← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1232

التحفة المكية في توضيح أهم القواعد الفقهية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقًا، سواء قيل: إن الماء لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانًا بغير عوض للشرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذله للزروع. وأما النهي عن منع النار، فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعاما ونحوه، لم يبعد. وأما الملح فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة، فإن الملح من المعادن الظاهرة، لا يُملك بالإحياء ولا بالإقطاع، نصَّ عليه أحمد. وفي سنن أبي داود (١): أن النبي ﷺ أقطع رجلًا الملح، فقيل له: يا رسول الله، إنه بمنزلة الماء العِدِّ (٢)، فانتزعه منه. ومما يدخل في عموم قوله ﷺ : «لا ضرر»: أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم ألبتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضًا.

стр. 72

ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، وأمر بالفدية. وفي المسند (١) عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة». ومن حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: «إني أرسلت بحنيفية سمحة» (٢). ومن هذا المعنى ما في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ : رأى رجلًا يمشي، قيل: إنه نذر أن يحج ماشيًا، فقال: «إن الله لغني عن مشيه، فليركب»، وفي رواية: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» (٣). وفي السنن عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبي ﷺ : «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا فلتركب» (٤). وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكل حال، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي.

стр. 73

وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعي. وقيل: بل عليه -مع ذلك- كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية. ومما يدخل في عمومه أيضًا: أن من عليه دين لا يطالب به مع إعساره، بل ينظر إلى حال إيساره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعلى هذا جمهور العلماء خلافًا لشريح في قوله: إن الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية. والجمهور أخذوا باللفظ العام، ولا يكلف المدين أن يقضي مما عليه في خروجه من ملكه ضرر، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد).

стр. 74

القاعدة الخامسة: العادة محكَّمة العادة: هي اطرادُ وقوع الشيء دائمًا، أو في وقت دون وقت: فالأول: كدوران الشمس والنجوم في أفلاكها، كما قال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]. والثاني: كطلوعها من المشرق، وغروبها في المغرب، وكوقوع المطر في الشتاء، وزيادة نيل مصر في أيامه، وأشباه ذلك، حتى لو قال قائل: دليل نبوتي أن الشمس لا تطلع اليوم من المشرق، أو أنها لا تغرب في المغرب، بل تجول في أطراف الفلك ونحو ذلك، فوقع الأمر كما قال، لدلَّ ذلك على صدقه، وما ذاك إلا لانخراق العادة المطردةِ على يديه (١). يعني: أن العادة عامة كانت أو خاصة تُجعل حَكَمًا لإثبات حكم شرعي لم ينص على خلافه بخصوصه، فلو لم يرِد نصٌّ يخالفها أصلا، أو ورد ولكن عامًّا، فإن العادة تعتبر (٢). فقولهم: العادة محكَّمة: أي: معمولٌ بها شرعًا. (يعني الفقهاء بهذه القاعدة: أنه يُرجع في تحديد المراد من بعض الألفاظ الشرعية، والألفاظ التي يتعامل بها الناس، وبناء الأحكام الشرعية عليها إلى عادة الناس وما تعارفوا عليه، وذلك إذا لم يرد الشرعُ بتحديده، ولم يتضمن المعنى اللغوي للفظ تحديدًا وتقديرًا له. قال السبكي: واشتهر عند الفقهاء أن ما

стр. 75

ليس له ضابط في اللغة ولا في الشرع يُرجع فيه إلى العرف، وعند الأصوليين أن العرف مقدم على اللغة. وقيدت العادة المعتبرة بألَّا تخالف نصًّا شرعيًّا، وبأن تطَّردُ وتغلبُ، وقيد العرف بأن يكون سابقًا لإنشاء التصرف، أو مقارنًا له، واشترط بعضهم أن يكون العرف عامًّا كما اشترط فيه -فيما يجري بين الناس من المعاملات- ألا يُصرّح بخلافه) (١). دليل القاعدة: أشار الفقهاء والأصوليون إلى حديث: «ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن»، لكنه لا يصحّ، وليس له إسناد (٢)، وإنما هو منقولٌ عن ابن مسعود موقوفًا عليه (٣).

стр. 76

والأحسن الاحتجاج بقوله ﵊ لهند: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١). وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، قال ابن السمعاني في القواطع: (العرف في الآية ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم)، وقال ابن عطية: (كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة) (٢)، وقال ابن ظفر في الينبوع: (العرف: ما عرَّفه العقلاء بأنه حسن وأقرهم الشارع عليه) (٣)، وقال ابنُ حجر: (وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديدَ فيها من قبل الشرع) (٤). ويدلُّ على هذه القاعدة ما ورد من الآيات والأحاديث مصرحًا فيها باعتبار العرف والعادة في بناء الأحكام الشرعية، ومنها: ١) قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ٢) قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. ٣) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فقد فُسر المعروف: بالمتعارف في عرف الشرع، أو ما تعارف عليه الناس. وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «الوزنُ: وزنُ أهل مكة، والمِكيال: مكيالُ أهل المدينة» (٥).

