← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1232

التحفة المكية في توضيح أهم القواعد الفقهية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المقصود أنه كلما كان أدخل في الشبهات والتوسع في المباحات، كلما كان تعرضًا للنقص في الدار الآخرة، فهذه القاعدة كما قلنا في بعض أمثلتها شيء صحيح وواضح، وإذا زيدَ هذا القيد في قوله: (ولم تكن المصلحة في وجوده) كانت قاعدة أغلبية).

стр. 212

القاعدة الثامنة والعشرون: الأصل في العبادات الحظر، إلا ما ورد عن الشارع تشريعُه والأصل في العادات الإباحة، إلا ما ورد عن الشارع تحريمه قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ في درسه في الحرم المكي (١): (إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الشريعة مبنية على أصلين: ١ - الأصل في العبادات الحظر؛ إلا إذا ورد في القرآن أو السنة ما يفيد غير ذلك. ٢ - الأصل في المعاملات والعادات الإباحة، إلا إذا ورد ما يفيد غير ذلك). قال الشيخ السعدي ﵀ في منظومة القواعد (٢): والأصلُ في عاداتنا الإباحةْ … حتى يجيءَ صارفُ الإباحةْ وليس مشروعًا من الأمورْ … غيرَ الذي في شرعنا مذكورْ قصد الشيخ السعدي ﵀ بالبيتين السابقين قاعدتين كليتين: فأما الأولى: فهي أن الأصل في العادات والمعاملات: الإباحة والحِلُّ (٣)، ودل على صحة ذلك أدلة ترجع إلى: الخبر، والاتفاق.

стр. 213

فأما الخبر: فمنه ما أخرجه مسلم في صحيحه في قصة تأبير النخل، وفيه قال النبي ﷺ : «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١)، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ رَدَّ الأمر في التعامل في الزراعة إلى الخلق، وجعله ليس من جنس الشرع الذي يتوقف فيه حتى يأتي الأمر من الرب سبحانه. وأما الاتفاق: فحكاه غير واحد، كالنووي في المجموع، والموفق في المغني. وليُعلَمْ أن المعاملات والعادات باقيةٌ على الأصل ما لم تخالف أصلًا شرعيًّا، أو يأتي الصارف الشرعي لذلك، ومن ذلك: شرب الخمر، فهو من جنس العادات التي حرَّمها الرب سبحانه. وأما القاعدة الكلية الثانية: فهي أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، ومعنى ذلك: هو ألّا يعتقد الناس في شيء أو في فعل أو قول أنه عبادة، حتى يأتي خطاب الشارع بذلك. وقد دلت الأدلة على صحة هذه القاعدة، وترجع إلى أدلة: أولها: الخبر، وهو من السنة والأثر. فأما السنة، فما رواه مسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (٢)، أي: مردود عليه. قال الشاطبي ﵀ في الاعتصام (٣): وهذا أصلٌ في أن الأصل في العبادات المنع والحظر.

стр. 214

وبيانه: أن النبي ﷺ قيَّد قبول العبادة بأخذها عنه، وصدورها منه ﷺ ، إذ هو المشرِّع ﷺ ، فاعتبار غير ما قاله أو فعله من العبادات عبادة تُفعل أو تقال: اعتبارٌ مردودٌ على صاحبه؛ لأن ذلك محظورٌ عليه. وأما الأثر؛ فما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، والخطيب في الفقيه والمتفقه عن سعيد بن المسيب، أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين زائدتين عن سنة الفجر، يطيل في سجودهما وركوعهما، فزجره عن ذلك، فأنكر عليه المصلي ذلك، فقال له: «بل خالفت السنة» (١). والآثار في ذلك كثيرة. وثانيها: الاتفاق؛ فقد حكى شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى اتفاق السلف ﵏ على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع (٢). فائدة: إذا كان العمل في أصله مشروعًا، ولكن زِيْدَ في هيئته، أو أُنْقِصَ منه، فلا يحكم على بطلانه مطلقًا، ولا على صحته مطلقًا، لأن الخلل قد يكون في شيء يوجب بطلان العبادة، وقد يكون في شيء دون ذلك، ومثاله: الصلاة إذا

