Полный текст (1 222 стр.). Показаны 1191–1222 · переход к 1196.
стр. 1191
دليل الشافعية:
واستدل الشافعي بالآية الكريمة: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ بالنسبة للمطلقة رجعياً فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً.
وامّا المبتوتة فاستدل بحديث (فاطمة بنت قيس) فقد ورد في صحيح مسلم أنَّ (فاطمة بنت قيس) قالت يا رسول الله: زوجي طلقني ثلاثاً وأخاف أن يُقْتحم عليّ قال: فأمرها فتحولت.
وفي البخاري: عن عائشة أنَّ (فاطمة بنت قيس) كانت في مكانٍ وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي ﷺ َ لها.
دليل الحنفية:
واستدل أبو حنيفة بعموم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ﴾ فقد حرمت على المطلّقة أن تخرج ليلاً أو نهاراً، سواءً كانت رجعية أم مبتوتة، وأما المتوفى عنها زوجها فتحتاج للخروج نهاراً لقضاء حوائجها ولا تخرج ليلاً لعدم الضرورة.
قال الحنفية: ليس لها أن تخرج لأن السكنى حق للشرع مؤكد لا يسقط بالإذن حتى لو اختلعت على أن لا سكنى لها تبطل مؤنة السكنى عن الزوج، ويلزمها أن تكتري بيته، وأما أن يحل لها الخروج فلا.
قال الشافعية: إنهما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما، فالمعنى لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن.
وقد قال الفخر الرازي: «فلم يكن لها الخروج، وإن رضي الزوج،
стр. 1192
ولا إخراجها وإن رضيت إلا عن ضرورة» .
الحكم الرابع: ما هي الفاحشة التي تخرج بها المعتدة من المنزل؟
لقد اختلف السلف في المراد بالفاحشة في قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ﴾ وتبعاً لذلك اختلف الفقهاء.
فقال أبو حنيفة: بقول ابن عمر: خُروجُها قبل انقضاء العدة فاحشةٌ. فيكون معنى الآية إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق.
والاستثناء عليه راجع إلى ﴿لَا يَخْرُجْنَ﴾ والمعنى: «لا يُسمع لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو فاحشة، ومن المعلوم أنه لا يُسمع لهن فيه فيكون ذلك منعاً عن الخروج على أبلغ وجه.
قال ابن الهمام: كما يقال:» لا تزن إلَاّ أن تكون فاسقاً، ولا تشتم أُمَّك إلا أن تكون قاطع رحم، ونحو ذلك وهو بديع وبليغ جداً «.
وقال أبو يوسف بقول الحسن وزيد بن أسلم: هو أن تزني فتخرج للحد (أي لا تُخْرجوهنَّ إلا إن زنين) .
وعن ابن عباس قال: إلا أن تبذو على أهله، فإذا فعلت ذلك حلَّ لهم أن يُخْرجوها، كما ورد عن فاطمة بنت قيس أنها أخرجت لذلك.
وعنه أيضاً قال: جميع المعاصي من سرقة أو قذف أو زنا أو غير ذلك واختاره الطبري.
وقال الضحاك: الفاحشة المبينة: عصيانُ الزوج.
وقال قتادة: إلا أن تَنْشزَ فإذا فعلت حلَّ إخراجها.
قال أبو بكر الجصاص: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جميعها مراداً، فيكون خروجها فاحشة، وإذا زنت أخرجت
стр. 1193
للحد، وإذا بذت على أهله أخرجت أيضاً.
فأما عصيان الزوج والنشوز، فإن كان في البذاءة وسوء الخلق اللذين يتعذر القيام معها فيه فجائز أن يكون مراداً، وإن كان إنما عصت زوجها في شيء غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في إخراجها» .
وأما ابن العربي فقال: أما من قال إنه الخروج للزنى، فلا وجه له لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، وأما من قال إنه البذاء فهو مفسر في حديث فاطمة بنت عيس، وأما من قال إنه الخروج بغير حق فهو صحيح وتقدير الكلام: «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعاً إلى أن يخرجن تعدياً» .
الحكم الخامس: ما حكم الإشهاد في الفرقة والرجعة؟
قال أبو حنيفة: الإشهاد مندوب إليه في الفرقة والرجعة لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإنَّ الإشهاد في البيع مندوب لا واجب فكذا هنا وهو قول مالك والشافعي وأحمد في أحد قوليهما.
وقال الشافعي وأحمد: في القول الآخر: الإشهاد واجب في الرَّجعة، مندوب إليه في الفرقة.
أدلة الجمهور:
١ - لما جعل الله تعالى للزوج الإمساك أو الفراق، ثم عقَّبه بذكر الإشهاد، كان معلوماً وقوع الرجعة إذا رجع، وجوازُ الإشهاد بعد ذلك؛ إذ لم يجعل الإشهاد شرطاً في الرجعة.
٢ - لم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو
стр. 1194
تَرْكُها حتى تنقضي عدتها، وأن الفرقة تصح، وإن لم يقع الإشهاد عليها، وقد ذُكر الإشهاد عقيب الفرقة، ثمَّ لم يكن شرطاً في صحتها فكذلك الرجعة.
٣ - وأيضاً لما كانت الفرقة حقاً للزوج، وجازت بغير الإشهاد، إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره، وكانت الرجعة أيضاً حقاً له وجب أن تجوز بغير إشهاد.
٤ - وأيضاً لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك، أو الفرقة احتياطاً لهما، ونفياً للتهمة عنهما، إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة، أو لم يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط مقصوراً على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة، بل يكون الاحتياط باقياً وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: الطلاق السني هو الطلاق الذي يكون في طهر لم تجامع فيه المرأة.
