← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عن تلمح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه، ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ، التي كانت كأنها غلطة لم تقصد، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فأما المداوم على تلك النظرة، المردِّدُ لها، المصِرُّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفوُ يبعُد عنه بمقدار إصرارِه، ومن البعد ألا يرى الجزاء على ذلك، كما قال ابن الجلاء: رآني شيخي وأنا قائم أتأمل حدثًا نصرانيًّا، فقال: ما هذا؟! لترين غبَّها ولو بعد حين؛ فنسيت القرآن بعد أربعين سنة! (١). واعلم أنه من أعظم المحن الاغترارُ بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحسُّ الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدِّين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض. قال بعض المعتبرين: أطلقت نظري فيما لا يحلُّ لي، ثم كنت أنتظر العقوبة، فأُلجئت إلى سفر طويل، لا نيةَ لي فيه، فلقيت المشاقَّ، ثم أعقب ذلك موت أعزِّ الخلق عندي، وذهاب أشياء كان لها وقعٌ عظيم عندي، ثم تلافيت أمري بالتوبة، فصلُح حالي، ثم عاد الهوى، فحملني على إطلاق بصري مرة أخرى، فطُمس قلبي، وعدمت رقتَه، واستُلب مني ما هو أكثر من فقدِ الأول، ووقع لي تعويضٌ عن المفقود بما كان فقدُه أصلح. فلما تأملت ما عُوِّضتُ وما سُلب مني، صحتُ من ألم تلك السياط، فها أنا أنادي من على الساحل: إخواني! احذروا لُجَّةَ هذا البحر، ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل، ولازموا حصنَ التقوى، فالعقوبة مُرَّةٌ.

стр. 422

واعلموا أن في ملازمة التقوى مراراتٍ من فقد الأغراضِ والمشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحِميةِ تعقب صحةً، والتخليط ربما جلب موتَ الفجأة، وبالله، لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضا المبتلي، كان قليلًا في نيل رضاه، ولو بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا، مع إعراضه عنكم، كانت سلامتُكم هلاكًا، وعافيتكم مرضًا، وصحتكم سقمًا، والأمر بآخره، والعاقل من تلمح العواقب، فصابروا رحمكم الله تعالى هجيرَ البلاء، فما أسرع زوالَه! والله الموفق، إذ لا حول إلا به، ولا قوة إلا بفضله). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث التحذير من المعاصي وأنها سبب غضب الله على العبد ومكره به. ثانيًا: فيه التحذير من الاغترار بتتابع النعم مع المداومة على المعصية، وأن ذلك قد يكون مكرا بالعبد، ومقدمة لهلاكه. ثالثًا: فيه أن العقوبة على المعصية قد تتأخر، ولكنها لا تتخلف، إذا لم يتب منها صاحبها. رابعًا: فيه أن الله تعالى يهيئ أسباب الضلال لمن يريد إضلاله، وهذا يوافق مذهب أهل السنة والجماعة في أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

стр. 423

الحديث الرابع والستون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (١). رواه البخاري. معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها القائم على حدود الله … المعظم لها، الآمِر بالمعروف، والنَّاهي عن المُنكَر. الواقع فيها … أي: التَّارِك للمعروف، المرتكِب للمنكر. استهموا … أخَذَ كلُّ واحد منهم سهمًا، أي: نصيبًا من السَّفينة بالقُرعة. استَقَوْا … طلبوا الماءَ العذبَ. أخذوا على أيديهم … منَعوهم من الخَرْق. نجَوْا … أي: الآخِذون. ونجَوْا … أي: المأْخُوذون، وهكذا إن أُقيمت الحُدود تحصُل النَّجاة، وإلا هلَك العاصي بالمعصية، وغيرُهم بترك الإقامة.

стр. 424

التعليق: هذا الحديث يبين القاعدة التي تقول: لا ضرر ولا ضرار، فليس هناك حرية مطلقة لأحد يفعل ما يشاء، بحجة أنه يتصرف في حدود ما يملك، ولذلك ذكر شرَّاح الحديث أنه إذا اشترك اثنان في بيت يتكون من طابقين مثلًا وهو ما عبروا عنه بالعلو والسفل، فإذا أراد صاحب السفل أن يهدم، وأراد صاحب العلوِّ أن يبني علوَّه، فليس لصاحب السفل أن يهدم السفل إلا من ضرورة، يكون هدمه له أرفق لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لربِّ العلو أن يبني على علوِّه شيئًا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر بصاحب السفل، ولو تكسرت خشبة من سقف العلو، لأدخل مكانها خشبةً ما لم تكن أثقل منها، ويخاف ضررها على صاحب السفل، وذكروا في ذلك أحكامًا كثيرة (١). وهذا في شأن الدنيا، وأما في شأن الدين فالأمر أشد، فيجب على الجميع حفظ حدود الله تعالى، والأخذ على أيدي العابثين والمتلاعبين بأحكام الله، حتى لا تغرق السفينة، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، قال ابن عباس ﵄: «أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب» (٢)، وقال ابن كثير ﵀ (٣): (يحذر تعالى عباده المؤمنين ﴿فِتْنَةً﴾، أي: اختبارًا ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع).

