← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ترجمةٌ مُوجَزةٌ للمؤلِّف (١) اسمُه: محمَّدُ بنُ صالحِ بنِ عبد الله بنِ محمَّدِ بنِ عبد الله بنِ سُلَيمانَ بنِ محمَّدِ بنِ غانِمٍ الشاويُّ البَقْميُّ الأَزْديُّ. مولدُه: وُلِدَ المؤلِّفُ في البُكَيْريَّةِ، بتاريخ: (٢٣/ ٩/ ١٣٥٠ هـ)، الموافقِ: (٣١/ ١/ ١٩٣٢ م). نشأتُه: نشأ المؤلِّفُ في البُكَيْريَّةِ بين أبوَيْنِ محافِظَيْنِ ومتديِّنَيْن؛ فقد كان والده فضيلةُ الشيخِ صالحِ بنِ عبد الله الشاويِّ ﵀ عالمًا مِنْ علماء البُكَيْرِيَّة، وكان مِنْ المُوسِرينَ، ولله الحمدُ والمِنَّة؛ ولذلك اعتذَرَ لمَّا كُلِّفَ بالقضاءِ مرَّتَيْن (٢)؛ لأنَّ القضاءَ سوف يَشغَلُهُ عن الاستمرارِ في تحصيلِ العلم، وإلقاءِ الدروس، وعن أعمالِهِ التجاريَّة. حَفِظَ المؤلِّفُ القرآنَ منذ نعومةِ أَظْفاره؛ حيثُ بدأ بالحفظِ على يد الشيخ عبد الله بن محمد الخُلَيفي ﵀، قبل أن يكونَ إمامًا للحرَمِ المكي، ثم أكمَلَ حِفْظَهُ على الشيخِ المقرئِ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵀ في مسجد تُرْكي (٣). طلبُهُ للعلم: وبعد أن حَفِظَ القرآنَ بدأ مسيرتَهُ في طلَبِ العلم؛ حيثُ اهتَمَّ به والدُهُ، وأحضَرَهُ إلى مجالسِ العلماء؛ ليتعلَّمَ ويستفيدَ منهم، وكان أوَّلُ ذلك عندما بلَغَ التاسعةَ من عُمُره؛ حيثُ كان يجلسُ مع طلبةِ العلمِ الذين يدرُسُونَ عند والدِهِ فضيلةِ الشيخ صالح بن عبد الله الشاوي ﵀؛ في كُتُبِ شيخِ الإسلام ابن تيميَّة، وكتبِ ابن القيِّم، وكتبِ التفسير، وكتبِ السِّيرةِ النبويَّة؛ ولهذا يُعتبَرُ والدُهُ هو شيخَهُ الأوَّلَ الذي تعلَّم عليه بعضَ العلوم الشرعية. _________ (١) هذه ترجمةٌ مختصَرةٌ كتَبْتُها عن الوالدِ حفظه الله، وهناك ترجمةٌ موسَّعةٌ جمَعْتُها مِنْ ذِكْرياتِهِ، ومِن الوثائقِ والمراسَلاتِ الموجودةِ لدَيْنا، ولعلَّ اللهَ أن ييسِّرَ لي طبعَها. (صالح). (٢) حيثُ عيَّنه المَلِكُ عبد العزيز ﵀ قاضيًا في القَصِيمِ، فامتنَعَ واستشفَعَ بالمشايخ، فسمَحَ له، ثم لمَّا تولَّى الملك سعود ﵀، عيَّنه قاضيًا في الجنوب، فأرسَلَ للمَلِكِ برقيَّةً قال فيها: (إنه بلَغَ سنَّ التقاعُد، وإنَّ ظروفَهُ الصحِّيَّةَ لا تَسمَحُ له)، فأُعفِيَ؛ ﵀ رحمةً واسعة، وأسكَنَهُ فسيحَ جناته. (٣) هكذا يُسمَّى؛ نسبةً إلى مؤسِّسهِ تُرْكي بن منصور التركي ﵀. ينظر: مساجد البُكَيْريَّة، لعبد العزيز الفريح (ص ٦١).

стр. 2

ولما بلَغَ الحاديةَ عَشْرةَ مِنْ عُمُرِه، رَغِبَ إليه والدُهُ أن ينضمَّ إلى الحَلْقةِ في المسجد الجامع الكبير في البُكَيْريَّة؛ ليدرُسَ على الشيخ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّلِ إمامِ الحرَمِ المكي، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله السُّبَيِّل (١)، والشيخِ العلَّامة محمَّد بن مُقبِلِ المُقبِل، وغيرهم مِنْ علماء ذلك الزمان ﵏. وفي السنةِ الثالثةَ عَشْرةَ مِنْ عُمُرِهِ، سافر إلى الرياض، وانضمَّ مع طلبةِ العلمِ في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وأخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وغيرِهم من العلماء آنَذَاك ﵏. ولما قَدِمَ عبد الله ابنُ العمِّ الشيخِ محمَّد بن عثمان الشاوي ﵀ مِنْ الطائف، أقنَعَهُ بالالتحاقِ بدارِ التوحيدِ في الطائف؛ فالتحَقَ ودرَسَ بها، وبعد أن أخَذَ شهادةَ المتوسِّطةِ مِنْ دار التوحيد، عاد إلى الرياض، وأكمَلَ الثانويةَ في المعهدِ العلميِّ بالرياض. وفي عام (١٣٧٢ هـ) التحَقَ بكلية الشريعة، والتي كانت تسمَّى آنَذَاكَ: «دارَ العُلُومِ الشرعيَّة»، واستمرَّ فيها حتى تخرُّجه عام (١٣٧٦ هـ)، وكان مِنْ ضمن أوَّلِ دُفْعةٍ تخرَّجت في الكلية، وكان مِنْ مشايخِهِ وأساتذتِهِ الذين درَسَ عليهم في الكلية: الشيخُ محمَّد الأمين الشِّنْقِيطي، مؤلِّفُ تفسيرِ (أضواء البيان)، والشيخُ عبد العزيز بن باز، والشيخُ عبد الرزاق عفيفي، وغيرهم من أهل العلم آنذاك ﵏. أعمالُه: وبعد تخرُّجه في كلية الشريعة عام ١٣٧٦ هـ، تمَّ تعيينُهُ قاضيًا في المنطقة الشرقية في بَلْدةِ النُّعَيْريَّةِ بتاريخ: (١٥/ ٢/ ١٣٧٧ هـ)، وقام بتأسيسِ المحكمةِ الشرعيَّةِ فيها، وعُيِّنَ رئيسًا لها، واستمَرَّ عمَلُهُ في مَجَالِ القضاء حتى تاريخ: (١٦/ ٨/ ١٣٧٩ هـ). وفي أثناء وجوده في النُّعَيْريَّةِ قاضيًا تولَّى إمامةَ جامع النُّعَيرِيَّة، وتولَّى الخَطَابةَ يوم الجمعةِ، وفي الأعياد والمناسَبات. ومن المهامِّ التي تولَّاها أثناءَ عمله قاضيًا في النُّعَيْريَّة: تأسيسُ هيئاتِ الأمرِ بالمعروف، والنهيِ عن المنكَرِ فيها، ثم عُيِّنَ رئيسًا لها، وتولَّى أعمال الحِسْبةِ فيها لفترةٍ وجيزة، حتى تمَّ تعيينُ رئيسٍ مستقِلٍّ لها. _________ (١) وهو شقيقُ الشيخِ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّل إمامِ الحرَم المكي ﵀.

