يرعى حول الحمى … الحمى: هو المرعى الممنوع الذي حماه الإمام، ومنع من أن يُرعى فيه.
يوشك … يقرُب.
يرتع فيه … يرعى غنمه أو إبله في نفس الحمى، بناء على تساهله في المحافظة، وجراءته على الرعي، وعدم الفرق بينه وبين غيره، فيستحق عقاب الملك.
مُضغة … قطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وسمي القلب بها لأنها قطعة من الجسد. قال العلماء: المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان له.
التعليق:
قال النووي ﵀ (١): (أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب، فقال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة … » إلى آخره، فبين ﷺ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.
стр. 387
وأما قوله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين»، فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام:
١ - حلال بين واضح لا يخفى حله؛ كالخبز والفواكه والزيت والعسل، والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات، فيها حلالٌ بين واضح لا شك في حله.
٢ - وأما الحرامُ البيِّن؛ فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح، وكذلك الزنى والكذب، والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك.
٣ - وأما المشتبهات؛ فمعناه: أنها ليست بواضحة الحلِّ ولا الحرمةِ، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمَها بنصٍّ أو قياس أو استصحابٍ أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشيء بين الحلِّ والحرمة، ولم يكن فيه نصٌّ ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين، فيكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله ﷺ : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله، أم بحرمته، أم يتوقف فيه، ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض ﵀ وغيره، والظاهر أنها مخرَّجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب؛ الأصح أنه لا يحكم بحل، ولا حرمة، ولا إباحة، ولا غيرها، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أن حكمها التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف).
стр. 388
وجاء في شرح المشكاة للطيبي ﵀ (١): (إن الله تعالى بين الحلال والحرام، بأن مهَّد لكل منهما أصلًا، يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعِنُّ له من الجزئيات، ويعرف أحوالَها، لكن قد يقع في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه، لوقوعه بين الأصلين، ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه، فينبغي أن لا يجتريء المكلَّف على تعاطيه، بل يتوقفه ريثما يتأمل فيه، فيظهر له أنه من أي القبيلين هو، فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان، بل رجع طرفُ الذهنِ عن إدراكه حسيرًا، تركه في حيِّز التعارض أسيرًا، وأعرض عما يريبه إلى ما لا يريبه، استبراءً لدينه أن يختل بالوقوع في المحارم، وصيانةً لعرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع، فإنَّ من هجم على الشبهات، وتخطَّى خُطَطَها، ولم يتوقف دونها، وقع في الحرام؛ إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم، كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
وقال الإمام ابن رجب ﵀ (٢): (ثم ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها، وأن ذلك كلَّه بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته، وصلحت جميع الجوارح، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام، وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها، وانبعث في معاصي الله وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق.
стр. 389
فالقلب الصالح: هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله، من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه، ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته، ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك، وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه.
والقلب الفاسد: هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه.
وقد بوب البخاري على هذا الحديث: (باب فضل من استبرأ لدينه)، والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور المشتبهة عليه، التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبراءٌ لدينه بمعنى: أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرضٌ دينَه للدنس والشين والقدح، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيًّا نزها بريًّا، وتارة يكون دنسًا متلوثًا.
والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن، وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى.
هذا كلُّه إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخصٍ شخص، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسِه من حيث هو هو فإنه يوصف بالنزاهة.
стр. 390
قال أبو هريرة: الإيمان نزِهٌ، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان (١).
خرجه الإمام أحمد في كتاب الإيمان. ومن كلام يحيى بن معاذ: الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك) (٢).
من فوائد الحديث:
أولًا: في هذا الحديث يسر الإسلام وسماحته في مسائل الحلال والحرام، فهي واضحة لكل أحد، ولا حجة لأحد في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله.
ثانيًا: فيه أن المشتبهات، وإن كان لا يعلمهن كثير من الناس، إلا أن الراسخين في العلم يعلمونها، ولذلك أمر الله بسؤالهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ثالثًا: فيه فضيلة اتقاء الشبهات، وأن في اتقائها سلامة الدين والعرض.
رابعًا: فيه أن من وقع في الشبهات واعتاد عليها، ولم يبال بكونها غير واضحة الحِلِّيَّةِ، جره ذلك إلى الوقوع في الحرام والتهاون بارتكابه.
خامسًا: قال ابن رجب ﵀ (٣): (وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها).
стр. 391
سادسًا: وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين، فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهادة وطلبه.
سابعًا: فيه عظم شأن القلب، وأنه على صغر حجمه هو ملك الأعضاء وقائدها، فإذا استقام استقامت، وإذا فسد فسدت.
стр. 392
الحديث التاسع والخمسون: اتباع الظن
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، -ولا تنافسوا (١) -، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (٢). متفق عليه.
معاني الكلمات (٣):
الكلمة … معناها
إياكم والظن … أي: لا تتبعوا الظنون، وتحكموا عليها استنادًا إلى الظنون الكاذبة، بل تثبتوا في كل ما تقولونه وتفعلونه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
أكذب الحديث … أي: حديث النفس.
ولا تحسسوا … التحسس بالحاء: طلب الخبر بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية، ومنه قوله سبحانه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، والمنهي عنه هو ما كان على سبيل التجسس، لا لغرض شرعي. ويقال: تجسست الخبر وتحسست بمعنى واحد.
