← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثالثاً: أنه مختص بأيام معدودات، فإنه لو جعله أبداً لحصلت المشقة العظيمة. رابعاً: أنه خصّه من بين الشهور بالشهر الذي أًنزل فيه القرآن، لكونه أشرف الشهور. خامساً: إزالة المشقة في إلزامه - فقد أباح تأخيره لمن يشق عله من المسافرين والمرضى، فهو سبحانه قد راعى في فريضة الصيام هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه التي لا تحصى. اللطيفة الخامسة: أفاد قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ أن الشيخ الكبير والمرأة العجوز يجوز لهما الإفطار مع الفدية، والعرب تقول: أطاق الشيء إذا كانت قدرته في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة عظيمة، وهو مشتق من الطوق وعليه قول الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي ما يصعب علينا مزاولته. والطاقة: اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة، والوُسْعُ: اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة، فتنبه له فإنه دقيق. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ المراد شهود الوقت لا شهود رؤية الهلال، إذ قد لا يراه إلا واحد أو اثنان ويجب صيامه على جميع المسلمين، و (شهد) بمعنى حضر، وفيه إضمارٌ أي من شهد منكم الشهر مقيماً غير مسافر ولا مريض فليصمه، ووضعُ الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان، أفاده أبو السعود. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ

стр. 177

العسر﴾ هذه الآية فيها من المحسّنات البديعية ما يسمى (طباق السلب) وهي أصل في الدين ومنها أخذ الفقهاء القاعدة الأصولية (المشقّة تجلب التيسير) فالله ﵎ لا يريد بتشريعه إعنات الناس، وإنما يريد اليسر بهم وخيرهم ومنفعتهم. اللطيفة الثامنة: قال العلامة الزمخشري قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي شرع ذلك يعني جملة ما ذكر، من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأم المريض والمسافر بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة، (ولتكبّروا) علة ما عُلم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللّف والنشر، لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. اللطيفة التاسعة: عبّر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبير سامٍ لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالنساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ فالتعبير على طريقة الاستعارة والمراد اشتمال بعضهم على بعض لما تشتمل الملابس على الأجسام. قال الإمام الفخر: «لمّا كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سُمّي كل واحد منهما لباساً» . اللطيفة العاشرة: قوله تعالى: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾ .

стр. 178

قال الشريف الرضي: «هذه استعارةٌ عجيبة، والمراد بها حتى يتبيّن بياضُ الصبحُ من سواد الليل، والخيطان هاهنا مجاز، وإنما شبّهها بذلك لأنّ بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقاً خافياً، ويكون سواد الليل منقضياً موليّاً، فهما جميعاً ضعيفان، إلاّ أن هذا يزداد انتشاراً وهذا يزداد استسراراً» . روي أنه لما نزلت الآية «قال (عدي بن حاتم) أخذتُ عقالين: أبيض، وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليها، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحتُ غدوتُ إلى رسول الله ﷺ َ فأخبرته فضحك وقال:» إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياضُ النهار وسوادُ الليل «. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل فرض على المسلمين صيامٌ قبل رمضان؟ يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ على أن المفروض على المسلمين من الصيام إنما هو هذه الأيام (أيام رمضان) وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، وهو مروي عن ابن عباس والحسن، واختاره ابن جرير الطبري. وروي عن قتادة وعطاء أن المفروض على المسلمين كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض عليهم صوم رمضان، وحجتهم أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ يدل على أنه واجب على التخيير، وأمّا صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. واستدل الجمهور بأن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ مجمل يحتمل

стр. 179

أن يكون يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك فبينه بعض البيان بقوله: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهذا أيضاً يحتمل أن يكون أسبوعاً أو شهراً، فبيّنه تعالى بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ فكان ذلك حجة واضحة على أنّ الذي فرضه على المسلمين هو شهر رمضان. قال ابن جرير الطبري: «وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان، لأن الله تعالى قد بيّن في سياق الآية أن الصوم الذي أوجبه علينا هو صوم شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي كتب علينا صومها بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ فتأويل الآية كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام، كما كتب على من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات هي شهر رمضان» . الحكم الثاني: ما هو المرض والسفر المبيح للإفطار؟ أباح الله تعالى للمريض والمسافر الفطر في رمضان، رحمة بالعباد وتيسيراً عليهم، وقد اختلف الفقهاء في المرض المبيح للفطر على أقوال: أولاً - قال أهل الظاهر: مطلق المرض والسفر يبيح للإنسان الإفطار حتى ولو كان السفر قصيراً والمرض يسيراً حتى من وجع الإصبع والضرس، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين. ثانياً - وقال بعض العلماء إن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجُهد، وكذلك المسافر الذي يُضينه السفر ويُجهده، وهو قول الأصم.

стр. 180

ثالثاً - وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادةٍ في العلة، أو يُخشى معه تأخر البرء، والسفر الطويل الذي يؤدي إلى مشقةً في الغالب، وهذا مذهب الأئمة الأربعة. دليل الظاهرية: استدل أهل الظاهر بعموم الآية الكريمة ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ﴾ حيث أُطلق اللفظ ولم يُقيّد المرض بالشديد، ولا السفر بالبعيد، فمطلق المرض والسفر يبيح الإفطار، حكي أنهم دخلوا على (ابن سيرين) في رمضان وهو يأكل، فاعتلّ بوجع أصبعه. وقال داود: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان السفر فرسخاً لأنه يقال له: مسافر، وهذا ما دل عليه ظاهر القرآن. دليل الجمهور: استدل جمهور الفقهاء على أن المرض اليسير الذي لا كلفة معه لا يبيح الإفطار بقوله تعالى في آية الصيام ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ فالآية قد دلت على أن الفرض من الترخيص. المرض خفيفاً والسفر قريباً فلا يقال إن هناك مشقة رفعت عن الصائم، فأي مشقة من وجع الأصبع والضرس؟ الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رُخّص للمريض في الإفطار هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلاّ عند وجود المشقة، فأي مشقةٍ في وجع الأصبع، أو الصداع الخفيف والمرض اليسير، الذي لا كلفة معه في الصيام؟ ثمّ إن من الأمراض ما لا يكون شفاؤه إلا بالصيام، فكيف يباح الفطر لمن