стр. 215

أُوقعت بدون سجود فإنها باطلة، لأن السجود من الأركان، وإذا أوقعت دون قراءة ما تيسَّر بعد الفاتحة فهي مجزئة صحيحة. مسألة: هل يشترط في كون الأصل في العبادات الحظر والمنع انسحاب ذلك على كمية فعل العبادة من الرسول ﷺ ، بحيث لا يُزَاد على تلك الكمية في نحو المندوبات والسنن؟ ذهب الشاطبي في الموافقات إلى لزوم ذلك، وأن الزيادة مخالَفة (١). وذهب ابن القيم في الصواعق المرسلة إلى أن العبادة إذا ثبت أصلها، وندب إليها بالسنة القولية؛ فالمواظبة عليها فضلٌ وسنة). (فهذا الأصل العظيم في العبادات محل إجماع أهل العلم، وأنه لا يجوز أن يشرع عبادة فيقال: هذا واجب، أو هذا مستحب، والعبادات هي ما يكون محل وجوب، أو محل استحباب، فكل ما أمر الله به ورسوله ﷺ وجوبًا أو استحبابًا فهو عبادة، وما لا فلا) (٢). (والأصل في العادات الإباحة، فالأصل في المآكل والمشارب وأفعال الإنسان العادية كتنقله وما أشبه ذلك الأصل فيها الإباحة والحل، فلا يقال: هذا حرام إلا بدليل، عكس الأمور التعبدية، ولا نقول لأي شيء أقدم عليه: ما الدليل؟ لأن الأصل الإباحة، وألحَقَ كثير من أهل العلم في هذه مسألة الشروط والعقود في البيع والشراء، وقالوا: إن الأصل فيها الإباحة، وقال آخرون: إن الأصل فيها المنع، والصواب في مسألة الشروط والعقود والبيوع الحل لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 216

والصواب: أن الآية عامة ليست مجملة كما قاله جمع من أهل العلم، فلذلك يجوز أن يشرط ما شاء إلا ما حرم الله ورسوله، وليس معنى ذلك أن يأتي إنسان جاهل بأمور البيع فيشترط ما شاء، هذا لا يجوز، المعنى: أنه يقدم على شيء لا يعلم تحريمه، أما أنه يقدم على شيء لا يعلم حله ولا تحريمه فلا يجوز له ذلك؛ لأنه قد يقدم على شيء محرم، ولهذا نص أهل العلم: أنه يجب على من أراد أن يعمل عملًا من الأمور أن يعلم أحكامه على الجملة، وليس على التفصيل) (١). وقد أشار الشيخ عبد المحسن الزامل ﵀ في شرح القواعد السعدية إلى أن المباحات قد تنقلب بالنية إلى عبادات يؤجر المرء عليها، فقال (٢): (المباحات في أصلها ليست عبادة، لكن تكون عبادة بالنية، فتنقلب المباحات إلى عبادات بالنية، فمن قصد وجه الله بهذه العبادات فإنه يكون متعبدًا له ، ومأجورًا بنيته هذه، وهو واضح في عمل الإنسان في أمور كثيرة يمكن أن تنقلب فيها المباحات إلى عبادات. فالإنسان قد يصل رحمه مثلًا على جهة العادة، خشية أن يقولوا ما زارنا فلان، فيكون أمرًا مباحًا لا له ولا عليه، لأنه لم يقصد وجه الله ، لكن إذا كان قد يقطع رحمه لو لم يخشَ ذلك، فقد يكون بهذه النية ارتكب أمرًا ممنوعًا. فالإنسان إذا وصل رحمه على سبيل العادة، فبمجرد هذه النية في أصلها يكون لا له ولا عليه، لكنه يستطيع أن يقلبها إلى عبادة بأن ينوي وجه الله ببره لأقاربه وصلة الأرحام، وينوي بذلك تحصيل الأجر الذي جاء في بر الأقارب وصلة الأرحام.

стр. 217

وكذلك زيارة صديقه وزميله إذا نوى بها مجرد المؤانسة والمداعبة معه مثلًا، وقد يخشى أن يجد عليه في نفسه، فهذا يكون مباحًا إذا وصله؛ وإن زاره معتقدًا مشروعية زيارة إخوانه، وأنه يحتسب الأجر في ذلك كان مأجورًا بذلك. وكذلك أمور كثيرة، كما في مسألة تربية الإنسان لأولاده وأبنائه، إذا نوى وجه الله وقصد أن يصلحهم، وأن يكونوا على طريقة مستقيمة، كان مأجورًا في ذلك، والإنسان ينفق النفقة ويخرجها على أهله وهي واجبة عليه ويؤجر على هذه النية أجر الواجب (١)، لكن إذا نوى مع ذلك ما جاء من الأدلة في فضل النفقة على الأهل يُؤجر أجرين؛ أصل الوجوب من جهة الموجب، وزيادة عليه من جهة نيته التي نوى بها وجه الله سبحان وتعالى، بأن يحتسبها، كما جاء في الحديث عن أبي مسعود ﵁ في الرجل ينفق على أهله يحتسبها، له بها صدقة (٢) إلى غير ذلك. فالمباحات تنقلب عبادات بالنية، فالإنسان ينام وينوي بنومه التَّقَوِّي على عبادة الله، فإذا نوى بهذه النية إجمام النفس على هذا الأمور المشروعة انقلبت المباحات إلى عبادات، فالوسائل لها أحكام المقاصد، لأنه نوى نية صالحة و: «إنما الأعمال بالنيات» (٣). ومسألة أخرى ذكرها الشيخ الزامل: وهي الاقتداء بالنبي ﷺ في