стр. 425

وفي الصحيحين عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» (١). وفي السنن ومسند الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمُّهم الله بعقاب من عنده» (٢). وقال القرطبي عن حديث النعمان بن بشير ﵁ (٣): (ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك الكل؛ وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نُساكنكم، وبهذا قال السلف ﵃؛ روى ابن وهب عن مالك أنه قال: تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقرّ فيها). ولا يجب التغيير إلا على المستطيع الذي له قوة ومنعة وسلطة. قال ابن عبد البر ﵀ (٤): (هذا واضح في أنه لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن

стр. 426

ذلك فالفرض عليه التغيير بقلبه والإنكار والكراهة. قال عبد الله بن مسعود ﵁: بحسب المؤمن إذا رأى منكرًا لا يستطيع له تغييرًا أن الله يعلم من قلبه أنه له كاره). من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطبٌ بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات، ومن الناس من يكون ذلك لهواه، لا لله. وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه: مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويقيم الحدود؛ لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأن كلَّ واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحقَّ ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه. وكذلك دقيق العلم الذي لا يفهمه إلا خواصُّ الناس، وجماع الأمر في ذلك بحسب قدرته، وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه، هل يجب عليه حينئذ؟ على قولين: أصحهما: أنه يجب وإن لم يقبل منه، إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على مفسدة الترك، كما بقي نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عامًا ينذر قومه. ولما قالت الأمَّة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعْدون في السبت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: نقيم عذرَنا عند ربِّنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله (٢)،

стр. 427

ومن لم يحب ما أحبه الله وهو المعروف ويبغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر لم يكن مؤمنًا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان، ولا يمكن أن يحبَّ جميع المنكرات بالقلب إلا إن كان كافرًا، وهو الذي مات قلبه، كما سئل بعض السلف عن ميت الأحياء في قولهم: ليس من مات فاستراح بميْتٍ … إنما الميْتُ ميِّتُ الأحياء فقال: هو الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض، فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف؛ حيث قالوا: القلوب أربعة (١): قلبٌ أجرد فيه سراجٌ يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فهو، قلب الكافر، وقلب منكوسٌ، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه مادتان، مادة تمدُّه بالإيمان، ومادة تمدُّه بالنفاق، فذلك خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا. وفي الجملة فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيَّن عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فإن تركه كان عاصيًا لله ولرسوله ﷺ ، وقد يكون فاسقًا وقد يكون كافرًا، وينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيها قبل الأمر، رفيقًا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله، حليما بعد الأمر، لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].

стр. 428

من فوائد الحديث: الأول: في الحديث جواز القرعة، وأنها سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء، لأنه ﷺ لم يذم المستهمين في السفينة، ولا أبطل فعلهم، بل رضيَه وضربه مثلًا لمن نجته نفسه من الهلكة في دينه والفقهاء متفقون على القول بها (١). الثاني: فيه عدم الإضرار بالآخرين، وألا يمكن من أراد ذلك. الثالث: فيه أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حفظ وسلامة المجتمع. الرابع: وفيه تعذيبُ العامة بذُنوب الخاصَّة، إذا فرطوا في نصحهم والأخذ على أيديهم.

стр. 429

الحديث الخامس والستون: أويس القرني عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»، فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ (١).

стр. 430

معاني الكلمات (١): الكلمة … معناها أويس … تصغير أوس، وأوس اسم للذئب، وأنشدوا: ما فعل اليوم أويسٌ في الغنم … مراد … اسم قبيلة، وقرَن مفتوحة الراء: قبيلة، وقرْن بتسكين الراء هو قرن المنازل، ميقات من مواقيت الحج. أمداد أهل اليمن … هم الجماعة الغزاة الذين يمدون جيوش الإسلام في الغزو، واحدهم: مدد. غبراء الناس … أي: ضعافهم وصعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يؤبه لهم. رث البيت … هو بمعنى: قليل المتاع، والرثاثة والبذاذة بمعنى واحد: وهو حقارة المتاع وضيق العيش. التعليق: أويس القرني هو: أويس بن عامر القرني، وهو من مراد، ثم من قَرْن، من صفاته: أنه لو أقسم على الله لأبره. قال القرطبي ﵀ (٢): (كان أويس من أولياء الله المخلصين المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله ﷺ أخبر عنه، ووصفه ونعته بنعته، وعلامته، لَمَا عرفه أحد، وكان موجودًا في حياة النبي ﷺ وآمن به وصدقه ولم يَلْقه، ولا كاتبه، فلم يُعَد من الصحابة.

стр. 431

وهذا يعتبر من معجزات الرسول ﷺ ؛ حيث أن أويسًا قد حضر مع وفد في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ المدينة، ولما وصل الوفد علم عمر ﵁ أن أويسًا مع هذا الوفد، فلما سأل عنه قال القوم: إنه عند رواحلهم، فذهب إليه وتركهم، ثم طلب منه عمر ﵁ أن يستغفر الله له، وذكر أن الرسول ﷺ أوصاه بذلك). قال الوزير ابن هبيرة ﵀ (١): (في هذا الحديث دليل على بركة الصالحين، وأن العبد المؤمن قد يبلغ إلى أن يتبرك به عمر ﵁ (٢)، ويسأله الاستغفار، فيكون من فقه هذا أن يُتبع الأخيار وإن كانوا في الأطمار الرثة، وأن يتطلبوا وإن كانوا لا ذكر لهم في المحافل رجاء بركتهم. * وفيه أيضًا أن أويسًا على كرم حاله أصابه البرص، وأن ذلك مما أصابه الله به ووفقه أن يسأل الله تعالى إبراءه منه، وأنه أبرأه منه إلا موضع درهم منه، يذكر به نعمته عليه، إذ من عادة الآدمي نسيان النعم إلا من وفقه الله. * وفيه أيضًا ما يدل على أن من جملة وسائل أويس برُّه بوالدته، وأنها كانت من العلامات التي عرفه بها عمر ﵁. * وفيه أيضًا أن أويسًا لما استغفر لعمر ﵁ خلى سبيله وتركه وشأنه، ولعله قد آنس منه علمًا يكفيه في معاملته ربه. * وفيه أيضًا من الفقه أنه كان يسأل عنه بعد ذلك من يأتي من العراق تعرفًا لخبره، وتعهدًا لأحواله لأنه كان صديقًا له في الله ؛ إذ مرادهما واحد ومطلوبهما سواء.

