← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قناعها، سمي خماراً لأنه يغطي رأسها. وقال ابن الأنباري: «سميت خمراً لأنها تخامر العقل أي تخالطه، يقال خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير: هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامر» ... ﴿والميسر﴾ : القمار، من اليسر وهو السهولة، لأنه كسب من غير كدّ ولا تعب، أو من اليسار (الغنى) لأنه سبب يساره. قال الأزهري: الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاءً، وكل شيء جزّأته فقد يَسَرْته. وفي «الصحاح» : ويَسر القوم الجزور إذا اقتسموا أعضاءها. والياسر: الذي يلي قسمة الجزور. ﴿إِثْمٌ﴾ : الإثم: الذنب وجمعه آثام، يقال: آثم وأثِم، والآثم المتحمل الإثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أفاده الراغب. وتسمى الخمر ب (لإثم) لأنّ شربها سبب في الإثم قال الشاعر: شربتُ الإثم حتى ضلّ عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول ﴿العفو﴾ : الفضل والزيادة على الحاجة. قال القفال: العفو سهُل وتيسُر مما يكون فاضلاً عن الكفاية، يقال: خذ ما عفا لك أي ما تيسّر.

стр. 247

والمعنى: انفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تُجهدوا فيه أنفسكم. ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ : أي أوقعكم في الحرج والمشقة، وأصل العنت: المشقة، يقال: أعنت فلانٌ فلاناً إذا أوقعة فيما لا يستطيع الخروج منه، وعَنت العظم: إذا انكسر بعد الجبر، وأكمةٌ عنوت: إذا كانت شاقة كدوداً، ومنه قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي شديد عليه ما شق عليكم. قال الزجاج: ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ﴾ أي لو شاء لكلفكم ما يشتد عليكم. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ : ﴿عَزِيزٌ﴾ أي لا يمتنع عليه شيء، لأنه غالب لا يغالب ﴿حَكِيمٌ﴾ أي يتصرف في ملكه كيف يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يسألك أصحابك يا محمد عن حكم تناول الخمر، وعن حكم الميسر (القمار) قل لهم: إن في مقارفة الخمر والميسر إثماً كبيراً، وضرراً عظيماً، وفيهما نفع مادي ضئيل، وضررهما أعظم وأكبر من نفعهما، فإن ضياع العقل، وذهاب المال، وتعريض الجسد للتلف في الخمر، وما يجرُّه القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر، والصدّ عن عبادة الله وطاعته، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك إذا قيس إلى النفع المادي التافه، ظهر الضرر الكبير الفادح في هاتين الموبقتين الخبيثتين. ويسألونك ماذا ينفقون من أموالهم، وماذا يتركون؟ قل لهم: أنفقوا الفضل والزيادة بقدر ما يسهل ويتيسر عليكم، مما يكون فاضلاً عن حاجتكم، وحاجة من تعولون، كذلك قضت حكمة الله أن يبيّن لكم المنافع والمضار، وأن يرشدكم إلى ما فيه خيركم وسعادتكم لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة،

стр. 248

فتعلموا أن الأولى فانية، وأن الآخرة باقية، فتعملوا لها، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى. ويسألونك - يا محمد - عن معاملة اليتامى، أيخاطونهم أم يعتزلونهم، قل لهم: قصد إصلاح أموالهم خير من اعتزالهم، وإن خالطتموهم فهم إخوانكم في الدين، والأخ ينبغي أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والله رقيب مطّلع عليكم يعلم المفسد منكم من المصلح، فلا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم، ولو شاء الله لأوقعكم في الحرج والمشقة، ولكنه يسّر عليكم وسهّل الدين رحمة ورأفة بكم، وهو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم فيما يشرّع لعباده من الأحكام. سبب النزول أولاً: روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب بالمال والعقل، فنزلت هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ فُدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية في سورة النساء [٤٣] ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ فكان منادي رسول الله ﷺ َ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربنّ الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال عمر: انتهينا، انتهينا. ثانياً: وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلَاّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ونزل ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ

стр. 249

أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه، فيُحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ َ فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور (قل فيهما إثم كبير) بالباء، وقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء. قال الطبري: ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما. ٢ - قرأ الجمهور (قل العفوَ) بالنصب، وقرأ أبو عمرو (قل العفوُ) بالرفع. ويكون معنى الكلام حينئذٍ: ما الذي؟ ينفقون قل: المنفقُ العفوُ. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿كذلك يُبيِّنُ الله﴾ قال ابن الأنباري: الكاف في (كذلك) إشارة إلى ما بيّن من الإنفاق، فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم

стр. 250

في الإنفاق يبيّن الآيات، ويجوز أن يكون «كذلك» ليس إشارة إلى ما قبله بل بمعنى «هكذا» قاله ابن عباس. وقال العكبري: الكاف في (كذلك) في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين يبيّن الله لكم، وقوله (في الدنيا والآخرة) متعلقة ب (تتفكرون) ويجوز أن تتعلق ب (تبيّن) والمعنى: يبيّن لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ (إصلاح) مبتدأ، و (خير) خبره، وجاز الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معنى الفعل تقديره: أصلحوهم. ٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم إخوانكم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: «أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ﴾ فتركها قوم لقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وشربها قوم لقوله: ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ ثم إن (عبد الرحمن بن عوف) صنع طعاماً ودعا إليه ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ َ فأطعمهم وسقاهم الخمر، وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ (قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون) بحذف (لا) فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ

стр. 251

مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فحرّم الله السكر في أوقات الصلاة، فكان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال سكره، ثم إن (عتبان بن مالك) صنع طعاماً ودعا إليه رجالاً من المسلمين فيهم (سعد بن أبي وقاص) وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، فافتخروا عند ذلك وتناشدوا الأشعار، فأنشد بعضهم قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس (سعد) فشجه، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ َ وشكا إليه الأنصاري فأنزل الله ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] ؟ فقال عمر: انتهينا ربنا انتهينا» . اللطيفة الثانية: في تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة، وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءاً من حياتهم، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم وربما لم يستجيبوا لذلك النهي، كما تقول السيدة عائشة ﵂ «أول ما نزل من القرآن سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلالُ والحرام، ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبداً» . وذلك من الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية، فقد سلك بالناس طريق (التدريج في تشريع الأحكام) فبدأ بالتنفير مه بطريق غير مباشر كما في الآية الأولى، ثم بالتنفير المباشر عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيه نفع ضئيل، وشيء فيه ضرر وخطر جسيم، كما في الآية الثانية، ثم بالتحريم الجزئي في أوقات الصلاة كما في الآية الثالثة، ثم بالتحريم الكلي في جميع الأوقات كما في الآية الرابعة، فللَّه ما أدق هذا التشريع

стр. 252

وما أحكمه؟! اللطيفة الثالثة: فإن قيل: كيف يكون في الخمر منافع، مع أنها تذهب بالمال والعقل؟ فالجواب أن المراد بالمنافع في الآية (المنافع المادية) التي كانوا يستفيدونها من تجارة الخمر، يربحون منها الربح الفاحش، كما يربحون من وراء الميسر، ومما يدل على أن النفع مادي أن الله تعالى قرنها بالميسر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ ولا شك أن النفع في الميسر (مادي) بحت حيث يكون الربح لبعض المقامرين فكذلك في الخمر. قال العلامة القرطبي: «أمّا المنافع في الخمر فربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص، فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماكسة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي، هذا أصح ما قيل في منافعها» . ويحتمل أن يراد النفع في الخمر تلك اللذة والنشوة المزعومة التي عبرّ عنها الشاعر بقوله: ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأُسْداً ما ينهنها اللقاء لا يلذ السّكْر حتّى ... يأكل السكرانُ نعلَه ويرى القصعة فيلاً ... ويظنَّ الفيل نملة اللطيفة الرابعة: أثمن وأغلى شيء في الإنسان عقله، فإذا فقد الإنسان العقل أصبح كالحيوان، ولهذا حرم الله الخمر وسميت ب (أم الخبائث) لأنها

стр. 253

سبب في كل قبيح. روى النسائي عن عثمان ﵁ أنه قال: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم متعبّد فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنّا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطيةُ خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأساً، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر كأساً، فسقته كأساً قال: زيدوني فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا يوشك أن يُخْرج أحدُهما صاحبه» . اللطيفة الخامسة: قال (قيس بن عاصم المِنْقري) في ذم الخمر بعد أن حرّمها على نفسه: رأيت الخمر صالحة وفيها ... خصالٌ تُفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها صحيحاً ... ولا أشفي بها أبداً سقيماً ولا أعطي بها ثمناً حياتي ... ولا أدعو لها أبداً نديماً فإن الخمر تفضح شاربيها ... وتجنيهم بها الأمر العظيما قال القرطبي: «وإن الشارب يصير ضُحكة للعقلاء، فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح وجهه، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله كما أكرمتني» .

стр. 254

اللطيفة السادسة: قال صاحب «الكشاف» : في صفة الميسر الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية «كانت لهم عشرة أقداح وهي (الفذّ، والتوأم، والرقيب، والحِلْس، والنافس، والمسبل، والمعلَّى، والمنيح، والسفيح، والوغد) لكلّ واحد منه نصيب معلوم من جزور ينحرونها إلا لثلاثة وهي (المنيح، والسفيح، والوغد) فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في خريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يدخ فيخرج باسم رجلٍ رجلٍ قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه؟ الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الآية الكريمة دالة على تحريم الخمر؟ ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ دالة على تحريم الخمر، لأن الله تعالى ذكر فيها قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وقد حرم الله الإثم بقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم ... ﴾ [الأعراف: ٣٣] الآية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى. ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية تقتضي ذم الخمر دون تحريمها، بدليل أن بعض الصحابة شربوا الخمر بعد نزولها - كما مرّ في أسباب النزول - ولو فهموا التحريم لما شربها أحد منهم، وهذه الآية منسوخة بآية المائدة وهذا قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل.

стр. 255

قال القرطبي:» في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى هي آية المائدة [٩٠] ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان﴾ وعلى هذا أكثر المفسدين «. الحكم الثاني: ما هي الخمر وهل هي اسم لكل مسكر؟ اختلف العلماء في تعريف الخمر ما هي؟ فقال أبو حنيفة: الخمر الشراب المسكر من عصير العنب فقط، وأما المسكر من غيره كالشراب من التمر أو الشعير، فلا يسمى خمراً بل يُسمى نبيذاً. وهذا مذهب الكوفيين والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى. وذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الخمر اسم لكلّ شراب مسكر، سواءً كان من عصير العنب، أو التمر، أو الشعير أو غيره، وهو مذهب جمهور المحدثين وأهل الحجاز. حجة الكوفيين وأبي حنيفة: احتج الكوفيون وأبو حنيفة بأن الأنبذة لا تسمى خمراً، ولا يسمى خمراً إلا لشيء المشتد من عصير العنب باللغة، والسنة: أما اللغة: فقول (أبي الأسود الدؤلي) وهو حجة في اللغة: دع الخمر تشربْها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنياً بمكانها فإن لا تكنْه أو يكنْها فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها وأما السنة: فما روي عن أبي سعيد الخدري قال: «أُتي النبي ﷺ َ بنشوان فقال له: أشربت خمراً؟ قال: ما شربتها منذ حرّمها الله ورسوله، قال: فماذا شربت؟ قال: الخليطين، قال: فحرّم رسول الله ﷺ َ الخليطين» .

