← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال الحافظ ابن حجر: قوله:» قد بايعتكِ كلاماً «أي يقول ذلك كلاماً فقط، لا مصافحة باليد، كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة. أقول: الروايات كلها تشير إلى أن البيعة كانت بالكلام، ولم يثبت عنه ﷺ َ

стр. 1157

أنه صافح النساء في بيعة أو غيرها، ورسول الله ﷺ َ عندما يمتنع عن مصافحة النساء مع أنَّه المعصوم فإنما هو تعليم للأمة وإرشاد لها لسلوك طريق الاستقامة، وإذا كان رسول الله ﷺ َ وهو الطاهر، الفاضل، الشريف، الذي لا يشك إنسان في نزاهته وطهارته، وسلامة قلبه، لا يصافح النساء، ويكتفي بالكلام في مبايعتهنّ، مع أن أمر البَيْعة أمر عظيم الشأن، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء، مع أن الشهوة فيهم غالبة؟ والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري فيهم مجرى الدم؟ ﴿ وكيف يزعم بعض النَّاس أن مصافحة النساء غير محرَّمة في الشريعة الإسلامية؟﴾ ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ! الحكم الخامس: ما المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ؟ اختلف العلماء في المراد من الآية الكريمة على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به النوح على الميّت، قاله ابن عباس، وروي عن النبي ﷺ َ مرفوعاً. والثاني: أن المراد: أن لا يدعون ويلاً، ولا يخدشن وجهاً، ولا يقطعن شعراً، ولا يشققن ثوباً، قاله زيد بن أسلم. والثالث: جميع ما يأمرهن به رسول الله ﷺ َ من شرائع الإسلام وآدابه وهذا هو الأرجح. قال العلامة القرطبي: «والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي

стр. 1158

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وينهى عنه، فيدخل فيه النّوح، وتخريق الثياب، وجزّ الشعر، والخلوة بغير محرم، إلى غير ذلك، وهذه كلها كبائر، ومن أفعال الجاهلية، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ َ أنه قال:» أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية ... وذكر منها النياحة «. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: امتحان المهاجرات المؤمنات للتعرف على سبب الهجرة. ثانياً: نحن نحكم بالظاهر، والله جلّ وعلا يتولى السرائر. ثالثاً: حرمة نكاح المشركات اللواتي لا يؤمنّ بالله تعالى. رابعاً: إسلام المرأة يقطع الصلة بينها وبين زوجها المشرك وتحرم عليه. خامساً: البيعة للنساء تكون بالشرائط التي ذكرها القرآن الكريم. سادساً: الطاعة لأولي الأمر تكون في حدود ما شرع الله ﵎. سابعاً: جواز نكاح الكتابيات اللاتي يؤمنّ بكتاب منزل من عند الله. خاتمة البحث: حكمة التشريع حرّمت الشريعة الإسلامية الغراء نكاح المشركات، وحظرت على المسلم أن يُبقي في عصمته امرأة لا تؤمن بالله، ولا تعتقد بكتاب أو رسول، وتنكر البعث والنشور، وذلك لما يترتب على هذا الزواج من مخاطر دينية، واجتماعية، وأضرار عظيمة، تلحق بالزوج والأولاد، وبالتالي تهدّد حياة الأسرة التي هي النواة لبناء المجتمع الأكبر.

стр. 1159

وقد قضت السنة الإلهية أن تمتزج الأرواح بالأرواح، وتتلاءم الأنفس مع الأنفس عند الزواج، لينعم الزوجان في حياة آمنةٍ سعيدة، يرفرف عليها الحب، وتظلِّلها السعادة، ويخيِّم عليها التعاون والتفاهم والوئام. ولمّا كان هذا الانسجام والتفاهم، لا يكاد يوجد بين قلبين متنافرين ونفسين مختلفين، نفسٍ مؤمنةٍ خيّرة، ونفسٍ مشركةٍ فاجرة، وكان هذا يؤدي بدوره إلى التنافر، والخصام، والنزاع، لذلك حرّم الإسلام الزواج بالوثنية المشركة، وعدّه زواجاً باطلاً لا يستقيم مع شريعة الله. فالمشركة التي ليس لها دين يزجرها عن الشرّ، ويأمرها بالخير، ويحرّم عليها الخيانة، ويوجب عليها الأمانة، هذه الزوجة لا يمكن أن يسعد المرء في حياته معها، ولا تصلح أن تكون (رفيقة الحياة) لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر مع الفارق الكبير بين نفسيهما. والزوجية حالة امتزاج واندماج واستقرار، ولا يمكن أن تقوم الحياة بدون هذا الامتزاج، والإيمان هو قوام الحياة السعيدة الذي لا تقوم مقامه عاطفة أخرى، فإذا خوى منه قلب لم يستطع قلب مؤمن أن يتجاوب معه، ولا أن يأنس به، ولا أن يسكن إليه ويطمئن في جواره، وصدق رسول الله ﷺ َ حين قال: «الأرواح جنود مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» .

стр. 1160

سورة الجمعة [١] صلاة الجمعة وأحكامها التحليل اللفظي ﴿نُودِيَ﴾ : النداء: الدعاء بأرفع الصوت تقول: ناديته نداءً ومناداة، وفي الحديث «فإنه أندى صوتاً منك» أي أحسن وأعذب، وقيل: أرفع وأعلى، والمرادُ بالنداء هنا: الأذانُ والإعلام لصلاة الجمعة.

стр. 1161

﴿الجمعة﴾ : هو اليوم المعروف، وهو يوم عيد المسلمين الأسبوعي قال الفراء: يقال (الجُمْعة) بسكون الميم، و (الجُمُعة) بضم الميم، و (الجُمَعة) بفتح الميم فيكون صفة اليوم، أي تجمع الناس، كما يقال: ضُحَكة للذي يضحك الناس، ففيها ثلاث لغات. والأفصح الأشهر (الجمُعة) بضم الميم، قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤها جُمُعة. وقد صار يوم الجمعة عَلَماً على اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وسميت جمعة لاجتماع الناس فيها للصلاة، وكان العرب تسمي يوم الجمعة (عَروبة) وأول من سمّاها جمعة (كعب بن لؤي) . قال السهيلي: ومعنى العروبة: الرحمة فيما بلغنا عن بعض أهل العلم. ﴿فاسعوا﴾ : السعي: العَدْوُ في المشي والإسراع فيه، والمراد منه في الآية: امشوا إلى الصلاة بدون إفراط في السّرعة لقوله ﵇: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتُوها وأنتم تَمْشُون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» . قال الفراء: المضيّ، والسعي، والذهاب، بمعنى واحد واحتج بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله، معناه يمضي بجد واجتهاد، وليس معناه: العدو والركض. واحتج أبو عبيدة: بقول الشاعر:

