← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يريد أن الاستغفار أصلح لمن كان واقعًا في المعاصي والسيئات. رابعًا: ذكر التوبة مع الاستغفار أفضل، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (ظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه. ويرجِّح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة» (٣). وله من رواية محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، بلفظ: إنْ كنا لنعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس: «رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور مائة مرة» (٤).

стр. 37

الحديث الخامس: أسماء الله تعالى عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها من أحصاها … اختُلف في معنى الإحصاء على أقوال: الأول: بمعنى: الحفظ، يريد أنه يعدها ليستوفيَها حفظًا، أي: من حفظها دخل الجنة. وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لله تسعة وتسعون اسمًا، من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر، يحب الوتر» (٣). والثاني: أن يكون الإحصاء بمعنى: الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، أي: لن تطيقوا قيام الليل، فمعناه: من أطاق العمل بها. وبيان العمل بها: أن من أسمائه الحكيم، فالعمل بذلك التحكيم لحكمته حتى لا يوجد من العبد اعتراض على أفعاله.

стр. 38

ومنها السميع، فالعمل بذلك الحياء منه، وكف اللسان عن القبيح لأنه يسمع، وعلى هذا سائر الأسماء. وهذا الوجه اختيار ابن عقيل. والثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى: العقل والمعرفة، فيكون معناه: من عرفها وعقل معناها وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة، وهو العقل، قال طرفة: وإن لسان المرء ما لم يكن له … حصاة على عوراته لدليل والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: عقل. والرابع: أن يكون المراد بالحديث: من قرأ القرآن حتى يختمه، فيستوفي هذه الأسماء في القرآن، حكاه أبو سليمان عن أبي عبد الله الزبيري. التعليق: إن أسماء الله تدل على ذاته، وكلها حسنى، وجمهور العلماء على أنه لا حصر لها، أما الحديث الذي سردها فليس في الصحيحين (١). والإحصاء: هو أنَّ من عدها وحفظها وعقلها وآمن بمقتضاها وعمل بها دخل الجنة. قال النووي ﵀ (٢): (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين،

стр. 39

وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: «أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١). وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم، قال ابن العربي: وهذا قليل فيها، والله أعلم. وأما تعيين هذه الأسماء، فقد جاء في الترمذي وغيره، وفي بعض أسمائه خلاف. وقيل: إنها مخفية التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر ونظائرها). قال ابن الجوزي ﵀ بعد ذكر هذه الأوجه السابقة في تفسير الإحصاء (٢): (فلما رأينا في بعض طرق الصحيح أن معنى الإحصاء الحفظ اخترنا ذلك الوجه، وآثرنا ذكر هذه الأسماء لتحفظ. وقد اختلفت ألفاظ الرواة في عدِّها، وهذا سياق ما ذكره محمد بن إسحاق بن خزيمة، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة: الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي،

стр. 40

المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالى، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. وقد روي عن عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا» فذكرها، وعد منها: الرب، المنان، الكافي، البادئ، الدائم، المولى، النصير، الجميل، الصادق، المحيط، المبين، القريب، الفاطر، العلام، المليك، الأكرم، المدبر، الوتر، ذو المعارج، ذو الطول، ذو الفضل. غير أن عبد العزيز هذا ليس بالقوي في النقل). شرح معاني بعض الأسماء الحسنى (١): وللفائدة فإني أنقل هنا شرح مختصر لبعض أسماء الله الحسنى، فأقول: * فأما الله: فروي عن الخليل روايتان: إحداهما: أنه ليس بمشتق، والثانية: أنه مشتق. وقال بعض من رآه مشتقًّا: إنه من الوَلَهِ؛ لأن القلوب تولَه نحوه. وقال قوم: ألِه يألَه بمعنى: عبد يعبد. قال ابن هبيرة ﵀ (٢): (وهذا اسم علم لم يتسَمَّ به غيرُه ﷻ .

стр. 41

وقال أهل العربية فيه أقوالًا، رأيت أن مجموع معانيها في النطق الذي يخلص عن سوء الأدب فيها: هو أن يقال: إن الله اسمٌ يستنبط منه استحقاقُه العبودية، وأنه محبوب القلوب التي لا تزال تتوله إليه، وأنه الرفيع والمعبود، فسمى الله سبحانه نفسه هذا الاسم الذي يتجلى عن هذه المعاني كلها، قبل أن يخلق خلقه، وقبل أن ينطق بشر اللسان العربي، لعلمه سبحانه أنه سيخلق بشرًا منهم العرب؛ الذي ينتهي الأمر إليهم، وتقوم الساعة عليهم، فيستدلون من لغتهم على معاني هذا الاسم العظيم). * وأما الرحمن: فهو الذي عظمت رحمته. * والرحيم: أرق من الرحمن وأبلغ في اللطف، كما أن الرحمن أبلغ في الكثرة. * والرب: المالك، ولا يطلق الرب إلا على الله ؛ فأما إذا ذكر لغيره، ذكر مقيدًا؛ كقولهم: ربُّ الدار. * والقدوس: الطاهر من العيوب، المنزه عن كل نقص. * والسلام: الذي سلم من كل عيب ونقص. * والمؤمن: الذي آمن المؤمنين من عذابه، والذي يصدق ما وعد. * والمهيمن: أصله: المؤتمن، وقيل: الشهيد. * والعزيز: المنيع. * والجبار: فعَّال من الجبر، أي: يجبر الكسر. * والخالق: الفاطر المبتدئ. * والمصور: مرتِّبُ الأشكال والصور. * والحليم: الذي لا يعجل.