стр. 393
ولا تجسسوا … أي: لا تبحثوا عن عيوب الناس، ولا تتبعوا أخبارهم، فالتجسس: التبحث والاستقصاء والفحص عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال ذلك في الشر، والجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس: صاحب سر الخير.
ولا تناجشوا … التناجش: من النجش، وهو أن يزيد في السلعة، وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، والنجش: رفع الثمن، وقيل: المراد من الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضًا على الشر والخصومة.
ولا تنافسوا … المنافسة: الرغبة في التفرد بالشيء، وذلك إذا كان في طلب الدنيا أوجب التباغض.
ولا تحاسدوا … أي: لا يتمنى أحدُكم زوالَ نعمة غيره.
ولا تدابروا … أي: لا تهاجروا ولا تقاطعوا، فيولي كل واحد منكما دبره لصاحبه حين يراه، لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولى دبره، بخلاف من أحب.
التعليق:
في هذا الحديث جملة من المنهيات التي تتعلق بآداب المسلم في التعامل مع الخلق، ثم ختم الحديث بالأمر بالأخوة الإيمانية التي تقتضي التخلص من هذه المنهيات، والتحلي بضدها من حسن الظن بالمؤمنين، وستر عوراتهم، ومحبة الخير لهم.
النهي عن سوء الظن بغير سبب:
فقوله: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث»: المراد النهي عن ظن السوء.
стр. 394
قال النووي ﵀ (١): (قال الخطابي: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذلك لا يملك، ومراد الخطابي: أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه ويستقر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به كما سبق في حديث: «تجاوز الله تعالى عما تحدَّثت به الأمة ما لم تتكلم أو تعمد»، وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر. ونقل القاضي عن سفيان أنه قال الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به؛ فإن لم يتكلم لم يأثم).
وقال ابن حجر ﵀ (٢): (قال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: «ولا تجسسوا»، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق فيتجسس، ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك.
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة؛ لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن.
فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقق، قيل له: «ولا تجسسوا».
فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: «ولا يغتب بعضكم بعضًا».
وقال عياض: استدل بالحديث قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي، وحمَله المحققون على ظن مجرد عن الدليل، ليس مبنيًّا على أصل ولا تحقيق نظر.
стр. 395
وقوله: «فإن الظن أكذب الحديث»: قد استشكلت تسمية الظن حديثًا، وأجيب بأن المراد: عدم مطابقة الواقع؛ سواء كان قولًا أو فعلًا، ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن، فوصفُ الظن به مجازًا.
النهي عن التجسس والتحسس:
وقوله: «ولا تحسسوا ولا تجسسوا»: إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء المهملة، وفي كل منهما حذف إحدى التاءين تخفيفًا، وكذا في بقية المناهي التي في حديث الباب، والأصل تتحسسوا. قال الخطابي: معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس، ولا تتبعوها، قال الله تعالى حاكيًا عن يعقوب ﵇: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسَّة، إحدى الحواس الخمس، وبالجيم من الجس، بمعنى: اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواس، فتكون التي بالحاء أعم. وقال إبراهيم الحربي: هما بمعنى واحد، وقال ابن الأنباري: ذكر الثاني للتأكيد كقولهم بعدًا وسخطًا، وقيل: بالجيم: البحث عن عوراتهم، وبالحاء: استماع حديث القوم، وهذا رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أحد صغار التابعين.
وقيل: بالجيم: البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر، وبالحاء: البحث عما يدرك بحاسة العين والأذن ورجح هذا القرطبي.
وقيل: بالجيم: تتبع الشخص لأجل غيره، وبالحاء: تتبعه لنفسه وهذا اختيار ثعلب (١).
стр. 396
ويستثنى من النهي عن التجسس: ما لو تعين طريقًا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلًا، كأن يخبر ثقة بأن فلانًا خلا بشخص ليقتله ظلمًا، أو بامرأة ليزني بها فيشرع في هذه الصورة التجسس، والبحث عن ذلك حذرًا من فوات استدراكه، نقله النووي عن الأحكام السلطانية للماوردي واستجاده، وأن كلامه ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، ولو غلب على الظن استسرار أهلها بها إلا هذه الصورة.
النهي عن التحاسد:
وقوله: «ولا تحاسدوا»: الحسد: تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها، أعم من أن يسعى في ذلك أو لا، فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره، ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نهي المسلم عنها في حق المسلم نظر؛ فإن كان المانع له من ذلك العجز بحيث لو تمكن لفعل فهذا مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر، لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية، فيكْفِيه في مجاهدتها ألَّا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها.
وعن الحسن البصري قال: ما من آدمي إلا وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء.
النهي عن التدابر:
وقوله: «ولا تدابروا»: قال الخطابي: لا تتهاجروا فيهجر أحدُكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه.
وقال ابن عبد البر: قيل للإعراض مدابرة، لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولى دبره، والمحب بالعكس.
وقيل معناه: لا يستأثر أحدكم على الآخر، وقيل للمستأثر مستدبر؛ لأنه
стр. 397
يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر. وقال المازري: معنى التدابر: المعاداة، يقول: دابرته، أي: عاديته، وحكى عياض أن معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، والأول أولى.