стр. 77

فاعتبر الرسولُ ﷺ عادة أهل مكة في الوزن، لأنهم كانوا أهل نتاجٍ، واعتبر عادة أهل المدينة في الكيل؛ لأن عادتَهم الكيلُ (١). قال الشيخ أحمد الزرقا ﵀ (٢): (أصل هذه القاعدة قول ابن مسعود ﵁: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح»، وهو حديث حسن، وإنه وإن كان موقوفًا عليه فله حكم المرفوع، لأنه لا مدخل للرأي فيه. والعادة: هي الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى، وهي المرادة بالعرف العملي. فالمراد بها حينئذ ما لا يكون مغايرًا لما عليه أهل الدين والعقل المستقيم ولا منكرًا في نظرهم. والمراد من كونها عامة: أن تكون مطردة أو غالبة في جميع البلدان. ومن كونها خاصة: أن تكون كذلك في بعضها، فالاطراد والغلبة شرط لاعتبارها سواء كانت عامة أو خاصة. ثم إذا لم يرد نصٌّ مخالف يشملها فلا كلام في اعتبارها، فقد نقل ابن عابدين أن العادة إحدى حجج الشرع فيما لا نصَّ فيه. أما إذا ورد نصٌّ فإما أن يكون نصًّا في مخالفتها، فلا كلام في اعتباره دونها مطلقا، عامة كانت أو خاصة، لأن النصَّ أقوى من العُرف. فالعمل بها حينئذ عبارة عن ردِّ النصِّ ورفضه للعادة وهو لا يجوز.

стр. 78

وإما أن يكون عامًّا ويكون المعتاد جزيئًا من جزئياته، فحينئذ: إما أن تكون عامة فتصلح أن تكون مخصصة لعمومِه اتفاقًا، عملية كانت أو قولية. وإما أن تكون خاصةً، واختلف في أنها هل تصلح مخصصة للنص العام بالنسبة لمن اعتادها أم لا، والمذهب أنها لا تصلح، وعليه مشى الفقيه أبو جعفر وأبو بكر البلخي). تذكر: إنما تعتبر العادة إذا لم تخالف نصًّا شرعيًّا وإذا كانت مطردة، وكانت سابقة، فلا عبرة بالعرف الطارئ (١)، وألا تخالف شرطًا للمتعاقدين أو أحدهما (٢). القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: ١ - استعمال الناس حجةٌ يجب العمل بها. ٢ - إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت. ٣ - العبرة للغالب الشائع لا للنادر. ٤ - العُرف الذي تحمل عليه الألفاظ، إنما هو المقارن السابق دون المتأخر. ٥ - الحقيقة تترك بدلالة العادة. ٦ - الكتاب كالخطاب. ٧ - الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان.

стр. 79

٨ - المعروف عُرفًا كالمشروطِ شرطًا. ٩ - التعيين بالعرف كالتعيينِ بالنص. ١٠ - المعروفُ بين التجار كالمشروط بينهم. ١١ - لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان. صور ما يرجع فيه إلى العادة والعرف في الشريعة: ذكر الشيخ السعدي ﵀ أن من أحكام الله ورسوله ﷺ الكلية؛ الرجوع إلى العرف إذا تعذر التعيين شرعًا ولفظًا، كالرجوع للعرف في نفقة الزوجات والأقارب والأُجراء، وكالشروط العرفية في المعاملات إذا اطردت بين الناس، وكالقبض والحِرز ونحوها مما لا يُعَدُّ ولا يُحصى (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قال الشيخ السعدي ﵀ (٢): (أي: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح وإثم بتطليق النساء قبل المسيس، وفرض المهرِ، وإن كان في ذلك كسرٌ لها، فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تُمتعوهن بأن تعطوهن شيئًا من المال، جبرًا لخواطرهن ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾، أي: المعسر ﴿قَدَرُهُ﴾، وهذا يرجعُ إلى العُرف، وأنه يختلف باختلاف الأحوال ولهذا قال: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهذا حقٌّ واجبٌ ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ليس لهم أن يبخسوهن). وفي قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، قال (٣): (أي: لا تضاروهن عند سكناهن بالقول أو الفعل، لأجل أن

