا لهم ... قرار ولا دنيا لهن دوام
الا غناهمو لو ترى كيف زايهم ... مثل سراب فلاة ما لهن تمام
خلو القنا يبغون في مرقب العلا ... مواضع ما هيا لهم بمقام
وحق النبي والبيت وأركانه العلى ... ومن زارها في كل دهر وعام
لبرّ الليالي فيه ان طالت الحيا ... يذوقون من خمط الكساع مدام
ولا برها تبقى البوادي عواكف ... بكل رديني مطرب وحسام
وكل مسافة كالسد إياه عابر ... عليها من أولاد الكرام غلام
وكل كميت يكتعص عض نابه ... يظل يصارع في العنان لجام
وتحمل بنا الأرض العقيمة مدة ... وتولدنا من كل ضيق كظام
بالأبطال والقود الهجان وبالقنا ... لها وقت وجنات البدور زحام
أتجحدني وأنا عقيد نقودها ... وفي سن رمحي للحروب علام
стр. 814
ونحن كأضراس الموافي بنجعكم ... حتى يقاضوا من ديون غرام
متى كان يوم القحط يا مير أبو علي ... يلقى سعايا صائرين قدّام
كذلك بو حمو إلى اليسر ابعته ... وخلى الجياد العاليات تسام
وخلّ رجالا لا يرى الضيم جارهم ... ولا يجمعوا بدهى العدو زفام
ألا يقيموها وعقد بؤسهم ... وهم عذر عنه دائما ودوام
وكم ثار طعنها على البدو سابق ... ما بين صحاصيح وما بين حسام
فتى ثار قطار الصوى يومنا على ... لنا أرض ترك الظاعنين زمام
وكم ذا يجيبوا أثرها من غنيمة ... حليف الثنا قشاع كل غيام
وإن جاء خافوه الملوك ووسعوا ... غدا طبعه يجدي عليه قيام
عليكم سلام الله من لسن فاهم ... ما غنت الورقا وناح حمام
ومن شعر عرب نمر بنواحي حوران لامرأة قتل زوجها فبعثت إلى أحلافه من قيس تغريهم بطلب ثأره تقول:
تقول فتاة الحيّ أمّ سلامه ... بعين أراع الله من لا رثى لها
تبيت بطول الليل ما تألف الكرى ... موجعة كان الشقا في مجالها
على ما جرى في دارها وبو عيالها ... بلحظة عين البين غير حالها
فقدنا شهاب الدين يا قيس كلكم ... ونمتوا عن أخذ الثار ماذا مقالها
أنا قلت إذا ورد الكتاب يسرّني ... ويبرد من نيران قلبي ذبالها
أيا حين تسريح الذوائب واللحى ... وبيض العذارى ما حميتو جمالها
стр. 815
(الموشحات والأزجال للأندلس)
وأمّا أهل الأندلس فلمّا كثر الشّعر في قطرهم وتهذّبت مناحيه وفنونه وبلغ التّنميق فيه الغاية استحدث المتأخّرون منهم فنّا منه سمّوه بالموشّح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة. ويسمّون المتعدّد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات. ويشتمل كلّ بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد. وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه النّاس جملة الخاصّة والكافّة لسهولة تناوله وقرب طريقه. وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافر الفريريّ [١] من شعراء الأمير عبد الله بن محمّد المروانيّ. وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربّه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخّرين ذكر وكسدت موشّحاتهما. فكان أوّل من برع في هذا الشّأن عبادة القزّاز شاعر المعتصم ابن صمادح صاحب المرية. وقد ذكر الأعلم البطليوسيّ أنّه سمع أبا بكر بن زهير يقول: كلّ الوشّاحين عيال على عبّادة القزّاز فيما اتّفق له من قوله: [٢]
بدر تمّ. شمس ضحا ... غصن نقا. مسك شمّ
ما أتمّ. ما أوضحا ... ما أورقا ما أنمّ
لا جرم. من لمحا ... قد عشقا. قد حرم
وزعموا أنّه لم يسبقه وشّاح من معاصريه الّذين كانوا في زمن الطّوائف.
وذكر غير واحد من المشايخ أنّ أهل هذا الشّأن بالأندلس يذكرون أنّ
стр. 816
جماعة من الوشّاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيليّة وكان كلّ واحد منهم اصطنع موشّحة وتأنّق فيها فتقدّم الأعمى الطّليطليّ للإنشاد فلمّا افتتح موشّحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان. سافر عن درّ [١] ... ضاق عنه الزّمان. وحواه صدري
صرف [٢] ابن بقيّ موشّحته وتبعه الباقون. وذكر الأعلم البطليوسيّ أنّه سمع ابن زهر يقول: ما حسدت قطّ وشّاحا على قول إلّا ابن بقيّ حين وقع له:
أما ترى أحمد. في مجده العالي لا يلحق ... أطلعه الغرب. فأرنا مثله يا مشرق
وكان في عصرهما من الموشّحين المطبوعين أبو بكر الأبيض. وكان في عصرهما أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التّلاحين المعروفة ومن الحكايات المشهورة أنّه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشّحته الّتي أوّلها:
جرّر الذّيل أيما جرّ ... وصل الشّكر منك بالشّكر
فطرب الممدوح لذلك لمّا ختمها بقوله:
عقد الله راية النّصر ... لأمير العلا أبي بكر
فلمّا طرق ذلك التّلحين سمع ابن تيفلويت صاح: وا طرباه: وشقّ ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وختمت وحلف بالأيمان المغلّظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلّا على الذّهب. فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه. وذكر أبو الخطّاب بن زهر أنّه جرى في مجلس أبي بكر بن زهير ذكر أبي بكر الأبيض الوشّاح المتقدّم الذّكر فغصّ منه بعض الحاضرين فقال كيف تغصّ ممّن يقول:
стр. 817
ما لذّ لي شراب راح «على رياض الأقاح ... لولا هضيم الوشاح» إذا أسا [١] في الصّباح
أو في الأصيل «أضحى يقول: ... ما للشمول» لطمت خدّي؟
وللشّمال «هبّت فمال ... غصن اعتدال» ضمّه بردي
ممّا أباد القلوبا «يمشي لنا مستريبا ... يا لحظه ردّ نوبا» ويا لماه الشّنيبا
برّد غليل «صبّ عليل ... لا يستحيل» فيه عن عهدي
ولا يزال «في كلّ حال ... يرجو الوصال» وهو في الصّدّ
واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحّدين محمّد بن أبي الفضل بن شرف. قال الحسن بن دويدة: رأيت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح:
شمس قاربت بدرا ... راح ونديم
وابن بهرودس الّذي له:
يا ليلة الوصل والسعود ... باللَّه عودي
وابن مؤهّل الّذي له:
ما العيد في حلّة وطاق. وشمّ وطيب. ... وإنّما العيد في التّلاقي. مع الحبيب.
وأبو إسحاق الرّوينيّ [٢] قال ابن سعيد: سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: إنّه دخل على ابن زهير [٣] وقد أسنّ وعليه زيّ البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة [٤] فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس. وجرت المحاضرة فأنشد لنفسه موشّحة وقع فيها:
كحل الدّجى يجري «من مقلة ... الفجر» على الصّباح
ومعصم النّهر «في حلل ... خضر» من البطاح
стр. 818
فتحرّك ابن زهير وقال أنت تقول هذا؟ قال: اختبر! قال: ومن تكون؟
فعرّفه، فقال: ارتفع فو الله ما عرفتك، قال ابن سعيد وسابق الحلبة الّذي أدرك هؤلاء أبو بكر بن زهير وقد شرّقت موشّحاته وغرّبت، قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهير لو قيل لك ما أبدع وأرفع ما وقع لك في التّوشيح قال كنت أقول:
ما للمولّه من سكره لا يفيق. يا له سكران. من غير خمر. ما للكئيب المشوق.