وقد فسره مالك في الموطأ بأخص منه، فقال إذ ساق حديث الباب عن الزهري بهذا السند: ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام، يدبر عنه بوجهه (١)، وكأنه أخذه من بقية الحديث: «يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٢)؛ فإنه يفهم أن صدور السلام منهما أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراض.
ويؤيده ما أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في زيادات كتاب البر والصلة لابن المبارك بسند صحيح عن أنس، قال: التدابر: التصارم.
النهي عن التباغض:
قوله: «ولا تباغضوا»: أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، لأن البغض لا يكتسب ابتداء، وقيل: المراد النهي عن الأهواء المضلة المقتضية للتباغض، قلت: بل هو لأَعمُّ من الأهواء، لأن تعاطي الأهواء ضرب من ذلك.
وحقيقة التباغض: أن يقع بين اثنين، وقد يطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى، فإنه واجب فيه، ويثاب فاعله؛ لتعظيم حق الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة، كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر فيبغضه على ذلك، وهو معذور عند الله.
стр. 398
النهي عن النجش:
قال المازري ﵀ (١): (وأما قوله: «وَلَا تَنَاجَشُوا»: فصفة النجش عند الفقهاء: أن يزيد في السلعة ليغتر به غيره لا ليشتريها، فإن وقع ذلك وعلم أنْ الناجش من قبل البائع كان المشتري، بالخيار بين أن يمضي البيع أو يرده.
وحكى القرويون عن مالك أن بيع النجش مفسوخ واعتلَّ بأنه مَنْهِيُّ عنه.
وهكذا اعتلّ ابن الجهم لما ردَّ على الشافعي فقال: الناجش عاصٍ فكيف يكون من عصى الله يتم بيعه؟.
قال أبو بكر: أصل النجش مدح الشيء وإطراؤه. فمعناه: لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد.
وقال غيره: النجش تنفير النَّاس عن الشيء إلى غيره. والأصل فيه: تنفير الوحش من مكان إلى مكان).
النهي عن التنافس في الدنيا:
وقال ابن عبد البر ﵀ (٢): (وأما قوله: «ولا تنافسوا»؛ فالمراد به: التنافس في الدنيا، ومعناه: طلب الظهور فيها على أصحابها، والتكبر عليهم، ومنافستهم في رياستِهم، والبغي عليهم، وحسدهم على ما آتاهم الله منها.
وأما التنافس والحسد على الخير وطرق البر فليس من هذا في شيء، وكذلك من سأل عما غاب عنه من علم وخير فليس بمتجسس، فقف على ما فسرت لك).
стр. 399
الأمر بالأخوة الإيمانية:
قال ابن حجر ﵀ (١): (وقوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا»: بلفظ المنادى المضاف، زاد مسلم في آخره من رواية أبي صالح عن أبي هريرة: «كما أمركم الله» (٢)، ومثله عنده من طريق قتادة عن أنس، وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانًا، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيروا أعداء، ومعنى: كونوا إخوانًا؛ اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مما سبق ذكره وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتًا ونفيًا.
وقوله: «عباد الله»: أي: يا عباد الله بحذف حرف النداء، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله، فحقكم أن تتواخوا بذلك. قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة، ولعل قوله في الرواية الزائدة: «كما أمركم الله»: أي: بهذه الأوامر المقدم ذكرها، فإنها جامعة لمعاني الأخوة، ونسبها إلى الله، لأن الرسول ﷺ مبلغ عن الله.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «كما أمركم الله»: الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإنه خبر عن الحالة التي شرعت للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر. قال ابن عبد البر: تضمن الحديث تحريم بغض المسلم، والإعراض عنه، وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعي، والحسد له على ما أنعم به عليه، وأن يعامله معاملة الأخ النسيب، وألَّا ينقب عن معايبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب، وقد يشترك الميت مع الحي في كثير من ذلك).
стр. 400
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث تعظيم حرمات المسلمين، وتحريم هذه الأمور المذكورة في الحديث.
ثانيًا: فيه الأمر بالأخوة الإيمانية التي تقتضي التراحم والتعاطف والتناصح بين المسلمين.
стр. 401
الحديث الستون: البر والإثم
عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (١).
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
البر … قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى: اللطف، والمبرة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى: الطاعة، وهذه الامور هي مجامع حسن الخلق.
فقوله: «الْبر حسن الْخلق»، أَي: يُطلق على مَا يُطلق عَلَيْهِ من الصِّلَة والصدق والمبرة واللطف وَحسن الصُّحْبَة وَالْعشرَة وَالطَّاعَة، فَإِنْ الْبر يُطلق على كل مِمَّا ذكر، وَهِي مجامع حسن الْخلق.
حاك … أَي: تردَّد وَلم ينشرح لَهُ الصَّدْر، وَحصل فِي الْقلب منه الشَّك.
التعليق:
قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله في شرح الأربعين (٣): (البرُّ: كلمةٌ جامعة تشمل الأمور الباطنة التي في القلب، والأمور الظاهرة التي تكون على
стр. 402
اللسان والجوارح، وآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] واضحة الدلالة على ذلك؛ فإنَّ أوَّلَها مشتمل على الأمور الباطنة، وآخرَها مشتمل على الأمور الظاهرة، ويُطلق البرُّ على خصوص برِّ الوالدين، لا سيما إذا قُرن بالصلة، فإنَّه يُراد بهما بر الوالدين وصلة الأرحام.
