Полный текст (1 222 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
والمعنى: أمره الله أن يأخذ حزمة من العيدان فيها مائة عود، ويضربها بها ضربة واحدة، ليبرّ في يمينه ولا يحنث فيها.
﴿تَحْنَثْ﴾ : الحنثُ: الخُلْف في اليمين، يقال: حنث في يمينه، يحنث إذا لم يبرّ بها.
قال في اللسان: الحنيث في اليمين: نقضُها والنكثُ فيها، وهو من الحِنْث بمعنى الإثم وفي الحديث: «اليمين حنْثٌ أو مندمة» ومعناه: إمّا أن يندم على ما حلف عليه، أو يحنث فتلزمه الكفارة. والحنْث: الذنب العظيم، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ [الواقعة: ٤٦] .
﴿أَوَّابٌ﴾ : الأوْب: الرجوع، والأوّاب: التّوَّاب، الرجّاع، الذي يرجع إلى التوبة والطاعة، ويرجع إلى الله في جميع أمورة، وهي من صيغ المبالغة مثل (ظلاّم) و (قتّال) .
المعنى الإجمالي
اذكر يا محمد لقومك قصة عبدنا (أيوب) إذ نادى ربه مستغيثاً به، ضارعاً إليه، فيما نزل به من البلاء، راجياً أن يكشف الله عنه الضر حيث قال: ربّ إني أُصبتُ ببلاء وشدّة، وتعب وضنى، وأنت أرحم الراحمين ورب المستضعفين ... فاستجاب الله الحليم الكريم دعاءه، وكشف عنه شدته، فأذهب عنه الآلام والأسقام، وأمره أن يضرب برجله الأرض، حتى تنبع له عين ماء يكون فيها شفاؤه، وقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب،
стр. 1017
تغتسل منه وتشرب فتشفى بإذن الله، فلما ضرب الأرض نبعث له عين ماء، فاغتسل منها فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منها فذهب الداء من باطنه، فعادت إليه الحياة الطبيعية التي كان يعيشها، وشعر بأهله وأولاده، ونعم بأسرته التي كانت بالنسبة إليه كالمفقودة، ومتّعه الله بصحته وقواه حتى كثر نسله وتضاعف عدد أولاده، ورزقه من الأموال فضلاً منه ونعمة، وإكراماً لعبده الصابر الطائع، وتذكيراً لعباد الله بفضل الله وإكرامه لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب - وهو أفضل أهل زمانه - وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا ومصائبها، واللجوء إلى الله ّ فيما يحيق بهم كما لجأ أيوب ليفعل الله بهم ما فعل به من حسن العاقبة، وعظيم الإكرام.
وما كان الله - جلت حكمته - ليكرمه ويدع زوجه التي أحسنت إليه، وأعانته في بلائه ومحنته، وكان قد حلف لأمر فعلته ليضربنها مائة جلدة، فجزاها الله بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها تسهيلاً عليه وعليها فأمره أن يجمع لها (مائة عود) ويضربها ضربة واحدة، لا يحنث في يمينه.
ثم شهد الله تعالى لأيوب ﵇ شهادة تبقى على مر الأزمان، مظهره أنه كان في بلائه صابراً، لا تحمله الشدة على الخروج عن طاعة ربه، والدخول في معصيته، فكان من خيره خلق الله وعبّاده، مقبلاً على طاعته، رجَّاعاً إلى رضاه، فلم يكن دعاؤه عن تذمر وشكوى، وإنما كان لجوءاً إلى الله العليّ القدير الذي بيده مقاليد السموات والأرض.
الغرض من ذكر القصة
المقصود من ذكر قصة (أيوب) ﵇، وما قبلها من قصص الأنبياء الاعتبار بما يقع في هذه الحياة، كأنّ الله تعالى يقول: يا محمد، إصبر على سفاهة قومك، وشدتهم في معاملتك، ومقابلة دعوتك بالصدود والإعراض، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالاً وجاهاً من (داود) و (سليمان)
стр. 1018
- ﵉ وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب ﵇ فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أنّ أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره.
وجوه القراءات
أولاً: قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾ قرأ الجمهور بفتح همزة ﴿أنّي﴾ وقرأ عيسى بن عمر (إنّي) بكسرها على تقدير: قال إني.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ قرأ الجمهور ﴿بنُصْبٍ﴾ بضم النون وسكون الصاد، وقرأ الحسن ﴿بنَصَبٍ﴾ بضمهما.
وقرأ بعضهم ﴿بنَصْب﴾ بفتح النون وسكون الصاد، ونسبها جماعة إلى أبي جعفر.
قال الطبري: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراءة الأمصار وذلك الضم في النون والسكون في الصاد»
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: ﴿واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ﴾ عطف على قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧] من عطف جملة على جملة.
و (أيوب) عطف بيان، أو بدل من (عبدنا) بدل كل من كل.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر﴾ [الأنبياء: ٨٣] منصوب بنزع الخافض أي (بأني
стр. 1019
مسَّني) حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك قوله لقال: بأنه مسّه، لأنه غائب.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا وذكرى﴾ رحمة مفعول لأجله، ومثلها ﴿وذكرى﴾ أي لرحمتنا إيّاه وليتذكّر أرباب العقول بما يحصل للصابر من الفضل والأجر.
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ عطف على ﴿اركض﴾ أو على ﴿وَهَبْنَا﴾ بتقدير قلنا خذ بيدك ضغثاً.
قال الألوسي: «والأول أقرب لفظاً، وهو أنسب معنى، فإنَّ الحاجة إلى هذا الأمر لا تكون إلا بعد الصحة واعتدال الوقت» .
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: في قصة أيوب ﵇ كان قد حصل له نوعان من البلاء: (المشقة الشديدة) بسبب زوال النعم والخيرات، وحصول المكروه و (الألم الشديد) في الجسم، ولما كان كل منهما قد لحق به وأصابه الضرُّ بسببه، أحدهما مادي، والآخر جسدي، ذكر الله تعالى في الآية الكريمة لفظين (النُّصْب) و (العذاب) ليقابل بذلك الضر الذي أصابه، فالنُّصْب الضرُّ في الجسد، والعذاب البلاء في الأهل والمال.
اللطيفة الثانية: وصف الله تعالى نبيّه (أيوب) ﵇ بالصبر، وأثنى عليه بقوله: ﴿إِنَّا وجدناه صَابِراً﴾ مع أن أيوّب كان قد اشتكى إلى ربه من الضر الذي أصابه فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضر﴾ في سورة الأنبياء [٨٣] ، وقال هنا: ﴿مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فدلّ ذلك على أنّ الشكوى إلى الله تعالى
стр. 1020
لا تنافي الصبر، وقد قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: ٨٦] ولهذا مدحه الله بقوله: ﴿نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ولو كانت الشكوى إلى الله تعالى تنافي الصبر لما استحق هذا الثناء.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان﴾ أسند الضُرَّ الذي أصابه في جسمه وأهله، وماله، إلى الشيطان أدباً مع الله تعالى، مع أن الفاعل الحقيقي هو الله رب العالمين، فالخيرُ والشرُ، والنفع والضُّر، بيد الله جلَّ وعلا. ولكن لا ينسب الشر إلى الله وإنما ينسب إلى النفس أو الشيطان، ولهذا راعى ﵇ الأدب في ذلك فنسبه إلى الشيطان، وهو على حدّ قول إبراهيم ﵇: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩ - ٨٠] حيث نسب الإطعام إلى الله ونسب المرضَ إلى نفسه أدباً.