стр. 181

كان مرضه كذلك؟ ولم يكلفنا الله جلّ وعلا إلاّ على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سبباً للمرض، أو زيادة العّلة، أما الإطلاق فيه أو التضييق فأمرٌ يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين. قال القرطبي: «للمريض حالتان: إحداهما - ألاّ يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل وقال جمهور العلماء: إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف زيادته صحّ له الفطر، واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة: هو خوف التلف من الصيام، وقال مرة: هو شدة المرض، والزيادة فيه، والمشقة الفادحة، وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر» . الحكم الثالث: ما هو السفر المبيح للإفطار؟ وأما السفر المبيح للإفطار فقد اختلف الفقهاء فيه بعد اتفاقهم على أنه لا بدّ أن يكون سفراً طويلاً على أقوال: أ - قال الأوزاعي: السفر المبيح للفطر مسافة يوم. ب - وقال الشافعي وأحمد: هو مسيرة يومين وليلتين، ويقدر بستة عشر فرسخاً. ج - وقال أبو حنيفة والثوري: مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ويقدر بأربعة وعشرين فرسخاً. حجة الأوزاعي: أنّ السفر أقل من يوم سفرٌ قصير قد يتفق للمقيم، والغالب أن المسافر

стр. 182

هو الذي لا يتمكن من الرجوع إلى أهله في ذلك اليوم، فلا بدّ أن يكون أقل مدة للسفر يومٌ واحد حتى يباح له الفطر. حجة الشافعي وأحمد: أولاً: أن السفر الشرعي هو الذي تُقصر فيه الصلاة، وتعبُ اليوم الواحد يسهل تحمله، أمّا إذا تكرر التعب في اليومين فإنه يشق تحمله فيناسب الرخصة. ثانياً: ما روي عن النبي ﷺ َ أنه قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرد من مكة إلى عسفان» . قال أهل اللغة: وكل بريد أربعة فراسخ، فيكون مجموعة ستة عشر فرسخاً. ثالثاً: ما روي عن عطاء أنه قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى مرّ الظهران؟ فقال: لا، ولكن أقصر إلى جدة، وعسفان، والطائف. قال القرطبي: والذي في «البخاري» : «وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً» . وهذا هو المشهور من مذهب مالك ﵀، وقد روي عنه أنه قال: أقله يوم وليلة، واستدل بحديث «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يومٍ وليلة إلا ومعها ذو محرم» رواه البخاري. حجة أبي حنيفة والثوري: أولاً: واحتج أبو حنيفة بأن قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ

стр. 183

فَلْيَصُمْهُ﴾ يوجب الصوم، ولكنّا تركناه في ثلاثة الأيام للإجماع على الرخصة فيها، أما فيما دونها فمختلف فيه فوجب الصوم احتياطياً. ثانياً: واحتج بقوله ﵇: «يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» فقد جعل الشارع علة المسح ثلاثة أيام السفرُ، والرخص لا تعلم إلاّ من الشرع، فوجب اعتبار الثلاث سفراً شرعياً. ثالثاً: وبقوله ﵊ ُ: «لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم» فتبيّن أن الثلاثة قد تعلق بها حكم شرعي، وغيرها لم يتعلق فوجب تقديرها في إباحة الفطر. قال ابن العربي في تفسيره «أحكام القرآن» : «وثبت عن النبي ﷺ َ أنه قال:» لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلاّ ومعها ذو محرم «وفي حديث (سفر ثلاثة أيام) فرأى أبو حنيفة أن السفر يتحقق في أيام: يوم يتحمل فيه عن أهله، ويوم ينزل فيه في مستقره، واليوم الأوسط هو الذي يتحقق فيه السير المجرد، فرجل احتاط وزاد، ورجل ترخّص، ورجل تقصّر» . أقول: أمور العبادة ينبغي فيها الاحتياط، ولما ثبت عنه ﷺ َ منع المرأة من السفر مسيرة ثلاثة أيام، وثبت يوم وليلة وكلاهما في الصحيح، لذا كان العمل بالثلاث أحوط، فلعل ما ذهب إليه أبو حنيفة يكون أرجح والله أعلم. الحكم الرابع: هل الإفطار للمريض والمسافر رخصة أم عزيمة؟ ذهب أهل الظاهر إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا، ويصوما عدة من أيام أخرى، وأنهما لو صاما لا يجزئ صومهما لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ

стр. 184

مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والمعنى: فعليه عدة من أيام أخر، وهذا يقتضي الوجوب. وبقوله ﵇: «ليس من البر الصيام في السفر» وقد روي هذا عن بعض علماء السلف. وذهب الجمهور وفقهاء الأمصار إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء أفطر وإن شاء صام واستدلوا بما يلي: ١ - قالوا: إن في الآية إضماراً تقديره: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠] والتقدير: فضرب فانفجرت، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي فحلق فعليه فدية والإضمار في القرآن كثير لا ينكره إلا جاهل. ب - واستدلوا بما ثبت عن النبي ﷺ َ بالخبر المستفيض أنه صام في السفر. ج - وبما ثبت عن أنس قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ َ في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» . د - وقالوا: إن المرض والسفر من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً، فلا يصح أن يكونا سبباً للعسر. وأما ما استدل به أهل الظاهر من قوله ﵇ «ليس من البر الصيام في السفر» فهذا واردٌ على سبب خاص وهو أن النبي ﷺ َ رأى رجلاً يظلّل والزحام عليه شديد فسأل عنه فقالوا: صائم أجهده العطش فذكر الحديث.