стр. 42

* والعليم: فعيل من العلم، بمعنى: عالم. * والسميع: فعيل من السمع، بمعنى: سامع. * وكذلك البصير. * والحي: الدائم الحياة. * والقيوم: فعول من القيام بالقسط للمبالغة. * والواسع: الغني، على أنه واسع العفو والغفران. * والخبير: المطلع على دقائق الأمور. * والحنان: الذي يحنو على عباده. * والفتاح: الحاكم. * والحكم: الحاكم أيضًا. * والعدل: الذي لا يجور. * واللطيف: البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم، وهو المحيط بكل دقيق من الأمور، كما يحيط بكل جليل. * والشكور: الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه. * والشاكر: فهو سبحانه يشكر على ما هو المنعم به. * والحفيظ: الحافظ. * والمقيت: المقتدر. * والحسيب: الكافي. * والجليل: العظيم. * والرقيب: الحافظ.

стр. 43

* والودود: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون (فعولًا) في محل (مفعول)، كما يقال: هيوب بمعنى: مهيب، فهو سبحانه مودود في قلوب أوليائه. والثاني: أن يكون بمعنى الواد، أي: أنه يودُّ عباده الصالحين، بمعنى: أنه يحبهم ويرضى عنهم، وهو الذي كلما قُطع وصل، وكلما عُصي رزق. * والمجيد: الواسع الكرم. * والوكيل: الكافي. * والمتين: الشديد القوة. * والولي: الناصر. * والحميد: المحمود. * والقيوم: القائم الدائم بلا زوال. * والواجد: الغني. * والماجد بمعنى المجيد. * والأحد: المنفرد بالمعني الذي لا يشاركه فيه أحد. * والواحد: المنفرد بالذات. * والصمد: السيد. * والظاهر: بالحجج، وهو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه. وقيل: هو الذي عرف بطرق الاستدلال العقلي؛ بما ظهر لهم من آثار أفعاله وأوصافه. * والباطن: المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم.

стр. 44

* والوالي: أي: مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها. وقيل: المتولي لجميع أمور خلقه. * والمتعالى: البالغ في العلو المرتفع عن النقص. وقيل: الذي جلَّ عن إفك المفترين وعلا شأنه. وقيل: الذي جلَّ عن كل وصف وثناء، وهو متفاعل من العلو. وقال الجزري: هو المتنزه عن صفات المخلوقين تعالى أن يوصف بها . * والرءوف: فعول من الرأفة. وقيل: الرحيم. * والمقسط: العادل. * والغني: المستغني عن كل شيء، لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه، وهذا هو الغني المطلق، ولا يشارك الله فيه غيره. * والمغني: الذي يغني من يشاء من عباده عن غيره، ويعطي من يشاء ما يشاء. * والمانع: الناصر. * والنور: أنه بنوره يبصر ذو العماية، لأنه نور كل موجود؛ فمن ذلك حقُّه ودينه وشرعه، كل ذلك ليس في شيء منه خفاء ولا إشكال. * والبديع: الذي لا نظير له، وله معنيان: الأول: الذي لا نظير له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في مصنوعاته، فهو البديع المطلق، ويمتنع أن يكون له مثيل أزلًا وأبدًا. والمعنى الثاني: أنه المبدع الذي أبدع الخلق من غير مثال سابق. * والوارث: الباقي بعد فناء الخلق. * والرشيد: (فعيل) بمعنى (مفعل)، فمعناه: الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم.

стр. 45

* والصبور: الذي لا يعاجل العصاة. * والمنان: الكثير العطاء، الذي يتابع عطاياه. * والغفور: من الغفران، وهو كثير المغفرة. * والشكور: فعول من الشكر. * والمجيد: فعيل من المجد للمبالغة، فهو الذي له المجد العظيم، والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكلُّ وصف من أوصافه عظيم شأنه. * والمبدئ: وهو المنشئ لكل خلق. * والمعيد: لكل ميت؛ ولكل خير بدأ به. * والأول: هو السابق لكل أول. * والآخر: هو الباقي بعد فناء كل شيء. * والمدبر: هو المنفرد بتدبيره في عباده وأرضه وسمائه. * والمالك: هو الذي يملك كل شيء مالك، وما يملك ذلك المالك. * والقاهر: الذي يقهر كل جبار وعات ومعاند. * والهادي: الذي يهدي كل ضال. * والجميل: هو الجميل الصنع، جميل الستر، جميل الصفح، جميل الأخذ، جميل الذكر، جميل العادة. * والكفيل: هو الذي تكفل بكل ضائع، وبكل ما وعد على لسان رسله. * والمبين: البين أمره في الوحدانية. * والأكرم: الذي لا يوازيه كريم، وقد يكون بمعنى الكريم، كالأعز بمعنى العزيز.

