← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أمه، واستدلوا بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» . وقال مالك ﵀: إنْ تمّ خلقُه ونبت شعره أُكل وإلاّ فلا. قال القرطبي: «إن الجنين إذا خرج بعد الذبح ميتاً يؤكل لأنه جرى مجرى العضو من أعضائها» . وقال من ينتصر لأبي حنيفة: إن الحديث يحتمل معنى آخر هو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه على حد قول القائل قولي قولُك، ومذهبي مذهبك أي كقولك وكمذهبك وعلى حد قول الشاعر: فعيناكِ عيناها وجيدُك جيدُها ... سوى أنّ عظم الساق منك دقيق الحكم الرابع: هل يباح الانتفاع بالميتة في غير الأكل؟ ذهب عطاء إلى أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة وجلدها، كطلاء السفن ودبغ الجلود، وحجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وذهب الجمهور: إلى تحريمه واستدلوا بالآية الكريمة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ [المائدة: ٣] أي الانتفاع بها بأكلٍ أو غيره، فجعلوا الفعل المقدر هو الانتفاع، واستدلوا كذلك بقوله ﵇: «لعن الله اليهود، حُرّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» فهذا الحديث يدل على أن الله إذا حرّم

стр. 142

شيئاً حرّم ثمنه، فلا يجوز البيع ولا الانتفاع بشيء من الميتة إلا ما ورد به النص. الحكم الخامس: ما هو حكم الدم الذي يبقى في العروق واللحم؟ اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد ذكر تعالى الدم هاهنا مطلقاً وقيّده في الأنعام بقوله: ﴿أَو دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وحمل العلماء المطلق على المقيد، ولم يحرموا إلا ما كان مسفوحاً، وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: (لولا أنّ الله قال أو دماً مسفوحاً لتتبّع الناس ما في العروق) فما خالط اللحم غير محرم بإجماع، وكذلك الكبد والطحال مجمع على عدم حرمته وإن كان في الأصل دماً. قال القرطبي: «وأمّا الدم فمحرّم ما لم تعم به البلوى، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم والعروق، وروي عن عائشة أنها قالت:» كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ﷺ َ تعلوها الصفرة من الدم، فنأكل ولا ننكره «. الحكم السادس: ماذا يحرم من الخنزير؟ نصت الآية على تحريم لحم الخنزير، وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المحرم لحمه لا شحمه، لأن الله قال: ﴿وَلَحْمَ الخنزير﴾ وذهب الجمهور إلى أنّ شحمه حرام أيضاً، لأن اللحم يشمل الشحم، وهو الصحيح، وإنما خصّ الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه، سواء ذُكّى ذكاةً شرعية أو لم يُذكّ. وقد اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بشعر الخنزير. فذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يجوز الخرازة به. وقال الشافعي: لا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير. وقال أبو يوسف: أكره الخرز به.

стр. 143

قال القرطبي:» لا خلاف أن جملة الخنزير محرّمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به، لأن الخرازة كانت على عهد رسول الله ﷺ َ وبعده، لا نعلم أنه أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده، وما أجازه الرسول ﷺ َ فهو كابتداء الشرع منه «. وقد اختلف أهل العلم في خنزير الماء فقال أبو حنيفة: لا يؤكل لعموم الآية. وقال مالك والشافعي والأوزاعي: لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر، وتفصيل الأدلة ينظر في كتب الفروع. الحكم السابع: ما الذي يباح للمضطر من الميتة؟ اختلف العلماء في المضطر، أيأكل من الميتة حتى يشبع، أم يأكل على قدر سدّ الرمق؟ ذهب مالك إلى الأول، لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة. وذهب الجمهور: إلى الثاني، لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدرها، وسبب الخلاف يرجع إلى مفهوم قوله تعالى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فالجمهور فسروا البغي بالأكل من الميتة لغير حاجة، والعاد هو المعتدي حد الضرورة. ومالك فسره بالبغي والعدوان على الإمام، ولكل وجهة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - إباحة الأكل من الطيبات للمؤمنين بشرط أن يكون من الكسب الحلال. ٢ - شكر الله واجب على المؤمنين لنعم الله التي لا تُعد ولا تحصى.

стр. 144

٣ - الإخلاص في العبادة لله من صفات المؤمنين الصادقين. ٤ - الله جل وعلا حرّم على عباده (الخبائث) دون (الطيبات) . ٥ - حالة الاضطرار تبيح للإنسان الأكل ممّا حرمه الله كالميتة وغيرها. خاتمة البحث: حكمة التشريع أباح الباري جل وعلا لعباده المؤمنين تناول الطيبات، وحرّم عليهم الخبائث كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونهاهم عن تعذيب النفس وحرمانها من اللذائذ الدنيوية، فإن المشركين وأهل الكتاب حرَّموا على أنفسهم أشياء لم يحرمها الله تعالى كالبحيرة والسائبة. وكان المذهب الشائع عند النصارى أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، تعذيب النفس واحتقارها، وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واعتقاد أنه لا حياة (للروح) إلا بتعذيب الجسد، وكلّ هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء، وليس لها أثر في شريعة الله. وقد تفضل الله على هذه الأمة بجعلها أمة وسطاً، تعطي الجسد حقه، والروح حقها، فأحلّ لنا الطيبات وحرّم علينا الخبائث، وأمرنا بالشكر عليها، ولم يجعلنا (جثمانيين) خلّصاً كالأنعام، ولا (روحانيين) خلصاً كالملائكة، بل جعلنا أناسيّ كملة بهذه الشيعة المعتدلة. وأما الحكمة من تحريم الميتة فلما فيها من الضرر، لأنها إمّا أن تكون ماتت لمرض وعلة، قد أفسد بدنها وجعلها غير صالحة للبقاء والحياة، وإما أن يكون الموت لسببٍ طارئ. فأما الأول فقد خبث لحمها، وتلوث بجراثيم المرض، فيخشى من عدواها، ونقل مرضها إلى الآكلين.