قال الزمخشري: «لمّا كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سبباً فيما مسّه الله به من النّصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو» .
اللطيفة الرابعة: سئل سفيان عن عبدين، ابتلى أحدهما فصبر، وأُنْعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء، لأن الله تعالى أثنى على عبدين: أحدهما صابر، والآخر شاكر ثناءً واحداً فقال في وصف أيوب ﴿نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ وقال وفي وصف سليمان ﴿نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] .
وفضّل بعض العلماء: الغنيّ الشاكر، على الفقير الصابر، لأن الغنَى ابتلاء وفتنة، والشاكرُ من عباد الله قليل
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣] بخلاف الصابر فإنه كثير والمسألة فيها نظر.
اللطيفة الخامسة: يضرب المثل بصبر أيوب ﵇ فيقال: (صبرٌ
стр. 1021
كصبر أيوب) وقد صبر على البلاء في جسمه، وأهله، وولده مدة ثمان عشرة سنة على الراجح من الأقوال، ويروى أن زوجه لما طلبت منه أن يدعو الله أن يشفيه سألها: كم مكثنا في الرخاء؟ قالت سبعين عاماً، فقال لها: ويحك كنّا في النعيم سبعين عاماً، فاصبري حتى نكون في الضُرّ سبعين عاماً.
ويروى أنه قال لها: إني لأستحيي من الله أن أسأله أن يشفيني وما قضيتُ في بلائي ما قضيتُه في رخائي!!
ولهذا يضرب به المثل في الصبر.
اللطيفة السادسة: روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «بينما أيوب يغتسل عرياناً خرّ عليه رِجْلُ جرادٍ من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه يا أيوب: ألم أكن أغنيك عمّا ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك» .
قال بعض العلماء: حين صبر أيوب أكرمه الله بالمال الوفير، والأجر الجزيل، وعوّضَه عن الأهل والولد، بضعفهم وبارك فيهم كما قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] .
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هو سبب حلف أيوب ﵇ بضرب أهله؟
دلّ ظاهر قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ على أن أيوب ﵇ كان قد صدر منه يمين على ضرب أهله، ويقول المفسّرون إنه حلف لئن شفاه الله ليجلدنّ زوجته مائة جلدة، فأمره الله أن يأخذ قبضة من حشيش، أو حزمة من الخلال والعيدان، فيضرب بها ليبرّ بيمينه
стр. 1022
ولا يحنث، ولم تذكر الآية سبب هذا الحلف، وقد ذكر بعض المفسرين كلاماً طويلاً في سبب هذا اليمين، فقيل: إن امرأة أيوب كانت تخدمه وضجرت من طول مرضه، فتمثّل لها الشيطان بصورة طبيب، وجلس في طريقها فقالت له: يا عبد الله إنّ هاهنا إنساناً مبتلى، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم إن شاء شفيته، على أن يقول إذا برأ: أنتَ شفيتني، فجاءت إلى أيوب فأخبرته فقال: ذاك الشيطان، لله عليّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة.
وزعم بعضهم أن إبليس لقي زوجه أيوب فقال لها: أنا الذي فعلتُ بأيوب ما فعلت، وأنا إله الأرض، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله، فجاءت فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله.
وكتابُ الله تعالى لم يأت فيه تفصيل للقصة، ولهذا انطلقت الخيالات تنسج قصصاً في سبب بلائه وفي سبب حلقه على زوجه، منها ما هو باطل لا يصح اعتقاده ومنها ما هو ضعيف واهن.
يقول أبو بكر ابن العربي: «ما ذكره المفسّرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة، وأنه طلب من ربه أن يسلّطه على أيوب فقال له: قد سلّطتك على أهله وماله. . إلخ إن هذا قول باطل، لأن إبليس أهبط منها بلعنة الله وسخطه، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى!!
إنَّ هذا لخطب من الجهالة عظيم.
وأما قولهم: إن الله تعالى قال له: هل قدرت من عبدي أيوب على شيء؟ فباطل قطعاً، لأن الله ّ لا يكلِّم الكفار الذين هم من جند
стр. 1023
إبليس اللعين، فكيف يكلّم من تولّى إضلالهم؟!
وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده، فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة، وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلّطه عليه فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان كسب فيه حتى تقر له - لعنةُ الله عليه - عينٌ بالتمكن من الأنبياء في أموالهم، وأهليهم، وأنفسهم.
وأما قولهم: إنه قل لزوجته أنا إله الأرض، ولو تركت ذكر الله وسجدت لي لعافيته. . فاعلموا أنه لو عَرَض لأحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام، ما جاز عنده أن يكون إلها في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه يعافى من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبي؟ ولو كانت زوجة سوادي أو فَدْم بربريّ ما ساغ ذلك عندها» .
ثم قال: «ولم يصّح عن أيوب في أمره إلاّ ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضر﴾ [الأنبياء: ٨٣] والثانية في ص: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ وأما النبي ﷺ َ فلم يصحّ عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله:» بينا أيوب يغتسل إذ خرّ عليه رِجْلٌ من جرادٍ من ذهب «الحديث وقد تقدم.
وإذا لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلاّ ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامعَ إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيلياتُ مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرضْ عن سطورها بصرك، وأصمم عن سمعها أُذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خَيالاً، ولا تزيد فؤادك إلاّ خبالاً» .
أقول: «ليس بلازم في ثبوت صبر أيوب اعتقاد أمثال هذه القصص
стр. 1024
الإسرائيلية، التي حشا بها بعض المفسّرين كتبهن، ولا أمثال هذه الغرائب التي لا يصح سندها ولا نسبتها إلى الأنبياء الكرام لأنها تنافي» العصمة «ولا تتفق من المناصب الرفيعة للأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، ويكفي أن نقتصر على ما ذكره الله تعالى في كتابه، ونعرض عن مثل هذه الخرافات والأباطيل، كزعم بعضهم أنّ أيوب تساقط لحمه من شدة المرض، وأصبح الدود يخرج من جسمه حتى استقذره القريب والبعيد، وملّه الصديق والغريب ولم يصبر عليه إلا امرأته، وأنه عظم بلاؤه حتى أخرج من بيته وألقي على كُناسة (مزبلة) .
. . إلى آخر ما هنالك من حكايات مكذوبة وقصص إسرائيلية تلقّفها بعض القُصّاص، ودخلت إلى بعض كتب التفسير وهي مما تنافي (عصمة الأنبياء) .
والذي ينبغي أن يقتصر عليه المسلم أنّ ما أصاب (أيوب) من ضر إنما كان مرضاً من الأمراض المستعصية، التي ينوء بحملها الناس عادة، ويضجرون من ثقلها، وخصوصاً إذا امتد الزمن بها، وأن هذا المرض لم يصل إلى حدّ الاستقذار والنفرة، وأنه غضب على زوجه لأمرٍ من الأمور فحلف ان يضربها مائة جلدة، فجعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً، وسهّل عليه الأمر فجمع لها (مائة عود) فضربها بها ضربة واحدة ولم يحنث في يمينه، وكشف الله عنه ضُرّه وبلاءه.
الحكم الثاني: هل يباح للرجل ضرب امرأته تأديباً؟
استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على جواز ضرب الرجل امرأته تأديباً، وذلك لأن امرأة أيوب أخطأت في حق زوجها فحلف ليضربنّها مائة جلدة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخيل أو بحزمةٍ من العيدان، وذلك ليبرّ في يمينه ولا يحنث، ولو كان الضرب غير جائز لما أقرَّه القرآن عليه ودلّه على ما هو أرحم.