стр. 46

* والكريم: الجواد، والكريم: العزيز. * والرفيع: هو المرتفع عن كل دناءة. * والشهيد: فهو الذي لا يغيب، ولا يغيب عنه شيء. * والخلاق: فعال من الخلق، للتكثير. * والواسع: هو الغني، كما أنه واسع العفو والغفران. * وذو المعارج: أنه سبحانه تعرج إليه أعمال بني آدم. * وذو الفضل: ذو الخير الدائم المعروف بالفضل. * وذو الجلال والإكرام: أنه أهل أن يجل ويكرم. من فوائد الحديث: الأول: فيه إشارة إلى عظمة الله تعالى، وذلك لكثرة أسمائه الحسنى التي تدل على كماله وعظمته وجلاله. الثاني: فيه فضل أسماء الله الحسنى، وفضل إحصائها ومعرفتها. الثالث: ليس في الحديث ما يدل على حصر أسمائه سبحانه في هذه التسعة والتسعين، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء. الرابع: فيه ما يدل على أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة.

стр. 47

الحديث السادس: من شهد أن لا إله إلا الله عن عبادة بن الصَّامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ» (١). التعليق: يقول الشيخ ابن عقيل ﵀: (هذا حديث صحيح رواه مسلم ﵀، ولكن الدين لا يؤخذ من آية واحدة، ولا من حديث واحد. ولهذا نقول: من أدى الشهادتين نطقًا واعتقادًا وعمل بمقتضاهن دخل الجنة وحرم الله عليه النار، ومن قصَّر في شيء من ذلك دخل الجنة لكن لم تحرّم عليه النار). فهناك شروط للانتفاع بالشهادتين منها: الصدق في النطق بهما: لما رواه أنس ﵁، أن النبي ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثًا، قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار»، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: «إذًا يتكلوا»؛ فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا. متفق عليه (٢). قال البدر العيني ﵀ (٣): (قوله: «صدقًا من قلبه»: احترز به عن شهادة

стр. 48

المنافقين. وقال بعضهم: الصدق كما يعبر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه، قد يعبر به فعلًا عن تحري الأفعال الكاملة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. قلت: أشار إلى هذا المعنى أيضًا الطيبيُّ حيث قال: قوله: «صدقًا» هنا: أقيم مقام الاستقامة، وأشار بهذا إلى دفع ما قيل في أن ظاهر الخبر يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم والتأكيد، وذلك لأن الأدلة القطعية قد دلت عند أهل السنة والجماعة؛ أن طائفة من عصاة الموحدين يعذَّبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة. قال الطيبيُّ: ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ ﵁ في التبشير به. وقد أجيب عن هذا بأجوبة أخرى: منها: أن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبًا ثم مات على ذلك. ومنها: أنه أخرج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحِّد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية. ومنها: أن المراد بتحريمه على النار؛ تحريم خلوده فيها لا أصل دخوله فيها. ومنها: أن المراد تحريم جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانُه الناطق بالتوحيد. ومنها: أن ذلك لمن قال الكلمةَ وأدى حقها وفريضتَها، وهو قول الحسن. ومنها: ما قيل أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة).

стр. 49

شروط الشهادتين: وقد ذكر أئمة الدعوة ﵏ أن شروط الشهادتين سبعة، وهي (١): ١ - العلم المنافي للجهل. ٢ - اليقين المنافي للشك. ٣ - القبول المنافي للرد. ٤ - الانقياد المنافي للترك. ٥ - الإخلاص المنافي للشرك. ٦ - الصدق المنافي للنفاق. ٧ - المحبة المنافية لضدها. وقد نظمها بعضهم في قوله: علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك معْ … محبةٍ وانقيادٍ والقَبولِ لها وكما أن للشهادتين شروطًا، فإن لهما نواقض، يؤيد ذلك ما رواه جابر ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة؛ ومن مات يشرك به شيئًا؛ دخل النار». رواه مسلم (٢). فاشترط الخلوص من الشرك للنجاة من النار، فهذا يدل على أن هناك نواقض للشهادتين، إذا وقع فيها المرء لم ينتفع بالشهادتين، لأنه أتى بما يناقضها.

стр. 50

قال النووي ﵀ (١): (وأما حكمه ﷺ على من مات يشرك بدخول النار، ومن مات غير مشركٍ بدخوله الجنة، فقد أجمع عليه المسلمون، فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًّا عليها دخل الجنة أولًا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًّا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه دخل أولًا، وإلا عُذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة، والله أعلم). وقال ابن الجوزي ﵀ (٢): (فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، وبين دخول الموحدين بذنوبهم النار؟ فالجواب: أن مآلهم إلى الجنة، وإن دخلوا النار). نواقض الشهادتين: ونواقض الشهادتين على أنواع: فمنها الاعتقادي، ومنها الفعلي، ومنها القولي: ١ - فمن النواقض الاعتقادية مما يدخل في باب الألوهيات: إنكار الخالق ، وإنكار صفة من صفات الكمال، أو وصفه بما هو منزه عنه؛ كوصفه بأنه ثالث ثلاثة، أو أنه جسد، أو أنه غير محيط علمًا بكل شيء، أو