стр. 1162

أسعى على جُلّ بني مالك ... كلّ امرئ في شأنه ساعي وكان ابن مسعود: يقرؤها: (فامضوا إلى ذكر الله) ويقول: «لو كانت من السعي لسعيتُ حتى يسقط ردائي» . قال القرطبي: وقراءةُ ابن مسعود تفسير منه، لا قراءة قرآن منزل، وجائزٌ قراءة القرآن بالتفسير، في معرض التفسير. ﴿ذِكْرِ الله﴾ : المراد بذكر الله صلاةُ الجمعة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاوة فانتشروا فِي الأرض﴾ وقيل: المراد به الخطبة. والصحيح الراجح: أن المراد به (الصلاة، والخطبة) جميعاً لاشتمالهما على ذكر الله. ﴿وَذَرُواْ البيع﴾ : أي اتركوا البيع، والمعاملة، وسائر أمور التجارة والأعمال. قال الألوسي: أي اتركوا المعاملة، فيعمّ البيع، والشراء، والإجارة وغيرها من المعاملات. وقال القرطبي: وخصّ البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ﴿قُضِيَتِ الصلاوة﴾ : أي أديتم الصلاة وفرغتم منها، يقال: قضى الرجل عمله أي أدّاه ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي أديتموها، وقضى دينه أي وفَّاه، وليس من قضاء الفائتة في الصلاة، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية الكريمة على أن لفظ (القضاء) يطلق على (الأداء) وهو استدلال لطيف. ﴿فانتشروا﴾ : أي تفرقوا في الأرض لإقامة مصالحكم، والانتشار معناه التفرق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا﴾ [الأحزاب: ٥٣] .

стр. 1163

﴿وابتغوا﴾ : أي اطلبوا من الابتغاء بمعنى الطلب، قال تعالى: ﴿وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ [القصص: ٧٧] . ﴿فَضْلِ الله﴾ : المراد به الرزق والتجارة، والكسبُ الحلال. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، وإنما هو عيادة المرضى، وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله. ﴿انفضوا إِلَيْهَا﴾ : بمعنى انصرفوا إليها، وتفرقوا عنك، والانفضاض معناه: التفرق والانصراف، قال ذو الرُمّة: تكاد تنقضّ منهنّ الحيازيم ... وأعاد الضمير إلى التجارة، لأنها كانت أهمّ إليهم، وقال الزجّاج: المعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه مثل قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ، وكما قال الشاعر: نحنُ بما عندنا وأنت بما ... عندكَ راضٍ والرأيُ مختلف ﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ : أي على المنبر تخطب، قال بعض العلماء: وفيه دلالة على مشروعية القيام في الخطبة. ﴿خَيْرُ الرازقين﴾ : لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ومن يكفر به ويجحده، فهو يعطي من سأل سواءً كان مؤمناً أم كافراً. قال الطبري: ﴿والله خَيْرُ الرازقين﴾ : يقول: والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإيّاه فاسألوا أن يوسّع عليكم من فضله دون غيره.

стр. 1164

المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: «يا أيها المؤمنون يا من صدّقتم بالله ورسوله، إذا سمتعتم المؤذّن، ينادي لصلاة الجمعة ويؤذّن لها، فاتركوا أعمالكم وأشغالكم، ودَعُوا البيع والشراء وامضوا سراعاً إلى ذكر الله وعبادته، وإلى أداء صلاة الجمعة مع إخوانكم المسلمين، فإنّ ذلك خير لكم وأفضل، وأرجى لكم عند الله، وأعود عليكم بالخيرات والبركات، إن كنتم من أهل العلم والفهم السليم، فإذا أدّيتم الصلاة وفرغتم منها، فانبثّوا في الأرض لقضاء مصالحكم، واطلبوا من فضل الله، فإن الرزق بيده، وهو المنعم المتفضّل، الذي لا يخيّب أمل السائل، ولا يضيع عمل العامل، ولا يمنع أحداً من فضله وإحسانه، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. ثم أخبر تعالى أنّ هناك فريقاً من الناس يؤثرون الدنيا الفانية، على الآخرة الباقية، فإذا سمعوا بتجارة رابحة، أو صفقة قادمة، أو شيء من لهو الدنيا، وزينتها وبهرجها، تفرّقوا عن رسول الله ﵇، وانصرفوا إلى متاع الحياة، وتركوا الرسول قائماً يخطب، ولو عقلوا لعلموا أنّ ما عند الله خير وأبقى، وأن ثوابه خير من اللهو والتجارة، وأن الله - جلّ وعلا - هو خير الرازقين، يرزق من يشاء بغير حساب، وما عند الله خير للأبرار. وصدق الله حيث يقول: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] .

стр. 1165

سبب النزول أ - أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: بينما النبي ﷺ َ يخطب يوم الجمعة قائماً، إذ قدمت عير إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ َ حتى لم يبق منهم إلاّ اثنا عشر رجلاً أنا فيهم، وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ إلى آخر السورة. ب - وروى ابن كثير عن أبي يعلى بسنده إلى جابر بن عبد الله أنه قال: «بينما النبي ﷺ َ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ َ حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ َ إلا اثنا عشر رجلاً، فقال رسول الله ﷺ َ:» والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً «ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة ... ﴾ . ج - وروى أبو حيان في تفسيره» البحر المحيط «في سبب هذا الانصراف أنَّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدم (دحية) بعيرٍ تحمل ميرةً وكان من عُرْفهم أن يدخل بالطبل والمعازف من درى بها. فدخلت بها فانفضوا إلى رؤية ذلك وسماعه، وتركوه ﷺ َ قائماً على المنبر في اثني عشر رجلاً، قال جابر: أنا أحدهم، فنزلت ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة ... ﴾ .

стр. 1166

وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿من يوم الجُمُعة﴾ بضم الجيم والميم، وقرأ الزهري والأعمش بضم الجيم وسكون الميم ﴿الجُمْعة﴾ وهي لغة تميم، وقرأ أبو العالية والنخعي ﴿الجُمَعة﴾ بضم الجيم مع فتح الميم، وهي ثلاث لغات. قال الزجاج: من قرأ بتسكين الميم فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين، وأمّا فتح الميم فمعناها: الذي يجمع الناس، كما تقول: رجلٌ لُعَنَة: يُكثر لعنة الناس، وضُحَكَة: يكثر الضحك. ٢ - قرأ الجمهور ﴿انفضّوا إليها﴾ بضمير المؤنث عائداً إلى التجارة، وقرأ ابن أبي عَبْلة بضمير المذكّر ﴿انفضّوا إليه﴾ عائداً إلى اللهو. قال الأخفش: وكلاهما جائز عند العرب، وقرئ ﴿انفضُّوا إليهما﴾ بضمير التثنية عائداً إلى التجارة واللهو. ٣ - قرأ الجمهور ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله﴾ وروي عن ابن مسعود وعمر أنهما كانا يقرآنها ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾ وقراءتهما محمولة على أنها وجه من وجوه التفسير، لا أنها قراءة من القراءات وقد مرّ معك كلام القرطبي فتدبره.

