وقد تكلم الإمام ابن القيم بكلام ماتع على هذه القاعدة، بين فيه حكمة الرب تعالى في تفاوت العقوبات ومناسبة كل عقوبة للجرم الواقع، فقال (١): (فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شَرَع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس من بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقَتْل والجرح والقذت والسرقة؛ فأحْكم سبحانه وجوهَ الزّجرِ الرادعةِ عن هذه الجنايات غايةَ الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع؛ فلم يشرع في الكذب قَطعَ اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السّرقةِ إعدام النفس.
وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائِه وصفاتِه من حكمتِه ورحمتِه ولُطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقنع كلُّ إنسان بما آتاه مالكُه وخالقه؛ فلا يطمع في استلابِ غير حقِّه.
تفاوت العقوبات بحسب تفاوت الجنايات هو العدل والحكمة:
ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك.
ومن المعلوم أن النظرةَ المحرَّمةَ لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب؛ ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير العظيم، فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بدٌّ من تفاوت مراتب
стр. 247
العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وُكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا، لذهبت بهم الآراءُ كُلَّ مَذْهَب، وتشعبت بهم الطُّرق كلَّ شِعب، ولعَظُمَ الخلاف واشتد الخَطْب، فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنةَ ذلك، وأزال عنهم كُلفته، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديرَه نوعًا وقدرًا، ورتَّب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النّكال.
ثم بلغ من سعةِ جوده ورحمته أن جعل تلك العقوباتِ كفاراتٍ لأهلها، وطُهْرةً تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة؛ فرحمهم بهذه العقوبات أنواعًا من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتْل، وقطْع، وجلْد، ونفْي، وتغريم مال، وتعزير.
فأما القتل: فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس؛ فكانت عقوبته من جنسه، وكالجناية على الدِّين بالطعن فيه والارتداد عنه.
وهذه الجناية أولى بالقتل وكَفِّ عدوان الجاني عليه من كل عقوبة؛ إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم، ولا خير يُرجى في بقائِه ولا مصلحة؛ فإذا حَبسَ شَرَّه وأمسكَ لسانَه، وكفَّ أذاه والتزم الذُّلَّ والصغار وجريان أحكام اللَّه ورسوله ﷺ عليه وأداء الجزية، لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضررٌ عليهم.
والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين، وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة؛ لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام.
стр. 248
وأما القطع: فجعله عقوبةَ مثلِه عدلًا، وعقوبة السارق؛ فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جنايتُه حد العقوبة بالقتل؛ فكانت أليقَ العقوباتِ به إبانةُ العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس، وأَخْذِ أموالهم.
ولما كان ضررُ المُحاربِ أشدَّ من ضرر السارق وعدوانه أعظم، ضَمّ إلى قطع يده قطع رجله؛ ليكف عدوانَه، وشر يده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف (١) لئلا يُفوِّت عليه منفعة الشق بكماله، فكف ضرره وعدوانه، ورحمه بأن أبقى له يدًا من شقٍّ ورجلًا من شقٍّ.
وأما الجلد: فجعله عقوبةَ الجنايةِ على الأَعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة الطرف، إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتَها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البكر شدة الداعي وعدم العوض، فانتهض ذلك المعارض سببًا لإسقاط القتل، ولم يكن الجلدُ وحده كافيًا في الزجر فغُلِّظ بالنفي والتغريب؛ ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخُلطاء ما يزجره عن المعاودة.
وأما الجناية على العقول بالسكر: فكانت مفسدتُها لا تتعدّى السكران غالبًا، ولهذا لم يُحرَّم السُّكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى لسان كل نبي، وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع، بل ضرب فيها بالأيدي والنِّعال وأطراف الثياب والجريد، وضرب فيها أربعين، فلما استخفَّ الناس بأمرها وتتابعوا في ارتكابها غلَّظها الخليفة
стр. 249
الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الذي أُمِرْنا بابتاع سنته (١)، وسنته من سنة رسول اللَّه ﷺ ؛ فجعلها ثمانين بالسوط، ونَفَى فيها، وحَلَق الرَّأس، وهذا كله من فقه السنة؛ فإن النبي ﷺ أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة (٢)، ولم يَنْسَخ ذلك، ولم يجعله حدًّا لا بد منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة، فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل.
وأما تغريمُ المال -وهو العقوبة المالية-: فشرعها في مواضع: منها تحريقُ متاعِ الغالِّ من الغنيمة، ومنها حرمان سهمه، ومنها إضعافُ الغرم على سارق الثمار المعلقة، ومنها إضعافه على كاتم الضَّالةِ المُلْتَقطة، ومنها أخذُ شَطْر مال مانع الزكاة، ومنها عزمه ﷺ على تحريق دور من لا يُصلي في الجماعة (٣)، لولا ما منعه من إنفاذِ ما عَزمَ عليه من كَوْنِ الذرية والنساء فيها (٤)
стр. 250
فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل، ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قَتَله، حيث شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر.
وأما التعزير: ففي كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة.
فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوعٌ فيه الحدُّ ولا كفارةَ فيه، ونوعٌ فيه الكفارة ولا حدَّ فيه، ونوع لا حدَّ فيه ولا كفارة:
فالأول: كالسرقة والشرب والزنا والقذف.
والثاني: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام.
والثالث: كوطء الأمة المُشتركة بينه وبين غيره، وقُبْلة الأجنبية، والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك.
من حكمة اللَّه اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة:
وكان من تمام حكمته ورحمته أن لم يأخذ الجُناة بغير حُجَّة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغُ وأصدقُ من إقرار اللسان، فإن من قامت عليه شواهدُ الحال بالجناية كرائحةِ الخمر وقيْئِها، وحَبَل مَنْ لا زوجَ لها ولا سيّد، ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى بالعقوبة ممَّن قامت عليه شهادةُ إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة وإن نازع فيه بعض الفقهاء، وإما أن تكون الحجة مِنْ خارج عنهم وهي البيِّنةُ، واشتُرط فيها العدالة وعدم التهمة؛ فلا أحسن في
стр. 251
العقول والفطر في ذلك، ولو طُلب منها الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة.
التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم لا تليق بالحكمة:
ومن المعلوم ببدائِهِ العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن، بل منافٍ للحكمة والمصلحة؛ فإنه إن ساوى بينها في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحةُ الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلافَ الرحمة والحكمة؛ إذ لا يليق أن يُقتل بالنظرة والقُبْلة ويُقطع بسرقة الحبةِ والدينار، وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيحٌ في الفِطرِ والعقول، وكلاهما تأباه حكمةُ الربِّ تعالى وعَدلُه وأحسانُه إلى خلقه، فأوقع العقوبةَ تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمِها إلى غاية القبح، كالجناية على النفس أو الدِّين أو الجناية التي ضَرَرُها عام؛ فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة (١)، والمصلحة الحاصلة بها أضعافَ أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]».
стр. 252
القاعدة الثالثة والثلاثون: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا
قال ابن رجب ﵀ في القواعد (١): (إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت، تداخلت أفعالُهما واكتفى فيهما بفعل واحد).
يقصد بهذه القاعدة: أنه إذا تعلق بذمة المكلف واجبان أو أكثر، أو لزمه حدّان أو أكثر، أو اجتمع في وقت واحد واجب ومندوب أو أكثر أو نحو ذلك، وكانت هذه الواجبات، أو الحدود ونحوها من جنس واحد، ومقصودها والمراد منها واحدًا، فإن أحدهما يدخل في الآخر غالبًا، فإن كانت رُتَبُها مختلفة دخل الأدنى منها في الأعلى وأغنى فعله عن فعل الأدنى، وإن كانت متساوية أغنى فعل أحدها عن غيره.
فمثال اجتماع الواجبين: أن يجب على المرأة غسل الجنابة وغسل الحيض، أو أن يجب على المكلف الغسل والوضوء.
ومثال اجتماع الحدين: أن يتكرر الزنا، أو القذف أو نحوهما من المكلف قبل إيقاع الحد عليه.
ومثال اجتماع الواجب مع المندوب: أن يدخل الإنسان المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يدخل في الصلاة وتغنيه عن تحية المسجد.
стр. 253
ويمكن الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي:
أولًا: بما روي عنه ﷺ ، أنه قال لعائشة ﵂ وقد أحرمت قارنةً-: «يَسَعُك طوافُك لحجِّك وعمرتِك» (١)، وما ورد بمعناه، حيث أقام أحد الطوافين مقام الآخر، وكذلك السعي.
ثانيًا: النظر إلى التعليل؛ فإن الناظر فيما قيّد به الفقهاء حكم هذه القاعدة يَلْمَحُ مبناها، فقد قيدوا الأفعال التي تتداخل بأن تكون من جنس واحد، وأن يكون مقصودُها واحدًا.
وهذا يدل على أن سبب إغناء أحد الفعلين عن الآخر هو تحقق المصلحة المرادة بفعل أحدهما، وذلك أقرب إلى مقصود الشريعة وهو التيسير، ولذا فقد علل ابن قدامة دخول طواف العمرة في طواف الحج -بالنسبة للقارن- بأنه ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد، وبأنهما عبادتان من جنس واحد فإذا اجتمعت دخلت الصغرى في الكبرى، وهذا يشعر بأن سبب التداخل هو حصول المقصود بفعل أحدهما، والله أعلم.
وقد ذهب عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى العمل بهذه القاعدة وإن اختلفوا في تطبيقها على بعض الفروع، فقد تقدم تصريح فقهاء المذاهب بها، ونقل ابن المنذر الإجماع على أنه إذا سرق السارق عدة مرات وقدم إلى الحاكم في آخر السرقات فإن قطع يده يجزئ عن ذلك كله.
وقد استثنى بعض الفقهاء من حكم هذه القاعدة صورًا، وسبب ذلك -في الغالب- عدم انطباق شروط وقيود القاعدة على تلك الصور.
стр. 254
من فروع القاعدة:
١ - إذا اجتمع حدث أصغر وجنابة كفى الغسل عنهما.
٢ - إذا اجتمع موجبان للغسل فنواهما أجزأه عنهما.
٣ - لو صلى عقب الطواف فريضة أجزأت عن ركعتي الطواف على خلاف في ذلك) (١).
стр. 255
القاعدة الرابعة والثلاثون: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها
هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟
هذه القاعدة ذكرها ابن رجب ﵀ في القواعد (١) بصيغة الاستفهام لأن فيها تفصيلًا، فهناك صور يجب فيها الإتيان بما يقدر عليه، وصور أخري لا يلزم الإتيان بما يقدر عليه وقد شرح ذلك ﵀، فقال: (هذا أقسام:
أحدها: أن يكون المقدورُ عليه ليس مقصودًا في العبادة؛ بل هو وسيلة محضةٌ إليها؛ كتحريك اللسان في القراءة، وإمرار الموسى على الرأس في الحلق والختان، فهذا ليس بواجب، لأنه إنما وجب ضرورة القراءة والحلق والقطع، وقد سقط الأصل فسقط ما هو من ضرورته. وأوجبه القاضي في تحريك اللسان خاصةً وهو ضعيف جدًّا.
القسم الثاني: ما وجب تبعًا لغيره وهو نوعان:
أحدهما: ما كان وجوبه احتياطًا للعبادة ليتحقق حصولُها؛ كغسل المرفقين في الوضوء، فإذا قطعت اليد من المرفق، هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما عند الأصحاب الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد.
واختيار القاضي في كتاب الحج من خلافه أنه يستحب، وحَمَل كلام أحمد على الاستحباب. هذا إذا بقي شيءٌ من العبادة كما في وضوء الأقطع، أما إذا لم يبق شيء بالكلية سقط التبعُ؛ كإمساك جزء من الليل في الصوم، فلا يلزم من أبيح له الفطر بالاتفاق.
والثاني: ما وجب تبعا لغيره على وجه التكميل واللواحق؛ مثل رمي
стр. 256
الجمار، والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج، فالمشهور أنه لا يلزمه، لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها.
وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى بلزومها، لأنها عبادات في نفسها مستقلة. ومن أمثلة ذلك: المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع وجهه على الأرض، وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا للسجود على الوجه وتكميلًا له.
والقسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمور به لضرورة.
فالأول: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن إتمامه، فلا يلزمه بغير خلاف.
والثاني: كعتق بعض الرقبة في الكفارة، فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل، لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السرايةَ (١) والسعايةَ (٢)، وقال «ليس لله شريك» (٣)، فلا يشرع عتق بعض الرقبة.
стр. 257
القسم الرابع: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه، فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف، وعليه مسائل كثيرة:
منها: العاجز عن القراءة يلزمه القيام، لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة.
ومنها: من عجز عن بعض الفاتحة لزمه الإتيان بالباقي.
ومنها: من عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر منه، لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل أعضاء الوضوء، كما يشرع للجنب إذا أراد النوم أو الوطء أو الأكل، ويستبيح به اللبثَ في المسجد عندنا، ووقع التردد في مسائل أخر.
ومنها: المحدِثُ إذا وجد ما يكفي بعض أعضائه، ففي وجوب استعماله وجهان، ومأخذ من لا يراه واجبًا؛ إما أن الحدث الأصغر لا يتبعض رفعُه فلا يحصل به مقصود، أو أنه يتبعض لكنه يبطل بالإخلال بالموالاة فلا يبقى له فائدة، أو أن غسل بعض أعضاء المحدث غير مشروع بخلاف غسل بعض أعضاء الجنب كما تقدم.
ومنها: إذا قدر على بعض صاع في صدقة الفطر، فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين، ومأخذ عدم الوجوب أنه كفارة بالمال فلا يتبعَّض، كما لو قدر على التكفير بإطعام بعض المساكين، والصحيح الوجوب، والفرق بينه وبين الكفارة من وجهين:
أحدهما: أن الكفارة بالمال تسقط إلى بدل هو الصوم بخلاف الفطرة.
والثاني: أن الكفارة لا بد من تكميلها، والمقصود من التكفير بالمال تحصيل إحدى المصالح الثلاث على وجهها؛ وهي العتق والإطعام والكسوة، وبالتلفيق يفوت ذلك، فلا تبرأ الذمة من الوجوب إلا بالإتيان بإحدى الخصال بكمالها أو بالصيام، وفي الفطرة لا تبرأ الذمة منها بدون إخراج الموجود).
стр. 258
القاعدة الخامسة والثلاثون: أحكام التكاليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة
هذه القاعدة من القواعد الكبار التي تتدخل في أكثر الأحكام الشرعية، وهي تشبه قاعدة سابقة وهي: (لا واجب مع عجز، ولا محرم مع ضرورة)، وغيرها من القواعد.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه القاعدة، وذكر تطبيقاتها وضوابطها فقال (١): (والأمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد.
وكما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائمًا والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه، سواء قيل: يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز؛ فإنه لا خلاف أن تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في الشريعة، بل قد تُسقط الشريعة التكليفَ عمن لم تكمُل فيه أداة العلم والقدرة تخفيفًا عنه، وضبطًا لمناط التكليف وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (٢)، وإن كان له فهم وتمييز؛ لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه؛ ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا؛ وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ.
стр. 259
وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادًا وراحلة عند جمهور العلماء؛ مع إمكان المشي لما فيه من المشقة، وكما لا يجب الصوم على المسافر مع إمكانه منه تخفيفًا عليه، وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف معه زيادة المرض وتأخر البُرءِ وإن كان فعلها ممكنًا.
لكن هذه المواضع هي مما تختلف فيها الشرائع؛ فقد يوجب الله في شريعة ما يشق، ويُحَرِّم ما يشق تحريمه: كالآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وقد يخفف في شريعة أخرى، كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وكما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾.
وقال النبي ﷺ لأصحابه في قصة الأعرابي: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (١)، وقال ﷺ لمعاذ وأبي موسى: «يسِّرا ولا تعسِّرا» (٢)، وقال: «إن هذا الدين يسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه» (٣).
وقال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن أقوامًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات؛ رهبانية
стр. 260
ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (١)، وقال: «لا رهبانية في الإسلام» (٢)، وقال «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٣)، وقال: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٤)، وروي عنه أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» (٥).
وأما كون الإنسان مريدًا لما أُمر به أو كارهًا له، فهذا لا تلتفت إليه الشرائع، بل ولا أيُّ عاقل، بل الإنسان مأمور بمخالفة هواه.
والإرادة هي الفارقة بين أهل الجنة وأهل النار، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ونظائره كثيرة.
стр. 261
فإن هذه الأصول ممهَّدة في الكتاب والسنة وكلام العلماء والعارفين وليس الغرض هنا تقريرها؛ وإنما الغرض شيء آخر، وهو أنه إذا كان التكليف مشروطًا بالتمكن من العلم الذي أصله العقل، وبالقدرة على الفعل فنقول: كلٌّ من هذين قد يزول بأسباب محظورة وبأسباب غير محظورة، فإذا أزال عقله بشرب الخمر أو البنج ونحوهما، لم يزل عليه بذلك إثم ما يتركه من الواجبات ويفعله من المحرمات، إذا كان السُّكر يقتضي ذلك؛ بخلاف ما إذا زال بسبب غير محرم كالإغماء لمرض أو خوف، أو سكِر بشرب غير محرم مثل أن يجرع الخمر مكرهًا، فإن هذا لا إثم عليه.
وأما قضاء الصلاة عليه عند أحمد وعند من يقول: يقضي صلاة يوم وليلة، فذاك نظير وجوب قضائها على النائم والناسي ولا إثم عليهما، كما قال النبي ﷺ : «ليس في النوم تفريط وإنما التفريط في اليقظة» (١)، وقال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك» (٢).
وكذلك قدرة العبد، فإنه لو فرط بعد وجوب الحج عليه حتى ضيع ماله بقي الحج في ذمته، وكذلك في استحلال المحرمات، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
فالضرورة بسبب محظور لا تستباح بها المحرمات؛ بخلاف الضرورة التي هي بسبب غير محظور).
стр. 262
القاعدة السادسة والثلاثون: جاءت الشريعة بالتسوية بين المتماثلين وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفرقة بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر
فنظام الشريعة يدل على ذلك، ويأبى غيره، لأن هذا هو الحقُّ والعدل الذي يتناسب مع هذه الشريعة الغراء، وهي منزهة عن ضد ذلك من التسوية بين المختلفين والتفرقة بين المتماثلين.