стр. 432

* وفيه أيضًا من الفقه جواز حبِّ الخمول لمن يصلح في ذلك، لأنه لما انتشر خبره بالكوفة خرج عنها إلى حيث لا يعرف. * وفيه أيضًا أنه بلغ به الزهد إلى الحال التي استُنكر عليه فيها وجودُ بردة لبسها؛ ومع ذلك كله فلا خلاف أن عمر ﵁ أفضل منه ومن أمثاله، ولكن هذه الطريقة من المرابطة على عبادة الله باب من أبواب العبادات، وقد كان أويس ﵀ أصلًا فيها، فكم ممن اقتدى به في زمانه وبعد موته ﵀، ورضي عنه، وهذا إنما يباح لمن عرف من العلم قدر ما فرض الله سبحانه عليه). قوله: «وكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم»: أبقى هذا الأثر ليذكر مكان هذا الداء، ثم عوفي فيبعثه ذلك على الزيادة في الشكر (١). وقول النبي ﵊ فيه: «له والدة، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره»: إشارة إلى إجابة دعوته وعظيم مكانته عند ربه، وأنه لا يخيِّبُ أمله فيه، ولا يكذب ظنه به، ولا يردُّ دعوتَه ورغبتَه وعزيمتَه وقسَمه في سؤاله؛ بصدق توكله عليه، وتفويضه إليه. وقيل: معنى «أقسم على الله»: دعى، و «أبره»: أجابه، وفيه فضل بر الوالدين، وعظيم أجر البر بهما. وقوله (٢): «فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»: لا يفهم من هذا أفضليته على عمر ﵁، ولا أن عمر ﵁ غير مغفور له، للإجماع على أن عمر أفضل منه، لأنه تابعي، والصحابي أفضل منه، إنما مضمون ذلك الإخبار بأن أويسًا ممن يستجاب له الدعاء، وإرشاد عمر ﵁ إلى الازدياد من الخير

стр. 433

واغتنام دعاء من ترجى إجابته، وهذا نحو مما أمرنا النبي به من الدعاء له، والصلاة عليه وسؤال الوسيلة له، وإن كان النبي ﷺ أفضل ولد آدم، وكذا ما يأتي من قوله لعمر ﵁: «أشركنا في دعائك يا أخي» (١). ومما تميز به أويس ﵀ هو التقلل من الدنيا والاكتفاء باليسير منها، والبعد عن زينتها وزهرتها، وكراهية الشهرة، وأن يعرف بين الناس بالصلاح، ولذلك لما قال له عمر ﵁: «ألا أكتب لك إلى عاملها»: أي: ليقوم بكفايتك من بيت مال المسلمين، رفض أويس هذا العرض، وقال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، أي: مع البسطاء والفقراء، لا مع الأمراء والقادة. وقول الآخر: «تركته رث الهيئة قليل المتاع»: كله دليل على احتقار أويس نفسه، وستره أمرَه. وقوله في آخر خبره: «ففطن له الناس، فانطلق على وجهه»، أي: أخفى أمر نفسه لئلا يشتهر مخافة الفتنة (٢). وقوله (٣): «ففطن له الناس، فانطلق على وجهه»: لا يخفى أن وجه خفائه؛ أنه كان مستجاب الدعوة في مادة الاستغفار، ولو كان ظاهرًا لتوجه إليه البر والفاجر، مستورًا أو غيره، فلا يمكنه الاستغفار للكل، ولا امتناعه عن البعض لما يوجب من الإيحاش وكشف الحال، والله أعلم بالأحوال). وهذا الحديث يشير إلى أن مقياس التفاضل في الإسلام يتعلق بما في

стр. 434

القلوب من تقوى وخير ومعروف وبر وإحسان، وإن كان صاحب هذا القلب مدفوعًا بالأبواب لا يفتقد إذا غاب، ولا يشعر به إذا حضر، وليس الفضل بحسب الأنساب والأموال والمناصب، كما يراه كثير من الناس. ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١)، وأشار بأصابعه إلى صدره. وعن سهل ﵁، قال: مر رجل على رسول الله ﷺ ، فقال: «ما تقولون في هذا؟»، قالوا: حرِيٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفع، وإن قال أن يُستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون في هذا؟»، قالوا: حرِيٌّ إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يُشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله ﷺ : «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» (٢). وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره» (٣). وأما قبوله البردة من أسير بن جابر، فيبدو والله أعلم أنه قبلها حتى يخفي حاله ولا يشتهر بالزهد، ولكي يتركه الناس وشأنه، إلا أن عادة الناس لا تتغير، فكانوا كلما رأوا البردة عليه تساءلوا من أين لأويس هذه البردة، حتى اضطر إلى التواري والاختفاء.