стр. 218

أفعاله الجبلية التي ليس فيها وجهٌ للتعبد، قال (١): (كان بعض الصحابة ﵃ يقتدي بالنّبي ﵊ في كل أعماله ويقول: إنه يقتدي بالنبي ﵊، وإن هذا من باب التعبد لله . وكان ابن عمر ﵄ يصلي في الموضع الذي كان يصلي فيه النبي ﵊ (٢)، وكان إذا سافر إلى مكة لحج أو لعمرة، أو إلى غير ذلك كان يبول تحت شجرة ويقول: كان النبي ﵊ يبول تحتها. فهل هذا من الأمور التعبدية التي يشرع فعلُها أم لا؟ هذا موضع خلاف، ذهب ابن عمر ﵄ إلى هذا، وجمهور الصحابة ﵃ إلى أن هذا ليس موضع عبادة، وأنه ليس محل اقتداء في مثل هذه الأمور (٣). فموضوع الاقتداء بأفعاله ﵊ طويل، وإن كان الأظهر عند كثير من أهل العلم أن الفعل إذا ظهر فيه وجه القربة كان محلًّا للاقتداء، وإن لم يظهر

стр. 219

فيه وجه القربة فلا بأس بالتأسي به ﵊ من حيث الجملة، لكن الكلام في أنه يتبعه في أفعاله التي هي محضُ جبلة، والتي لا يظهر فيها وجهُ القربة، فجمهور الصحابة ﵃ كما قلنا يقولون: إنه لا يُشرع الاقتداء به في هذه الحال. وقد خالف ابنَ عمرَ ﵄ أبوه فقد ثبت عنه ﵁ أنه كان في سفره، فالتفت يومًا فرأى أناسًا يصلون تحت شجرة، فقال: ما هذا؟ قالوا: أناس يزعمون أن النبي ﷺ صلى تحتها، فقال: أتريدون أن تتخذوا أثرَ نبيكم مسجدًا؟، أو كما قال ﵁، فأمر بقطعها (١) سدًّا للذريعة التي قد تفضي إلى الغلو، ثم تفضي إلى الابتداع والشرك، فلهذا يكون الصواب مع من خالف ابن عمر ﵁. فالسنة أن تفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، هذا هو محل الاقتداء، معنى هذا حينما تصلي في هذا المكان لأن النبي ﵊ صلى فيه ننظر هل صلى ﵊ في هذا المكان قصدًا أم اتفاقًا؟ نقول: إنما صلى اتفاقًا، أي: أنه جلس في هذا المكان وصلى فيه، وهكذا فأنت عندما تذهب إلى هذه الشجرة تصلي تحتها صليت قصدًا، والنبي ﵊ لم يصل تحتها قصدًا، فأنت في الحقيقة فعلت الفعل على غير الوجه الذي فعله ﷺ ، فلا تكون متّبعًا إذا صليت عندها، بل قد يكون وسيلة إلى شيء من الغلو الذي يؤدي إلى الابتداع، ولهذا كان الصواب كما قلنا

стр. 220

هو ما كان عليه جمهور الصحابة ﵃، واتفق عليه العلماء بعد ذلك وأنه ليس محلًّا للإتّساء في مثل هذه الأشياء). وأما المصالح المرسلة فهي أمور تنظيمية يُقصد منها رفع الحرج عن المسلمين، أو تسهيل مصالحهم الدينية والدنيوية؛ كتنظيم الدواوين، وكتابة التاريخ، وأمور على نحو ذلك أحدثها المسلمون بعد وفاة المصطفى ﷺ ؛ لتسهيل وتيسير أمورهم الدينية والدنيوية، ومنها: ترتيب الدواوين والموظفين والجنود وقادتهم ومرتباتهم … الخ. فالوسائل التي يقصد بها التوصل إلى المشروع ليست بدعة إذا لم تكن محرمة لذاتها، مثل: تبويب المسائل، والتصنيع، والمكبرات للصوت لسماع الخطبة والأذان، ونحو ذلك. وهذا يعني: أن القاعدة في البدع أنها التعبد لله بأمر غير مشروع، وعلى هذا فالبدع كلها ليس فيها حسن؛ فكلها في النار. وأيضًا الأصل أن العبادات أنها لا تعلل، إلا ما دل الكتاب والسنة على تعليله كما قال تعالى في الصيام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].