ثانياً: الطلاق البدعي ما كان في الطهر الذي جومعت فيه المرأة، أو في وقت الحيض.
ثالثاً: السكنى واجبة للمطلَّقة على زوجها قبل انتهاء عدتها فقد عصت الله وأثمت.
رابعاً: إذا خرجت المرأة من بيت زوجها قبل انتهاء عدتها فقد عصت الله وأثمت.
خامساً: حدود الله تعالى يجب التزامها وعدم تعديلها لأنها شريعة الله.
سادساً: إقامة الشهادة حق لله تعالى على عباده لدفع الظلم عن الخلائق.
سابعاً: التوكل على الله والالتجاء إليه، ملاك الأمر كله، وراحة النفس.
стр. 1195
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
الأسرة لبنة من لبنات المجتمع الإسلامي، وبها قوامه، ففيها تلتقي النفوس على المودة والرحمة، والتعاطف والستر، وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة، ومنه تمتد وشائج الرحمة، وأواصر التكافل.
ولكنّ الحياة الواقعية والطبيعة البشرية تُثْبت بين الفينة والأخرى، أنَّ هناك حالاتٍ لا يمكن معها استمرار الحياة الزوجية، لذلك شرع الله الطلاق كآخر حل من حلول تتقدمه، إن لم تُجْدِ كل المحاولات، وأباح للرجل أن يركن إلى أبغض الحلال وهو الطلاق.
ولكن ليس من السُّنة أن يُطلِّق الرجل في كل وقت يريد، فليس له أن يطلقها وهو راغب عنها في الحيض، وفي ذلك دعوة له ليتمهل ولا يسرع ليفصل عرى الزوجية، ويتفكر في محاسن زوجه لعلَّها تغلب سيئاتها، فتتغير القلوب، وتعود إلى صفائها بعد موجة من الغضب اعترتها، وسحابة غشيتْ المودة التي يُكنُّها الزوج لزوجه.
والطلاق يقع حيثما طلق في الوقت الذي بيَّنه الشرع أو في غيره، لأن فكَّ الزوجية، وهدم اللبنة الأولى للمجتمع ليس لعباً تلوكه الألسنة في كل وقت، وعند أدنى بادرة، بل هو الجد كل الجد فمن نطق به لزمته نتائجه وعصى الله - جلَّت حكمته - لأنه لم يقف عند حدوده، ويتبع تعاليمه.
وأمر الله - العليم الخبير - بإحصاء العدة لضبط انتهائها، ومعرفة أمدها بدقة لعدم إطالة الأمد على المطلَّقة، والإضرار بها، ولكيلا تنقص من مدتها مما لا يؤدي إلى المراد منها وهو التأكد من براءة رحم المطلقة من الحمل.
стр. 1196
[٢] أحكام العدة
стр. 1197
التحليل اللفظي
﴿يَئِسْنَ﴾ : اليأس: القنوط، وقيل: اليأس نقيض الرجاء.
﴿المحيض﴾ : أي الحيض، يقال حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً، والمحيض يكون اسماً ويكون مصدراً، والحيض والمحيض: اجتماع الدم في الرحم ومنه الحوض لاجتماع الماء فيه.
﴿ارتبتم﴾ : أي أشكل عليكم من الريبة أي الشك، وقيل تردَّدتم أو جهلتم، وقيل: تيقنتم فهو من الأضداد.
﴿يُكَفِّرْ﴾ : أي يستر ويمحو الخطيئة، وأصل الكَفْر: تغطية الشيء تغطيةً تستهلكه.
﴿وُجْدِكُمْ﴾ : الوُجُد: المقدرة والغنى واليسار والسعة والطاقة، والمقصود من سعتكم وما ملكتم، وعلى قدر طاقتكم، وقيل من مساكنكم. والوَجْد: يستعمل في الحزن والغضب والحب، يقال: وجدت في المال أي صرت ذا مال، ووجدت على الرجل وجداً وموجدة، ووجدت الضالة وُجْداناً، والوُجد بالضم الغنى والقدرة يقال افتقر الرجل بعد وُجدٍ.
стр. 1198
﴿وَأْتَمِرُواْ﴾ : افْتعَلُوا - من الأمر - يقال ائتمر القوم وتأمَّروا إذا أمر بعضهم بعضاً.
وقال الكسائي: وائْتَمروا أي تشاوروا ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] .
وقول أمرئ القيس:
أحارُ بنَ عمرو فؤادي خَمِرْ ... ويعدو علي المرء ما يأتمر
وحقيقته ليأمر بعضكم بعضاً بمعروف أي جميل في الأجرة والإرضاع ولا يكن معاكسة ولا معاسرة.
﴿تَعَاسَرْتُمْ﴾ : أي تضايقتم، وتشاكستم، ولم يتفق الرجل والمرأة بالمشاحة من الرجل، أو طلب الزيادة من المرأة.
﴿ذُو سَعَةٍ﴾ : السعة نقيض الضيق، والوُسع، والوَسع، والسعة: الجدة والطاقة، وأصل السعة وُسْعة فحذفت الواو ونقصت.
المعنى الإجمالي
بيّن الله عدة المرأة المطلّقة في سورة البقرة في قوله: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء﴾ [البقرة: ٢٢٨] فربط العدة بالحيض، وأما المرأة التي لا تحيض لكبر سنها، أو لصغرها أو لحملها، فقد جاءت هذه الآيات لتقول للمؤمنين: إذا جهلتم عدة التي يئست من المحيض وأشكل عليكم أمرها فعدتها ثلاثة أشهر، وكذلك عدة التي طلقت ولم تر الحيض ثلاثة أشهر، وأما الحامل فتنتهي بولادتها عدتها.