стр. 435

من فوائد الحديث: الأول: في هذا الحديث معجزة للنبي ﷺ ، ودليل من دلائل نبوة النبي ﷺ ؛ حيث إنه أخبر بقدوم أويس قبل وقوعه، وذكر أويسًا باسمه، وصفته، وعلامته، واجتماعه بعمر، وهذا مما أطلعه الله عليه من الغيب. الثاني: وفيه الإرشاد إلى الازدياد من الخير واغتنام دعاء من ترجى إجابته. الثالث: وفيه فضل بر الوالدة، وأنه سبب في هداية العبد وصلاحه. الرابع: وفيما فعل عمر ﵁: تبليغ الشريعة ونشر السنة، والإقرار بالفضل لأهله، والثناء على من لا يخشى عليه عجب بذلك. الخامس: وفيه التواضع وطلب الفاضل الدعاء والاستغفار من المفضول. السادس: وفيه فضيلة الزهد في الدنيا والتقلل منها، وازدراء النفس والبعد عن مواطن الشهرة وإخفاء الحال.

стр. 436

الحديث السادس والستون: الاقتصاد في المشاعر قال ﷺ : «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضَك يومًا ما، وأبغضْ بغيضَك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبَك يومًا ما» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها أحبب حبيبك هونًا ما … قال في النهاية: (حبًّا مقتصدًا لا إفراط فيه، وإضافة «ما» إليه تفيد التقليل، بمعنى: لا تسرف في الحب والبغض). وعسى … الأولى: للإشفاق، والثانية: للترجي ك (لعل). التعليق: وهذا فيه النصيحة بالاقتصاد في إظهار مشاعر الكراهية والحب معًا، لأن القلوب تتغير، والمواقف التي أثمرت تلك المشاعر تتغير أيضًا. ونقل البغوي ﵀ في شرح السنة (٣): (عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁: يا أسلم لا يكن حبُّك كَلَفا، ولا بغضُك تلفًا، قلت: وكيف ذاك؟ قال: إذا أحببت فلا تكْلَف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت؛ فلا تبغض بغضًا تحب أن يتلفَ صاحبُك ويهلك.

стр. 437

وقال الحسن: أحبوا هونًا، وأبغضوا هونًا، فقد أفرط أقوام في حب أقوام، فهلكوا، وأفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا. قال علي ﵁: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما. ورفعه بعضهم عن علي ﵁ وعن أبي هريرة ﵁، والصحيح أنه موقوف على علي ﵁. قال الحليمي ﵀: (والاقتصاد في كل أمر أفضل وأجمل من البغي فيه، حتى الحب والبغض) (١). يعني: لا يسرف في الحب والبغض، فعسى أن يصير الحبيب بغيضًا، والبغيض حبيبًا، فلا تكون قد أسرفت في الحب فتندم، ولا في البغض فتستحي. والحديث فيه إرشاد إلى الاعتدال في الأمور، وعدم المبالغة والغلو في الحب والبغض، وأن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، والأمر هنا للندب. وألَمَّ بمعنى الحديث من قال (٢): وأحبب إذا أحببتَ حبًّا مقاربًا … فإنَّك لا تدري متى أنت نازعُ وأبغض إذا أبغضتَ غير مباينٍ … فإنك لا تدري متى أنت راجع وكن معدنًا للخير واصفح عن الأذى … فإنك راءٍ ما عملتَ وسامع وقال ابن العربي ﵀ في فوائد هذا الاقتصاد (٣): (أن القلوب بين إصبعين

стр. 438

من أصابع الرحمن فقد يعود الحبيب بغيضًا وعكسه، فإذا أمكنته من نفسك حال الحب وعاد بغيضًا، كان لمعالم مضارِّك أجدر، لما اطلع منك حال الحب بما أفضيت إليه من الأسرار. وهذا الاقتصادُ في الحب والبغض لا يمنع من النصيحة عند البغض، ولا يمنع المحبُّ من إعلام الشخص المحبوب بأنه يحبه، فإن هذا أدوم للمحبة، ففي الحديث عن المِقدام بن معدي كرب ﵁ وقد كان أدركَه- عن النبي ﷺ ، قال: «إذا أحَبَّ الرجُلُ أخاهُ فَليُخبِرْهُ أنه يُحبُّه» (١). قال البغوي ﵀ (٢): (ومعنى الإعلام: هو الحث على التودد والتآلف، وذلك أنه إذا أخبره، استمال بذلك قلبه، واجتلب به ودِّه. وفيه: أنه إذا علم أنه محبٌّ له، قبل نصحه فيما دله عليه من رشَده، ولم يردّ قوله فيما دعاه إليه من صلاحٍ خَفِي عليه باطنُه. قال ابن عمر ﵄: ليس المعرفة أن تعرف الرجل بوجهه، حتى تعرف اسمه واسم أبيه، وإذا مات شهدت جنازته). من فوائد الحديث: أولًا: الاقتصاد في الأمور وعدم المبالغة والغلو حتى في المشاعر، وذلك كي يظل المرء متماسكًا متحكمًا في نفسه، ولا يصل إلى منزلة من قال: أحبُّ لحبها السودانَ حتى … أحب لحبِّها سودَ الكلابِ

стр. 439

ثانيًا: فيه أن المحبة الكاملة لا تكون إلا لله تعالى ثم لرسوله ﷺ فهذه محبة مطلقة غير مشروطة، أما محبة غيرهما فتابعة لمحبتهما والانقياد لحكمهما. ثالثًا: فيه إشارة إلى تغير المشاعر بتغير الزمان والأحوال والمواقف والقناعات.