стр. 185

قال ابن العربي في تفسيره «أحكام القرآن» : «وقد عُزي إلى قوم: إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره، وهذا لا يقول به إلا الضعاء الأعاجم، فإن جزالة القول، وقوة الفصاحة، تقتضي تقدير (فأفطر) وقد ثبت عن النبي ﷺ َ الصوم في السفر قولاً وفعلاً، وقد بينا ذلك في شرح الصحيح وغيره» . الحكم الخامس: هل الصيام أفضل أم الإفطار؟ وقد اختلف الفقهاء القائلون بأن الإفطار رخصة في أيهما أفضل؟ فذهب أبو حنيفة، والشافعي، ومالك إلى أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، ومن لم يقو على الصيام كان الفطر له أفضل، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وأما الثاني فلقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ . وذهب أحمد ﵀ إلى أن الفطر أفضل أخذاً بالرخصة، فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه. وذهب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى أنّ أفضلهما أيسرهما على المرء. الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح لقوة أدلتهم والله تعالى أعلم. الحكم السادس: هل يجب قضاء الصيام متتابعاً؟ ذهب علي، وابن عمر، والشعبي إلى أنّ من أفطر لعذرٍ كمرضٍ أو سفر قضاه متتابعاً، وحجتهم أن القضاء نظير الأداء، فلما كان الأداء متتابعاً، فكذلك القضاء. وذهب الجمهور إلى أن القضاء يجوز فيه كيف ما كان، متفرقاً أو متتابعاً، وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فالآية لم تشترط إلاّ صيام

стр. 186

أيام بقدر الأيام التي أفطرها، وليس فيها ما يدل على التتابع فهي نكرة في سياق الإثبات، فأي يومٍ صامه قضاءً أجزأه. واستدلوا بما روى عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: «إنّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواصل وإن شئت ففرّق» . الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الجمهور لوضوح أدلتهم والله أعلم. الحكم السابع: ما المراد من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ؟ يرى بعض العلماء أن الصيام كان قد شرع ابتداءً على التخيير، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى، يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا رأي الأكثرين واستدلوا لما رواه البخاري ومسلم عن (سلمة بن الأكوع) أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ كان من شاء منّا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا مروي عن ابن مسعود، ومعاذ، وابن عمر وغيرهم. ويرى آخرنن أن الآية غير منسوخة، وأنها نزلت في الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي يُجهده الصوم، وهذا مروي عن ابن عباس. قال ابن عباس: (رخّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه) . وروى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ:

стр. 187

﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً. وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدّة والمشقة، ويؤيده قراءة ﴿يطوّقونه﴾ أي يكلّفونه مع المشقة. الحكم الثامن: ما هو حكم الحامل والمرضع؟ الحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما أفطرتا، لأن حكمهما حكم المريض، وقد سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما فقال: أيّ مرضٍ أشد من الحمل؟ تفطر وتقضي. وهذا باتفاق الفقهاء، ولكنهم اختلفوا هل يجب عليهما القضاء مع الفدية، أم يجب القضاء فقط؟ ذهب أبو حنيفة إلى أن الواجب عليهما هو القضاء فقط، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن عليهما القضاء مع الفدية. حجة الشافعي وأحمد: أن الحامل والمرضع داخلتان في منطوق الآية الكريمة ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ لأنها تشمل الشيخ الكبير، والمرأة الفانية، وكل من يُجهده الصوم فعليهما الفدية كما تجب على الشيخ الكبير. حجة أبي حنيفة: أولاً: أن الحامل والمرضع في حكم المريض، ألا ترى إلى قول الحسن

стр. 188

البصري: أي مرضٍ أشدّ من الحمل؟ يفطران ويقضيان، فلم يوجب عليهما غير القضاء. ثانياً: الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته ومانته، فلن يأتيه يوم يستطيع فيه الصيام، أما الحامل والمرضع فإنهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة للزوال، فالقضاء واجب عليهما، فلو أجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز، لأن القضاء بدل، والفدية بدل، ولا يمكن الجمع بينهما لأن الواجب أحدهما. وقد روي عن الإمام أحمد والشافعي أنهما إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء لا غير. الحكم التاسع: بم يثبت شهر رمضان؟ يثبت شهر رمضان برؤية الهلال، ولو من واحد عدل أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم، لقوله ﷺ َ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً» . فبواسطة الهلال تعرف أوقات الصيام والحج كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] فلا بدّ من الاعتماد على الرؤية، ويكفي لإثبات رمضان شهادة واحدٍ عدل عند الجمهور، لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ َ

стр. 189

أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» وأما هلال شوال فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، ولا تقبل فيه شهادة العدل الواحد عند عامة الفقهاء. وقال مالك: لا بدّ من شهادة رجلين عدلين، لأنه شهادة وهو يشبه إثبات هلال شوال، لا بدّ فيه من اثنين على الأقل. قال الترمذي: والعمل عند أكثر أهل العلم على أنه تقبل شهادة واحدٍ في الصيام. روى الدارقطني: أنّ رجلاً شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان. الحكم العاشر: هل يعتبر اختلاف المطالع في وجوب الصيام؟ ذهب الحنيفة والمالكية والحنابلة: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على بقية البلاد لقوله ﷺ َ: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعاً. وذهب الشافعية إلى أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تكفي رؤية البلد الآخر، والأدلة تطلب من كتب الفروع فارجع إليها هناك. الحكم الحادي عشر: حكم الخطأ في الإفطار. اختلف العلماء فيمن أكل أو شرب ظاناً غروب الشمس، أو تسحرّ يظن عدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك، هل عليه القضاء أم لا؟ فذهب الجمهور وهو مذهب (الأئمة الأربعة) إلى أنّ صيامه غير صحيح

стр. 190

ويجب عليه القضاء، لأن المطلوب من الصائم التثبت، لقوله تعالى: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود﴾ فأمر بإتمام الصيام إلى غروب الشمس، فإذا ظهر خلافه وجب القضاء. وذهب أهل الظاهر والحسن البصري إلى أن صومه صحيح ولا قضاء عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وقوله ﷺ َ: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقالوا: هو كالناسي لا يفسد صومه. الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح لأن المقصود من رفع الجناح رفع الإثم لا رفع الحكم، فلا كفارة عليه لعدم قصد الإفطار، ولكن يلزمه القضاء للتقصير، ألا ترى أن القتل الخطأ فيه الكفارة والدية مع أنه ليس بعمد، وقياسه على الناسي غير سليم، لأن الناسي قد ورد فيه النص الصريح فلا يقاس عليه والله أعلم. الحكم الثاني عشر: هل الجنابة تنافي الصوم؟ دلت الآية الكريمة وهي ﴿فالآن باشروهن وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ... ﴾ الآية على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لما فيه من إباحة الأكل والشرب والجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم أن المجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر يصبح جنباً، وقد أمر الله بإتمام صومه إلى الليل ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ فدلّ على صحة صومه، ولو لم يكن الصوم صحيحاً لما أمره بإتمامه. وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ َ كان يصبح جنباً وهو صائم ثمّ يغتسل» فالجنابة لا تأثير لها على الصوم، ويجب الاغتسال من أجل الصلاة.