стр. 1167

وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ للصلاوة مِن يَوْمِ الجمعة﴾ (إذا) شرطية و (نودي) مبني للمجهول، و (مِنْ) بمعنى (في) أي في يوم الجمعة كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾ [فاطر: ٤٠] أي في الأرض. وجوّز أبو البقاء كون (مِنْ) للتبعيض. وفي» الكشاف «: هي بيان ل (إذا) وتفسير له، وقد اعترض عليه في هذا، والصحيح أنها بمعنى (في) . ٢ - قوله تعالى: ﴿واذكروا الله كَثِيراً ... ﴾ . (اذكروا) فعل أمر مبني على حذف النون لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، ولفظ الجلالة منصوب على التعظيم تأدباً، و (كثيراً) صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره: (ذكراً كثيراً) ، وقد صرح به في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] . ٣ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ ، قائماً منصوب على الحال، وصاحب الحال هو النبي ﷺ َ المشار إليه ب (تركوك) أيها النبيّ حال كونك قائماً. ٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة ... ﴾ (ما) اسم موصول مبتدأ، و (خير) خبره، والجملة (ما عند الله خير) مقول القول.

стр. 1168

لطائف التفسير اللطيفة الأولى: يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية يوم (العَروبة) . وأوّل من سمّاه جمعة (كعب بن لؤي) وروي في سبب تسميته أن أهل المدينة اجتمعوا قبل قدوم النبي ﷺ َ، لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى، ونشكره، فقالوا: يومُ السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العَروبة، فاجتمعوا إلى (أسعد بن زُرارة) فصلَّى بهم يومئذٍ ركعتين، وذكّرهم، فسميت الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة فتغدّوا وتعشّوا منها، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. اللطيفة الثانية: في التعبير بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله﴾ لطيفة وهي أنه ينبغي للمؤمن أن يقوم إلى صلاة الجمعة بجدٍّ ونشاط، وعزيمة وهمَّة، لأن لفظ (السعي) يفيد القصد والجدّ والعزة، وليس المراد منه العَدْو في المشي فإنّ ذلك منهي عنه. قال الحسن: «والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنّه سعي بالقلوب وسعي بالنيّة، وسعي بالرغبة، ولقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إلاّ وعليهم السكينة والوقار» . اللطيفة الثالثة: أُطلق لفظ البيع (وذروا البيع) وقصد به جميع أنواع المعاملة من بيع، وشراء، وإجارة، وغيرها من المعاملات فهو على سبيل المجاز المرسل.

стр. 1169

قال أبو حيان: «وإنما ذكر البيع من بين سائر المحرَّمات، لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق، إذ يكثر الوافدون من القرى إلى الأمصار ويجتمعون للتجارة إذا تعالى النهار، فأُمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة، ونُهوا عن تجارة الدنيا حتى الفراغ من الصلاة» . اللطيف الرابعة: كان السلف الصالح يقتدون برسول الله ﷺ َ في جميع أفعاله وحركاته وسكناته، حتى ولوْ لم يدركوا السرّ فيه، وذلك من فرط حبِّهم لرسول الله ﷺ َ، فقد روي عن بعضهم أنه كان إذا صلَّى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلَّى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فقيل له: لأيّ شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيّد المرسلين ﷺ َ هكذا يصنع، وتلا هذه الآية: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاوة﴾ . اللطيفة الخامسة: كان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: «اللهمّ إني أجبتُ دعوتك، وصلَّيتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين» . اللطيفة السادسة: في قوله تعالى: ﴿واذكروا الله كَثِيراً﴾ لطيفة وهي أن الله أمر بالسعي في طلب الرزق، والاشتغال بالتجارة، ولمّا كان هذا قد يسوق الإنسان إلى الغفلة، وربما دفعته الرغبة في جمع المال، إلى الكذب، والغش، والاحتيال، أُمِر المسلمُ أن يذكر الله تعالى، ليعلم أن الدنيا ومتاعها فانية وأن الآخرة وما فيها باقية، وأنّ ما عند الله خير وأبقى، فلا تشغله تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة كما قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾ [النور: ٣٧] وهذا هو السرّ في الأمر بذكر الله كثيراً فتدبره.

стр. 1170

اللطيفة السابعة: الأصل في (إذا) أنها للاستقبال، والآية الكريمة نزلت بعد تلك الحادثة وبعد انفضاض الناس عن رسول الله ﷺ َ لهذا فقد خرجت عن الاستقبال واستعملت في الماضي، على حدِّ قول القائل: ونَدْمانٍ يزيدُ الكأس طيباً ... سَقَيْتُ (إذا) تَغَوّرتِ النَجومُ ما ورد في فضائل يوم الجمعة أ - يومُ الجمعة أفضل الأيام وأشرفها على الاطلاق فقد روى مسلم في «صحيحة» عن النبي ﷺ َ أنه قال: «خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» . ب - وروى مالك في «الموطأ» عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلَاّ الإنس والجن، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه إياه» . ج - وروى أبو داود في «سننه» أن رسول الله ﷺ َ قال: «إنّ من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقةُ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ، قالوا يا رسول الله: كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمتَ؟

стр. 1171

يعني (بليتَ) فقال ﷺ َ: إنّ الله ّ حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» . الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو الأذان الذي يجب السعي عنده؟ دلَّ قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ للصلاوة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع﴾ على وجوب السعي إلى المسجد، وترك البيع والشراء، وقد اختلف العلماء في الأذان الذي يجب السعي عنده. ١ - قال بعض العلماء: المراد به الأذان الأول الذي هو على (المنارة) . ٢ - وقال آخرون: المراد به الأذان الذي بين يدي الخطيب إذا صعد الإمام المنبر. حجة الفريق الأول: أ - أن المراد من النداء هو الإعلام، والسعيُ إنما يجب عند الإعلام، وهو (الأذان الأول) على المنارة، الذي زاده عثمان ﵁، وذلك حين رأى كثرة الناس، وتَباعُدَ مساكنهم عن المسجد، فأمر بالتأذين الأول على دارٍ له بالسوق، يقال لها (الزّوراء) وقد ثبت الأمر على ذلك من عهده إلى عصرنا هذا. ب - واستدلوا بما رواه البخاري في «صحيحه» عن (السائب بن يزيد) ﵁ أنه قال: (كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام

стр. 1172

على المنبر على عهد النبي ﷺ َ وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان زمن عثمان ﵁ وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزّوراء فثبت الأمر على ذلك) . ج - وقالوا: السعيُ عند الأذان الثاني، وقت صعود الخطيب المنبر، يفوّت على الناس سماع الخطبة التي م أجلها خفّف الله تعالى الصلاة فجعلها ركعتين، ولم تكن بالمسلمين حاجة إلى هذا في زمن النبي ﷺ َ لقرب مساكنهم من المسجد، ولحرصهم الشديد على أن بجيئوا من أول الوقت محافظة على أخذ الأحكام عن الرسول ﷺ َ فكان النداء الذي بين يدي الخطيب يُسْمعهم فيحضرون سراعاً، ويدركون الخطبة من أولها لقرب المساكن من المسجد. وهذا القول هو الظاهر المعتمد في مذهب الحنفية، وقد نصّ عليه صاحب «الكنز» من أئمة فقهاء الحنفية فقال: «ويجب السعي وترك البيع بالأذان الأول لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ للصلاوة﴾ الآية وإنما اعتبر لحصول الإعلام به، وهذا القول هو الصحيح في المذهب. وقيل: العبرة للأذان الثاني، الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر، لأنه لم يكن في زمنه ﷺ َ إلاّ هو - وهو ضعيف - لأنه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السُنّة القبلية، ومن الاستمتاع، بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة انتهى. حجة الفريق الثاني: أ - الأذان الذي يجب فيه السعيُ وتركُ البيع، هو (الأذان الثاني) الذي يكون بين يدي الخطيب، لأنه هو الأذان الذي كان في زمنه ﷺ َ، وهو

стр. 1173

عليه السلام أحرص الناس على أن يؤدي المؤمنون الواجب عليهم في وقته، فلو كان السعي واجباً قبل ذلك لبيّنه لهم، ولجعل بين الأذان والخطبة زمناً يتسع لحضور الناس. ب - ما روي عن ابن عمر والحسن في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ للصلاوة مِن يَوْمِ الجمعة﴾ قالا:» إذا خرج الإمام وأذّن المؤذن فقد نودي للصلاة «. قالوا: وهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره. ج - وقالوا أيضاً: إن المصلي يندب له أن يجيء مبكّراً لفوائد جمّة كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة، ولكنّ تحريم البيع والشراء والحكمَ بالإثم شيءٌ، وإدراكَ الأمر المندوب شيءٌ آخر. ثم إن السنة القبلية - على فرض أنها بقيت مطلوبة في الجمعة - فإنه لا يمكننا أن نوجب السعي قبل وقته لتحصيل سنّة لم تثبت، فيبقى النداء الذي يحرم عنده البيع هو (النداء الثاني) الذي يكون عند صعود المنبر، وهو الذي كان في زمنه ﵇. وهذا المذهب هو رأي جمهور العلماء، وقولٌ عند فقهاء الحنفية، ولعله يكون الأرجح والله تعالى أعلم. الحكم الثاني: هل يفسخ البيع عند الآذان؟ دلَّ قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ البيع﴾ على حرمة البيع والشراء وسائر المعاملات عند الأذان، وقد اختلف العلماء في عقد البيع هل هو صحيح أم فاسد؟ فقال بعضهم إنه فاسد لورود النهي ﴿وَذَرُواْ البيع﴾ . وقال الأكثرون إنه حرام ولكنه غير فاسد وهو يشبه الصلاة في الأرض المغصوبة تصحُّ مع الكراهة. قال القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» : «وفي وقت التحريم قولان:

стр. 1174

الأول: أنه من بعد الزوال إلى الفراغ من الصلاة. قاله الضحّاك، والحسن، وعطاء. الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله الشافعي. قال: ومذهب مالك: أن يترك البيع إذا نودي للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من البيع في ذلك الوقت، ولا يفسخ العتق، والنكاح، والطلاق وغيره، إذا ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع، قالوا: وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ. قال ابن العربي: والصحيحُ فسخ الجميع، لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به، فكلُّ أمرٍ يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعاً. مفسوخ رَدْعاً. ورأى بعضُ العلماء البيع في الوقت المذكور جائزاً، وتأّوَّل النّهيَ عنه ندباً، واستدل بقوله تعالى: ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ، وهذا مذهب الشافعي فإن البيع عنده ينعقد ولا يفسخ. وقال الزمخشري في تفسيره: إن عامة العلماء على أنّ ذلك لا يؤدي إلى فساد البيع، قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه فاسد. قال القرطبي: والصحيح فسادُه، وفسخُه، لقوله ﵊ ُ:» كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردّ «أي مردود، والله أعلم. الحكم الثالث: هل الخُطْبة شرط لصحة الجمعة؟ دلّ قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله﴾ على أن الخطبة شرط لصحة صلاة الجمعة، لأن ذكر الله سواء قلنا إنه: (الموعظة) أو إنه (الموعظة

стр. 1175

والصلاة معاً) يدخل فيه خطبة الجمعة، فلا بدّ أن تكون شرطاً لصحة الصلاة. ولأن صلاة الجمعة إنما خفّفت من أجل الخطبة وسماع الموعظة، وعليه تكون الخطبة واجبة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. غير أن فقهاء الحنفية قالوا: لا يشترط في الخطبة أن تكون مشتملة على ما يسمّى (خطبة) عرفاً، لأن الله تعالى ذكر الذّكر من غير تفصيل بين كونه طويلاً، أو قصيراً، يسمّى خطبة أو لا يسمى خطبة، فكان الشرط هو الذكر مطلقاً، ويكفي فيه أقل ما يطلق عليه اسم الذكر، غير أن المأثور عنه ﷺ َ هو الذكر المسمّى ب (الخطبة) والمواظبة عليه فكان ذلك واجباً أو سنّة، لا أنه الشرطُ الذي لا يجزئ غيره. وفقهاء الشافعية والحنابلة: يشترطون أن يأتي الخطيب بخطبتين مستوفيتين لشروط خاصة منها: حمدُ الله، والصلاة على النبي ﷺ َ، وقراءة آية من كتاب الله تعالى، والوصيةُ بتقوى الله تعالى. وزاد الشافعية الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وفقهاء المالكية: شرطوا في الخطبة شرطاً واحداً وهي أن تكون مشتملة على تحذير أو تبشير ممّا يسمّى في العرف موعظة وخطبة. قال في «الروضة الندية» : «ثمّ اعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ﷺ َ من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روحُ الخطبة الذي لأجله شرعت، وأمّا اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسوله، أو قراءة شيء من القرآن، فجميعُه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاقُ مثل ذلك في خطبته ﷺ َ لا يدل على أنه مقصود متحتم، وشرط لازم. ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ َ، وقد كان عُرْف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاماً، ويقول مقالاً، شرع بالثناء على الله وعلى رسوله ﷺ َ - وما أحسن هذا وأولاه - ولكن ليس هو المقصود،