стр. 256

فنفى الشارب اسم الخمر عن (الخليطين) بحضرة النبي ﷺ َ ولم ينكره عليه. حجة الجمهور: واستدل الحجازيون وجمهور الفقهاء على أن كل مسكر خمر بما يلي: أولاً: حديث ابن عمر «كلّ مسكر خمرٌ، وكل مسكر حرامٌ» . ثانياً: حديث أبي هريرة: «الخمر من هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرمة والنخلة» . ثالثاً: حديث أنس «حرمت الخمر حين حرّمت، وما يُتخذ من خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرنا البُسْرُ والتمر» . رابعاً: حديث ابن عمر (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمرُ ما خامر العقل) . خامساً: حديث أم سلمة «نهى رسول الله ﷺ َ عن كل مسكر ومفتّر» واستدلوا لمذهبهم على أن المسكر يسمى خمراً باللغة أيضاً وهو أن الخمر سميت خمراً لمخامرتها للعقل، وهذه الأنبذة تخامر العقل أي تستره وتغيبه فلذلك تسمى خمراً، فالخمرُ هو السكر من أي شرابٍ كان، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء. قال الفخر الرازي: «فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمّى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه؟ لا يقال:

стр. 257

إن هذا إثبات للغة بالقياس وهو غير جائز، لأنا نقول: ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات. والترجيح: ونحن إذا تأملنا أدلة الفريقين - ما ذكر منها وما لم يذكر - ترجح عندنا قول الجمهور وأهل الحجاز، فالخمر حرام، وكمل مسكر خمر كما قال عمر ﵁، وذلك لأن الصحابة لما سمعوا تحريم الخمر فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد الشارع، وقد ثبت بالسنة المطهّرة تحريم كل مسكر ومفتّر، وثبت عن أنسٍ أنه كان ساقي القوم في منزل أبي طلحة حين حرمت الخمر، وما كان خمرهم يومئذٍ إلا الفضيخ، فحين سمعوا تحريم الخمر أهراقوا الشراب وكسروا الأواني، وما كان الفضيخ إلا من نقيع البسر، فما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح المعوّل عليه، لا سيّما وأن المتأخرين من الأحناف أفتوا بقول محمد في سائر الأشربة وهو الحق الذي لا محيد عنه. قال العلامة الألوسي:» وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، أن الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان، وبأي اسم سمي، متى كان بحيث يُسكر حرام، وقليله ككثيره، ويحد شاربه، ويقع طلاقه، ونجاسته غليظة «. الحكم الثالث: ما هي أنواع الميسر المحرّم؟ اتفق العلماء على تحريم ضروب القمار، وأنها من الميسر المحرّم لقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فكل لعب يكون فيه ربح لفريق وخسارة لآخر هو من الميسر المحرم، سواءً كان اللعب بالنرد، أو الشطرنج أو غيرهما،

стр. 258

ويدخل فيه في زماننا مثل (اليانصيب) سواء منه ما كان بقصد الخير (اليانصيب الخيري) أو بقصد الربح المجرد فكله ربح خبيث «وإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً» . قال صاحب «الكشاف» : «وفي حكم الميسر أنواع القمار، من النرد والشطرنج وغيرهما، وعن النبي ﷺ َ:» إياكم وهاتين اللعبتين المشئومتين فإنهما من ميسر العجم «. وعن علي ﵁:» أن النرد والشطرنج من الميسر «. وعن ابن سيرين:» كل شيء فيه خطر فهو من الميسر «. قال صاحب» روح المعاني «:» وفي حكم الميسر جميع أنواع القمار من النرد، والشطرنج، وغيرهما حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب، والقرعة في غير القسمة، وجميع أنواع المخاطرة والرهان «. أما النرد فمحرم بالاتفاق لقوله ﵇:» من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله «. وأما الشطرنج: فقد أباحه الإمام الشافعي بشروط ذكرها الإمام الفخر حيث قال:» وقال الشافعي ﵁: إذا خلا الشطرنج عن الرهان، واللسان عن الطغيان، والصلاة عن النسيان، لم يكن حراماً، وهو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال، أو أخذ مال، وهذا ليس كذلك، فلا يكون قماراً ولا ميسراً «. وأما السبق في الخيل والدواب، والرميُ بالنصَال والسهام فقد رخص فيه بشروط تعرف من كتب الفقه وليس هنا محل تفصيلها والله تعالى أعلم.

стр. 259

خاتمة البحث: حكمة التشريع حرم الله الخمر والميسر، لما فيهما من الأضرار الفادحة، والمفاسد الكثيرة، والآثام التي تتولد من هاتين الرذيلتين سواءً في النفس أو البدن أو العقل أو المال. فمن مضار الخمر أنه يذهب العقل حتى يهذي الشارب كالمجنون، ويفقد الإنسان صحته ويخرّب عليه جهازه الهضمي، فيحدث التهابات في الحلق، وتقرحات في المعدة والأمعاء، وتمدداً في الكبد، ويعيق دورة الدم، وقد يوفقها فيموت السكّير فجأة، وقد أثبت الطب الحديث ضرر الخمر الفادح في الجسم والعقل حتى قال بعض أطباء ألمانيا:» اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات، والبيمارستانات (مستشفى الأمراض العقلية) والسجون «. ويكفي الخمر شراً أنها (أم الخبائث) كما ورد في الحديث الشريف. وأما مضار الميسر فليست بأقل من مضار الخمر، فهو يورث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويفسد المجتمع بتعويد الناس على البطالة والكسل، بانتظار الربح بدون كد ولا تعب، ويهدّم الأسر ويخرّب البيوت، فكم من أسرة تشرّدت وتحطمت وافتقرت بعد أن كانت تعيش بين أحضان الثروة والغنى بسبب مقامرة أربابها، فكان في ذلك الدمار والهلاك لتلك الأسر المنكوبة، كما انتهى الأمر بالكثير من اللاعبين إلى قتل أنفسهم بالانتحار، أو الرضا بعيشة الذل والمهانة. ولا تزال الأيام تظهر من مضار الخمر والميسر ما لم يكن معروفاً من قبل، فيتجلى لنا صدق وصف الكتاب الكريم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] .