стр. 3

وبعد عامَيْنِ تقريبًا من عملِهِ في مجالِ القضاءِ: طلَبَ منه سماحة الشيخ محمدُ بنُ إبراهيم ﵀ الانتقالَ إلى الرياض؛ لتأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْل، والقيامِ بعملِ اللازمِ لها؛ حيثُ لم يكن هناك كتابةُ عَدْلٍ رسميَّةٌ بهذا الاسمِ قبل ذلك في منطقةِ الرياضِ والقَصِيم. وبعد الانتهاءِ مِنْ عمليَّةِ تأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْلِ: عُيِّنَ رئيسًا لها؛ فكان أوَّلَ رئيسٍ لكتابةِ العَدْلِ بالرياض، وقد رتَّب فضيلتُهُ ما يَلزَمُ لها مِنْ الأنظِمةِ والقوانينِ والموظَّفينَ، وباشَرَ العمَلَ فيها بتاريخ: (١٨/ ٨/ ١٣٧٩ هـ). وخلالَ فَتْرةِ عملِهِ رئيسًا لكتابة العَدْلِ: كُلِّفَ بالعمَلِ عضوًا قضائيًّا احتياطيًّا بهيئةِ المنازَعاتِ التجاريَّةِ في الفترةِ المسائيَّةِ في حالةِ تغيُّبِ أحدِ أعضاء الهيئة، وذلك بتاريخ: (٢٨/ ٥/ ١٣٨٩ هـ)، ثم صار بعد ذلك عضوًا رسميًّا، بعد أن طلَبَ أحدُ الأعضاءِ مِنْ الشيخِ محمَّد بن جُبَير ﵀ إعفاءَهُ مِنْ الهيئة، للتفرُّغِ إلى عملِهِ الرسمي. ومِن الأعمالِ التي تولَّاها: قيامُهُ بعقودِ الأَنكِحةِ بين الناس؛ حيثُ عَمِل مأذونًا للأنكحة، وقد تم تعيينُهُ في هذا العمل بتاريخ: (٥/ ٤/ ١٣٩٢ هـ)، بجانبِ عملِهِ في كتابةِ العَدْلِ بالرياض. ومِن الأعمالِ التي تولَّاها أيضًا: تعيينُهُ عضوًا مؤسِّسًا في مؤسَّسةِ الجزيرةِ للصِّحَافةِ والطِّبَاعةِ والنَّشْر، ثم انتُخِبَ أيضًا مِنْ قِبَلِ زملائِهِ وعُيِّنَ عضوًا إداريًّا بتاريخ: (١/ ٨/ ١٣٩٨ هـ). كلُّ ذلك بجانبِ عمَلِهِ في كتابة العَدْل. ومِن الأعمالِ أيضًا: تعيينُهُ مستشارًا لمعالي وزيرِ العَدْلِ آنذاكَ الشيخ إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، بتاريخ: (١٥/ ٣/ ١٣٩٨ هـ)، وبعد فترةٍ وجيزةٍ مِنْ عمَلِهِ مستشارًا طلَبَ الإعفاءَ والتقاعُدَ المبكِّر، فتحقَّق له ما يريد؛ وذلك بتاريخ: (٩/ ٢/ ١٣٩٩ هـ)؛ لأنه كان يريدُ إراحةَ نفسِهِ مِنْ الأعمالِ الرسميَّة، والتفرُّغَ لكتابةِ البحوث، والعبادةِ، وغير ذلك. بعد التقاعُد: وبعد التقاعُدِ قرَّر الانتقالَ إلى مكَّةَ المكرَّمةَ حرَسَها الله، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، وكان يصلِّي فيه الصلواتِ الخمسَ، ويحضُرُ الدروسَ والمحاضَرات، وقد ساعَدَهُ ذلك على استعادةِ حِفْظِهِ لكتاب الله. ولقد رأيتُ مِنْ الوالدِ حفظه الله أثناءَ إقامتِهِ في مكَّةَ عنايةً بكتاب الله؛ تلاوةً وحفظًا، وفهمًا وتدبُّرًا؛ حتى إنه ترَكَ لأبنائِهِ جميعَ أعمالِهِ وتجاراتِه، منذ رُبُعِ قَرْنٍ تقريبًا، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، حتى لا يَشغَلَهُ شيءٌ عن القرآنِ ومدارَسَتِه، وكان ولا يزال: يَختِمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ مَرَّةً؛ لا

стр. 4

يَثْنِيهِ عن ذلك إلا الضرورةُ القاهرة؛ هذا بخلافِ عباداتِهِ الأخرى مِنْ الصلاةِ والقيامِ والطواف، وحضورِ دروسِ الحرَمِ المكي. مؤلَّفاتُه: لم يَشغَلِ الوالدُ نَفْسَهُ كثيرًا بالتأليف؛ لأنه كان مشغولًا في أوَّلِ حياتِهِ بالوظائفِ الحكوميَّةِ والخَطَابةِ وغيرِها مِنْ الأعمال، وبعد التقاعُدِ شُغِلَ كثيرًا بمجالِ الأعمالِ الحُرَّةِ والتجارةِ، مع الاهتمامِ بالعبادةِ، وغيرِها، ومع ذلك: لم يَغْفُلْ عن تدوينِ بعضِ البحوثِ والكتاباتِ المفيدةِ، والتي جمَعْناها في المؤلَّفات التالية: ١ - النَّفَحَاتُ المَكِّيَّةِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ رَبِّ البَرِيَّةِ. ٢ - دُرُوسٌ وقَبَساتٌ مِنْ الحرَمِ - فوائِدُ ووقَفَاتٌ مُنْتقاةٌ مِنْ دُرُوسِ الحرَمِ المكِّيِّ وغَيْرِهِ. ٣ - نَفَحاتٌ قرآنيَّة - تعليقٌ على بعضِ الآياتِ القرآنيَّة. ٤ - التَّعْلِيقَاتُ النَّدِيَّة عَلَى بَعْضِ الأُصُولِ وَالقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّة. ٥ - نَفَحَاتٌ لَطِيفَةٌ عَلَى بَعْضِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالضَّعِيفَةِ. ٦ - تَرَاجِمُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الشَّاوِيِّ. ٧ - خُطْبةُ المِنْبَر. ٨ - رسالتانِ في القَدَرِ والرِّبا، ومقالاتٌ متنوِّعة. ٩ - القَضَاءُ وَالقَدَرُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. ١٠ - الرَّدُّ الوَارِف عَلَى مَنْ أَبَاحَ رِبَا المَصَارِف. ١١ - قُطُوفٌ دَانِيَةٌ - مَقَالَاتٌ وَمَوْضُوعَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ. ١٢ - حِكَمٌ مُخْتَارَاتٌ مِنْ عُيُونِ الشِّعْرِ وَالأَدَبِ. أَيَّامٌ مِنْ حَيَاةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الشَّاوِيِّ - جَمَعَهُ وَرَتَّبَهُ ابْنُهُ صَالِحُ الشَّاوِي. هذا؛ ونَسْألُ اللهَ أن يَجعَلَ هذه الأعمالَ خالصةً لوجهِهِ الكريم، وأن يَحفَظَ الوالد، ويُديمَ عليه الصِّحَّةَ والعافية.