стр. 440

الحديث السابع والستون: من صُنع إليه معروفٌ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أخرجه الترمذي (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها معروفًا … المعروف ما تقبله الأنفس، ولا تجد منه تكرُّها. وقيل: ما قَبِلَهُ العقل، وأقره الشرع، وأحبه كرم الطبع. فقد أبلغ في الثناء … أي: بالغ في ثنائه على فاعله، وجازى المحسن إليه بأحسن مما أسداه إليه، حيث أظهر عجزه، وأحاله على ربه. التعليق: المعروف الذي يُسمى فاعله محسنًا كلُّ ما يُعَدُّ معروفًا ولو أن يلقى أخاه بوجه طليق، كما يفيده حديث أبي ذر ﵁: «لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» (٣) (٤).

стр. 441

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في معنى الحديث (١): (إذا صنع إليك إنسان معروفًا بمال أو مساعدة أو علم أو جاه، أو غير ذلك، فإن النبي ﷺ أمر أن تكافئ صانع المعروف، فقال ﷺ : «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (٢). والمكافأة تكون بحسب الحال؛ من الناس من تكون مكافأته أن تعطيه مثل ما أعطاك أو أكثر، ومن الناس من تكون مكافأته أن تدعو له، ولا يرضى أن تكافئه بمال، فإن الإنسان الكبير الذي عنده أموال كثيرة، وله جاه وشرف في قومه، إذا أهدى إليك شيئًا فأعطيته مثل ما أهدى إليك، رأى في ذلك قصورًا في حقِّه، لكن مثل هذا ادع الله له: «فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (٣). ومن ذلك أن تقول له: جزاك الله خيرًا إذا أعطاك شيئًا أو نفعك بشيء، فإن قلت له: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغت في الثناء، وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيرًا كان ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة). لا تنتظر جزاء على الإحسان: وكانت عادةُ أمِّ المؤمنين عائشةَ ﵂ إذا دعَا لها السائلُ أن تُجيبَه بمِثْل ما يدعو لها السائل، ثم تُعطيه من المال ما تُعطيه، فقيل لها: أتُعطينَ السائلَ المالَ وتَدْعينَ له بمِثْل ما يدعو لك؟ فقالت ﵂: لو لم أَدْعُ له لَكانَ حقُّه بالدعاء لي أكثرَ من حقِّي بالصدقة، فأدعو له بمِثْل ما يدعو، حتى أُكافِئَ دعاءَه بدعائي؛ لِتَخلُصَ لي صدقتي (٤).

стр. 442

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): (ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى ممن أثنى عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. والدعاء جزاء كما في الحديث: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» (٢). كانت عائشة ﵂ إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول ﷺ : اسمع ما يدعون به لنا، حتى ندعوَ لهم بمثل ما دعوا لنا، ويبقى أجرُنا على الله. وقال بعض السلف ﵏: إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله، فمن عمل خيرًا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيًّا أو رجلًا صالحًا أو ملكًا من الملوك أو غنيًّا من الأغنياء، فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصًا لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاءً ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي، ولا رجل صالح، ولا ملك من الملائكة، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين). من فوائد الحديث: الأول: فيه مشروعية الدعاء لمن فعل المعروف حسِّيًّا أو معنويًّا (٣). الثاني: وفيه دليل على أن صانع المعروف يستحق على من ابتدأه إليه الثناء عليه (٤).

стр. 443

الثالث: فيه أن هذا الدعاء هو أفضل ما يجازى به أهل الإحسان، لاعتراف المحسن إليه بالتقصير، ولعجزه عن جزائه، ولذلك فقد فوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. قال بعض الحكماء: (إذا قصُرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء بالجزاء الأوفى) (١).

стр. 444

الحديث الثامن والستون: استحباب الاستمرار على العمل الصالح عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: «لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَطِيعُ» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها ديمة … أي: يدوم عليه ولا يقطعه، قال أبو عبيد: (أصل الديمة المطر الدائم مع السكون)، وقال لبيد: (باتت وأسبل واكفٌ من ديمةٍ … يروي الخمائلَ دائمًا تسجامُها فشبهت عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر). التعليق: قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣): (قوله: «هل كان يخصُّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا»، قال ابن التين: استدل به بعضهم على كراهة تحرِّي صيام يوم من الأسبوع، وأجاب الزين ابن المنيِّر: بأن السائل في حديث عائشة إنما سأل عن

стр. 445

تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أيامًا، وأما ما ورد تخصيصه من الأيام بالصيام، فإنما خُصِّص لأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام؛ كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض، وجميع ما عُيِّن لمعنًى خاصٍّ، وإنما سأل عن تخصيص يوم لكونه مثلا يوم السبت. ويشكل على هذا الجواب صوم الاثنين والخميس، فقد وردت فيهما أحاديث، وكأنها لم تصح على شرط البخاري فلهذا أبقى الترجمة على الاستفهام، فإن ثبت فيهما ما يقتضي تخصيصُهما استثني من عموم قول عائشة ﵂ لا. قلت: ورد في صيام يوم الاثنين والخميس عدة أحاديث صحيحة، منها حديث عائشة أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان من طريق ربيعة الجرشي عنها، ولفظه: «أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس» (١)، وحديث أسامة ﵁: «رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته، فقال: «إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم» (٢)، أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة. فعلى هذا فالجواب عن الإشكال أن يقال: لعل المراد بالأيام المسئول عنها الأيام الثلاثة من كل شهر، فكأن السائل لما سمع أنه ﷺ كان يصوم