стр. 260

[١٣] نكاح المشركات التحليل اللفظي ﴿تَنْكِحُواْ المشركات﴾ : أي لا تتزوجوا الوثنيات، والمشركة هي التي تعبد الأوثان، وليس لها دين سماوي ومثلها المشرك، وقيل: إنها تعم

стр. 261

الكتابيات أيضاً لأن أهل الكتاب مشركون لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] . ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ﴾ : الأمة: المملوكة بملك اليمين وهي تقابل الحرة، وأصلها (أمو) حذفت على غير قياس وعوّض عنها هاء التأنيث، وتجمع على إماء قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقال الشاعر: أمّا الإماء فلا يدعونني ولداً ... إذا تداعى بنو الأَمَوات بالعار المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: لا تتزوجوا - أيها المؤمنون - المشركات حتى يؤمن بالله واليوم الآخر، ولأمة مؤمنة بالله ورسوله أفضل من حرة مشركة، وإن أعجبتكم المشركة بجمالها، ومالها، وسائر ما يوجب الرغبة فيها من حسب، أو جاه، أو سلطان. ولا تَزوِّجُوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن خيرٌ لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب، والنسب، والشرف، فإن هؤلاء - المشركين والمشركات - الذين حرمت عليكم مناكحتهم ومصاهرتهم، يدعونكم إلى ما يؤدي بكم إلى النار، والله يدعو إلى العمل الذي يوجب الجنة، ويوضح حججه وأدلته للناس ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر، والخبيث والطيب.

стр. 262

سبب النزول أولاً: روي أن هذه الآية نزلت في مرثد من أبي مرثد الغنوي الذي كان يحمل الأسرى من مكة إلى المدينة، وكانت له في الجاهلية صلة بامرأة تسمى (عَناقاً) فأتته وقالت: ألا تخلوا؟ فقال: ويحك إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم ولكن أرجع إلى رسول الله ﷺ َ فاستأمره فنزلت الآية. وتعقّب السيوطي هذه الرواية وذكر أنها ليست سبباً في نزول هذه الآية، وإنما هي سبب في نزول آية النور ﴿الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ... ﴾ [النور: ٣] . الآية. ثانياً: وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في (عبد الله بن رواحة) كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي ﷺ َ فأخبره خبرها فقال له النبي ﷺ َ: ما هي يا عبد الله؟ فقال: يا رسول الله: هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال يا عبد الله: هذه مؤمنة، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنّها ففعل، فعابه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة، وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهن، فنزلت هذه الآية.

стр. 263

وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿حتى يُؤْمِنَّ﴾ حتى بمعنى (إلى أن) و (يؤمن) مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب ب (حتى) وأصله (يؤمنْنَ) . ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ الواو للحالو (لو) هنا بمعنى (إن) وكذا كل موضع وليها الفعل الماضي كقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠] أي وإن أعجبك والتقدير: لأمة مؤمنة خيرٌ من مشركة وإن أعجبتك. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ المشركين﴾ بضم التاء هنا لأنه من الرباعي (أنكح) وهو يتعدى إلى مفعولين الأول (المشركين) والثاني محذوف وهو (المؤمنات) أي ولا تزوجوا المشركين المؤمنات. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات﴾ فهو من الثلاثي (نكح) أي لا تتزوجوا المشركات وهو يتعدى إلى مفعول واحد فقط. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: المراد بالنكاح هنا العقد بالإجماع أي لا تتزوجوا بالمشركات. قال الكرخي: المراد بالنكاح العقد لا الوطء حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطء أصلاً، لأن القرآن يكني وهذا من لطيف ألفاظه. قال ابن جني: «سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة فقال: فرّقت

стр. 264

العرب في الاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً: أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا غير المجامعة، لأنه إذا ذكر امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة» . اللطيفة الثانية: في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ إشارة لطيفة إلى أن الذي ينبغي أن يراعي في الزواج (الخلق والدين) لا الجمال والحسب، والمال، كما قال ﵊ ُ: «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنُهنّ أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهنّ على الدين ولأَمةٌ سوداء خرقاء ذات دين أفضل» . اللطيفة الثالثة: من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، ولذلك قدمت في غير هذه الآية ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وإنما قدمت الجنة هنا لرعاية مقابلة النار لتكمل وتظهر المقابلة ﴿أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة بِإِذْنِهِ﴾ . اللطيفة الرابعة: في الآية الكريمة من المحسنّات البديعة ما يسمى ب (المقابلة) فقد جاء بلفظ (أمة) ويقابلها (العبد) وبلفظ (مؤمنة) ويقابلها (المشركة) وبلفظ (الجنة) ويقابلها (النار) فهي مقابلة لطيفة بديعة تزيد الكلام رونقاً وجمالاً، والفرق بين (المقابلة) و (الطباق) أن المقابلة تكون بين معنيين أو أكثر متوافقة، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، أما الطباق فيكون بين لفظين مثل (الأول والآخر) ومثل (أضحك وأبكى) .

стр. 265

الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يحرم نكاح الكتابيات؟ دل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ على حرمة نكاح المجوسيات والوثنيات. وأما الكتابيات فيجوز نكاحهن لقوله تعالى في سورة المائدة [٥] : ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب. .﴾ الآية أي العفيفات من أهل الكتاب، وهذا قول جمهور العلماء، وبه قال الأئمة الأربعة. وذهب ابن عمر ﵄ إلى تحريم نكاح الكتابيات، وكان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: «حرّم الله تعالى المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن يقول المرأة: ربّها عيسى، أو عبدٌ من عباد الله تعالى» . وإلى هذا ذهب الإمامية، وبعض الزيدية وجعلوا آية المائدة منسوخة بهذه الآية نخس الخاص بالعام. حجة الجمهور: أ - احتج الجمهور بأن لفظ (المشركات) لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلَا المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥] وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] قد عطف المشركين على أهل الكتاب، والعطفُ يقتضي المغايرة، فظاهر لفظ (المشركات) لا يتناول الكتابيات.