стр. 191

الحكم الثالث عشر: هل يجب قضاء صوم النفل إذا أفسده؟ اختلف الفقهاء في حكم صوم النفل إذا أفسده هل يجب فيه القضاء أم لا؟ على مذاهب. مذهب الحنفية: يجب عليه القضاء لأنه بالشروع يلزمه الإتمام. مذهب الشافعية والحنابلة: لا يجب عليه القضاء لأن المتطوّع أمير نفسه. وذهب المالكية: أنه إن أبطله فعليه القضاء، وإن كان طرأ عليه ما يفسده فلا قضاء عليه. دليل الحنفية: أ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ قالوا: فهذه الآية عامة في كل صوم، فكل صومٍ شرع فيه لزمه إتمامه. ب - قوله تعالى: ﴿وَلَا تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] والنفل الذي شرع فيه عمل من الأعمال، فإذا أبطله فقد ترك واجباً، ولا تبرأ ذمته إلا بإعادته. ج - حديث عائشة أنها قالت: «أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام فأعجبنا فأفطرنا، فلما جاء النبي ﷺ َ بدرتني حفصة فسألته - وهي ابنة أبيها - فقال ﵇: صوما يوماً مكانه» . دليل الشافعية والحنابلة: أ - قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] والمتطوّع محسن فليس عليه حرج في الإفطار. ب - حديث «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» .

стр. 192

الترجيح: ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية يكون أرجح لأن النبي ﷺ َ أمر عائشة وحفصة بصيام يوم مكانه وهو نص في وجوب القضاء والله أعلم. الحكم الرابع عشر: ما هو الاعتكاف وفي أي المساجد يعتكف؟ قال الشافعي ﵀: الاعتكاف اللغوي: ملازمةُ المرء للشيء وحبسُ نفسه عليه، براً كان أو إثماً قال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله بنيّة العبادة، وهو من الشرائع القديمة قال الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ والقآئمين﴾ [الحج: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ ويشترط في الاعتكاف أن يكون في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ وقد وقع الاختلاف في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف على أقوال: أ - فقال بعضهم: الاعتكاف خاصٌ بالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى) وهي مساجد الأنبياء ﵈، واستدلوا بحديث: «لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد. .» الحديث وهذا قول سعيد بن المسيّب. ٢ - وقال بعضهم: لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجماعة، وهو قول ابن مسعود وبه أخذ الإمام مالك ﵀ في أحد قوليه. ٣ - وقال الجمهور: يجوز الاعتكاف في كل مسجد من المساجد لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ وهو الصحيح لأن الآية لم تعيّن مسجداً مخصوصاً فيبقى اللفظ على عمومه. قال أبو بكر الجصاص: «حصل اتفاق جميع السلف أنّ من شرط الاعتكاف أن يكون في المسجد، على اختلاف منهم في عموم المساجد وخصوصها، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ يبيح الاعتكاف في سائر

стр. 193

المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها فعليه بإقامة الدليل، وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه، كما أن تخصيص من خصّه بمساجد الأنبياء لمّا لم يكن عليه دليل سقط اعتباره» . وأما المرأة فيجوز لها أن تعتكف في بيتها لعدم دخولها في النص السابق: الحكم الخامس عشر: ما هي مدة الاعتكاف وهل يشترط فيه الصيام؟ اختلف الفقهاء في المدة التي تلزم في الاعتكاف على أقوال: أ - قلة يوم وليلة، وهو مذهب الأحناف. ب - أقله عشرة أيام، وهو أحد قولي الإمام مالك. ج - أقله لحظة ولا حدّ لأكثره وهو مذهب الشافعي. ويجوز عند الشافعي وأحمد (في أحد قوليه) الاعتكاف بغير صوم. وقال الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد) في القول الآخر: لا يصح الاعتكاف إلا بصوم. واحتجوا بما روته عائشة أن النبي ﷺ َ قال: «لا اعتكاف إلا بصيام» . وحديث «اعتكف وصم» وقالوا: إن الله ذكر الاعتكاف مع الصيام في قوله: ﴿وَكُلُواْ واشربوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ فدل على أنه لا اعتكاف إلا بصيام. قال الإمام الفخر: «يجوز الاعتكاف بغير صوم، والأفضل أن يصوم

стр. 194

معه وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بالصوم. حجةُ الشافعي ﵁ هذه الآية، لأنه بغير الصوم عاكف، والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة» . أقول: المشهور عند فقهاء الأحناف أنهم قسموا الاعتكاف إلى ثلاثة أقسام: ١ - مندوب: وهو يتحقق بمجرد النيّة ويكفي فيه ولو ساعة. ٢ - وسنة وهو في العشر الأواخر في رمضان. ٣ - وواجب: وهو المنذور ولا بدّ فيه من الصوم. والأدلة بالتفصيل تطلب من كتب الفروع. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - الصيام شريعة الله لجميع الأمم فرضه الله على جميع المسلمين. ٢ - الصوم مدرسة روحية لتهذيب النفس وتعويدها على الصبر. ٣ - إختار الله شهر رمضان لفريضة الصيام لأنه شهر القرآن. ٤ - أهل الأعذار رخص الله لهم في الإفطار رحمة من الله وتيسيراً. ٥ - لا يجوز تعدي حدود الله ولا تجاوز أوامره ونواهيه لأنها الخير البشرية.