стр. 5

المقدمة الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، وقائد الغر المحجَّلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين. أما بعد: فلا شك أن الحديث النبوي الشريف له مكانةٌ عظمى في الشريعة الإسلامية، فهو المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، وقد بين الكتاب العزيز أهمية الحديث الشريف وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال ابن جرير ﵀ (١): (ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله ﷺ من أحكام دين الله، ولم ينزل به قرآن، وذلك السنة، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل). وقال ابن كثير ﵀ (٢): (أي: اعملنَ بما ينزل الله على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد). وهذا تشريف عظيم للسنة؛ حيث قرنها الله تعالى بالقرآن، وأمر بالعناية بها، وسماها بأشرف الأسماء وهي الحكمة. والسنة: هي ما جاء عن النبي ﷺ من: أقوال، أو أفعال، أو تقريرات، وكل ذلك داخل في نطاق الحديث النبوي. والسنة من أهم المصادر في فهم القرآن الكريم، فكم من آيات الكتاب

стр. 6

العزيز لولا السنة النبوية لحار الناس في فهمها، ولاختلفت أقوالهم في ذلك اختلافًا كثيرًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. فلا يمكن لأحد أن يعرف معاني القرآن على وجه الكمال، ولا أن يدرك شرائع الإسلام على التمام إلا بمعرفة السنة النبوية؛ على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. فالسنة تقرر وتؤكد ما جاء في القرآن الكريم، وتفسر ما جاء في القرآن الكريم، وتفصل ما أجمل في القرآن الكريم، وتخصص ما ورد عامَّا في القرآن الكريم، وتقيد ما ورد مطلقا في القرآن الكريم. كما أنها مصدر مستقل للتشريع، فتأتي بأحكام وتشريعات لم ترد في القرآن الكريم، ولذلك يقول النبي ﷺ : «ألا وإنِّي أُوتيت الكتابَ ومثلهُ معهُ» (١). وتُعد السنة النبوية هي الركيزة الأساسية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه واتجاهاته، كما قال الناظم: وكلُّهم من رسولِ اللهِ ملتمسٌ … غَرفًا من البحرِ أو رشْفًا من الدِّيَمِ وواقفون لديه عند حدِّهمُ … من نُقطةِ العِلمِ أو من شَكْلَةِ الحِكَمِ فلا يمكن لأحد أن يُحكم العبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية، أو يعرف الحدود والكفارات وأحكام الجهاد والسياسة الشرعية، إلا بمعرفة حديث النبي ﷺ والتفقه فيه.

стр. 7

وأبسط مثال على ذلك: فإنه لولا السنة النبوية فمن أين لنا أن نعرف أن الفجر ركعتان، وأن الظهر والعصر والعشاء أربع، وأن المغرب ثلاث؟!. ومن أين لنا أن نعرف نواقض الوضوء، ومبطلات الصلاة، ومقادير الزكاة، وأحكام الحج المتنوعة التي لم ترد في القرآن؟!. ومن أين لنا أن نعرف كيفية قطع يد السارق، وشروط القطع، ومتى يدرأ عنه الحد، وكذلك الشأن في بقية الحدود؟!. ومن أين لنا أن نعرف ما يحل وما يحرم من المعاملات التجارية على وجه التفصيل؟!. كذلك فإن الحديث النبوي له أهمية كبرى في معرفة العقيدة الإسلامية الصحيحة وفهمها، وذلك لما تضمنه من ذكر أركان الإسلام والإيمان والقضاء والقدر، ونواقض الإسلام، والإخبار عن أمور الغيب، وأشراط الساعة وغير ذلك. ولولا السنة النبوية لما فهم الناس العقيدة على الوجه الصحيح، فإن القرآن الكريم حمال أوجه، والسنة النبوية هي التي تضبط ذلك وتبين المراد من كلام الله تعالى. فمثلًا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، جاءت السنة لتبين أن: «كلتا يديه يمين» (١) تعالى وتقدس. قال الخطابي ﵀ (٢): (ليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليد

стр. 8

شمال؛ لأن الشمال محلُّ النقص والضعف، وليس معنى اليد عندنا الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت، وننتهي إلى حيث انتهى بها الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة). فالسنة هنا بينت أن يديه سبحانه ليس فيهما شمال، وإنما كلتا يديه يمين، وهذا يخرجها عن توهم الجارحة المعروفة لدى البشر، فهذا جزء من عقيدة المسلم، لولا السنة النبوية لتوهم المتوهمون ما لا يليق بالله . كذلك فإن للحديث النبوي دورًا كبيرًا في نشأة علم السيرة النبوية، والآداب والأخلاق، والشمائل، حتى علم أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم الإسلامية. ومن هنا كان لدراسة الحديث النبوي وفهم معانيه أهمية كبيرة في معرفة دين الإسلام عقيدة وشريعة، ومعرفة هدي النبي ﷺ ، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه والسير على منهاجه صلوات ربي وسلامه عليه. ولهذا كله كان لي اهتمام بحديث النبي ﷺ وبخاصة الأحاديث الجامعة التي فيها دلائل متعددة على عظمة الإسلام وسمو تشريعاته، وعلى عظمة النبي ﷺ وكمال صفاته. فكنت كلما مررت بحديث من هذه الأحاديث قيدته، مع ما أسمعه من شرح عليه من علماء الحرم المكي وغيرهم، أو ما أقرأه من كتب شروح الأحاديث، فاجتمع عندي شيء لا بأس به من الأحاديث، مع شرح بسيط لها. ثم طلب مني الابن صالح طباعة هذه الأحاديث مع شرحها، فاعتذرت عن ذلك، لعدم ترتيبها ولاختلاط صحيحها بسقيمها، فلما أصر على ذلك وافقت على أن يُعتنى بهذه الأحاديث ويعاد ترتيبها ويكمل شرحها ويقتصر على