стр. 80

يمللن، فيخرجن من البيوت قبل تمام العدة فتكونوا أنتم المخرجين لهن، وحاصل هذا أنه نهى عن إخراجهن، ونهاهن عن الخروج، وأمر بسكناهن، على وجه لا يحصل عليهن ضررٌ ولا مشقة، وذلك راجع إلى العرف). وفي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، ذكر العلماء أن الحدَّ الذي يصير به الكلب معلَّمًا تحل ذبيحته يرجه إلى العرف، جاء في نظم الدرر (١): (قال الشافعي: والكلب لا يصير معلَّمًا إلا عند أمور: إذا أشلى استشلى (٢)، وإذا زُجر انزجر، وحبس ولم يأكل، وإذا دعي أجاب، وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلَّم، ولم يذكر حدًّا، لأن الاسم إذا لم يكن معلومًا من نصٍّ ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف). وفي قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، قال ابن عادل ﵀ في اللباب (٣): (ففي الزوجة والمملُوك أمر واحد، فالواجب على هذا هو الرزق والكسوة بالمعروف في النوع، والقدرة، وصفة الإنفاق؛ فأما النوع فلا يتعين أن يعطيها مكيلًا كالبُرِّ، ولا موزونًا كالخبز، ولا ثمن ذلك كالدَّراهم، بل يرجع في ذلك إلى العرف). وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في التفسير (٤): (ومن فوائد الآية: أن

стр. 81

السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن، ولا مسافة؛ لإطلاق السفر في الآية؛ وعلى هذا يرجع فيه إلى العرف: فما عده الناس سفرًا فهو سفر؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن تحديده بزمن، أو مسافة يحتاج إلى دليل). وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ من فوائد ذلك (١): (أنه يرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ذكر من الفوائد (٢): (أن للزوجة حقًّا كما أن عليها حقًّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾، ومنها: إثبات الرجوع إلى العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ وهكذا كل ما جاء، ولم يحدد بالشرع فإن مرجعه إلى العرف). وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ذكر من الفوائد (٣): (أنه يجب على المولود له رزقهن، وكسوتهن بالمعروف؛ فيرجع إلى العرف في نوع الرزق، وكميته، وكيفيته؛ وكذلك الكسوة). وفي قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال (٤): (أي: يقبضها من يتوثق بها -وهو الطالب- من المطلوب الذي هو الراهن؛ والطالب الذي قبض

стр. 82

الرهن يسمى مرتهنًا؛ فهنا راهن، ومرتهن، ورهن، ومرهون به؛ فالرهن: العين؛ والراهن: معطي الرهن؛ والمرتهن؛ آخذ الرهن؛ والمرهون به: الدين؛ فأركان الرهن أربعة، ولم يبين كيف القبض؛ فيرجع في ذلك إلى العرف؛ ومعناه: أن يكون الشيء في قبضة الإنسان، وتحت سيطرته). ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام جامع في هذه القاعدة فيما يتعلق بالعشرة بين الزوجين، حيث قال (١): (في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ … إلى قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ … إلى قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فجعل المباح أحد أمرين: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأخبر أن الرجال ليسوا أحق بالردِّ إلا إذا أرادوا إصلاحًا؛ وجعل لهن مثل الذي عليهن بالمعروف. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله هنا: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، يدل على أن المرأة لو رضيت بغير المعروف لكان للأولياء العضل، والمعروف: تزويج الكفء. وقد يستدل به من يقول: مهر مثلها من المعروف؛ فإن المعروف هو الذي يعرفه أولئك.

стр. 83

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ … إلى قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فقد ذكر أن التراضي بالمعروف والإمساك بالمعروف؛ والتسريح بالمعروف والمعاشرة بالمعروف وأن لهن وعليهن بالمعروف كما قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فهذا المذكور في القرآن هو الواجب العدل في جميع ما يتعلق بالنكاح من أمور النكاح وحقوق الزوجين؛ فكما أن ما يجب للمرأة عليه من الرزق والكسوة هو بالمعروف؛ وهو العرف الذي يعرفه الناس في حالهما نوعًا وقدرًا وصفة، وإن كان ذلك يتنوع بتنوع حالهما من اليسار والإعسار والزمان كالشتاء والصيف والليل والنهار؛ والمكان فيطعمها في كل بلد مما هو عادة أهل البلد وهو العرف بينهم. وكذلك ما يجب لها عليه من المتعة والعشرة، فعليه أن يبيت عندها ويطأها بالمعروف. ويختلف ذلك باختلاف حالها وحاله. وهذا أصح القولين في الوطء الواجب أنه مقدر بالمعروف؛ لا بتقدير من الشرع قررته في غير هذا الموضع. والمثال المشهور هو (النفقة)، فإنها مقدَّرة بالمعروف تتنوع بتنوع حال الزوجين عند جمهور المسلمين. ومنهم من قال: هي مقدرة بالشرع نوعًا وقدرًا: مُدًّا من حنطة أو مدًّا ونصفًا أو مدين؛ قياسًا على الإطعام الواجب في الكفارة على أصل القياس.

стр. 84

والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علمًا وعملًا قديمًا وحديثًا؛ فإن القرآن قد دل على ذلك وفي الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنه قال لهند امرأة أبي سفيان لما قالت له: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال النبي ﷺ : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١). فأمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف، ولم يقدِّر لها نوعًا ولا قدرًا، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبين لها القدر والنوع، كما بين فرائض الزكاة والديات. وفي صحيح مسلم، عن جابر، أن النبي ﷺ قال في خطبته العظيمة بعرفات: «لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٢). وإذا كان الواجب هو الكفاية بالمعروف، فمعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحالة الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان، وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره. وليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف، ولا كفاية طعامه كطعامه، ولا طعام البلاد الحارة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير، كالمعروف في بلاد الفاكهة والخمير. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه أنه قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت؛ ولا تضرب الوجه؛ ولا تقبِّحْ؛ ولا تهجر إلا في البيت» (٣).