يندب الأوطان.
هل تستعاد. أيامنا ... بالخليج. وليالينا
أو نستفاد. من النسيم ... الأريج. مسك دارينا
أو هل يكاد. حسن المكان ... البهيج. أن يحيّينا؟
روض أظلّه. دوح عليه أنيق. مورق الأفنان. والماء يجري. وعائم وغريق.
من جنى الرّيحان.
واشتهر بعده ابن حيّون الّذي له من الزّجل المشهور قوله:
يفوّق سهمه كلّ حين ... بما شئت من يد وعين
وينشد في القصيد:
خلقت مليح علمت رامي ... فليس تخلّ ساع من قتال
وتعمل بذي العينين متاعي ... ما تعمل يديّ بالنبال
واشتهر معهما يومئذ بغرناطة المهر بن الفرس، قال ابن سعيد، ولمّا سمع ابن زهر قوله:
للَّه ما كان من يوم بهيج ... بنهر حمص على تلك المروج
ثمّ انعطفنا على فمّ الخليج ... نفضّ في حانه مسك الختام
стр. 819
عن عسجد زانه صافي المدام ورداء الأصيل ضمّه كف الظلام
قال ابن زهر: أين كنّا نحن عن هذا الرداء وكان معه في بلده مطرّف. أخبر ابن سعيد عن والده أنّ مطرّفا هذا دخل على ابن الفرس فقام له وأكرمه، فقال:
لا تفعل! فقال ابن الفرس: كيف لا أقوم لمن يقول:
قلوب تصاب بألحاظ تصيب ... فقل كيف تبقى بلا وجد
وبعد هذا ابن حزمون بمرسية. ذكر ابن الرائس أنّ يحيى الخزرجيّ دخل عليه في مجلسه فأنشده موشّحة لنفسه فقال له ابن حزمون: لا يكون الموشّح بموشّح حتّى يكون عاريا عن التّكلّف، قال على مثل ماذا؟ قال على مثل قولي:
يا هاجري هل إلى الوصال ... منك سبيل
أو هل ترى عن هواك سالي ... قلب العليل
وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة. قال ابن سعيد كان والدي يعجب بقوله:
إنّ سيل الصباح في الشرق ... عاد بحرا في أجمع الأفق
فتداعت نوادب الورق
أتراها خافت من الغرق ... فبكت سحرة على الورق
واشتهر بأشبيليّة لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل، قال ابن سعيد عن والده، سمعت سهل ابن مالك يقول له: يا ابن الفضل لك على الوشّاحين الفضل بقولك:
وا حسرتا لزمان مضى ... عشيّة بأنّ الهوى وانقضى
وأفردت بالرغم لا بالرضى ... وبتّ على جمرات الغضى
أعانق بالفكر تلك الطّلول ... وألثم بالوهم تلك الرّسوم
стр. 820
قال وسمعت أبا بكر بن الصابونيّ ينشد الأستاذ أبا الحسن الدّباج موشّحاته غير ما مرّة، فما سمعته يقول له للَّه درّك، إلّا في قوله:
قسما بالهوى لذي حجر ... ما للّيل المشوّق من فجر
جمد الصّبح ليس يطرد ما للّيليّ فيما أظنّ غد اصح يا ليل إنّك الأبد
أو قفصت قوادم النسر ... فنجوم السماء لا تسري
ومن محاسن موشّحات ابن الصابوني قوله:
ما حال صبّ ذي ضنى واكتئاب ... أمرضه يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتناب ... ثمّ اقتدى فيه الكرى بالحبيب
جفا جفوني النوم لكنني ... لم أبكه الا لفقد الخيال
وذا الوصال اليوم قد غرّني ... منه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللائم من صدّني ... بصورة الحقّ ولا بالمحال
واشتهر ببرّ أهل العدوة ابن خلف الجزائريّ صاحب الموشّحة المشهورة:
الإصباح قدحت زناد ... الأنوار في مجامز الزهر
وابن خرز البجائيّ وله من موشّحة:
ثغر الزمان موافق ... حباك منه بابتسام
ومن محاسن الموشّحات للمتأخّرين موشّحة ابن سهل شاعر إشبيليّة وسبتة من بعدها فمنها قوله:
هل دري ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صبّ حلّه عن مكنس
فهو في نار وخفق مثل ما ... لعبت ريح الصّبا بالقبس
وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره وقد مرّ ذكره فقال:
стр. 821
جادك الغيث إذا الغيث همي ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلّا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدّهر أشتات المنى ... ينقل الخطو على ما يرسم
زمرا بين فرادى وثنا ... مثل ما يدعو الوفود [١] الموسم
والحيا قد جلّل الرّوض سنى ... فثغور الزّهر [٢] فيه تبسم
وروى النّعمان عن ماء السّما ... كيف يروي مالك عن أنس؟
فكساه الحسن ثوبا معلما ... يزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمت سرّ الهوى ... بالدّجى لولا شموس الغرر [٣]
مال نجم الكأس فيها وهوى ... مستقيم السّير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى ... أنّه مرّ كلمح البصر
حين لذّ النّوم منّا [٤] أو كما ... هجم الصّبح هجوم [٤] الحرس
غارت الشّهب بنا أو ربّما ... أثّرت فينا عيون النّرجس
أيّ شيء لامرئ قد خلصا ... فيكون الرّوض قد مكّن فيه
تنهب الأزهار فيه الفرصا ... أمنت من مكره ما تتّقيه
فإذا الماء يناجي والحصا ... وخلا كلّ خليل بأخيه
تبصر الورد غيورا برما ... يكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيبا فهما ... يسرق الدّمع بأذني فرس
يا أهيل الحيّ من وادي الغضا ... وبقلبي مسكن أنتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ... لا أبالي شرقه من غربة
стр. 822
فأعيدوا عهد أنس قد مضى ... تنقذوا عانيكم من كربه [١]
واتّقوا الله وأحيوا مغرما ... يتلاشى نفسا في نفس
حبس القلب عليكم كرما ... أفترضون خراب الحبس [٢]
وبقلبي منكم مقترب ... بأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغرب ... شقوة المغري به وهو سعيد
قد تساوى محسن أو مذنب ... في هواه بين وعد ووعيد
ساحر [٣] المقلة معسول اللّمى ... جال في النّفس مجال النّفس
سدّد السّهم فأصمى إذ رمى ... بفؤادي نبلة المفترس [٤]
إن يكن جار وخاب الأمل ... وفؤاد الصّبّ بالشّوق يذوب
فهو للنّفس حبيب أوّل ... ليس في الحبّ لمحبوب ذنوب
أمره معتمل ممتثل ... في ضلوع قد براها وقلوب
حكم اللّحظ بها فاحتكما ... لم يراقب [٥] في ضعاف الأنفس
ينصف المظلوم ممّن ظلما ... ويجازي البرّ منها والمسي
ما لقلبي كلّما هبّت صبا ... عاده عيد من الشّوق جديد؟
كان في اللّوح له مكتتبا ... قوله إنّ عذابي لشديد
جلب الهمّ له والوصبا ... فهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرما ... فهي نار في هشيم اليبس
لم يدع من مهجتي إلّا الدّما [٦] ... كبقاء الصّبح بعد الغلس
стр. 823
سلّمي يا نفس في حكم القضا ... واعبري الوقت برجعى ومتاب
واتركي [١] ذكرى زمان قد مضى ... بين عتبى قد تقضّت وعتاب
واصرفي القول إلى المولى الرّضى ... ملهم التّوفيق في أمّ الكتاب
الكريم المنتهى والمنتمي ... أسد السّرج وبدر المجلس
ينزل النّصر عليه مثلما ... ينزل الوحي بروح القدس
وأمّا المشارقة فالتّكلّف ظاهر على ما عانوه من الموشّحات. ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشّحة ابن سناء الملك الّتي اشتهرت شرقا وغربا وأوّلها:
حبيبي ارفع حجاب النور ... عن العذار
تنظر المسك على كافور ... في جلنار
كلّلي يا سحب تيجان الربى ... بالحلى واجعلي
سوارها منعطف الجدول
ولمّا شاع فنّ التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامّة من أهل الأمصار على منواله، ونظّموا في طريقته بلغتهم الحضريّة من غير أن يلتزموا فيها إعرابا. واستحدثوا فنّا سمّوه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءوا فيه بالغرائب واتّسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة.