стр. 221

القاعدة التاسعة والعشرون: لا اجتهاد مع النص الاجتهاد: هو بذل الوسع في استخراج الحكم والوصول إلى الحقّ، وهذا الاجتهاد نتيجته مظنونة لا مقطوع بها لاحتمال الخطأ، والمجتهد إنّما يضطر للاجتهاد في حكم مسألة ما عندما يعجز عن الحصول على حكم يقيني منصوص له؛ لأنّه لا اجتهاد مع النّصّ (١). فهذه القاعدة تفيد تحريم الاجتهاد في حكم مسألة ورد فيها نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع، لأنه إنما يحتاج للاجتهاد عند عدم وجود النص، أما عند وجوده فلا اجتهاد إلا في فهم النصِّ ودلالته (٢). وقد عقد ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (٣) فصلًا في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول وذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، فقال ﵀: (قال الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى. وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى

стр. 222

فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]؛ فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحق، وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وإلى الهوى، وهو ما خالفه. وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]؛ فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها، وأمر الأمة بها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى عن الثاني. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]؛ فأمر باتباع المنزل منه خاصة، وأعلم أن من اتبع غيره فقد اتبع من دونه أولياء. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]؛ فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول ﷺ تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه (١)، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذف الفعل، وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول؛ إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول ﷺ ، فمن أمر منهم بطاعة الرسول

стр. 223

ﷺ وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول ﷺ فلا سمع له ولا طاعة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (١)، وقال ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف» (٢)، وقال في ولاة الأمور: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة» (٣). وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها: «أنهم لو دخلوا لما خرجوا منها» (٤)، مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنًّا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في الاجتهاد، وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله، وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يُرده الآمر ﷺ ، وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد، وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبت وتبين؛ هل ذلك طاعة لله ورسوله ﷺ أم لا؟ فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله ﷺ ؟ ثم أمر تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله ﷺ إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاجل، وأحسن تأويلًا في العاقبة).

стр. 224

وعقد ﵀ فصلًا آخر بعنوان: تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك (١). وقد أفاض في هذا الفصل في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب العمل بالكتاب والسنة، وتحريم الاجتهاد مع وجود النص وذكر أقوال العلماء وإجماعهم على ذلك، فقال ﵀ (٢): (قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ونهى أن يقول أحد: هذا حلال وهذا حرام لما لم يحرمه الله ورسوله نصًّا، وأخبر أن فاعل ذلك مفتر على الله الكذب، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ

стр. 225

الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما السنة: ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي ﷺ ، فذكر حديث اللعان وقول النبي ﷺ : «أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتينِ خدَلَّج الساقين (١) فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية»، فجاءت به على النعت المكروه؛ فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» (٢)، يريد -والله ورسوله أعلم- بكتاب الله قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، ويريد بالشأن -والله أعلم- أنه كان يحدُّها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به، ولكن كتاب الله فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع. ذكر أقوال العلماء في ذلك المعنى: وقال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر ﵁، فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ «قضى بالفراش» (٣).

стр. 226

قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب، قال: أخبرني مخلد بن خفاف، قال: ابتعت غلامًا، فاستغللتُه، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي بردِّه، وقضى عليَّ بردِّ غلتِه، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن «الخراج بالضمان»، فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله ﷺ ، فقال عمر: فما أيسر هذا عليَّ من قضاء قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أردْ فيه إلا الحق؛ فبلغتني فيه سنة عن رسول الله ﷺ فأردُّ قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله ﷺ ، فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له (١). قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب، قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي ﷺ بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي ﷺ بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبًا، أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأردُّ قضاء رسول الله ﷺ ، بل أرد قضاء سعد بن أم سعد وأنفذُ قضاء رسول الله ﷺ ، فدعا سعد بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه (٢). فليوحشنا المقلدون، ثم أوحش الله منهم.

стр. 227

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتاب بن منصور، قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله (١). وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس (٢). وتواتر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط (٣). وقد تقدم من ذكر رجوع عمر وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية. وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر (٤). وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ إذا صح الخبر عنه (٥). وقال الشافعي: إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه (٦).

стр. 228

يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة: وهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهاد الرأي إنما يباح للمضطر كما تباح له الميتة والدم عند الضرورة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وكذلك القياس إنما يصار إليه عند الضرورة. قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره البيهقي في مدخله (١). وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تنفر حتى تطوف طواف الوداع، وتناظر في ذلك هو وعبد الله بن عباس، فقال له ابن عباس: إمَّا لا فسل فلانةَ الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ، فرجع زيد يضحك ويقول: ما أراك إلا قد صدقت (٢). وقال ابن عمر: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع أن رسول الله ﷺ نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك (٣). وقال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان قال الشافعي لنعطينَّك جملة تغنيك إن شاء الله، لا تدع لرسول الله ﷺ حديثًا أبدًا إلا أن يأتي عن رسول الله ﷺ خلافه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت (٤).