стр. 1176

بل المقصود ما بعده، ولو قال: إنّ من قام في محفل من المحافل خطيباً، ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه الحمد، والصلاة، لما كان هذا مقبولاً بل كل طبع سليم يمجّه ويردّه، إذا تقرّر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع إلاّ أنه قدّم الثناء على الله وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن» . الحكم الرابع: ما هو العدد الذي تنعقد به الجمعة؟ لا خلاف بين الفقهاء أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة، لقوله ﵇: «الجمعة حقٌّ واجبٌ على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» . ولأن التسمية تقتضي ذلك، فلا يقال لمن صلَّى وحده إنه صلى الجمعة. فلا بدّ من الجماعة، وقد اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة إلى خمسة عشر قولاً ذكرها الحافظ في «الفتح» . والآية الكريمة لم تنصّ على عددٍ معيّن، وكذلك السُنَّةُ المطهّرة لم يرد فيها نص صريح صحيح على العدد الذي تنعقد به، ولهذا اختلف الفقهاء على أقوال عديدة: أ - الحنفية قالوا: يكفي أربعة أحدهم الإمام، وقيل: ثلاثة. ب - الشافعية والحنابلة قالوا: لا بدّ من جمع غفير أقله أربعون. ج - المالكية قالوا: لا يشترط عدد معيّن بل تشترط جماعة تُسْكن بهم قرية، ويقع بينهم البيع، ولا تنعقد بالثلاثة والأربعة ونحوهم. قال الحافظ ابن حجر: ولعلّ هذا المذهب أرجح المذاهب من حيث الدليل. وهناك أحكام أخرى تطلب من كتب الفروع ضربنا صفحاً عنها لأنّ الآية الكريمة لا تدل عليها والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1177

ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: الجمعة فريضة على المسلمين المكلفين بالشروط المعروفة. ثانياً: وجوب السعي للاستماع إلى الخطبة وأداء فريضة الجمعة. ثالثاً: حرمة البيع والشراء وسائر المعاملات عند الأذان. رابعاً: جواز الاشتغال بأمور التجارة والمعاش قبل الصلاة وبعدها. خامساً: الرزق بيد الله ومع ذلك ينبغي أن يأخذ الإنسان بأسباب الكسب. سادساً: لا ينبغي للمؤمن أن تشغله تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة. خاتمة البحث: حكمة التشريع الصلاة صلة العبد بربه، وعبادة تشدُّ القلب، وتقوِّي الإيمان فيه، وهي إلى جانب هذا تزيد المجتمع ترابطاً وتآلفاً، يلتقي فيها أفراده على الخير، ويتعاونون على البر والتقوى، وإذا كانت الصلوات الخمس في كل يوم وليلة مفروضة فقد يُشْغل المرء عن بعضها في شغله الدنيوي الذي يُبعده عن المسجد، أو يتساهل في عدم المجيء إليها، لذلك فقد فرض الله صلاة الجمعة في كل أسبوع مرة واحدة ليسرع إلى الصلاة يستمع إلى كلام الله وحديث المصطفى ﷺ َ وموعظة الخطيب، فيكون له زاداً إيمانياً، ويجتمع بإخوانه المؤمنين جميعاً، فيتفقد الغائب، ويعين المحتاج، ويعود المريض، ويصالح المتخاصمين، ويبذل نصحه للمقصِّرين ... كما يتعلم الآداب الإسلامية في الاجتماع من السلام، والاحترام، والبشاشة التي تجعل المجتمع في سلام وأمان، لهذا كله فرض الله سبحانه صلاة الجمعة على كل مسلم، وأمره أن يسعى إليها، وحثه على أدائها.

стр. 1178

سورة الطلاق [١] أحكام الطلاق

стр. 1179

التحليل اللفظي ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ : أي لزمان عدتهن، أو لاستقبال عدتهن. قال الجرجاني: اللام بمعنى (في) أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، وعدَّةُ المرأة أيام قروئها، وأيام إحدادها على بعلها، وأصل ذلك كله من العد لأنها تعد أيام أقرائها، أو أيام حمل الجنين، أو أربعة أشهر وعشر ليال. ﴿وَأَحْصُواْ﴾ : أي اضبطوا، واحفظوا، وأكملوا العدَّة ثلاثة قروء كوامل. وأصل معنى الإحصاء: العدُّ بالحصى كما كان معتاداً قديماً، ثم صار حقيقة فيما ذكر. ﴿اتقوا الله﴾ : أي اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية تحميكم وتصونكم، وذلك بالطاعة في الأوامر، واجتناب النواهي. ﴿بفاحشة﴾ : الفاحشة، والفُحْش، والفحشاء: القبيحُ من القول والفعل، وجمعها فواحش، وكلُّ ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي يسمى (فاحشة) ولهذا يسمى الزنى فاحشة قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] . ﴿حُدُودُ الله﴾ : الحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي، والحدُّ في الحقيقة هو النهاية التي ينتهي إليها الشيء، وحدودُ الله ضربان: ضرب حدَّها للناس في مطاعمهم ومشاربهم مما أحلَّ وحرم، والضرب الثاني عقوبات جعلت لمن ركب ما نُهِيَ عنه كحد السارق.

стр. 1180

﴿ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ : الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ : الأجل غاية الوقت ومدَّتُه. والمراد في الآية أي قاربن انقضاء أجل العدّة. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ : المعروف ما يستحسن من الأفعال، وأصل المعروف ضد المنكر. والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسِّنات والمقبِّحات. والمعروف في الإمساك النَّصَفة وحسن العشرة والصحبة فيما للزوجة على زوجها، وفي المفارقة أداء المهر والتمتيع، والحقوق الواجبة والوفاء بالشرط. ﴿ذَوَىْ عَدْلٍ﴾ : أي رجلين بيّنا العدالة، والعدل: المرضيُّ قوله وحكمه. قال الحسن: ذوي عدلٍ من المسلمين. ﴿يَتَوَكَّلْ﴾ : يستسلم ويعتمد في أموره على الله، لعلمه أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده، ويصرف أمره إليه. ﴿حَسْبُهُ﴾ : أي كافيه. ومنه قول المؤمن (حسبي الله ونعم الوكيل) . ﴿بالغ﴾ : أي نافذ أمره والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم. ﴿قَدْراً﴾ : أي تقديراً وتوقيتاً، وهو بيان لوجوب التوكل عليه تعالى وتفويض الأمر إليه، لأن العبد إذا علم أن كلَّ شيءٍ من الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى، لا يبقى له إلا التسليم للقدر، والتوكل على الله تعالى.