ويأتي البرُّ مقرونًا بالتقوى، كما في قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فعند اجتماعهما كما في هذه الآية يُفسَّر البرُّ بفعل الطاعات، والتقوى بترك المنهيات، فإذا أُفرد أحدهما عن الآخر بالذِّكر شمل المعنيين جميعًا، وهذا نظير الإسلام والإيمان، والفقير والمسكين.
جاء في حديث النواس: «البرُّ حسن الخلق»: وحُسنُ الخُلُق يحتمل أن يكون المراد به خصوص الخلق الكريم المعروف بهذا الاسم، ويكون تفسير البرِّ به لأهميَّته وعظيم شأنه، وهو نظير: قوله: «الدِّين النصيحة» (١)، وقوله: «الحجُّ عرفة» (٢).
ويُمكن أن يُراد به العموم والشمول لكلِّ ما هو خير، ويدلُّ عليه وصف أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ لِخُلق الرسول ﷺ بأنَّه القرآن، والمعنى: أنَّه يتأدَّب بآدابه، ويمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه.
وقوله: «والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»:
من الإثم ما يكون واضحًا جليًّا، ومنه ما يحوك في الصدر ولا تطمئنُّ إليه النفس، ويكره الإنسانُ أن يطَّلع عليه الناس؛ لأنَّه مِمَّا يُستحيا من فعله، فيخشى صاحبُه ألسنةَ الناس في نيلهم منه، وهو شبيه بما جاء في الأحاديث الثلاثة
стр. 403
الماضية: «فمَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١)، و: «دع ما يريبُك إلى ما لا يريبك» (٢)، و: «إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (٣).
والإثمُ: يُراد به عموم المعاصي الواضحة والمشتبهة، ويأتي مقترنًا بالعدوان، كما في قول الله : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فيُفسَّر العدوان بالاعتداء والظلم، فيدخل فيه الاعتداء على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم).
قال ابن دقيق العيد ﵀ (٤): (قوله ﷺ : «البر حسن الخلق»: يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كما قال ﷺ : «الحج عرفة» (٥).
أما البر: فهو الذي يبر فاعله ويلحقه بالأبرار، وهم المطيعون لله .
والمراد بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المحاولة، والعدل في الأحكام، والبذل في الإحسان، وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ
стр. 404
الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، إلى آخر السورة.
فمن أشكل عليه حاله، فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميعها علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض، فليشغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده.
ولا يظن ظان أن حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش والمعاصي فقط، وأن من فعل ذلك فقد هذب خلقه، بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين والتخلق بأخلاقهم.
ومن حسن الخلق: احتمال الأذى، فقد ورد في الصحيحين (١): أن أعرابيًّا جذب بردَ النبي ﷺ حتى أثرت حاشيتُه في عاتق النبيِّ ﷺ وقال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم ضحك وأمر له بعطاء.
وقوله: «والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس»:
يعني: هو الشيءُ الذي يورث نفرةَ في القلبِ، وهذا أصلٌ يتمسك به لمعرفة الإثم من البرِّ؛ إن الإثم ما يحوك في الصدر، ويكره صاحبه أن يطَّلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم: أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم).
стр. 405
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه بيان عظم شأن حسن الخلق.
ثانيًا: فيه أن المؤمن الصادق يستطيع بنفسه أن يفرق بين البر والإثم.
ثالثًا: أنَّ المسلمَ يُقْدِم في أمور دينه على فعل ما هو واضح الحلِّ دون ما هو مشتبه.
стр. 406
الحديث الحادي والستون: دعوة للمسافر
عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي، قَالَ: «زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى»، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «وَغَفَرَ ذَنْبَكَ»، قَالَ: زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ» (١). رواه الترمذي.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
فزودني … من التزويد، وهو إعطاءُ الزاد، يعني به: ادعُ لي، ودعاؤُك خيرُ الزاد.
زودك الله التقوى … بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والاستغناء عن المخلوق.
بأبي أنت وأمي … أي: أفديك بهما، وأجعلهما فداءك، فضلًا عن غيرهما.
التعليق:
نِعْمَ الزاد هذه الدعوات.
في هذا الحديث ما يدل على أن طلب المسلم الدعاء من أخيه المسلم جائز لا حرج فيه؛ للأدلة المتكاثرة الواردة في الكتاب والسنة النبوية، وهي تدل على
стр. 407
جواز طلب الدعاء من الآخرين، خاصة إذا كان طلب الدعاء ممن هو مشهور بالخير والصلاح، ومن الأدلة على ذلك:
١ - قول الله عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧].
٢ - حديث أويس القرني ﵁ الطويل، أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: «يَأْتِي عَلَيْكُم أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ .... فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»، فَأَتَى أُوَيْسًا ﵁ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي (١).
٣ - عن صفوان ﵁ وهو ابن عبد الله بن صفوان-، وكانت تحته الدرداء ﵂، قال: قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء ﵁ في منزله، فلم أجده ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام، فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملَكٌ موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» (٢).