стр. 85

فهذه ثلاثة أحاديث عن النبي ﷺ أن للزوجة أن تأخذ كفاية ولدها بالمعروف. وقال في الخطبة التي خطبها يوم أكمل الله الدين في أكبر مجمع كان له في الإسلام: «لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١). وقال للسائل المستفتي له عن حق الزوجة: «تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت» (٢). ولم يأمر في شيء من ذلك بقدر معين؛ لكن قيد ذلك بالمعروف تارة وبالمواساة بالزوج أخرى. وهكذا قال في نفقة المماليك؛ ففي الصحيحين عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل؛ وليلبسه مما يلبس؛ ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٣). وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (٤). ففي الزوجة والمملوك أمره واحد: تارة يذكر أنه يجب الرزق والكسوة بالمعروف، وتارة يأمر بمواساتهم بالنفس.

стр. 86

فمن العلماء من جعل المعروف هو الواجب والمواساة مستحبة، وقد يقال: أحدهما تفسير للآخر. وعلى هذا فالواجب هو الرزق والكسوة بالمعروف في النوع والقدر وصفة الإنفاق. وإن كان العلماء قد تنازعوا في ذلك. أما (النوع) فلا يتعين أن يعطيها مكيلًا كالبر، ولا موزونًا كالخبز، ولا ثمن ذلك كالدراهم؛ بل يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أعطاها كفايتها بالمعروف مثل أن يكون عادتهم أكل التمر والشعير فيعطيها ذلك، أو يكون أكل الخبز والإدام فيعطيها ذلك، وإن كان عادتهم أن يعطيها حبًّا فتطحنه في البيت فعل ذلك، وإن كان يطحن في الطاحون ويخبز في البيت فعل ذلك، وإن كان يخبز في البيت فعل ذلك، وإن كان يشتري خبزًا من السوق فعل ذلك. وكذلك الطبيخ ونحوه فعلى ما هو المعروف فلا يتعين عليه دراهم ولا حبات أصلًا؛ لا بشرع ولا بفرض؛ فإن تعينَ ذلك دائمًا من المنكر ليس من المعروف، وهو مضر به تارة وبها أخرى. وكذلك (القدر) لا يتعين مقدار مطرد؛ بل تتنوع المقادير بتنوع الأوقات. وأما (الإنفاق) فقد قيل: إن الواجب تمليكها النفقة والكسوة، وقيل: لا يجب التمليك، وهو الصواب؛ فإن ذلك ليس هو المعروف؛ بل عُرف النبيِّ ﷺ والمسلمين إلى يومنا هذا؛ أن الرجل يأتي بالطعام إلى منزله فيأكل هو وامرأته ومملوكه: تارة جميعًا، وتارة أفرادًا، ويفضل منه فضل تارة فيدخرونه، ولا يعرف المسلمون أنه يملكها كل يوم دراهم تتصرف فيها تصرف المالك؛ بل من عاشر امرأة بمثل هذا الفرض كانا عند المسلمين قد تعاشرا بغير

стр. 87

المعروف وتضارَّا في العشرة؛ وإنما يفعل أحدهما ذلك بصاحبه عند الضرر؛ لا عند العشرة بالمعروف. وأيضا فإن النبي ﷺ أوجب في الزوجة مثل ما أوجب في المملوك، تارة قال: «لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١)، كما قال في المملوك، وتارة قال: «تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت» (٢)، كما قال في المملوك. وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجب تمليك المملوك نفقته. فعلم أن هذا الكلام لا يقتضي إيجاب التمليك، وإذا تنازع الزوجان فمتى اعترفت الزوجة أنه يطعمها إذا أكل ويكسوها إذا اكتسى، وذلك هو المعروف لمثلها في بلدها، فلا حق لها سوى ذلك. وإن أنكرت ذلك أمره الحاكم أن ينفق بالمعروف؛ بل ولا له أن يأمر بدراهم مقدرة مطلقًا أو حَبٍّ مقدر مطلقًا؛ لكن يذكر المعروف الذي يليق بهما. وكذلك (قسم الابتداء والوطء والعشرة والمتعة) واجبان كما قد قررناه بأكثر من عشرة أدلة، ومن شك في وجوب ذلك فقد أبعد تأمل الأدلة الشرعية والسياسة الإنسانية. ثم الواجب قيل: مبيت ليلة من أربع ليال، والوطء في كل أربعة أشهر مرة، كما ثبت ذلك في المولى والمتزوج أربعًا. وقيل: إن الواجب وطؤها بالمعروف فيقل ويكثر بحسب حاجتها وقدرته كالقوت سواء.