стр. 9

الصحيح منها، مع تخريج كل ما يرد في الكتاب من الأحاديث، فاجتمع لنا هذه المجموعة المباركة من أحاديث النبي ﷺ ، وهي سبعون حديثًا نبويًّا صحيحًا. وطريقتنا في هذا الكتاب أن نبدأ بذكر الحديث النبوي مشكَّلًا، ثم نذكر معاني الكلمات التي تحتاج إلى شرح، ثم نعلق على الحديث ونذكر معناه وما فيه من أحكام وقضايا، وأهم ما ذكره العلماء في شرحه، ثم نختم بذكر الفوائد المستخرجة من هذا الحديث على هيئة نقاط قصيرة. أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يكتب لنا به عظيم الأجر، وأن يجزي قارئه، وطابعه، وكل من شارك في نشره خير الجزاء، إنه خير مسؤول، والحمد لله أولًا وآخرًا. قاله وكتبه محمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عبد الله الشَّاوِي الثلاثاء: ٢٣/ ٠١/ ١٤٤٢ هـ - الموافق: ٣١/ ٠٨/ ٢٠٢١ م

стр. 10

الحديث الأول: أعذر الله إلى من بلغ الستين أو السبعين عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ» (١). وفي رواية للبخاري: قال: «أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» (٢). معاني الكلمات (٣): الكلمة … معناها أعذر … قال العلماء: معناه: لم يترك له عذرًا ولا حجة؛ إِذْ أمْهَلَهُ هذه المدَّة، يقال: أعْذَرَ الرجُلُ: إذا بلغ الغاية في العُذْرِ. قال السندي: أي: أتى بالعذر إليه وأظهره، ومنه قولهم: أعذر من أنذر، أي: أتى بالعذر وأظهره، وهذا مجاز، فإن العذر لا يتوجه على الله، وإنما يتوجه له على العبيد. والمقصود: أن الله لم يترك له شيئًا في الاعتذار يتمسك به، كذا قيل. أخَّر أجلَه … يعني: أطاله.

стр. 11

التعليق: معنى الحديث: أن من بلغ الستين لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مُدَّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به. يقال: أعذر إليه: إذا بلَّغه أقصى الغاية في العذر، ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له، فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية. ونسبة الإعذار إلى الله مَجَازِيَةٌ، والمعنى: أن الله لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به، والحاصل: أنه لا يعاقب إلا بعد حُجَّةٍ (١). وبالجملة: فالمقصود: أن من بلغ ستين إذا لم يتب، ومات على المعصية، فلو عذبه الله تعالى لكان تطويله العمر وتقريبه إلى الموت مع إصرار ذلك الرجل على المعصية يصير بمنزلة العذر لله في عذابه، فصار كأنه أتى الله إليه بالعذر إن عذبه لإصراره على المعصية، فلم يبق للعبد عذرٌ؛ بل العذر قد قام لله تعالى، والله تعالى أعلم. وقيل: الهمزة في: «أعذر»، للسلب، أي: أزال عذرَه (٢)، فإذا لم يتب إلى هذا العمر، لم يكن له عذر، فإن الشاب يقول: أتوب إذا شخت، والشيخ ماذا يقول؟! وقيل: أقام الله عذره في تطويل عمره وتمكينه من الطاعة مدة مديدة (٣)، كأن المراد: أنه ألقى إليه عذره بتطويل العمر ليعتذر به، بحيث لا يبقي له إلا الاستغفار والطاعة، والإقبال إلى الآخرة بالكلية.

стр. 12

وقيل (١): أي: أعذر إليه غاية الإعذار، الذي لا إعذار بعده، لأن الستين قريبٌ من معترك المنايا (٢)، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله تعالى وترقبِ المنية ولقاء الله تعالى، فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم؛ لطفًا من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، وأعذر إليهم مرة بعد أخرى، ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج اللائحة المُبكِّتة لهم، وإن كانوا قد فطرهم الله تعالى على حب الدنيا وطول الأمل، فلم يتركهم مهملين دون إعذار لهم وتنبيه، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثه الرسل إليهم. مراحل عمر الإنسان: قال ابن الجوزي ﵀ (٣): (أعذر: أي: أقام العذر في تطويل التعمير. واعلم أن الأسنان أربعة: سن الصِّبا، وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة: - فسن الصِّبا: هو الذي يكون فيه البدن دائم النشوء والنمو، وهو إلى خمس عشرة سنة. - وسن الشباب: هو الذي يتكامل فيه النمو ويبتدئ عقِيبه بالانحطاط، ومنتهاه في غالب الأحوال خمسٌ وثلاثون سنة، وقد يبلغ أربعين. وبعضهم يسمي ما بين الثلاثين إلى الأربعين: سن الوقوف، كأن القوة وقفت فيه، ثم من الأربعين يأخذ في النقص، قال الشاعر: كأن الفتى يرقى من العمر سُلَّما … إلى أن يجوزَ الأربعينَ وينحطُّ

стр. 13

- وسن الكهول: الذي قد تبين فيه الانحطاط والنقصان مع بقاء من القوة، ومنتهاه في أكثر الأحوال ستون سنة، فمن بلغ الستين فقد انتهى وأثَّر فيه ضعف القوة وجاءته نذر الموت، ودخل في سن المشايخ، وفي ذلك الزمان يزيد انحطاط القوة، ويقوى ظهور الضعف إلى آخر العمر … ، سمعت سفيان الثوري يقول: من بلغ سنَّ النبي ﷺ فلْيرتَدْ لنفسه كفنًا). وجاءكم النذير: وطول العمر من النذر التي يرسلها الله تعالى إلى عباده ليتأهبوا للقائه وينتهوا عن معصيته، وقد بكَّت الله تعالى أهل النار ووبخهم وذكَّرهم بإمهاله لهم، وتأخيرِهِ قَبْضَ أرواحِهِم، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، ومعنى الآية: أولم نعمِّركم حتى شبتم، وهذا قول ابن عباس ﵄، فالشيب: هو النذير في قول ابن عباس ﵄. والأكثر أن: ﴿النَّذِيرُ﴾: هو رسول الله ﷺ ، وهو قول علي ﵁ وابن زيد ﵁، وجماعة. وحجة هذا: أن الله تعالى بعث الرسل ﵈ مبشرين ومنذرين إلى عباده قطعًا لحجتهم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفيه قولٌ ثالث: أنه الموت إذا رآه ينزل بغيره، ففي فقد الآباء والأبناء والأحباب نذير بقرب الموت، وداع إلى قصر الأمل والتوثق بالعمل (١). وقولٌ رابع: أن النذير هو الحُمَّى، ذكره الماوردي كما قال ابن الجوزي (٢). وروي عن علي ﵁ وابن عباس ﵄ وأبي هريرة ﵁ في الآية

стр. 14

السالفة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]، قال: يعني: ستين سنة، وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أربعون، وعن الحسن البصري ومسروق مثله، وحديث أبي هريرة ﵁ في الباب حجة لقول علي ﵁ ومن وافقه في تأويل الآية. وقول من قال: أربعون سنة له وجه صحيح أيضًا، والحجة له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ فذكر الله تعالى: أن من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه، وعلى والديه، ويشكرها. قال مالك ﵀: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس، واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم الموت. فبلوغ الأربعين نَقْلٌ لابن آدم من حالة إلى حالة أرفع منها في الاستعبار، والإعذار إليه. وقد أسلفنا قولًا: أن النذير: الشيب، وله وجه، وذلك أنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصِّبا الذي هو سن اللهو واللعب، وهو نذير أيضًا، ألا ترى قول إبراهيم ﵇ حين رأى الشيب: يا رب ما هذا، فقال له: وقار، قال: رب زدني وقارًا؟ فبان رفقُ الله تعالى بعباده المؤمنين، وعظيم لطفه بهم، حتى أعذر عليهم ثلاث مرات، الأولى بنبيه، ثم بالأربعين، ثم بالستين؛ لتتم حجته عليهم، وهذا أجلٌّ لإعذار الحكام إلى المحكوم عليهم مرة بعد أخرى (١).