стр. 229

وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلمت فيها صحَّ الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي (١). وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه، وقال: قال النبي ﷺ كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيت في وسطي زنارًا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول قال النبي ﷺ ، وتقول لي: أتقول بهذا؟ روي عن النبي ﷺ ولا أقول به؟ (٢). قال الحاكم: وسمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصَّلتُ من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي، وجعل يردد هذا الكلام (٣). وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح لكم الحديث عن النبي ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه (٤).

стр. 230

وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله (١). وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول الله ﷺ بأن لا يدخله القياس ولا موضع للقياس لموقع السنة (٢). قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترك السنة وغيرها، وترك ذلك لغير شيء؛ بل لرأي أنفسكم؛ فالعلم إذًا إليكم تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم (٣). وقد صنف الإمام أحمد ﵁ كتابًا في طاعة الرسول ﷺ ، ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله ﷺ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته (٤): (إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب. فكان رسول الله ﷺ هو المُعبِّر عن كتاب الله الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا أعلم الناس برسول الله ﷺ ، وبما أراد الله من كتابه

стр. 231

بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ . قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به، ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول. ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردها بذلك، وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في ردِّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظًا متشابهًا غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفًا متشابهًا وردّوه به، فلهم طريقان في ردِّ السنن: أحدهما: ردُّها بالمتشابه من القرآن أو من السنن. والثاني: جعلهم المحكمَ متشابهًا؛ ليعطلوا دلالته. وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوصُ بعضُها بعضًا، ويصدِّق بعضُها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره).

стр. 232

القاعدة الثلاثون: ينكر في مسائل الخلاف، ولا ينكر في مسائل الاجتهاد ناقش الإمام ابن القيم ﵀ قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) التي اعتمدها بعض فقهاء المذاهب وبين عدم صحتها، وأن أغلب الأئمة والفقهاء لا يصححونها، وذكر كثيرًا من المسائل التي أنكرها الأئمة على أصحابها؛ مع أنها تعد من المسائل الخلافية، وذكر أن الصواب هو عدم الإنكار في مسائل الاجتهاد، وأوضح الفرق بين اللفظين، فقال ﵀ أثناء حديثه عن الحيل (١): (وقد اتفق السلف على أنها بدعة محدثة؛ فلا يجوز تقليد من يفتي بها، ويجب نقض حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلد على من يفتي بها، وقد نصَّ الإمام أحمد على ذلك كله، ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرفِ والنبيذ (٢). ولا يجوز تقليدُ بعض المدنيين في مسألة الحشوش وإتيان النساء في أدبارهن (٣)، بل عند فقهاء الحديث أن من شرب النبيذ المختلف فيه حُدَّ، وهذا فوق الإنكار باللسان، بل عند فقهاء أهل المدينة يفسق، ولا تقبل شهادته، وهذا

стр. 233

يردُّ قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة، ولا يعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك. وقد نصَّ الإمام أحمد على أن من تزوج ابنته من الزنا يقتل، والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة فيمن تزوج أمَّه وابنته أنه يُدرأ عنه الحدُّ بشبهة دارِءةٍ للحد، بل عند الإمام أحمد ﵁ يقتل (١)، وعند الشافعي ومالك يحدُّ حدَّ الزنا في هذا، مع أن القائلين بالمتعة والصرف معهم سنة وإن كانت منسوخة، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثر عن صاحب، ولا قياس صحيح. خطأ قول من قال لا إنكار في المسائل الخلافية: وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإن بيانَ ضعفِه ومخالفته للدليل إنكار مثله. وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ، لم يُنكر

стр. 234

على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به- الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها. وليس في قول العالم: إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا يسوغ فيها الاجتهاد طعنٌ على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب (١). والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنَّا صحة أحد القولين فيها كثيرة، مثل كون الحامل تعتدُّ بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حِلِّها للأول، وأن الغسل يجبُ بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وأن ربا الفضلِ حرام، وأن المتعةَ حرام (٢)، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار، وأن الوقت صحيح لازم، وأن ديةَ الأصابع سواء، وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقًا، وأن التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائزٌ، وأن صيام الولي عن الميت يجزئُ عنه، وأن الحاجَّ يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المحرم له

стр. 235

استدامة الطيب دون ابتدائِه، وأن السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن المصرَّاة يرد معها عوضَ اللبن صاعًا من تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل، ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها (١). وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلد من نهاه عن تقليده (٢)، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا صحَّ الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتى لو لم يقل له ذلك، كان هذا هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحةَ له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك، لم يسَعْه إلا اتباع الحجةِ، ولو لم يكن في هذا الباب شيءٌ من الأحاديث والآثار ألبتة).