وأوّل من أبدع في هذه الطّريقة. الزجليّة أبو بكر بن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، لكن لم يظهر حلاها، ولا انسبكت معانيها واشتهرت رشاقتها إلّا في زمانه. وكان لعهد الملّثمين، وهو إمام الزجّالين على الإطلاق.
قال ابن سعيد: ورأيت أزجاله مرويّة ببغداد أكثر ممّا رأيتها بحواضر المغرب.
قال: وسمعت أبا الحسن بن جحدر الإشبيليّ، إمام الزجّالين في عصرنا يقول:
стр. 824
ما وقع لأحد من أئمّة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة، وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصبّ الماء من فيه على صفائح من الحجر متدرّجة فقال:
وعريش قد قام على دكان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان ... من غلظ ساق
وفتح فمه بحال إنسان ... بيه الفراق
وانطلق من ثم على الصفاح ... وألقى الصياح
وكان ابن قزمان، مع أنّه قرطبيّ الدار، كثيرا ما يتردّد إلى إشبيليّة ونيتاب نهرها، فاتّفق أن اجتمع ذات يوم جماعة من أعلام هذا الشأن. وقد ركبوا في النّهر للنزهة، ومعهم غلام جميل الصورة من سروات أهل البلد وبيوتهم. وكانوا مجتمعين في زورق للصيد، فنظموا في وصف الحال، وبدأ منهم عيسى البليديّ فقال:
يطمع بالخلاص قلبي وقد فاتو ... وقد ضمني عشقو لشهماتو
تراه قد حصل مسكين محلاتو ... يغلق وكذاك أمر عظيم صاباتو
توحش الجفون الكحل إن غابو ... وذيك الجفون الكحل أبلاتو
ثمّ قال أبو عمرو بن الزاهر الإشبيليّ:
نشب والهوى من لج فيه ينشب ... ترى ايش دعاه يشقى ويتعذب
مع العشق قام في بألوان يلعب ... وخلق كثير من ذا اللعب ماتوا
ثمّ قال أبو الحسن المقرّيّ الدانيّ:
نهار مليح يعجبن أوصافو ... شراب وملاح من حولي قد طافوا
والمقلين يقول من فوق صفصافو ... والبوري أخرى فقلاتو
стр. 825
ثمّ قال أبو بكر بن مرتين:
الحق تريد حديث بقالي عاد ... في الواد النزيه والبوري والصياد
لسنا حيتان ذيك الّذي يصطاد ... قلوب الورى هي في شبيكاتو
ثمّ قال أبو بكر بن قزمان:
إذا شمر كمامو يرميها ... ترى البوري يرشق لذاك الجيها
وليس مرادو أن يقع فيها ... إلا أن يقبل بدياتو
وكان في عصرهم بشرق الأندلس محلف الأسود، وله محاسن من الزّجل منها قوله:
قد كنت منشوب واختشيت النشب ... وردّني ذا العشق لأمر صعب
حتى تنظر الخدّ الشريق البهي ... تنتهي في الخمر ألما تنتهي
يا طالب الكيميا في عينيّ هي ... تنظر بها الفضة وترجع ذهب
وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس، وقعت له العجائب في هذه الطريقة، فمن قوله في زجله المشهور:
ورذاذ دق ينزل ... وشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضض ... وترى الآخر يذهب
والنبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب
وتريد تجي إلينا ... ثم تستحي وتهرب
ومن محاسن أزجاله قوله:
لاح الضيا والنجوم حيارى ... فقم بنا ننزع الكسل
شربت ممزوج من قراعا ... أحلى هي عندي من العسل
يا من يلمني كما تقلد ... قلدك الله بما تقول
стр. 826
يقول بان الذنوب تولد ... وأنّه يفسد العقول
لارض الحجاز موريكن لك أرشد ... ايش ما ساقك معي في ذا الفضول
مر أنت للحج والزيارا ... ودعني في الشرب منهمل
من ليس لو قدره ولا استطاع ... النية أبلغ من العمل
وظهر بعد هؤلاء بأشبيليّة ابن جحدر الّذي فضل على الزّجالين في فتح ميورقة بالزّجل الّذي أوّله هذا:
من عاند التوحيد بالسيف يمحق ... أنا بري ممن يعاند الحق
قال ابن سعيد لقيته ولقيت تلميذه المعمع صاحب الزّجل المشهور الّذي أوّله:
يا ليتني ان رأيت حبيبي ... أفتل اذنو بالرسيلا
ليش أخذ عنق الغزيل ... وسرق فم الحجيلا
ثمّ جاء من بعدهم أبو الحسن سهل ابن مالك إمام الأدب، ثمّ من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملّة الإسلاميّة غير مدافع، فمن محاسنه في هذه الطريقة:
امزج الأكواس واملالي تجدّد ... ما خلق المال إلا أن يبدّد
ومن قوله على طريقة الصوفيّة وينحو منحى الشّشتريّ منهم:
بين طلوع وبين نزول ... اختلطت الغزول
ومضى من لم يكن ... وبقي من لم يزول
ومن محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى:
البعد عنك يا بني أعظم مصائبي ... وحين حصل لي قربك سببت قاربي
стр. 827
وكان لعصر الوزير ابن الخطيب بالأندلس محمّد بن عبد العظيم من أهل وادي آش، وكان إماما في هذه الطريقة وله من زجل يعارض به مدغليس في قوله:
لاح الضياء والنجوم حيارى بقوله:
حل المجون يا أهل الشطارا ... مذحلت الشمس في الحمل
تجدّدوا كل يوم خلاعا ... لا تجعلوا بينها ثمل
إليها يتخلعوا في شنبل ... على خضورة ذاك النبات
وحل بغداد واجتياز النيل ... أحسن عندي من ذيك الجهات
وطاقتها أصلح من أربعين ميل ... ان مرت الريح عليه وجات
لم تلتق الغبار امارا ... ولا بمقدار ما يكتحل
وكيف ولاش فيه موضع رقاعا ... إلا ونسرّح فيه النحل
وهذه الطريقة الزجليّة لهذا العهد هي فنّ العامّة بالأندلس من الشّعر، وفيها نظمهم حتّى أنّهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر، لكن بلغتهم العاميّة ويسمّونه الشّعر الزجليّ مثل قول شاعرهم:
دهر لي نعشق جفونك وسنين ... وأنت لا شفقة ولا قلب يلين
حتى ترى قلبي من أجلك كيف رجع ... صنعة السكة بين الحدادين
الدموع ترشرش والنار تلتهب ... والمطارق من شمال ومن يمين
خلق الله النصارى للغزو ... وأنت تغزو قلوب العاشقين
وكان من المجيدين لهذه الطريقة لأوّل هذه المائة الأديب أبو عبد الله اللّوشيّ وله فيها قصيدة يمدح فيها السلطان ابن الأحمر:
طل الصباح قم يا نديمي نشربو ... ونضحكو من بعد ما نطربو
سبيكة الفجر أحكت شفق ... في ميلق الليل فقم قلبو