قال ابن القيم ﵀ (١): (وأما أحكامُه الأمرية الشرعية فكلُّها هكذا، تجدها مشتملةً على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين، وعدم تسوية أحدهما بالآخر.
وشريعته سبحانه مُنَزَّهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه، ثم تُبيح ما هو مشتملٌ على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيدَ منها، فمن جَوَّز ذلك على الشريعة فما عرفها حقَّ معرفتها؛ ولا قدَّرها حَقَّ قدرها.
وكيف يُظَنُّ بالشريعة أنها تبيح شيئًا لحاجة المكلف إليه ومصلحته، ثم تحرِّم ما هو أحوج إليه، والمصلحة في إباحته أظهر، وهذا من أمْحَل المحال.
لا يشرع اللَّه الحيل التي تسقط الواجب وتبيح المحرم:
ولذلك كان من المستحيل أن يَشْرَعَ اللَّه ورسوله ﷺ من الحِيَل ما يُسْقِط به ما أوجبه، أو يبيح به ما حَرَّمه، ولَعَنَ فاعله، وآذنه بحربه وحرب رسوله ﷺ ، وشَدّد فيه الوعيد؛ لما تضمنه من المفسدة في الدنيا والدين، ثم
стр. 263
بعد ذلك يسوغ التوصل إليه بأدنى حيلة، ولو أن المريض اعتمد هذا فيما يحميه منه الطبيب ويمنعه منه لكان مُعينًا على نفسه، ساعيًا في ضرره، وعُدَّ سفيهًا مفرِّطًا.
التسوية بين المتماثلين فطرة في النفس:
وقد فطر اللَّه سبحانه عباده على أنَّ حكم النظير حكم نظيره، وحكمَ الشيء حكم مثله، وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الذي أنزله اللَّه شرعًا وقدرًا يأبى ذلك.
الجزاء من جنس العمل:
ولذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشر:
فمن ستر مسلمًا ستره اللَّه (١)، ومن يَسَّر على معسر يَسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة (٢)، ومن نَفَّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا، نَفّس اللَّه عنه كربة من كُرب يوم القيامة (٣)، ومن أقال نادمًا أقاله اللَّه عَثْرَته يوم القيامة (٤).
стр. 264
ومن تَتَبعَ عَوْرة أخيه تتبع اللَّه عورته (١)، ومن ضارَّ مسلمًا ضارَّ اللَّه به، ومن شاقَّ مسلمًا شاق اللَّه عليه (٢)، ومن خَذَل مسلمًا في موضع يحب نُصْرَته فيه، خَذَله اللَّه في موضع يحب نصرته فيه (٣)، ومن سمَّع سمَّع اللَّه به (٤)، والراحمون يرحمهم الرحمن (٥)، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء (٦).
стр. 265
ومن أنفق أنْفَقَ عليه (١)، ومن أوعى (٢) أُوعي عليه (٣)، ومن عفا عن حقه عفا اللَّه له عن حقه، ومن تجاوز تجاوز اللَّه عنه (٤)، ومن استقصى استقصى اللَّه عليه.
أصل الشرع الحاق النظير بالنظير والقرآن يعلل الأحكام:
فهذا شرع اللَّه وقدرُه، ووحيه وثوابه وعقابه، كلُّه قائمٌ بهذا الأصل، وهو إلحاق النظير بالنظير، واعتبار المثل بالمثل، ولهذا يَذْكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، ليدلَّ بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت، واقتضائها لأحكامها، وعدم تخلُّفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويُوجبُ تخلف آثارها عنها، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣].
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [محمد: ٢٦]، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]).
стр. 266
القاعدة السابعة والثلاثون: الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية
قال الإمام ابن القيم ﵀ (١): (ولهذا تصحُّ الفعلية من المحجور عليه دون القولية؛ فلو استولد ثبت استيلادُه، ولو عتق كان لغوًا، ولو تملك مالا بالشراء كان لغوًا، ولو تملكه باصطياد أو احتطاب ونحوه ملَكه، وكذلك لو أحياه ملَكه بالإحياء.
ثم قيل: الفرق بينهما احتياجه إلى الفعل دون القول؛ فإنا لو منعناه من وطئه أمتَه أضررنا بها، ولا حاجة به إلى عتقها، وهذا غير طائل، فإنه قد يحتاج إلى القول أيضًا كالشراء والنكاح والإقرار.
ولكن الفرق أن أقواله يمكن إلغاؤها، فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، وأما الأفعال فإذا وقعت لا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال: إنه لم يسرق ولم يقتل ولم يستولد ولم يتلف، وقد وُجدت منه هذه الأفعال، فجرى مجرى المكره في إلغاء أقواله، ومجرى المأذون له في صحة أفعاله والله اعلم).
стр. 267
القاعدة الثامنة والثلاثون: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا
وهذه أيضًا من القواعد الفقهية المهمة، وقد ذكرها الإمام ابن القيم ﵀ وبين أن الشريعة مبنية عليها، وذكر أمثلة عديدة تدل عليها، وبين كذلك أثر النية في الحكم، فقال (١): (ولهذا إذا علق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالها، كالخمر علق بها حكم التنجيس وجوب الحدِّ لوصف الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلًّا زال الحكم.
وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية، فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علَّق عليه.
وكذلك السَّفه والصغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلقة عليها بزوالها، والشريعة مبنية على هذه القاعدة.
حكم الحالف على أمر لا يفعله فزال السبب:
فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله؛ لأن يمينه تعلَّقت به لذلك الوصف، فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين.
فإذا دُعي إلى شراب مسكر ليشربه فحلف ألا يشربه، فانقلب خلًّا فشربه لم يحنث، فإنَّ منْعَ نفسِه منه نظير منع الشارع، فإذا زال منع الشارع بانقلابه خلًّا، وجب أن يزول منعُ نفسه بذلك، والتفريق بين الأمرين تحكّم محضٌ لا وجه له؛ فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه، فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه؟
стр. 268
وهل يقتضي محض الفقه إلا زوال حكم اليمين؟
يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه أنه لم يمنعْها من شرب غير المسكر، ولم يخطر بباله، فإلزامه ببقاء حكم اليمين وقد زال سببها إلزامٌ له بما لم يلتزمه هو، ولا ألزمه به الشارع.