стр. 236

القاعدة الحادية والثلاثون: الأصل في العقود والشروط الصحة وليس البطلان لقد تميز مذهب الإمام أَحمد ﵀ بأَن الأَصل في العقود والشروط هو الصحة، وهذا يفتح حرية المتعاقدين في إِبرام العقود والشروط بناء على هذا الأَصل، وتستمر في التوسع ما لم تصادم نَصًّا، وهذا تمسك ونزوع إلى الأَصل الشرعي: التيسير، ورفع الحرج (١). معنى هذه القاعدة ومدلولها (٢): معنى الأصل: القاعدة المستمرة أو الصورة المقيس عليها. والعقود: جمع: عقد، وهو ارتباط الإيجاب بالقبول. والصحة: معناها: السلامة من المرض أو العيب أو الفساد. فتدل هذه القاعدة على أن العقود التي يعقدها المكلفون أصلها ومبناها على الصحة والكمال، لا على الفساد والنقص، لأن المقصود من العقود تبادل الأملاك والمنافع ولا يحل منها شيء إلا بعقد صحيح. فإذا وجد عقدين متعاقدين فإن المقصود الأهم هو غاية العقد، وحكمه المترتب عليه من حل العوضين أو البدلين. من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تعاقد شخصان عقد بيع، وقع العقد صحيحًا باستيفاء شروطه وزوال

стр. 237

موانعه وحلَّ لكل منهما الانتفاع بالبدل، البائع بالثمن والمشتري بالمبيع. وكذلك لو عقد رجل وامرأة عقد نكاح بشروطه وقع صحيحًا، وحلَّ للرجل الاستمتاع بالمرأة، ووجب عليه نفقتُها وأحكام العقد. وقد خطأ ابن القيم ﵀ من اعتقد أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانَه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل. ثم قال (١): (وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ﷺ ، ولا تأثيم إلا ما أثَّم الله ورسوله ﷺ به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه. فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يعبد الا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقُّه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفوٌ حتى يحرمَها. ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين -وهو تحريم ما لم يحرمْه، والتقرب إليه بما لم يشرعه- وهو سبحانه لو سكت عن

стр. 238

إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفوٌ. فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه. وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، وقال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وهذا كثير من القرآن. وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» (١).

стр. 239

وفيه من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «من علامات المنافق ثلاث، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ : «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان» (٢). وفيهما من حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج» (٣). وفي سنن أبي داود، عن أبي رافع، قال: بعثني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أخيس بالعهد (٤)، ولا أحبس البُرُد (٥)، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع» (٦)، قال: فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ ؛ فأسلمت.

стр. 240

وفي صحيح مسلم، عن حذيفة، قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش؛ فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؛ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة؛ فأخذوا منا عهد الله وميثاقَه لننصرِفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» (١). وفي سنن أبي داود، عن عبد الله بن عامر، قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتها، فقالت: تعال أعطك، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما أردت أن تعطيه؟»؛ فقالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله ﷺ : «أما إنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة» (٢). وفي صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (٣). وأمر النبي ﷺ عمر بن الخطاب أن يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلة عند المسجد الحرام (٤)، وهذا عقد كان قبل الشرع. وفي السنن، من حديث كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، يرفعه: «المؤمنون عند شروطهم» (٥).

стр. 241

وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، يرفعه: «الناس على شروطهم ما وافق الحق» (١)، وليست العمدة على هذين الحديثين، بل على ما تقدم. أجوبة المانعين: وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة بمعارضتها بنصوص آخر، كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» (٢). وكقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣). وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ونظائر هذه الآية. قالوا: فصحَّ بهذه النصوص إبطالُ كلِّ عهد وعقد ووعد وشرط ليس في كتاب الله الأمر به أو النصُّ على إباحته.

стр. 242

قالوا: وكل شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن فيه، فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: ١ - إما أن يكون صاحبه قد التزم فيه إباحة ما حرم الله ورسوله ﷺ . ٢ - أو تحريم ما أباحه. ٣ - أو إسقاط ما أوجبه. ٤ - أو إيجاب ما أسقطه. ولا خامس لهذه الأقسام ألبتة، فإن ملَّكتم المشترط والمُعاقد والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين، وإن ملَّكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلًا. رد الجمهور على أجوبة المانعين: قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة تتضمن أن هذه النصوص ليست من دين الله، ولا يحلُّ العمل بها، وتجب مخالفتُها، وليس معكم برهان قاطع بذلك، فلا تسمع دعواه، وأين التجاؤكم إلى الاستصحاب والتسبب به ما أمكنكم؟ وأما تخصيصها فلا وجه له، وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله. وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.