стр. 828
ترى عيارها خالص أبيض نقي ... فضة هو لكن الشفق ذهبو
فتنتفق سكتوا عند البشر ... نور الجفون من نورها يكسبو
فهو النهار يا صاحبي للمعاش ... عيش الغني فيه باللَّه ما أطيبوا
والليل أيضا للقبل والعناق ... على سرير الوصل يتقلبو
جاد الزمان من بعد ما كان بخيل ... ولش ليفلت من يديه عقربو
كما جرع مرو فما قد مضى ... يشرب بيننو ويأكل طيبو
قال الرقيب يا أدبا أيش ذا ... في الشرب والعشق ترى ننجبو
وتعجبوا عذالي من ذا الخبر ... فقلت يا قوم من ذا تتعجبوا
نعشق مليح الا رقيق الطباع ... علاش تكفروا باللَّه أو تكتبوا
ليش يربح الحسن إلا شاعر أديب ... يفض بكرا ويدع ثيبو
أما الكاس فحرام نعم هو حرام ... على الّذي ما يدري كيف يشربو
ويد الّذي يحسن حسابه ولم ... يقدر يحسن ألفاظ أن يجلبوا
وأهل العقل والفكر والمجون ... يغفر ذنوبهم لهذا إن أذنبوا
ظبي بهي فيها يطفي الجمر ... وقلبي في جمر الغضى يلهبو
غزال بهي ينظر قلوب الأسود ... وبالوهم قبل النظر يذهبوا
ثم يحييهم إذا ابتسم يضحكوا ... ويفرحوا من بعد ما يندبوا
فميم كالخاتم وثغر نقي ... خطيب الأمّة للقبل يخطبو
جوهر ومرجان أي عقد يا فلان ... قد صففه الناظم ولم يثقبو
وشارب أخضر يريد لاش يريد ... من شبهه بالمسك قد عيبو
يسبل دلال مثل جناح الغراب ... ليالي هجري منه يستغربوا
على بدن أبيض بلون الحليب ... ما قط راعي للغنم يحلبوا
وزوج هندات ما علمت قبلها ... ديك الصلا يا ريت ما أصلبوا
تحت العكاكن منها خصر رقيق ... من رقتو يخفي إذا تطلبوا
стр. 829
أرق هو من ديني فيما تقول جديد عتبك حق ما أكذبوا أي دين بقا لي معاك وأي عقل من يتبعك من ذا وذا تسلبوا تحمل ارداف ثقال كالرقيب حين ينظر العاشق وحين يرقبو ان لم ينفس غدر أو ينقشع في طرف ديسا والبشر تطلبوا يصير إليك المكان حين تجي وحين تغيب ترجع في عيني تبو محاسنك مثل خصال الأمير أو الرمل من هو الّذي يحسبو عماد الأمصار وفصيح العرب من فصاحة لفظه يتقرّبو بحمل العلم انفرد والعمل ومع بديع الشعر ما أكتبوا ففي الصدور بالرمح ما أطعنه وفي الرقاب بالسيف ما أضربوا من السماء يحسد في أربع صفات فمن يعدّ قلبي أو يحسبو الشمس نورو والقمر همتو الغيث جودو والنجوم منصبو يركب جواد الجود ويطلق عنان الاغنيا والجند حين يركبوا من خلعتو يلبس كل يوم بطيب منه بنات المعالي تطيبوا نعمتو تظهر على كل من يجيه قاصد ووارد قط ما خيبوا قد أظهر الحق وكان في حجاب لاش يقدر الباطل بعد ما يحجبو وقد بنى بالسر ركن التقى من بعد ما كان الزمان خربو تخاف حين تلقاه كما ترتجيه فمع سماحة وجهو ما أسيبو يلقى الحروب ضاحكا وهي عابسة غلاب هو لا شيء في الدنيا يغلبو إذا جبد سيفه ما بين الردود فليس شيء يغني من يضربو وهو سميّ المصطفى والإله للسلطنة اختار واستنخبو تراه خليفة أمير المؤمنين يقود جيوشو ويزين موكبو لذي الإمارة تخضع الرءوس نعم وفي تقبيل يديه يرغبوا ببيته بقي بدور الزمان يطلعوا في المجد ولا يغربوا
стр. 830
وفي المعالي والشرف يبعدوا وفي التواضع والحيا يقربوا والله يبقيهم ما دار الفلك وأشرقت شمسه ولاح كوكبو وما يغني ذا القصيد في عروض يا شمس خدر ما لها مغربو
ثمّ استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشّعر، في أعاريض مزدوجة كالموشّح، نظموا فيه بلغتهم الحضريّة أيضا وسمّوه عروض البلد، وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، فنظم قطعة على طريقة الموشّح ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلّا قليلا مطلعها:
أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمام ... على الغصن في البستان قريب الصباح
وكف السحر يمحو مداد الظلام ... وماء الندى يجري بثغر الاقاح
باكرت الرياض والطل فيها افتراق ... كثير الجواهر في نحور الجوار
ودمع النواعير ينهرق انهراق ... يحاكي ثعابين حلقت بالثمار
لووا بالغصون خلخال على كل ساق ... ودار الجميع بالروض دور السوار
وأيدي الندى تخرق جيوب الكمام ... ويحمل نسيم المسك عنها رياح
وعاج الصبا يطلى بمسك الغمام ... وجرّ النسيم ذيلو عليها وفاح
رأيت الحمام بين الورق في القضيب ... قد ابتلت ارياشو بقطر الندى
تنوح مثل ذاك المستهام الغريب ... قد التف من توبو الجديد في ردا
ولكن بما أحمر وساقو خضيب ... ينظم سلوك جوهر ويتقلدا
جلس بين الأغصان جلسة المستهام ... جناحا توسد والتوى في جناح
وصار يشتكي ما في الفؤاد من غرام ... منها ضمّ منقاره لصدره وصاح
قلت يا حمام أحرمت عيني الهجوع ... أراك ما تزال تبكي بدمع سفوح
قال لي بكيت حتى صفت لي الدموع ... بلا دمع نبقي طول حياتي ننوح
على فرخ طار لي لم يكن لو رجوع ... ألفت البكا والحزن من عهد نوح
كذا هو ألوفا وكذا هو الزمام ... انظر جفون صارت بحال الجراح
стр. 831
وأنتم من بكى منكم إذا تم عام ... يقول عناني ذا البكا والنواح
قلت يا حمام لو خضت بحر الضنى ... كنت تبكي وترثي لي بدمع هتون
ولو كان بقلبك ما بقلبي أنا ... ما كان يصير تحتك فروع الغصون
اليوم نقاسي الهجر كم من سنا ... حتى لا سبيل جمله تراني العيون
ومما كسا جسمي النحول والسقام ... أخفاني نحولي عن عيون اللواح
لو جتنى المنايا كان يموت في المقام ... ومن مات بعد يا قوم لقد استراح
قال لي لو رقدت لا وراق الرياض ... من خوفي عليه ودا النفوس للفؤاد
وتخضبت من دمعي وذاك البياض ... طوق العهد في عنقي ليوم التناد
أمّا طرف منقاري حديثو استفاض ... بأطراف البلد والجسم صار في الرماد
فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته، وتركوا الإعراب الّذي ليس من شأنهم، وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوّعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة والغزل. واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها. فمن المزدوج ما قاله ابن شجاع من فصولهم وهو من أهل تازا:
المال زينة الدنيا وعز النفوس ... يبهي وجوها ليس هي باهيا
فها كل من هو كثير الفلوس ... ولوه الكلام والرتبة العاليا
يكبر من كثر ما لو ولو كان صغير ... ويصغر عزيز القوم إذ يفتقر
من ذا ينطبق صدري ومن ذا تغير ... وكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر
حتى يلتجي من هو في قومو كبير ... لمن لا أصل عند وو لا لو خطر
لذا ينبغي يحزن على ذي العكوس ... ويصبغ عليه ثوب فراش صافيا
اللي صارت الاذناب أمام الرءوس ... وصار يستفيد الواد من الساقيا
ضعف الناس على ذا وفسد ذا الزمان ... ما يدروا على من يكثروا ذا العتاب
اللي صار فلان يصبح بو فلان ... ولو رأيت كيف يردّ الجواب
стр. 832
عشنا والسلام حتى رأينا عيان ... أنفاس السلاطين في جلود الكلاب
كبار النفوس جدّا ضعاف الاسوس ... هم ناحيا والمجد في ناحيا
يرو أنهم والناس يروهم تيوس ... وجوه البلد والعمدة الراسيا
ومن مذاهبهم قول ابن شجاع منهم في بعض مزدوجاته:
تعب من تبع ذا الزمان ... أهمل يا فلان لا يلعب الحسن فيك
ما منهم مليح عاهد الا وخان ... قليل من عليه تحبس ويحبس عليك
يهبوا على العشاق ويتمنعوا ... ويستعمدوا تقطيع قلوب الرجال
وان واصلوا من حينهم يقطعوا ... وان عاهدوا خانوا على كل حال
مليح كان هويتو وشت قلبي معو ... وصيرت من خدّي لقدمو نعال
ومهدت لو من وسط قلبي مكان ... وقلت لقلبي أكرم لمن حل فيك
وهوّن عليك ما يعتريك من هوان ... فلا بدّ من هول الهوى يعتريك
حكمتوا علي وارتضيت بو أمير ... فلو كان يرى حالي إذا يبصرو
يرجع مثل در حولي بوجه الغدير ... مرديه ويتعطس بحال انحرو
وتعلمت من ساعا بسبق الضمير ... ويفهم مرادو قبل أن يذكرو
ويحتل في مطلو لو أن كان ... عصر في الربيع أو في الليالي يريك
ويمشي بسوق كان ولو بأصبهان ... وايش ما يقل يحتاج لو يجيك
حتّى أتى على آخرها.
وكان منهم عليّ بن المؤذّن بتلمسان، وكان لهذه العصور القريبة من فحولهم بزرهون من ضواحي مكناسة رجل يعرف بالكفيف، أبدع في مذاهب هذا الفنّ. ومن أحسن ما علق له بمحفوظي قوله في رحلة السلطان أبي الحسن وبني مرين إلى إفريقية يصف هزيمتهم بالقيروان، ويعزّيهم عنها ويؤنسهم بما وقع لغيرهم بعد أن عيّبهم على غزاتهم إلى إفريقية في ملعبة من فنون هذه الطريقة
стр. 833
يقول في مفتحها، وهو من أبدع مذاهب البلاغة في الأشعار بالمقصد في مطلع الكلام وافتتاحه ويسمّى براعة الاستهلال:
سبحان مالك خواطر الأمرا ... ونواصيها في كل حين وزمان
ان طعناه أعظم لنا نصرا ... وان عصيناه عاقب بكل هوان
إلى أن يقول في السؤال عن جيوش المغرب بعد التخلّص:
كن مرعى قل ولا تكن راعي ... فالراعي عن رعيته مسئول
واستفتح بالصلاة على الداعي ... للإسلام والرضا السني المكمول
على الخلفاء الراشدين والاتباع ... واذكر بعدهم إذا تحب وقول
أحجاجا تخللوا الصحرا ... ودّوا سرح البلاد مع السكان
عسكر فاس المنيرة الغرّا ... وين سارت بو عزايم السلطان
أحجاج بالنبيّ الّذي زرتم ... وقطعتم لو كلاكل البيدا
عن جيش الغرب حين يسألكم ... المتلوف في افريقيا السودا
ومن كان بالعطايا يزوّدكم ... ويدع برية الحجاز رغدا
قام قل للسد صادف الجزرا ... ويعجز شوط بعد ما يخفان
ويزف كر دوم تهب في الغبرا ... أي ما زاد غزالهم سبحان
لو كان ما بين تونس الغربا ... وبلاد الغرب سدّ السكندر
مبنى من شرقها إلى غربا ... طبقا بحديد أو ثانيا بصفر
لا بد الطير أن تجيب نبا ... أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر
ما أعوصها من أمور وما شرا ... لو تقرأ كل يوم على الديوان
لجرت بالدم وانصدع حجرا ... وهوت الخراب وخافت الغزلان
أدر لي بعقلك الفحاص ... وتفكر لي بخاطرك جمعا
ان كان تعلم حمام ولا رقاص ... عن السلطان شهر وقبله سبعا
تظهر عند المهيمن القصاص ... وعلامات تنشر على الصمعا
стр. 834
الا قوم عاريين فلا سترا ... مجهولين لا مكان ولا إمكان
ما يدروا كيف يصوروا كسرا ... وكيف دخلوا مدينة القيروان
أمولاي أبو الحسن خطينا الباب ... قضية سيرنا إلى تونس
فقنا كنا على الجريد والزاب ... واش لك في أعراب افريقيا القوبس
ما بلغك من عمر فتى الخطاب ... الفاروق فاتح القرى المولس
ملك الشام والحجاز وتاج كسرى ... وفتح من افريقيا وكان
ردّ ولدت لو كرّه ذكرى ... ونقل فيها تفرّق الاخوان
هذا الفاروق مردي الأعوان ... صرح في افريقيا بذا التصريح
وبقت حمى إلى زمن عثمان ... وفتحها ابن الزبير عن تصحيح
لمن دخلت غنائمها الديوان ... مات عثمان وانقلب علينا الريح
وافترق الناس على ثلاثة أمرا ... وبقي ما هو للسكوت عنوان
إذا كان ذا في مدّة البرارا ... اش نعمل في أواخر الأزمان
وأصحاب الحضر في مكناساتا ... وفي تاريخ كأنا وكيوانا
تذكر في صحتها أبياتا ... شق وسطيح وابن مرانا
ان مرين إذا تكف براياتا ... لجدّا وتونس قد سقط بنيانا
قد ذكرنا ما قال سيد الوزرا ... عيسى بن الحسن الرفيع الشان
قال لي رأيت وأنا بذا أدري ... لكن إذا جاء القدر عميت الأعيان
ويقول لك ما دهى المرينيا ... من حضرة فاس إلى عرب دياب
أراد المولى بموت ابن يحيى ... سلطان تونس وصاحب الأبواب
ثمّ أخذ في ترحيل السلطان وجيوشه، إلى آخر رحلته ومنتهى أمره، مع أعراب إفريقية، وأتى فيها بكلّ غريبة من الإبداع. وأمّا أهل تونس فاستحدثوا فنّ الملعبة أيضا على لغتهم الحضريّة، إلّا أنّ أكثره رديء ولم يعلق بمحفوظي منه شيء لرداءته
.