стр. 88

وكذلك ما عليها من موافقته في المسكن وعشرته ومطاوعته في المتعة، فإن ذلك واجب عليها بالاتفاق؛ عليها أن تسكن معه في أي بلد أو دار إذا كان ذلك بالمعروف ولم تشترط خلافه. وعليها ألّا تفارق ذلك بغير أمره إلا لموجب شرعي، فلا تنتقل ولا تسافر ولا تخرج من منزله لغير حاجة إلا بإذنه، كما قال النبي ﷺ : «فإنهن عوانٌ عندكم» (١)، بمنزلة العبد والأسير. وعليها تمكينه من الاستمتاع بها إذا طلب ذلك، وذلك كله بالمعروف غير المنكر؛ فليس له أن يستمتع استمتاعا يضرُّ بها، ولا يسكنها مسكنًا يضرُّ بها، ولا يحبسها حبسا يضرُّ بها. وجوب خدمة الزوجة زوجها بالمعروف: وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطعام والشراب والخبز والطحن والطعام لمماليكه وبهائمه: مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء؛ فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل -وهو الصواب- وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله؛

стр. 89

وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ ، وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف. ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال: فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة. والمعروف فيما له ولها هو موجب العقد المطلق؛ فإن العقد المطلق يرجع في موجبه إلى العرف كما يوجب العقد المطلق في البيع النقد المعروف. فإن شرط أحدهما على صاحبه شرطًا لا يحرم حلالًا ولا يحلل حرامًا فالمسلمون عند شروطهم؛ فإن موجبات العقود تتلقى من اللفظ تارة، ومن العرف تارة أخرى؛ لكن كلاهما مقيد بما لم يحرمه الله ورسوله ﷺ ، فإن لكل من العاقدين أن يوجب للآخر على نفسه ما لم يمنعه الله من إيجابه، ولا يمنعه أن يوجب في المعاوضة ما يباح بذله بلا عوض: كعارية البضع؛ والولاء لغير المعتق؛ فلا سبيل إلى أن يجب بالشرط فإنه إذا حرم بذله كيف يجب بالشرط فهذه أصول جامعة مع اختصار. والله أعلم). وذكر ابن القيم ﵀ أن خدمة المرأة لزوجها أمر قرره العرف والعادة فينبغي العمل به، قال ﵀ (١): (واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأما ترفيه المرأة وخدمةُ الزوج وكنسه وطحنه وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمةِ البيت فمن المنكر، والله تعالى يقول ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ

стр. 90

عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوَّامة عليه. وأيضًا: فإن المهر في مقابلة البضع، وكل من الزوجين يقضي وطرَه من صاحبه، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج. وأيضًا فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا، يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة (١)، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا. ولما رأى أسماء والعلف على رأسِها (٢)، والزبير معه لم يقل له: لا خدمة

стр. 91

عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه. ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين، كانت تخدم زوجَها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يشكها، وقد سمى النبي ﷺ في الحديث الصحيح المرأة عانية، فقال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٌ عندكم» (١). والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده ولا ريب أن النكاح نوع من الرق، كما قال بعض السلف: النكاح رقٌّ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته). وأخرج الشيخان أنه ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (٢)، قال الزحيلي ﵀ في التفسير المنير (٣): (وتحديد الجوار متروك إلى العرف، وحدده الحسن البصري بأربعين جارًا من كل جانب من الجوانب الأربعة). وعن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله عن الغسل من الحيض؟ فقال: «خذي فرصة (٤) من مسك فتطهري بها»، فقالت: كيف أتطهر بها؟، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله سبحان الله! -واستتر بثوبه- تطهري بها»؛ فاجتذبتها وعرفت الذي أراد؛ فقلت لها: تتبعي بها

стр. 92

آثار الدم -يعني: الفرج (١)، قال ابن الأثير ﵀ (٢): (ورَدَّ النبي ﷺ أمرَها إلى العرف الظاهر، والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في محيضها في كل شهر مرة واحدة؛ على الغالب من عاداتهن، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «كما تحيض النساء ويطهرن» (٣)، ميقات حيضهن وطهرهن. وهذا أصل في قياس أمر النساء؛ بعضهن على بعض في باب الحيض، والحمل؛ والبلوغ، وما أشبه ذلك من أمرهن). وعن سعيدِ بن زيد، عن النبيِّ ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له» (٤)، قال ابن الأثير ﵀ (٥): (والإحياء لم يرد في السنة مبينًا؛ فوجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأن النبي ﷺ لا يعلق حكما إلا على ما إليه طريق، فلما لم يبينه؛ دل على أن طريقَه العرف إذا لم يكن له طريق غيره، ويختلف ذلك باختلاف الغرض واختلاف المقاصد من إحياء الأرضين).