стр. 266

ب - واستدلوا بما روي عن السلف من إباحة الزواج بالكتابيات، فقد قال قتادة في تفسير الآية إن المراد بالمشركات (مشركات العرب) اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه. وعن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزوج اليهودية والنصرانية فقال: لا بأس به، فقلت: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات﴾ ؟ فقال: إنما تلك المجوسيات وأهل الأوثان. ج - وقالوا: لا يجوز أن تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة، والمائدة من آخر ما نزل، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم لا العكس. د - واستدلوا بما روي أن حذيفة تزوج يهودية، فكتب إليه عمر خلّ سبيلها، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. فدل على أن عمر فعل هذا من باب الحيطة والحذر، لا أنه حرم نكاح الكتابيات. هـ - واستدلوا بالحديث الذي رواه عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله ﷺ َ أنه قال في المجوس: «سنوا بهم سنّة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» . فلو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لم يكن لذكره فائدة. قال الطبري بعد سرده للأقوال: «وأولى الأقوال بتأويل الآية ام قاله (قتادة) من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات﴾ من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عام ظاهرها، خاص باطنها،

стр. 267

لم يُنسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أن الله تعالى أحل بقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] للمؤمنين من نكاح محصناتهن مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات، وقد روي عن عمر أنه قال: (المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة) وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة نكاح اليهودية والنصرانية، حذراً من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني فأمرهما بتخليتهما» . أقول: رحم الله عمر فقد كان ينظر إلى مصالح المسلمين، ويسوسهم بالنظر والمصلحة، وما أحوجنا إلى مثل هذه السياسة الحكيمة!! الحكم الثاني: من هم المشركون الذين يحرم تزويجهم؟ دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ على حرمة تزويج المشرك بالمسلمة، والمراد بالمشرك هنا كل كافر لا يدين بدين الإسلام، فيشمل الوثني، والمجوسي، واليهودي، والنصراني، والمرتد عن الإسلام فكل هؤلاء يحرم تزويجهم بالمسلمة، والعلة في ذلك أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. فللمسلم أن يتزوج باليهودية أو النصرانية وليس لليهودي أو النصراني أن يتزوج بالمسلمة، وقد بيَّن الباري جل وعلا السبب بقوله: ﴿أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ أي يدعون إلى الكفر الذي هو سبب دخول نار جهنم، فالرجل له سلطة وولاية على المرأة، فربما أجبرها على ترك دينها وحملها على أن تكفر بالإسلام، والأولاد يتبعون الأب فإذا كان الأب نصرانياً أو يهودياً. ربّاهم على اليهودية أو النصرانية فيصير الولد من أهل النار. ومن ناحية أخرى فإن المسلم يعظّم موسى وعيسى ﵉. ويؤمن برسالتهما ويعتقد بالتوارة والإنجيل التي أنزلها الله ولا يحمله إيمانه

стр. 268

على إيذاء زوجته (اليهودية) أو (النصرانية) مثلاً بسبب العقيدة، لأنه يلتقي معها على الإيمان بالله، وتعظيم رسله، فلا يكون اختلاف الدين سبباً للأذى أو الاعتداء، بخلاف غير المسلم الذي لا يؤمن بالقرآن ولا برسالة نبينا محمد ﵊ ُ، فإن عدم إيمانه يدعوه إلى إيذاء المسلمة والاستخفاف بدينها. سألني طالب غير مسلم كان قد حضر عندي درس الدين في مدينة حلب: لماذا يتزوج المسلم بالنصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة؟ يقصد التعريض والغمز بالمسلمين بأنهم متعصبون، فقلت له: نحن المسلمين نؤمن بنبيكم (عيسى) وكتابكم (الإنجيل) فإذا آمنتم بنبينا وكتابنا نزوجكم من بناتنا. . فمن منا المتعصب؟ فبهت الذي كفر. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - حرمة الزواج بالمشركة الوثنية التي ليس لها كتاب سماوي. ثانياً - حرمة تزويج الكفار (وثنيين أو أهل كتاب) من النساء المسلمات. ثالثاً - إباحة الزواج من الكتابية (اليهودية أو النصرانية) إذا لم يخش الضرر على الأولاد. رابعاً - التفاوت بين الناس بالعمل الصالح، فالأَمَةُ المؤمنة أفضل من الحرة المشركة. خامساً - المشرك يجهد نفسه لحمل المؤمنة على الكفر بالله فلا يليق أن يقترن بها.

стр. 269

[١٤] اعتزال النساء في الحيض التحليل اللفظي ﴿المحيض﴾ : مصدر ميمي بمعنى الحيض، كالمعيش بمعنى العيش، قال رؤبة: إليك أشكو شدة المعيش ... ومُرّ أعوام نتفن ريشي أي أشكو شدة العيش، ويطلق المحيض على الزمان والمكان ويطلق على الحيض مجازاً، أفاده القرطبي. وأصل الحيض: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة أي سالت.

стр. 270

قال الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل. ويقال للمرأة: حائض، وحائضة كذا قال الفراء وأنشد: كحائضةٍ يُزْنى بها غير طاهر ... ﴿أَذًى﴾ : قال عطاء: أذى: أي قذر، والأذى في اللغة ما يكره من كل شيء ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . قال في «المصباح» : أذى الشي أذى من باب تعب بمعنى قذر، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي مستقذر. وقال الطبري: وسمي الحيض أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته. ﴿فاعتزلوا﴾ : الاعتزال التنحي عن الشيء والاجتناب له، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [مريم: ٤٨] والمرادُ باعتزال النساء اجتناب مجامعتهن، لا ترك المجالسة أو الملامسة فإن ذلك جائز. ﴿يَطْهُرْنَ﴾ : بالتخفيف أي ينقطع عنهم دم الحيض، وبالتشديد (يَطّهَرْن) بمعنى يغتسلن. ﴿حَرْثٌ﴾ : قال الراغب: الحرث إلقاء البذر في الأرض وتهيؤها للزرع، ويسمى المحروث حرثاً قال تعالى: ﴿أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] . وقال الجوهري: الحرث: الزرع، والحارث الزارع، ومعنى (حرثٌ) أي مزرع ومنبت للولد، والآية على حذف مضاف أي موضع حرثكم، أو على سبيل التشبيه ففرج المرأة كالأرض،