стр. 1181

المعنى الإجمالي يخاطب الله سبحانه نبيه المختار ﷺ َ قائد الأمة إلى الخير، وهاديها إلى الحق، تشريفاً له وتعظيماً، وتنبيهاً لأمته وتعلياً، بأن المسلم إذا أراد أن يطلِّق زوجه فله ذلك. ولكن عليه أن يراعي في ذلك الوقت الذي يطلَّقها فيه، فلايطلِّقْها إلا في طهر لم يجامعها فيه، فإن فعل ذلك فعليه أن يحصي الوقت، ويضبط أيام العدة ليعرف وتعرف انتهاء عدتها. وانفصام عرى الزوجية بينهما، وعلى المؤمن أن يكون مصاحباً لتقوى الله وخشيته في كل عمل يؤديه، وأمرٍ يقوم به ليكون عمله صحيحاً سليماً. المعتدة تقعد في منزل زوجها لا يجوز له أن يُخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج، ولو أذن لها زوجها بذلك إلا إذا ارتكبت فاحشة محققة تعذّرَ معها البقاء في منزل زوجها فتخرج لذلك، هذا أمر الله وحكمه، وحدُّه الفاصل الذي أقامه لطاعته فمن تعدَّاه، فقد ارتكب ما نهاه الله عنه، وجلب الشر والندم لنفسه، فإنه لا يدري لعل الله يحدث في قلبه ما يغيّر حاله، ويجعله راغباً في زوجه، مريداً إبقاءها في بيته، فإذا تمهّل في أمر الطلاق، واتَّبع ما أرشده إليه الكتاب الكريم كان له سعة فيما يريد، وإلَاّ ندم، ولات ساعة مندم. وإذا شارفت المعتدة على نهاية عدتها فالخيار للزوج، والأمر إليه، إذا أراد أن يعيدها إلى منزله فعليه أن يعاملها برفق ولين، وإن أراد أن يفارقها فله ذلك مع توفية جميع حقوقها، وسواء اختار المفارقة أو الإمساك فعليه أن يُشهد على ذلك رجلين عدلين في دينهما، وخلقهما، واستقامتهما. وعلى الشهود أن يؤدوا الشهادة لوجه الله تعالى، ولا يكتموها، أمرٌ

стр. 1182

من عند الله يتبعه المؤمن ويُخْبتُ له، ويعلم أن أمامه يوماً يسأل فيه عما قدّم وأخر. وتقوى الله - سبحانه - تجعل للعبد مخرجاً من المضايق مادية كانت أو معنوية، ويرزق الله - القدير - عبده التقي من حيث لا يؤمل، ولا يتوهم، ومن يرجع إلى الله في أموره، ويتوكل عليه حق التوكل، فالله كافيه همَّه، وميسّر عليه أمره، وأمرُ الله وحكمه في الخلائق نافذ لا محالة، يفعل ما يشاء ويختار، ولكن لكل أجل كتاب، ولكل أمر وقت محدد. وجوه القراءات مُبيِّنَة: قرأ الجمهور بالكسر، وقرأ ابن كثير وأبو بكر ﴿مُبيَّنة﴾ بالفتح. قوله تعالى: ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ : قرأ الجمهور ﴿أجلهن﴾ على الإفراد. وقرأ الضحاك وابن سيرين ﴿آجالهن﴾ على الجمع. قوله تعالى: بالغٌ أمرَه: قرأ الجمهور بالتنوين ﴿بالغٌ﴾ . وروي عن حفص ﴿بالغُ أمرِهِ﴾ بالإضافة. وروي ﴿بالغٌ أمرُهُ﴾ . وروي ﴿بالغاً أمرُه﴾ .

стр. 1183

وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هو على حذف مضاف أي لاستقبال عدتهم. واللام للتوقيت نحو كتبته لليلةٍ بقيت من شهر رجب. ٢ - قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ . نصب (لا تدري) على جملة الترجي، فلا تدري معلّقة عن العمل، والجملة المترجاة في موضع نصب بلا تدري. ٣ - قوله تعالى: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ . من قرأ بالتنوين فعلى الأصل، لأن اسم الفاعل هاهنا بمعنى الاستقبال و (أمرَه) منصوب باسم الفاعل (بالغٌ) لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل. ومن قرأ بغير تنوين، حذف التنوين للتخفيف، وجرّ ما بعده بالإضافة. ومن قرأ (أمرُه) بالرفع على أنه فاعل ل (بالغ) التي هي خبر إنَّ. أو مبتدأ وبالغ خبر مقدم له، والجملة خبر إنَّ. ومن قرأ (بالغاً) على أنها حال من فاعل جعل لا من المبتدأ لأنهم لا يرتضون مجيء الحال منه (وقد جعل) خبر (إنَّ) .

стр. 1184

سبب النزول أولاً: رُوي في «سنن» ابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ َ طلّق حفصة ﵂ ثم راجعها. وروى قتادة: عن أنس قال: طلّق رسولُ الله ﷺ َ حفصة ﵂ فأتت أهلها فأنزل الله تعالى عليه ﴿ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقيل له راجعها فإنها قوَّامة صوَّامة، وهي من أزواجك في الجنة. وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله ﷺ َ على حفصة لما أسرّ إليها حديثاً، فأظهرته لعائشة، فطلّقها تطليقة فنزلت الآية. ثانياً: وقال السّدي: نزلت في عبد الله بن عمر طلّق امرأته حائضاً تطليقة واحدة، فأمره رسول الله ﷺ َ بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، وتحيض، ثمّ تطهر، فإذا أراد أن يطلِّقَها، فليطلِّقْها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدَّةُ التي أمر الله تعالى أن يُطَلَّق لها النساء. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي﴾ نداء للنبي ﷺ َ وخطاب له على سبيل التكريم والتنبيه. ويحتمل تخصيص النبي بالخطاب وجوهاً: أحدها: اكتفاء بعلم المخاطبين بأن ما خوطب به النبي ﷺ َ خطاب لهم إذ كانوا مأمورين بالاقتداء به، إلا ما خص به دونهم. والثاني: أنّ تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ... ﴾ .

стр. 1185

والثالث: خص النداء به ﷺ َ على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الأتباع، لأن النبي ﷺ َ إمام أمته، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه. وفيه إظهار لجلالة منصبه ﵊ ُ ما فيه، ولذلك اختير لفظ (النبي) لما فيه من الدلالة على علو مرتبته. والرابع: الخطاب كالنداء له ﷺ َ إلا انه اختير ضمير الجمع للتعظيم نظير ما في قوله: (ألا فارحموني يا إله محمد) . والخامس: إنه بعد ما خاطبه ﵊ ُ بالنداء صرف سبحانه الخطاب عنه لأمته تكريماً له ﷺ َ لا في الطلاق من الكراهة فلم يُخَاطبْ به تعظيماً. والسادس: حذف نداء الأمة، والتقدير يا أيها النبي وأمة النبي إذا طلقتم. قال القرطبي: إذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: ﴿ياأيها النبي﴾ فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: (يا أيها الرسول) . اللطيفة الثانية: فإن قيل: ما السرّ في تسمية الطلاق ب (الطلاق البدعي) ، أو (الطلاق السني) ؟ فالجواب كما قال الإمام الرازي: إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضاً لم تعتد بأيام حيضها من عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء، فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء، وهي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلّقة التي لا هي معتدة، ولا ذات بعل، والعقولُ تستقبح الإضرار. ففي طلاقة إيَّاها في الحيض سوء نظر للمرأة، وفي الطلاق في الطُّهر الذي جامعها فيه، وقد حملت فيه سوء نظر للزوج.