стр. 446

ثلاثة أيام ورغب في أنها تكون أيام البيض، سأل عائشة هل كان يخصُّها بالبيض، فقالت: «لا، كان عمله ديمة»، تعني: لو جعلها البيض لتعيَّنت وداوم عليها، لأنه كان يحب أن يكون عمله دائمًا، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها، فكان لا يبالي من أي الشهر صامها كما تقدمت الإشارة إليه في باب صيام البيض، وأن مسلمًا روى من حديث عائشة ﵂: «أنه ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أي الشهر صام» (١). وقد أورد ابن حبان حديث الباب وحديث عائشة ﵂ في صيام الاثنين والخميس وحديثها: «كان يصوم حتى نقول لا يفطر» (٢)، وأشار إلى أن بينهما تعارضًا، ولم يفصح عن كيفية الجمع بينهما، وقد فتح الله بذلك من فضله). وقال العيني ﵀ (٣): (قوله: «هل كان يخصُّ شيئًا من الأيام»، أي: بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره، فقالت: «لا»، قيل: هو معارض بقولها: «ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» (٤)، وأجيب: بأنه لا تعارض؛ لأنه كان كثير الأسفار فلا يجد سبيلًا إلى صيام الثلاثة الأيام من كل شهر فيجمعها في شعبان، وإنما كان يوقع العبادة على قدر نشاطه وفراغه من جهاده). وقد كان النبي ﷺ ينهى عن الغلو في العبادة ويحذر من ذلك، كما في حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، فقال: «من

стр. 447

هذه؟»، فقالت: فلانة -تذكر من صلاتها-، فقال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملوا» (١)، وكان أحب الدين إليه: «مادام عليه صاحبه» (٢). قال الإمام ابن رجب ﵀ (٣): (وقول النبي ﷺ «مه»: زجرٌ لعائشة ﵂ عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها، وأنها لا تنام الليل، وأمرٌ لها بالكفِّ عما قالته في حقِّها؛ فيحتمل أن ذلك كراهيةً للمدح في وجهها؛ حيث كانت المرأة حاضرة، ويحتمل -وهو الأظهر وعليه يدلُّ سياق الحديث- أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع، وعلى هذا فكثيرًا ما

стр. 448

يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ينهى عن ذكره على وجه التمدح به والثناء به على فاعله، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله ﷺ : «الدين يسر» (١). فإن المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل، وقد روي ذلك في حديث آخر. وكذلك كان حال النبي ﷺ ؛ كان عمله ديمة، وكان إذا عمل عملًا أثبته. وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه، كما قال لعبد الله بن عمرو ﵄: «لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (٢)، وقوله: «إن الله لا يمل حتى تملوا» (٣)، وفي رواية: «لا يسأم حتى تسأموا» (٤)، الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم). من فوائد الحديث: الأول: عدم تحري يوم من الأيام وتخصيصه بصلاة أو صيام، أو عبادة من العبادات، إلا ما صح بذلك عن النبي ﷺ ؛ كصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، والإثنين والخميس، وأيام البيض وغيرها مما صح به الخبر.

стр. 449

الثاني: فيه دليل على استحباب المداومة على العمل الصالح وعدم قطعه وتركه. الثالث: فيه إشارة إلى قوة النبي ﷺ في العبادة وصبره، وأنه ﷺ يطيق من ذلك ما لا نطيق.

стр. 450

الحديث التاسع والستون: فضل الصدقة والعفو والتواضع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (١). التعليق: هذا الحديث فيه الحث على الصدقة، وبيان أنها لا تنقص المال، بفضل ما يجعل الله في هذا المال المتبقى من البركة التي تكون بسبب الصدقة، ويمكن أنها تكون سببًا في تتابع الأرزاق على العبد فلا يشعر بنقص في ماله، وفيه أيضًا الحث على العفو والتواضع، وأنهما سبب للعز والرفعة في الدنيا والآخرة. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (٢): (هذا الحديث احتوى على فضل الصدقة، والعفو والتواضع، وبيان ثمراتها العاجلة والآجلة، وأن كل ما يتوهمه المتوهم من نقص الصدقة للمال، ومنافاة العفو للعز والتواضع للرفعة، وهم غالط وظن كاذب، فالصدقة لا تنقص المال؛ لأنه لو فرض أنه نقص من جهة، فقد زاد من جهات أُخر؛ فإن الصدقة تبارك المال، وتدفع عنه الآفات وتنميه، وتفتح للمتصدق من أبواب الرزق وأسباب الزيادة أمورًا ما تفتح على غيره، فهل يقابل ذلك النقص بعض هذه الثمرات الجليلة؟ فالصدقة لله التي في محلها لا تنفد المال قطعًا، ولا تنقصه بنصِّ النبي ﷺ ، وبالمشاهدات والتجربات المعلومة، هذا كله سوى ما لصاحبها