стр. 145

وأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارة في جسمها. وأما الدم المسفوح: فلقذارته وضرره أيضاً، وقد أثبت الطب الحديث أنّ الدم ضار كالميتة وأنه تتجمع فيه (الميكروبات) والمواد الضارة. وأما لحم الخنزير: فلأن غذاءه من القاذورات، والنجاسات فيقذر لذلك، ولأن فيه ضرراً فقد اكتشف الأطباء أن لحم الخزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، كما أن المتغذي من لحم الخنزير يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة، وأشهرها عدم الغيرة والعفة. يقول شهيد الإسلام سيد قطب عليه رحمة الله في تفسيره «الظلال» ما نصه: «والخنزير بذاته منفرّ للطبع النظيف القويم، ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل، ليكتشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيّسة) . ويقول الآن قوم: إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت، فلم تعد هذه الديدان بويضاتها مصدر خطر، لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توفرها وسائل الطهو الحديثة، وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها، وندع كلمة الفصل لها، ونحرم ما حرمت، ونحلل ما حلّلت، وهي من لدن حكيم خبير؟! أمّا ما أهل به لغير الله، فهو محرم لا لعلة فيه، ولكن للتوجه به لغير الله، محرم لعلة روحية، لسلامة القلب، وطهارة الروح، وخلوص الضمير، فهو ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وقد حرص الإسلام على أن يكون التوجه لله وحده بلا شريك» .

стр. 146

[٧] في القصاص حياة النفوس التحليل اللفظي ﴿كُتِبَ﴾ : قال الفراء ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ معناه في كل القرآن: فرض عليكم قال الشاعر: كُتب القتلُ والقتال علينا ... وعلى الغانياتِ جرّ الذيول

стр. 147

قال الطبري: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص﴾ بمعنى فُرض عليكم القصاصُ، وهو في أشعارهم مستفيض، وفي كلامهم موجود، وهو أكثر من أن يحصى. ﴿القصاص﴾ : أن يفعل به مثل فعله من قولهم: اقتصّ أثر فلان إذا فعل مثل فعله. قال الراغب: القصاص مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر قال تعالى: ﴿فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٤] والقصاصُ: تتبعُ الدم بالقَوَد قال تعالى: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] . قال في اللسان: قصصتُ الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي اتبعي أثره، والقصاصُ: القَوَد وهو القتل بالقتل قال الشاعر: فرمنا القصاصَ وكان القصا ... صُ حكماً وعدلاً على المسلمينا ﴿القتلى﴾ : جمع قتيل ويستوي فيه المذكر والمؤنث، كصرعى جمع صريع، وجرحى جمع جريح. قال في «اللسان» : ورجلٌ قتيل أي مقتول، وامرأة قتيل أي مقتولة، فإذا قلت: (قتيلة بني فلان) قلت بالهاء.

стр. 148

وقال الطبري: وإنما يجمع (فعيل) على (فَعْلى) إذا كان وصفاً دالاً على الزمانة بحيث لا يقدر معه صاحبه على البُراح من موضعه وأصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، ولكن إذا اعتبر بفعل الشخص يقال: قتلٌ، وإذا عتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ، قال تعالى: ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . ﴿عُفِيَ﴾ : العفو معناه الصفح، والإسقاط، تقول: عفوت عنه أي صفحتُ عنه ومنه قوله تعالى: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَف﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: ﴿واعف عَنَّا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وعفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق أي أسقطتها عنكم. والمعنى: فمن تُرِك له من جهة أخيه شيءٌ أي ترك له القتل، ورُضي منه بالدية. ﴿فاتباع بالمعروف﴾ : مطالبته بالمعروف، أي يطالبه وليّ القتيل بالرفق والمعروف، ويؤدي إليه القاتل الدية بإحسان، بدون مماطلة أو بخس أو إساءة في الأداء. ﴿فَمَنِ اعتدى﴾ : أي ظلم فقتل القاتل بعد أخذ الدية فله عند الله عذاب أليم. ﴿الألباب﴾ : العقول جمع لب، مأخوذ من لب النخلة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله، ولا يبغيّن بعضكم على بعض، فإذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوا فقط، وإذا قتل العبدُ العبدَ فاقتلوه به، وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها

стр. 149

مثلاً بمثل بالعدل والمساواة، ودعوا الظلم الذي كان بينكم فلا تقتلوا أحراراً، ولا بالعبد حراً، ولا بالأنثى رجلاً، فإن ذلك ظلم وعدوان، واستعلاء وطغيان، فمن تُرك له شيء من القصاص إلى الدية، وعفا عنه وليّ القتيل فلم يقتص منه وقبل منه الدية، فليحسن الطالب في الطلب من غير إرهاقٍ ولا تعنيف، ولْيحسن الدافع في الأداء من غير مماطلة ولا تسويف، ذلك الذي شرعته لكم - أيها المؤمنون - من العفو إلى الدية، تخفيف من ربكم ورحمة، خفَّف به عنكم ليظهر فضله عليكم، على عكس من سبقكم من اليهود حيث لم يكن في شرعهم إلا القصاص، فمن تجاوز منكم بعد أخذ الدية وقتل القاتل، فله عذاب أليم عند الله، لأنه ارتكب جريمة بنقضه العهد وغدره بالقاتل بعد أن أعطاه الأمان، وأخذ منه المال. ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت لكم من القصاص حياة وأي حياة، لأنه من علم أن من قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله، وبذلك تصان الدماء، وتحفظ النفوس، ويأمن الناس على أرواحهم، ذلك هو شرع الله الحكيم، ودينه القويم، الذي به حياة الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. سبب النزول أ - روي في سبب نزول هذه الآية عن قتادة أنَّ أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعة للشيطان، وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبدُهم عبدَ آخرين، قالوا: لن نقتل به إلا حراً، تعزّزاً لفضلهم على غيرهم، وإذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا: لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل

стр. 150

الله ﴿الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ . ب - وروي عن (سعيد بن جبير) أن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتلٌ وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ... ﴾ . لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أكرم الله هذه الأمة المحمدية فشرع لهم قبول الدية في القصاص، ولم يكن هذا في شريعة التوراة، روي البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن تقبل الدية في العمد ﴿فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع الطالب بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ممّا كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك﴾ قتل بعد قبول الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة﴾ الآية.