وكذلك لو حلف على رجل ألّا يقبل له قولًا ولا شهادة لما يعلم من فسقه، ثم تاب وصار من خيار الناس؛ فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ذلك بالشرع.
وكذلك إذا حلف ألّا يأكل هذا الطعام، أو لا يلبس هذا الثوب، أو لا يكلِّم هذه المرأة ولا يطأها، لكونه لا يحلُّ له ذلك، فمَلَك الطعام والثوب وتزوج المرأة، فأكل الطعام ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث؛ لأن المنع بيمينه كالمنع بمنع الشارع، ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب عليها المنع؛ فكذلك منع الحالف.
وكذلك إذا حَلَف: لا دَخلتُ هذه الدار، وكان سبب يمينه أنها تُعمل فيها المعاصي، وتشرب الخمر؛ فزال ذلك وعادت مجمعًا للصالحين وقراءة القرآن والحديث.
أو قال: لا أدخل هذا المكان؛ لأجل ما رأى فيه من المنكر، فصار بيتًا من بيوت اللَّه تعالى تُقام فيه الصلوات لم يحنث بدخوله.
وكذلك إذا حلف لا يأكل لفلان طعامًا، وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا، ويأكل أموال الناس بالباطل؛ فتاب وخرج من المظالم، وصار طعامه من كسب يده أو تجارة مباحة لم يحنث بأكل طعامه، ويزول حكم منع اليمين كما يزول حكم منع الشارع.
стр. 269
وكذلك لو حلف لا بايعتُ فلانًا وسبب يمينه كونه مفلسًا أو سفيهًا؛ فزال الإفلاس والسفه؛ فبايعه لم يحنث، وأضعاف أضعاف هذه المسائل.
كما إذا اتُّهم بصحبة مُريب فحلف لا أصاحبه، فزالت الريبة وخلفها ضدُّها فصاحبه لم يحنث.
وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحمًا أو طعامًا، وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه، فصحَّ وصار الطعام نافعًا له لم يحنث بأكله، وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس.
فمنها: لو حلف لوالٍ ألّا أفارق البلد إلا بإذنك، فعُزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث.
ومنها: لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذني، أو على عبده لا يخرج إلا بإذنه، ثم طلَّق الزوجة وأعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث، ذكره أصحاب الإمام أحمد. قال صاحب المغني (١): لأن قرينةَ الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها، وهو إنما يملك منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما؛ فكأنه قال: ما دُمْتما في ملكي، ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم.
وكذلك لو حلف لقاض ألّا أرى منكرًا إلا رفعته إليك، فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل.
وكذلك إذا حلف لامرأته ألا أبيتُ خارج بيتك أو خارج هذه الدار فماتت أو طلقها، لم يحنث إذا بات خارجها.
стр. 270
وكذلك إذا حلف على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفُسَّاق، لكونه أمرد، فالتحى وصار شيخًا لم يحنث بمبيته خارج الدار.
تأثير النية في الأيمان تخصيصًا وتعميمًا وإطلاقًا وتقييدًا:
وهذا كله مذهب مالك وأحمد؛ فإنهما يعتبران النية في الأيمان ومناط اليمين وسببها وما هيَّجها؛ فيحملان اليمين على ذلك (١). وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الأيمان من كتابه: الكافي في مذهب مالك: والأصل في هذا الباب مراعاة ما نواه الحالف؛ فإن لم يكن له نية نظر إلى بساط قصته، وما أثاره على الحلف، ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته. وقال صاحب الجواهر (٢): المقتضيات للبر والحنث أمور:
الأول: النية إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها، سواء كانت مطابقة له، أو زائدة فيه، أو ناقصة عنه؛ بتقييد مطلقه وتخصيص عامه.
الثاني: السبب المثير لليمين ليتعرف منه، ويعبر عنه بالبساط أيضًا، وذلك أن القاصد لليمين لا بد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها؛ فيكون المحرِّك على اليمين وهو البساط -دليلًا عليها لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورًا لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة (٣).
стр. 271
وكذلك أصحاب الإمام أحمد صرَّحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها، فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها، فحمل اللفظ عليه؛ لأنه دليل على النية.
حتى صرح أصحاب مالك فيمن دفن مالًا ونسي مكانه فبحث عنه فلم يجده، فحلف على زوجته أنها هي التي أخذته، ثم وجده لم يحنث، قالوا: لأن قصده ونيته إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذتيه؛ فتأمل كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط، وهذا هو محض الفقه (١).
ونظير هذا: ما لو دُعي إلى طعام فظنه حرامًا فحلف لا أطعمه، ثم ظهر أنه حلال لا شبهة فيه، فإنه لا يحنث بأكله؛ لأن يمينه إنما تعلقت به إن كان حرامًا وذلك قصده.
ومثله: لو مرَّ به رجل فسلم عليه فحلف لا يردُّ ﵇؛ لظنِّه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر، فظهر أنه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالردِّ عليه.
ومثله: لو قدمت له دابة ليركبها فظنَّها قطوفًا (٢) أو جموحًا أو متعسرة الركوب، فحلف لا يركبها، فظهرت له بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها.
وقال أبو القاسم الخِرَقي في مختصره: ويرجع في الأيمان إلى النية؛ فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها (٣). وقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دُعي
стр. 272
إلى غداء فحلف ألّا يتغدى أو قيل له: اقعد فحلف ألّا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت؛ لأن عاقلًا لا يقصد ألّا يتغدى أبدًا ولا يقعد أبدًا. ثم قال صاحب المغني (١): (إن كان له نيَّة فيمينه على ما نوى، فإن لم تكن له نية؛ فكلام أحمد يقتضي روايتين: إحداهما: أن اليمين محمولة على العموم؛ لأن أحمد سئل عن رجل حلف ألّا يدخل بلدًا لظلم رآه فيه فزال الظلم، قال أحمد: النَّذر يوفي به يعني: لا يدخله، ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عامًا لسبب خاصٍّ وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب، كذلك يمين الحالف.