стр. 243

وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض، وهذا إنما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله»، ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل علمت من السنة، فعلم أن المراد بكتاب الله حكمُه كقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول النبي ﷺ : «كتاب الله القصاص» (١) في كسر السن، فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ﷺ . ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له فيكون باطلًا، فإذا كان الله ورسوله ﷺ قد حكم بأن الولاء للمعتق (٢)، فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم الله، ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا؟ وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله الله أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه، بل تحريمه هو نفي تعدي حدوده. وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس وهو الحق، وهو ما أباح الله سبحانه للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي ملَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يحله له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يسقط

стр. 244

وجوبه بعد وجوبه، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه، فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط، وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا، فكما أن شراء الأمة ونكاح المرأة يُحلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها وبيعها بالعكس؛ يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط، فإذا ملك تغييرالحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له، وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فأباح التجارة التي تراضى بها المتبايعان، فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه، ولا ألزمهما الله ولا رسوله ﷺ به، ولا يجوز إلزامهما بما لم يلزمهما الله ورسوله ﷺ به ولا هما التزماه، ولا إبطال ما شرطاه مما لم يحرم الله ورسوله عليهما شرطه. ومحرم الحلال كمحلل الحرام، فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يلغه الله ورسوله ﷺ ، وقابلهم آخرون من القياسيين فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله ورسوله ﷺ ، وكلا القولين خطأ، بل الصواب إلغاء كل شرط خالف حكم الله، واعتبار كل شرط لم يحرمه الله ولم يمنع منه، وبالله التوفيق). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (كذلك أيضًا في النّكاح: كما لو شكّ الإنسان في شاهدي النكاح هل هما ذوا عدل أم لا؟ فنقول: إذا كان الأمر قد تم وانتهى فقد انتهى على الصحة، ودع القلق لأن الأصل في العقود الصحة حتى يقوم دليل الفساد).

стр. 245

القاعدة الثانية والثلاثون: الجزاء إنما يكون بحسب الجناية معنى هذه القاعدة ومدلولها (١): معنى الجزاء في اللغة: القضاء. يقال: جزى الأمر يجزي جزاء، مثل قضى يقضي قضاءً. وزنًا ومعنى. ويكون بمعنى الإثابة. وفي الاصطلاح: قال في أنيس الفقهاء: الجزاء: العوض والمستحق، والثواب والعقاب. والجناية في اللغة: من جنى يجني جناية، أي: أَذنب ذنبًا يؤاخذ به. وفي الاصطلاح: قال في التعريفات: الجناية: كل فعل محظور يتضمن ضررًا على النفس أو غيرها. وقال في أنيس الفقهاء: الجناية ما يجتنيه من شر -أي: يحدثه- تسمية -بالمصدر- من جنى عليه شرًّا، وهو عام إلا أنه خصَّ بما يَحرُم من الفعل. فمفاد القاعدة: أَنْ العقوبة إِنما تكون بمقدار الفعل المحرم. من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استعمل المُحْرم الطيبَ في عضو كامل -كالرأس- فيلزمه الدم، وأَما إن استعمله في أقل من عضو، فعليه الصدقة أو حصته من الدم. ومنها: إذا زنا فعليه الحدُّ كاملًا، واما إذا كان دون الزنا كالمفاخذة -والمباشرة- فعليه التعزير عقوبة، ولكن لا يُحَدُّ، لأَن الجناية ليست كاملة.

стр. 246

وقد تكلم الإمام ابن القيم بكلام ماتع على هذه القاعدة، بين فيه حكمة الرب تعالى في تفاوت العقوبات ومناسبة كل عقوبة للجرم الواقع، فقال (١): (فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شَرَع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس من بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقَتْل والجرح والقذت والسرقة؛ فأحْكم سبحانه وجوهَ الزّجرِ الرادعةِ عن هذه الجنايات غايةَ الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع؛ فلم يشرع في الكذب قَطعَ اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السّرقةِ إعدام النفس. وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائِه وصفاتِه من حكمتِه ورحمتِه ولُطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقنع كلُّ إنسان بما آتاه مالكُه وخالقه؛ فلا يطمع في استلابِ غير حقِّه. تفاوت العقوبات بحسب تفاوت الجنايات هو العدل والحكمة: ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرةَ المحرَّمةَ لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب؛ ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير العظيم، فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بدٌّ من تفاوت مراتب