стр. 1199
ومن يخشى الله في ما يفعل، أو يذر، ييسر الله له أمره، ويوفقه إلى الخير، وتلك الأحكام التي مرت في الطلاق، والعدة فرض الله، وحكمه، فرضه على الناس، ومن يتق الله بالتزام ما شرعه، والبعد عما نهى عنه يمح الله سيئاته، ويعطه في الآخرة أجراً عظيماً، وثواباً كبيراً.
وعلى الرجل أن يسكن مطلقته في داره التي يسكنها على قدر طاقته، ووسعه، وليس له أن يضيق عليها، ويضارها في النفقة والسكنى ليلجئها إلى الخروج من داره.
وإذا كانت المرأة حاملاً فعليه أن ينفق عليها ولو طالت مدة الحمل بعد الطلاق حتى تضع حملها، فإذا ولدت، ورضيت أن ترضع ابنها، فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة، وليأمر كل منهما الآخر بالمعروف في أمر الرضاع، وأجره، والحضانة ووقتها، فإن عسر الاتفاق بين الأم والأب، ولم يتوصلا إلى أمر وسط يرضيهما، فللأب حينئذٍ أن يفتش لابنه عمن يرضعه غير أمه.
هذا، والإنفاق على المعتدة بحسب طاقة الرجل، فإن كان غنياً فليعطها ما يلائم غناه، وإن كان فقيراً، ضيِّقَ العيش، فليس عليه أن يدفع إلا بقدر ما يستطيع فإن الله - جلت حكمته - لم يكلف الإنسان إلا بقدر ما أعطاه من الرزق، وليعلم أن حال الدنيا لا يبقى على حال، فإن الله سيجعل بعد عسر يسراً.
стр. 1200
سبب النزول
١ - أخرج الحاكم وصححه وابن جرير الطبري والبيهقي في سننه وجماعة:
أنها لما نزلت عدة المطلَّقة، والمتوفَّى عنها زوجُها في البقرة قال أُبيُّ بن كعب: يا رسول الله إنَّّ نساءً من أهل المدينة يقلن: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء قال: وما هو؟ قال: الصغار، والكبار، وذوات الحمل.
فنزلت هذه الآية ﴿واللائي يَئِسْنَ ... ﴾ الآيات.
٢ - وروى الواحدي والبغوي والخازن:
أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ... ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية، قال خلاد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه الآية: ﴿واللائي يَئِسْنَ ... ﴾ .
وجوه القراءات
١ - قوله تعالى: ﴿يَئِسْنَ﴾ : قرا الجمهور ﴿يئسن﴾ فعلاً ماضياً. وقرئ ﴿ييئسن﴾ بياءين مضارعاً.
٢ - قوله تعالى: ﴿حَمْلَهُنَّ﴾ : قرأ الجمهور ﴿حملهن﴾ مفرداً. وقرأ الضحاك ﴿أحمالهن﴾ جمعاً.
стр. 1201
٣ - قوله تعالى: ﴿وَيُعْظِمْ﴾ : قرأ الجمهور ﴿يُعْظم﴾ بالياء مضارع أعظم. وقرأ الأعمش ﴿نعظم﴾ بالنون خروجاً من الغيبة للتكلم.
وقرأ ابن مقسم ﴿يُعَظّم﴾ بالياء والتشديد مضارع ﴿عَظّم﴾ مشدداً. ٤ - قوله تعالى: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾ : قرأ الجمهور ﴿من وُجدكم﴾ بضم الواو. وقرأ الحسن وغيره ﴿من وَجدكم﴾ بفتحها.
وقرأ يعقوب وغيره ﴿من وِجدكم﴾ بكسرها.
وهي لغات ثلاث بمعنى الوسع.
٥ - قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ : قرأ الجمهور ﴿لينفق﴾ بلام الأمر.
وحكى أبو معاذ قراءة ﴿لينفقَ﴾ بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوف تقديره «شرعنا ذلك لينفقَ» .
٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ : قرأ الجمهور ﴿قُدِرَ﴾ مخففاً.
وقرأ ابن أبي عبلة ﴿قَدّر﴾ مشدد الدال.
وقرأ أبي بن كعب ﴿قُدّر﴾ بضم القاف وتشديد الدال.
وجوه الإعراب
١ - ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ مبتدأ، خبره جملة فعتدتهن.
٢ - ﴿إِنِ ارتبتم﴾ شرط جوابه محذوف، تقديره فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه جملة معترضة.
стр. 1202
وجوز كون (فعدتهن) إلخ جواب الشرط باعتبار الإعلام والإخبار كما قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: ٥٣] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير.
٣ - قوله تعالى: ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ :
قال الأنباري: تقديره واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، إلا أنه حذف خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقولك زيد أبوه منطلق وعمرو، أي وعمرو أبوه منطلق، وهذا كثير في كلامهم.
قال أبو حيان: والأولى أن يقدر «مثل أولئك» أو «كذلك» فيكون المقدر مفرداً.
وجوز عطف هذا الموصول على الموصول السابق، وجعل الخبر لهما من غير تقدير.
والجملة معطوفة على ما قبلها فإعرابه مبتدأ كإعراب ﴿واللائي يَئِسْنَ﴾ .
٤ - قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال﴾ مبتدأ. وأجلهن: مبتدأ ثان.