ونازعه في ذلك شيخنا، فقال: إنما منعه أحمد من دخول البلد بعد زوال الظلم؛ لأنه نذر للَّه ألّا يدخلها، وأكد نذره باليمين، والنذر قربة، فقد نذر التقرب إلى اللَّه بهجران ذلك البلد؛ فلزمه الوفاء بما نذره.
هذا هو الذي فهمه الإمام أحمد، وأجاب به السائل حيث قال: النذر يوفى به؛ ولهذا منع النبي ﷺ المهاجرين من الإقامة بمكة بعد قضاء نسكهم فوق ثلاثة أيام؛ لأنهم تركوا ديارهم للَّه تعالى، فلم يكن لهم العَوْدُ فيها وإن زال السبب الذي تركوها لأجله، وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر؛ فهذا سرُّ جوابه، وإلا فمذهبه الذي عليه نصوصُه وأصوله اعتبار النية والسبب في اليمين وحمل كلام الحالف على ذلك، وهذا في نصوصه أكثر من أن يذكر فلينظر فيها).
عند الحنفية:
وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقال في كتاب الذخائر في كتاب الأيمان: الفصل السادس في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة: إذا أرادت المرأة الخروج من
стр. 273
الدار فقال الزوج: إنْ خَرَجْتِ من الدار فأنت طالق، فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق.
وكذلك لو أراد رجل أن يضربَه فحلف آخر ألّا يضربه، فهذا على تلك الضربة، حتى لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث، ويُسمَّى هذا يمين الفور (١)، وهذا لأن الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي المقصودة بالمنع منها عرفًا وعادة، فيتعيَّن ذلك بالعرف والعادة.
فإذا دخل الرجل على رجل يتغدَّى فقال: تعال تغدَّ معي، فقال: واللَّه لا أتغدَّى، فذهب إلى بيته وتغدَّى مع جميع أهله لا يحنث، وكذلك إذا قال الرجل لغيره: كل مع فلان، فقال: واللَّه لا آكل، ثم ذكر تقرير ذلك بأنه جواب لقول الآمر له، والجواب كالمعاد في السؤال؛ فإنه يتضمن ما فيه، قال: وليس كابتداء اليمين؛ لأن كلامه لم يخرج جوابًا لتقييد، بل خرج ابتداءً، هو مطلق عن القيد فينصرف إلى كل غداء، قال: وإذا قال لغيره: كلِّم لي زيدًا اليوم في كذا، فقال: واللَّه لا أكلِّمه، فهذا يختص باليوم؛ لأنه خرج جوابًا عن الكلام السابق، وعلى هذا إذا قال له: إيتني اليوم، فقال: امرأته طالق إنْ أتاك.
وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين ما احتمله اللفظ (٢)، فإذا تعين باللفظ ولم يكن اللفظ محتملًا لما نوى لم تؤثر النية فيه؛ فإنه حينئذ يكون الاعتبار بمجرد النية، ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم؛ فإذا احتملها اللفظ فعيَّنت بعض محتملاته أثَّرت حينئذ، قالوا: ولهذا لو قال: إن لبستُ ثوبًا أو أكلتُ طعامًا أو شربتُ شرابًا أو كلمتُ امرأة فامرأتي طالقٌ، ونوى
стр. 274
ثوبًا أو طعامًا أو شرابًا أو امرأةً معينًا دُيِّنَ فيما بينه وبين اللَّه، وقبلت نيته بغير خلاف، ولو حذف المفعول واقتصر على الفعل؛ فكذلك عند أبي يوسف في رواية عنه والخصاف، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
السبب يقوم مقام النية في اليمين:
والمقصود أن النية تؤثر في اليمين تخصيصًا وتعميمًا وإطلاقًا وتقييدًا والسبب يقوم مقامها عند عدمها ويدل عليها فيؤثر ما يؤثره، وهذا هو الذي يتعين الإفتاء به، ولا يحمل الناس على ما يقطع أنهم لم يريدوه بأيمانهم، فكيف إذا علم قطعًا أنهم أرادوا خلافه؟ واللَّه أعلم.
التعليل يجري مجرى الشرط:
والتعليل يجري مجرى الشرط، فإذا قال: (أنت طالق لأجل خروجك من الدار) فبان أنَّها لم تخرج لم تطلق قطعًا، صرح به صاحب الإرشاد فقال: (وإن قال: (أنت طالق أن دخلت الدار) بنصب الألف والحالف من أهل اللسان، ولم يتقدم لها دخول قبل اليمين بحال، لم تطلق، ولم يذكر فيه خلافًا).
وقد قال الأصحاب وغيرهم: إنه إذا قال: (أنت طالق)، وقال أردت الشرطَ دِينَ؛ فكذلك إذا قال: (لأجل كلامك زيدًا أو خروجك من داري بغير إذني) فإنه يُديَّن، ثم إن تبين أنها لم تفعل لم يقع الطلاق، ومن أفتى بغير هذا فقد وهم على المذهب، واللَّه أعلم).
стр. 275
القاعدة التاسعة والثلاثون: الاستدامة أقوى من الابتداء
قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ في درسه في الحرم المكي بتاريخ: ٢٧/ ١١/ ١٤١٧ هـ (١): (إن الاستدامة أقوى وألزم من الابتداء عند الفقهاء، ولذلك حُرِّمَ عقد النكاح والإنسان مُحْرِم، وأجازوا الرجعة للمطلقة؛ لأن الرجعة استدامة لعقد سابق).
وقد ذكر ابن رجب ﵀ هذه القاعدة وضرب لها مثلًا في باب النكاح فقال (٢): (فأما في النكاح؛ فإن طرأ ما يقتضي تحريم إحدى المرأتين بعينها؛ كرِدَّة أو رضاع؛ اختصت بانفساخ النكاح وحدها بغير خلاف، وإن طرأ ما يقتضي تحريم الجمع بينهما؛ فإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى، بأن صارتا أختين بإرضاع امرأة واحدة لهما انفسخ نكاحهما، وإن كان لإحداهما مزية؛ بأن صارتا أمًّا وبنتًا بالارتضاع؛ فروايتان، أصحهما: يختص الانفساخ بالأم وحدها إذا لم يدخل بهما؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء؛ فهو كمن أسلم على أم وبنت لم يدخل بهما؛ فإنه يثبت نكاح البنت دون الأم، واللَّه أعلم).