стр. 1025
وفي الآية إشارة إلى أنه لا يجوز ضرب المرأة فوق حدود الأدب، ولهذا قال ﵇ في حجة الوداع: «واضربوهنّ ضرباً غير مبرِّح» ، والجوازُ لا ينافي الكراهة فقد ورد عن النبي ﷺ َ أنه قال: «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ َ فقال: ذأرن النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن، فأطاف بآل النبي ﷺ َ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال ﷺ َ: «لقد طاف بآل محمد نساء يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» .
قال الجصاص: «والذي ذكره الله في القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزاً بقوله: ﴿والاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] إلى قوله ﴿واضربوهن﴾ [النساء: ٣٤] وقد دلت قصة أيوب على أن له ضربها تأديباً لغير نشوز وقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ [النساء: ٣٤] فما روي من القصة فيه يدل على مثل دلالة قصة أيوب، لأنه روي أن رجلاً لطم امرأته على عهد رسول الله ﷺ َ فأراد أهلها القصاص فأنزل الله: ﴿الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ [النساء: ٣٤] .
الحكم الثالث: هل الحكم خاص بأيوب أم هو عام لجميع الناس؟
اختلف العلماء في هذا الحكم الذي أرشده الله تعالى إليه نبيّه (أيوب) ﵇ هل هو خاص به أم عام لجميع الناس؟
فذهب (مجاهد) إلى أنه خاص بأيوب ﵇، وهو منقول عن ابن عباس ﵄، وهو مذهب (مالك، وأحمد بن حنبل) رحمهما الله تعالى.
وذهب عطاء بن أبي رباح: وابن أبي ليلى إلى أن الحكم عام، وأنّ هذه الرخصة لجميع الناس فضلاً من الله تعالى وكرماً، وهذا مذهب الشافعي
стр. 1026
وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى.
الحكم الرابع: هل يشترط في الضرب أن يكون مفرّقاً؟
وبناءً على ما سبق فقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط، فجمعها كلَّها وضربه بها ضربة واحدة، هل يكفي ذلك أم لا بدّ في الضرب أن يكون مفرقاً؟
فقال مالك وأحمد: لا يبرّ بيمينه حتى يفرّق الضرب.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه واحد منها فقد برّ في يمينه ولا يشترط التفريق.
حجة المذهب الأول:
١ - إن هذا الأمر خاص بأيوب وزوجه لأن الله تعالى قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] ولأن زوجة أيوب لم تفعل أمراً تستحق معه جلد مائة، فجعل الله سبحانه لأيوب فرجاً ومخرجاً بذلك.
٢ - ولأنه إذ أقسم بالضرب إنما أراد الإيلام، وليس في الضرب بالجميع إيلام.
٣ - الأيمان مبناها على النية، فإن لم توجد فعلى اللغة والعرف، واللغة لا تجعل الضارب مرة بسوط ذي شعب ضارباً مرات بعدد الشعب، وكذا العرف فوجب أن تجري على ما هو الحكم عندنا بموجب العرف واللغة.
حجة المذهب الثاني:
١ - عموم قصة أيوب ﵇، وشرعُ من قبلنا شرع لنا ما لم يأت ناسخ، وقد جاء في الشرع ما يؤيدها، ولم يثبت الناسخ.
стр. 1027
٢ - واستدلوا بحديث أبي أمامة عن بعض الصحابة من الأنصار: أنه أشتكى رجل منهم فعاد جلدةً على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهشَّ لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ َ. فذكروا له ذلك، وقالوا: ما رأينا بأحد من الضر مثل ما به، ولو حملناه لك لتفسَّخت عظامه، ما هو إلا جلدٌ على عظم.
فأمر النبي ﷺ َ أن يأخذوا له مائة سمراخ فيضربونه بها ضرة واحدة.
ودلالة الآية ظاهرة على صحة هذا القول.
وذلك لأن فاعل ذلك يسمى ضارباً لما شرط من العدد، وذلك يقتضي البر في يمينه.
٣ - وقالوا: إن القرآن حكم بأنه لا يحنث بفعله لقوله تعالى: ﴿فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ .
ولكن يجب أن لا يطبق ذلك في الحدود إلا مقيداً بما ورد الحديث به، فيكون ذلك حد المريض الذي وصل من المرض إلى الحد الذي وصف في الحديث الشريف.
الحكم الخامس: هل تجوز الحيلة في الشريعة الإسلامية؟
٣ - قال الجصاص: في تفسيره «أحكام القرآن» : (وفي الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث ليخرج به من اليمين ولا يصل إليها كثير ضرر) .
أقول: هذا هو الحد المقبول من الحيل الشرعية التي توصل إلى ما يجوز فعله وتدفع المكروه عن نفسه وغيره. أما الحيل التي يتوصل بها إلى الهرب
стр. 1028
من فرائض الله، والتخلص مما أوجبه الله على الإنسان، فهذه لا يقبلها ذو قلب سليم ولا يقرها مسلم عاقل، لأنَّ فرائض الله إنما فرضت لتؤدَّى، والواجبات إنما شرعت لتقام على وجه الأرض، لا لتكون طريقاً للتلاعب في أحكام الله.
وقد استدل بعض العلماء على جواز الحيلة مطلقاً بهذه الآية. وبقول الله تعالى في قصة يوسف: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] ، وليس الأمر كما زعموا فإن ذلك بإذن الله ليظهر فضله على سائر إخوته بدليل قوله تعالى: ﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [يوسف: ٧٦] .
قال الألوسي: «وعندي أنَّ كل حيلة أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة (سقوط الزكاة) وحيلة (سقوط الاستبراء) وهذا كالتوسط في المسألة فإن من العلماء من يجوِّزُ الحيلة مطلقاً ومنهم من لا يجوِّزها مطلقاً» .
الحكم السادس: هل أفعال الإله جلّ وعلا تابعة للمصالح؟
قال الإمام الفخر ﵀: (وفي قصة أيوب ﵇ دلالة على أن أفعال ذي الجلال والإكرام منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . وذلك لأن أيوب لم يقترف ذنباً حتى يكون ابتلاؤه في مقابلة ذلك الجرم، وإن كان البلاء ليجزل له الثواب، فإن الله تعالى قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام والأسقام، وحينئذٍ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة. وهذه كلمات ظاهرية جلية والحق الصريح أنه لا يُسأل عما يفعل) .
стр. 1029
الحكم السابع: هل البرّ في اليمين أفضل أم الكفارة عن اليمين؟
في الآية الكريمة دليل على أن البر باليمين ما لم يكن في إثم أفضل من الكفارة.
وقد قال ابن تيمية ﵀ إن الكفارة لم تكن مشروعة في زمنه وإلا لأمره الله تعالى بها ... وذكره ابن العربي قبله.
قال القرطبي: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة، ليس بصحيح، فإن أيوب ﵇ لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة - كما في حديث ابن شهاب - قال له صاحباه: لقد أذنبتَ ذنباً ما أظن أحداً بلغه. فقال أيوب ﷺ َ: ما أدري ما تقولان، غير أن ربي ّ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكلٌّ يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي فأكفِّر عن أيمانهم إرادة أن لا يأثم أحد يذكره، ولا يذكره إلا بحق فنادى ربه:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [الأنبياء: ٨٣] . فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفّر عن غيره بغير إذه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: إبتلاء الله تعالى لنبيّه أيوب ﵇ كان امتحاناً لإيمانه، ورفعاً لمقامه.