стр. 271

والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، فالحرث بمعنى المحترث، سمي موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة. ﴿أنى شِئْتُمْ﴾ : أي كيف شئتم أو على أي وجهٍ شئتم مقبلة، أو مدبرة، أو قائمة، أو مضجعة بعد أن يكون المأتي في موضع الحرث. قال الطبري: وقال ابن عباس: (فاتوا حرثكم أنَّى شئتم) أي ائتها أنَّى شئت مقبلة ومدبرة، ما لم تأتها في الدبر والمحيض. وعن عكرمة: يأتيها كيف شاء، ما لم يعمل عمل قوم لوط. ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ : أي قدموا الخير والصالح من الأعمال، لتكون زاداً لكم إلى الآخرة. ﴿واتقوا الله﴾ : أي خافوا عذابه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ : بالثواب والكرامة والفوز بالدرجات العلى في دار النعيم. المعنى الإجمالي يسألونك - يا محمد - عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟ قل لهم: إن دم الحيض دم مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى لكم ولهن، فاجتنبوا معاشرة النساء، ونكاحهن في حالة الحيض، ولا تقربوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطْهُرن، فإذا تطهّرْن بالماء فاغتسلن، فأتوهن من حيث أمركم الله، في المكان الذي أحلّه لكم وهو (القُبُل مكان النسل والولد، ولا تأتوهنّ في المكان المحرم (الدبر) فإن الله يحب عبده التائب المتنزه عن الفواحش والأقذار.

стр. 272

ثم أكد تعالى النهي عن إتيان النساء في غير المحل المعهود الذي أباحه للرجال فقال ما معناه: نساؤكم - أيها الناس - مكان زرعكم وموضع نسلكم، وفي أرحامهن يتكوّن الجنين والولد، فأتوا نساءكم كيف شئتم ومن أي وجهٍ أحببتم بعد أن يكون في موضع النسل والذرية، قال ابن عباس: (اسق نباتك من حيث ينبت) وقدموا - أيها الناس المؤمنون - لأنفسكم صالح الأعمال وراقبوا الله وخافوه في تصرفاتكم، واخشوا يوماً تلقون فيه ربكم فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته وبشر المؤمنين بالكرامة والسيادة والنعيم المقيم في دار الكرامة. سبب النزول أولاً: عن أنس ﵁ قال: «» كانت اليهود إذا حاضت امرأة منهن لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل النبي ﷺ َ عن ذلك فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض﴾ فأمرهم النبي ﷺ َ أن يؤاكلوهن ويشاربوهن وأن يكونوا معهن في البيوت، وأن يفعلوا كل شيء إلا النكاح، فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء (عبّاد بن بشر) و (أُسَيْد بن خصير) إلى رسول الله ﷺ َ فأخبراه بذلك وقالا يا رسول الله: أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعّر وجه رسول الله ﷺ َ حتى ظنّنا أنه غضب عليهما، فاستقبلتهما هدية من لبن فأرسل لهما رسول الله ﷺ َ فسقاهما فعلما أنه لم يغضب «. ثانياً: وعن جابر ﵁ قال:» كانت اليهود تقول: من أتى

стр. 273

امرأته في قُبُلها من دُبُرها كان الولد أحول، فنزلت ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ . وجوه القراءات قرأ الجمهور ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي (يَطّهّرْن) بتشديد الهاء والطاء وفتحهما، ورجّح الطبراني قراءة تشديد الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن. قال الفخر: «فمن خفّف فهو زوال الدم من طهرت المرأة من حيضها إذا انقطع الحيض، والمعنى: لا تقربوهنّ حتى يزول عنهن الدم، ومن قرأ بالتشديد فهو على معنى يتطهّرن» . وجوه الإعراب قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ مبتدأ أو خبر، وقوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ كلمة (أنّى) تأتي في اللغة العربية بمعنى (من أين) ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧] ؟ أي من أين، وتأتي بمعنى (متى) و (كيف) تقول: سافر أنّى شئت، واجلس أنّى أردت أي سافر متى شئت، واجلس كيف أردت، والمعنى المراد في الآية (كيف) أي أتوا حرثكم كيف شئتم قائمة أو قاعدة أو مضجعة ولا يجوز أن يكون المراد (من أين شئتم) كما فهم بعض الجهال فأباحوا إتيان المرأة في دبرها.

стр. 274

قال القرطبي: «أنّى شئتم» معناه عند الجمهور من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة و (أنّى) تجيء سؤالاً وإخباراً عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من (كيف) ومن (أين) ومن (متى) هذا هو الاستعمال العربي في أنّى. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: كان اليهود يبالغون في التباعد عن المرأة حالة الحيض، فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يساكنونها في بيت واحد، ويعتبرونها كأنها داءٌ أو رجس وقذر، وكان النصارى يفرطون في التساهل فيجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فجاء الإسلام بالحدّ الوسط (افعلوا كلّ شيء إلا النكاح) وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء حيث أمر المسلمين بالاقتصاد بين الأمرين. اللطيفة الثانية: لفظ (المحيض) قد يكون اسماً للحيض نفسه، وقد يكون اسماً لموضع الحيض كالمبيت والمقيل موضع البيتوتة وموضع القيلولة، ولكن في الآية الكريمة ما يشير إلى أن المراد بالمحيض هو (الحيض) لأن الجواب ورد بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. أفاده العلامة الجصاص. اللطيفة الثالثة: قال ابن العربي: «سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل: لا تَقْرَب (بفتح الراء كان معناه: لا تَلْبَس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تدن منه» فلما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ

стр. 275

حتى يَطْهُرْنَ﴾ دلّ على أن المراد النهي عن ملابسة الفعل وهو إتيانهن في حالة الحيض. اللطيفة الرابعة: روى الطبري عن مجاهد أنه قال: «عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات، من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عباس: إن هذا الحيّ من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذّذون بهن مقبلات ومدبرات، فلمّا قدموا المدينة تزوجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ َ فأنزل الله تعالى ذكره ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركه، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث» . اللطيفة الخامسة: شبّه الله المرأة بالحرث، أي أنها مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات، وهذا التشبيه يبيّن أن الإباحة لا تكون إلا في الفرج خاصة، إذ هو مزرع الولد، وقد أنشد ثعلب. إنما الأرحام أرضو ... ن لنا محترثات فعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات فجعل رحم المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج.