стр. 151

قال الزجاج:» إذا علم الرجل أنه إن قَتَل، أمسك عن القتل، فكان في ذلك حياة للذي همّ بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: أبلغ أبا مالك عني مغلغلةً ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح العتاب ما بينهم «. اللطيفة الثالثة: بيّنت هذه الآية على وجازتها حكمة القصاص، بأسلوب لا يُسامى، وعبارةٍ لا تُحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن. ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمناً لضده، وهو (الحياة) في (الإماتة) التي هي القصاص، وعرّف القصاص ونكّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلغه الوصف، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيتسبب في حياة البشرية. ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وقد اشتهر عن بعض بلغاء العرب كلمة في معناها، كانوا يعجبون من إيجازها وبلاغتها، ويظنون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها وهي قولهم: (القتل أنفى للقتل) وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، لأنها قيلت قبلها أقوال المشاهير البلغاء كقولهم: (قتل البعض إحياء للجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقلّ القتل) وأجمعوا على أن كلمة (القتل أنفى للقتل) أبلغ هذه العبارات على الإطلاق. قال الإمام الفخر:» وبيان التفاوت بين النظم الكريم وبين كلام العرب من وجوه عدة: الأول: أن النظم الكريم (في القصاص حياة) أشد اختصاراً من قولهم (القتلُ أنفى للقتل) لأن حروفها أقل.

стр. 152

الثاني: أن قولهم (القتل أنفى للقتل) ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال. الثالث: أنّ كلامهم فيه تكرار للفظ القتل، وليس في الآية الكريمة هذا التكرار. الرابع: أن قولهم لا يفيد إلا الردع عن القتل، والآية أجمع لأنها تفيد الردع عن القتل والجراح. الخامس: أن القتل ظلماً قتلٌ وليس نافياً للقتل، بل هو سبب لزيادة القتل، فظاهر قولهم باطل، وبذلك يظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي؟ اختلف الفقهاء في الحر إذا قتل عبداً، والمسلم إذا قتل ذمياً هل يقتلان بهما أم لا؟ فذهب الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولا المسلم بالذمي. وذهب الحنفية: إلى أن الحر يقتل بالعبد، وكذلك المسلم يقتل بالذمي. أدلة الجمهور: استدل الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، والمعقول.

стр. 153

أ - أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ فقد أوجب الله المساواة، ثمّ بيّن هذه المساواة بقوله: ﴿الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ . فالحرّ يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، فكأنه تعالى يقول: اقتلوا القاتل إذا كان مساوياً للمقتول، قالوا: ولا مساواة بين الحر والعبد فلا يقتل به، وكذلك لا مساواة بين المسلم والكافر فلا يقتل به. ب - وأما السنة: فما رواه البخاري عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ َ قال: «لا يُقتل مسلم بكافر» . ج - وأما المعقول: فقالوا: إن العبد كالسِّلعة والمتاع بسبب الرق الذي هو من آثار الكفر، والكافر كالدابة بسبب الكفر الذي طغى عليه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥] فكيف يُساوى المؤمن بالكافر، وكيف يقتل به؟ . أدلة الحنفية: واستدل الحنفية على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ... ﴾ إنّ الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية، وهي عامة تعم كل قاتل سواءً كان حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، وأما قوله تعالى: ﴿الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد ... ﴾ إلخ فإنما هو لإبطال الظلم الذي كان عليه أهل الجاهلية، حيث كانوا يقتلون بالحر أحراراً، وبالعبد حراً، وبالأنثى يقتلون الرجل تعدياً وطغياناً، فأبطل الله ما كان من الظلم، وأكد القصاص على القاتل دون غيره كما فهم ذلك من سبب النزول وقد تقدم. ثانياً: واستدلوا بقوله تعالى في سورة [المائدة: ٤٥] : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس

стр. 154

بالنفس ... ﴾ قالوا: وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، ولم نجد ناسخاً. ثالثاً: واستدلوا كذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: ٣٣] فإن هذه الآية انتظمت جميع المقتولين ظلماً، عبيداً كانوا أو أحراراً، مسلمين أو ذمّيين، وجُعل لوليهم سلطان وهو (القود) أي القصاص. رابعاً: واستدلوا بقوله ﷺ َ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم» فيكن العبد مساوياً للحر. خامساً: واستدلوا بحديث: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن خصاه خصيناه» . قالوا: فهذا نص على أن الحر يقتل بالعبد، لأن الإسلام لم يفرّق بين حر وعبد. سادساً: واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني «أن رسول الله ﷺ َ قتل مسلماً بمعاهد وقال:» أنا أكرم مَن وفّى بذمته «» . سابعاً: قالوا: ومما يدل على قتل المسلم بالذمي اتفاق الجميع على أنه يقطع إذا سرقه، فوجب أن يقاد منه، لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله. هذه هي خلاصة أدلة الفريقين: عرضناها باختصار، وسبب الخلاف في الحقيقة يرجع إلى اختلاف العلماء في فهم الآية، فالحنفية يقولون: إن صدر الآية مكتف بنفسه، وقد تم الكلام عند قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ وسائر الأئمة يقولون: لا يتم الكلام هاهنا، وإنما يتم عند قوله: ﴿والأنثى بالأنثى﴾ فهو تفسير له وتتميم لمعناه، والآية وردت لبيان التنويع والتقسيم.

стр. 155

وقد اعترض الحنفية على الجمهور بأنه ينبغي ألا يُقتل الرجل إذا قتل أنثى؟ وكذلك العبد إذا قتل حراً؟ مع أنهم يقولون أنه يقتل العبد بالحر، والرجل بالمرأة!! أجاب الجمهور: بأن ظاهر الآية يفيد ألا يقتل العبد بالحر، ولكننا نظرنا إلى المعنى فرأينا أن العبد يُقتل بالعبد، فأولى أن يقتل بالحر، وأما قتل الرجل بالمرأة فذلك ثابت بالإجماع، وهو دليل آخر خصّص الآية الكريمة ولولا الإجماع لقلنا لا يقتل الذكر بالأنثى. يقول فضيلة الشيخ السايس في كتابة «تفسير آيات الأحكام» ما نصه: «والعقل يميل إلى تأييد قول أبي حنيفة في هذه المسألة، لأن هذا التنويع والتقسيم الذي جعله الشافعية والمالكية بمثابة بيان (المساواة) المعتبرة، قد أخرجوا منه طردا وعكساً الأنثى بالرجل، فذهبوا إلى أن الرجلُ يقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالرجل، وذهبوا إلى أنّ الحر لا يقتل بالعبد، ولكنهم أجازوا قتل العبد بالحر، فهذا كله يُضعف مسلكهم في الآية. أما مسلك أبي حنيفة فيها فليس فيه هذا الضعف، وحينئذٍ يكون العبد مساوياً للحر، ويكون المسلم مساوياً للذمي في الحرمة، محقون الدم على التأييد» . الترجيح: أقول: مذهب أبي حنيفة في قتل الحر بالعبد معقول المعنى، مؤيد «من قتل عبده قتلناه ... » فالإسلام قد ساوى بين الأحرار والعبيد في الدماء، فحرمة العبد كحرمة الحر، ونفس العبد كنفس الحر، ولهذا يقتل به. أما قتل المؤمن بالكافر: ففي النفس من قول أبي حنيفة شيء، والراجح