وأن يضعن حملهن: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ وخبره خبر عن المبتدأ الأول.
ويجوز أن يكون (أجلهن) بدلاً من (أولات) بدل الاشتمال وجملة (أن يضعن) الخبر والله أعلم.
стр. 1203
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قال أبو حيان: لمَّا كان الكلام في أمر المطلقات، وأحكامهن، من العدة وغيرها، وكنَّ لا يطلقهن أزواجهن إلا عن بغض لهنَّ وكراهة، جاء عقيب بعض الجمل (الأمرُ بالتقوى) حيث المعنى مبرزاً في صورة شرط وجزاء في قوله ﴿وَمَن يَتَّقِ الله ... ﴾ إذ الزوج المطلق قد ينسب إلى مطلقته بعض ما يشينها، وينفِّر الخُطَّاب عنها، ويوهم أنه فارقها لأمر ظهر له منها، فلذلك تكرَّر قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ في العمل بما أنزله من هذه الأحكام، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من ترك الضرار، والنفقة على المعتدات ... وغير ذلك مما يلزمه يرتب له تكفير السيئات، وإعظام الأجر.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الفضل، وإفرادُ الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خصوصية المخاطبين.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وما بعده استئناف، وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله من الحث على التقوى في قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ .
كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟! فقيل: اسكنوهن مسكناً من حيث سكنتم.
стр. 1204
اللطيف الرابعة: إذا كانت كل مطلقة يجب لها النفقة فما فائدة الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؟!
نقول: فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها بعد الطلاق، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار من مدة الحمل، فنقي ذلك الظن بإثبات النفقة للحامل حتى تلد.
اللطيفة الخامسة: في قوله تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى﴾ يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى «سيقضيها غيرك وأنت ملوم» .
قال اين المنبر: «وخص الأم بالمعاتبة لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، وهو جهة الأب، فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذن أجدر باللوم، وأحق بالعتب، والمعنى ليطلب له الأب مرضعة أخرى فيظهر الارتباط بين الشرط والجزاء» .
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هي عدة المرأة التي لا تحيض؟
المرأة غير الحائض تشمل من بلغت سن اليأس، والصغيرة التي لم تر الحيض بعد، أما من يئست من الحيض فعدتها ثلاثة أشهر بلا خلاف، وكذا الصغيرة التي لم تحض.
واختلف في تقدير سن اليأس على أقوال عديدة:
فقدره بعض الفقهاء بستين سنة.
стр. 1205
وقدَّره بعضهم بخمس وخمسين سنة.
وقيل: غالب سن يأس عشيرة المرأة.
وقيل: أقصى عادة امرأة في العالم.
وقيل: غالب سن يأس النساء في مكانها التي هي فيه، فإن المكان إذا كان طيَّب الهواء والماء، يبطئ فيه سن اليأس.
وأما المرأة إذا كانت تحيض ثم لم تر الحيض في عدتها ولم يُدْر سببه:
فقال الحنفية والشافعية: إن عدتها الحيض حتى تدخل في السن التي لا تحيض أهلها من النساء فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر.
ونقل عن علي وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن مسعود.
وقال مالك وأحمد: تنتظر تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل فإذا لم يبن الحمل فيها علم براءة الرحم، ثم تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر. ونقل عن عمر أنه قضى ذلك.
الحكم الثاني: ما المراد من قوله تعالى: ﴿إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ﴾ ؟
قال الجصاص: غير جائز أن يكون المراد به الارتياب في الإياس؛ لأنَّا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدَّتُها ثلاثة أشهر.
واختلف أهل العلم في (الريبة) المذكورة في الآية على أقوال:
اختار الطبري: أن يكون المعنى «إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن؟ فالحكم أن عدتهن ثلاثة أشهر» وهو قول الجصاص فقد قال: «وذكُر الارتياب في الآية إنما هو على وجه ذكر السبب الذي نُزل عليه الحكم فكان بمعنى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ... » ونقل هذا عن مجاهد.
стр. 1206
وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم لا تدري أهو دم حيض أو دم علة.
وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لم يستقيم لها الحيض، تحيض في أول الشهر مراراً وفي الأشهر مرة.
وقيل: إنه متصل بأول السورة والمعنى «لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة» .
قال القرطبي: وهو أصح ما قيل فيه.
وقال الزجاج: المعنى إن ارتبتم في حيضهن، وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن يحيض مثلهن.
وقيل: إن ارتبتم أي تيقنتم وهو من الأضداد.
الحكم الثالث: ما هي عدة الحامل؟
نصت الآية على أن الحامل تنتهي عدتها بولادتها، ودل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] على أن عدةاملتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، فإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً فبأي الأجليت تأخذ؟ ولم يختلف السلف والخلف أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها، واختلفوا في المتوفى عنها زوجها.
قال الجمهور: عدة المتوفى عنها زوجها الحامل أن تضع حملها.
وقال علي وابن عباس: ﴿وأولات الأحمال﴾ في المطَّلقات، وأما المتوفى عنها فعدتها أبعد الأجلين، فلو وضعت قبل أربعة أشهر وعشر صبرت إلى آخرها.
حجة الجمهور:
استدل الجمهور بحديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت (سعد بن خوله)
стр. 1207
وهو ممن شهد بدراً فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعلَّت من نفاسها تجمَّلت للخُطَّاب، فدخل عليها رجل من بني عبد الدار فقال لها: مالي أراك متجملة، لعلك ترتجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشراً.
قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ َ: فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي.