стр. 276

الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما الذي يجب اعتزاله من المرأة حالة الحيض؟ اختلف أهل العلم فيما يجب اعتزاله من المرأة في حالة الحيض على أقوال: أ - الذي يجب اعتزاله جميع بدن المرأة، وهو مروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني. ب - الذي يجب اعتزاله ما بين السرة إلى الركبة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ج - الذي يجب اعتزاله موضع الأذى وهو الفرج فقط، وهذا مذهب الشافعي. حجة المذهب الأول: أن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصص من ذلك شيئاً دون شيء، فوجب اعتزال جميع بدن المرأة لعموم الآية ﴿فاعتزلوا النسآء فِي المحيض﴾ . قال القرطبي: «وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافة» . ب - حجة المذهب الثاني: واحتج أبو حنيفة ومالك بما روي عن عائشة قالت: «كنتُ أغتسل أغتسل أنا والنبي ﷺ َ من إناء واحد كلانا جنبٌ، وكان يأمرني فأتّزر فيباشرني وأنا حائض» وما روي عن عن ميمونة أنها قالت:

стр. 277

«كان رسول الله ﷺ َ يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيّض» ج - حجة المذهب الثالث: واحتج الإمام الشافعي بقوله ﷺ َ «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» وما روي عن مسروق قال: (سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كلّ شيء إلاّ الجماع) . وفي رواية أخرى: (إن مسروقاً ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته، فقالت عائشة: أبو عائشة مرحباً فأذنوا له، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا استحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: له كل شيء إلا فرجها) . الترجيح: ومن استعراض الأدلة يترجح لدينا المذهب الثاني، وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري حيث قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتزر ودونه» . والعلة أن السماح بالمباشرة فيما بين السرة إلى الركبة قد تؤدي إلى المحظور، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالاحتياط أن نبعده عن منطقة الحظر وقد قالت عائشة ﵂ بعد أن روت حديث المباشرة: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ َ يملك إربه؟ ومن جهةٍ أخرى إذا اجتمع حديثان أحدهما فيه الإباحة والثاني فيه الحظر، قدّم ما فيه الحظر، كما قال علماء الأصول والله أعلم. الحكم الثاني: ما هي كفارة من أتى امرأة وهي حائض؟ أجمع العلماء على حرمة إتيان المرأة في حالة الحيض، واختلفوا فيمن

стр. 278

فعل ذلك ماذا يجب عليه؟ فقال الجمهور: (مالك والشافعي وأبو حنيفة) : يستغفر الله ولا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار. وقال أحمد: يتصدق بدينار أو نصف دينار، لحديث ابن عباس «عن النبي ﷺ َ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار» . وقال بعض أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاعه فنصف دينار. قال القرطبي: «حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة» . الحكم الثالث: ما هي مدة الحيض، وما هو أقله وأكثره؟ اختلف الفقهاء في مدة الحيض، ومقدار أقله وأكثره على أقوال: الأول: قال أبو حنيفة والثوري: أٌله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. الثاني: وقال الشافعي وأحمد: أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشرة يوماً. الثالث: وقال مالك في المشهور عنه: لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره والعبرة بعادة النساء. حجة أبو حنيفة: حديث أبي أمامة (أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام) قال الجصاص: «فإن صحّ هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد» . واحتج الشافعي بحديث: «تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي) والشطر

стр. 279

في اللغة النصف، فهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوماً. أقول: ليس في الآية ما يدل على أقل مدة الحيض ولا أكثره، وإنما هو أمر اجتهادي يرجع فيه إلى كتب الفروع، وتعرف الأدلة من الأخبار والآثار فارجع إليها هناك والله يتولاك. الحكم الرابع: متى يحل قربان المرأة؟ دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ على أنه لا يحل للرجل قربان المرأة في حالة الحيض حتى تطهر، وقد اختلف الفقهاء في الطهر ما هو؟ أ - فذهب أبو حنيفة: إلى أن المراد بالطهر انقطاع الدم، فإذا انقطع دم الحيض جاز للرجل أن يطأها قبل الغسل، إلاّ أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو (عشرة أيام) جاز وطؤها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة. ب - وذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الطهر الذي يحل به الجماع، هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، وأنها لا تحل حتى ينقطع الحيض وتغتسل بالماء. ج - وذهب طاووس ومجاهد إلى أنه يكفي في حلّها أن تغسل فرجها وتتوضأ للصلاة. وسبب الخلاف: أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ الأولى بالتخفيف، والثانية بالتشديد، وكلمة (طَهُر) يستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض، وأمّا (تطهّر) فيستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله وهو الاغتسال بالماء. فحمل أبو حنيفة: (حتى يَطْهُرن) على انقطاع دم الحيض، وقوله:

стр. 280

﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ على معنى فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل المشدّد بمعنى المخفّف. وقال الجمهور معنى الآية:» ولا تقربوهنّ حتّى يغتسلن، فإذا اغتسلن فأتوهن «فاستعملوا المخفّف بمعنى المشدّد، واستدلوا بقراءة حمزة والكسائي (حتّى يطهّرَن) بالتشديد في الموضعين. وقالوا: مما يدلّ على صحة قولنا أن الله علّق الحكم فيها على شرطين: أحدهما: انقطاع الدم وهو قوله تعالى: (حتى يطهُرْن) أي ينقطع عنهن الدم. والثاني: الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: (فإذا تطهّرن) أي اغتسلن. فصار المجموع هو الغاية، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] فعلّق الحكم وهو جاز دفع الماء على شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، فلا بدّ من توفرهما معاً. الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح لأن الله تعالى قد علّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ وظاهر اللفظ يدل على أن المراد به الطهارة الحسية وهي الاغتسال بالماء. وهذا الذي رجحناه هو اختيار شيخ المفسّرين الطبري، والعلاّمة ابن العربي والشوكاني والله تعالى أعلم. الحكم الخامس: ماذا يحرم على المرأة الحيض؟ اتفق العلماء على أن المرأة الحائض يحمر عليها الصلاة، والصيام، والطواف،