стр. 835
الموشحات والأزجال في المشرق
وكان لعامّة بغداد أيضا فنّ من الشعر يسمّونه المواليا، وتحته فنون كثيرة يسمّون منها القوما، وكان وكان، ومنه مفرد ومنه في بيتين، ويسمّونه دو بيت على الاختلاف المعتبرة عندهم في كلّ واحد منها، وغالبها مزدوجة من أربعة أغصان. وتبعهم في ذلك أهل مصر القاهرة وأتوا فيها بالغرائب، وتبحّروا فيها في أساليب البلاغة بمقتضى لغتهم الحضريّة، فجاءوا بالعجائب، ورأيت في ديوان الصفيّ الحلّي من كلامه «أنّ المواليا من بحر البسيط، وهو ذو أربعة أغصان وأربع قواف، ويسمّى صوتا وبيتين. وأنّه من مخترعات أهل واسط، وأنّ كان وكان فهو قافية واحدة وأوزان مختلفة في أشطاره: الشطر الأوّل من البيت أطول من الشطر الثاني ولا تكون قافيته إلّا مردفة بحرف العلّة وأنّه من مخترعات البغداديّين. وأنشد فيه لنا:
بغمز الحواجب حديث تفسير ومنو أوبو، وأمّ الأخرس تعرف بلغة الخرسان» . انتهى كلام الصفيّ. ومن أعجب ما علق بحفظي منه قول شاعرهم:
هذي جراحي طريا ... والدما تنضح
وقاتلي يا أخيا ... في الفلا يمرح
قالوا ونأخذ بثأرك ... قلت ذا أقبح
إلى جرحتي يداويني ... يكون أصلح
ولغيره:
طرقت باب الخبا قالت من الطارق ... فقلت مفتون لا ناهب ولا سارق
تبسمت لاح لي من ثغرها بارق ... رجعت حيران في بحر أدمعي غارق
ولغيره:
стр. 836
عهدي بها وهي لا تأمن علي البين ... وان شكوت الهوى قالت فدتك العين
لمن يعاين لها غيري غلام الزين ... ذكرتها العهد قالت لك على دين
ولغيره في وصف الحشيش:
دي خمر صرف التي عهدي بها باقي ... تغني عن الخمر والخمار والساقي
قحبا ومن قحبها تعمل على احراقي ... خبيتها في الحشى طلت من احداقي
ولغيره:
يا من وصالو لأطفال المحبة بح ... كم توجع القلب بالهجران أوّه أح
أودعت قلبي حوحو والتصبر بح ... كل الورى كخ في عيني وشخصك دح
ولغيره:
ناديتها ومسيبي قد طواني طيّ ... جودي عليّ بقبلة في الهوى يا مي
قالت وقد كوت داخل فؤادي كيّ ... ما ظن ذا القطن يغشى فمّ من هو حيّ
ولغيره:
رآني ابتسم سبقت سحب أدمعي برقه ... ماط اللثام تبدي بدر في شرقه
اسبل دجى الشعرتاه القلب في طرقه ... رجع هدانا بخيط الصبح من فرقه
ولغيره:
يا حادي العيس ازجر بالمطايا زجر ... وقف على منزل أحبابي قبيل الفجر
وصيح في حيهم يا من يريد الأجر ... ينهض يصلي على ميت قتيل الهجر
ولغيره:
عيني التي كنت ارعاكم بها باتت ... ترعى النجوم وبالتسهيد اقتاتت
وأسهم البين صابتني ولا فاتت ... وسلوتي عظم الله أجركم ماتت
стр. 837
ولغيره:
هويت في قنطرتكم يا ملاح الحكر ... غزال يبلى الأسود الضاريا بالفكر
غصن إذا ما انثنى يسبي البنات البكر ... وان تهلل فما للبدر عند وذكر
ومن الّذي يسمّونه دو بيت:
قد أقسم من أحبه بالباري ... أن يبعث طيفه مع الأسحار
يا نار أشواقي به فاتقدي ... ليلا فعساه يهتدي بالنار
واعلم أنّ الأذواق كلّها في معرفة البلاغة إنّما تحصل لمن خالط تلك اللّغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتّى يحصّل ملكتها كما قلناه في اللّغة العربيّة. فلا يشعر الأندلسيّ بالبلاغة الّتي في شعر أهل المغرب ولا المغربيّ بالبلاغة الّتي في شعر أهل الأندلس والمشرق ولا المشرقيّ بالبلاغة الّتي في شعر الأندلس والمغرب. لأنّ اللّسان الحضريّ وتراكيبه مختلفة فيهم. وكلّ واحد منهم مدرك لبلاغة لغته وذائق لمحاسن الشّعر من أهل جلدته وفي خلق السّماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات للعالمين وقد كدنا نخرج عن الغرض.
стр. 838
وجاء مصلّيا خلفه منهم ابن رافع، رأس [١] شعراء المأمون ابن ذي النون صاحب طليطلة. قالوا وقد أحسن في ابتدائه في موشّحته الّتي طارت له حيث يقول:
العود قد ترنّم بأبدع تلحين ... وسقت المذانب رياض البساتين
وفي انتهائه حيث يقول:
تخطّر ولا [٢] تسلم عساك المأمون ... مروّع الكتائب يحيى بن ذي النون
ثمّ جاءت الحلبة الّتي كانت في دولة الملثّمين، فظهرت لهم البدائع، وسابق فرسان حلبتهم الأعمى الطليطليّ [٣] ، ثمّ يحيى بن بقيّ، وللطليطليّ من الموشوحات المهذّبة قوله:
كيف السبيل إلى ... صبري وفي العالم أشجان
والركب وسط الفلا ... بالخرّد النواعم قد بان
خاتمة
ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأوّل الّذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية له.
ولعلّ من يأتي بعدنا ممّن يؤيّده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر ممّا كتبنا فليس على مستنبط الفنّ إحصاء مسائله وإنّما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلّم فيه والمتأخّرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل. وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٢: ٢١٦.
قال مؤلف الكتاب عفى الله عنه: أتممت هذا الجزء الأول المشتمل على المقدمة بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة. ثم نقحته بعد ذلك وهذبته وألحقت به تواريخ الأمم كما ذكرت في أوله وشرطته. وما العلم الا من عند الله العزيز الحكيم.
стр. 839
[المجلد الثاني]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد
وفيه ذكر معاصريهم من الأمم المشاهير، مثل السريانيين والنبط والكلدانيين والفرس والقبط وبني إسرائيل وبني يونان والروم، والإمام بأخبار دولهم. ويتقدّم الكلام في ذلك مقدمتان:
إحداهما في أمم العالم وأنسابهم على الجملة.
الثانية في كيفية أوضاع الأنساب في هذا الكتاب.
المقدّمة الاولى في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في أنسابهم
اعلم أن الله اعتمر هذا العالم بخلقه وكرّم بني آدم باستخلافهم في أرضه، وبثهم في نواحيها لتمام حكمته، وخالف بين أممهم وأجيالهم إظهارا لآياته، فيتعارفون الأنساب، ويختلفون باللغات والألوان، ويتمايزون بالسير والمذاهب والأخلاق، ويفترقون بالنحل والأديان والأقاليم والجهات. فمنهم العرب والفرس والروم وبنو إسرائيل والبربر، ومنهم الصقالبة والحبش والزنج، ومنهم أهل الهند وأهل بابل وأهل الصين وأهل اليمن وأهل مصر وأهل المغرب. ومنهم المسلمون والنصارى
стр. 840
واليهود والصابئة والمجوس، ومنهم أهل الوبر وهم أصحاب الخيام والحلل وأهل المدر وهم أصحاب المجاشر والقرى والأطم، ومنهم البدو الظواهر والحضر الأهلون. ومنهم العرب أهل البيان والفصاحة والعجم وأهل الرطانة بالعبرانية والفارسية والإغريقية واللطينية والبربرية. خالف أجناسهم وأحوالهم وألسنتهم وألوانهم ليتم أمر الله في اعتمار أرضه بما يتوزعونه من وظائف الرزق وحاجات المعاش بحسب خصوصياتهم ونحلهم فتظهر آثار القدرة وعجائب الصنعة وآيات الوحدانية إنّ في ذلك لآيات للعالمين.