стр. 1186

فإذا طلقت وهي طاهر غير مجامعة أُمنَ هذان الأمران، لأنها تعتدّ عقيب طلاقه إياها، على أمان من اشتمالها على ولد منه. اللطيفة الثالثة: قال الربيع بن خيثم: «إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكَّلَ عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاه أجاب له» . وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ﴿إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ﴾ [التغابن: ١٧] ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . اللطيفة الرابعة: قال الله تعالى: ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ ولم يقل (واتقوا الله) . قال الفخر الرازي: فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإن لفظ الرب ينبِّهُهم على التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذٍ خوفاً من فوت تلك التربية. اللطيفة الخامسة: قال الرازي: ثم في هذه الآية لطيفة، وهي أن التقوى في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ وقريب من هذا قوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ العدة﴾ إحصاء العدة يكون لمعانٍ: أحدها: لما يريد من رجعة وإمساك، أو تسريح وفراق.

стр. 1187

والثاني: لكي يشهد على فراقها، ويتزوج من النساء غيرها ممن لم يكن يجوز له جمعها إليها كأختها، أو أربعٍ سواها. والثالث: لتوزيع الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ ، أي من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمقصود التحريض على طلاق الواحدة، والنهيُ عن طلاق الثلاث، فإنه إذا طلَّق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبةِ في الارتجاع، فلا يجد للرجعة سبيلاً. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الطلاق مباح أو محظور؟ لقد أباح الله تعالى الطلاق بقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقد روي عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «إنَّ من أبغض المباحات عند الله الطلاق» . وفي لفظ «ابغضُ الحلال إلى الله الطلاق» . قال الحنفية والحنابلة: الطلاق محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح لقوله ﷺ َ: «لعن الله كلَّ مِذْواق مِطْلاق» وإنما أبيح للحاجة، ويحمل لفظ

стр. 1188

المباح على ما أبيح في بعض الأوقات التي تتحقق فيه الحاجة المبيحة. وقد نقل عن ابن حجر أن الطلاق: أ - إمّا واجب كطلاق المُوْلي بعد التربص مدة أربعة أشهر وطلاقِ الحكمين في الشقاق بين الزوجين إذا لم يمكن الإصلاح. ب - أو مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها، أو تكون غير عفيفة. ج - أو حرام وهو الطلاق البدعي. د - أو مكروه بأن سَلِمَ الحالُ عن ذلك كله للحديث. الحكم الثاني: ما هو الطلاق السّني وما هي شروطه؟ روي عن ابن عمر ﵄ أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ َ فتغيظ، فقال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، وإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسّها، فتلك العدة التي أمر الله . ولهذا الحديث حصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه إذا لم يجامعها فيه. والجمهور: على أنه لو طلّق لغير العدة التي أمر الله وقع طلاقه وأثمَ، وذلك لقوله ﷺ َ: «ثلاثة جدهن جد وهزلهنّ جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» . واختلف الفقهاء فيما يدخل في طلاق السنة. فقال الحنفية: إن طلاق السنة من وجهين:

стр. 1189

أحدهما: في الوقت وهو أن يطلقها طاهراً من غير جماع، أو حاملاً قد استبان جملها. والآخر: من جهة العدد وهو أن لا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة. وقال المالكية: طلاق السنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهراً، لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدَّمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض. وقال الشافعية: طلاق السنة أن يطلقها كل طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثاً في طهر لم يكن بدعة. وقال الحنابلة: طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. فالاتفاق واقع على أن طلاق السنة في طهر لم يجامعها فيه، وأما من أضاف كونها حاملاً فلما ورد في حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ َ قال لعمر: «مُرْه فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت، أو وهي حامل» . وأما العدد والخلاف فيه فبحثه عند قوله تعالى: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وأما قول المالكية: «وهي ممن تحيض» فهذا شرط متفق عليه. قال الفخر الرازي: والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها، غير الآيسة، والحامل، إذ لا سنة في الصغيرة وغير المدخول بها، والآيسة، ولا بدعة أيضاً لعدم العدة بالأقراء. وقال أبو بكر الجصاص: والوقتُ مشروط لمن يطلق في العدة لأنَّ من

стр. 1190

لا عدة عليها بأن كان طلقها قبل الدخول فطلاقها مباح في الحيض. وأما بقية الشروط فمختلف فيها وتنظر في كتب الفروع. الحكم الثالث: هل للمعتدة أن تخرج من بيتها؟ دلّ قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ﴾ على أنّ المطلقة لا تخرج من مسكن النكاح ما دامت في العدة، فلا يجوز لزوجها أن يُخرجها، ولا يجوز لها الخروج أيضاً إلاّ لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدّة، والرجعيةُ والمبتوتةُ في هذا سواء. واختلف الفقهاء في خروج المعتدة من بيتها لقضاء حوائجها على مذاهب: أ - قال مالك وأحمد: المعتدة تخرج في النهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. ب - وقال الشافعي: لا تخرج الرجعيّة ليلاً ولا نهاراً وإنما تخرج المبتوتة في النهار. ج - وقال أبو حنيفة: المطلّقة لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، والمتوفّى عنها زوجها لها أن تخرج في النهار. دليل المالكية والحنابلة: استدل مالك وأحمد بحديث (جابر من عبد الله) قال: «طُلّقت خالتي فأرادت أن تَجُدَ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ َ فقال:» بلى فجُدّي نخلك، فإنك عسى أن تصدّقي أو تفعلي معروفاً «.

стр. 1191

دليل الشافعية: واستدل الشافعي بالآية الكريمة: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ بالنسبة للمطلقة رجعياً فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً. وامّا المبتوتة فاستدل بحديث (فاطمة بنت قيس) فقد ورد في صحيح مسلم أنَّ (فاطمة بنت قيس) قالت يا رسول الله: زوجي طلقني ثلاثاً وأخاف أن يُقْتحم عليّ قال: فأمرها فتحولت. وفي البخاري: عن عائشة أنَّ (فاطمة بنت قيس) كانت في مكانٍ وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي ﷺ َ لها. دليل الحنفية: واستدل أبو حنيفة بعموم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ﴾ فقد حرمت على المطلّقة أن تخرج ليلاً أو نهاراً، سواءً كانت رجعية أم مبتوتة، وأما المتوفى عنها زوجها فتحتاج للخروج نهاراً لقضاء حوائجها ولا تخرج ليلاً لعدم الضرورة. قال الحنفية: ليس لها أن تخرج لأن السكنى حق للشرع مؤكد لا يسقط بالإذن حتى لو اختلعت على أن لا سكنى لها تبطل مؤنة السكنى عن الزوج، ويلزمها أن تكتري بيته، وأما أن يحل لها الخروج فلا. قال الشافعية: إنهما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما، فالمعنى لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن. وقد قال الفخر الرازي: «فلم يكن لها الخروج، وإن رضي الزوج،