стр. 281

ودخول المسجد، ومسّ المصحف، وقراءة القرآن، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تطهر، وهذه الأحكام تعرف بالتفصيل من كتب الفقه، والأدلة عليها معروفة وهناك أحكام أخرى ضربنا صفحاً عنها لأنها لا تستنبط ن الآية والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - وجوب اعتزال المرأة في حالة المحيض حتى تطه من حيضها. ٢ - إباحة إتيان المرأة بعد انقطاع الدم والاغتسال بالماء. ٣ - حرمة إتيان المرأة في الدبر لأنه ليس مكاناً للحرث. ٤ - جواز الاستمتاع بشتى الصور بعد أن يكون في محل نبات الولد. ٥ - التحذير من مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى عنه تعالى وحذّر. خاتمة البحث: حكمة التشريع جعل الله ﵎ مكاناً لنسل الرجل، وأحلّ له إتيانها في جميع الأوقات إلا في بعض حالات تكون فيها المرأة متلبّسة بالعبادة كحالة الإحرام، والاعتكاف، والصيام، أو في حالة الطمث (الحيض) ، وهي حالة تشبه المرض الحسيّ، لأنها حالة إلقاء (البويضة الأنثوية) التي لم تلقّح من رحم المرأة، وغالباً ما تصحبها الآلام وتكون المرأة غير مستعدة نفسياً لهذه المباشرة الجنسية، التي يقصد بها استمتاع كلٍ من الزوجين بالآخر.

стр. 282

ودم الحيض له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء، وذلك لأأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة، وهو دم فاسد، أسود، ثخين، محتدم شديد الحمرة - كما يعرّفه الفقهاء - ورؤية الدم تنفر الطبع، وتشمئز منها النفس، فكيف إذا اجتمعت معه هذه الأوصاف الخبيثة؟ ﴿فإتيان المرأة في مثل هذه الحالة، فيه ضرر عظيم يلحق بالمرأة، كما أن فيه ضررا على الرجل أيضاً، عبّر عنه القرآن الكريم الدقيق ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وأيّ تعبير أبلغ من هذا التعبير المعجز؟﴾ وقد أثبت (الطب الحديث) الضرر الفادح الذي يلحق بالمرأة من جراء معاشرتها وإتيانهاه في حالة الطمث، فكثيراً ما يختلط المني المقذوف من الرجل بهذه الدماء، ويتولد عن ذلك إلتهابات في عنق الرحم، أو في الرحم نفسه، أو يتعرض الجنين إلى التشوه إن قدّر هناك حمل، كما أن الرجل يتعرض لبعض الأضرار الجسمية، ولهذا ينصح الأطباء بالابتعاد عن المرأة في حالة (العادة الشهرية) حتى تطهر من طمثها، وفي ذلك أكبر برهان على حكمة الشريعة الغراء.

стр. 283

[١٥] النهي عن كثرة الحلف التحليل اللفظي ﴿عُرْضَةً﴾ : بضم العين أي مانعاً، وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو (عُرْضة) ولهذا يقال للسحاب: عارضٌ، لأنه يمنع رؤية السماء والشمس، واعترض فلانٌ فلاناً أي منعه من

стр. 284

فعل ما يريد. والمعنى: لا تجعلوا الحلف بالله سبباً مانعاً لكم من البر والتقوى، إذا دعي أحدكم لبرٍ أو إصلاح يقول: قد حلفت أن لا أفعله فيتعلّل باليمين. قال الرازي: المراد النهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر من ذكر شيء فقد جعله عُرْضة له، يقول الرجل: قد جعلتني عُرْضة للومك، وقال الشاعر: فلا تجعلني عُرْضة للَّوائم ... قال الجصاص: المعنى لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء حقاً كان أو باطلاً، فالله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى، وكذلك لا تجعلوا اليمين بالله عرضة مانعة من البر والتقوى والإصلاح. ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو﴾ : قال الراغب: اللغو في الكلام ما لا يُعتد به، وهو الذي يُورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى (لّلغاً) وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور، وأنشد أبو عبيدة: عن الّلغا ورفث التكلم ... قال الإمام الفخر: «اللغو، الساقط الذي لا يعتد به، سواء

стр. 285

كان كلاماً أو غيره، ولغو الطائر: تصويته، ويقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل: لغو» . ﴿يُؤْلُونَ﴾ : أي يحلفون، والمصدر (إيلاء) والاسم منه (أليّة) والأليّة، والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، قال الشاعر: فآليتُ لا أنفكّ أحْدو قصيدةً ... تكون وإيّاها بها مثلاً بعدي هذا هو المعنى اللغوي، وأما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك وطء الزوجة. ﴿تَرَبُّصُ﴾ : التربص في اللغة الانتظار ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المتربصين﴾ [الطور: ٣١] أي انتظروا فأنا من المنتظرين معكم قال الشاعر: تربّصْ بها ريب المنون لعلّها ... تُطلّقُ يوماً أويموت حليلها وإضافة التربص إلى الأشهر من إضافة المصدر إلى الظرف. ﴿فَآءُو﴾ : أي رجعوا ومنه قوله تعالى: ﴿حتى تفياء إلى أَمْرِ﴾ [الحجرات: ٩] أي ترجع، ومنه قيل للظل بعد الزوال (فيء) لأنه رجع بعد أن تقلص. قال الفراء: العرب تقول: فلان سريع الفيء والفيئة أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة. قال الشاعر: ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضياً ومعنى الآية: فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك معاشرة نسائهم فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين على الظلم.
следующие страницы →