стр. 15

ومن فقه الإمام البخاري: لما كان بلوغ الستين غاية الإعذار إلى ابن آدم، خشي الإمام البخاري أن يظن من لا يتسع فهمُه أن من بلغ الستين وهو غير تائب أن ينفذ عليه الوعيد، فييأس من التوبة والمغفرة، فذكر بعد ذلك قوله ﵊: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله، إلا حرم الله عليه النار» (١)؛ وسواء أتى بها بعد الستين، أو بعد المائة لو عُمِّرها. وقد ثبت بالكتاب والسنة: أن التوبة مقبولة مالم يغرغر ابن آدم، ويعاين قبض روحه (٢). من فوائد الحديث: أولًا: محبة الله تعالى للعذر، ولذلك يرسل لعباده النذر والعلامات ليتوبوا وينيبوا. ثانيًا: المسارعة إلى التوبة واستدراك ما فات بالعمل الصالح قبل الممات. ثالثًا: قصر الأمل والاعتبار بمرور الليالي والأيام. رابعًا: في الحديث إشارة إلى أن من بلغ ستين سنة ينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية، لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة (٣).

стр. 16

الحديث الثاني: إن أحدكم يجمع في بطن أمه عن عبد الله بن مسعود ﵄، قال: حدَّثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصَّادق المصدوق: «إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، أَوْ قَالَ: يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَعَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ. قال: وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلٍ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها الصادق المصدوق … الصادق في قوله، المصدوق فيما يأتي من الوحي الكريم. يُجْمَعُ … يُضَمّ وتُحْفَظُ مَادةُ خَلْقه، وهو الماء الذي علق منه. النطفة … الماء القليل، ومنه النطفة للمني لقلته، وهي قطرة المني. العلقة … هي قطعة الدم الغليظ. المضغة … هي قطعة لحم بقدر ما يمضغه الإنسان.

стр. 17

التعليق: هذا حديث عظيم، يتعلق بمبتدأ الخلق ونهايته، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد، جليلٌ حفيل (١). والمراد: أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثًا متفرقًا، فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم (٢). قال ابن رجب ﵀ (٣): (فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يومًا، في ثلاثة أطوار، في كل أربعين يومًا منها يكون في طور، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة مضغة، ثم بعد المائة وعشرين يومًا ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع الكلمات. وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥]. وذكر هذه الأطوار الثلاثة: النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة من القرآن، وفي مواضع أخر ذكر زيادة عليها، فقال في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].

стр. 18

فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه، وكان ابن عباس ﵄ يقول: خلق ابن آدم من سبع، ثم يتلو هذه الآية). قال ابن عثيمين ﵀ (١): («ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ»: والمرسِل هو الله رب العالمين ، فيرسل المَلك إلى هذا الجنين، وهو واحد الملائكة، والمراد به الجنس لا ملك معين. «فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ»: الروح ما به يحيا الجسم، وكيفية النفخ الله أعلم بها، ولكنه ينفخ في هذا الجنين الروح ويتقبلها الجسم. والروح سئل النبي ﷺ عنها فأمره الله أن يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الاسراء: ٨٥]؛ فالروح من أمر الله، أي: من شأنه، فهو الذي يخلقها . «وَيُؤْمَرُ»: أي: الملك، «بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ»: والآمر هو الله ، «بِكْتبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ». «رِزْقه»: الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين. فالرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك. والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث. «وَأَجَله»: أي: مدة بقائه في هذه الدنيا، واختيار طول الأجل أو قصر الأجل

стр. 19

ليس إلى البشر، وليس لصحة البدن وقوام البدن، إذ قد يحصل الموت بحادث والإنسان أقوى ما يكون وأعز ما يكون، لكن الآجال تقديرها إلى الله . «وَعَمَله»: أي: ما يكتسبه من الأعمال القولية والفعلية والقلبية، فمكتوب على الإنسان العمل. «وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ»: هذه النهاية، والسعيد: هو الذي تم له الفرح والسرور، والشقي: بالعكس، فالنهاية إما شقاء وإما سعادة). قال الداعية العالم محمد سعيد الحلبي: (قوله ﷺ : «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا»، يوضحه ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١). فقوله: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ»، تدل على أنه يعمل الخير وهو في شك، وإنما كان عمله مجاراة للناس حسب العادة التي يعملها الجماهير المسلمة. ثم قال: إن الله -جل وعلا- أعظم وأكرم وأحكم من أن يخذل المخلص المسلم في آخر حياته فيجعله يعمل بعمل أهل النار). وقد أعجبني تحليله، فجزاه الله أحسن الجزاء. وقال ابن رجب ﵀ (٢): (وقوله: «فيما يبدو للناس»؛ إشارة إلى أن باطن

стр. 20

الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس؛ إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك؛ فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت. وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره؛ فتوجب له حسن الخاتمة). وذكر مثل ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح الأربعين (١)، ثم قال: (أقول هذا لئلاّ يُظنٌّ بالله ظنَّ السوء: فوالله ما من أحد يقبل على الله بصدقٍ وإخلاص، ويعمل بعمل أهل الجنة إلا لم يخذله الله أبدًا، فالله أكرم من عبدِه، لكن لا بد من بلاءٍ في القلب (٢). واذكروا قصة الرجل الذي كان مع النبي ﷺ في غزوة من غزواته ﵊، وكان هذا الرجل لا يدع شاذَّة ولا فاذَّةً للعدو إلا قضى عليها، فتعجب الناس منه وقالوا: هذا البطل الذي كسب المعركة، فقال النبي ﷺ : «هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فعظم ذلك على الصحابة ﵃ كيف يكون هذا الرجل من أهل النار؟ فقال رجل: لألزمنَّه، أي: أتابعه، فتابعه، فأصيب هذا الرجل الشجاع المقدام بسهم من العدو فجزع، فلما جزع سلَّ سيفه والعياذ بالله ثم وضع ذبابة سيفه على صدره ومقبضه على الأرض، ثم اتّكأ عليه حتى خرج من ظهره، فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره، وقال: أشهد أنك رسولُ الله،