стр. 51

وصفه بأن له ولدًا أو صاحبةً وشريكًا، أو معاونًا، أو وصفه بصفة من صفات النقص كالجهل والعجز والتعب، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. ٢ - ومن النواقض الاعتقادية فيما يتصل بالنبؤات: إنكار الأنبياء الذين ورد الخبر القاطع بالإعلام بهم أو إنكار أحدهم، أو إنكار عموم رسالة محمد ﷺ ، وأنه خاتم النبيين. ٣ - ومما يدخل في النواقض الاعتقادية مما يتصل بالسمعيات: إنكار البعث والقيامة بالروح والجسد، أو اعتقاد أن النعيم والعذاب روحاني لا صلة للجسم بذلك، وأيضًا إنكار الملائكة والجن والكتب السماوية إجمالًا، أو إنكار القرآن ولو آية من آياته. ٤ - ومما يتصل بالنواقض الاعتقادية: إنكار الأركان الخمسة من الصلاة والزكاة. ٥ - ومن صور نواقض الشهادتين: جحود أمر معلوم من ديننا بالضرورة وهو ما يعرفه عوام المسلمين وخواصُّهم، وهو ما يثبت بالقرآن الكريم وكان قطعيّ الدلالة، أو بالسنة المتواترة القطعية الدلالة وليس فيه شبهة، وبإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعًا قطعيًّا قوليًّا غير سكوتي، وكذلك إذا استباح محرمًا مجمعًا على تحريمه معلومًا من الدين بالضرورة. ٦ - ومن المكفرات القولية: أن يقول ما لا يجوز مما يستحيل على الله ، كالوصف بالجهل وغير ذلك، أو الاستهزاء بشيء من أركان الإيمان أو الإسلام، أو أن يقول: إنه غير مقتنع بجدوى الزكاة، أو يقول: إنه غير مقتنع بأن الإسلام فيه السعادة للإنسان وأنه يكفي لإقامة الحياة، وكذلك الاعتراف بالعقائد الكافرة، وكذلك الاعتراض على عدل الله وقضائه وقدره واتهامه بالجور .

стр. 52

٧ - ومن المكفرات الفعلية: تعليق شعار الكفر على نفسه من غير اضطرار مع الاستحباب، أو تمزيق المصحف للإهانة، أو رميه في القاذورات، أو السجود لصنم. ٨ - ومما ينقض دعوى الشهادتين: أ- التوكل والاعتماد على غير الله إذا أخذ طابع الاعتقاد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. ب- عدم اعتراف الإنسان بأن كل نعمة هو فيها ظاهرة وباطنة حسية ومعنوية هي من فضل الله، وأن ما يصيبنا هو من الله وأنه المانع والمعطي. ج- إعطاء غير الله حق الأمر والنهي المطلقين والتحليل والتحريم وحق التشريع المطلق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]. د- ومما ينقضها: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة وجعل الدنيا هدفه الوحيد إن كان ذلك عن كفر بالآخرة: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢، ٣]. هـ - ومما ينقض دعوى الشهادتين: تحليل ما حرم الله أو استحلاله، وتحريم ما أحل الله مما لا خلاف بين أئمة الاجتهاد في حله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].

стр. 53

و- ومما ينقض دعوى الشهادتين: موالاة الكفار وأهل النفاق، وكراهية أهل الإيمان والتوحيد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]. ٩ - ومن صور نقض الشهادتين: الحكم بغير ما أنزل الله على تفصيلاتٍ للفقهاء في ذلك. قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ في شرحه للعقيدة الطحاوية (١): (وذلك بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر). من فوائد الحديث: أولًا: فيه فضل الشهادتين، وأنها تحرم صاحبهما على النار. ثانيًا: لابد أن تكون الشهادة خالصة من القلب، لأن المنافقين يشهدون الشهادتين ولا ينفعهم ذلك. ثالثًا: هذا من أحاديث الرجاء التي يجب العمل بها في ضوء الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة، والتي بينت أن هناك شروطًا للانتفاع بالشهادتين ونواقض تبطلهما، حتى يكون المسلم على بينة من أمره، ولا تدفعه مثل تلك الأحاديث إلى الاغترار وترك العمل للآخرة.

стр. 54

الحديث السابع: دعاء الكرب عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﵁ كان يقول عند الكرب: وفي رواية: إذا حَزَبَهُ أمر: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم» (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها حَزَبَهُ أمر … أي: نابه، وهجم عليه، وألمَّ به أمر شديد (٢). التعليق: هذا هو دعاء الكرب. قال الطيبي ﵀ (٣): (صُدِّر هذا الثناء بذكر الرب؛ ليناسب كشف الكرب، لأنه مقتضى التربية، وفيه التهليلُ المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة، والحلم الذي يدل على العلم، إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصلُ الأوصاف الإكرامية. وفي لفظ: كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم» (٤). وفي هذا دليل على أن الثناء قد يسمى دعاء.

стр. 55

قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١): (قال الطبري: معنى قول ابن عباس ﵄: يدعو، وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين: أحدهما: أن المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء … ، وفي الأدب المفرد (٢) من طريق عبد الله بن الحارث، سمعت ابن عباس ﵄ فذكره، وزاد في آخره: «اللهم اصرف عني شره». قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي، قال: سألت ابن عيينة عن الحديث الذي فيه: «أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، الحديث، فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء (٣). وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفَاني … حياؤُك إن شيمتَك الحياءُ إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفَاه من تعرُّضِك الثناءُ قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق؟ قلت: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له».