стр. 156

فيه رأي الجمهور لا سيما بعد أن تأكد بالدليل الثابت «لا يُقتل مسلم بكافر» أخرجه البخاري. وكما يقول ابن كثير ﵀: لا يصح حديث ولا تأويلٌ يخالف هذا. ثمّ كيف يتساوى المؤمن مع الكافر، مع أن الكافر شرّ عند الله من الدابة؟ والمؤمن طيّب طاهر والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ويقول: ﴿قُل لَاّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب﴾ [المائدة: ١٠٠] ، فكيف نقتل مؤمناً طاهراً بمشرك نجس؟! فالراجح إن شاء الله في هذه المسألة قول الجمهور. وقد رأيت في بعض مراجعاتي قصة لطيفة وهي أن (أبا يوسف) القاضي من تلامذة الإمام أبي حنيفة، رفعت إليه قضية، تتلخص في أن مسلماً قتل ذمياً كافراً، فحكم عليه أبو يوسف بالقصاص، فبينما هو جالس ذات يوم، إذ جاءه رجل برقعةٍ فألقاها إليه ثم خرج، فإذا فيها هذه الأبيات: يا قاتلَ المسلم بالكافرِ ... جرتَ وما العادلُ كالجائر يا مَنْ ببغدادَ وأطرافِها ... من علماء الناسِ أو شاعرِ استرجُعوا وابكُوا على دينكم ... واصطبروا فالأجرُ للصابر جار على الدين أبو يوسف ... بقتله المؤمن بالكافر فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر لئلا تكون فتنة. . فدعا أبو يوسف أولياء القتيل وطالبهم بالبينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يستطيعوا أن يثبتوا فأسقط القود وأمر بدفع الدية.

стр. 157

مناظرة لطيفة ذكر العلامة أبو بكر ابن العربي في تفسيره «أحكام القرآن» هذه المناظرة اللطيفة فقال: «ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فقيهٌ من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف ب (الزوزني) زائراً للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة - طهّرها الله - معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر فقال: يُقتل به قصاصاً، فطولب بالدليل فقال: الدليل عليه قوله تعالى ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ وهذا عامٌ في كل قتيل. فانتدب معه في الكلام فقيه الشافعية وإمامهم بها (عطاء المقدسي) وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله سبحانه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص﴾ فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإنّ الكفر حطّ منزلته، ووضع مرتبته. الثاني: أنّ الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ فإذا نقص العبد عن الحر بالرق - وهو من آثار الكفر - فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر. الثالث: أن الله قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ولا

стр. 158

مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول. فقال الزوزني: دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء. أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول، وأمّا دعواك أنّ المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص معدومة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإنّ الذمي محقون الدم، والمسلم محقون الدم، وكلاهما في دار الإسلام، والذي يحقّق ذلك أن المسلم يُقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدلّ على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. وأما قولك: إنّ الله ربط آخر الآية بأولها فغير مسلّم، فإنّ أول الآية عامٌ، وآخرها خاصٌ، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كلٌ حكمه من عموم أو خصوص. وأما قولك: إن الحر لا يقتل بالعبد فلا أسلّم، بل يقتل به قصاصاً، فتعلقت بدعوى لا تصح لك. وأما قولك: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يعني المسلم فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو فلا يمنع من عموم القصاص. . الخ. قال ابن العربي: وجرت مناظرة عظيمة، حصلنا منها فوائد جمة، أثبتناها في «نزهة الناظر» . الحكم الثاني: هل يقتل الوالد إذا قتل ولده؟ قال الجمهور: لا يقتل الوالد إذا قتل ولده، لما روي عن النبي ﷺ َ أنه قال: «لا يُقتل وِالدٌ بولده» .

стр. 159

قال الجصاص: «وهذا خبرٌ مستفيض مشهور، وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم عليه، فكان في حيّز المتواتر» . وقال مالك: يُقتل إذا تعمّد قتله بأن أضجعه وذبحه. قال القرطبي: «لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمداً، مثل أن يضجعه ويذبحه، أو يصبره، أنه يُقتل به قولاً واحداً، فأمّا إن رماه بالسلاح أدباً وحنقاً لم يقتل به وتغلّظ الدية» . الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح للنصّ الوارد الذي أسلفناه، ولأنّ الشفقة تمنعه من الإقدام على قتل ولده متعمداً، بخلاف الابن إذا قتل أباه فإنه يقتل به من غير خلاف، قال فخر الإسلام الشاشي: إن الأب كان سبب وجود الابن، فكيف يكون هو سبب عدمه؟! الحكم الثالث: هل يقتل الجماعة بالواحد؟ اختلف الفقهاء في الجماعة إذا اشتركوا في قتل إنسان هل يقتلون به؟ على مذهبين: مذهب الجمهور والأئمة الأربعة: أن الجماعة يقتلون بالواحد. مذهب الظاهرية: ورواية عن الإمام أحمد: أن الجماعة لا تقتل بالواحد. دليل الظاهرية: أ - استدل أهل الظاهر بآية القصاص ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ فقد شرطت المساواة والمماثلة، قالوا: ولا مساواة بين الواحد والجماعة. ب - واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] فالنفس تقابلها النفس، ولا تقتل الأنفس بالنفس الواحدة لأنه مخالف لنص الآية. دليل الجمهور: أولاً ما روي أن عمر ﵁ قتل سبعة في غلام قتل بصنعاء وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. قال ابن كثير: ولا يُعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع. ثانياً: ما روي عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبّهم الله في النار» قالوا: فإذا اشتركوا في العقوبة الأخروية، فإنهم يشتركون في العقوبة الدنيوية أيضاً. ثالثاً: قالوا إن الشارع شرع القصاص لحفظ الأنفس ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة﴾ ولو علم الناس أن الجماعة لا تقتل بالواحد،

стр. 160

لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم، ثم لم يقتلوا فتضيع دماء الناس، وينتشر البغي والفساد في الأرض. قال ابن العربي: «احتج علماؤنا بهذه الآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص﴾ على أحمد بن حنبل في قوله: لا تُقتل الجماعة بالواحد، لأن الله شرط في القصاص المساواة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة. والجواب: أن مراعاة القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ، ولو علم الجماعة

стр. 161

أنهم إذا قتلوا واحداً لم يقتلوا به، لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم، وبلغوا الأمل من التشفي منهم. وجواب آخر: أن المراد بالقصاص قَتْلُ من قَتَل، كائناً من كان، رداً على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قُتل من لم يَقْتُل في مقابله الواحد بمائة افتخاراً واستظهاراً بالجاه والمقدرة، فأمر الله بالمساواة والعدل، وذلك بقتل من قتل» . الحكم الرابع: كيف يُقتل الجاني عند القصاص؟ اختلف الفقهاء في كيفية القتل على مذهبين: فذهب مالك والشافعي: ورواية عن أحمد، أن القصاص يكون على الصفة التي قَتَل بها، فمن قتل تغريقاً قُتل تغريقاً، ومن رضخ رأس إنسان بحجر، قُتل برضخ رأسه بالحجر، واحتجوا بالآية الكريمة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص﴾ حيث أوجبت المماثلة فيقتص منه كما فعل. واحتجوا بحديث أنس: «أن يهودياً رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبي ﷺ َ رأسه بحجر» . وذهب أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه: إلى أن القتل لا يكون إلا بالسيف، لأن المطلوب بالقصاص إتلاف نفسٍ بنفس، واستدلوا بحديث: «لا قود إلَاّ بالسيف» وحديث «النهي عن المُثْلة» وحديث «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» وقالوا: إذا ثبت حديث أنس كان منسوخاً بالنهي عن المُثْلة. وقالوا: إن القتل بغير السيف من التحريق، والتفريق، والرضخ بالحجارة،

стр. 162

والحبس حتى الموت ربما زاد على المثل فكان اعتداءً والله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد حكي أن (القاسم بن معن) حضر مع (شريك بن عبد الله) عند بعض السلاطين، فسأله ما تقول: فيمن رمى رجلاً بسهمٍ فقتله؟ قال: يُرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟ قال: يُرمى ثانياً، قال: أفتتخذونه غرضاً وقد نهى رسول الله ﷺ َ أن يُتخذ شيء من الحيوان غراً؟ ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة يكون أرجح والله أعلم. الحكم الخامس: من الذي يتولى أمر القصاص؟ قال القرطبي: «اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصَ من أحدٍ حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقيض أيدي الناس بعضهم عن بعض» . ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - تشريع القصاص فريضة من الله على عباده المؤمنين لصلاحهم وسعادتهم. ٢ - القصاص يقلّل الجرائم، ويقضي على الضغائن ويربي النجاة. ٣ - في القصاص حياة النفوس، وحماية الأفراد والمجتمعات البشرية.

стр. 163

٤ - الاعتداء على غير القاتل من العصبية الجاهلية التي حاربها الإسلام. ٥ - تجب المماثلة في القصاص حتى لا ينتشر البغي والظلم والعدوان. ٦ - إذا عفا أولياء القتيل وقبلوا الدية فيجب دفعها لهم بدون مماطلة ولا تسويف. ٧ - تخفيف العقوبة رحمة من الله على عباده المؤمنين يجب عليهم شكرها. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع المولى الحكيم العليم القصاص، وأوجب تنفيذه على الحكام، صيانة لدماء الناس، ومحافظة على أرواح الأبرياء، وقضاء على الفتنة في مهدها، ذلك لأن أخذ الجاني بجنايته يكون زاجراً له ولغيره، ورادعاً لأهل البغي والعدوان، فإذا همّ أحدٌ بقتل أخيه، أو تهيب خيفةً من القصاص، فكفّ عن القتل، فكان في ذلك حياةً له، وحياة لمن أراد قتله، وحياة لأفراد المجتمع، وإذا بقي المعتدي يرتع، دون جزاءٍ أو عقاب، أدّى ذلك إلى إثارة الفتن، واضطراب الأمن، وتعريض المجتمع إلى سفك الدماء البريئة أخذاً بالثأر، فإنّ الغضب للدم المراق فطرة في الإنسان، والإسلام راعى ذلك فقرّر شريعة القصاص، حتى يستلّ لأحقاد من القلوب، ويقضي على أسباب البغي والخصام، والعدوان. ولكن الإسلام في الوقت الذي يفرض فيه القصاص، يحبّب في العفو، ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص العدل، دعوة إلى التسامي في حدود التطوع، لا إلزاماً يكبت فطرة الإنسان، ويحملها مالا تطيق ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ . وقد نقل المولى - جل وعلا - بهذا التشريع الحكيم العقوبات، من معنى

стр. 164

انتقامي إلى معنى سام جليل، فقد كانت العقوبات السالفة، انتقاماً ينتقم بها المجتمع من المجرمين، أو ينتقم بها أهل القتيل من أهل المقتول، فلا يقبلون حتى يسفكوا مقابل الدم الواحد الدماء البريئة ويزهقوا الأرواح. وربما قتلوا بالرجل مائة رجل، فجعل الله الغرض منها الاستصلاح ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة ياأولي الألباب﴾ ولم قل لكم فيه انتقام. ولقد رقت قلوب قوم من رجال (التشريع الوضعي) فاستفظعوا قتل القاتل، ورحموه من القتل، ولقد كان (المقتول ظلماً) أولى بالرحمة والشفقة والعطف، وإذا رحموا القاتل فمن يرحم المجتمع من سطوة المجرمين من أهل الفساد!! وماذا نصنع مع العصابات التي كثرت في هذه الأيام واتخذت لها طريقاً إلى ترويع المجتمع بالسلب والنهب وسفك الدماء؟ لقد نظروا نظرة ضيقة بفكر غير سليم، ولو نظروا عامة شاملة بفكر وعقل مستنير لرحموا الأمة من المجرمين، بالأخذ بشدة على أيدي العابثين، فإن من يرحم الناس يسعى لتقليل الشر عنهم، وكف عادية المعتدين.

стр. 165

[٨] فريضة الصيام على المسلمين

стр. 166

التحليل اللفظي ﴿الصيام﴾ : الصم في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، يقال: صامت الخيل إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب. قال الراغب: الصوم: الإمساك عن الفعل مطعماً كان أو كلاماً أو مشياً، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير أو العلف صائمٌ، قال الشاعر: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العَجاج وأخرى تعلك الُّلجما أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري، أو ممسكة عن الطعام، وقال آخر: حتّى إذا صام النهار واعتدل ... وسال للشمس لعابٌ فنزل قال أبو عبيدة: كل ممسكٍ عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم. وفي الشرع: هو الإمساك عن الطعام، والشراب، والجماع، مع النيّة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكمالُه باجتناب المحظورات، وعدم الوقوع في المحرمات. ﴿فَعِدَّةٌ﴾ : قال الراغب: العدّةُ هي الشيء المعدود، ومنه قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا

стр. 167

عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر: ٣١] أي عددهم. والمعنى: عليه أيام عدد ما قد فاته من رمضان. قال القرطبي: «والعِدّةُ فِعْلةٍ من العدّ وهي بمعنى المعدود، كالطِحن بمعنى المطحون، تقول: أسمع جعجعةً ولا أرى طِحناً، ومنه عدة المرأة» . ﴿أُخَرَ﴾ : جمع أخرى، أي أياماً أخرى، وهي ممنوعة من الصرف لأنها معدولة عن آخر على رأي الكسائي، وعن الألف واللام على رأي سيبويه، مثل: الصُغَر، والكُبَر. وإنما أوثر هنا الجمع لأنه لو جيء به مفرداً فقيل: عدة من أيامٍ أخرى لأوهم أنه وصفٌ لعدة فيفوت المقصود. ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ : أي يصومونه بمشقة وعسر. قال في «اللسان» : والإطاقة القدرة على الشيء، وهو في طوقي أي وسعي، وأطاق وإطاقة إذا قوي عليه. وقال الراغب: والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وشبّه بالطوق المحيط بالشيء. ﴿فِدْيَةٌ﴾ : الفدية ما يفدي به الإنسان نفسه من مال وغيره، بسبب تقصير وقع منه في عبادة من العبادات، وهي تشبه الكفّارة من بعض الوجوه. ﴿شَهْرُ﴾ : الشهرُ معروف، وأصله من الاشتهار وهو الظهور، يقال: شهر الأمر أظهره، وشهرالسيف استلّه، وسمي الشهر شهراً لشهرة أمره، لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات، فصار مشتهراً بين الناس.

стр. 168

﴿رَمَضَانَ﴾ : قال الراغب: رمضان هو الرّمض أي شدة وقع الشمس، والرمضاء شدة حر الشمس، ورمضت الغنم: رعت في الرمضاء فقرحت أكبادنا. وسمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها. قال الزمخشري: «لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموّها بالأزموة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحرّ فسمي رمضان» . وقيل: إنما سمّي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة. ﴿الرفث﴾ : الجماع ودواعيه، قال الراغب: الرفث: كلامٌ متضمنٌ لما يُستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، وقد جعل كناية عن الجماع في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ تنبيهاً إلى جواز دعائهن إلى ذلك ومكالمتهن فيه. وأصل الرفث: قول الفحش ثم كنّي به عن الجماع قال الشاعر: ويُرَيْن من أُنْس الحديث زوانياً ... وبهنّ عن رفث الرجال نِفَار قال ابن عباس: الرفث هو الجماع، إن الله كريم حليم يكني.

стр. 169

﴿تَخْتانُونَ﴾ : الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، ومعناه: مراودة الخيانة. قال في «اللسان» : خانه واختانه، والمخانة مصدر من الخيانة وهي ضد الأمانة قال الشاعر: يتحدثون مَخَانةً وملاذَةً ... ويُعاب قائلهم وإن لم يشْغب وسئل بعضهم عن السيف فقال: أخوك وإن خانك، وكل ما غيّرك عن حالك فقد تخوّنك. قال الراغب: الخيانة مقابل الأمانة، والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل: (تخونون أنفسكم) لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، وهو تحرك شهوة الإنسان للوقوع في الخيانة. ﴿عاكفون﴾ : العكوف والاعتكاف أصله اللزوم، يقال: عكفت بالمكان أي أقمت به ملازماً قال تعالى: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ [طه: ٩١] وقال الشاعر: فبات بنات الليل حولي عُكّفاً ... عكوف البواكي بينهن صريع وفي الشرع هو المكث في المسجد للعبادة بنيّة القربة لله تعالى. ﴿حُدُودُ الله﴾ : الحدود جمع حدّ، والحدّ في اللغة: المنع، ومنه سمي الحديد حديداً لأنه يمتنع به من الأعداء، وسمي البوّاب حدّاداً لأنه يمنع من الدخول أو الخروج إلا بإذن، وأحدّث المرأة على زوجها إذا تركت الزينة وامتنعت منها.

стр. 170

قال الزجاج: «الحدودُ ما منع الله تعالى من مخالفتها، فلا يجوز مجازوتها» . المعنى الإجمالي يخبر المولى جلّ وعلا أنه قد فرض الصيام على عباده المؤمنين، كما فرضه على من سبقهم من أهل الملل، وقد علّل فرضيته ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهي أن يُعدّ نفس الصائم لتقوى الله بترك الشهوات المباحة امتثالاً لأمره تعالى، واحتساباً للأجر عنده، ليكون المؤمن من المتقين لله المجتنبين لمحارمه. وهذا الصيام الذي فرضه الله على عباده، إنما هو أيام معينات بالعدد، وهي أيام رمضان، ولم يفرض الله عليكم الدهر كله، تخفيفاً ورحمة بهم، ومع هذه الرحمة في الصيام فقد شرع للمريض الذي يضره الصوم، والمسافر الذي يشق عليه أن يفطرا ويقضيا أياماً بقدر الأيام التي أفطرا فيها وذلك من التيسير على العباد والرحمة بهم، ثم أخبر تعالى أن هذا الشهر الذي فرض عليهم صيامه هو شهر رمضان، شهر ابتداء نزول القرآن، الكتاب العظيم الذي أكرم الله به الأمة المحمدية، فجعله دستوراً لهم، ونظاماً يتمسكون به في حياتهم، فيه النور، والهدى، والضياء، وهو سبيل السعادة لمن أراد أن يسلك طريقها، وقد أكدّ الباري صيام هذا الشهر، لأنه شهر تنزّل الرحمة الإلهية على العباد، وأنه تعالى لا يريد بعباده إلا اليُسر والسهولة، ولذلك فقد أباح للمريض والمسافر الإفطار في أيام رمضان. ثم بيّن تعالى أنه قريب، يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين،

стр. 171

وليس بينه وبين أحدٍ من العباد حجاب، فعليهم أن يتوجهوا إليه وحده بالدعاء والتضرع، حنفاء مخلصين له الدين. وقد يسّر تعالى على عباده وأباح لهم التمتع بالنساء في ليالي رمضان، كما أباح لهم الطعام والشراب، وقد كان ذلك من قبل محرماً عليهم، ولكنّه تعالى أباح لهم الطعام والشراب، والشهوات الجنسية من الاستمتاع بالنساء، ليظهر فضله عليهم، ورحمته بهم، وقد شبّه المرأة باللباس الذي يستر البدن، فهي ستر للرجل وسكن له، وهو ستر لها، قال ابن عباس معناه «هنّ سكنٌ لكم وأنتم سكن لهنّ» وأباح معاشرتهن إلى طلوع الفجر، ثم استثنى من عموم إباحة المباشرة، مباشرتهن وقت الاعتكاف لأنه وقت تبتل وانقطاع للعبادة، ثمّ ختم تعالى هذه الآيات الكريمة بالتحذير من مخالفة أوامره، وارتكاب المحرمات والمعاصي، التي هي حدود الله، وقد بيّنها لعباده حتى يجتنبوها، ويلتزموا بالتمسك بشريعة الله ليكونوا من المتقين. سبب النزول ١ - روى ابن جرير عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «إنّ رسول الله ﷺ َ قدم المدينة فصام يوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر» ، ثم إن الله فرض شهر رمضان، فأنزل الله تعالى ذكره ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ حتى بلغ ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ثم إن الله أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنزل الله ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ﴾ . ٢ - وروُي عن سلمة بن الأكوع أنه قال «لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من شاء منا صام، ومن شاء أن يفطلر ويفتدي فعل ذلك، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .

стр. 172

٣ - وروي أن جماعة من الأعراب سألوا النبي ﷺ َ فقالوا: يا محمد أقريبٌ ربنا فنناجيه؟ أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزل الله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... ﴾ الآية. ٤ - وروي البخاري عن (البراء بن عازب) أنه قال:» كان أصحاب محمد ﷺ َ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ (قيس بن صرمة) الأنصاري كان صائماً، وكان يعمل بالنخيل في النهار، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ َ فنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا فرحاً شديداً، فنزلت ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود﴾ .

стр. 173

وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور (وعلى الذين يُطيقونه) وقرأ ابن عباس (يُطَوّقونه) بمعنى يكلّفونه. ٢ - قرأ الجمهور (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) وقرأ نافع وابن عامر (فديةُ طعامِ مساكين) بجمع مساكين، وإضافة (فدية) إلى (طعام) . ٣ - قرأ الجمهور (فمن تطوّع) على الماضي وقرأ حمزة والكسائي (فمن تطوّعُ) بالجزم على معنى يتطوّع، وقرئ (فمنّ يطّوع) على أنه مضارع. ٤ - قرأ الجمهور (ولتُكْملوا العدّة) بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم (ولتُكَمّلوا) بالتشديد. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ الكاف للتشبيه وهي صفة لمصدر محذوف و (ما) مصدرية، والتقدير: كُتب عليكم الصيامُ كتابةً مثل كتابته على من قبلكم. ٢ - قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ قال الزجاج: منصوب على الظرف

стр. 174

كأنه قال: كتب عليكم في هذه الأيام والعامل فيه الصيام. قال العكبري: لا يجوز أن ينتصب على الظرف، ولا على أنه مفعول به على السّعة لأن المصدر إذا وصف لا يعمل، والوجه أن يكون العامل محذوفاً تقديره: صوموا أياماً. ٣ - قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ تقديره: فعليه عدّةٌ فيكون ارتفاع (عدة) على الابتداء والخير محذوف، وأخر صفة لعدة لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أن تصوموا في موضع مبتدأ و (خير) خبره والتقدير صيامكم خير لكم، و ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شرط حذف منه الجواب لدلالة ما قبله. ٥ - قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الشهرَ منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في (فليصمْه) ولا يكون مفعولاً به، لأنه يلزم حينئذٍ المسافر لأنه شهد الشهر، قال الزمخشري: «المعنى فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً غير مسافر فليصم في الشهر ولا يفطر» . لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أشارت الآية الكريمة إلى أن الصوم عبادة قديمة، فرضها الله على الأمم قبلنا، ولكنّ أهل الكتاب غيّروا وبدّلوا في هذه الفريضة، وقد كان يتفق في الحر الشديد أو البرد الشديد، فحوّلوه إلى الربيع وزادوا في عده حتى جعلوه خمسين يوماً كفارة لذلك.

стр. 175

روى الطبري بسنده عن الدُّي أنه قال: «كُتب على النصارى شهرُ - رمضان، وكُتب عليهم ألاّ يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا أن ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان، وجعل يُقلّب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف (يعني الربيع) وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفّر بهما ما صنعنا فجعلوا صيامهم خمسين» . اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال ابن العربي: هذا القول من لطيف الفصاحة لأن تقديره: فأفطر فعدةٌ من أيام أخر، فحذف الشرط والمضاف ثقة بالظهور. اللطيفة الثالثة: بيّن المولى جل ثناؤه أن الصوم يورث التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهذا تقليل لفريضة الصيام ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله بترك شهواته الطبيعية المباحة، امتثالاً لأمره واحتساباً للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة التقوى بترك الشهوات المحرمة، فالصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: (المرء يسعى لغاريه: بطنه، وفرجه) . اللطيفة الرابعة: قال القفال ﵀: «انظروا إلى عجيب ما نبّه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فقد نبّه إلى ما يلي: أولاً: أنّ لهذه الأمة في شريعة الصيام أسوة بالأمم المتقدمة. ثانياً: أن الصوم سبب لحصول التقوى، فلو لم يُفرض لفات هذا المقصود الشريف.

стр. 176

ثالثاً: أنه مختص بأيام معدودات، فإنه لو جعله أبداً لحصلت المشقة العظيمة. رابعاً: أنه خصّه من بين الشهور بالشهر الذي أًنزل فيه القرآن، لكونه أشرف الشهور. خامساً: إزالة المشقة في إلزامه - فقد أباح تأخيره لمن يشق عله من المسافرين والمرضى، فهو سبحانه قد راعى في فريضة الصيام هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه التي لا تحصى. اللطيفة الخامسة: أفاد قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ أن الشيخ الكبير والمرأة العجوز يجوز لهما الإفطار مع الفدية، والعرب تقول: أطاق الشيء إذا كانت قدرته في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة عظيمة، وهو مشتق من الطوق وعليه قول الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي ما يصعب علينا مزاولته. والطاقة: اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة، والوُسْعُ: اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة، فتنبه له فإنه دقيق. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ المراد شهود الوقت لا شهود رؤية الهلال، إذ قد لا يراه إلا واحد أو اثنان ويجب صيامه على جميع المسلمين، و (شهد) بمعنى حضر، وفيه إضمارٌ أي من شهد منكم الشهر مقيماً غير مسافر ولا مريض فليصمه، ووضعُ الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان، أفاده أبو السعود. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ

стр. 177

العسر﴾ هذه الآية فيها من المحسّنات البديعية ما يسمى (طباق السلب) وهي أصل في الدين ومنها أخذ الفقهاء القاعدة الأصولية (المشقّة تجلب التيسير) فالله ﵎ لا يريد بتشريعه إعنات الناس، وإنما يريد اليسر بهم وخيرهم ومنفعتهم. اللطيفة الثامنة: قال العلامة الزمخشري قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي شرع ذلك يعني جملة ما ذكر، من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأم المريض والمسافر بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة، (ولتكبّروا) علة ما عُلم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللّف والنشر، لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. اللطيفة التاسعة: عبّر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبير سامٍ لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالنساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ فالتعبير على طريقة الاستعارة والمراد اشتمال بعضهم على بعض لما تشتمل الملابس على الأجسام. قال الإمام الفخر: «لمّا كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سُمّي كل واحد منهما لباساً» . اللطيفة العاشرة: قوله تعالى: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾ .

стр. 178

قال الشريف الرضي: «هذه استعارةٌ عجيبة، والمراد بها حتى يتبيّن بياضُ الصبحُ من سواد الليل، والخيطان هاهنا مجاز، وإنما شبّهها بذلك لأنّ بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقاً خافياً، ويكون سواد الليل منقضياً موليّاً، فهما جميعاً ضعيفان، إلاّ أن هذا يزداد انتشاراً وهذا يزداد استسراراً» . روي أنه لما نزلت الآية «قال (عدي بن حاتم) أخذتُ عقالين: أبيض، وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليها، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحتُ غدوتُ إلى رسول الله ﷺ َ فأخبرته فضحك وقال:» إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياضُ النهار وسوادُ الليل «. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل فرض على المسلمين صيامٌ قبل رمضان؟ يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ على أن المفروض على المسلمين من الصيام إنما هو هذه الأيام (أيام رمضان) وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، وهو مروي عن ابن عباس والحسن، واختاره ابن جرير الطبري. وروي عن قتادة وعطاء أن المفروض على المسلمين كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض عليهم صوم رمضان، وحجتهم أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ يدل على أنه واجب على التخيير، وأمّا صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. واستدل الجمهور بأن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ مجمل يحتمل

стр. 179

أن يكون يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك فبينه بعض البيان بقوله: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهذا أيضاً يحتمل أن يكون أسبوعاً أو شهراً، فبيّنه تعالى بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فكان ذلك حجة واضحة على أنّ الذي فرضه على المسلمين هو شهر رمضان. قال ابن جرير الطبري: «وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان، لأن الله تعالى قد بيّن في سياق الآية أن الصوم الذي أوجبه علينا هو صوم شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي كتب علينا صومها بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ فتأويل الآية كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام، كما كتب على من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات هي شهر رمضان» . الحكم الثاني: ما هو المرض والسفر المبيح للإفطار؟ أباح الله تعالى للمريض والمسافر الفطر في رمضان، رحمة بالعباد وتيسيراً عليهم، وقد اختلف الفقهاء في المرض المبيح للفطر على أقوال: أولاً - قال أهل الظاهر: مطلق المرض والسفر يبيح للإنسان الإفطار حتى ولو كان السفر قصيراً والمرض يسيراً حتى من وجع الإصبع والضرس، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين. ثانياً - وقال بعض العلماء إن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجُهد، وكذلك المسافر الذي يُضينه السفر ويُجهده، وهو قول الأصم.

стр. 180

ثالثاً - وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادةٍ في العلة، أو يُخشى معه تأخر البرء، والسفر الطويل الذي يؤدي إلى مشقةً في الغالب، وهذا مذهب الأئمة الأربعة. دليل الظاهرية: استدل أهل الظاهر بعموم الآية الكريمة ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ﴾ حيث أُطلق اللفظ ولم يُقيّد المرض بالشديد، ولا السفر بالبعيد، فمطلق المرض والسفر يبيح الإفطار، حكي أنهم دخلوا على (ابن سيرين) في رمضان وهو يأكل، فاعتلّ بوجع أصبعه. وقال داود: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان السفر فرسخاً لأنه يقال له: مسافر، وهذا ما دل عليه ظاهر القرآن. دليل الجمهور: استدل جمهور الفقهاء على أن المرض اليسير الذي لا كلفة معه لا يبيح الإفطار بقوله تعالى في آية الصيام ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ فالآية قد دلت على أن الفرض من الترخيص. المرض خفيفاً والسفر قريباً فلا يقال إن هناك مشقة رفعت عن الصائم، فأي مشقة من وجع الأصبع والضرس؟ الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رُخّص للمريض في الإفطار هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلاّ عند وجود المشقة، فأي مشقةٍ في وجع الأصبع، أو الصداع الخفيف والمرض اليسير، الذي لا كلفة معه في الصيام؟ ثمّ إن من الأمراض ما لا يكون شفاؤه إلا بالصيام، فكيف يباح الفطر لمن
следующие страницы →