Полный текст (1 222 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
كما قال جل ثناؤه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .
ولقد كان من وصايا النبي الأكرم ﷺ َ، للجند والجيش المجاهدين في سبيل الله، أن يأمرهم بطاعة الله، وعدم الغدر والخيانة حتى بالأعداء. فقد روى مسلم في صحيحة أن رسول الله ﷺ َ كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال:
«أُغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أُغزوا ولا، تَغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً» .
وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي وصية أبي بكر ﵁ لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرّقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكله، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم له» .
وهكذا كانت رحمة الإسلام في الحرب، ممثلة بمبادئه الإنسانية الرحيمة، فالإسلام حين يبيح الحرب يجعلها مقدرة بقدرها، فلا يقتل إلاّ من يقاتل في المعركة، وأمّا من تجنّب الحرب فلا يحل قتله أو الاعتداء عليه ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تعتدوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ [البقرة: ١٩٠] .
لقد حرّم الإسلام قتل النساء، والشيوخ، والأطفال، وقتل المرضى والرهبان.
وحرّم (المُثْلَة) والإجهاز على الجريح، وتتبّع الفارَّة، وتحريق البيوت
стр. 1052
والأشجار. وذلك تمشياً مع نظرته الإنسانية المثلى، في حماية المستضعفين، ودفع الظلم والعدوان، ولأن الحرب كعملية جراحية، يجب ألاّ تتجاوز موضع المرض من جسم الإنسان.
فلا عجب أن نرى هذه الرحمة ممثّلة في تعاليم القرآن، تدعو إلى الإحسان إلى الأسرى ثمّ إلى المنّ عليهم والفداء، حتى تنتهي المعركة لما فيه خير الإنسانية بانتصار الحق واندحار الباطل وصدق الله العظيم: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ .
فللَّه ما أرحم الإسلام ﴿وما أسمى مبادئه وأحكامه﴾ !
стр. 1053
[٢] ترك العمل بعد الشروع
التحليل اللفظي
﴿تبطلوا﴾ : تضيعوا ثوابها من بَطَل الشيء يَبْطُل بُطْلاً وبطلاناً: ذهب ضياعاً وخسراً.
﴿وَصَدُّواْ﴾ : أعرضوا من الصد: وهو الإعراض والصدوف، قال تعالى: ﴿رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ [النساء: ٦١]
стр. 1054
﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾ : أي لا تفْتُروا، ولا تضعُفُوا، ولا تجبُنوا عن قتال العدو من الوهن أي الضعف في النفس والعمل قال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
﴿وَلَن يَتِرَكُمْ﴾ : أي لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، ولن يظلمكم من وتَرَه حقَّه وماله نقصه إياه وفي حديث النبي ﷺ َ: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله» .
قال أبو عبيدة: وترثُ الرجل إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخ، أو حميم، أو قريب، أو ذهبتَ بماله.
المعنى الإجمالي
نادى الله المؤمنين مخاطباً إياهم بوصف الإيمان تذكيراً لهم بأن هذا الوصف يدعوهم إلى طاعة أوامر الله تعالى، الآتية بعد هذا النداء، ثم جاء الأمر بطاعة الله ﷻ في أوامره ونواهيه، فطاعته هي السبيل إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وطاعة رسول الله ﷺ َ من طاعة المولى سبحانه فعلى المؤمن أن يتَّبعه في كل سُنَّة سنَّها.
ثم نهى الله المؤمن عن إبطال عمله، فقد يقدِّم أعمالاً كثيرة من الطاعة، ولكنه قد يضيع عمله بالمعاصي والرياء والعجب ... إلى غير ما هنالك، فنهاه الله عن ذلك، فعلى المؤمن أن يحافظ على ما يقدم من الطاعات.
стр. 1055
ثم بين الله تعالى أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى لا يظن الظان أن المؤمن إن أبطل عمله بالمعاصي فقد هلك، بل فضلُ الله باق يغفر له بفضله، وإن لم يغفر له بعمله.
وإذا كان أمر الكفار في الآخرة هذا، فأمرهم في الدنيا كذلك من الذلة والحقارة، فلا تضعفوا أيها المؤمنون في ملاقاتهم، ولا تجنبوا عن قتالهم، فالنصر لك آجلاً أو عاجلاً، فلا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً، وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء للدنية، وأنتم الأعلون عزةً وقوةً ورفعة مكانة، وذلك لأن الله معكم يؤيدكم بنصرة، ويؤيدكم بقوته، ولن ينقصكم من أعمالكم شيئاً بل يعطيكم ثوابها كاملاً خير منقوص.
فائدة
أولاً: أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ َ يرون أنه لا يضر مع (لا إله إلا الله) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل. ولفظ عبد بن حميد» فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم «.
ثانياً: وأخرج ابن نصر المروزي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر ﵄ قال:
كنا معاشر أصحاب محمد ﷺ َ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت
стр. 1056
هذه الآية: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.
وجوه القراءات
أولاً: قوله تعالى: ﴿وتدعوا إِلَى السلم﴾ قرأ الأكثرون بفتح السين ﴿السّلْم﴾ . وقرأ الحسن وحمزة وغيرهما بكسر السين ﴿السِّلْم﴾ .
ثانياً: قوله تعالى: ﴿تدعوا﴾ قرأ الجمهور تدعوا مضارع دعا. وقرأ السّلمي بتشديد الدال تدَّعوا: أي تفتروا.
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأعلون﴾ جملة حالية وكذا (والله معكم) .
ويجوز أن يكونا جملتي استئناف أخبر أولاً بقوله أنتم الأعلون فهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود، ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون الله تعالى معهم.
فلا تهنوا: الفاء فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله أي إذا علمتم أن الله مبطل أعمالهم ومعاقتهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم، ولا تظهروا ضعفاً.
وقيل: هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة.
وتدعوا إلى السلم: عطف على تهنوا داخل في حيّز النهي.
стр. 1057
وجُوِّز أن يكون منصوباً بإضمار أن فيعطف المصدر المسبوك على مصدر متصيّد مما قبله.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قال الفخر الرازي: «قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ العطف ها هنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش، لأن طاعة الله تَحْمل على طاعة الرسول» .
وقال الألوسي: «وإعادة الفعل في قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ للاهتمام بشأن إطاعته ﵊ ُ» .
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ الآية.
قال الفخر الرازي: يحتمل وجوهاً:
أحدها: دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
الوجه الثاني: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة الرسول كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه ويؤيده قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] .
الثالث: لا بتطلوا أعمالكم بالمنّ والأذى كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَاّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] .
وقد اختلف فيما يبطل الأعمال على أقوال:
قال الحسن: المعاصي والكبائر.
стр. 1058
وقال عطاء: الشك والنفاق ونقل عن ابن عباس.