стр. 21

قال: بِمَ، قال: إن الرجل الذي قلت فيه: إنه من أهل النار، حصل منه كذا وكذا، فقال النبي ﷺ بعد ذلك: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيْمَا يَبْدُو للِنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» (١). واذكروا قصة الأصيرم ﵁ من بني عبد الأشهل من الأنصار، كان منابذًا للدعوة الإسلامية عدوًّا لها، ولما خرج الناس إلى غزوة أحد ألقى الله تعالى في قلبه الإيمان، فآمن وخرج في الجهاد وقتل شهيدًا، فجاء الناس بعد المعركة يتفقدون قتلاهم وإذا الرجل، فقالوا: ما الذي جاء بك يا فلان، أجئتَ حدَبًا على قومك، أم رغبةً في الإسلام، قال: بل رغبة في الإسلام، ثم طلب منهم أن يقرؤوا على النبي ﷺ السلام، فصار هذا ختامُه أن قتل شهيدًا مع أنه كان منابذًا للدعوة). من فوائد الحديث: أولًا: في هذا الحديث: إثبات القدر، وأن جميع ما في الكون من نفع أو ضر بقضاء وقدر (٢). قال ابن الجوزي ﵀ (٣): (والحديث يدل على أن الأمور مقدرة، وقوله: «فيسبق عليه الكتاب»: يعني: ما قضي له). وقال ابن دقيق العيد ﵀ (٤): (وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة، وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها

стр. 22

نفعها وضرها، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء. قال الإمام السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب: التوفيق من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوفيق منه ضلَّ وتاه في مجال الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب، لأن القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى، ضُربت دونه الأستار، واختصَّ سبحانه به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، وقد حجب الله تعالى علم القدر عن العالم، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وقيل: إن سرَّ القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل ذلك. وقد ثبتت الأحاديثُ بالنهي عن ترك العمل اتكالًا على ما سبق من القدر؛ بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع، وكل ميسر لما خلق له، لا يقدر على غيره، فمن كان من أهل السعادة يسَّره الله لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسَّره الله لعمل أهل الشقاوة كما في الحديث، وقال الله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ .. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. قال العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحُه وقلمُه كل ذلك مما يجب الإيمان به، وأما كيفية ذلك وصفته فعلمُه إلى الله تعالى، لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. والله أعلم). ثانيًا: مما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر (١). قال القاضي عياض ﵀ (٢): (اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم يختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر

стр. 23

ودخوله في الخامس، وهذا قد جُرب بالمشاهدة، وعليه يعوَّل فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف). حكم الإجهاض: ومن هذه الجملة في هذا الحديث تكلم العلماء على حكم الإجهاض أو التخلص من النطفة أو العلقة أو المضغة. فالجنين بعد نفخ الروح فيه لا يجوز إجهاضه بلا خلاف، أما قبل ذلك ففيه خلاف، فجمهور أهل العلم على تحريمه، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من قال بالجواز لعذر، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا، ولعل القول بالجواز في الأربعين الأولى إذا كان هناك عذر ومصلحة هو الراجح. ومن قرارات هيئة كبار العلماء في هذا الشأن (١): ١ - لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقةٍ جدًّا. ٢ - إذا كان الحمل في الطور الأول، وهي مدة الأربعين يومًا، وكان في إسقاطه مصلحة شرعية، أو دفع ضرر جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقّة في تربية الأولاد، أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو من أجل مستقبلهم، أو اكتفاء بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز. ٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة (وهي الأربعون يومًا الثانية والثالثة) حتى تُقرِّر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمِّه،

стр. 24

بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره، جاز إسقاطُه بعد استنفاذ كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار. ٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين من أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاذ كافة الوسائل لإبقاء حياته، وإنما رخص في الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضَّررينِ وجلبًا لعظمى المصلحتين). ويرى الشيخ ابن عثيمين ﵀: أنَّه إذا نُفخت فيه الروح، فإنه لا يجوز إسقاطه بأي حالٍ من الأحوال، وإن كان في بقائه هلاك للأم، لأن قتل نفس لإحياء نفس أخرى لا يجوز (١). ثالثًا: في الحديث ذكر المَلَك الذي يبعثه الله إليه بأربع كلمات، والملائكة ﵈ أنواع، لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، وساداتهم الأكابر أربعة: جبريل ﵇ وميكائيل ﵇ وعزرائيل ﵇ وإسرافيل ﵇، ومنهم: الروح ﵇، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٨٣]، ومنهم: الحفظة ﵈، ومنهم: الملائكة الموكلون بالقطر والنبات والرياح والسحاب، ومنهم: ملائكة القبور، ومنهم: سيَّاحون في الأرض يبتغون مجالس الذكر، ومنهم: كروبيون وروحانيون ومقرَّبون، ومنهم: ملائكة تقذف الشياطين بالشهب، ومنهم: حملةُ العرش، ومنهم: موكَّلون بصخرة بيت المقدس، ومنهم: موكَّلون بالمدينة، ومنهم: موكَّلون بتصوير النطف، ومنهم: ملائكة يبلِّغون السلام إلى النبي ﷺ من أمته، ومنهم: من يشهد الحروب مع

стр. 25

المجاهدين، ومنهم: خُزان أبواب السماء، ومنهم: الموكَّلون بالنار، ومنهم: ملائكة يسمَّوْن الزبانية، ومنهم: من يغرسون أشجار الجنة، ومنهم: من يصوغون حُلِيِّ أهل الجنة، ومنهم: خدمُ أهل الجنة (١). رابعًا: يستفاد من ذلك الحديث ترك الالتفات إلى الأعمال والركون إليها والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته (٢). فقلوب الخلق يصرِّفها كيف يشاء، فالموفق من بدأ عمله بالسعادة وختم بها، والمخذول عكسه، وكذا من بدأ بالخير وختم بالشر لا عكسه. وأهل الطريق في كل حالهم يخافون سوء الخاتمة -نجانا الله منها-. وفي الحديث إشارة إلى تعاطي الأسباب للسعادة والشقاوة، وبها يظهر ما جبل عليه من الخير والشر: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ثم لا ينبغي له مع ذلك أن يعجب بها خوف احتباطِها، ومن لطف الله تعالى أن انقلاب الناس من الخير إلى الشر نادرٌ، والكثير عكسه (٣): «إن رحمتي سبقت غضبي» (٤).

стр. 26

الحديث الثالث: لا يزني الزاني عن أبي هريرة ﵁، قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها النُّهبة … بفتح النُّون: المصدر، وبالضمِّ: المال المَنْهوب، أي: لا يأخذ مالَ غيره قَهْرًا وظُلْمًا ممن ينظُره ولا يَقدِر على دَفْعه؛ إذ هو ظُلمٌ عظيمٌ. يرفع الناس إليه فيها أبصارهم … أشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين، فإنهم ينظرون إلى من ينهبهم ولا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون صفةً لازمة للنهب، بخلاف السرقة والاختلاس، فإنه يكون في خفية، والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة.