٤ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: استأذنت النبيَّ ﷺ في العمرَة، فأَذِنَ لي وقال: «لا تَنسَنَا يا أخي مِنْ دُعائك»، فقال كلمةَ ما يَسُرُّني أن لي بها الدُّنيا، قال شعبةُ: ثم لقيت عاصمًا بعد بالمدينة فحدثَنيه، وقال: «أشْرِكنا يا أُخَي في دُعائِكَ» (٣).
стр. 408
وأما الأحاديث التي فيها طلب الصحابة الدعاء والاستغفار من النبي ﷺ فهي كثيرة جدًّا.
وقد قرر جواز طلب المسلم الدعاء من أخيه المسلم كثير من أهل العلم، حتى نقل الإمام النووي ﵀ الإجماع عليه، حيث يقول (١): (باب استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل، وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، والدعاء في المواضع الشريفة، اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وهو مجمع عليه).
كما قرر حكم الجواز أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال (٢): (طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن … ؛ فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها).
ويقول أيضًا (٣): (ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه).
وقال ابن رجب ﵀ (٤): (ينبغي للمنقطعين طلب الدعاء من الواصلين لتحصل المشاركة).
ويقول الصاوي المالكي ﵀ (٥): (يندب للعائد طلب الدعاء منه -أي: من المريض-).
стр. 409
ويقول الشيخ ابن باز ﵀ (١): (طلب الدعاء من الأخ في الله أو الأخت في الله لا حرج فيه).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه استحباب مجيء المسافر للصالحين من أصحابه، وسؤالهم الدعاء (٢).
ثانيًا: يندب لكلِّ من ودع مسافرًا أن يقول هذا الدعاء له، ويحصل أصل السنة بقوله: زودك الله التقوى، والأكمل الإتيان بما ذكر كله (٣).
ثالثًا: قوله: «زودك الله التقوى»، أي: زادك أن تتقي محارم الله، وتتجنب معاصيه.
رابعًا: وفيه أن خير ما يتزود به الإنسان تقوى الله ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 410
الحديث الثاني والستون: من أنفق زوجين في سبيل الله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عبد الله هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» (١). متفق عليه.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
زوجين … الزوج في اللغة: كل شيء كان له قرين من جنسه، فهو اسم يقع على كل واحد من المقترنين، يقال: لفلان زوجان من حمام، أي: ذكر وأنثى.
قال الهروي في تفسير هذا الحديث: (قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران).
وقال ابن عرفة: (كل شيء قُرن بصاحبه فهو زوج، يقال: زوجت بين الإبل إذا قرنت بعيرًا ببعير).
دعي من باب الريان … أي: باب الرواء، جزاء لما قاساه الصائم من عطش.
стр. 411
التعليق:
هذا الحديث يتعلق بفضائل بعض أعمال البر العظيمة كالصلاة والصيام والصدقة والجهاد، وأن لكل عمل من هذه الأعمال باب من أبواب الجنة يدخل منه المكثر من هذا العمل.
قال ابن عبد البر ﵀ (١): (وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل: الحضُّ على الإنفاق في سبيل الخير، والحرص على الصوم، وفيه أن أعمال البر لا يفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حُرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق ﵁ من ذلك القليل.
وفيه أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، ألا ترى إلى قوله: «فمن كان من أهل الصلاة»: يريد من أكثر منها فنسب إليها، لأن الجميع من أهل الصلاة، وكذلك من أكثر من الجهاد ومن الصيام على هذا المعنى ونسب إليه، دعي من بابه ذلك والله أعلم.
ومما يشبه ما ذكرنا ما جاوب به مالكٌ ﵀ العمريَّ العابد وذلك أن عبد الله بن عبد العزيز العمريَّ العابد كتب إلى مالك يحضُّه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة، ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد، ولم يفتح له في الصلاة.
стр. 412
وَنَشْرُ العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسم له والسلام.
هذا معنى كلام مالك لأني كتبته من حفظي، وسقط عني في حين كتابتي أصلي منه.
وأما قوله: «من أنفق زوجين»، معناه عند أهل العلم: من أنفق شيئين من نوع واحد، نحو درهمين، أو دينارين، أو فرسين، أو قميصين، وكذلك من صلى ركعتين، ومشى في سبيل الله خطوتين، أو صام يومين ونحو ذلك كله، وإنما أراد والله أعلم أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر لأن الاثنين أقل الجمع).
وقوله: «في سبيل الله»: قيل: يحتمل العموم في جميع وجوه الخير، وقيل: الخصوص في الجهاد، والأول أظهر.
وقوله: «نودى هذا خير»: فيه وجهان؛ أي: هنالك خير وثواب وغبطة، والآخر هذا الباب خير من غيره من الأبواب لك، لكثرة ثوابه، ونعيمه (١).
قوله: «ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان»: خصَّ الريان بأهل الصائم لما كان في الصوم من الصبر على ألم العطش؛ لأن قوله: (باب الريان) أي: باب الرواء، وإن كانت تلك كلها فيها الرواء، غير أن باب الريان أروى) (٢).
وقول أبي بكر الصديق ﵁: ما على من يدعى من هذه الأبواب من
стр. 413
ضرورة، فقوله: (من ضرورة)، أي: من ضرر، أي: ليس على المدعو من كل الأبواب مضرة، أي: قد سعد من دعي من أبوابها جميعًا.