واعلم أنّ الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال والأمم لخفائه واندراسه بدروس الزمان وذهابه. ولهذا كان الاختلاف كثيرا ما يقع في نسب الجيل الواحد أو الأمّة الواحدة إذا اتصلت مع الأيام وتشعّبت بطونها على الأحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب.
اختلفت الأنساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوي استظهر كل ناسب على صحّة ما ادّعاه بشواهد الأحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان وما يرجع الى ذلك من خصائص القبائل وسمات الشعوب والفرق التي تكون فيهم منتقلة متعاقبة في بنيهم.
وسئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه الى آدم فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك؟ فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك وقال من يخبره به؟ وعلى هذا درج كثير من علماء السلف وكره أيضا أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان وقال من يخبره به. وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى: «وَالَّذِينَ من بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا الله ١٤: ٩» قال: كذب النسابون. واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنّه ﷺ لما بلغ نسبه الكريم الى عدنان قال من هاهنا كذب النسابون. واحتجوا أيضا بما ثبت فيه أنه علم لا ينفع وجهالة لا تضرّ إلى غير ذلك من الاستدلالات.
وذهب كثير من أئمة المحدّثين والفقهاء مثل ابن إسحاق والطبري والبخاري الى جواز الرفع في الأنساب ولم يكرهوه، محتجين بعمل السلف فقد كان أبو بكر ﵁ أنسب قريش لقريش ومضر بل ولسائر العرب وكذا ابن عباس وجبير بن مطعم وعقيل بن أبي طالب وكان من بعدهم ابن شهاب والزهري وابن سيرين وكثير من
стр. 841
التابعين. قالوا وتدعو الحاجة اليه في كثير من المسائل الشرعية مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح والعاقلة في الديات والعلم بنسب النبيّ ﷺ وأنه القرشيّ الهاشمي الّذي كان بمكة وهاجر الى المدينة فانّ هذا من فروض الايمان ولا يعذر الجاهل به. وكذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها. وكذا من يفرّق في الحرّيّة والاسترقاق بين العرب والعجم. فهذا كله يدعو الى معرفة الأنساب ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه فلا ينبغي أن يكون ممنوعا.
وأمّا حديث ابن عباس أنه ﷺ لما بلغ نسبه الى عدنان قال من هاهنا كذب النسّابون يعني من عدنان. فقد أنكر السهيليّ روايته من طريق ابن عبّاس مرفوعا وقال الأصح انه موقوف على ابن مسعود. وخرّج السهيليّ عن أمّ سلمة أنّ النبيّ ﷺ قال: معدّ بن عدنان بن أدد بن زيد بن البرّي بن أعراق الثري. قال وفسرت أم سلمة زيدا بأنه الهميسع والبرّي بأنه نبت أو نابت واعراق الثري بأنه إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم وإبراهيم لم تأكله النار كما لا تأكل الثرى. وردّ السهيليّ تفسير أمّ سلمة وهو الصحيح، وقال إنما معناه معنى قوله ﷺ كلكم بنو آدم وآدم من تراب لا يريد أنّ الهميسع ومن دونه ابن لإسماعيل لصلبه وعضد ذلك باتفاق الأخبار على بعد المدّة بين عدنان وإسماعيل التي تستحيل في العادة أن يكون فيها بينهما أربعة آباء أو سبعة أو عشرة أو عشرون لأن المدّة أطول من هذا كله كما نذكره في نسب عدنان فلم يبق في الحديث متمسّك لأحد من الفريقين. وأما ما رووه من أنّ النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضرّ فقد ضعّف الأئمة رفعه إلى النبيّ ﷺ مثل الجرجاني وأبي محمد بن حزم وأبي عمر بن عبد البرّ. وألحق في الباب أنّ كل واحد من المذهبين ليس على إطلاقه فانّ الأنساب القريبة التي يمكن التوصّل إلى معرفتها لا يضرّ الاشتغال بها لدعوى الحاجة اليها في الأمور الشرعية من التعصيب والولاية والعاقلة وفرض الايمان بمعرفة النبي ﷺ ، ونسب الخلافة والتفرقة بين العرب والعجم في الحريّة والاسترقاق عند من يشترط ذلك كما مرّ كله وفي الأمور العادية أيضا تثبت به اللّحمة الطبيعية التي تكون بها المدافعة والمطالبة. ومنفعة ذلك في اقامة الملك والدين ظاهرة. وقد كان صلى
стр. 842
الله عليه وسلم وأصحابه ينسبون الى مضر ويتساءلون عن ذلك. وروي عنه ﷺ أنّه قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. وهذا كله ظاهر في النسب القريب، وأمّا الأنساب البعيدة العسرة المدرك التي لا يوقف عليها إلا بالشواهد والمقارنات لبعد الزمان وطول الأحقاب أو لا يوقف عليها رأسا لدروس الأجيال فهذا قد ينبغي أن يكون له وجه في الكراهة كما ذهب اليه من ذهب من أهل العلم مثل مالك وغيره لأنه شغل الإنسان بما لا يعنيه. وهذا وجه قوله ﷺ فيما بعد عدنان من هاهنا كذب النسّابون لأنها أحقاب متطاولة ومعالم دارسة لا تثلج الصدور باليقين في شيء منها مع أنّ علمها لا ينفع وجهلها لا يضرّ كما نقل والله الهادي الى الصواب.
ولنأخذ الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة ونترك تفصيل كل واحد منها الى مكانه فنقول: إنّ النسّابين كلّهم اتفقوا على أنّ الأب الأوّل للخليقة هو آدم ﵇ كما وقع في التنزيل إلا ما يذكره ضعفاء الأخباريين من أن الجنّ والطمّ أمّتان كانتا فيما زعموا من قبل آدم، وهو ضعيف متروك وليس لدينا من أخبار آدم وذرّيته إلّا ما وقع في المصحف الكريم وهو معروف بين الأئمّة. واتفقوا على أنّ الأرض عمرت بنسله أحقابا وأجيالا بعد أجيال إلى عصر نوح ﵇ وأنه كان فيهم أنبياء مثل شيث وإدريس وملوك في تلك الأجيال معدودون وطوائف مشهورون بالنحل مثل الكلدانيين ومعناه الموحّدون، ومثل السريانيين وهم المشركون. وزعموا أنّ أمم الصابئة منهم وأنهم من ولد صابئ بن لمك بن أخنوخ، وكان نحلتهم في الكواكب والقيام لها كلها واستنزال روحانيّتها وأنّ من حزبهم الكلدانيين أي الموحّدين. وقد ألّف أبو إسحاق الصابي الكاتب مقالة في أنسابهم ونحلتهم. وذكر أخبارهم أيضا داهر مؤرّخ السريانيين والبابا الصابي الحرّاني وذكروا استيلاءهم على العالم وجملا من نواميسهم. وقد اندرسوا وانقطع أثرهم. وقد يقال أنّ السريانيين من أهل تلك الأجيال، وكذلك النمروذ والازدهاق وهو المسمى بالضّحاك من ملوك الفرس وليس ذلك بصحيح عند المحقّقين.