стр. 451

عند الله: من الثواب الجزيل، والخير والرفعة، وأما العفو عن جنايات المسيئين بأقوالهم وأفعالهم فلا يتوهم منه الذل، بل هذا عين العز، فإن العز هو الرفعة عند الله وعند خلقه، مع القدرة على قهر الخصوم والأعداء، ومعلوم ما يحصل للعافي من الخير والثناء عند الخلق وانقلاب العدو صديقًا، وانقلاب الناس مع العافي، ونصرتهم له بالقول والفعل على خصمه، ومعاملة الله له من جنس عمله، فإن من عفا عن عباد الله عفا الله عنه. وكذلك المتواضع لله ولعباده يرفعه الله درجات؛ فإن الله ذكر الرفعة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فمن أجلّ ثمرات العلم والإيمان: التواضع؛ فإنه الانقياد الكامل للحق، والخضوع لأمر الله ورسوله ﷺ ؛ امتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي، مع التواضع لعباد الله، وخفض الجناح لهم، ومراعاة الصغير والكبير، والشريف والوضيع، وضد ذلك التكبر؛ فهو غمط الحق، واحتقار الناس. وهذه الثلاث المذكورات في هذا الحديث: مقدمات صفات المحسنين؛ فهذا محسن في ماله، ودفع حاجة المحتاجين، وهذا محسن بالعفو عن جنايات المسيئين، وهذا محسن إليهم بحلمه وتواضعه وحسن خلقه مع الناس أجمعين. وهؤلاء قد وسعوا الناس بأخلاقهم وإحسانهم ورفعهم الله، فصار لهم المحل الأشرف بين العباد، مع ما يدخر الله لهم من الثواب. وفي قوله ﷺ : «وما تواضع أحد لله»: تنبيه على حسن القصد والإخلاص لله في تواضعه؛ لأن كثيرًا من الناس قد يظهر التواضع للأغنياء ليصيبَ من دنياهم، أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبه.

стр. 452

وقد يظهر التواضع رياء وسمعة، وكل هذه أغراض فاسدة، لا ينفع العبد الا التواضع لله تقربًا إليه وطلبًا لثوابه، وإحسانًا إلى الخلق؛ فكمال الإحسان وروحه الإخلاص لله). قال ابن الجوزي ﵀ (١): (قد اعترض معترض فقال: كيف يخبر الرسول ﷺ بما ينافي الحقائق، ونحن نعلم أن من تصدق من دينار بقيراط نقص؟ فأجاب العلماء فقالوا: إن الرسول ﷺ لم يقصد هذا، وإنما أراد أن البركة تخلف الجزء المنفصلَ فيكون كأنه لم يزَلْ. ووقع لي في هذا جواب آخر ينطبق على أصل السؤال، فقلت: للإنسان داران، فإذا نقل بعض ماله بالصدقة إلى الدار الأخرى لم ينقص مالُه حقيقةً، وقد جاء في الحديث: «فيُرَبِّيها لأحدكم حتى تكونَ كالجبل» (٢)، وصار كمن بعث بعض ماله إلى إحدى داريْه أو قسمه في صندوقين، فيراد من هذا أن ما خرج منك لم يخرج عنك). وقال الصنعاني ﵀ (٣) في قوله ﷺ : «ما نقصَتْ صدقةٌ من مال»: (لأن الله يُخْلِفها بنصِّ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، قال الفاكهاني: أخبرني من أثق به أنه تصدق من عشرين درهمًا بدرهم فوزنها فلم تنقصْ قال: وأنا

стр. 453

وقع لي ذلك. وقيل: هو عائد إلى الدنيا بالبركة فيه ودفع المفسدات عنه. وقيل: إلى الآخرة بالثواب والتضعيف والقولان جاريان في عزِّ العبد بعفوِه ورفعته بتواضعِه. وقال النووي (١): قد يكون المراد الوصفان معًا في الأمور الثلاثة). قال القاضي عياض ﵀ (٢): (وقوله: «وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا»: فيه أيضًا وجهان: أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو ساد وعظم في القلوب وزاد عزُّه. الثاني: أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك. وقوله: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»: فيه وجهان كذلك: أحدهما: أن الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزةً. والثاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه. وهذه الوجوه كلها في الدنيا ظاهرة موجودة، وقد صدق ﵇ فيما أخبر منها، وقد يكون جمع الوجهين في جميعها، وكان هذا كلُّه تنبيها على ردِّ قول من يقول: الصبر والحلم الذل، ومن قاله من الجملة فإنما أراد به شِبهَه في الاحتمال وعدم الانتصار). وقد قيل في بعض الحكم: (لا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم) (٣).

стр. 454

وكلاهما، أي: التواضع والعلم، رفعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. من فوائد الحديث: الأول: فضل الصدقة والحث عليها. الثاني: أنها لا تنقص المال على الحقيقة، بل تزيده. الثالث: أن العفو سبب للسيادة والشرف والعز في الدنيا والآخرة. الرابع: أن التواضع سبب لتثبيت المحبة في القلوب، والرفعة في الدنيا والآخرة.