وقال ابن عباس: الرياء والسمعة ونقل عن ابن جريج.
وقال مقاتل: المن.
وقيل: العُجْب فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وقيل المراد بالأعمال الصدقات أن تعطلوها بالمن والأذى.
قال القرطبي: وكله متقارب وقول الحسن يجمعه.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأعلون﴾ : استعمال العلو في رفعة المنزلة مجاز مشهور، أي أنتم أعز منهم لأنكم مؤمنون والحجة لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وقيل ﴿وَأَنتُمُ الأعلون﴾ : أي أنتم أعلم بالله منهم.
وقال الجصاص: أي وأنتم أعلم بالله منهم.
وقال الجصاص: أي وأنتم أولى بالله منهم.
وكلها متقاربة فالإيمان يرفع منزلة أهله ويعزهم.
اللطيفة الرابعة: قال الفخر الرازي: قوله ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم﴾ وعد لأن الله تعالى لما قال: ﴿والله مَعَكُمْ﴾ كان فيه أن النصر بالله لا بكم، فكأَن القائل يقول: لم يصدر مني عمل له اعتبار، فلا استحق تعظيماً، فقال: هو ينصركم ومع ذلك لا يَنْقُص من أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النُصرة جعلت بكم، ومنكم، فكأنكم مستقلون في ذلك، ويعطيكم أجر المستبد.
اللطيفة الخامسة: في الآية الكريمة دعوة إلى العزّة والكرامة، وتشجيع للمؤمنين للجهاد والنصال، لمجابهة أعدائهم دون وهن أو خور، لأن المؤمن لا يرضى بحياة الذلك والهوان، وقد أحسن من قال:
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
стр. 1059
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ يدل على أن كل من دخل في قُربة، لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها.
واختلف العلماء في هذا الحكم على مذهبين.
فذهب (الشافعي وأحمد) إلى أن للمرء أن يترك النافلة إذا شرع فيها ولا شيء عليه ما عدا الحج فيجب عليه الإتمام، وأما في الصلاة والصوم فيستحب له الإتمام ولا يجب.
وذهب (أبو حنيفة ومالك) إلى أنه ليس له ذلك، فإذا أبطله وجب عليه القضاء.
أدلة المذهب الأول:
قالوا: هو تطوع، والمتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع قال تعالى: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
وقالوا في جواب الاستدلال بالآية: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض. فنهي الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلاً فلا، لأنه ليس واجباً عليه.
واللفظ في الآية وإن كان عاماً، فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييراً.
أدلة المذهب الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تبطلوا أعمالكم﴾ أفاد أن التحلل من التطوع بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العلم وقد نهى الله عنه.
стр. 1060
وعن عائشة ﵂ قالت: كنت أنا وحفصة صائمين فأهدي لنا طعام، فأكلنا منه فدخل رسول الله ﷺ َ، فقالت حفصة وبدرتني، وكانت بنت أبيها: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال: «اقضيا مكانه يوماً» .
وقالوا في جواب دليل المذهب الأول: المتطوع أمير نفسه، ولا سبيل عليه قبل أن يشرع أما إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب أن يؤدي ما التزم وأن يوفي بما عقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ [المائدة: ١] .
ثم اللفظ عام في الآية يشمل التطوع وغيره.
الحكم الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم﴾ .
فيه دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، فأما إذا كان في الكفار قوة وكثرة بالنسبة إلى جمع المسلمين، ورأى الإمام المسلم في المهادنة، والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ َ حين صده كفار قريش عن مكة ودعوة إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم ﷺ َ إلى ذلك.
فائدة:
دلّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم وَأَنتُمُ الأعلون ... ﴾ الآية على أن النبي ﷺ َ لم يدخل مكة صلحاً، وإنما فتحها عَنوةً، لأن الله تعالى قد نهاه عن الصلح في هذه الآية.
стр. 1061
سورة الحجرات
[١] التثبت من الأخبار
стр. 1062
التحليل اللفظي
﴿فَاسِقٌ﴾ : الفاسق: الخارج من حدود الشرع، والفسقُ في أصل الاشتقاق موضوع لما يدل على معنى (الخروج) مأخوذ من قولهم: فسقت الرُطبةُ إذا خرجت من قشرها، وسمّي الفاسق فاسقاً لانسلاخه عن الخير.
وفي اللسان: الفسق: العصيان والترك لأمر الله ، والخروج عن طريق الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج من طاعة ربه، والفواسق من النساء: الفواجر قال الشاعر:
فواسقاً من أمره جوائراً ... قال الراغب: والفسق أعم من الكفر، لأنه يقع بالقليل والكثير من الذنوب، ولكن تعورف فيما كان بالكثير، وأكثر ما يقال لمن كان مؤمناً ثم أخلّ بجميع الأحكام أو ببعضها.
﴿بِنَبَإٍ﴾ : النبأ في اللغة: الخبر، والجمع أنباء كذا في «القاموس» و «اللسان» ، ويرى بعض اللغويين أنه لا يقال للخبر: نبأ حتى يكون هامّاً، ذا فائدة عظيمة، فكل خبر هام يسمّى (نبأ) قال تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] وقال ّ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨] وأمّا إذا لم يكن هاماً فلا يقال له نبأ.
قال الراغب: لا يقال للخبر في الأصل (نبأ) حتى يكون ذا فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن.
стр. 1063
﴿فتبينوا﴾ : التبيّن: طلب البيان والتعرّف، وقريب من التثبت، والمراد به هنا التحقق والتثبت من الخبر حتى يكون الإنسان على بصيرة من أمره.
ومعنى الآية الكريمة: إن جاءكم فاسق بنبأ عظيم له نتائج خطيرة، فلا تقبلوا قوله حتى تتثبّتوا وتتحققوا من صدقه، لتأمنوا العاقبة.
﴿بجهالة﴾ : أي جاهلين حالهم، أو تصيبوهم بسبب جهالتكم أمرهم.
﴿نادمين﴾ : الندم: الغم على وقوع شيء مع تمني عدم وقوعه، يقال: ندم على الشيء، وندم على ما فعل ندماً وندامة، وتندّم أسِف، كذا في «اللسان» .
والمراد بالندم: الهمّ الدائم، والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام كما في قولهم: أدمن في الشرب، ومَدَنَ أي أقام ومنه المدينة.
﴿لَعَنِتُّمْ﴾ : أي لوقعتم في العَنَت، قال ابن الأثير: العنت: المشقة، والفساد، والهلاك. وقال في «اللسان» : العنت: الهلاك، وأعنَتَه: أوقعه في الهلكة، وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ﴾ أي لوقعتم في الفساد والهلاك.
يقال: فلان يتعنّت فلاناً أي يطلب ما يؤديه إلى الهلاك، ويقال أعنَتَ العظمُ إذا كسر بعد الجبر.