وعن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً يقول: تعتد آخر الأجلين فقال: ما شاء لاعنته، ما نزلت: ﴿وأولات الأحمال﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها.
قال أبو بكر الجصاص: أفاد قول ابن مسعود أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها، غير مضمنة بما قبلها من ذكر المطلّقة فوجب اعتبار الحمل في الجميع، من المطلقات، والمتوفَّى عنهن أزواجهن «.
الحكم الرابع: هل للمطلقة ثلاثاً سكنى ونفقة؟
لا خلاف بين العلماء في إسكان المطلقات الرجعيات، واختلفوا في المطلقة ثلاثاً على أقوال:
ذهب مالك والشافعي: ورواية عن أحمد إلى أن لها السكنى ولا نفقة لها.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة.
وذهب أحمد وغيره إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى.
стр. 1208
دليل المذهب الأول:
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ . وذلك أن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكن مطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها.
دليل المذهب الثاني:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ وترك النفقة من أكبر الإضرار وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبين هذا.
٢ - ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية.
٣ - ولأنها محبوسة عليه لحقِّه فاستحقَّ النفقة كالزوجة.
٤ - أن السكنى لا كانت حقاً في مال، وقد أوجبها الله لها بنص الكتاب إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذا كانت السكنى حقاً في مال وهي بعض النفقة.
دليل المذهب الثالث:
١ - حديث فاطمة بنت قيس: أنه طلَّقها زوجها في عهد النبي ﷺ َ وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمنَّ رسول الله ﷺ َ فإن كان لي نفقة أُخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ شيئاً.
قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ َ فقال: «لا نفقة لك ولا سكنى» .
وفي رواية «إنما السكنى والنفقة على من له عليها رجعة» .
٢ - إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها.
стр. 1209
وللعلماء في مناقشة الأدلة كلام طويل ينظر في كتب الفروع.
الحكم الخامس: على من يجب الرضاع؟
قال المالكية: رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية إلا لشرف الزوجة وموضعها فعلى الأب رضاعة يومئذٍ في ماله، فإن طلقها فلا يلزمها رضاعة إلا أن يكون غير قابل ثدي غيرها فيلزمها رضاعه.
وقال الحنفية: لا يجب الرضاع على الأم بحال.
وقيل: يجب الرضاع على الأم في كل حال.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: المرأة اليائسة من الحيض، والصغيرة التي لم تحض، إذا طلقتا فعدتهما ثلاثة أشهر.
ثانياً: المرأة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل.
ثالثاً: تقوى الله تعالى تيسّر أمور المؤمن في الدنيا، وتكفّر السيئات، وتعظم الأجر في الآخرة.
رابعاً: المرأة المعتدة تسكن في منزل زوجها حتى تنقضي عدتها.
خامساً: على الرجل أن لا يضيّق على المعتدة في النفقة أو السكنى ليجبرها على الخروج من منزله.
سادساً: نفقة الحامل تستمر حتى تضع الحمل، وإن طالت المدة.
سابعاً: للمرأة الحق الكامل في أن تأخذ أجرة على إرضاع ولدها من الرجل.
ثامناً: الإنفاق يكون بحسب مال الرجل غنىً وفقراً.
تاسعاً: التكليف منوط بالقدرة التي مكّن الله بها عبده.
стр. 1210
حكمة التشريع
الزواج هو الأساس في بناء المجتمع الإسلامي، والطلاق هو السبيل لقطع علاقات الزوجين بعضهما من بعض، ولكنَّ للزوجية آثاراً قد يتأخر ظهورها وقتاً، فجعل الله جلّ ثناؤه العدة تمكث المرأة فيها مدة من الزمن ينفق عليها مطلقها، ويسكنها في بيته، ليكون في أمان واطمئنان، وهي تحت نظره، إن ظهر حملها، فالولد ولده، وإن لم يظهر الحمل في مدة العدة، فلم يعد بين الرجل وزوجه أية علاقة تربطهما، هو بالنسبة إليها كسائر الرجال، وهي بالنسبة إليه كسائر النساء، لا تستطيع أن تطالبه بنسب، ولا نفقة، ولا غير ذلك.
وبهذا لم يظلم الإسلام المرأة حيث فرض لها النفقة، والسكنى ما دامت محبوسة لصالح الرجل، وأمن الرجل من جهة زوجه حيث كمثت مدة يتبين معها شغل رحمها أو فراغه.
وأما الحوامل فقد جعل الله تعالى عدتهن الوضع طال أمد الحمل بعد الطلاق أم قصر، وذلك لأن براءة الرحم بعد الوضع مؤكدة، فلا حاجة إلى الانتظار.
وأمر الله الرجال أن يسكنوا النساء مما يجدون هم من سكن، وما يستطيعونه حسب مقدرتهم وغناهم، لا أقل مما هم عليه في سكناهم، ونهاهم أن يعمدوا إلى الإضرار بهن بالتضييق عليهن في فسحة المسكن، أو في المعاملة أثناء إقامتهن.
وخصت ذوات الأحمال بذكر النفقة مع وجوب النفقة لكل معتدة، لتوهم أن طول مدة الحمل يحدد زمن الإنفاق ببعضه دون بقيته، أو بزيادة
стр. 1211
المدة إذا قصرت مدة الحمل، فأوجب النفقة حتى الوضع، وهو موعد انتهاء العدة لزيادة الإيضاح التشريعي.