стр. 455

الحديث السبعون: كنز من كنوز الجنة عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: «يَا عبد الله بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ»، أَوْ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (١). معاني المفردات (٢): الكلمة … معناها لا حول … أي: لا حيلة، يقال: ما للرجل حيلة ولا استطاعة إلا بالله. قال ابن مسعود: معناه: لا حول عن المعصية إلا بعصمة الله، ولا قوة على الطاعة إلا بعون الله. كنز من الجنة … أي: أجر مدخر وثواب مخبأ لقائلها، وقيل: بل لمن اتصف بذلك، وتبرأ من حوله وقوته، وفوض أمره إلى الله تعالى، ولمن قالها عن صدق نيته وتحقيق ضميره. التعليق: المؤمن دائم التعظيم لله تعالى، لأنه يعلم من أسماء الله تعالى وصفاته ما يدل على الكمال والجلال والعظمة والكبرياء والقدرة والقوة، ويعلم كذلك أنه ضعيف فقير عارٍ لا يقدر على شيء، إلا ما وفقه الله تعالى إليه، فلا يستطيع جلب

стр. 456

منفعة ولا دفع مضرة إلا بتوفيق الله تعالى، ولذلك فإن المؤمن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ليتبرأ من حوله وقوته، وغناه واستطاعته ومكانته ومعارفه وحاشيته وسلطانه، ويستمد حصول كل خير ودفع كل شر من الله تعالى وحده. كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من نظمه ما يدل على ذلك، فقال (١): أنا الفقيرُ إلى ربِّ البرياتِ … أنا المُسيكينُ في مجموعِ حالاتي أنا الظلومُ لنفْسي وهي ظالمتي … والخيرُ إن يأتنا من عندِه يأتي لا أستطيعُ لنفسي جلبَ منفعةٍ … ولا عن النفسِ لي دفعُ المضرَّاتِ وليس لي دونَه مولًى يدبرني … ولا شفيعٌ إذا حاطتْ خطيئاتي إلا بإذنٍ من الرحمن خالقِنا … إلى الشفيع كما قد جا في الآياتِ ولستُ أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعضِ ذراتِ ولا ظهير له كي يستعينَ به … كما يكون لأربابِ الولاياتِ والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا … كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتي وهذه الحالُ حالُ الخلق أجمعهم … وكلُّهم عنده عبدٌ له آتي فمن بغى مطلبًا من غير خالقِه … فهو الجهولُ الظلومُ المشركُ العاتي والحمدُ لله ملءَ الكونِ أجمعِه … ما كان منه وما من بعدُ قد يأتي قال النووي ﵀ (٢): (قوله ﷺ : «لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة»، قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله

стр. 457

تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لاصانع غيره، ولارادَّ لأمره، وأن العبد لايملك شيئًا من الأمر. ومعنى الكنز هنا: أنه ثواب مدَّخر في الجنة، وهو ثواب نفيسٌ، كما أن الكنز أنفسُ أموالكم. وقد حث العلماء على الإكثار من هذا الذكر وبينوا فضائله وفوائده التي وجدوها بعد ملازمتهم له، ومن هذا قو ل الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ (١): وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها بها تحمل الأثقال، وتكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال). وقال ابن القيم ﵀ (٢): (وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال، ولها أيضًا تأثير في دفع الفقر). وقال ابن رجب ﵀ (٣): (وأما الاستعانة بالله دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإن المعنى: لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند

стр. 458

الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (١). ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا. كتب الحسن ﵁ إلى عمر بن عبد العزيز ﵀: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه. ومن كلام بعض السلف ﵏: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك). من فوائد الحديث: أولًا: فيه فضل قول لا حول ولا قوة إلا بالله وأنها من الوسائل التي يتوصل بها إلى الجنة. ثانيًا: فيه إشارة إلى حاجة العبد الى ربه وافتقاره إليه، وأنه لا يقدر على فعل شيء من الخير، ولا يتحول عن شيء من الشر إلا بمعونة الله له وتوفيقه.

стр. 459

فهرس المصادر والمراجع أولًا: القرآن الكريم. ثانيًا: المصادر والمراجع الأخرى: ١ - الإبانة الكبرى، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري، المحقق: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية، الرياض. ٢ - الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، عبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله الدوسري، مكتبة دار الأرقم، الكويت، ط ١، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م. ٣ - الأحاديث المختارة، الضياء المقدسي، المحقق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط ٣، ٢٠٠٠ م. ٤ - أحاديث معلة ظاهرها الصحة، أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، دار الآثار، ط ٢، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، طبعة جديدة ومنقحة ومفهرسة، ومزيدة بأكثر من مائة حديث عن الطبعة السابقة. ٥ - إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، ابن دقيق العيد، مطبعة السنة المحمدية ٦ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي، المحقق: د. عبد الملك عبد الله دهيش، دار خضر، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ. ٧ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، المحقق: جسم الفهيد الدوسري، مكتبة دار الأقصى، الكويت، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م. ٨ - الآداب للبيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، تحقيق: أبو عبد الله السعيد المندوه، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.

стр. 460

٩ - أدب الدنيا والدين، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، دار مكتبة الحياة، ١٩٨٦ م. ١٠ - الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط ٣، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م. ١١ - الأدب النبوي، محمد عبد العزيز بن علي الشاذلي الخَوْلي، دار المعرفة، بيروت، ط ٤، الرابع، ١٤٢٣ هـ. ١٢ - الأذكار، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م. ١٣ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط ٧، ١٣٢٣ هـ. ١٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، إشراف: زهير الشاويش، ط ٢، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م. ١٥ - الأساس في السنة وفقهها - العقائد الإسلامية، سعيد حوّى، دار السلام، ط ٢، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م. ١٦ - الاستذكار، ابن عبد البر، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٧ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد البر، تحقيق: علي البجاوي، دار الجيل بيروت ١٤١٢ هـ. ١٨ - الأسماء والصفات لأبي بكر البيهقي، تحقيق: عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، ١٤١٣ هـ. ١٩ - إصلاح المال، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا، المحقق: محمد عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.
следующие страницы →