стр. 56

أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم، وفي لفظ للحاكم فقال رجل: أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟، فقال رسول الله ﷺ : «ألا تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]» (١). وقال ابن بطال ﵀ (٢): (حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا، فسعي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل ﵇ عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي ﷺ : قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه، قال: فأصبحت فأخبرته، فدعا به فلم يكن إلا قليلًا حتى أُخرج). انتهى. وأخرج بن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة له (٣)، من طريق عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة، وأوقفه للناس، قال: فبعث إليه، فجيء به، فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا ابن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه، فقال: أرى وجه رجل كُذب عليه، خلوا سبيله فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق.

стр. 57

وأخرج النسائي (١) من طريق الحسن بن الحسن بن علي، قال: لما زوج عبد الله بن جعفر ابنته قال لها: إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن: فأرسل إليَّ الحجاج فقُلْتُهُن فقال: والله لقد أرسلتُ إليك وأنا أريد أن أقتلَك، فلأنت اليوم أحبُّ إلي من كذا وكذا، وزاد في لفظ: فسل حاجتك. ومما ورد من دعوات الكربِ ما أخرجه أصحاب السنن (٢) إلا الترمذي، عن أسماء بنت عميس، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئًا». وأخرجه الطبري من طريق أبي الجوزاء عن بن عباس مثله. ولأبي داود وصححه ابن حبان (٣)، عن أبي بكرة رفعه: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا اله الا أنت». من فوائد الحديث: الأول: فيه أن الأنبياء كغيرهم من البشر يصيبهم الكرب والحزن الشديد، ولكن ذلك لا يكون بسبب دنيا فائتة، أو مغنم زائل، وإنما جل حزنهم وكربهم

стр. 58

على هداية الخلق، وإعراض أكثرهم عن الحق، ولذلك قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. الثاني: فيه فضيلة ذكر الله ، وبخاصة عند الكرب والحزن، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقد ذكر ابن القيم ﵀ (١): (أن الذكر: يزيل الهم والغم عن القلب، وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط، وأنه يقوي القلب والبدن، وأنه ينور الوجه والقلب، وأنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه ﵎، فإن الغافل بينه وبين الله وحشة لا تزول إلا بالذكر). الثالث: فيه فضيلة كلمة التوحيد وأن لها تأثيرًا كبيرًا في كشف الكروب، وإزالة الهم والغم والحزن. الرابع: فيه فضيلة أسماء الله: العظيم والحليم والكريم، وتأثيرها في كشف الكرب، وزوال الهم والغم والحزن. الخامس: فيه إشارة إلى أن العبد لا يستغني عن ربه طرفة عين، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفر إلا إليه، وأنه ليس لها من دون الله كاشفة.

стр. 59

الحديث الثامن: الندم توبة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «الندم توبة» (١). التعليق: هذا الحديث صحيح الإسناد. والمعنى: ما علم الله ندامة على ذنب من عبد الا غفر الله له قبل أن يستغفر الله. قال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه؛ فإنه يستلزم: الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه (٢). وقد ضعَّف هذا القول الحافظ ابن حجر ﵀ (٣) فقال: (وقد تمسك من فسر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث ابن مسعود ﵁ رفعه: «الندم توبة»، ولا حجة فيه؛ لأن المعنى الحضُّ عليه، وأنه الركن الأعظم في التوبة، لا أنه التوبة نفسها).

стр. 60

وذكر الحافظ ﵀ (١) أيضًا شروط التوبة، ونقل عن القرطبي في المفهم أنه ضعف القول الذي قصرها على التوبة فقط، وبين حقيقة التوبة شروطها ومكمِّلاتها، فقال: (والتوبة: ترك الذنب على أحد الأوجه. وفي الشرع: - ترك الذنب لقبحه. - والندم على فعله. - والعزم على عدم العود. - ورد المظلمة إن كانت، أو طلب البراءة من صاحبها، وهي أبلغ ضروب الاعتذار. وقال القرطبي ﵀ في المفهم: اختلفت عبارات المشايخ فيها: فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على ألَّا يعود، وآخر يقول: الإقلاع عن الذنب، ومنهم من يجمع بين الأمور الثلاثة وهو أكملها، غير أنه مع ما فيه غير مانع ولا جامع: أمَّا أولًا: فلأنه قد يجمع الثلاثة ولا يكون تائبًا شرعًا، إذ قد يفعل ذلك شحًّا على ماله، أو لئلا يعيِّره الناس به، ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالإخلاص، ومن ترك الذنب لغير الله لا يكون تائبًا اتفاقًا. وأما ثانيًا: فلأنه يخرج منه من زنى مثلًا ثم جُبَّ ذكرُه، فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى، وأما العزم على عدم العود فلا يتصور منه.