стр. 195

خاتمة البحث: حكمة التشريع مما لا شك فيه أن الصوم له فوائد جليلة، غفل عنها الجاهلون فرأوا فيه تجويعاً للنفس، وإرهاقاً للجسد، وكبتاً للحرية، لا دايع له ولا مبرر، لأنه تعذيب للبدن دون فائدة أو جدوى. . وعرف سرّ حكمته العقلاء والعلماء فأدركوا بعض فوائد وأسراره، وأيّدهم في ذلك الأطباء، فرأوا في الصيام أعظم علاج، وخير وقاية، وأنجح دواء لكثير من الأمراض الجسدية، التي لا ينفع فيها إلا الحمية الكاملة، والانقطاع عن الطعام والشراب مدة من الزمان. ولسنا الآن بصدد معرفة (الفوائد الصحية) للصيام، فإنّ ذلك مرجعه لأهل الاختصاص من الأطباء، ولكننا بصدد التعرف على بعض الحكم الروحية التي هي الأساس لتشريع الصيام - فإن الله ما شرع العبادات إلا ليربي في الإنسان (ملكة التقوى) وليعوده على الخضوع، والعبودية، والإذعان لأوامر الله العلي القدير. الأمر الأول: فالصيام عبودية لله، وامتثال لأوامره، واتقاء لحرماته، ولهذا جاء في الحديث القدسي: «كل عمل آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» فشعور الإنسان بالعبودية لله ، والاستسلام لأمره وحكمه، وهو أسمى أهداف العبادة وأقصى غاياتها، بل هو الأصل والأساس الذي ترتكز عليه حكمة خلق الإنسان ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ [الأنعام: ٧١] . الأمر الثاني: الأمر الثاني من حكمة مشروعية الصيام، هي تربية النفس، وتعويدها على الصبر وتحمل المشاق في سبيل الله، فالصيام يربي قوة العزيمة

стр. 196

وقوة الإرادة، ويجعل الإنسان متحكماً في أهوائه ورغباته، فلا يكون عبداً للجسد، ولا أسيراً للشهوة، وإنما يسير على هدي الشرع، ونور البصيرة والعقل، وشتّان بين إنسان تتحكّم فيه أهواؤه وشهواته فهو يعيش كالحيوان لبطنه وشهوته، وبين إنسان يقهر هواه ويسيطر على شهوته، فهو ملاك من الملائكة ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام والنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . الأمر الثالث: أن الصوم يربي في الإنسان، ملكة الحب والعطف والحنان، ويجعل منه إنساناً رقيق القلب، طيّب النفس، ويحرّك فيه كامن الإيمان، فليس الصيام حرماناً للإنسان عن الطعام والشراب، بل هو تفجير للطاقة الروحية في نفس الإنسان، ليشعر بشعور إخوانه، ويُحسّ بإحساسهم، فيمدّ إليهم يد المساعدة والعون، ويمسح دموع البائسين، ويزيل أحزان المنكوبين، بما تجود به نفسه الخيّرة الكريمة التي هذّبها شهر الصيام، ولقد قيل ليوسف الصدّيق ﵇: «لم تجوع وأنتَ على خزائن الأرض فقال: أخشى إن أنا شبعتُ أن أنسى الجائع» . الأمر الرابع: أن الصوم يهذّب النفس البشرية، بما يغرسه فيها من خوف الله جل وعلا، ومراقبته في السر والعلن، ويجعل المرء تقياً نقياً يبتعد عن كل ما حرّم الله، فالسر في الصوم هو الحصول على (مرتبة التقوى) والله ﵎ حين ذكر الحكمة من مشروعية الصيام قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ولم يقل (لعلكم تتألمون) أو (لعلكم تجوعون) أو (لعلكم تصحّون) والتقوى هي ثمرة الصيام التي يجنيها الصائم من هذه العبادة، وهي إعداد نفس الصائم للوقوف عند حدود الله، بترك شهواته الطبيعية المباحة، امتثالاً لأمره واحتساباً للأجر عنده، وهذا هو سرّ الصيام وروحه ومقصده الأسمى، الذي شرعه الله من أجله، كما بينه في كتابه العزيز، فللَّه ما أسمى الصيام، وما أروع حكمة الله في شرعه العادل الحكيم!!

стр. 197

[٩] مشروعية القتال في الإسلام

стр. 198

﴿ثَقِفْتُمُوهُم﴾ : الثّقْفُ: الأخذ، والإدراك، والظفر يقال: ثقفه وجده أو ظفر به. قال في اللسان: ثَقِف الرجلَ: ظفر به قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب﴾ [الأنفال: ٥٧] ورجل ثقيف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور. قال الراغب: الثقفُ: الحِذقُ في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير المثاقفة ويقال: ثقفتُ كذا إذا أدركته ببصرك لحذقٍ في النظر. وفي «الكشاف» : الثقفُ وجودٌ على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجلٌ ثقف، سريع الأخذ لأقرانه، قال الشاعر: فإمّا تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقفْ فليس إلى خلود والمعنى: اقتلوا الكفار حيث وجدتموهم وظفرتم بهم في حِلّ أو حرم. ﴿والفتنة﴾ : الفتنة: الابتلاء والاختبار، وأصلها من الفتن وهو إدخالُ الذهب النارَ لتظهر جودته من رداءته. قال الأزهري: جماع معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان، والاختبار،

стр. 199

مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميزّ الرديء من الجيد. والمعنى: إيذاء المؤمن بالتعذيب والتشريد، بقصد أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفاراً، أعظم جرماً عند الله من القتل. وقال ابن عباس: الشرك أعظم من القتل في الحرم. ﴿والحرمات قِصَاصٌ﴾ : الحُرُمات جمع حُرْمة، كالظُلمات جمع ظلمة، والحُرْمة كل ما منع الشرع من انتهاكه، وإنما جمعت لأنه أراد حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام، والقصاصُ: المساواة والمماثلة وقد تقدم. والمعنى: إذا انتهكوا حرمة الشهر فقاتلوكم فيه فقاتلوهم أنتم أيضاًَ ولا تتحرجوا. قال الزجاج: أعلم الله المسلمين أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص. ﴿التهلكة﴾ : التهلُكة بضم اللام بمعنى الهلاك، يقال: هلكَ يهلك هلاكاً وتهلُكةً. قال أبو عبيدة: التهلكةُ، والهَلَاك، والهُلْك واحد، مصدر هلك. وفي اللسان: التهلكةُ: الهلاكُ، وقيل: كلّ شيء تصير عاقبته إلى الهلاك. ﴿المحسنين﴾ : جمع محسن وهو الذي ينفع غيره بنفعٍ حسنٍ، أو يحسن عمله بفعل ما يرضي الله تعالى.