стр. 247

العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وُكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا، لذهبت بهم الآراءُ كُلَّ مَذْهَب، وتشعبت بهم الطُّرق كلَّ شِعب، ولعَظُمَ الخلاف واشتد الخَطْب، فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنةَ ذلك، وأزال عنهم كُلفته، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديرَه نوعًا وقدرًا، ورتَّب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النّكال. ثم بلغ من سعةِ جوده ورحمته أن جعل تلك العقوباتِ كفاراتٍ لأهلها، وطُهْرةً تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة؛ فرحمهم بهذه العقوبات أنواعًا من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتْل، وقطْع، وجلْد، ونفْي، وتغريم مال، وتعزير. فأما القتل: فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس؛ فكانت عقوبته من جنسه، وكالجناية على الدِّين بالطعن فيه والارتداد عنه. وهذه الجناية أولى بالقتل وكَفِّ عدوان الجاني عليه من كل عقوبة؛ إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم، ولا خير يُرجى في بقائِه ولا مصلحة؛ فإذا حَبسَ شَرَّه وأمسكَ لسانَه، وكفَّ أذاه والتزم الذُّلَّ والصغار وجريان أحكام اللَّه ورسوله ﷺ عليه وأداء الجزية، لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضررٌ عليهم. والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين، وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة؛ لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام.

стр. 248

وأما القطع: فجعله عقوبةَ مثلِه عدلًا، وعقوبة السارق؛ فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جنايتُه حد العقوبة بالقتل؛ فكانت أليقَ العقوباتِ به إبانةُ العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس، وأَخْذِ أموالهم. ولما كان ضررُ المُحاربِ أشدَّ من ضرر السارق وعدوانه أعظم، ضَمّ إلى قطع يده قطع رجله؛ ليكف عدوانَه، وشر يده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف (١) لئلا يُفوِّت عليه منفعة الشق بكماله، فكف ضرره وعدوانه، ورحمه بأن أبقى له يدًا من شقٍّ ورجلًا من شقٍّ. وأما الجلد: فجعله عقوبةَ الجنايةِ على الأَعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة الطرف، إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتَها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البكر شدة الداعي وعدم العوض، فانتهض ذلك المعارض سببًا لإسقاط القتل، ولم يكن الجلدُ وحده كافيًا في الزجر فغُلِّظ بالنفي والتغريب؛ ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخُلطاء ما يزجره عن المعاودة. وأما الجناية على العقول بالسكر: فكانت مفسدتُها لا تتعدّى السكران غالبًا، ولهذا لم يُحرَّم السُّكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى لسان كل نبي، وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع، بل ضرب فيها بالأيدي والنِّعال وأطراف الثياب والجريد، وضرب فيها أربعين، فلما استخفَّ الناس بأمرها وتتابعوا في ارتكابها غلَّظها الخليفة

стр. 249

الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الذي أُمِرْنا بابتاع سنته (١)، وسنته من سنة رسول اللَّه ﷺ ؛ فجعلها ثمانين بالسوط، ونَفَى فيها، وحَلَق الرَّأس، وهذا كله من فقه السنة؛ فإن النبي ﷺ أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة (٢)، ولم يَنْسَخ ذلك، ولم يجعله حدًّا لا بد منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة، فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل. وأما تغريمُ المال -وهو العقوبة المالية-: فشرعها في مواضع: منها تحريقُ متاعِ الغالِّ من الغنيمة، ومنها حرمان سهمه، ومنها إضعافُ الغرم على سارق الثمار المعلقة، ومنها إضعافه على كاتم الضَّالةِ المُلْتَقطة، ومنها أخذُ شَطْر مال مانع الزكاة، ومنها عزمه ﷺ على تحريق دور من لا يُصلي في الجماعة (٣)، لولا ما منعه من إنفاذِ ما عَزمَ عليه من كَوْنِ الذرية والنساء فيها (٤)

стр. 250

فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل، ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قَتَله، حيث شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر. وأما التعزير: ففي كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة. فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوعٌ فيه الحدُّ ولا كفارةَ فيه، ونوعٌ فيه الكفارة ولا حدَّ فيه، ونوع لا حدَّ فيه ولا كفارة: فالأول: كالسرقة والشرب والزنا والقذف. والثاني: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام. والثالث: كوطء الأمة المُشتركة بينه وبين غيره، وقُبْلة الأجنبية، والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك. من حكمة اللَّه اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة: وكان من تمام حكمته ورحمته أن لم يأخذ الجُناة بغير حُجَّة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغُ وأصدقُ من إقرار اللسان، فإن من قامت عليه شواهدُ الحال بالجناية كرائحةِ الخمر وقيْئِها، وحَبَل مَنْ لا زوجَ لها ولا سيّد، ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى بالعقوبة ممَّن قامت عليه شهادةُ إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة وإن نازع فيه بعض الفقهاء، وإما أن تكون الحجة مِنْ خارج عنهم وهي البيِّنةُ، واشتُرط فيها العدالة وعدم التهمة؛ فلا أحسن في
следующие страницы →