أما الإمام ابن القيم ﵀ فقد قرر هذه القاعدة وذكر شيئًا من تطبيقاتها فقال (٣): (وأيضًا فإن الأمر بإتمام الصلاة، وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا
стр. 276
ابتداء، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهيٌ عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنه لم يقل: لا تتمّوا الصلاة في هذا الوقت، وإنما قال: لا تصلّوا.
فرق بين الابتداء والدوام:
وأين أحكام الابتداء من الدوام، وقد فرَّق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكامُ الدَّوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة.
فالإحرام يُنافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما، والحدث يُنافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته.
وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور.
والزنا من المرأة ينافي ابتداء عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه.
والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام.
وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء ولا ينافيه دون دوامه. وحصول الحجرِ بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه.
وطَرَءانِ ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء.
стр. 277
والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دوامًا.
والقدرة على هدي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دوامًا.
والقدرة على الماء تمنع ابتداء التيمّم اتفاقًا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمّم خلاف بين أهل العلم.
ولا تجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غصبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة، وخُيّر المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه.
ويمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يمنعون من استدامتها.
ولو حلف لا يتزوج أو لا يتطيّب أو لا يتطهّر فاستدام ذلك لم يحنث، وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يُفرَّق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه.
وأيضًا فهو مستصحب بالأصل، وأيضًا فالدفع أسهل من الرفع، وأيضًا فأحكام التَّبَع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمُستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نصٌّ لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟
عدم تعارض شيئين في هذه المسألة:
فقد تبيَّن أنه لم يتعارض في هذه المسألة عامٌّ وخاصٌّ ولا نصٌّ وقياس، بل النصُّ فيها والقياس متفقان، والنصُّ العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل
стр. 278
تحت لفظه، ولو قُدّر صلاحية لفظه له فالخاصُّ بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تضرب أحاديث رسول اللَّه ﷺ بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السُّنتين وإلغاء أحد الدليلين، واللَّه الموفق).
стр. 279
القاعدة الأربعون: المحرم لعينه والمحرم لكسبه
قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ في درسه في الحرم المكي (١): (ما حُرِّم لعينه فهو حرام مطلقًا، وما حُرِّم لكسبه فهو حرام على الكاسب؛ لا على غيره)، ومثَّل لذلك بأموال المورِّث بالنسبة لورثته، وأموال المضيفِ بالنسبة لضيوفِه.
قلت: المحرم لذاته؛ كالشرك، والزنى، والسرقة، وشرب الخمر، والمحرم لغيره؛ هو الذي حرم على قوم دون قوم، كما في الأمثلة التي ذكرها الشيخ البسام ﵀؛ فقد يكون صاحب التركة في أمواله شيء من الربا والحرام، فهذا المال حرام عليه اقتناؤه، إلا أنه بعد وفاته يحلُّ المال لورثته، لأنه حرم بسبب كسبه هو، ولذلك قال بعض السلف، وقد وقف على قبر مرابي: الآن حلَّ ماله.
وكذلك إذا قدم الرجل طعامًا لضيوفه، وكان ماله مختلطًا، فيه الحلال والحرام، حرم عليه ما كان فيه من حرام، وجاز لهم تناول هذا الطعام، لأن المال محرم لغيره.
قال المزني ﵀ في المختصر (٢): (الصيد محرم لغيره، وهو الإحرام، ومباح لغير محرِم، والميتة محرمة لعينها لا لغيرها، على كل حلال وحرام؛ فهي أغلظ تحريمًا).
وقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى هذه القاعدة (٣) عند حديثه عن
стр. 280
المسائل التي يتعلق بها الاحتياط الواجب وترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، وذكر أن مدارها على ثلاثة قواعد:
الأولى: قاعدة اختلاط المباح بالمحظور حسًّا.
والثانية: قاعدة في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلف.
والثالثة: قاعدة في الشك في العين الواحدة هل هي قسم من المباح أم قسم من المحظور، فهذه القواعد الثلاث هي معاقد هذا الباب.
ثم قال ﵀: (فأما القاعدة الأولى وهي اختلاط المباح بالمحظور حسًّا فهي قسمان:
أحدهما: أن يكون المحظور محرمًا لعينه كالدم والبول والخمر والميتة.
والثاني: أن يكون محرمًا لكسبه لا أنه حرام في عينه كالدرهم المغصوب مثلا، فهذا القسم الثاني لا يوجب اجتناب الحلال ولا تحريمه ألبتة، بل إذا خالط ماله درهمٌ حرام أو أكثر منه أخرج مقدار الحرام وحلَّ له الباقي بلا كراهة، سواء كان المخرج عين الحرام أو نظيره، لأن التحريم لم يتعلق بذات الدرهم وجوهره، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى، هذا هو الصحيح في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخلق إلا به.
وأما القسم الأول: وهو الحرام لعينه كالدم والخمر ونحوهما فهذا إذا خالط حلالا وظهر أثره فيه حرُم تناول الحلال ولا نقول أنه صير الحلال حرامًا، فإن الحلال لا ينقلب حرامًا ألبتة ما دام وصفه باقيًا، وإنما حرم تناوله لأنه ما تعذر الوصول إليه إلا بتناول الحرام، فلم يجز تناوله، وهذه العلة بعينها
стр. 281
منصوصة للإمام أحمد، وقد سئل بأي شيء يحرم الماء إذا ظهرت فيه النجاسة؟ فأجاب بهذا، وقال: حرم الله تعالى الميتة والدم ولحم الخنزير فإذا خالطت هذه الماء فمتناوله كأنه قد تناول هذه الأشياء، هذا معنى كلامه.