стр. 27

التعليق: هذا الحديث فيه تأويلان كما ذكر ابن الجوزي ﵀ (١): أحدهما: أنه يُنزع الإيمان منه. قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه. ووجه هذا أن المعصية تذهله عن مراعاة الإيمان، وهو تصديق القلب، فكأنه ينسى من صدق به. والثاني: أنه لا يزني وهو كامل الإيمان. وقال الدكتور سليمان العودة: (معنى هذا الحديث: أنه في حالة هيجان الشهوة يغيب عنه شعوره باطلاع الله ورقابته، وأنه في تلك اللحظة اختفى إيمانه تحت هيجان الشهوة؛ حتى أنه صار لا يمنعه من فعل ذلك المنكر). وقال علماء السنة: من وقع في هذه الكبائر وغيرها مما هي دون الشرك فإنه لا يكون مرتدًّا عن الإسلام، ولا كافرًا خارجًا من الملة؛ فهو ما زال في دائرة الإسلام، ولهذا فإنه لا يعامل معاملة المرتد، ولا معاملة الكافر، وإنما يأخذ الحدَّ الذي لا ينطبق إلا على المسلمين. وعلى هذا: فيكون النفي في الحديث هو نفي كمال الإيمان. قال ابن رجب ﵀ (٢): (المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرًا ما ينفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته، كقوله ﷺ : «لا يزني

стр. 28

الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، وقوله: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (١). وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أم لا يسمى مؤمنا؟ وإنما يقال: هو مسلم، وليس بمؤمن على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد. فأما من ارتكب الصغائر، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك. والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبد الله ﵁، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والقول بأنه مسلم، ليس بمؤمن مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنة، وقال ابن عباس ﵄: الزاني ينزع منه نور الإيمان، وقال أبو هريرة ﵁: ينزع منه الإيمان، فيكون فوقه كالظلة، فإن تاب عاد إليه، وقال عبد الله بن رواحة ﵁ وأبو الدرداء ﵁: الإيمان كالقميص، يلبسه الإنسان تارة، ويخلعه تارة أخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره. والمعنى: أنه إذا كمَّل خصال الإيمان، لبسه، فإذا نقص منها شيءٌ نزعه، وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء). وقال أيضًا (٢): (وأما اسم الإسلام، فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته، أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينفى بالإتيان بما ينافيه بالكليةِ، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته، كما ينفى الإيمان

стр. 29

عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا. واختلف العلماء: هل يسمى مرتكب الكبائر كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا النفاق الأصغر، ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه، إلا أنه روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم، ويحتمل أنه كان يراه كافرًا بذلك، خارجًا من الإسلام. وكذلك روي عن عمر ﵁ فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين، والظاهر أنه كان يعتقد كفرَهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية). من فوائد الحديث: أولًا: ليس كل حديث فيه نفي الإيمان يدلُّ على كفر صاحبه وخروجِه من الملة، لأنه يمكن أن يكون المراد نفي كمال الإيمان، جمعًا بين الأدلة. ثانيًا: هذا الحديث وأمثاله فرقانٌ بين أهل السنة والخوارج الذين يكفرون بالمعصية. ثالثًا: الإيمان الكامل يقتضي محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه الله والعمل بمقتضى ذلك، فلا يرتكب أحد شيئًا من المحرمات أو يخلُّ بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس المقتضي لارتكاب ذلك على محبة الله تعالى المقتضية لخلافه (١). رابعًا: في الحديث دليل على إطلاق اسم الإيمان على الأعمال، وهو متفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من

стр. 30

أن تُشهر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أجمعوا على أن المراد صلاتكم (١). خامسًا: تظاهرت النصوص وتطابقت على كون الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين. والأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشُّبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض؛ بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره. ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه (٢): (قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم ﵃ يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمان جبريل ﵇ وميكائيل ﵇ (٣).

стр. 31

الحديث الرابع: إنه ليغان على قلبي عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِىِّ ﵁ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-، أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى، وَإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١). رواه مسلم. معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها يغان على قلبي … يُغطَّى ويلبَّس على قلبي، وأصله من الغين: وهو الغطاء، وكل حائل بينك وبين شيء فهو غين، ولذلك قيل للغيم: غين، فالغيمُ والغَين وَاحِد. التعليق: تنوعت أقوال العلماء في معنى الغين الذي كان يغشى قلب النبي ﷺ سعيًا منهم إلى تنزيه مقام النبوة عن الغفلة المذمومة. قال أبو حاتم ﵀ (٣): (قوله ﷺ : «إنه ليغان على قلبي»، يريد به: يرِدُ عليه الكربُ من ضيق الصدر، مما كان يتفكر فيه ﷺ بأمر اشتغاله كان بطاعة عن طاعة، أو اهتمامه بما لم يعلمْ من الأحكام قبل نزولها، كأنه كان يعدُّ ﷺ عدم علمه بمكةَ بما في سورة البقرة من الأحكام قبل

стр. 32

إنزال الله إياها بالمدينة ذنبًا، فكان يغان على قلبه لذلك حتى كان يستغفر الله كل يوم مئة مرة، لا أنه كان يغان على قلبه من ذنب يذنبه كأمته ﷺ . وقال النووي ﵀ (١): (قال أهل اللغة: الغين بالغين المعجمة، والغيم بمعنى، والمراد هنا: ما يتغشى القلب. قال القاضي: قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنُه الدوامَ عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدَّ ذلك ذنبًا واستغفر منه. قال: وقيل: هو همُّه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم. وقيل سببه: اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم ومحاربة العدو ومداراته وتأليف المؤلفة ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنبًا بالنسبة إلى عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته ورفيع مقامه؛ من حضوره مع الله تعالى، ومشاهدته ومراقبته، وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك. وقيل: يحتمل أن هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، ويكون استغفاره إظهارًا للعبودية والافتقار وملازمة الخشوع، وشكرًا لما أولاه، وقد قال المحاشي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى. وقيل: يحتمل أن هذا الغين حال خشية وإعظام يغشى القلب، ويكون استغفاره شكرًا كما سبق. وقيل: هو شيء يعتري القلوب الصافية مما تتحدث به النفس فهو منها. والله أعلم).