ويقال معناه: ما على من دعي من تلك الأبواب من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة ودعي من بابها، فإنه لا ضرر عليه، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة من أيها أراد، لاستحالة الدخول من الكل معًا.
قال البدر العيني ﵀ (١): (قال الكرماني: أقول: يحتمل أن تكون الجنة كالقلعة لها أسوار محيط بعضُها ببعض، وعلى كل سور باب، فمنهم من يدعى من الباب الأول فقط، ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الداخل وهلم جرًّا. قلت: هذا الذي ذكره لا يستبعده العقل، ولكن معرفة كيفية الجنة وكيفية أبوابها وغير ذلك موقوفة على السماع من الشارع).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه استحباب تكرار أعمال الطاعة والعبادة، حتى تكون سجية لصاحبها.
ثانيًا: فيه فضل الصلاة والصيام والإنفاق والجهاد.
ثالثًا: فيه فضل الإخلاص في العمل، وأن يكون المراد منه وجه الله تعالى.
رابعًا: فيه فضيلة الصديق ﵁، لأن قوله: «وأرجو أن تكون منهم»، خطاب لأبي بكر ﵁، والرجاء من النبي ﷺ واجب، نبه عليه ابن التين، فدل هذا على فضيلة أبي بكر ﵁، وعلى أنه من أهل هذه الأعمال كلها (٢).
стр. 414
خامسًا: فيه الحث على اغتنام الأوقات في الطاعة والاستكثار من أفعال البر ليكون دخوله من جميع أبواب الجنة أو من أغلبها، أو من أحدها، فقد فاز في كل الأحوال.
قال القاضي ابن العربي ﵀ (١): (قول أبي بكر الصديق ﵁: (ما على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة)، يقول: ما على من يدعى من باب واحد من كل هذه الأبواب من ضرورة، وقد فاز ونجا.
وهذا لا يكون -والله أعلم- إلا لمن جاهد في سبيله، وأنفق ذلك في مرضاته، ولزم الثغر للرباط، والحرس للمسلمين والحوطة عليهم، وكان عبد الله بن المبارك ينشد في ذلك:
كل عيش قد أراه نكدًا … غير ركن الرمح في ظلِّ الفرس
وقيامٌ في ليالي الدُّجى … حارسًا للناس في أقصى الحرس
أرفع الصوتَ بتكبير بلا … صخب فيه ولا صوت جرس
стр. 415
الحديث الثالث والستون: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج»، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (١). متفق عليه.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
استدراج … أي: مكر منه سبحانه، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، والمعنى: أخذه بتدريج واستنزال من درجة إلى أخرى، فكلما فعل معصية قابلها بنعمة، وأنساه الاستغفار، فيدنيه من العذاب قليلًا قليلًا، ثم يصبُّه عليه صبًّا.
مقيم على معاصيه … أي: عاكف عليها ملازم لها.
التعليق:
في هذا الحديث التحذير من الاغترار بالنعم مع الاستمرار على المعاصي، وبيان أن هذا استدراج، ومقدمة للأخذ على غرة، كما قيل: يستدرجهم بالنعم حتى يوقعهم بالنقم.
стр. 416
وذلك لأن العبد يعتقد بإدرار نعم الله عليه أنه لكرامته على الله ورضاه عنه، فلا يزال في غيِّه مطلقًا وسنه في ضلاله حتى يأتيه حِمامُه.
فإن قيل: في هذا الاستدراج منه تعالى لعبده إيهام رضاه عنه، وهو سبب إصراره على القبيح. أجيب عنه: بأن المكلف إذا كان عالمًا بقبح القبيح أو متمكنًا من العلم به، ثم رأى نعم الله عليه تتوالى وهو مقيم على عصيانه، كان ترادفها كالمنبه له على الحذر، فلا قبح حينئذ.
وفي كلام نهج البلاغة: (ابن آدم إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمَه وأنت تعصيه فاحذره) (١).
قال إسماعيل بن رافع (٢): (الأمن من مكر اللَّه: إقامة العبد على الذنب، ثم يتمنى على اللَّه المغفرة).
وقد فسر بعض السلف المكر (٣): (بأن اللَّه يستدرجهم بالنعم إذا عصوه، من صحة الأبدان، ورغد العيش وغيرها، ويملي لهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]).
قال الهروي ﵀ (٤): (قال الطيبي: الاستدراج هو الأخذ في الشيء، والذهاب فيه درجة فدرجة، كالمراقي والمنازِل في ارتقائه ونزولِه، ومعنى
стр. 417
استدراج الله: استدراجهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم، ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، وذلك أن تواتر الله نعمه عليهم مع انهماكِهم في الغَيِّ، فكلما جدد عليهم نعمة ازدادوا بطرًا وجددوا معصية، فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أن تواترَ النعم أثْرةٌ من الله وتقريبٌ، وإنما هي خذلان منه وتبعيد.