وأما الرضاع، فلم يجعله الله سبحانه واجباً على الأم دون مقابل، وما دامت ترضع الطفل المشترك بينهما، فمن حقها أن تنال أجراً على رضاعة تستعين به على حياتها، وعلى إدرار اللبن للطفل، وهذا منتهى المراعاة للأم في هذه الشريعة.
وفي الوقت ذاته أمر الأب والأم أن يأتمرا بينهما بالمعروف في شأن هذا الوليد، ويتشاورا في أمره، ورائدهما مصلحته - وهو أمانة بينهما - فلا يكون فشلهما هما في حياتهما نكبة على الصغير البريء.
والأمر منوط بالله في الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر، فأولى لهما أن يعقدا به الأمر كله، ويتجها إليه، ويراقباه في كل أمرهما، وهو المانح المانع، القابض الباسط.
والزوجان يتفارقان - في ظل هذه التوجيهات القرآنية - وفي قلب كل منهما بذور للود لم تمت، وربما جاءها ما ينعشها في يوم من الأيام، إلى أدب رفيع يريد الإسلام أن يصبغ به حياة الجماعة المسلمة ويشيع فيها أرجه وشذاه.
стр. 1212
سورة المزمل
[١] تلاوة القرآن
التحليل اللفظي
﴿المزمل﴾ : قال اللغويّون: «المزّمل» الملتف في ثيابه، وأصله (المتزمّل) فأدغمت التاء في الزّاي فثقّلت، وكل من التفّ بثوبه فقد تزمّل قال امرؤ القيس:
كأنّ أبانا في أفَانينِ وَدْقِهِ ... كبيرُ أُناسٍ في بجَادٍ مزمّل
стр. 1213
وقال ذو الرمّة: ومن نائمٍ عن ليلها متزمّل.
﴿وَرَتِّلِ القرآن﴾ : قال الزجّاج: رتّل القرآن ترتيلاً: بيّنه تبيناً، والتبيين لا يتم إلاّ بإظهار جميع الحروف، وتوفيتها حقها من الإشباع.
وقال المبرّد: أصله من قولهم: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، وقال الليث: الترتيل تنسيق الشيء، وثغر رتل: حسن التنضيد.
ومعنى الآية: اقرأ القرآن على تُؤدة، وتمهّل، وتبيين حروف، مع تدبر المعاني.
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ : أوقات الليل وساعاته، سميت بذلك لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء، يقال: نشأ السحاب إذا ابتدأ، فناشئة (فاعلة) من نشأت تنشأ فهي ناشئة، والمراد ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف ع الاسم.
وقال الزمخشري: ناشئة الليل: النفس الناشئة بالليل، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض، وأنشد ابن السكيت:
فلمّا أن تَنَشّأ قام خِرْق ... من الفتيان مختَلَق هضوم
﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ : أي أثقلُ على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدت علينا وطأةُ السلطان، إذا ثقل عليهم ما حمَّلهم من المؤن
стр. 1214
وفي الحديث: «اللهمّ اشدُدْ وطأتك على مُضَر» فالليل وقت النوم والراحة، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة.
والمعنى: إن قيام الليل للعبادة، وقضاء ساعاته في الطاعة، أشدّ ثقلاً على النفس، وأرجى عند الله وأقوم.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ : أي أشدّ استقامة واستمراراً، وأكثر استقامة على نهج الحق والصواب، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات فتخلص فيه القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون تسمعه وتفهمه حائل.
﴿سَبْحَاً﴾ : قال المبرّد: سبحاً أي تقلباً وتصرفاً في المهمّات كما يتردّد السابح في الماء قال الشاعر:
أباحوا لكم شرقَ البلاد وغربَها ... ففيها لكم يا صَاحِ سبْحٌ من السّبْح
قال في «اللسان» : السّبْح: الفراغ وفي التنزيل ﴿سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ إنما يعني به فراغاً طويلاً وتصرفاً، وقيل: معناه: لك في النهار ما تقضي حوائجك.
وقال الزجاج: إن فاتك من الليل شيء من النوم والراحة، فلك في النهار فراغ فاصرفه إليه.
وقال ابن عباس: لك في النهار فراغ لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك.
﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ : التبتّل الانقطاع إلى العبادة، ومنه قيل لمريم ﵍ (البتول)
стр. 1215
لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة، وأصل البتل: القطع، ويقال للراهب (متبتّل) لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة قال امرؤ القيس:
تضيءُ الظّلامَ بالعشَاء كأنها ... مَنَارة مُمْسى راهبٍ متبتّل
﴿هَجْراً جَمِيلاً﴾ : أي لا تتعرض لهم، وجانبهم ولا تقابلهم بمثل إساءتهم.
المعنى الإجمالي
يقول الله تعالى ما معناه مخاطباً نبيّه الكريم: يا أيها المتزمّل المتلفّف في ثيابه، قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، قم للجهد والنصب، والكدّ والتعب، فقد مضى وقت الراحة، قم فشمّر عن ساعد الجد، وأحي الليل كلّه أو نصفه أو أقل قليلاً، بالصلاة والتضرع، والعبادة والتخشع، لتستعد لنفحاتنا القدسيّة، لأننا سنوحي إليك بهذا القرآن العظيم، الثقيل في الوزن العظيم في الأجر، الرصين في الجزالة والتعبير، فاقرأه بتدبر وتبصر في قيامك بالليل، ورتّله على مهل بخشوع وإنابة فإن قيام الليل بالصلاة، وقضاء ساعاته في الطاعة، أشدّ ثقلاً على النفس، وأرجى للقبول عند الله.