﴿الراشدون﴾ : جمع راشد، وهو المهتدي إلى محاسن الأمور ومنه سمي الخلفاء الراشدون، والرَشَد الاستقامة على طريق الحق مع تصلّب فيه،
стр. 1064
من الرشّاد وهو الصخر.
﴿بَغَتْ﴾ : البغي: التطاول والفساد قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ﴾
[القصص: ٧٦] . وأصل البغي: مجاوزة الحد في الظلم والطغيان، والفئة الباغية: هي الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل وفي الحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) .
قال في اللسان: وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بغيٌ، وفي التنزيل: ﴿بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] .
﴿تفياء﴾ : أي ترجع إلى الطاعة، وفاء إلى الشيء: رجع إليه ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي رجعوا. والفيء: ما رجع إلى المسلمين من الكفار بدون حرب.
﴿المقسطين﴾ : العادلين المحقين، من الرباعي (أقسط) بمعنى عدل، وأمّا (قَسَطَ) فمعناه ظلم وقد تقدّم.
المعنى الإجمالي
يقول الله ﵎ ما معناه: يا أيها المؤمنون، يا من أتصفتم بالإيمان، وصدّقتم بكتاب الله، وآمنتم برسوله، وعلمتم علم اليقين أنّ ما جاءكم به الرسول حق لأنه من عند الله، لا تسمعوا لكل خبر، ولا تصدّقوا كل إنسان، بل تحقّقوا وتثبتوا من الأمر، قبل أن تصيبوا إخوة لكم مؤمنين، بسبب خبر لم تتحققوا من صحته، وكلام لم تتأكدوا من صدقه، فتندموا على ما فرط منكم، ولكن لا ينفعكم حينئذٍ الندم.
стр. 1065
واعلموا - أيها المؤمنون - أن فيكم السيّد المبجّل، والنبيّ المعظّم (رسول الله ﷺ َ) المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، الذي يطلعه الله على الخفايا، فلا تحاولوا أن تستميلوه لرأيكم، ولو أنه استجاب لكم، وأطاعكم في غالب ما تشيرون به عليه، لوقعتم في الجهد والهلاك، ولكنّ الله - بمنّة وفضله - حفظه وحفظكم، ونوّر بصائر أتباعه المؤمنين، وحبّب إليهم الإيمان، وبغّض إليهم الكفّر والفسوق والعصيان، وأرشدهم إلى سبيل الخير والسعادة.
ثمّ عقّب تعالى بما يترتب على سماع مثل هذه (الأنباء المكذوبة) من تخاصم، وتباغض، وتقاتل، فقال: إذا رأيتم أيها المؤمنون طائفتين من إخوانكم جنحتا إلى القتال والعدوان، فابذلوا جهدكم للتوفيق بينهما، وادعوهما إلى النزول على حكم الله، فإن اعتدت إحدى الطائفتين على الأخرى وتجاوزت حدّها بالظلم والطغيان، وأرادت أن تبغي في الأرض، فقاتلوا تلك الطائفة الباغية، حتى تثوب إلى رشدها، وترضى بحكم الله ّ، وتقلع عن البغي والعدوان، فإذا كفّت عن العدوان فأصلحوا بينهما بالعدل، لأنهم إخوتكم في الدين، ومن واجب المسلمين أن يَصْلحوا بين الإخوان، لا أن يتركوا البغضاء تدبّ، والفرقة تعمل عملها، لأنّ المؤمنين جميعاً إخوة، جمعتهم (رابطة الإيمان) وليس ثمة طريق إلى إعادة الصفاء إلاّ بالإصلاح بين المتخاصمين، فهو سبيل الفلاح وطريق الفوز والنجاح، واتقوا الله لتنالكم رحمته، وتسعدوا بمرضاته ولقائه.
стр. 1066
سبب النزول
أولاً: روى الإمام أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي أنه قال:
«قدمتُ على رسول الله ﷺ َ فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول الله رسولاً لإبّان كذا، وكذا، ليأتيك بما جمعت من الزكاة.
. فلمّا جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ زمان الوعد الذي أراد رسول الله ﷺ َ أن يبعث إليه، احتبس الرسول فلم يأت، فظنّ الحارث أن قد حدث فيه سخطه من الله ورسوله، فدعا سَرَوَات قومه فقال لهم: رسول الله ﷺ َ كانَ وقَّت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندنا من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ َ الخُلْف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطةٍ عليَّ، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ َ؟
وبعث رسول الله (الوليد بن عقبة) إلى الحارث ليقبض ما كان عنده ممّا جُمع من الزكاة، فلمّا سار حتى بلغ بعض الطريق، فَرِق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ َ فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ َ البَعْث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى استقبله البعث وقد فصل عن المدينة، قالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال إلى أين؟ قالوا: إليك، قال: ولم، قالوا: إن النبي ﷺ َ كان بعث إليك (الوليد بن عقبة) فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال:
стр. 1067
لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على النبي ﷺ َ قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلتُ إلاّ حين احتبس عليّ رسولُ رسولِ الله ﷺ َ، خشية من أن تكون سخطة من الله ورسوله عليّ، فنزلت الآية: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ .
قال الإمام الفخر: ما ذكره المفسّرون من أنها نزلت بسبب (الوليد بن عقبة) حين بعثه الرسول ﷺ َ إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم ... الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبت في خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهذا ضعيف، لأن الوليد لم يتقصّد الإساءة إليهم، ورواية الإمام أحمد تدل على أنّ الوليد خاف وفَرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنّها خرجت لحربة فرجع وأخبر الرسول ﷺ َ بما أخبره ظناً منه أنهم خرجوا لقتاله.
يقول الإمام الفخر: «ويدل على ضعف قول من يقول إنها نزلت لكذا أن الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا والنبي ﵇ لم ينقل عنه أنه بيّن أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل التاريخ لنزول الآية، ويتأكد ما ذكرنا أن اطلاق لفظ (الفاسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المرادُ به من خرج من ربقة الإيمان لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المنافقون: ٦] وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار﴾ [السجدة: ٢٠] إلى غير ذلك.
стр. 1068
ب - وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ فقد ذُكِر في سبب نزولها ما يأتي:
أولاً: أخرج البخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن أنس ﵁ أنه قال: «قيل للنبي ﷺ َ لو أتيتَ (عبد الله بن أُبَي) فانطلَقَ إليه وركب حماراً، وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي ﷺ َ قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: واللَّهِ لحمارُ رسول الله أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنّعال، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ .
ثانياً: وروى الشيخان عن أسامة بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ َ خرج يعود (سعد بن عُبادة) فمرّ بمجلس فيهم عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن رواحة، فخمّر ابن أُبيّ وجهه برادائه، وقال: لا تغبّروا علينا، فقال عبد الله بن رواحة: لحمار رسول الله ﷺ َ أطيب ريحاً منك، فتعصّب لكل أصحابه فتقاتلوا حتى كان بينم ضرب بالنعال والأيدي والسّعف فنزلت الآية.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: سورة الحجرات تسمّى سورة (الأخلاق والآداب) فقد أرشدت إلى مكارم الأخلاق، وجاء فيها النداء بوصف الإيمان بقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ خمس مرات، وفي كل مرة إرشاد إلى مكرمة
стр. 1069
من المكارم، وفضيلة من الفضائل، وهذه الآداب الرفيعة نستعرضها في فقرات وهي:
١ - وجوب الطاعة والانقياد لأوامر الرسول ﷺ َ وعدم التقدم عليه برأي أو قول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ... ﴾ [الحجرات: ١] أي لا تَعْجَلوا بقولٍ أو فعل قبل أن يقول فيه رسول الله أو يفعل.
٢ - احترام الرسول وتعظيم شأنه وعدم رفع الصوت في حضرته ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي ... ﴾ [الحجرات: ٢] الآية.
٣ - وجوب التثبت من صحة الأخبار، وعدم الاعتماد على أقوال الفسقة المفسدين ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا ... ﴾ الآية.
٤ - النهي عن السخرية بالناس وعن التنابز بالألقاب ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ... ﴾ [الحجرات: ١١] الآية.
٥ - النهي عن التجسّس، والغيبة، وسوء الظن، وعن سائر الأخلاق الذميمة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ... ﴾ [الحجرات: ١٢] الآية.
فهذه السورة الكريمة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، قد جمعت الفضائل والآداب الإنسانية، فلا عجب أن تسمى (سورة الآداب) أو (سورة الأخلاق) فهي تتناول الأدب مع الله، والأدب مع الرسول، والأدب مع النفس، والأدب مع المؤمنين، والأدب مع الناس عامة، وكلها بهذا الشكل الرتيب.
اللطيفة الثانية: تصدير الخطاب بالنداء ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ لتنبيه المخاطبين على أنّما بعده أمر خطير، يستدعي مزيد العناية والاهتمام بشأنه، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة عليه، ووازع عن
стр. 1070
الإخلال به. أفاده العلامة أبو السعود.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ في هذا التعبير إشارة لطيفة إلى أن المؤمن ينبغي أن يكون حذراً يقظاً، لا يقبل كلّ كلام يلقى على عواهنه، دون أن يعرف المصدر، وتنكير (فاسق) للتعميم، لأنه نكرة في سياق الشرط، وهي كالنكرة في سياق النفي تفيد العموم كما قرّره علماء الأصول، والمعنى إن جاءكم أيّ فاسق فتثبتوا من خبره، وجاء بحرف التشكيك (إن) ولم يقل (إذا) التي تفيد التحقيق، ليشير إلى أنّ وقوع مثل هذا إنما هو على سبيل (النّدرة) إذْ الأصل في المؤمن أن يكون صادقاً ولمَّا كان رسول الله ﷺ َ وأصحابه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من (الوليد بن عقبة) إلاّ في النّدرة قيل: ﴿إِن جَآءَكُمْ﴾ بحرف الشك. فتدبر أسرار الكتاب العزيز.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله﴾ تقديم خبر أنّ على اسمها ليفيد معنى الحصر، المستتبع لزيادة التوبيخ لهم على ما فرط منهم في حقّ الرسول ﷺ َ، وفي الكلام إشعار بأنّهم زيّنوا بين يدي الرسول ﷺ َ الايقاع بالحارث وقومه، وقد أريد أن ينعى عليهم ذلك بتنزيلهم منزلة من لا يعلم أنه ﵇ بين أظهرهم.
قال الإمام الفخر ﵀: «والذي اختاره وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى لما قال: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ أي فتثبّتوا واكشفوا قال بعده: ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله﴾ .
أي الكشفُ سهل عليكم بالرجوع إلى النبي ﷺ َ، فإنه فيكم مبيّن مرشد، وهذا كما قال القائل عند اختلاف تلاميذ شيخٍ في مسألة، هذا الشيخ قاعد. . لا يريد به بيان قعوده، وإنما يريد أمرهم بالرجوع إليه.
стр. 1071
فكأن الله تعالى يقول: استرشدوا بالرسول ﷺ َ فإن يعلم ولا يطيع أحداً، فلا يوجد فيه حيف، ولا يروج عليه زيف، لأنه لا يعتمد على كثير من آرائكم التي تبدونها، وإنما يعتمد على الوحي الذي يأتيه من عند الله.
اللطيفة الخامسة: صيغة المضارع تفيد (الاستمرار والتجدّد) بخلاف الماضي، فالعدول عن الماضي إلى المضارع في قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ليفيد هذا المعنى على أنهم كانوا يريدون إطاعة الرسول لهم إطاعة مستمرة بدليل قوله تعالى: ﴿فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر﴾ وذلك أن صيغة المضارع تفيد التجدد والاستمرار، تقول: فلانَ يقري الضيف، ويحمي الحريم، تريد أن ذلك شأنه وأنه مستمر على ذلك.
قال العلامة الألوسي: «وفي هذا التعبير ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ﴾ مبالغات من أوجه:
أحدها: إيثار (لو) ليدلّ على الفرض والتقدير.
والثاني: ما في العدول إلى المضارع من إرادة استمرار ما حقه أن يفرض للتهجين والتوبيخ.
والثالث: ما في لفظ (العنت) من الدلالة على أشدّ المحذورة، فإنه الكسر بعد الجبر.
والرابع: ما في الخطاب، والجدير به غير (الكُمّل) ليكون أردع لمرتكبه وأزجر.
وكأنّ الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ولا تكونوا أمثال هؤلاء الذين استفزهم النبأ قبل التعرف على صدقه، ثم لم يكتفوا حتى أرادوا أن يحملوا الرسول على رأيهم، ليوقعوا أنفسهم ويوقعوا غيرهم في العنت والإرهاق، واعلموا جلالة قدر الرسول ﷺ َ وتفادّوْا
стр. 1072
عن أمثال هذه الأخطاء.
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿أولئك هُمُ الراشدون﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون﴾ [الروم: ٣٩] وهذا الالتفات من المحسّنات البديعية كما قرّره علماء البلاغة، كما قرّره علماء البلاغة، ويقصد به التعظيم أي هؤلاء الذين حبّب الله إليهم الإيمان، وزيّنه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق العصيان، هم الذين بلغوا أرفع الدرجات وأعلى المناصب، ونالوا هذه الرتبة العظيمة (رتبة الرشاد) فضلاً من الله وكرماً.
اللطيفة السابعة: قوله تعالى ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ الطائفة في اللفظ مفرد، وفي المعنى جمع، لأنها تدل على عدد كبير من الناس، ولهذا جاء التعبير بقوله (اقتتلوا) رعايةً للمعنى فإن كلّ طائفةٍ من الطائفتين جماعة، ثم قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ ولم يقل بينهم رعايةَ للفظ، والنكتة في هذا هو ما قيل: إنهم عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة وهم مختلطون فلذا جمع الضمير، وفي حال الصلح تتفّق كلمة كل طائفة حتى يكونوا كنفسين فلذا ثُنّي الضمير.
اللطيفة الثامنة: قال الإمام الفخر ﵀: قال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين﴾ ولم يقل (منكم) مع أنّ الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ تنبيهاً على قبح ذلك، وتبعيداً لهم عنهم. كما يقول السيد لعبده: إن رأيت أحداً من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعاً للمخاطَب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن، كأنه يقول: أنت حاشاك أن تفعل ذلك، فإن فعل غيرك فامنعه، كذلك هاهنا قال: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين﴾ ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد.
стр. 1073
اللطيفة التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ﴾ فيه تشبيه لطيف يسمى (التشبيه البليغ) وأصل الكلام: المؤمنون كالإخوة في وجوب التراحم والتناصر فحذف وجه الشبه وأداة الشبة فأصبح بليغاً، قال بعض أهل اللغة: الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع الأخ من الصداقة، فالله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ﴾ تأكيداً للأمر وإشارة إلى أنّ ما بينهم كما بين الإخوة من النسب، والإسلام لهم كالأب فأخوّة (العقيدة) فوق أخوة (الجسد) ورابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب، وقد قال الشاعر العربي:
أبي الإسلام لا أب ليسواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
اللطيفة العاشرة: سئل بعض العلماء عمّا وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم من قتال فقال: تلك دماء قد طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيلُ ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته. وسئل (الحسن البصري) عن قتالهم فقال: (قتالٌ شَهِدَهُ أصحاب محمد ﷺ َ وغبنا، وعلموا، وجهلنا، واجتمعوا فاتّبعنا، واختلفوا فوقفنا) .
وقال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا وجه الله ّ.
وجوه القراءات
١ - قوله تعالى: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ قرأ الجمهور ﴿فتبيّنوا﴾ من التبيّن، وقرأ خمزة والكسائي ﴿فتثبتوا﴾ من التثبت، والمعنى واحد لأن التبيّن معناه في اللغة التثبت والتحقق.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ قرأ الجمهور ﴿اقتتلوا﴾ بصيغة الجمع، وقرأ أُبي بن كعب، وابن مسعود ﴿اقتتلا﴾ بالتثنية على فعل
стр. 1074
اثنين مذكّرين، وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة ﴿اقتتلتا﴾ بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنتين مؤنثتين.
٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ قرأ الأكثرون ﴿بين أخويكم﴾ بياء التثنية، وقرأ أبي بن كعب، وابن جُبير ﴿بين إخوتكم﴾ بالتاء على الجمع، وقرأ الحسن وابن سيرين ﴿بين إخوانكم﴾ بالنون وألف قبلها ويكون المراد بين الأوس والخزرج.
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿فتبينوا أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بجهالة﴾ في تقديره وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير لئلا تصيبوا وهو مذهب الكوفيّين.
والثاني: أن يكون التقدير كراهية أن تصيبوا أو خشيَة أن تصيبوا وهو مذهب البصريين.
٢ - قوله تعالى: ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله﴾ عطف على ما قبله و (أنّ) وما بعدها في تأويل مصدر سدّت مسدّ مفعولي (اعلموا) .
٣ - قوله تعالى: ﴿فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً﴾ في إعرابه وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوباً على المفعول له.
والثاني: أن يكون مصدراً مؤكداً لما قبله أي تفضلاً من الله.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾
(إنْ) شرطية جازمة، و (طائفتان) فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور تقديره: إن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، وإنما قدّرنا ذلك
стр. 1075
لأنّ الشرط في (إنْ) أن يليها الفعل، فإن وليها اسم قدّروا لها فعلاً يفسّره ما بعده.
قال ابن الأنباري: ولا يجوز أن يحذف الفعل مع شيء من كلمات الشرط العاملة إلاّ مع (إنْ) لأنها الأصل في كلمات الشرط، ويثبت للأصل ما لا يثبتُ للفرع.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل يُقبل خبر الواحد إذا كان عدلاً؟
استدل العلماء بهذه الآية الكريمة ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً ووجه الاستدلال من جهتين:
الأولى: أن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل لم كان ثمة فائدة من ذكر التثبّت، لأن خبر كلٍ من العدل والفاسق مردود، فلما دلّ الأمر بالتثبت في خبر الفاسق، وجب قبول خبر العدل، وهذا الاستدلال كما يقول علماء الأصول من باب (مفهوم المخالفة) .
الثانية: أن العلة في ردّ الخبر هي (الفسق) لأن الخبر أمانة، والفسقُ يبطلها، فإذا انتفت العلة النتفى الرد، وثبت أن خبر الواحد ليس مردوداً، وإذا ثبت ذلك وجب حينئذٍ قبوله والعمل به.
وأمّا المجهول: الذي لا تُعلم عدالته ولا فسقه فقد استدل فقهاء الحنفية على قبول خبره، وحجتهم في ذلك أن الآية دلت علىأنّ الفسق شرط وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق فقد انتفى وجوبه، ويبقى ما وراءه على الأصل وهو قبول خبره، لأن الأصل في المؤمن العدالة.
стр. 1076
وأنت ترى أنّ هذا الاستدلال مبيٌ على أنّ الأصل العدالة، ولكنّ بعض الفقهاء يعارض في هذا ويقول: الأصل الفسق لأنه أكثر، والعدالة طارئة فلا يقبل قوله حتى يثبت من عدالته.
الترجيح: والظاهر أن مسألة قبول خبر المجهول مبنيّة على هذا، فإن صحّ أن الأصل العدالة فهو باق على عدالته حتى يتبيّن خلافها، وإن كان الأصل عدمها فهو داخل في حكم الفسق حتى تتبيّن عدالته، والمسألة تطلب بالتفصيل من كتب الأصول.
الحكم الثاني: هل يجب البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية؟
استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على أنّ من الصحابة من ليس بعدل، لأنّ الله تعالى أطلق لقب الفاسق على (الوليد بن عقبة) فإنها نزلت فيه، وسببُ النزول لا يمكن إخراجه من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق، وقد أمر الله بالتثبت من خبره، فلا بدّ من البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية.
والمسألة خلافية وفيها أقوال كثيرة نذكرها بإيجاز:
الأول: أن الصحابة كلّهم عدول، ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا رأي جمهور العلماء سلفاً وخلفاً.
الثاني: أن الصحابة كغيرهم يُبحث عن العدالة فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها كالشيخين (أبي بكر) و (عمر) ﵄.
الثالث: أنهم عدول إلى زمن عثمان ﵁، ويبحث عن عدالتهم من مقتله، وهذا رأي طائفة من العلماء.
الرابع: أنهم عدول إلاّ من قاتل علياً كرّم الله وجهه لفسقه بالخروج
стр. 1077
على الإمام الحق وهذا مذهب المعتزلة.
الترجيح: والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً من أن الصحابة كلهم عدول، ببركة صحبة النبي ﷺ َ، ومزيد ثناء الله عليهم في كتابه العزيز كقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] أي عدولاً، وقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله جلّ ذكره: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . وقوله جلّ وعلا: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون﴾ [الحشر: ٨] وقوله جلّ وعلا: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] إلى آخر ما هناك من الآيات الكثيرة.
وكذلك ما ثبت في السنة المطهرة من مدحهم، والثناء عليهم، وبيان أنهم أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ َ على الإطلاق، ونحن نذكر بعض هذه الأحاديث الشريفة التي تشير إلى فضيلتهم باختصار.
أ - قال ﷺ َ: «خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم» الحديث.
ب - وقال ﷺ َ: «لا تسبُّوا أصحابي فالوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه» .
ج - وقال ﷺ َ: «اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه» .
стр. 1078
فهذه الأخبار التي وردت في الكتاب والسنة كلها متضافرة على عدالة الصحابة وأفضليتهم على سائر الناس، وما وقع من بعضهم من مخالفات فليس يسوغ لنا أن نحكم عليهم بالفسق، لأنهم لا يصرّون على الذنب، وإذا تاب الإنسان رجعت إليه عدالته ولا يحكم بفسقه على التأبيد، فهذا (ماعز الأسلمي) الذي ارتكب الفاحشة يقول عنه النبي ﷺ َ بعد أن أمر برجمه «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» .
والقولُ: بأنَّ بعض الصحابة قد وقع في الذنب والمخالفة - بناء على الاعتقاد بعدم عصمتهم - لا يعني أنهم غير عدول، لن الفاسق الذي ترد شهادته وروايته هو الذي يصرّ على الذنب والمعصية، وليس في الصحابة من يصر على ذلك.
وقد عرفتَ ما ذكره الإمام الفخر أنها لم تنزل خاصة بسبب (الوليد بن عقبة) وإنما نزلت عامة في بيان حكم كل فاسق، وأنها نزلت في ذلك الوقت الذي حدثت فيه تلك القصة، فهي مِثْل التاريخ لنزول الآية، وكلامُ الإمام الفخر نفيس فارجع إليه.
الحكم الثالث: هل تقبل شهادة الفاسق أو المبتدع؟
أتفق العلماء على أن شهادة الفاسق لا تقبل عملاً بالآية الكريمة ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ ، وكذلك لا تقبل روايته، لأن الرواية عن رسول الله ﷺ َ أمانة ودين، والفسقُ يبطلها لاحتمال كذبه على رسول الله ﷺ َ.
قال القرطبي: «ومن ثبتَ فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها» .
стр. 1079
وقال الجصّاص: «وقوله تعالى: ﴿فتبينوا﴾ اقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقاً، إذ كان كل شهادة خبراً، وكذلك سائر أخباره، فلذلك قلنا: شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق، وكذلك أخباره في الرواية عن النبي ﷺ َ وكلّ ما كان من أمر الدين، يتعلّق به إثبات شرع، أو حكم، إو إثبات حق على إنسان» .
وقد استثنى العلماء من قبول خبر الفاسق أموراً تتعلّق بالمعاملات وليس فيها شهادة على الغير منها:
أ - قبول قوله في الإقرار على نفسه مثل: لفلان عندي مائة درهم فيقبل قوله كما يقبل في ذلك قول الكافر، لأنه إقرار لغيره بحق على نفسه فلا تشترط فيه العدالة.
ب - قبول قوله في الهدية والوكالة مثل إذا قال: إنّ فلاناً أهدى إليك هذا، يجوز له قبوله وقبضه، ونحوه قوله: وكّلني فلان ببيع عبده هذا فيجوز شراؤه منه.
ج - وكذلك في الإذن بالدخول ونحوه كما إذا استأذن إنسان فقال له: ادخلْ لا تشترط فيه العدالة. ومثل هذا جميع أخبار المعاملات إذا لم يكن فيها شهادة على الغير.
واختلف العلماء في أمر الولاية بالنكاح، «فذهب الشافعي» وغيره إلى أن الفاسق لا يكون وليّاً في النكاح، لأنه يسيء التصرف، وقد يضرّ بمن يلي أمر نكاحها بسبب فسوقه.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح ولايته، لأنه يلي مالها فيلي بُضْعها كالعدل، وهو - وإن كان فاسقاً - إلاّ أنّ غيرته موفّرة، وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحُرمة، وإذا ولي المال فالنكاح أولى.
стр. 1080
أما المبتدع: وهو الفاسق الذي يكون فسقه بسبب الاعتقاد، وهو متأول للنصوص كالجبرية والقدرية ويقال له: المبتدع بدعة واضحة، فمن الأصوليّين من ردّ شهادته وروايته كالإمام الشافعي ﵀ ومنهم من قبلهما، وفرّق الحنفيّة فقالوا: تقبل منه الشهادة، ولا تقبل منه الرواية، لأنّ من ابتدع بدعة بسبب الدين فلا يبعد أن ينتصر لهواه ويدعو الناس إلى ذلك فنردّ روايته دون شهادته، لأنّ الدعوة إلى مذهبه داعية إلى النقل فلا يؤتمن على الرواية. وهذا مذهب جمهور أئمة الفقه والحديث.
الحكم الرابع: هل تصحّ ولاية الفاسق؟
قال ابن العربي ﵀: «ومن العجب أن يجوّز الشافعيّ ونظراؤه إمامة الفاسق، ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دَيْن؟! وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس، لمّا فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صُلّي معهم ووراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسنْ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
ثمّ كان من الناس من إذا صلى معهم تقيّة أعادوا الصلاة لله، ومنهم من كان يجعلها صلاته، وبوجوب الإعادة أقول، فلا ينبغي لأحدٍ أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكنْ يعيدُ سرّاً في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره.
وأمّا أحكامه إن كان والياً فينفذ منها ما وافق الحقّ، ويردّ ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تُؤْثر، أو قول يُحْكى، فإنّ الكلام كثير، والحقّ ظاهر «.
стр. 1081
الحكم الخامس: هل يجب قتال أهل البغي؟
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب قتال أهل البغي، الخارجين على الإمام أو أحد المسلمين، ولكنْ بعد دعوتهم إلى الوفاق والصلح، والسير بينهم بما يصلح ذات البين، فإن أقاموا على البغي وجب قتالهم عملاً بقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله﴾ .
وذهب جماعة منَّن يدَّعي العلم إلى عدم جواز قتال البغاة من المؤمنين، واحتجوا بقوله ﵇:» سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر «.
وهذا الحديث لا ينهض حجة لهم، لأنّ من بغى من المؤمنين فقد أمر القرآن بقتاله، فكيف يحتج بمثل هذا الحديث لإبطال حكم الله ّ؟
قال القرطبي: وهذه الآية دليل على فساد قول من منع من قتال المؤمنين، ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك!! وقد قاتل الصدّيق ﵁ من تمسّك بالإسلام وامتنع من الزكاة، وأمر ألاّ يُتبع مولٍّ، ولا يُجهز على جريح، ولا تَحِلّ أموالهم بخلاف الكفار.
وقال الطبري:» لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزوم المنازل، لما أُقيم حد، ولا أُبطل باطلٌ، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله ﵇: «خذوا على أيدي سفهائكم» .
стр. 1082
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على وجوب قتال البغاة بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:
أ - قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله﴾ الآية.
ب - حديث: «سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانُهُم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» .
ج - حديث: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قومٌ يحسنون القول ويسيئون العمل، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، قالوا يا رسول الله: ما سيماهم؟ قال: التحليق»
د - وقال ﵇ في عمار: «تقتله الفئة الباغية» .
فهذه الأحاديث صريحة في وجوب قتال أهل البغي ومن شايعهم على باطلهم من أهل الفجور والضلال.
قال الجصّاص: «ولم يختلف أصحاب رسول الله في وجوب قتال (الفئة الباغية) بالسيف إذا لم يردعها غيره، ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال الخوارج ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنهم لتقلوهم وسبوا ذراريهم ونساءهم. فإن قيل قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي ﷺ َ منهم: (سعد، وأسامة بن زيد، وابن عمر) !! قيل له: لم يقعدوا عنه لأنهم لم يروا قتال الفئة الباغية، وجائزٌ أن يكون قعودهم عنه لأنهم رأوا الإمام مكتفياً بمن معه، مستغنياً عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك، ألا ترى
стр. 1083
أنهم قعدوا عن قتال الخوارج، لا على أنهم لم يروا قتالهم واجباً، لكنهم لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم» .
الحكم السادس: هل تكون أموال البغاة غنيمة للمسلمين؟
اختلف العلماء في حكم أموال البغاة هل تكون غنيمة للمسلمين؟ أم تردّ إليهم بعد الصلح وانتهاء الحرب؟
أ - فقال محمد بن الحسن الشيباني: إنّ أموالهم لا تكون غنيمة، وإنما يستعان على حربهم بسلاحهم وخيلهم عند الاستيلاء عليه، فإذا وضعت الحرب أوزارها رُدّ عليهم السلاح والمال.
ب - وقال أبو يوسف: إنّ ما وجد في أيدي أهل البغي من سلاح وعتاد فهو (غنيمة) يقسم ويخمّس.
ج - وقال مالك: لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، وهو مذهب الشافعي.
حجة أبي يوسف: أنهم باغون معتدون فيقسم مالهم غنيمة بين المسلمين.
حجة الجمهور: أنّ بغيهم يُحلّ قتالهم ولا يُحلّ أموالهم وذراريهم لأنهم ليسوا كفاراً، وإنما هم مؤمنون باغون، أو فاسقون خارجون عن الطاعة، والأمر بقتالهم من أجل ردّهم إلى صف المؤمنين.
واستدلوا بحديث ابن عمر عن النبي ﷺ َ أنه قال: «يا عبد الله أتدري
стр. 1084
كيف حُكْم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يُجهز على جريحها، ولا يُقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يُقسم فيئها» .
قال القرطبي: «والمعوّل في ذلك عندنا أن الصحابة ﵃ في حروبهم لم يتبعوا مدبراً، ولا ذفَّفوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمّنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة» .
الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنهم ليسوا كفاراً، ولأننا لو أخذنا أموالهم وسبينا ذراريهم بألبوا علينا ولم يمكن ردّهم إلى صف المسلمين والله أعلم.
فائدة هامة: حول ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
قال العلامة القرطبي ﵀: «لا يجوز أن يُنسب إلى إحدٍ من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله ّ، وهم كلّهم بنا أئمة، وقد تعبّدنا بالكف عمّا شجر بينهم، وألاّ نذكرهم إلاّ بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ َ عن سبّهم، وأنّ غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم» .
هذا مع قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ َ أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً، لأن الشهادة لا تكون إلا بالقتل في الطاعة.
وممّا يدل على ذلك ما قد صحّ بأن قاتل الزبير في النار، وقوله ﵇: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار» ، وإذا كان كذلك فقد ثبت أن (طلحة)
стр. 1085
و (الزبير) غير عاصيين، ولا آثمين بالقتال، وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] .
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: وجوب التثبت من الأخبار وعدم الوثوق بخبر الفاسق الخارج عن طاعة الله.
ثانياً: ضرورة التريث قبل الحكم على الأشخاص لمجرد سماع الأنباء خشية الظلم والعدوان عليهم.
ثالثاً: الرسول ﷺ َ هو المرجع للمؤمنين، فلا يجوز لأحدٍ من أهل الإيمان أن يقطع بأمرٍ دونه.
رابعاً: وجوب الإصلاح بين طوائف المؤمنين عند حصول النزاع خشية تصدُّعِ الصف، وتفرُّقِ الكلمة.
خامساً: إذا بغت إحدى الطائفتين على الأخرى ولم يمكن الاصلاح وجبَ قبر الفتنة بحدّ السيف.
سادساً: المؤمنون إخوة جمعتهم رابطة (العقيدة والإيمان) وهذه الرابطة أقوى من رابطة النسب والدم.
سابعاً: يجب على المؤمنين مقاومة أهل البغي إبقاءً لوحدة الأمة الإسلامية ودفعاً للظلم عن المستضعفين.
стр. 1086
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
يدعو الإسلام إلى التثبت في الخبر، وأخذ الحيطة والحذر، في كل أمرٍ من أمور المؤمنين، ليجتنبوا المزالق التي يدبّرها لهم أعداؤهم، ويكونوا على بيّنةٍ من أمرهم، فكم من فتنة حصلت بسبب خبر كاذب، نقله فاسق فاجر؟ وكم من دماء أريقت بسبب فتنةٍ هوجاء، أشعلَ نارَها أناسٌ ماكرون؟ لا يريدون للأمة الخير، ولا يضمرون للمسلمين إلاّ كل شرّ، وبلاءٍ، وفتنة، ليفسدوا عليهم وحدتهم، ويكدّروا عليهم صفاءهم وسرورهم.
لذلك أمر الإسلام بمبدأ كريم فاضل (مبدأ التمحيص) والتثبت من كل خبر، وخاصة خبر الفاسق، الذي لا يقيم حرمةً للدين، ولا يبالي بما يحدث من جراء كذبه وبهتانه، من أضرار فادحة، ونتائج وخيمة، تشلّ حركة المجتمع، وقد تفضي إلى فجيعة عظيمة تودي بحَياة أناسٍ بريئين، كما كان سيحدث في قصة (الوليد بن عقبة) لولا أنّ الله أطلع رسوله على جليّة الأمر، بواسطة الوحي المنزل، فكان في ذلك صيانة الدماء البريئة، وحفظ وحدة المسلمين. كما أمر الإسلام بمقاومة الظلم والطغيان، أيّاً كان مصدره، فدعا إلى الإصلاح بين الطوائف المتنازعة، والفئات المتخاصمة، فإن لم ينفع الصلح، ولم تثمر دعوته، كان السيف هو الحكم الفاصل تقاتل به الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وتفيء إلى رشدها.
وهذه الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام قاعدة تشريعية وقائية، لصيانة المجتمع المسلم من الخصام، والتفكك، والاندفاع وراء الأهواء الطائشة، التي لا تجني منها الأمة إلاّ كل شر، وبلاء.
стр. 1087
سورة الواقعة
[١] حرمة مس المصحف
التحليل اللفظي
﴿بمواقع النجوم﴾ : المواقع جمع موقع وهو المسقط الذي يسقط فيه الشيء، قال في «اللسان» : والموقع والموقوعة: موضعُ الوقوع، ويقال: وقع الشيء موقعه، ومواقع الغيث: مساقطه.
والمراد بمواقع النجوم: مواضعها ومنازلها من بروجها، فلكل نجم مدار يدور فيه، وموضع لا يتعدّاه ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] .
стр. 1088
﴿مَّكْنُونٍ﴾ : المكنون: المستور قال تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٣] والمراد أنه مصون مستور عن غير الملائكة المقربين لا يطّلع عليه من سواهم، أو مصون محفوظ عن التبديل والتغيير بحفظ الله تعالى له: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.
وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا.
﴿المطهرون﴾ : الملائكة الأطهار، أو المطهّرون من الأحداث، من الجنابة والبول والغائط وأشباهها مما يمنع من الصلاة، والمراد على الثاني أنه لا يمسّ القرآن إلا طاهر من الجنابة والحدث.
﴿مُّدْهِنُونَ﴾ : متهاونون مكذّبون، قال القرطبي: والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبّه بالدهن في سهولة ظاهره ولهذا يقال للرجل المتهاون أو المتلاين في أمر الدين «مداهن» أي أنه يلين جانبه.
قال في «اللسان» : والمداهنة والإدهان: المصانعة واللين، وقيل: المداهنة إظهار خلاف ما يضمر.
﴿بَلَغَتِ الحلقوم﴾ : أي بلغت النفس أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر لدلالة الكلام عليه ولأن المعنى معروف، وأنشدوا في ذلك:
أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ [الواقعة: ٥] : أي محاسبين أو مجزيّين بأعمالكم، مأخوذ من دان بمعنى جازى ومنه الحديث الشريف: «اعمل ما شئت كما تدين تُدان» أي كما تفعل تُجزى.
стр. 1089
وقال ابن قتيبة: غير مدينين أي غير مملوكين ولا مقهورين من قولهم: دنت له بالطاعة.
وقال الفراء: دنته أي ملكته وأنشد للحطيئة:
لقد دُيّنتِ أمرَ بنيكِ حتّى ... تركتهِم أدقّ من الطحين
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ : ترجعون الروح إلى الجسد، والمعنى: إن جحدتم الإله الذي يحاسبكم ويجازيكم فهلَاّ تردّون هذه الروح إلى الجسد؟ فإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر بيد الله تعالى.
وجه الارتباط بالآيات السابقة
ذكر الله في الآيات السابقة الأدلة والبراهين على (الوحدانية) وعلى البعث والنشور، ثمّ أعقب ذلك بذكر الأدلة على (النبوّة) ومصدر الرسالة، وصِدقِ هذا القرآن الذي نزل على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فكان معجزة خالدة له على مدى الزمان.
وقد بيَّن تعالى أنَّ هذا القرآن ليس - كما يزعم المشركون - من تأليف محمد ﷺ َ وإنما هو تنزيل الحكيم العليم، وقد أقسم على ذلك بهذا القسم العظيم، وهذا هو وجه الارتباط بين الآيات السابقة وبين هذه الآيات الكريمة.
المعنى الإجمالي
يقول جلّ ثناؤه ما معناه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بمواقع النجوم﴾ لا أقسم بهذه الأفلاك، لا أقسم بمواضعها ومنازلها، بمداراتها التي تدور فيها، فإنّ الأمر
стр. 1090
أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم، والقسم بها - لو علمتم - شيء عظيم، لما فيه من الدلائل الباهرة على قدرة خالقها جلّ وعلا، ومع ذلك أقسم بأنّ هذا القرآن كتاب كريم، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو تنزيل الحكيم العليم، في كتابٍ مصونٍ عند الله تعالى، محفوظٍ عن الباطل، محفوظ عن التبديل والتغيير.
وهذا الكتاب العزيز لم تتنزّل به الشياطين، فالشياطين لا تمسّ هذا الكتاب المكنون في علم الله وحفظه، وإنما تنزّلت به الملائكة الأطهار، ولا ينبغي أن يمسّه إلاّ من كان مثلهم طاهراً، لأنه كلام ربّ العزّة جلّ وعلا، ومن تعظيم كلام الله ألاّ يمسّه إلا من كان طاهراً مطهّراً.
أفبهذا القرآن - أيها الناس - تكذّبون وتكفرون؟ وتجعلون شكر النعم أنكم تنكرون فضل الله المنعم المتفضّل عليكم؟ فماذا أنتم فاعلون حين تبلغ الروح الحلقوم، وتقفون في مفرق الطريق المجهول؟
هل تملكون العودة إلى الدنيا أو دفع الموت عنكم؟ أو تستطيعون أن تردّوا إلى أحد روحه بعد أن تنفصل عن جسده؟
فلو كنتم غير محاسبين، أو كان الأمر كما تقولون: لا حساب ولا جزاء، ولا بعث ولا نشوز، فأنتم حينئذٍ طلقاء غير مدينين ولا محاسبين، فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردّوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء، وأنتم حولها تنظرون، وملائكتنا أقرب إليها منكم ولكن لا تبصرون، وهي ماضية إلى (الدينونة الكبرى) وأنتم ساكنون عاجزون، وهناك تلقون الجزاء الأوفى من أحكم الحاكمين.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: السرّ في القسم بمواقع النجوم هو الإشارة إلى عظيم قدرة الله، وكمل حكمته، وبديع صنعه، بما لا يحيط به نطاق البيان، فإنّ
следующие страницы →