هذا إذا ظهر أثر المخالط، فلو استهلك ولم يظهر أثره، فهنا معترك النزال وتلاطم أمواج الأقوال، وهي مسألة الماء والمائع إذا خالطته النجاسة فاستهلكت ولم يظهر لها فيه أثر البتة، والمذاهب فيها لا تزيد على اثني عشر مذهبا، نذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله، أصحُّها مذهب الطهارة مطلقًا، مائعًا كان ما خالطته أو جامدًا، ماء أو غيره، قليلًا أو كثيرًا، لبراهين كثيرة قطعية أو تكاد، تذكر هناك إن شاء الله، وعلى هذا فإذا وقعت قطرة من لبن في ماء فاستهلكت وشربه الرضيع لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة لم يُحَد بشربه، ولو كانت قطرة بول لم يغير ويشربه، وهذا لأن الحقيقة لما استهلكت امتنع ثبوت الاسم الخاص بها، فنفى الاسم، والحقيقة للغالب، فيتعين ثبوت أحكامه، لأن الأحكام تتبع الحقائق والاسماء، وهذا أحد البراهين في المسألة).
стр. 282
القاعدة الحادية والأربعون: إذا اشتبه المباح بالمحظور: فإن كان له بدل لا اشتباه فيه انتقل إليه وتركه وإن لم يكن له بدل ودعت الضرورة إليه، اجتهد في معرفة المباح منهما
قال الإمام ابن القيم ﵀ (١): (وأما القاعدة الثانية: وهي اشتباه المباح بالمحظور، إن كان له بدل لا اشتباه فيه، انتقل إليه وتركهما، وإن لم يكن له بدل ودعت الضرورة إليه، اجتهد في المباح واتقى الله ما استطاع.
فإذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس انتقل إلى بدله وهو التيمم، ولو اشتبها عليه في الشرب اجتهد في أحدهما وشربه.
وكذلك لو اشتبهت ميتة بمُذكَّاة انتقل إلى غيرهما ولم يتحرَّ فيهما، فإن تعذر عليه الانتقال ودعته الحاجة اجتهد.
ولو اشتبهت أخته بأجنبية انتقل إلى نساء لم يشتبه فيهن، فإن كان بلدًا كبيرًا تحرى ونكح.
ولو اشتبه ثوب طاهر بنجس انتقل إلى غيرهما، فإن لم يجد، فقيل: يصلي في كل ثوب صلاةً ليؤدي الفرض في ثوب متيقن الطهارة، وقيل: بل يجتهد في أحد الثوبين ويصلي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تشترط له النية.
ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يُعد، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على ظنِّه طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير.
стр. 283
قلت: وهذا كما لو اشترى ثوبًا لا يعلم حاله، جاز له أن يصلي فيه اعتمادًا على غلَبةِ ظنه وإن كان نجسًا في نفس الأمر، فكذلك إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين وغلب على ظنه، جاز أن يصلي فيه وإن كان نجسًا في نفس الأمر، فالمؤثر في بطلان الصلاة العلم بنجاسة الثوب لا نجاسته المجهولة، بدليل ما لو جهلها في الصلاة ثم علمها بعد الصلاة لم يعد الصلاة، فهذا القول ظاهر جدًّا وهو قياس المذهب.
وقيل يراعى في ذلك جانب المشقة، فإذا كثرت الثياب اجتهد في أحدها، وإن قلَّت صلى بعدد الثياب النجسة وزاد صلاة، وهو اختيار ابن عقيل.
ومن هذا الباب ما لو استيقظ فرأى في ثوبه بللًا واشتبه عليه أمني هو أم مذي ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة، إلا أن أصحاب الإمام أحمد ﵁ قالوا: إن سبق منه سبب يمكن إحالة كونه مذيًا عليه، مثل القبلة والملاعبة والفكر مع الانتشار فهو مذي، إذ الظاهر أن الذكر بعد ذلك إنما انكسر به فهو المتيقن، وما زاد عليه فمشكوك فيه، فلا يجب عليه غُسلٌ بالشك.
وإن لم يتقدم منه شيء من ذلك فهو مني في الحكم، إذ هو الغالب على النائم، ولم يتقدم سبب يعارضه، والنوم فيه مَظِنة الاحتلام، وقد قام شاهد المَظنة ظاهر القياس بموجب شهادته، وقوة هذا المسلك مما لا يخفي على منصف.
ومن هذا الباب إذا اشتبهت عليه جهة القبلة ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: يجتهد ويصلي صلاة واحدة، هذا أصح الأقوال في المذاهب الأربعة وهو المشهور.
стр. 284
الثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدي مسيتقنًا كما قالوا في الثياب النجسة، وكما قالوا فيمن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها، صلى خمس صلوات.
والقول الثالث: أنه قد سقط عنه فرض الاستقبال في هذه الحال فيصلي حيث شاء، وهذا مذهب أبي محمد بن حزم.
واحتج بأن الله إنما فرض الاستقبال على العالم بجهة الكعبة القادر على التوجه إليها، فأما العاجز عنها فلم يفرض الله عليه التوجه إليها قط، فلا يجوز أن يلزم بما لا يلزمه الله ورسوله ﷺ به.
وإذا لم يكن التوجه واجبًا عليه لأن وجوبه مشروط بالقدرة، صلى إلى أي جهة شاء كالمسافر المتطوع، والزَّمِنِ الذي لا يمكنه التوجه إلى جهة القبلة.
قلت: وهذا القول أرجحُ وأصح من القول بوجوب أربع صلوات عليه، فإنه إيجاب ما لم يوجبه الله ورسوله ﷺ ، ولا نظير له في إيجابات الشارع ألبتة، ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى، إلا لتفريط في فعلها أولا، كتارك الطمأنينة والمصلي بلا وضوء ونحوه، وأما أن يأمره بصلاة فيصليها بأمره، ثم يأمره بإعادتها بعينها، فهذا لم يقع قط، وأصول الشريعة تردُّه.
ومن هذا الباب لو طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم اشتبهت عليه بالأخرى فقيل: يجب عليه اعتزالهما، ويوقف الأمر حتى يتبين الحال وعليه نفقتهما، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وهي اختيار صاحب المغني.
стр. 285
وقيل يقرع بينهما كما لو أبهم الطلاق في واحدة لا بعينها، وهذا هو المشهور في المذهب، وهذا اختيار عامة أصحاب أحمد، ونصَّ عليه الخرقي في المختصر، فقال (١): ولو طلق واحدة من نسائه ونسيها أُخرجت بالقرعة).