ولك يا محمد في النهار تقلباً طويلاً من مهامّك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، واذكر اسم ربك لتستمدّ قوّتك منه، وانقطع لعبادته ولا تتوجّه لأحد سواه، فهو الناصر والمعين، وهو رب العزّة، ذو الجلال والإكرام الذي لا يخيب من التجأ إليه، فاجعله وكيلاً لك في جميع الأمور.
واصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، وعن صدودهم وإعراضهم عن دعوتك، ولا تتعرضّ لهم ولا تقابلهم بمثل إساءتهم، واهجرهم بالحسنى حتى يجعل الله لك من أمرك فرجاً ومخرجاً، بالنصر عليهم ونصر الله قريب.
стр. 1216
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿يا أيها المزَّمّل﴾ بتشديد الزاي والميم، وقرأ أبَيّ بن كعب وأبو العالية ﴿المتزمّل﴾ بإظهار التاء على الأصل.
٢ - قرأ الجمهور ﴿هي أشدّ وَطْاً﴾ وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ﴿وِطاءً﴾ بكسر الواو مع المدّ وقرأ ابن محيصن ﴿أشدّ وَطَاءً﴾ بفتح الواو، والطاء، وبالمدّ.
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿ياأيها المزمل قُمِ اليل إِلَاّ قَلِيلاً﴾ . (المزمّلُ) صفة ل (أيّ) قال ابن مالك: وأيّها مصحوبَ (أل) بعدُ صفة. و (نصفَه) بدل من الليل، بدل بعضٍ من كلّ.
قال الزمخشري: (نصفَه) بدل من الليل، و (إلاّ قليلاً) استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل، والضمير في (منه) يعود للنصف.
٢ - قوله تعالى: (أشدّ وطأ) لفظ (أشدّ) خبر المبتدأ، و (وطأ) تمييز، وجملة (هي أشدُّ وطأً) خبر (إنَّ) .
٣ - قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ تبتّلْ: أمر و (تبتيلاً) مفعول مطلق وهو غير جارٍ على فعله، والأصل فيه أن يُقال (تبتّلاً) ولأن
стр. 1217
وزن (تفعيل) إنما تجيء في مصدر (فعَّل) كقولهم: رتَل ترتيلاً، وأما وزن (تفعّل) فيأتي المصدر (تفعّلا) إلا أنهم قد يُجرون المصدر على غير فعله كقول الشاعر:
وخير الأمر ما استقبلتَ منه ... وليس بأن تتّبعَه اتّباعاً
فأجرى اتباعاً مصدراً على (تتبّع) والقياس (تتبّعاً) والشواهد على هذه كثيرة.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: الحكمة في ندائه ﷺ َ بوصف التزمل هو إرادة (الملاطفة والإيناس) على نحو ما كان عليه العرب في مخاطباتهم من اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها كقول النبي ﷺ َ لعلي كرّم الله وجهه، لمّا غاضب فاطمة وذهب إلى المسجد فنام فيه - وكان قد لصق بجنبه التراب -: قم أبا تراب، قم أبا تراب، للمؤانسة والملاطفة.
اللطيفة الثانية: سبب التزمل ما روي في الصحيح عن رسول الله ﷺ َ أنه قال:
«جاورتُ بحراء فلمّا قضيتُ جواري هبطت فنوديت، فنظرتُ عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرتُ خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجُثثْتُ (فزعت) منه رعباً فرجعت فقلت: زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله ﴿ياأيها المدثر﴾ [المدثر: ١] و ﴿ياأيها المزمل﴾ » .
стр. 1218
فسببُ التزمل هو ما عراه ﷺ َ من الرعب والفزع من رؤية الملك على صورته الملكيّة.
اللطيفة الثالثة: ذكر الله تعالى في كتابه العزيز ثلاثة أشياء وصفها ب (الجميل) وأمر بها نبيّه ﵊ ُ وهي: قوله تعالى: ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج: ٥] ... ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ ... ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ [الحجر: ٨٥] .
فالصبرُ الجميل الصبرُ الذي لا شكوى معه.
والهجرُ الجميل الهجرُ الذي لا أذيّة معه.
والصفح الجميل الصفحُ الذي لا عتاب معه.
اللطيفة الرابعة: «في الصحيح أنه ﷺ َ كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فقالت له السيّدة عائشة: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ﴿فقال لها ﵇: أفلا أكونُ عبداً شكوراً» ﴾ ! فصلوات ربي وسلامه على نبيّه المصطفى وحبيبه المجتبى.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل قيام الليل كان فريضة على الرسول ﷺ َ؟
ظاهر قوله تعالى: ﴿قُمِ اليل إِلَاّ قَلِيلاً﴾ أن التهجد كان فريضة عليه ﷺ َ وأنّ فرضيته كانت خاصة به، وممّا يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء [٧٩] ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ فإنّ قوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه ﵊ ُ وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه، فإنه على هذا الوجه لا يكون خاصاً به ﵊ ُ، بل معنى كونه التهجد نافلة له أنه شيء زائد على ما هو مفروض على سائر الأمة.
وقد كان المؤمنون يصلون مع الرسول ﷺ َ حتى ورمت أقدامهم وسوقهم من القيام، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ
стр. 1219
أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ ... ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ [المزمل: ٢٠] الآية.
قال ابن عباس: وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة.
وقال جماعة من المفسّرين: ليس في القرآن سورة نسخَ آخرُها أوّلَها سوى هذه الآية.
الحكم الثاني: هل تجوز قراءة القرآن بالتلحين؟
أمر الله جلّ ثناؤه بترتيل القرآن ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ أي اقرأه على تؤده وتمهل وتبين حروف، بحيث يتمكن السامع من استيعابه وتدبر معانيه.