стр. 61

قال: وبهذا اغتر من قال: إن الندم يكفي في حد التوبة، وليس كما قال، لأنه لو ندم ولم يقلع وعزم على العود لم يكن تائبًا اتفاقًا. قال: وقال بعض المحققين: هي اختيارُ ترك ذنبٍ سبق حقيقةً أو تقديرًا لأجل الله. قال: وهذا أسدُّ العبارات وأجمعها؛ لأن التائب لا يكون تاركا للذنب الذي فرغ لأنه غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وكذا من لم يقع منه ذنب، إنما يصحُّ منه اتقاء ما يمكن أن يقع لاترك مثل ما وقع، فيكون متقيا لا تائبا. قال: والباعث على هذا تنبيهٌ إلهيٌّ لمن أراد سعادته لقبح الذنب وضرره، لأنه سم مهلك، يفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، ويحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه في الآخرة. قال: ومن تفقد نفسه وجدها مشحونة بهذا السم، فإذا وُفِّق انبعث منه خوف هجوم الهلاك، عليه فيبادر بطلب ما يدفع به عن نفسه ضرر ذلك، فحينئذ ينبعث منه الندم على ما سبق، والعزم على ترك العود عليه. قال: ثم اعلم أن التوبة إما من الكفر وإما من الذنب؛ فتوبة الكافر مقبولة قطعًا، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق. ومعنى القبول: الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل. ثم توبة العاصي إما من حق الله، وإما من حق غيره: فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط، بل أضاف إليه القضاء أو الكفارة.

стр. 62

وحق غير الله يحتاج إلى إيصالها لمستحقها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول، فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات والله أعلم. قلت: حكى غيره عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة فقال: الندم، والعزم على عدم العود، وردُّ المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض، وأن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن، حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذة المعصية. قلت: وبعض هذه الأشياء مكمِّلات). من فوائد الحديث: الأول: الإشارة إلى نعمة التوبة، وبيان سعة رحمة الله، حيث أرشد عباده إلى طريق النجاة، ولم يضيق على العصاة، بل فتح لهم باب التوبة والإنابة، وهو سبحانه يحب التائبين ويقبل التوبة كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]. الثاني: أهمية الندم وأنه ركن التوبة الأعظم، ولا تصح التوبة إلا به.

стр. 63

الحديث التاسع: قل خيرًا أو اصمت عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١). التعليق: قال النووي ﵀ (٢): (فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي ﵀: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر). وهذا الحديث من الأحاديث النبوية الجامعة، وهو توجيه للذين يهمون بالكلام أن يتريثوا ويتفكروا بكلامهم الذي يريدون أن يتكلموا به، فإن كان خيرًا فنعم القول هو وليقله، وإن كان شرًّا فلينته عنه فهو خيرٌ له. قال ابن حجر ﵀ (٣): (وهذا -أي: هذا الحديث- من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إمّا خيرٌ وإمّا شرٌّ، وإما آيلٌ إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضُها وندبُها، فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شرٌّ أو يؤول إلى الشر، فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت). وقال النووي ﵀ (٤): (اعلم أنه على كلّ مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن

стр. 64

جميع الكلام إلا كلامًا تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسنّة الإِمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء). وفي وجوب حفظ اللسان والضرر الناتج عن كثرة الكلام ورد الكثير من الأحاديث والآثار، فمن ذلك على سبيل المثال: عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِه» (١). وعن سهل بن سعد ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ يَضْمَنْ لِى مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» (٢). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله لَا يُلْقِى لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ الله بِهَا لَهُ دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لَا يُلْقِى لَهَا بَالًا، يَهْوِى بِهَا في جَهَنَّمَ» (٣). وعن بلال بن الحارث المزني ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» (٤).

стр. 65

وعن عقبة بن عامر ﵁، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (١). من فوائد الحديث: أولًا: وجوب حفظ اللسان وخطورة إطلاقه. ثانيًا: فيه أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال والأقوال الظاهرة من لوازم الإيمان التي لا تنفك عنه وهو الموافق لمذهب أهل السنة والجماعة. ثالثًا: فيه أن الإيمان يمنع صاحبه من إطلاق لسانه والتكلم بالباطل. رابعًا: فيه فضيلة الكلام إذا كان بالخير والحق، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. خامسًا: فيه فضيلة الصمت وبخاصة عن المحرمات والمكروهات، وما لا فائدة فيه من الكلام.

стр. 66

الحديث العاشر: من جر إزاره خيلاء عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من جرَّ ثوبه خُيَلاء، لم ينظر اللهُ إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر ﵁: إن أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنك لستَ تصنعُ ذلك خُيَلاء» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها الْخُيَلَاء والمَخِيلة … التكبر والتبختر والزهو، وكل ذلك أشر وبطر، وازدراء على الناس واحتقار لهم، والله لا يحب كل مختال فخور. لم ينظر الله إليه … أي: لم ينظر الله إليه نظر رحمة. وهذا قد يكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت. فمن الأحوال: أن يكون يعتقد ذلك جائزًا، فيكون متكبرًا على الله أو الرسول ﷺ أو الإسلام، فإن كان ذلك فقد كفر، أو يكون ذلك في وقت حتى يغفر الله له بما معه من حسنات أو إيمان. التعليق: قال ابن عبد البر ﵀ (٣): (وهذا الحديث يدل على أن من جر إزاره من