واتفقوا على أنّ الطوفان الّذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع بما كان من خراب المعمور ومهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار
стр. 843
أهل الأرض كلّهم من نسله وعاد أبا ثانيا للخليقة وهو نوح بن لامك ويقال لمك بن متوشلخ بفتح اللام وسكونها ابن خنوخ، ويقال أخنوخ، ويقال أشنخ، ويقال أخنخ وهو إدريس النبيّ فيما قاله ابن إسحاق ابن بيرد ويقال بيرد بن مهلائيل ويقال ماهلايل بن قاين ويقال قينن بن أنوش ويقال يانش بن شيث بن آدم، ومعنى شيث عطيّة الله هكذا نسبه ابن إسحاق وغيره من الأئمة وكذا وقع في التوراة نسبه وليس فيه اختلاف بين الأئمة. ونقل ابن إسحاق أنّ خنوخ الواقع اسمه في هذا النسب هو إدريس النبيّ صلوات الله عليه وهو خلاف ما عليه الأكثر من النسّابين فإنّ إدريس عندهم ليس بجدّ لنوح ولا في عمود نسبه وقد زعم الحكماء الأقدمون أيضا أنّ إدريس هو هرمس المشهور بالإمامة في الحكمة عندهم. وكذلك يقال: أنّ الصابئة من ولد صابئ بن لامك وهو أخو نوح ﵇. وقيل أنّ صابئ متوشلخ جدّه.
واعلم أنّ الخلاف الّذي في ضبط هذه الأسماء إنّما عرض في مخارج الحروف فإنّ هذه الأسماء إنّما أخذها العرب من أهل التوراة ومخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب، فإذا وقع الحرف متواسطا بين حرفين من لغة العرب، فتردّه العرب تارة الى هذا وتارة الى هذا. وكذلك إشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم، فمن هاهنا اختلف الضبط في هذه الأسماء.
واعلم أنّ الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط.
واعلم أنّ آدم هو كيومرث وهو نهاية نسبهم فيما يزعمون، وأنّ أفريدون الملك في آبائهم هو نوح، وأنّه بعث لازدهاق وهو الضحّاك فلبسه الملك وقبله كما يذكر بعد في أخبارهم. وقد تترجّح صحة هذه الأنساب من التوراة وكذلك قصص الأنبياء الأقدمين إذ أخذت عن مسلمي يهودا ومن نسخ صحيحة من التوراة يغلب على الظن صحتها وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى ﵇ وإسرائيل وشعوب الأسباط ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه. والنسب والقصص أمر لا يدخله النسخ فلم يبق إلا تحرّي النسخ الصحيحة والنقل المعتبر. وأمّا ما يقال من أن علماءهم بدّلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم. فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه: انّ ذلك بعيد، وقال معاذ الله ان تعمد أمّة الأمم الى كتابها المنزل على نبيّها فتبدّله أو ما في معناه، وقال وإنّما بدّلوه
стр. 844
وحرّفوه بالتأويل ويشهد لذلك قوله تعالى: «وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ الله ٥: ٤٣» ولو بدّلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم الله وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فإنّما المعنيّ به التأويل اللَّهمّ إلّا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط. وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب، وجماعتهم انتشرت في الآفاق واستوى الضابط منهم وغير الضابط، والعالم والجاهل، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرّق من أجل ذلك الى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير متعمد من علمائهم وأحبارهم. ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذ تحرّى القاصد لذلك بالبحث عنه.
ثم اتفق النسابون ونقلت المفسرين على أنّ ولد نوح الذين تفرّعت الأمم منهم ثلاثة:
سام وحام ويافث وقد وقع ذكرهم في التوراة، وأنّ يافث أكبرهم وحام الأصغر وسام الأوسط، وخرّج الطبري في الباب أحاديث مرفوعة بمثل ذلك وأنّ سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش والزنج وفي بعضها السودان. وفي بعضها سام أبو العرب وفارس والروم، ويافث أبو التّرك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وحام أبو القبط والسودان والبربر، ومثله عن ابن المسيّب ووهب بن منبّه. وهذه الأحاديث وإن صحّت فإنّما الأنساب فيها مجملة ولا بدّ من نقل ما ذكره المحققون في تفريع أنساب الأمم من هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وكذلك نقل الطبريّ إنه كان لنوح ولد اسمه كنعان وهو الّذي هلك في الطوفان، قال وتسميه العرب يام، وآخر مات قبل الطوفان اسمه عابر. وقال هشام كان له ولد اسمه بوناطر والعقب إنّما هو من الثلاثة على ما أجمع عليه الناس وصحت به الأخبار، فأمّا سام فمن ولده العرب على اختلافهم وإبراهيم وبنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين.
والخلاف بينهم إنّما هو في تفاريع ذلك أو في نسب غير العرب الى سام.
فالذي نقله ابن إسحاق: أنّ سام بن نوح كان له من الولد خمسة وهم: أرفخشذ ولاوذ وإرم وأشوذ وغليم. وكذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة وأنّ بني أشوذ هم أهل الموصل، وبني غليم أهل خوزستان ومنها الأهواز. ولم يذكر في التوراة ولد لاوذ. وقال ابن إسحاق: وكان للاوذ أربعة من الولد: وهم طسم وعمليق وجرجان وفارس قال: ومن العماليق أمّة جاسم فمنهم بنو لفّ وبنو هزّان وبنو مطر
стр. 845
وبنو الأزرق ومنهم بديل وراحل وظفّار، ومنهم الكنعانيّون وبرابرة الشام وفراعنة مصر. وعن غير ابن إسحاق أنّ عبد بن ضخم وأميم من ولد لاوذ. قال ابن إسحاق: وكانت طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلّمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلّمون بالفارسية.
قال وولد إرم: عوص وكاثر وعبيل ومن ولد عوص عاد ومنزلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت. ومن ولد كاثر ثمود وجديس ومنزل ثمود بالحجر بين الشام والحجاز.
وقال هشام بن الكلبي: عبيل بن عوص أخو عاد. وقال ابن حزم عن قدماء النسّابين: انّ لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عوص وكاثر. قال: فعلى هذا يكون جديس وثمود أخوين، وطسم وعملاق أخوين أبناء عمّ لحام وكلهم بنو عم عاد.
قال: ويذكرون أنّ عبد بن ضخم بن إرم وأنّ أميم بن لاوذ بن إرم. قال الطبري: وفهّم الله لسان العربيّة عادا وثمود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة. وربما يقال: إنّ من العرب العاربة يقطن أيضا، ويسمون أيضا العرب البائدة ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد. قال: وكان يقال عاد إرم فلمّا هلكوا قيل ثمود إرم ثمّ هلكوا فقيل لسائر ولد إرم أرمان وهو النبط. وقال هشام بن محمد الكلبيّ: إنّ النبط بنو نبيط بن ماش بن إرم والسريان بنو سريان بن نبط.
وذكر أيضا أنّ فارس من ولد أشوذ بن سام وقال فيه فارس بن طبراش بن أشوذ، وقيل أنهم من أميم بن لاوذ وقيل ابن غليم وفي التوراة: ذكر ملك الأهواز واسمه كردلا عمرو من بني غليم والأهواز متصلة ببلاد فارس. فلعل هذا القائل ظنّ أنّ أهل أهواز هم فارس والصحيح أنهم من ولد يافث كما يذكر. وقال أيضا إنّ البربر من ولد عمليق بن لاوذ وأنهم بنو تميلة من مأرب بن قاران بن عمر بن عمليق والصحيح أنهم من كنعان بن حام كما يذكر. وذكر في التوراة ولد إرم أربعة عوص وكاثر وماش ويقال مشح والرابع حول. ولم يقع عند بني إسرائيل في تفسير هذا شيء إلّا أنّ الجرامقة من ولد كاثر. وقد قيل إنّ الكرد والدّيلم من العرب. وهو قول مرغوب عنه.
وقال ابن سعيد كان لأشوذ أربعة من الولد إيران ونبيط وجرموق وباسل فمن إيران الفرس والكرد والخزر، ومن نبيط النبط والسريان، ومن جرموق الجرامقة وأهل الموصل، ومن باسل الديلم وأهل الجبل. قال الطبري: ومن ولد أرفخشذ العبرانيون