«ثم تلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم»، أي: استشهادًا أو اعتضادًا، ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾، أي: عهده سبحانه، أو تركوا أمره ونهيه، وهو المعني بقوله: ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، أي: وعظوا به، ﴿فَتَحْنَا﴾، بالتخفيف ويشدد، ﴿عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: من أسباب النعم التي في الحقيقة من موجبات النقم، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾، أي: أعطوا من المال والجاه وصحةِ البدن وطول العمر، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة بالموت أو العذاب، فإنه أشد في تلك الحالة، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، أي: واجمون ساكتون متحسرون متحيرون آيسون).
قال المناوي ﵀ (١): (قال إمام الحرمين: إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار، فلا تأمن على نفسك، فإن الأمر على خطر، فلا تدري ماذا يكون، وما سبق لك في الغيب، ولا تغترّ بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات. وقال علي كرم الله وجهه: كم من مستدرج بالإحسان، وكم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بالستر عليه (٢).
стр. 418
وقيل لذي النون (١): ما أقصى ما يُخدع به العبد؟، قال: بالألطاف والكرامات، ثم قرأ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفي الحكم: خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه؛ أن يكون ذلك استدراجًا.
والاستدراج: الأخذ بالتدريج لا مباغتة، والمراد هنا: تقريب الله العبد الى العقوبة شيئًا فشيئًا، واستدراجه تعالى للعبد أنه كلما جدد ذنبًا جدد له نعمة وأنساه الاستغفار فيزداد أشرًا وبطرًا، فيتدرج في المعاصي بسبب تواتر النعم عليه ظانًّا أن تواترها تقريب من الله وإنما هو خذلان وتبعيد).
العقوبات الخفية:
قال ابن الجوزي ﵀ (٢): (كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا، فهو أنموذجٌ ما يكون في الآخرة، وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة، فأما المخلوق منها، فقال ابن عباس ﵄: ليس في الجنة شيءٌ يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء (٣)، وهذا لأن الله تعالى شوق بنعيم إلى نعيم، وخوف بعذاب من عذاب.
فأما ما يجري في الدنيا، فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنب ذنبًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
стр. 419
وربما كان العقاب العاجل معنويًّا، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب! كم أعصيك ولا تعاقبني!، فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري! أليس قد حرمتك حلاوةَ مناجاتي؟.
فمن تأمَّل هذا الجنس من المعاقبة، وجده بالمرصاد، حتى قال وهيب بن الورد، وقد سئل: أيجد لذةَ الطاعة من يعصي؟ قال: ولا من همَّ.
فرب شخص أطلق بصره، فحرم اعتبارَ بصيرته، أو لسانه، فحرم صفاءَ قلبه، أو آثر شبهة في مطعمه، فأظلم سرُّه، وحُرم قيام الليل، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك، وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفوس.
وعلى ضدِّه يجد من يتقي الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلًا، كما في حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي، آتيته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه» (١). فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها.
فأما المقابلة الصريحة في الظاهر، فقلَّ أن تحتبس، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «الصبحة تمنع الرزق» (٢)، و: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (٣).
ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة، رأى الجزاءَ وفهِم، كما قال الفضيل: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي (٤).
стр. 420
وعن أبي عثمان النيسابوري: أنه انقطع شسعُ نعله في مُضيِّه إلى الجمعة، فتعوق لإصلاحة ساعةً، ثم قال: إنما انقطع؛ لأني ما اغتسلت غسل الجمعة (١).
ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، امتدت أكفُّهم بين يديه بالطلب يقولون: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨]، ولما صبر هو يوم الهَمَّة، ملك المرأة حلالًا، ولما بغت عليه بدعواها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥]، أنطقها الحق بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ [يوسف: ٥١].
ولو أن شخصًا ترك معصية لأجل الله تعالى، لرأى ثمرة ذلك، وكذلك إذا فعل طاعة، ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع طلبًا للراحة العاجلة، فانقلبت أحواله إلى التنغصِ العاجل، وعُكست عليه المقاصد).
وقال أيضًا (٢): (من أراد دوام العافيةَ والسلامةَ فليتق الله ، فإنه ما من عبد أطلق نفسَه في شيء ينافي التقوى، وإن قلَّ، إلا وجد عقوبتَه عاجلةً أو آجلةً، ومن الاغترار أن تسيء، فترى إحسانًا، فتظن أنك قد سومحْت، وتنسى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وربما قالت النفس: إنه يَغفر، فتسامحت! ولا شك أنه يغفر، ولكن لمن يشاء.
وأنا أشرح لك حالًا، فتأمله بفكرك تعرف معنى المغفرة؛ وذلك أن من هفا هفوة، لم يقصدها، ولم يعزم عليها قبل الفعل، ولا عزم على العود بعد الفعل، ثم انتبه لما فعل، فاستغفر الله، كان فعله -وإن دخله عمدًا- في مقام خطإٍ، مثل أن يعرض له مستحسن، فيغلبه الطبع، فيطلق النظر، وتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع
стр. 421
عن تلمح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه، ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ، التي كانت كأنها غلطة لم تقصد، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
فأما المداوم على تلك النظرة، المردِّدُ لها، المصِرُّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفوُ يبعُد عنه بمقدار إصرارِه، ومن البعد ألا يرى الجزاء على ذلك، كما قال ابن الجلاء: رآني شيخي وأنا قائم أتأمل حدثًا نصرانيًّا، فقال: ما هذا؟! لترين غبَّها ولو بعد حين؛ فنسيت القرآن بعد أربعين سنة! (١).