стр. 93

القاعدة السادسة: الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد لا شك أن الأصل في شريعة الإسلام هو تحقيق مصالح العباد في دينهم ودنياهم، ودفع الضرر عنهم. قال الشاطبي ﵀ (١): (وذلك أن المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد؛ فالتكليف كلُّه إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معًا؛ فالداخل تحته مقتض لما وضعت له). وقال ابن القيم ﵀ (٢): (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل.

стр. 94

فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها. ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يُمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطيَّ العالم رفع إليه ما بقي من رسومها؛ فالشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة). وقال ﵀ أيضًا (١): (وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده، وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وان تزاحمت قدم أهمَّها وأجلَّها وأن فاتت أدناهما، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وأن تزاحمت عطَّل أعظمَها فسادًا باحتمال أدناهما، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائعَ دينه دالةً عليه، شاهدةً له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم. وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة، وارتضاعٌ من ثُدِيِّها، وورودٌ من صفو حوضها، وكلما كان تضلُّعه منها أعظم، كان شهودُه لمحاسنها ومصالحها أكمل، ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلم في مآخذ الأحكام وعللها، والأوصاف المؤثرة فيها حقًّا وفرقًا إلا على هذه الطريقة). والشريعة لا تأمر بمنكر محض، ولا تنهى عن معروف محض، وفي ذلك

стр. 95

يقول الشاطبي ﵀ (١): (ولا يوجد في هذه الشريعة مصلحة محضة منهيًّا عنها، ولا مفسدة محضة مأمورًا بها، وذلك كله من لطف الله بعباده وبره ورحمته، ولا فرق في ذلك بين دقه وجلِّه وكبيره وقليله وجليله وخطيره، إلا أن خفيف المصالح مستحبٌّ وخطيرها واجبٌ، وخفيف المفاسد مكروهٌ وكثيرها محرمٌ. وكلما عظُمت المصلحة تأكد الأمر بها بالوعد والمدح والثناء، إلى أن تنتهي المصلحة إلى أعظم المصالح، وعلى ذلك تبنى فضائل الأعمال. وكذلك كلما عظُمت المفسدة تأكد النهي عنها بالوعيد والذم والتهديد، إلى أن تنتهي المفسدة إلى أكبر الكبائر). وقد حدد الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀ ما يقصد بالمصالح والمفاسد في الدنيا والآخرة، فقال (٢): (اعلم أن من أنعم الله عليه وأحسن إليه وفَّقَه لطاعته ونيل مثوبته، ومن خذله أبعده بمعصيته وعقوبته. فمصالح الآخرة: الحصول على الثواب، والنجاة من العقاب. ومفاسدها: الحصول على العقاب وفوات الثواب، ويعبر عن ذلك كله بالمصالح الآجلة. والمقصود من العبادات كلها: إجلال الإله وتعظيمه ومهابته والتوكل عليه والتفويض إليه، وكفى بمعرفته ومعرفة صفاته شرفًا، والآخرة وهي أفضل من كل ثواب يقع عليها، ما عدا النظر إلى وجهه الكريم.

стр. 96

وأما مصالح الدنيا: فما تدع إليه الضروريات أو الحاجات والتتمات والتكملات. وأما مفاسدها: ففوات ذلك بالحصول على أضداده، ويعبر عن ذلك كله بالمصالح العاجلة). أقسام الأفعال من حيث المصلحة والمفسدة: قال العز بن عبد السلام ﵀ (١): (الأفعال ضربان: أحدهما: ما خفيت عنا مصالحه ومفاسده، فلا نُقدم عليه حتى تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها، وهذا الذي جاءت الشريعة بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشدُه وصلاحه. الضرب الثاني: ما ظهرت لنا مصلحته، وله حالان: أحدهما: ألا تعارض مصلحته مفسدته ولا مصلحة أخرى، فالأولى تعجيله. والثانية: أنْ تعارض مصلحتُه مصلحة هي أرجح منه مع الخلوِّ عن المفسدة، فيؤخر عنه رجاء إلى تحصيله، وإن عارضته مفسدة تساويه قدمت مصلحة التعجيل لما ذكرنا فيما خلا عن المعارض (٢). والضابط: أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد يسعى في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية عن المصالح يسعى في درئها، وإن التبس الحال احتطنا للمصالح بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفاسد بتقدير وجودها وتركناها.

стр. 97

وإن دار الفعل بين الوجوب والندب بنينا على أنه واجب وأتينا به، وهذا فيما لا تشترط النية فيه، كدفع الصائل عن النفس، فإنه محبوب على قول وواجب على آخر. وأما ما تشترط فيه النية ففيه نظر من جهة حزم النية، وإن دار بين الندب والإباحة بنينا على أنه مندوب وأتينا به، وإن دار بين الحرام والمكروه بنينا على أنه حرام واجتنبناه، وإن دار بين المكروه والمباح بنينا على أنه مكروه وتركناه. وقد جاءت الشريعة بمدح السرعة في أمور كالذبح والنحر وضرب الرقاب في القصاص، لما في السرعة في ذلك من تهوين الموت، وقد كتب الله الإحسان على كل شيء، وأمر بإحسان القتلة والذبحة (١)، وكذلك أيضًا قصاص الأطراف تحمد فيه السرعة. ولو صيل على مسلم في نفس أو بضع أو مال، بحيث لو اقتصرنا في الدفع عنه لتحققت المفسدة، فإن السرعة في هذا وأمثاله واجب لا يسع تركها. وكذلك السرعة في القتال ومكافحة الأبطال، وقد مدح الله المسارعة في الخيرات وأثنى على المسارعين فيها (٢)، وقال موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. وقد جعل لمن قتل الوزغ بضربة واحدة مائة حسنة، ولمن قتله بضربتين

стр. 98

سبعين حسنة (١)، لما في الضربة الواحدة من المسارعة إلى إزهاقِ روحه ودفعِ ضرره وإحسان قِتلته). قاعدة في الموازنة بين المصالح والمفاسد: قال العز بن عبد السلام ﵀ (٢): (إذا تعارضت المصلحتان وتعذر جمعُهما فإن عُلم رجحان إحداهما قدمت، وإن لم يعلم رجحان، فإن غلب التساوي فقد يظهر لبعض العلماء رجحان إحداهما فيقدمها، ويظن آخر رجحان مقابلها فيقدمه، فإن صوَّبنا المجتهدَيْن فقد حصَّل كل واحد منهما مصلحةً لم يحصِّلها الآخر، وإن حصرنا الصواب في أحدهما فالذي صار إلى المصلحة الراجحة مصيبٌ للحق، والذي صار إلى المصلحة المرجوحة مخطئٌ معفوٌّ عنه، إذا بذل جهده في اجتهاده … ). فالشريعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): (جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تأمر بما تترجح مصلحته، وإن كان فيه مفسدة مرجوحة كالجهاد، وتنهى عما ترجحت مفسدته، وإن كان فيه مصلحة مرجوحة كتناول المحرمات من الخمر وغيره). وذكر ابن تيمية ﵀ أمثلة في تطبيق هذه القاعدة ومن ذلك ما ذكره حول الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، فقد ذكر (٤): (أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره.

стр. 99

فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته؛ فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته، لما في ذلك من النهي عن المنكر لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته، فإذا أمكن لإنسان ألا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشرٍّ أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكانن ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا. فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه، كالجمع والأعياد والجماعة، إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد الثقفي (١) وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.

стр. 100

ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقًا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع. وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء؛ منهم من قال: إنه يعيد؛ لأنه فعل ما لا يشرع بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًّا عنها فيعيدها. ومنهم من قال: لا يعيد، قال: لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة. وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة، فهنا لا تُعاد الصلاة، وإعادتها من فعل أهل البدع). وذكر ﵀ أن العمل قد يقر ويؤذن فيه وإن كان فيه مفسدة، لكنها مغمورة في جانب المصلحة المرجوَّة منه، وبين أن إقرار النبي ﷺ للنساء في الغناء يوم العيد هو من هذا الباب، فقال ﵀ (١): (وقد تقدم أن الرخصة في الغناء في أوقات الأفراح للنساء والصبيان أمر مضَتْ به السنة، كما يرخص لهم في غير ذلك من اللعب، ولكن لا يجعل الخاصُّ عامًّا. ولهذا لما قال أبو بكر: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ (٢)، لم ينكر النبي ﷺ هذه التسمية.

стр. 101

والصحابة لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، ولكن ذكر النبي ﷺ أمرًا خاصًّا بقوله: «إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا … » (١). فعلم أن هذا وإن كان من الشيطان، لكن الرخصة فيه لهؤلاء لئلا يدعوهم إلى ما يفسد عليهم دينهم، إذ لا يمكن صرفهم عن كل ما تتقاضاه الطبائع من الباطل. والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تحصِّل أعظم المصلحتين بفوات أدناهما، وتدفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما، فإذا وصف المحتمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان، لم يمنع ذلك أن يكون قد وقع به ما هو أحب إلى الشيطان منه، ويكون إقرارهم على ذلك من المشروع، فهذا أصل ينبغي التفطنُ له). وبين ﵀ أن العمل ينهى عنه وإن كان الغرض منه مشروعًا لوجود مفسدة راجحة، فقال ﵀ أيضًا (٢): (وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس، ويحصل ما يحصل من غرضه. وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين، ويحصل ما يحصل من غرضه. فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحتَه، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته.