стр. 1192

ولا إخراجها وإن رضيت إلا عن ضرورة» . الحكم الرابع: ما هي الفاحشة التي تخرج بها المعتدة من المنزل؟ لقد اختلف السلف في المراد بالفاحشة في قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ﴾ وتبعاً لذلك اختلف الفقهاء. فقال أبو حنيفة: بقول ابن عمر: خُروجُها قبل انقضاء العدة فاحشةٌ. فيكون معنى الآية إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق. والاستثناء عليه راجع إلى ﴿لَا يَخْرُجْنَ﴾ والمعنى: «لا يُسمع لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو فاحشة، ومن المعلوم أنه لا يُسمع لهن فيه فيكون ذلك منعاً عن الخروج على أبلغ وجه. قال ابن الهمام: كما يقال:» لا تزن إلَاّ أن تكون فاسقاً، ولا تشتم أُمَّك إلا أن تكون قاطع رحم، ونحو ذلك وهو بديع وبليغ جداً «. وقال أبو يوسف بقول الحسن وزيد بن أسلم: هو أن تزني فتخرج للحد (أي لا تُخْرجوهنَّ إلا إن زنين) . وعن ابن عباس قال: إلا أن تبذو على أهله، فإذا فعلت ذلك حلَّ لهم أن يُخْرجوها، كما ورد عن فاطمة بنت قيس أنها أخرجت لذلك. وعنه أيضاً قال: جميع المعاصي من سرقة أو قذف أو زنا أو غير ذلك واختاره الطبري. وقال الضحاك: الفاحشة المبينة: عصيانُ الزوج. وقال قتادة: إلا أن تَنْشزَ فإذا فعلت حلَّ إخراجها. قال أبو بكر الجصاص: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جميعها مراداً، فيكون خروجها فاحشة، وإذا زنت أخرجت

стр. 1193

للحد، وإذا بذت على أهله أخرجت أيضاً. فأما عصيان الزوج والنشوز، فإن كان في البذاءة وسوء الخلق اللذين يتعذر القيام معها فيه فجائز أن يكون مراداً، وإن كان إنما عصت زوجها في شيء غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في إخراجها» . وأما ابن العربي فقال: أما من قال إنه الخروج للزنى، فلا وجه له لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام، وأما من قال إنه البذاء فهو مفسر في حديث فاطمة بنت عيس، وأما من قال إنه الخروج بغير حق فهو صحيح وتقدير الكلام: «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعاً إلى أن يخرجن تعدياً» . الحكم الخامس: ما حكم الإشهاد في الفرقة والرجعة؟ قال أبو حنيفة: الإشهاد مندوب إليه في الفرقة والرجعة لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإنَّ الإشهاد في البيع مندوب لا واجب فكذا هنا وهو قول مالك والشافعي وأحمد في أحد قوليهما. وقال الشافعي وأحمد: في القول الآخر: الإشهاد واجب في الرَّجعة، مندوب إليه في الفرقة. أدلة الجمهور: ١ - لما جعل الله تعالى للزوج الإمساك أو الفراق، ثم عقَّبه بذكر الإشهاد، كان معلوماً وقوع الرجعة إذا رجع، وجوازُ الإشهاد بعد ذلك؛ إذ لم يجعل الإشهاد شرطاً في الرجعة. ٢ - لم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو

стр. 1194

تَرْكُها حتى تنقضي عدتها، وأن الفرقة تصح، وإن لم يقع الإشهاد عليها، وقد ذُكر الإشهاد عقيب الفرقة، ثمَّ لم يكن شرطاً في صحتها فكذلك الرجعة. ٣ - وأيضاً لما كانت الفرقة حقاً للزوج، وجازت بغير الإشهاد، إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره، وكانت الرجعة أيضاً حقاً له وجب أن تجوز بغير إشهاد. ٤ - وأيضاً لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك، أو الفرقة احتياطاً لهما، ونفياً للتهمة عنهما، إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة، أو لم يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط مقصوراً على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة، بل يكون الاحتياط باقياً وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: الطلاق السني هو الطلاق الذي يكون في طهر لم تجامع فيه المرأة. ثانياً: الطلاق البدعي ما كان في الطهر الذي جومعت فيه المرأة، أو في وقت الحيض. ثالثاً: السكنى واجبة للمطلَّقة على زوجها قبل انتهاء عدتها فقد عصت الله وأثمت. رابعاً: إذا خرجت المرأة من بيت زوجها قبل انتهاء عدتها فقد عصت الله وأثمت. خامساً: حدود الله تعالى يجب التزامها وعدم تعديلها لأنها شريعة الله. سادساً: إقامة الشهادة حق لله تعالى على عباده لدفع الظلم عن الخلائق. سابعاً: التوكل على الله والالتجاء إليه، ملاك الأمر كله، وراحة النفس.

стр. 1195

خاتمة البحث: حكمة التشريع الأسرة لبنة من لبنات المجتمع الإسلامي، وبها قوامه، ففيها تلتقي النفوس على المودة والرحمة، والتعاطف والستر، وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة، ومنه تمتد وشائج الرحمة، وأواصر التكافل. ولكنّ الحياة الواقعية والطبيعة البشرية تُثْبت بين الفينة والأخرى، أنَّ هناك حالاتٍ لا يمكن معها استمرار الحياة الزوجية، لذلك شرع الله الطلاق كآخر حل من حلول تتقدمه، إن لم تُجْدِ كل المحاولات، وأباح للرجل أن يركن إلى أبغض الحلال وهو الطلاق. ولكن ليس من السُّنة أن يُطلِّق الرجل في كل وقت يريد، فليس له أن يطلقها وهو راغب عنها في الحيض، وفي ذلك دعوة له ليتمهل ولا يسرع ليفصل عرى الزوجية، ويتفكر في محاسن زوجه لعلَّها تغلب سيئاتها، فتتغير القلوب، وتعود إلى صفائها بعد موجة من الغضب اعترتها، وسحابة غشيتْ المودة التي يُكنُّها الزوج لزوجه. والطلاق يقع حيثما طلق في الوقت الذي بيَّنه الشرع أو في غيره، لأن فكَّ الزوجية، وهدم اللبنة الأولى للمجتمع ليس لعباً تلوكه الألسنة في كل وقت، وعند أدنى بادرة، بل هو الجد كل الجد فمن نطق به لزمته نتائجه وعصى الله - جلَّت حكمته - لأنه لم يقف عند حدوده، ويتبع تعاليمه. وأمر الله - العليم الخبير - بإحصاء العدة لضبط انتهائها، ومعرفة أمدها بدقة لعدم إطالة الأمد على المطلَّقة، والإضرار بها، ولكيلا تنقص من مدتها مما لا يؤدي إلى المراد منها وهو التأكد من براءة رحم المطلقة من الحمل.
следующие страницы →