стр. 200

المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: قاتلوا - أيها المؤمنون - في سبيل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه الذين يقاتلونكم من الكفار، ولا تعتدوا بقتل الأطفال، والنساء، والشيوخ، ممن لا قدرة لهم على القتال، فإن الله يكره البغي والعدوان أيّاً كان مصدره. واقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم، ولا يصدّنكم عنهم أنكم في أرض الحرم، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة بلدكم الأصلي، الذي أخرجوكم منه ظلماً وعدواناً، والفتنة للمؤمنين وإيذاؤهم بالتعذيب والتشريد، والإخراج من الوطن، والمصادرة للمال، أشد قبحاً من القتل ولا تقاتلوهم - أيها المؤمنون - عند المسجد الحرام، حتى يبدؤوكم بالقتال، فإن قاتلوكم فاقتلوهم ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا عن عدوانهم فإن الله غفور رحيم. ثمّ أكد تعالى الأمر بقتال الكفار، وبيّن الغاية منه وهي ألاّ يوجد شيء من الفتنة في الدين، فقال: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم، ويكون الدين خالصاً لله، فلا يعبدون دونه أحد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان، فإذا انتهوا عن قتالكم، ودخلوا في دينكم فاتركوا قتالهم لأنه لا ينبغي أن يعتدي إلا على الظالمين. ثم أخبر تعالى أنّ المشركين بإصرارهم على الفتنة وإيذائهم للمؤمنين، فعلوا ما هو أشد قبحاً من القتل، فقال مخاطباً المؤمنين: الشهر الحرام يقابل بالشهر الحرام، وهتك حرمته تقابل بهتك حرمته، فلا تبالوا - أيها المؤمنون - بالقتال فيه إذا اضررتم للدفاع عن دينكم، وإعلاء كلمة الله، فمن تعرّض لقتالكم واعتدى عليكم فقاتلوه، وردّوا عدوانه بلا ضعفٍ ولا تقصير، بمثل ما يعتدي

стр. 201

عليكم، واتقوا لاله فلا تبغوا وتظلموا في القصاص، إن الله يحب المتقين. ثم أمر تعالى بالجهاد بالمال بعد الأمر بالجهاد بالأنفس فقال: وأنفقوا في سبيل الله أي ابذلوا المال في سبيل الله لنصرة دينه، والدفاع عن الحق، ولا تبخلوا فتشحوا بالمال، فإن ذلك يضعفكم، ويمكّن الأعداء من نواصيكم فتهلكون، وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين. سبب النزول أولاً: روي أن رسول الله ﷺ َ لما صُدّ عن البيت، ونحر هديه بالحديبية، وصالحه المشركون على ان يرجع من العام المقبل رجع، فلما تجهز في العام المقبل خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم ويقاتلوهم، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قاله ابن عباس. ثانياً: وروي أن المشركين قالوا للنبي ﵇: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام فيقاتلوه فيه فنزلت هذه الآية ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ قاله الحسن. ثالثاً: وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في عمرة القضاء وعام الحديبية في ذي القعدة سنة ست، فصدّه كفار قريش عن البيت فانصرف، ووعده الله سبحانه أنه سيدخله، فدخله سنة سبع وقضى نسكه فنزلت هذه

стр. 202

الآية ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ . رابعاً: وروى ابن جرير الطبري: عن (أسلم أبي عمران) قال: «كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر (عقبة بن عامر) وعلى أهل الشام (فضالة بن عُبيد) فخرج صفٌ عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقام (أبو أيوب الأنصاري) صاحب رسول الله ﷺ َ فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، إنّا لما أعزّ الله دينه، وكثّر ناصريه، قال بعضنا لبعضٍ سراً دون رسول الله ﷺ َ: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعزّ الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ فكانت التهلكة الإقامة في الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو» فما زال (أبو أيوب) غازياً في سبيل الله، حتى قبضه الله ودفن بالقسطنطينية. وجوه القراءات قرأ الجمهور (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم فاقتلوهم) بالألف في (تقاتلوهم) و (يقاتلوكم) و (قاتلوكم) وقرأ حمزة والكسائي، وخلف بحذف الألف فيهن (ولا تقتلوهم عند المسجد

стр. 203

الحرام حتى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم) . قال الطبري: «وأولى هاتين القراءتين بالصواب قراءة من قرأ (ولا تقاتلوهم) لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيه ﷺ َ وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم» . وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ . قال العكبري: (كذلك) مبتدأ، و (جزاء) خبره، والجزاء مصدر مضاف إلى المفعول، ويجوز أن يكون في معنى المنصوب ويكون التقدير: كذلك جزاء الله الكافرين. ثانياً: قوله تعالى: ﴿حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتّى بمعنى (كي) ويجوز أن تكون بمعنى إلى أن، وكان تامة، والمعنى: وقاتلوهم إلى أن لا توجد فتنة. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظالمين﴾ عدوان: اسم (لا) والجملة (إلا على الظالمين) في موضع رفع خبر (لا) قال العكبري: ففي الإثبات يقول: العدوان على الظالمين، فإذا جئت بالنفي وإلاّ بقي الإعراب على ما كان عليه.

стр. 204

لطائف التفسير الطيفة الأولى: لا يذكر في القرآن الكريم لفظ (القتال) أو (الجهاد) إلا وهو مقرون بعبارة (سبيل الله) وذلك يدل على أن الغاية من القتال غاية مقدسة نبيلة هي (إعلاء كلمة الله) لا السيطرة أو المغنم، أو إظهار الشجاعة، أو الاستعلاء في الأرض، وقد وضّح هذه الغاية النبيلة قوله ﵇: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . اللطيفة الثانية: قال الزمخشري عند قول الله تعالى: ﴿والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل﴾ أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل، وقيل لبعض الحكماء: ما أشدّ من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. . جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت، ومنه قول القائل: لقتلٌ بحدّ السيف أهون موقعاً ... على النفس من قتلٍ بحد فِراق اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظالمين﴾ . قال الإمام الفخر: فإن قيل: لم سمّى ذلك القتل عدواناً مع أنه حقٌ وصواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان، فصحّ إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .

стр. 205

قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته أي جازيته بظلمه. وجهل فلان عليّ فجهلت عليه. وعليه قول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ. .﴾ الآية. الدفاع عن النفس مشروع ولا يعدّ اعتداءً، وإنما سمي في الآية اعتداءً (فاعتدوا عليه) من باب (المشاكلة) وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى كقول القائل: قالوا اقترح شيئاً نُجِدْ لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً والأصل فيها (فمن اعتدى عليكم) فقابلوه وجازوه بمثل ما اعتدى عليكم، وباب المشاكلة وردت فيه آيات عديدة كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] وقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] . اللطيفة الخامسة: قال بعض العلماء: (لا أعلم مصدراً جاء في لغة العرب على وزن (تفعُلة) بضم العين إلا في هذه الآية ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ ، وقال صاحب «الكشاف» : ويجوز أن يقال: أصله التهلِكة، كالتجربة، والتبصرة على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار. قال الإمام الفخر: «إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به، واتخذوه حجة قوية، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى، المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها» . أقول: ما ذكره الإمام الفخر هو الحق والصواب، فالقرآن الكريم حجة

стр. 206

على اللغة، وليست اللغة حجة على القرآن، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْ الإمام الفخر فقد أجاد في هذا وأفاد. اللطيفة السادسة: الجهاد في سبيل الله أفضل القربات عند الله، ولا يعدله شيء من العبادات لقوله ﵇: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله» . كتب (عبد الله بن المبارك) إلى (الفُضيل بن عياض) بهذه الأبيات: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمتَ أنك في العبادة تلعب من كان يخضُب خدّه بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضّب أو كان يتُعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... وهجُ السنابل والغبار الأطيب فلما قرأها الفضيل ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني. الأحكام الشرعية الحكم الأول: متى فرض الجهاد على المسلمين؟ لم يختلف العلماء في أن القتال قبل الهجرة كان محظوراً على المسلمين، بنصوص كثيرة في كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: ﴿فاعف عَنْهُمْ واصفح﴾ [المائدة: ١٣] وقوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] وقوله: ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ [آل عمران: ٢٠] وقوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ [الجاثية: ١٤] وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ

стр. 207

الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] وأمثال هذه الآيات كثير تدل على أن المؤمنين كانوا منهيّين ن قتال أعدائهم، وهناك نص صريح بالكف عن القتال وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس. .﴾ [النساء: ٧٧] الآية. والحكمة في الكف عن القتال: في بدء الدعوة يمكن أن نلخِّص أسبابها فيما يلي: أ - إن المسلمين كانوا في مكة قلة، وهم محصورون فيها لا حول لهم ولا طول، ولو وقع بينهم وبين المشركين حرب أو قتال لأبادوهم عن بكرة أبيهم، فشاء الله أن يكثروا وأن يكون لهم أنصار وأعوان، وأن يرتكزوا قاعدة آمنه تحميها الدولة، فلمّا هاجروا إلى المدينة المنورة أذن لهم بالقتال بعد أن قويت شوكتهم وكثر عددهم. ب - كانت الغاية تدريب نفوس المؤمنين على الصبر امتثالاً للأمر، وخضوعاً للقيادة، وانتظاراً للإذن، وقد كان العرب في الجاهلية شديدي الحماسة، لا يصبرون على الضيم، وقد تعودوا الاندفاع والحماسة، والخفة للقتال عند أول داع، فكان لا بدّ من تمرينهم على تحمل الأذى، والصبر على المكاره والخضوع لأمر القيادة العليا، حتى يقع التوازن بين الاندفاع والتروي، والحميّة والطاعة، في جماعةٍ هيأتهم إرادة الله لأمر عظيم.

стр. 208

ج - البيئة العربية كانت بيئة نخوة ونجدة، وكان صبر المسلمين على الأذى - وفيهم الأبطال والشجعان الذين يستطيعون أن يردوا الصاع صاعين - مما يثير النخوة، ويحرك القلوب نحو الإسلام، حصل هذا بالفعل في (المحاصرة في الشعب) عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم، كي يتخلوا عن حماية الرسول ﷺ َ واشتد الاضطهاد على بني هاشم، ثارت نفوس لم تؤمن بالإسلام، أخذتها النخوة والنجدة حتى مزّقوا الصحيفة التي تعاهد فيها المشركون على المقاطعة، وانتهى ذلك الحصار المشؤوم. د - كان المسلمون في مكة يعيشون مع آبائهم وأهليهم في بيوت، وكان أهلوهم المشركون يعذبونهم ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى الشرك والضلال، فلو أذن للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم يومذاك، لكان معنى هذا أن تقوم معركة في كل بيت، وأن يقع دم في كل أسرة، وليس من مصلحة الدعوة أن تثار حرب دموية داخل البيوت، فلما أحدثت الهجرة وانعزلت الجماعة أبيح لهم القتال. الحكم الثاني: ما هي أول الآيات في تشريع القتال؟ اختلف السلف: في أول آية نزلت في القتال، فروي عن الربيع بن أنس وغيره أن أول آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] نزلت بالمدينة، فكان رسول الله ﷺ َ يقاتل من قاتله ويكف عمن كفّ عنه. وروي عن جماعة من الصحابة: منهم أبو بكر الصديق وابن عباس وسعيد بن جبير أن أول آيةٍ نزلت في القتال هي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . قال أبو بكر بن العربي: «والصحيح أن أول آية نزلت آية الحج ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] ثم نزل ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فكان القتال