ثانياً: الإنسان يُبتلى في هذه الحياة على قدر إيمانه، ولهذا كان الأنبياء أعظم الناس ابتلاءً.
ثالثاً: التضرع إلى الله والشكوى إليه سبحانه لا ينافي مقام الصبر الممدوح.
стр. 1030
رابعاً: كما يبتلي الله سبحانه بالفقر يبتلي بالغنى، والمؤمن من يشكر الله في السراء والضراء.
خامساً: إذا اتقى الإنسان ربه جعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً، كما صنع بأيوب ﵇.
سادساً: زوجة أيوب جازاها الله بحسن صبرها، فأفتاه في ضربها بمائة عود جملة واحدة.
سابعاً: اتخاذ الحيلة جائز إذا لم يكن فيها إبطال حق أو هدم أمرٍ من أمور الشرع الحنيف.
ثامناً: على الإنسان أن يبرّ في يمينه أو يكفر عنها إذا كان ثمة مصلحة وكان الحنث أفضل من البر.
حكمة التشريع
لقد نزل الإسلام بتشريعاته وتعالميه ليحكم المجتمع البشري في كل ظروفه وأحواله، فلهذا أعطى لكل أمر حكماً، وراعى المصالح في أحكامه وتشريعاته كما راعى اختلاف الطباع الإنسانية، فعندما أجاز الشارع ضرب المرء زوجه إنما أجازه أولاً وقبل كل شيء في حدود، وأن يكون الضرب مبرِّحاً، ولا يتعدى حدود التأديب والتهذيب، ومع ذلك فقد اعتبر ضرب الأزواج غير ممدوح فاعله، وتبدو حكمة الترخيص بالضرب جلية في نساء مخصوصات تعوَّّدن عليه، ونشأن في ظلاله، فلم يعد من الممكن تأديبهن إلا بهذه الطريق فأجازها الشارع لذلك.
يقول شهيد الإسلام سيد قطب في كتابه «الظلال» ما نصه:
«وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة، وهي تضرب مثلاً للابتلاء
стр. 1031
والصبر ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها، والحد المأمون في هذه القصَّة هو أن أيوب ﵇ كان كما جاء في القرآن عبداً صالحاً أوّاباً، وقد ابتلاه الله فصبر صبراً جميلاً، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعاً ولكنه ظل على صلته بربه، وثقته به، ورضاه بما قسم له.
وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له، ومنهم زوجته بأنَّ اللَّهَ لو كان يحب أيوب ما ابتلاه، وكانوا يحدِّثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد ما يؤذيه الضر والبلاء. فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربها عدداً عيَّنه، قيل مائة.
وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ومداخله إلى نفوس خلصائه، ووقع هذا الإيذاء في نفسه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ .
فلما عرف ربُّه منه صدقه وصبره، ونفوره من محاولات الشيطان وتأذيه بها، أدركه برحمته، وأنهى ابتلاءه، ورد عليه عافيته إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ ﴿اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ .
ويقول القرآن الكريم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ .
وتقول بعض الروايات: إن الله أحيا له أبناءه، ووهب له مثلهم، وليس في النص ما يحتِّم أنه أحيا له من مات، وقد يكون معناه أنه بعودته إلى الصحة والعافية قد استرد أهله الذين كانوا بالنسبة إليه كالمفقودين، وأنه رزقه بغيرهم زيادة في الإنعام والرحمة والرعاية مما يصلح ذكرى لذوي العقول والإدراك.
стр. 1032
والمهم في معرض القصص هنا هو تصوير رحمة الله وفضله على عباده الذين يبتليهم فيصبرون على بلائه، وترضى نفوسهم بقضائه.
فأما قسمه ليضربن زوجه، فرحمة من الله، وبزوجه التي قامت على رعايته، وصبرت على بلائه وبلائها به، أمره الله أن يأخذ مجموعة من العيدان بالعدد الذي حدده فيضربها به ضربة واحدة تجزئ عن يمينه فلا يحنث فيها: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ هذا التيسير وذلك الإنعام، كانا جزاء على ما علمه الله من عبده أيوب من الصبر على البلاء وحسن الطاعة والالتجاء ﴿إِنَّا وجدناه صَابِراً نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .
стр. 1033
سورة محمد
[١] الحرب في الإسلام
التحليل اللفظي
﴿أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ : أكثرتم فيهم القتل والجراح، يقال: أثخن العدو: إذا أكثر فيه الجراح، قال في «اللسان» : والإثخان في كل شيء قوّته وشدّته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه ووهَنه، وأثخنته
стр. 1034
الجراحة: أوهنته، وقوله تعالى: ﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه.
﴿الوثاق﴾ : الوَثاق: في الأصل مصدر كالخلاص، وأريد به هنا ما يوثق به أي ما يربط كالحبل وغيره.
قال في اللسان: والوَثاق اسم الإيثاق، تقول: أوثقته إيثاقاً ووَثاقاً، والحبل أو الشيء الذي يوثق به (وِثاق) والجمع الوُثُق بمنزلة الرّباط والرّبُط.
وقال الجوهري: وأوثقه في الوَثَاق: أي شدّه، ومنه قوله تعالى ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ والوِثاق بكسر الواو لغة فيه. اهـ.
والمراد في الآية الكريمة: أسر الأعداء لئلا يفلتوا.
﴿مَنًّا﴾ : مصدر منّ ومعناه: أن يطلق سَراح الأسير بدون فداء، وبدون مقابل. قال الشاعر:
ما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما ... منّ الفتى وهو المَغيط المُحْنَقُ
﴿فِدَآءً﴾ : مصدر فادى: والفداء أن يطلق الأسير مقابل مالٍ يأخذه منه.
قال في اللسان: الفِداء بالكسر: فكاك الأسير، والعرب تقول: فاديت الأسير وتقول: فديته بمالي، وفديته بأبي وأمي، إذا لم يكن أسيراً، وإذا كان أسيراً مملوكاً قلتَ: فاديته، قال الشاعر:
ولكنّني فاديتُ أمّي بعدما ... علا الرأسَ منها كَبْرةٌ ومشيبُ
﴿أَوْزَارَهَا﴾ : الأوزار جمع وِزْر، وهو في الأصل: الإثم والذنب، ويطلق
стр. 1035
على الحمل الثقيل، والمراد به آلات الحرب وأثقالها من السلاح، والخيل، والعتاد، وسمي السلاح «أوزاراً» لأنه يُحمل لثقله، قال الأعشى:
وأعددتُ للحرب أوزارها ... رماحاً طوالاً، وخيلاً ذكوراً
وإنما جاء الضمير مؤنثاً (أوزارها) لأن الحرب مؤنثة.
ومعنى الآية: حتى تنتهي الحرب، وتضع سلاحها، فلا يكون قتال مع المشركين لضعف شوكتهم.
﴿ذلك﴾ : اسم الإشارة «ذلك» جيء به للفصل بين كلامين، وقد كثر في لغة العرب استعمال اسم الإشارة عند الفصل بين كلامين والانتقال من الكلام الأول للثاني، كأنه قيل: ذلك ما كنا نريد أن نقول في هذا الشأن، ونقول بعده كذا. . وكذا.
﴿لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ : أي انتصر منهم بدون أن يكلِّفكم بحرب أو قتال، فالله سبحانه قادر على إهلاك الكفار بدون حرب المسلمين لهم، ولكنه ابتلاء من الله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] .