стр. 67

غير خيلاء ولا بطر أنه لا يلحقه الوعيد المذكور، غير أن جرَّ الإزار والقميص وسائر الثياب مذموم على كل حال، وأما المستكبر الذي يجر ثوبه فهو الذي ورد فيه ذلك الوعيد الشديد، يروى عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه أنه قال: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحدة منهما أدخلته النار» (١). روى كريب بن إبراهيم ﵁ عن أبي ريحانة ﵁، سمعه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل شيء من الكبر الجنة» (٢). وترك التكبر واجبٌ، وهيئة اللباس سنة، قال ﷺ : «أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بين ذلك إلى الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار» (٣)، يعني: أن هذا مستحق، من فعل ذلك وهو عالم بالنهي مستخف بما جاءه عن نبيه ﷺ ، وإن عفا الله عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة. ومما يدل على أن جر الإزار مذموم على كل حال؛ ما ذكره أبو زرعة ﵁ قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة ﵁، أنه أخبرهم عن زيد بن أسلم ﵁ قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول لابن ابنه عبد الله بن واقد ﵁: يا بني ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء» (٤)، ألا ترى

стр. 68

أن ابن عمر ﵄ لم يقل لابن ابنه هل تجرُّه خيلاء؟ بل أرسل ذلك إرسالًا؛ خوفًا منه أن يكون ذلك خيلاء، ولو صحَّ أنه ليس خيلاء؛ لدينه إن شاء الله). قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ (١): (إن السنَّة ذمُّ الإسبال، وبالأخص ما نزل عن الكعبين من إزار وثوب وعباءة، وذلك بالنسبة للرجال فقط، وقال: إن المسبل لا يكون مرتكبًا كبيرة إلا إذا كان إسْبَالُهُ خيلاءً، ولا يكون في النار إلا إذا كان إسْبَالُهُ خيلاء، وقال: إن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين الأدلة). وسُئل الشيخ عبد الله البسام ﵀ عن الإسبال (٢): يقول السائل: إن في أسفل رجلي تشويهًا من آثار حروق قديمة، وأنا أجعل الثوب طويلًا لأغطيه؛ فيكون مسبلًا، فهل هذا حرام؟ فأجاب الشيخ: (إن العلماء يقولون: إذا أسبل ليغطي مثل ما ذكر السائل فلا بأس، ولا يُعدُّ حرامًا). وقال الشيخ الألباني ﵀ (٣): (وهنا شبهةٌ ترِد كثيرًا في مثل هذه المناسبة، يقولون: إن الرسول ﵊ قد قال في الحديث السابق: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ خُيَلَاءَ»، فنحن اليوم سواءً كنا شبابًا أو شيوخًا، لا نجرُّ الثياب تحت الكعبين خيلاء، وإنما هو عادة وموضة. ويحتج أولئك بما جاء في صحيح البخاري: أن أبا بكر الصديق ﵁ لما سمع هذا الوعيد الشديد لمن يجر إزاره خيلاء، قال: يا رسول الله! فإن ثوبي يقع،

стр. 69

فقال له ﵊: «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ» (١)، فيتمسك أولئك بقول الرسول ﵊ هذا لأبي بكر، ويحتجون به على أن إطالة الثوب تحت الكعبين إنما يكون ممنوعًا إذا اقترن بهذا القصد السيئ، ألا وهو: الخيلاء والتكبر. وجوابي على هذا من وجهين اثنين: الوجه الأول: أن أبا بكر الصديق ﵁ لم يقل: أنا حينما أُفَصِّل ثوبي أجعله طويلًا تحت الكعبين لا أقصد بذلك الخيلاء، وإنما قال: يقع! وهذا يعرفه الذين اعتادوا أن يلبسوا العباءة، فقد تكون العباءة مُفَصَّلة حسب السنة، أي: فوق الكعبين؛ لكن مع الانطلاق والسير والعمل والصلاة تصبح العباءة متدليةً إلى الخلف، فتنزل إلى ما تحت الكعبين، هذا هو الذي أشار إليه أبو بكر ﵁ في سؤاله، وقال له الرسول ﷺ : «إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ». أما أن يأتي الرجل فيُفَصِّل الثوب -أيَّ: ثوبٍ كان مما سبقت الإشارة إليه- طويلًا خلافًا للشرع، ويبرر ذلك بأنه لا يفعل ذلك خيلاء، فهذا من تلبيسات الشيطان على بني الإنسان. وبعد هذا نقول في الجواب عن هذه الشبهة، بعد أن أوضحنا أن حديث أبي بكر الصديق ﵁ إنَّما يعني الثوب الذي يستطيل بدون قصد صاحبه، ما لَمْ يُوْصِلْه صاحبه ويفصِّله طويلًا تحت الكعبين، ويدَّعي أنه إنما يفعل ذلك بغير قصد الخيلاء، نقول: ليس من المفروض في المجتمع الإسلامي الصحيح أن يعمل المسلم -فضلًا عن جماهير المسلمين- عملًا يحتاج كل منهم إلى أن يبرر هذا العمل بحسن النية،

стр. 70

فهذا الأمر لا يكاد ينتهي، وهذا يخالف نصوصًا من الأحاديث الصحيحة التي تربي المسلم على ألاَّ يعمل عملًا، وألاَّ يتكلم كلامًا، وألاَّ يقول قولًا يحتاج بعد ذلك كله إلى أن يقدم له عذرًا، حيث قال ﵊: «لا تَكَلَّمَنَّ بكلام تعتذر به عند الناس» (١)، وهذا خاص بالكلام؛ لكن يأتي الحديث الآخر يشمله ويشمل غيره من الأعمال، ألا وهو قوله ﵊: «إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ!» (٢). فمن يطيل ثوبه تحت الكعبين، فيُنْكِرُه عليه العارف بالسنة، فيقول: يا أخي! أنا لا أفعل ذلك خيلاءً، كما قال أبو بكر الصديق ﵁. فأولًا: إن كان رسول الله ﷺ عرف أبا بكر الصديق ﵁، وعرف تواضعه، وأنه قد تبرأ من الكِبْر ولو ذرة منه، فقال وشهد له بأنه لا يفعل ذلك خيلاء، فليس بعد رسول الله ﷺ أحد يستطيع أن يشهد مثل هذه الشهادة لإنسان آخر، لا سيما في مثل هذه المجتمعات الفاسدة. وثانيًا: قد قال ﵊ في الحديث الآخر: «أزْرَة المؤمن إلى أنصاف ساقيه» (٣).