стр. 209

إذناً ثم أصبح بعد ذلك فرضاً، لأن آية الإذن في القتال مكية، وهذه الآية مدنية متأخرة «. الحكم الثالث: هل يباح القتال في الحرم؟ دل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ على حرمة القتال في الحرم، إلا إذا بدأ المشركون بالعدوان، فيباح لنا قتالهم دفعاً لشرهم وإجرامهم، ولا يجوز لنا أن نبدأهم بالقتال عملاً بالآية الكريمة وعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة. وقد روي عن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم﴾ أنه قال:» لا تقاتل في الحرم أحداً أبداً، فمن عدا عليك فقاتلك فقاتله كما يقاتلك «. وروي عن قتادة أنه قال: الآية منسوخة نسختها آية براءة ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . قال العلامة القرطبي: وللعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما أنها منسوخة، والثاني أنها محكمة. قال مجاهد: الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام بعد أن يقاتل، وبه قال طاووس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. ويدل عليه ما روي في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ولسم خطب يوم فتح مكة فقال:» يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، ولا تحل لأحدٍ بعدي، وإنما أحلت لي ساعة

стр. 210

من النهار، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة «. مناظرة لطيفة قال القاضي أبو بكر ابن العربي:» حضرتُ في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة (أبي عقبة) الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهيّ المنظر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء وتصدّر في صدر المجلس، فقال له الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبة الشُطّار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجلٌ من صاغان من طلبة العلم، فقال القاضي مبادراً: سلوه - على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة «الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل فيه أم لا؟» فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ وقرئ: (ولا تقتلوهم) وقرئ (ولا تقاتلوهم) فإن قرئ: ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا أُنهي عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيناً ظاهراً على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي الزنجاني منتصراً للشافعي ومالك - وإن لم ير مذهبهما على العادة - فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ (عامة) في الأماكن، والآي التي احتججتُ بها (خاصة) ، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص، فأبْهَتَ

стр. 211

القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام «. قال ابن العربي:» فثبت النهي عن القتال فيها قرآناً وسنة، فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه، وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها فيُقْتل بنصّ القرآن «. الحكم الرابع: ما المراد بالعدون في الآية الكريمة؟ حرّم الباري جل وعلا الاعتداء في قوله: ﴿وَلَا تعتدوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ . ١ - ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي - كما قاله الحسن البصري - من المُثْلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا قدرة لهم على القتال، ويدخل فيها قتل الرهبان، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة. فكل هذا داخل في النهي ﴿وَلَا تعتدوا﴾ . ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن رسول الله ﷺ َ قال:» اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع «. وفي» الصحيحين «عن ابن عمر أنه قال:» وُجدت امرأةٌ في بعض مغازي النبي ﷺ َ مقتولةً فأنكر رسول الله ﷺ َ قتل النساء والصبيان «. ب - وقيل المراد بقوله ﴿وَلَا تعتدوا﴾ النهيُ عن البدء بالقتال، وهو مروي عن مقاتل.

стр. 212

ج - وقيل المراد به النهي عن قتال من لم يقاتل، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية. قال القرطبي:» ويدل عليه من النظر أن قاتل (فَاعَلَ) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة، والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان، والزّمْنَى، والشيوخ فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ﵁ (يزيد ابن أبي سفيان) حين أرسله إلى الشام، إلاّ أن يكون لهؤلاء إذاية، وللعلماء فيهم صور ست: الأولى - النساء إن قاتلن قُتلن لعموم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ . الثانية - الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم. الثالثة - الرهبان لا يُقتلون ولا يُسترقون لقول أبي بكر (فذرهم وما حبسوا أنفسهم له) . الرابعة - الزّمني إن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة. الخامسة - الشيوخ قال مالك: لا يقتلون وهو قول جمهور الفقهاء إذا كان لا ينتفع بهم في رأي ولا مدافعة. السادسة - العسفاء وهم الأجراء والفلاحون لقول عمر (اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب) .

стр. 213

ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - القتال ينبغي أن يكون لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه. ٢ - الله جل وعلا يكره العدوان والظلم والطغيان أياً كان مصدره. ٣ - فتنة المؤمنين بالاضطهاد والتعذيب والتشريد مثل القتل. ٤ - لا يعتدى على النساء والضعفاء والصبيان ممن لا قدرة لهم على القتال. ٥ - الجهاد لدفع أذى المشركين، وقبر الفتنة، وتأمين سير الدعوة. ٦ - ترك الانفاق والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس سبب للهلاك. خاتمة البحث: حكمة التشريع الصراع بين الحق والباطل قديم قدم هذه الحياة، لا يهدأ ولا ينتهي ولا يزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإليه يرجعون!! ولا بد لكل أمة من أمم الأرض، تريد أن تحيا حياة العزة والكرامة، من أن تستعد الاستعداد الكامل لمجابهة عدوها بكل ما تملك من قوة، وأن تأخذ بأسباب النصر، فتهيئ شبابها للجهاد والقتال، لأنه لا عيش في هذه الدنيا إلا للأقوياء، ولا منطق إلا للقوة، وقديماً قال شاعرنا العربي: ومن لم يذُدْ عن حوصَه بسلاحة ... يُهدّمْ ومن لا يظلم الناس يظلم والإسلام دين الله إلى الإنسانية، يهتم بدعوة الناس إلى الدخول في هدايته، والانضواء تحت رايته، لينعموا بحياة الأمن والاستقرار، ويعيشوا العيشة الكريمة التي أرادها الله لنبي الإنسان وإن الأمة الإسلامية. هي الأمة التي اختارها

стр. 214

الله لإعلاء دينه، وتبليغ وحيه، وايصال هذا الهدى والنور إلى أمم الأرض. فإذا وقف أحد في طريق الدعوة، وأراد أن يصدها عن المضي في طريقها، فلا بدّ من دحره، وتطهير الأرض من شره، لتصل هداية الله إلى النفوس، وتعلو كلمة الحق، ويأمن الناس على حريتهم الدينية، في الإيمان بالله الواحد القهار. ولذلك شرع القتال لدفع عدوان الظالمين، ولتحطيم كل قوة تعترض طريق الدعوة، وإيصالها للناس في حرية واطمئنان. وصدق الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] . ولا يُقاتل إلا الباغي المعتدي، الذي يريد أن يفرض إرادته على الأمة بالقهر والسلطان، وأن يصد عن دين الله بقوة الحديد والنار، ويفتن المؤمن بوسائل الفنة والإغراء. ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تعتدوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ .

стр. 215

[١٠] إتمام الحج والعمرة
следующие страницы →