قال الألوسي: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي لانتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسفٍ، أو رجفةٍ، أو غرقٍ، أو موتٍ جارف.
﴿لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ : أي أمركم سبحانه بالحرب ﴿لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ فيثيب المؤمن ويُكرمه بالشهادة، ويُخزي الكافر بالقتل والعذاب،
стр. 1036
والابتلاء في اللغة: الامتحان والاختبار.
﴿يُضِلَّ أعمالهم﴾ : أي فلن يضيع أعمالهم بل ستحفظ وتخلّد لهم، ويُجزون عليها الجزاء الأوفى يوم الدين.
﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ : أي بيّنها لهم وأعلمهم منازلهم فيها فلا يخطئونها، أو عرّفها لهم في الدنيا بذكر أوصافها كما قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ ... ﴾ [محمد: ١٥] الآية.
المعنى الإجمالي
يأمر الله سبحانه المؤمنين عند لقاء الكفار في الحرب، الاّ تأخذهم شفقة عليهم، بل ينبغي أن يُحكِّموا السلاح في رقابهم، ويحصدونهم بسيوفهم حصداً، حتى إذا غلبوهم، وقهروهم، وكسروا شوكتهم، عند ذلك عليهم أن يشدوا الوثاق وهو كناية عن وقوعهم أسرى في أيدي المؤمنين، فإذا انتهت الحرب فالمؤمنون عند ذلك بالخيار، إمّا أن يمنّوا على الأسرى فيطلقوا سراحهم بدون عوض، وإمّا أن يأخذوا منهم الفداء ليستعين به المسلمون على مصالحهم، بعد أن تضعف عزائم المشركين وتكسر شوكتهم.
ثم بيّن الله سبحانه الحكمة من مشروعية القتال مع قدرته تعالى أن ينتصر من أعدائه من غير أن تكون حرب بين المؤمنين والكافرين، وتلك الحكمة هي امتحان الناس، واختبار صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد في سبيل الله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] .
ثم بيّن الله تعالى بعد ذلك أنّ الذين أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، ستحفظ أعمالهم.
وتخلّد لهم، ثم هم بعد ذلك في روضات الجنات يُحبرون وفي ذلك حضّ على الجهاد، وترغيب للخروج في سبيل الله لينال المؤمن إحدى الحسنَيْين: إما النصر والعزة في الدنيا، وإمّا الشهادة في سبيل الله.
стр. 1037
وجوه القراءات
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ قرأ الجمهور ﴿الوَثَاق﴾ بفتح الواو، وقرئ ﴿الوِثاق﴾ بالكسر وهو اسم لما يوثق به.
قال الألوسي: «ومجيء (فِعال) اسم آلة كالحِزام والركاب نادر على خلاف القياس، وظاهر كلام بعضهم أنّ كلاً من المفتوح والمكسور اسم بما يوثق به» .
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا فِدَآءً﴾ قرأ الجمهور بالمدّ، وقرأ ابن كثير ﴿وإمّا فَدَى﴾ بالفتح والقصر كعصا.
قال أبو حاتم: لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته.
قال الشهاب: ولا عبرة به فقد حكى الفراء فيه أربع لغات الفتح والكسر، مع المد والقصر.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ قرأ الأعمش وحفص عن عاصم ﴿قُتلوا﴾ بتخفيف التاء مبنياً للمجهول، وقرأ الجمهور ﴿قاتلوا﴾ بألف مبيناً للمعلوم.
رابعاً: قوله تعالى: ﴿فَلَن يُضِلَّ أعمالهم﴾ قرأ عليّ كرم الله وجهه ﴿يُضَل﴾ مبنياً للمفعول، و ﴿أعمالُهم﴾ بالرفع نائب فاعل، وقرئ
стр. 1038
﴿يَضلّ﴾ بفتح الياء من ضلّ وأعمالُهم فاعل. وقراءة الجمهور ﴿يُضِلَّ أعمالَهم﴾ أي لن يُضلّ الله أعمالهم بمعنى لن يضيِّعها.
خامساً: قوله تعالى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قرأ الجمهور بتشديد الراء، وقرأ أبو رجاء وابن محيصن ﴿عَرَفها لهم﴾ بتخفيف الراء.
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ منصوب على المصدرية، أي اضربوا ضرب فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو من إضافة المصدر للمفعول، والأصل: اضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقُدّم المصدر، وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وحذف الفعل في مثله واجب كما نبّه عليه علماء النحو.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ مناً وفداء منصوبان على المصدر إمّا أن تمنوا عليهم مناً، أو تفادوهم فداءً، فهو كسابقه مفعول مطلق لفعل محذوف. وحذف الفعل الناصب للمصدر واجب كذلك ومنه قول الشاعر:
لأجهدَنّ فإمّا درءَ واقعةٍ ... تُخشى وإمّا بلوغَ السُّؤل والأمل
وجوّز أبو البقاء كون كل من (منّاً) و (فداءً) مفعولاً به لمحذوف تقديره: تولوهم مناً، أو تقبلوا منهم فداءً، ولكنّ أبا حيان ردّ هذا بأنه ليس إعرابَ نحويّ.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ﴾ ذلك، في موضع رفع لأنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: الأمر ذلك أو الحكم ذلك.
стр. 1039
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ جملة ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال، والتقدير ويدخلهم الجنة معرّفة لهم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: عبّر القرآن الكريم عن القتل بقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ والسرّ في ذلك أنّ في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ (القتل) لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حزّ العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن، وأشرب أعضائه، ومجمع حواسه، وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى، ولو قال: (فاقتلوهم) لَمَا كان هذا المعنى الدقيق.
والتعبير أيضاً: يوحي بشجاعة المؤمنين وأنهم من الكفار كأنهم متمكنون من رقابهم، يعملون فيهم سيوفهم بضرب الأعناق، وهو (مجاز مرسل) علاقته السببيّة لأن ضرب الرقبة سبب الموت.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ كناية عن الأسر أي اجعلوهم أسرى واحفظوهم رهائن تحت أيديكم، حتى تروا فيهم رأيكم، ولما كانت العادة أن يربط الأسير لئلا يهرب جاء التعبير بقوله: ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ وفيه الإشارة إلى الكفّ عن القتل والاكتفاء بالأسر، لأنّ الشريعة الغراء تنهى عن الإجهاز على الجريح، وذلك من آداب الإسلام وتعاليمه الإنسانية الرشيدة.
اللطيفة الثالثة: تقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ ذكر تعالى (المن والفداء) ولم يذكر القتل والاسترقاق، وفي ذلك إرشاد من الله تعالى إلى أن الغرض من الحرب كسر (شوكة المشركين) ، لا إراقة الدماء والتشفي بإزهاق الأرواح، فإذا ضعفت شوكة المشركين ووهَنت قواهم فلا حاجة إلى القتل.
стр. 1040
وتقديم (المن) على (الفداء) في الآية الكريمة للإشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال، فالمجاهد في سبيل الله يقاتل لإعلاء كلمة الله، لا للمغنم المادي والكسب الدنيوي.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ في الآية الكريمة إشارة إلى أن الإسلام يكره الحرب ويمقتها، لأنها مخرّبة مدمّرة، والتعبير ب ﴿أَوْزَارَهَا﴾ للإشارة إلى أنّ ما فيها من آثام إنما ترجع على الذين أشعلوها وهم الكفار، المحاربون لله ورسوله، فلولا كفرُهم وإفسادُهم في الأرض لما كانت هناك حرب.
قال الإمام الفخر: «والمقصود من وضع الحرب أوزارها، انقارض الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر، يحارب حزباً من أحزاب الإسلام، وإنما قال: ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ ولم يقل: حتى لا يبقى حرب، لأن التفاوت بين العبارتين كالتفاوت بين قولك: انقرضت دولة بني أمية، وقولك لم يبق من دولتهم أثر، ولا شك أن الثاني أبلغ، فكذا هاهنا» .
اللطيفة الخامسة: فإن قيل: لماذا لم يهلك الله الكافرين مع قدرته عليهم وأمرَ المؤمنين بالجهاد؟
فالجواب: أن الله ّ أراد بذلك أن يختبرعباده، فابتلى المؤمنين بالكافرين، ليختبر صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد، وابتلى الكافرين بالمؤمنين، ليطهّر الأرض من رجسهم، وينيل المؤمنين الشهادة في سبيله بسببهم، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ .
فإن قيل: إن الله يعلم المؤمن من الكافر، والبّرّ من الفاجر، والمطيع من العاصي، فما هي فائدة هذا الابتلاء؟ فالجواب أن الابتلاء من الله تعالى
стр. 1041
ليس بقصد العلم والمعرفة، وإنما هو بقصد إثابة المؤمن، وتعذيب الكافر، بعد إقامة الحجة عليه، حتى يقطع العذر على الإنسان، أو نقول: إن الابتلاء غرضه الكشف للناس، أو للملائكة، ليظهر لهم الصادق من المنافق، والتقي من الشقي، وليس بالنسبة له تعالى، لأنه بكل شيء عليم.
اللطيفة السادسة: أمر الله تعالى بالمنّ أو الفداء، وهذا من مكارم الأخلاق التي أرشد إليها الإسلام، روي أن الحجّاج حين أسر أصحاب (عبد الرحمن بن الأشعث) وكانوا قريباً من خمسة آلاف رجل، قتل منهم ثلاثة آلاف فجاءه رجل من (كِنْدة) فقال يا حجّاج: لا جزاك الله عن السُنَّة والكرم خيراً ﴿قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ في حق الذين كفروا ... فوالله ما مننتَ، ولا فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقلَ الأعناق حملُ المغارم
فقال الحجاج: أفٍّ لهذه الجيف﴾ ﴿أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام﴾ ؟ خلّوا سبيل من بقي، فخُلّي يومئذٍ عن بقية الأسرى وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما المراد ب ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ في الآية الكريمة؟
اختلف المفسرون في المراد من قوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ على قولين:
١ - القول الأول: أن المراد بهم المشركون الكفار عبدة الأوثان. وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.
стр. 1042
٢ - القول الثاني: أن المراد بهم كل من خالف دين الإسلام من مشركٍ، أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة، فيدخل فيه كلّ الكفار بدون استثناء وهو ظاهر الآية، واختيار جمهور المفسرين.
قال ابن العربي: وهو الصحيح لعموم الآية فيه، والتخصيصُ لا دليل عليه.
الحكم الثاني: ما المراد من قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ في الآية الكريمة؟
ذهب (السّدي) وجمهور المفسرين إلى أن المراد منه (قتل الأسير صبراً) .
والراجح هو الأول: لأن الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق﴾ قد جعلت (الإثخان) وهو الإضعاف لشوكة العدو غايةً لضرب الرقاب، فأين هو قتل الأسير صبراً؟ مع العلم بأنه إنما يقع في الأسر بعد إثخانه وضعفه، فيكون قول جمهور المفسرين هو الأرجحُ، بل هو الصحيح.
الحكم الثالث: ما المراد من الفداء وما هي أنواعه؟
ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد إطلاق سراح الأسير في مقابل ما يأخذه المسلمون منهم، وقد يكون المقابل (أسرى) من المسلمين عند الكفار بطريق التبادل.
وقد يكون المقابل (مالاً) أو عتاداً يأخذه المسلمون في نظير إطلاق الأسرى.
وقد يكون العوض (منفعة) كما كان في غزوة بدر، فقد كان من ليس عنده مال يفدي به نفسه أمره ﵊ ُ أن يعلّم عشرة من
стр. 1043
أولاد المسلمين القراءة والكتابة.
فالمراد من الفداء كل ما يأخذه المسلمون من أعدائهم من مال، أو عتاد، أو منفعةٍ، أو مبادلة أسرى بأسرى وغير ذلك.
الحكم الرابع: ما معنى قوله تعالى: ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ ؟
اختلف المفسرون في معنى الآية الكريمة على عدة أقوال:
أ - قال ابن عباس: تحتى لا يبقى أحد من المشركين يقاتل.
ب - وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلاّ دين الإسلام.
ج - وقال سعيد بن جبير: حتى ينزل المسيح بن مريم وحينئذٍ ينتهي القتال.
والقول الأخير ضعيف، لأنّ نزول عيسى ابن مريم ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما يؤخذ من الأحاديث الشريفة، فبنزوله يدخل الناس في الإسلام ولا يبقى على ظهر الأرض كافر، كما دلت عليه السنة المطهرة، ولكنّ الآية ليس فيها ما يشير إلى هذا المراد من قريب أو بعيد.
ومما يدل على أن المراد بالآية الكريمة ظهور الإيمان، واندحار الكفر بحيث تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى قوله تعالى: في سورة الأنفال [٣٩] : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ الحكم الخامس: هل يجوز قتل الأسير؟
اتفق الفهاء على جواز قتل الأسير، حتى قال: «الجصّاص» لا نعلم في ذلك خلافاً فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ َ في قتله لبعض الأسرى منها:
أ - ما روي أن النبي ﷺ َ قتل (أبا عزة) الشاعر يوم أحد.
стр. 1044
ب - وقتل (عُقْبة بن أبي مُعَيط) صبراً، و (النضر بن الحارث) بعد الأسر في بدر.
ج - وقتل (بني قُرَيظة) بعد نزولهم على حكم (سعد بن معاذ) الذي حكم فيهم بالقتل، وسبي الذرية.
د - وفتح ﷺ َ خيبر بعضَها صُلحاً، وبعضَها عَنْوة، وشرط على (ابن أبي الحُقَيْق) ألا يكتم شيئاً، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله ﵇.
هـ - وفتح مكة وأمر بقتل (هلال بن خَطَل) و (عبد الله بن أبي سَرْح) و (مقيس بن حبابة) وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة.
فكلُّ هذه الأخبار تدل على جواز قتل الأسير، ولأنّ في قتله حسمَ مادة الفساد في الأرض.
قال الألوسي: «وليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيراً بنفسه، فإن فعل كان للإمام أن يعزّره، ولكنْ لا يضمن شيئاً، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم، لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم، فإنّ الإسلام لا ينافي الرق جزاءً على الكفر الأصلي، بخلاف ما لو اسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحراراً، لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم. .» .
وقال القرطبي: «وقيل: ليس للإمام أن يقتل الأسير، وقد روي عن الحجّاج أنه دفع أسيراً إلى (عبد اله بن عمر) ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمَرنا اللَّهُ، وقرأ ﴿حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق﴾ .
قلنا: قد قاله رسول الله ﷺ َ وفَعَله، وليس في تفسير الله للمنّ والفداء
стр. 1045
منع من غيره، ولعلّ ابن عمر كره ذلك من بد الحجّاج فاعتذر بما قال وربك أعلم» .