стр. 71

وهذا الحديث يضع لك منهجًا عمليًّا يجب أن تلتزمه، دون أن تبرر مخالفتك إياه بحجة أنك لا تفعل تلك المخالفة خيلاء، حيث يقول: «أِزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف، ساقيه، لا جناح عليه ما بينه وبين الكعبين، وأسفل من الكعبين في النار»، فهنا لا يُسْمَعُ مِنْ أحد يطيل ثوبه إلى ما تحت الكعبين أنه لا يفعل ذلك خيلاءً؛ لأننا نقول: إنك تفعل ذلك مخالفة لهذا النهج النبوي، وانتهى الأمر. أما إن انضمَّ إلى ذلك أنك فعلتَه خيلاءً فقد استحققت ذلك الوعيد الشديد، ألاَّ ينظر الله ﵎ إليك يوم القيامة نظرةَ رحمة. هذه تذكرة أردتُ أن أوجهها إليكم؛ لإرشاد من كان يريد منكم أن يكون تحت رحمة ربه يوم يُحْشَر الناس: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]). من فوائد الحديث: أولًا: تحريم الكبر وأنه يهلك صاحبه. ثانيًا: فيه إثبات صفة الرؤية لله كالبصر والنظر- وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة. ثالثًا: قال ابن حجر ﵀ (١): (في الحديث اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مطرد غالبًا). فليس المسبل بطرًا كالمسبل عادة، أو المسبل لحاجة أو ضرورة، ولذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (ويستثنى من إسبال الإزار مطلقًا ما أسبله

стр. 72

لضرورة؛ كمن يكون بكعبيه جرح، يؤذيه الذباب مثلًا إن لم يستره بإزاره، حيث لا يجد غيره، نبَّه على ذلك شيخنا في شرح الترمذي، واستدل على ذلك بإذنه ﷺ لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحرير من أجل الحكة (١)، والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي، ويستثنى أيضًا من الوعيد في ذلك النساء).

стр. 73

الحديث الحادي عشر: السحت عن جابر بن عبد الله ﵁، أن النبي ﷺ قال: «يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النار أولى به» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها السُّحت … هو المال الحَرَام الذي لا يَحِلُّ كسْبُه؛ لأنه يَسْحَت البركة، أي: يُذْهبها. والسَّحت: من الإهْلاك والاستِئصال. والسُّحت أيضًا: كل ما يأخذه العامل والحاكم على إبطال حق أو تحقيق باطل. التعليق: قال أبو حاتم ابن حبان ﵀ (٣): ( … وقوله: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لَحمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ»، يريد به جنة دون جنة؛ لأنها جنان كثيرة، وهذا كقوله ﷺ :

стр. 74

«لا يدخل الجنة ولد الزنى، ولا يدخل العاق الجنة، ولا منان» (١)، يريد جنة دون جنة) (٢). وقال في مرقاة المفاتيح (٣): («لا يدخل الجنة»: أي: دخولًا أوليًّا مع الناجين؛ بل بعد عذابٍ بقدر أكله للحرام ما لم يُعْفَ عنه، أو لا يدخل منازله العليَّة. أو المراد: ألَّا يدخلها أبدًا إن اعتقد حلَّ الحرام، وكان معلومًا من الدين بالضرورة. أو المراد به: الزجر والتهديد والوعيد الشديد، ولذا لم يقيده بنوع من التقييد. «لحم»: أي صاحب لحم. «نبت من السحت»: بضم السين والحاء وسكونها: الحرام، لأنه يسحت البركة، أي: يذهبها. وأسند عدم دخول الجنة إلى اللحم لا إلى صاحبه إشعارًا بالعِلِّيَّة، وأنه خبيث لا يصلح أن يدخل الطيبَ، لأن الخبيث للخبيث، ولذا أتبعه بقوله: «وكل لحم نبت من سحت كانت النار»، وفي نسخة: «كان النار أولى به»، أي: من الجنة؛ لتطهره النار عن ذلك بإحراقها إياه. وهذا على ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب، أو غفر له من غير توبة وأرضى خصومه، أو نالته شفاعة شفيع، فهو خارج من هذا الوعيد).

стр. 75

من فوائد الحديث: أولَّا: التحذير من أكل الحرام، وأنَّه سبب للهلاك ولدخول النار. ثانيًا: أن أكل السحت يذهب البركة في المال والوقت والصحة والأبناء وغير ذلك. ثالثًا: يشير الحديث إلى وجوب التوبة من المحرمات، وإرضاء الخصوم؛ طلبًا للنجاة من النار.
следующие страницы →