стр. 102

والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفاسدُها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله ﷺ عنها. كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لما كانت مصلحتُه راجحة على مفسدته أمر به الشارع). شروط إنكار المنكر: فهذا يدل على أنه ليس كل معروف يؤمر به في الحال، ولا كل منكر ينهى عنه في الحال، بل يجب النظر في المآلات، فإذا كان المعروف المأمور به سيترتب عليه ما هو أعظم من المنكر، لم يحل الأمر به، وكذلك إذا ترتب على النهي عن المنكر ما هو أنكر منه لم يجز الإنكار. وقد بين ابن القيم ﵀ هذا الأصل وتوسع في شرحه، وضرب على ذلك أمثلة، فقال (١): (المثال الأول: أن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ﷺ ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله ﷺ ، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتال

стр. 103

الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة» (١)، وقال: «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر، ولا ينزعن يدًا من طاعتِه» (٢). ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها. بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر (٣)، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.

стр. 104

درجات إنكار المنكر: فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزولَ ويخلفه ضده. الثانية: أن يقلَّ وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلفَه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفَه ما هو شرٌّ منه؛ فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كَرَمْيِّ النُّشَّاب (١) وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاء وتصدية (٢)، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تُفَرِّغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذل. وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصدُّ

стр. 105

عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم). النهي عن قطع الأيدي في الغزو: ثم ذكر ﵀ مثالًا ثانيًا، وهو تعطيل بعض الحدود في دار الحرب، حتى لا يكون ذلك سببًا في إضعاف المسلمين وهزيمتهم، فقال ﵀ (١): (المثال الثاني: أن النبي ﷺ : «نهى أن تقطع الأيدي في الغزو» رواه أبو داود (٢)، فهذا حدٌّ من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره، من لحوق صاحبه بالمشركين حمِيةً وغضبا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نصَّ أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: (لا يقام الحدُّ على مسلم في أرض العدو). وقد أتى بشر بن أرطأة برجل من الغزاة قد سرق بُخْتِيَّةً (٣) فقال: لولا أني

стр. 106

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك»، رواه أبو داود (١). وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة. روى سعيد بن منصور في سننه (٢) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن عمر كتب إلى الناس؛ ألّا يُجلدن أمير جيش ولا سريةٍ ولا رجل من المسلمين حدًّا وهو غازٍ، حتى يقطع الدرب قافلًا؛ لئلا تلحقه حميةُ الشيطان فيلحق بالكفار. وعن أبي الدرداء ﵁ مثل ذلك (٣). وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدَّه، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ (٤).

стр. 107

وأتى سعد بن أبي وقاص بأبي مِحجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن: كفى حزنًا أن تُطردَ الخيلُ بالقَنا … وأُترك مشدودًا عليَّ وثاقيا فقال لابنة خَصْفة (١) امرأة سعد: أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قُتلت استرحتُم مني، قال: فحَلَّته حتى التقى الناس. وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة. فوثب أبو مِحجن على فرس لسعد يقال لها البلقاءُ، ثم أخذ رمحًا، ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملَكٌ، لما يرونه يصنع. وجعل سعد يقول: الضبْرُ (٢) ضَبْرُ البلقاء، والطعنُ طعنُ أبي محجن، وأبو محجن في القيد. فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنةُ خصفة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم، فخلى سبيله. فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحدُّ وأطهَّر منها، فأما إذ بهْرَجْتَني (٣) فوالله لا أشربها أبدًا (٤).

стр. 108

وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في المغني (١): وهذا اتفاق لم يظهر خلافه، قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحدِّ لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار. وتأخير الحدِّ لعارض أمرٌ وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحرِّ والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى. ومن ذلك أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصلٍّ أو مسافر، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها (٢)، وما ذاك إلا لأن النوم قبلَها ذريعةٌ إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعةٌ إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره) (٣).

стр. 109

القاعدة السابعة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح هذه القاعدة فرع عن القاعدة السابقة، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة، قُدِّم دفع المفسدة غالبًا، وذلك عند تساويهما في النظر، أو عند غلبة المفسدة، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات. ولذلك قال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١). ومن ثم سومح في ترك بعض الواجبات دفعًا للمشقة؛ كالقيام في الصلاة، والفطر والطهارة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات: وخصوصًا الكبائر (٢). والمراد بدرء المفاسد: دفعُها ورفعُها وإزالتها. ومن أدلة ثبوت هذه القاعدة: * قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، قال الإمام ابن كثير ﵀ (٣): (يقول تعالى ناهيًا لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبِّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبِّك آلهتنا، أو

стр. 110

لنهجُوَنَّ ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسبُّ الكفار اللهَ عدْوًا بغير علم، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. * ومن الأدلة كذلك: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. فعلى الرغم من وجود بعض المنافع لبعض الناس في شرب الخمر والاتجار بها، وكذلك في لعب الميسر، إلا أنه غلَّب جانب المفسدة فحرمهما، وعلل ذلك بأن الإثم فيهما كبير وهو أكبر من النفع الجزئي الحاصل لبعض الناس، قال الإمام ابن كثير ﵀ (١): (وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: ونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأسْدًا لا ينهنهها اللقاءُ وكذا بيعُها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمِّشه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرتَه ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾؛ ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرِّضة؛
следующие страницы →