الحكم السادس: هل يجوز أخذ الفداء من الأسير؟
اختلف الفقهاء في أخذ الفاء من الأسير على أقوال:
أولاً: مذهب الحنفية: أن الأسير لا يُفادى بالمال، ولا يباع لأهل الحرب، لأنه يرجع حرباً علينا، أمّا فداؤه بأسرى من المسلمين فجائز عند الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) وقال: (أبو حنيفة) : لا يُفادَوْن بأسرى المسلمين أيضاً.
ثانياً: مذهب الجمهور (الشافعي ومالك وأحمد) جواز أخذ الفداء من الأسرى.
دليل الحنفية:
استدل الحنفية على عدم جواز الفداء بما يلي:
أ - قالوا: إن الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] نُقل ذلك عن مجاهد.
وروي عن (قتادة) أنه قال: نسختها آية الأنفال [٥٧] : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ ووجه الاستدلال: أنّ سورة براءة من آخر ما نزل، فوجب أن يُقتل كل مشرك، إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان، ومن يؤخذ منه الجزية، والمتأخر ينسخ المتقدم كما هو المعلوم من أصول الشريعة الغراء.
ب - وقالوا: لا يجوز المنّ ولا الفداء، لأن فيه تقوية لأهل الشرك على أهل الإسلام، حيث يرجعون حرباً علينا، وقد أُمرنا بتطهير الأرض
стр. 1046
من الكفر ومن رجس المشركين.
ج - وقالوا: إنّ ما روي في (أسرى بدر) منسوخ أيضاً بما تلونا، سيّما وأنه قد نزل العتاب في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] .
فلا يجوز الاستدلال به على جواز أخذ الفداء.
د - وقالوا: إنّ ما كان من النبي ﷺ َ في صلح الحديبية: «أنّ من جاء منهم رددناه عليهم» إنما كان في بدء الدعوة، وقد نسخ ذلك، ونَهَى النبيُّ ﷺ َ عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال: «من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة» .
أدلة الجمهور:
واستدل الجمهور على جواز فداء الأسير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:
أ - قوله تعالى: ﴿فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ فقد أجازت الآية الكريمة الفداء مطلقاً بدون قيد ولا شرط، فللإمام أن يمنّ أو يفدي، أو يسترقَّ، عملاً بالآية الكريمة.
ب - وقالوا: إنَّ الآية محكمة ولا نسخ فيها، لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، والجمعُ ممكن فإنّ آية براءة وهي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أمرٌ لنا بقتل المشركين عند اللقاء، فإذا وقعوا في الأسر كففنا عن القتل إلى المنّ أو الفداء عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ .
ج - واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ َ فادى أسرى بدر بالمال، ومن لم يكن عنده مال منهم أمره ﵇ بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وهذا قد ثبت بفعله ﵊ ُ.
د - واستدلوا بما روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال:
стр. 1047
«أسرَتْ ثقيف رجلين من أصحاب النبي ﷺ َ وأسر أصحابُ النبي ﷺ َ رجلاً من بني عامر بن صعصعة فمر به النبي ﷺ َ وهو في الأسر فقال الأسير: علام أُحبس؟ فقال: بجريرة حلفائك، فقال: إني مسلم، فقال النبي ﷺ َ لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كلّ الفلاح، ثم مضى رسول الله ﷺ َ فناداه الأسير، فقال: إني جائع فأطعمني ﴿فقال النبي ﷺ َ نعم هذه حاجتك. . ثمّ فداه بالرجلين اللّذين كانت ثقيف أسرتهما» .
قالوا: فهذا دليل على جواز فداء المسلم بغيره من المشركين.
هـ - واستدلُوا با رواه مسلم عن عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ َ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
وواستدلوا بما رواه مسلم أيضاً عن (إياس بن سلمة) عن أبيه قال: «خرجنا مع أبي بكرِ ﵁، وأمّره علينا رسول الله ﷺ َ إلى أن قال: فلقيني رسول الله ﷺ َ من الغد في السوق فقال يا سَلَمة: هبْ لي المرأة - يعني التي نفّله أبو بكر إيّاها - فقلت يا رسول الله: لقد أعجبتني وما كشفتُ لها ثوباً.
ثم لقيني رسول الله ﷺ َ من الغد في السوق، فقال يا سلمة: هب لي المرأة لله أبوك﴾ ! فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفتُ لها ثوباً. . فبعث بها رسول الله ﷺ َ ففدى بها ناساً من المسلمين أُسرُوا بمكة «.
ز - واستدلوا بالمعقول وهو: أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر، للانتفاع بالمسلم، لأنّ حرمته عظيمة، وأما الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إلى المشركين، فيدفعه نفع المسلم الذي يتخلّص من فتنتهم وعذابهم، وضررُ واحد يقوم بدفعه واحد مثله فيتكافئان، وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه
стр. 1048
من عبادة الله تعالى، وفيها زيادة ترجيح.
هذه خلاصة أدلة الجمهور بالنسبة (للفداء) سواءً كان بالمال أو بالرجال على ما عرفت.
وأمّا (المنّ) على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز (عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد) وأجازه الإمام الشافعي لما ثبت أن النبي ﷺ َ منّ على (ثُمامة بن أُثال) سيّد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه، وقال ﷺ َ:» لو كان المطعم بن عدي حيّاً ثمّ كلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسارى بدر - لتركتهم له «. فقوله ﷺ َ ذلك دليل على جواز المنّ على الأسرى.
الترجيح:
وبعد استعراض هذه الأدلة من الفريقين نرى أنَّ الأرجح أن يفوّض أمر الحرب لأهل الاختصاص من ذوي الرأي والبصر، يفعلون ما تقتضي به المصلحة العامة، فإن رأوا قتل الأسرى قتلوهم، وإن رأوا أخذ الفداء بالمال أو بالأسرى، فادْوهم، وإن رأوا إبقاءهم في الأسر تركوهم تحت أيدي المسلمين، فيترك لهم تقدير المصلحة حسب الظروف التي هم فيها، وهذه من (السياسة الحكيمة) التي ينبغي أن تتوفر في قادة المسلمين.
والرسول ﷺ َ قد فعل ذلك كلّه، فأسر من أسر، وقتل من قتل، وفادى منهم، وأطلق سراح من أطلق دون مالٍ ولا فداء. وما نزل من آيات العتاب في سورة الأنفال فإنما كان بتوجيهٍ إلهي حكيم - حسب المصلحة أيضاً - حيث نزلت هذه الآيات الكريمة في (غزوة بدر) وهي أول حرب يخوضها المسلمون مع أعدائهم، فكانت المصلحة تقضي بترجيح جانب الشدّة على جانب الرحمة، بالقتل، والإثخان، وإراقة الدماء، حتى
стр. 1049
لا يطمع المشركون بالإقدام على حرب المسلمين مرة أخرى، وحتى تُقَلَّم أظافر الكفر منذ اللحظة الأولى، فإذا علم المشركون أن لا رحمة في قلوب المسلمين عليهم، هابوهم وتخوّفوا من الإقدام على حربهم، وهذا ما كان قد أشار به الفاروق عمر ﵁ على رسول الله ﷺ َ ونزل القرآن موافقاً لرأية.
ولمّا كثر عدد المسلمين، وقويت شوكتهم، وأصبحت الدولة بأيديهم نزل القرآن الكريم بالمنّ والفداء على الأسرى، بعد أن توطّدت دعائم الدولة الإسلامية، وأصبح صرح الإسلام شامخاً عتيداً، فكان المنّ عن قوّة، لا عن ضعف، وعن عزة، لا عن ذلة واستكانة.