ولا خلاف بين العلماء أن قراءة القرآن بالترتيل بمعنى التجويد، وهو تبيين الحروف، وتحسين المخارج، وإظهار المقاطع حسن مطلوب، إنما الكلام في التغنّي به وتلحينه هل هو جائز أم ممنوع؟
وقد اختلفت فيه آراء الأئمة الفقهاء، تبعاً لاختلاف الصحابة والتابعين، ونحن نذكر مذاهبهم مع أدلة كلّ فريق بشيء من التفصيل، فنقول ومن الله نستمدّ العون:
مذاهب الفقهاء في القراءة بالتلحين:
أولاً: مذهب (المالكية والحنابلة) : كراهة القراءة بالتلحين، وهو منقول عن (أنس بن مالك) و (سعيد بن المسيّب) و (سعيد بن جبير) و (القاسم بن محمد) و (الحسن البصري) و (إبراهيم النخعي) و (ابن سيرين) .
ثانياً: مذهب (الحنفيّة والشافعية) : جواز القراءة بالتلحين، وهو منقول عن: (عمر بن الخطاب) و (ابن عباس) و (ابن مسعود) و (عبد الرحمن بن الأسود بن زيد) وقد ذهب إليه من المفسرين (أبو جعفر الطبري) و (أبو بكر بن العربي) .
стр. 1220
أدلة المذهب الأول:
أ - حديث: «أقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتهم، وإيّاكم ولحونَ أهل الكتاب والفسق، فإنه يجيءُ من بعدي أقوام يرجّعُون بالقرآن ترجّع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهُمْ، مفتونةٌ قلوبُهم وقلوبُ الذين يعجبهم شأنُهم» .
فقد نعى ﵇ على من يرجّع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح على نحو ما يفعله أكثر قرّاء هذا العصر.
ب - حديث: «يتخذون القرآن مزامير، يقدّمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ليغنّيَهم غناءً» .
ج - حديث: «إنّ الأذانَ سهلٌ سمحٌ، فإن كان أذانُك سهلاً سمحاً وإلَاّ فلا تؤذّن» قالوا: فقد كره النبي ﷺ َ أن يطرب المؤذن في أذانه، فدلّ ذلك على أنه يكره التطريب في القراءة بطريق الأولى.
د - وقالوا أيضاً: إن التغنّي والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه، وذلك لأنه يقتضي مدّ ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفاً كثيرة وهو لا يجوز، هذا إلى أن التلحين من شأنه أن يلهي النفوس بنغمات الصوت، ويصرفها عن الاعتبار والتدبر لمعاني القرآن الكريم.
وقد سئل (مالك) عن الألحان في الصلاة فقال: لا تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنّون به ليأخذوا عليه الدراهم.
وروي عن الإمام (أحمد) أنه كان يقول: قراءة الألحان ما تعجبني، والقراءة بها بدعة لا تسمع.
стр. 1221
وسئل: ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال للسائل: ما اسمك؟ قال: محمد، قال له: أيسرّك أن يقال لك: يا موحامد ممدوداً؟
أدلة المذهب الثاني:
واستدل المجيزون للقراءة بالتلحين وهم (الحنفية والشافعية) بأدلة نوجزها فيما يلي:
أ - حديث:
«زينوا القرآن بأصواتكم» .
ب - حديث: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» .
ج - حديث عبد الله بن مغفّل قال: (لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود) فقال له أبو موسى: (لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيراً) .
هـ - حديث: «ما أذِنَ الله لشيء أذنَه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن» .
ووقالوا أيضاً: إنّ الترنّم بالقرآن والتطريب بقراءته من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس، وأنفذ في القلب وأبلغ في التأثير.
стр. 1222
وقد روى الطبري: عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري: ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن فيقول عمر: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل.
وكان ابن مسعود: تعجبه قراءة (علقمة الأسود) - وكان حسن الصوت - فكان يقرأ له علقمة، فإذا فرغ قال له: زدني فداك أبي وأمي.
هذه خلاصة موجزة لأدلة الفريقين، وأنت إذا أمعنت النظر وجدت أن الخلاف بينهم يكان يكون (شكلياً) لا (جوهرياً) فالفقهاء جميعاً متفقون على حرمة قراءة القرآن بالأنغام، التي لا تراعى فيها أحكام التجويد، كمدّ المقصور، وقصر الممدود، وترقيق المفخّم، وتفخيم المرقق، وإظهار ما ينبغي إدغامه، وإخفاء ما ينبغي إظهاره ... إلخ، والتي يكون الغرض منها (التطريب) وإظهار جمال الصوت فحسب دون تقيّد بالأحكام وآداب التلاوة، كما يفعله بعض الجهلة من قراء هذا العصر، فإن هذا لا يشك أحد في تحريمه.
أما إذا كان المراد ب (التلحين) هو تحسين الصوت بالقراءة وإخراج الحروف سليمة من مخارجها، دون تعقر أو تمطيط، مع تطبيق أحكام التجويد ومراعاة الوقوف والمدود فإن هذا لا يقول أحد بتحريمه، لأن الصوت الحسن يزيد في جمال القرآن، وله أثر في نفس الإنسان، وقد استمع النبي ﵊ ُ إلى قراءة بعض أصحابه، فأعجب بحسن صوته حتى قال لأبي موسى الأشعري: «لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود» والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
تمّ بعونه تعالى الجزء الثاني من كتاب «روائع البيان» وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.