стр. 33

وقال ابن الجوزي ﵀ (١): (قلت: ويحتمل معنيين: أحدهما أن معرفة الله عند العارف كل لحظة تزيد لما يستفيده من العلم به سبحانه، فهو في صعود دائم، فكأن النبي ﷺ كان كلما ارتقى عن مقام بما يستفيده من العلم بالله حين قال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] يرى ذلك الذي كان فيه نقصًا وغطاء، فيستغفر من الحالة الأولى. ومن هذا المعنى قيل: حسنات الأبرار ذنوب المقربين؛ هذا واقع وقع لي. ثم رأيت ابن عقيل قد ذكر مثل ذلك فقال: كان يترقى من حال إلى حال، فتصير الحالة الأولى بالإضافة إلى الثانية من التقصير كالذنب فيقع الاستغفار لما يبدو له من عظمة الرب، وتتلاشى الحال الأولى بما يتجدد من الحال الثانية. والمعنى الثاني: أن التغطية على قلبه كانت لتقوية الطبع على ما يلاقي، فيصير بمثابة النوم الذي تستريح فيه الأعضاء من تعب اليقظة، وذلك أن الطاعة على الحقائق ومواصلة الوحي تضعف قلبه وتوهن بدنه، وقد أشار إلى هذا في قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، فلولا أنه كان يتعاهد بالغفلة لما عاش بدنه لثقل ما يعرض له. وشاهد هذا ما يلحقه من البرحاء والعرق عند الوحي، وقد كان ﵇ يتعرض لهذه التغطية بأسباب يلطف فيها طبعه كالمزاح ومسابقة عائشة ﵂، وتخير المستحسنات، وكل ذلك ليعادل عنده من قوة اليقظة. فإن قيل: على هذا فكيف يتعرض بشيء ثم يستغفر منه؟ قلنا: لأنه يرى

стр. 34

تلك الحالة بالإضافة إلى الجد تقصيرًا، إلا أن الحاجة تدعو إليها، فتكون بمثابة زمن الأكل والنوم والغائط). وفي حوار أجراه الشيخ الدريعي مع أحد المشايخ، ومما قاله الشيخ في تعليقه على هذا الحديث: (إنه ﷺ ينشغل بأمور الدعوة والتخطيط لعز الإسلام، وأحيانًا تستغرق هذه كثيرًا من وقته فتشغله عن ذكر الله والتلاوة والصلاة فيكون قد انشغل قلبه في أمور فاضلة عن الأمور التي هي أفضل). وهذا الكلام حسن وجيد، وإن كنت لم أقتنع به قناعة تامة؛ لأن الدعوة ولوازمها من المكمِّلات لها هي رسالَتُه ومهمَّتُهُ التي بُعث من أجلها؛ فانشغاله بها هي ذكر لله تعالى، ولكن لعله كان يستغفر لما في الانشغال بهذه الأمور من كثرة ملاقاة الخلق ومنهم الكفار والمنافقون وأهل الجفاء والغلظة، ومداراتهم، فعدَّ ذلك مما يستغفر منه. الأنبياء معصومون: قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١): (وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بعدة أجوبة، منها ما تقدم في تفسير الغين. ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عُصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر، كذا قال، وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضًا. ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير. انتهى.

стр. 35

ومحصل جوابه: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى. ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة، أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة وغير ذلك، مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي وهو الحضور في حظيرة القدس. ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته أو من ذنوب الأمة، فهو كالشفاعة لهم). من فوائد الحديث: أولًا: أهمية القلب، فهو ملك الأعضاء، والمعوَّل عليه في صلاح الإنسان وفساده، كما قال النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). ثانيًا: عدم الاغترار بالطاعة، وإنما ينبغي على المرء أن يشعر دائمًا بالتقصير، فإذا كان النبي ﷺ وهو سيد الخلق وحبيب الحق يغان على قلبه، فكيف بمن دونه، نسأل الله أن يعصمنا من الزلل. ثالثًا: كثرة الاستغفار تجلو القلب وتنيره، وتمحو السيئات. قال ابن القيم ﵀ (٢): (وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يومًا: سئل بعض أهل العلم: أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًّا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي -رحمه الله تعالى-: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟).

стр. 36

يريد أن الاستغفار أصلح لمن كان واقعًا في المعاصي والسيئات. رابعًا: ذكر التوبة مع الاستغفار أفضل، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (ظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه. ويرجِّح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة» (٣). وله من رواية محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، بلفظ: إنْ كنا لنعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس: «رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور مائة مرة» (٤).

стр. 37

الحديث الخامس: أسماء الله تعالى عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها من أحصاها … اختُلف في معنى الإحصاء على أقوال: الأول: بمعنى: الحفظ، يريد أنه يعدها ليستوفيَها حفظًا، أي: من حفظها دخل الجنة. وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لله تسعة وتسعون اسمًا، من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر، يحب الوتر» (٣). والثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى: الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، أي: لن تطيقوا قيام الليل، فمعناه: من أطاق العمل بها. وبيان العمل بها: أن من أسمائه الحكيم، فالعمل بذلك التحكيم لحكمته حتى لا يوجد من العبد اعتراض على أفعاله.

стр. 38

ومنها السميع، فالعمل بذلك الحياء منه، وكف اللسان عن القبيح لأنه يسمع، وعلى هذا سائر الأسماء. وهذا الوجه اختيار ابن عقيل. والثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى: العقل والمعرفة، فيكون معناه: من عرفها وعقل معناها وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة، وهو العقل، قال طرفة: وإن لسان المرء ما لم يكن له … حصاة على عوراته لدليل والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: عقل. والرابع: أن يكون المراد بالحديث: من قرأ القرآن حتى يختمه، فيستوفي هذه الأسماء في القرآن، حكاه أبو سليمان عن أبي عبد الله الزبيري. التعليق: إن أسماء الله تدل على ذاته، وكلها حسنى، وجمهور العلماء على أنه لا حصر لها، أما الحديث الذي سردها فليس في الصحيحين (١). والإحصاء: هو أنَّ من عدها وحفظها وعقلها وآمن بمقتضاها وعمل بها دخل الجنة. قال النووي ﵀ (٢): (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين،

стр. 39

وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: «أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١). وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم، قال ابن العربي: وهذا قليل فيها، والله أعلم. وأما تعيين هذه الأسماء، فقد جاء في الترمذي وغيره، وفي بعض أسمائه خلاف. وقيل: إنها مخفية التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر ونظائرها). قال ابن الجوزي ﵀ بعد ذكر هذه الأوجه السابقة في تفسير الإحصاء (٢): (فلما رأينا في بعض طرق الصحيح أن معنى الإحصاء الحفظ اخترنا ذلك الوجه، وآثرنا ذكر هذه الأسماء لتحفظ. وقد اختلفت ألفاظ الرواة في عدِّها، وهذا سياق ما ذكره محمد بن إسحاق بن خزيمة، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة: الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي،

стр. 40

المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالى، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. وقد روي عن عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا» فذكرها، وعد منها: الرب، المنان، الكافي، البادئ، الدائم، المولى، النصير، الجميل، الصادق، المحيط، المبين، القريب، الفاطر، العلام، المليك، الأكرم، المدبر، الوتر، ذو المعارج، ذو الطول، ذو الفضل. غير أن عبد العزيز هذا ليس بالقوي في النقل). شرح معاني بعض الأسماء الحسنى (١): وللفائدة فإني أنقل هنا شرح مختصر لبعض أسماء الله الحسنى، فأقول: * فأما الله: فروي عن الخليل روايتان: إحداهما: أنه ليس بمشتق، والثانية: أنه مشتق. وقال بعض من رآه مشتقًّا: إنه من الوَلَهِ؛ لأن القلوب تولَه نحوه. وقال قوم: ألِه يألَه بمعنى: عبد يعبد. قال ابن هبيرة ﵀ (٢): (وهذا اسم علم لم يتسَمَّ به غيرُه ﷻ .
следующие страницы →