فالمصلحة العامة هي التي ينبغي أن تراعى في مثل هذه الحالات، والحربُ مكر وخديعة، ولا عزة للضعفاء المستكينين.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: المؤمن يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فينبغي أن يكون شجاعاً مقداماً.
ثانياً: إثخان العدو بكثرة القتل فيهم والجروح، من أجل إضعاف شوكتهم وتوهين قوتهم.
ثالثاً: الحرب في الإسلام حرب مقدسة، غرضها تطهير الأرض من رجس الكفرة المشركين.
رابعاً: الاكتفاء بالأسر بعد إثخان العدو مظهر من مظاهر رحمة الإسلام بأعدائه.
خامساً: إطلاق سراح الأسرى بدون عوض، أو أخذ الغداء منهم يبنغي
стр. 1050
أن تراعى فيه مصلحة المسلمين.
سادساً: الجهاد في سبيل الله ماضٍ في هذه الأمة حتى لا يبقى على وجه الأرض مشرك.
سابعاً: الله جل ثناؤه قادر على أن ينتقم من المشركين ولكنه أراد أن يُنيل المؤمنين أجر الاستشهاد في سبيله.
ثامناً: الحياة ابتلاء للمؤمن والكافر، يبتلي بعضهم ببعض ليعذب الكافر ويثيب المؤمن.
حكمة التشريع
أقر الإسلام الحرب - مع علمه بما تجره على البلاد من ويلات ونكبات - لضرورة وقائية، وعلاج اضطراري، لا مناص منه لمجابهة الطغيان، ودفع الظلم والعدوان، وتطهير الأرض من رجس المشركين الغادرين، على حد قول القائل:
إذا لم تكن إلاّ الأسنّة مركباً ... فلا بدّ للمضطر إلاّ ركوبُها
ولكنّ الإسلام في الوقت الذي يدعو فيه إلى الجهاد، ويحض على القتال، ويبيح الحرب كضرورة من الضرورات، تجده يأمر بالرحمة والشفقة في (معاملة الأسرى) الواقعين في أسر العبودية، فيحرّم تعذيبهم أو إيذاءهم كما يحرم التمثيل بالقتلى، أو الإجهاز على الجرحى، أو تقتيل النساء والصبيان.
إن الغرض من الجهاد ليس إراقة الدماء، وسلب الأموال، وتخريب الديار، ولكنه غرض إنساني نبيل، هو حماية المستضعفين في الأرض، ودفع عدوان الظالمين، وتأمين الدعوة، والوقوف في وجه الاستعلاء والطغيان
стр. 1051
كما قال جل ثناؤه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .
ولقد كان من وصايا النبي الأكرم ﷺ َ، للجند والجيش المجاهدين في سبيل الله، أن يأمرهم بطاعة الله، وعدم الغدر والخيانة حتى بالأعداء. فقد روى مسلم في صحيحة أن رسول الله ﷺ َ كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال:
«أُغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أُغزوا ولا، تَغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً» .
وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي وصية أبي بكر ﵁ لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرّقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكله، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم له» .
وهكذا كانت رحمة الإسلام في الحرب، ممثلة بمبادئه الإنسانية الرحيمة، فالإسلام حين يبيح الحرب يجعلها مقدرة بقدرها، فلا يقتل إلاّ من يقاتل في المعركة، وأمّا من تجنّب الحرب فلا يحل قتله أو الاعتداء عليه ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تعتدوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ [البقرة: ١٩٠] .
لقد حرّم الإسلام قتل النساء، والشيوخ، والأطفال، وقتل المرضى والرهبان.
وحرّم (المُثْلَة) والإجهاز على الجريح، وتتبّع الفارَّة، وتحريق البيوت
стр. 1052
والأشجار. وذلك تمشياً مع نظرته الإنسانية المثلى، في حماية المستضعفين، ودفع الظلم والعدوان، ولأن الحرب كعملية جراحية، يجب ألاّ تتجاوز موضع المرض من جسم الإنسان.
فلا عجب أن نرى هذه الرحمة ممثّلة في تعاليم القرآن، تدعو إلى الإحسان إلى الأسرى ثمّ إلى المنّ عليهم والفداء، حتى تنتهي المعركة لما فيه خير الإنسانية بانتصار الحق واندحار الباطل وصدق الله العظيم: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ .
فللَّه ما أرحم الإسلام ﴿وما أسمى مبادئه وأحكامه﴾ !
стр. 1053
[٢] ترك العمل بعد الشروع
التحليل اللفظي
﴿تبطلوا﴾ : تضيعوا ثوابها من بَطَل الشيء يَبْطُل بُطْلاً وبطلاناً: ذهب ضياعاً وخسراً.
﴿وَصَدُّواْ﴾ : أعرضوا من الصد: وهو الإعراض والصدوف، قال تعالى: ﴿رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ [النساء: ٦١]
стр. 1054
﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾ : أي لا تفْتُروا، ولا تضعُفُوا، ولا تجبُنوا عن قتال العدو من الوهن أي الضعف في النفس والعمل قال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
﴿وَلَن يَتِرَكُمْ﴾ : أي لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، ولن يظلمكم من وتَرَه حقَّه وماله نقصه إياه وفي حديث النبي ﷺ َ: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله» .
قال أبو عبيدة: وترثُ الرجل إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخ، أو حميم، أو قريب، أو ذهبتَ بماله.
المعنى الإجمالي
نادى الله المؤمنين مخاطباً إياهم بوصف الإيمان تذكيراً لهم بأن هذا الوصف يدعوهم إلى طاعة أوامر الله تعالى، الآتية بعد هذا النداء، ثم جاء الأمر بطاعة الله ﷻ في أوامره ونواهيه، فطاعته هي السبيل إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وطاعة رسول الله ﷺ َ من طاعة المولى سبحانه فعلى المؤمن أن يتَّبعه في كل سُنَّة سنَّها.
ثم نهى الله المؤمن عن إبطال عمله، فقد يقدِّم أعمالاً كثيرة من الطاعة، ولكنه قد يضيع عمله بالمعاصي والرياء والعجب ... إلى غير ما هنالك، فنهاه الله عن ذلك، فعلى المؤمن أن يحافظ على ما يقدم من الطاعات.
стр. 1055
ثم بين الله تعالى أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى لا يظن الظان أن المؤمن إن أبطل عمله بالمعاصي فقد هلك، بل فضلُ الله باق يغفر له بفضله، وإن لم يغفر له بعمله.
وإذا كان أمر الكفار في الآخرة هذا، فأمرهم في الدنيا كذلك من الذلة والحقارة، فلا تضعفوا أيها المؤمنون في ملاقاتهم، ولا تجنبوا عن قتالهم، فالنصر لك آجلاً أو عاجلاً، فلا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً، وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء للدنية، وأنتم الأعلون عزةً وقوةً ورفعة مكانة، وذلك لأن الله معكم يؤيدكم بنصرة، ويؤيدكم بقوته، ولن ينقصكم من أعمالكم شيئاً بل يعطيكم ثوابها كاملاً خير منقوص.
فائدة
أولاً: أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ َ يرون أنه لا يضر مع (لا إله إلا الله) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل. ولفظ عبد بن حميد» فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم «.
ثانياً: وأخرج ابن نصر المروزي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر ﵄ قال:
كنا معاشر أصحاب محمد ﷺ َ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت
следующие страницы →