واعلم أنه من أعظم المحن الاغترارُ بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحسُّ الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدِّين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض.
قال بعض المعتبرين: أطلقت نظري فيما لا يحلُّ لي، ثم كنت أنتظر العقوبة، فأُلجئت إلى سفر طويل، لا نيةَ لي فيه، فلقيت المشاقَّ، ثم أعقب ذلك موت أعزِّ الخلق عندي، وذهاب أشياء كان لها وقعٌ عظيم عندي، ثم تلافيت أمري بالتوبة، فصلُح حالي، ثم عاد الهوى، فحملني على إطلاق بصري مرة أخرى، فطُمس قلبي، وعدمت رقتَه، واستُلب مني ما هو أكثر من فقدِ الأول، ووقع لي تعويضٌ عن المفقود بما كان فقدُه أصلح.
فلما تأملت ما عُوِّضتُ وما سُلب مني، صحتُ من ألم تلك السياط، فها أنا أنادي من على الساحل: إخواني! احذروا لُجَّةَ هذا البحر، ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل، ولازموا حصنَ التقوى، فالعقوبة مُرَّةٌ.
стр. 422
واعلموا أن في ملازمة التقوى مراراتٍ من فقد الأغراضِ والمشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحِميةِ تعقب صحةً، والتخليط ربما جلب موتَ الفجأة، وبالله، لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضا المبتلي، كان قليلًا في نيل رضاه، ولو بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا، مع إعراضه عنكم، كانت سلامتُكم هلاكًا، وعافيتكم مرضًا، وصحتكم سقمًا، والأمر بآخره، والعاقل من تلمح العواقب، فصابروا رحمكم الله تعالى هجيرَ البلاء، فما أسرع زوالَه! والله الموفق، إذ لا حول إلا به، ولا قوة إلا بفضله).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث التحذير من المعاصي وأنها سبب غضب الله على العبد ومكره به.
ثانيًا: فيه التحذير من الاغترار بتتابع النعم مع المداومة على المعصية، وأن ذلك قد يكون مكرا بالعبد، ومقدمة لهلاكه.
ثالثًا: فيه أن العقوبة على المعصية قد تتأخر، ولكنها لا تتخلف، إذا لم يتب منها صاحبها.
رابعًا: فيه أن الله تعالى يهيئ أسباب الضلال لمن يريد إضلاله، وهذا يوافق مذهب أهل السنة والجماعة في أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
стр. 423
الحديث الرابع والستون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (١). رواه البخاري.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
القائم على حدود الله … المعظم لها، الآمِر بالمعروف، والنَّاهي عن المُنكَر.
الواقع فيها … أي: التَّارِك للمعروف، المرتكِب للمنكر.
استهموا … أخَذَ كلُّ واحد منهم سهمًا، أي: نصيبًا من السَّفينة بالقُرعة.
استَقَوْا … طلبوا الماءَ العذبَ.
أخذوا على أيديهم … منَعوهم من الخَرْق.
نجَوْا … أي: الآخِذون.
ونجَوْا … أي: المأْخُوذون، وهكذا إن أُقيمت الحُدود تحصُل النَّجاة، وإلا هلَك العاصي بالمعصية، وغيرُهم بترك الإقامة.
стр. 424
التعليق:
هذا الحديث يبين القاعدة التي تقول: لا ضرر ولا ضرار، فليس هناك حرية مطلقة لأحد يفعل ما يشاء، بحجة أنه يتصرف في حدود ما يملك، ولذلك ذكر شرَّاح الحديث أنه إذا اشترك اثنان في بيت يتكون من طابقين مثلًا وهو ما عبروا عنه بالعلو والسفل، فإذا أراد صاحب السفل أن يهدم، وأراد صاحب العلوِّ أن يبني علوَّه، فليس لصاحب السفل أن يهدم السفل إلا من ضرورة، يكون هدمه له أرفق لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لربِّ العلو أن يبني على علوِّه شيئًا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر بصاحب السفل، ولو تكسرت خشبة من سقف العلو، لأدخل مكانها خشبةً ما لم تكن أثقل منها، ويخاف ضررها على صاحب السفل، وذكروا في ذلك أحكامًا كثيرة (١).
وهذا في شأن الدنيا، وأما في شأن الدين فالأمر أشد، فيجب على الجميع حفظ حدود الله تعالى، والأخذ على أيدي العابثين والمتلاعبين بأحكام الله، حتى لا تغرق السفينة، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، قال ابن عباس ﵄: «أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب» (٢)، وقال ابن كثير ﵀ (٣): (يحذر تعالى عباده المؤمنين ﴿فِتْنَةً﴾، أي: اختبارًا ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع).
стр. 425
وفي الصحيحين عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» (١).
وفي السنن ومسند الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمُّهم الله بعقاب من عنده» (٢).
وقال القرطبي عن حديث النعمان بن بشير ﵁ (٣): (ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك الكل؛ وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نُساكنكم، وبهذا قال السلف ﵃؛ روى ابن وهب عن مالك أنه قال: تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقرّ فيها).
ولا يجب التغيير إلا على المستطيع الذي له قوة ومنعة وسلطة.
قال ابن عبد البر ﵀ (٤): (هذا واضح في أنه لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن