← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ودخول المسجد، ومسّ المصحف، وقراءة القرآن، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تطهر، وهذه الأحكام تعرف بالتفصيل من كتب الفقه، والأدلة عليها معروفة وهناك أحكام أخرى ضربنا صفحاً عنها لأنها لا تستنبط ن الآية والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - وجوب اعتزال المرأة في حالة المحيض حتى تطه من حيضها. ٢ - إباحة إتيان المرأة بعد انقطاع الدم والاغتسال بالماء. ٣ - حرمة إتيان المرأة في الدبر لأنه ليس مكاناً للحرث. ٤ - جواز الاستمتاع بشتى الصور بعد أن يكون في محل نبات الولد. ٥ - التحذير من مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى عنه تعالى وحذّر. خاتمة البحث: حكمة التشريع جعل الله ﵎ مكاناً لنسل الرجل، وأحلّ له إتيانها في جميع الأوقات إلا في بعض حالات تكون فيها المرأة متلبّسة بالعبادة كحالة الإحرام، والاعتكاف، والصيام، أو في حالة الطمث (الحيض) ، وهي حالة تشبه المرض الحسيّ، لأنها حالة إلقاء (البويضة الأنثوية) التي لم تلقّح من رحم المرأة، وغالباً ما تصحبها الآلام وتكون المرأة غير مستعدة نفسياً لهذه المباشرة الجنسية، التي يقصد بها استمتاع كلٍ من الزوجين بالآخر.

стр. 282

ودم الحيض له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء، وذلك لأأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة، وهو دم فاسد، أسود، ثخين، محتدم شديد الحمرة - كما يعرّفه الفقهاء - ورؤية الدم تنفر الطبع، وتشمئز منها النفس، فكيف إذا اجتمعت معه هذه الأوصاف الخبيثة؟ ﴿فإتيان المرأة في مثل هذه الحالة، فيه ضرر عظيم يلحق بالمرأة، كما أن فيه ضررا على الرجل أيضاً، عبّر عنه القرآن الكريم الدقيق ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وأيّ تعبير أبلغ من هذا التعبير المعجز؟﴾ وقد أثبت (الطب الحديث) الضرر الفادح الذي يلحق بالمرأة من جراء معاشرتها وإتيانهاه في حالة الطمث، فكثيراً ما يختلط المني المقذوف من الرجل بهذه الدماء، ويتولد عن ذلك إلتهابات في عنق الرحم، أو في الرحم نفسه، أو يتعرض الجنين إلى التشوه إن قدّر هناك حمل، كما أن الرجل يتعرض لبعض الأضرار الجسمية، ولهذا ينصح الأطباء بالابتعاد عن المرأة في حالة (العادة الشهرية) حتى تطهر من طمثها، وفي ذلك أكبر برهان على حكمة الشريعة الغراء.

стр. 283

[١٥] النهي عن كثرة الحلف التحليل اللفظي ﴿عُرْضَةً﴾ : بضم العين أي مانعاً، وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو (عُرْضة) ولهذا يقال للسحاب: عارضٌ، لأنه يمنع رؤية السماء والشمس، واعترض فلانٌ فلاناً أي منعه من

стр. 284

فعل ما يريد. والمعنى: لا تجعلوا الحلف بالله سبباً مانعاً لكم من البر والتقوى، إذا دعي أحدكم لبرٍ أو إصلاح يقول: قد حلفت أن لا أفعله فيتعلّل باليمين. قال الرازي: المراد النهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر من ذكر شيء فقد جعله عُرْضة له، يقول الرجل: قد جعلتني عُرْضة للومك، وقال الشاعر: فلا تجعلني عُرْضة للَّوائم ... قال الجصاص: المعنى لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء حقاً كان أو باطلاً، فالله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى، وكذلك لا تجعلوا اليمين بالله عرضة مانعة من البر والتقوى والإصلاح. ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو﴾ : قال الراغب: اللغو في الكلام ما لا يُعتد به، وهو الذي يُورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى (لّلغاً) وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور، وأنشد أبو عبيدة: عن الّلغا ورفث التكلم ... قال الإمام الفخر: «اللغو، الساقط الذي لا يعتد به، سواء

стр. 285

كان كلاماً أو غيره، ولغو الطائر: تصويته، ويقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل: لغو» . ﴿يُؤْلُونَ﴾ : أي يحلفون، والمصدر (إيلاء) والاسم منه (أليّة) والأليّة، والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، قال الشاعر: فآليتُ لا أنفكّ أحْدو قصيدةً ... تكون وإيّاها بها مثلاً بعدي هذا هو المعنى اللغوي، وأما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك وطء الزوجة. ﴿تَرَبُّصُ﴾ : التربص في اللغة الانتظار ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المتربصين﴾ [الطور: ٣١] أي انتظروا فأنا من المنتظرين معكم قال الشاعر: تربّصْ بها ريب المنون لعلّها ... تُطلّقُ يوماً أويموت حليلها وإضافة التربص إلى الأشهر من إضافة المصدر إلى الظرف. ﴿فَآءُو﴾ : أي رجعوا ومنه قوله تعالى: ﴿حتى تفياء إلى أَمْرِ﴾ [الحجرات: ٩] أي ترجع، ومنه قيل للظل بعد الزوال (فيء) لأنه رجع بعد أن تقلص. قال الفراء: العرب تقول: فلان سريع الفيء والفيئة أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة. قال الشاعر: ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضياً ومعنى الآية: فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك معاشرة نسائهم فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين على الظلم.

стр. 286

المعنى الإجمالي لا تجعلوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير، فإذا سئل أحدكم عن أمرٍ فيه برٌّ، وإصلاح، قال: قد حلفت بالله ألاّ أفعله، وأريد أن أبرّ بيميني، فلا تتعللوا باليمين بل افعلوا الخير وكفّروا عن أيمانكم، ولا تكثروا الحلف فتجعلوا الله هدفاً لأيمانكم تبتذلون اسمه المعظم في أمور دنياكم، فإن الحلاّف مجترئ على ربه فلا يكون براً ولا تقياً. لا يؤاخذكم الله بما يجري على ألسنتكم من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف، ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب عليه من الأيمان، والله واسع المغفرة، حليم لا يعاجل عباده بالعقوبة. للذين يحلفون منكم على اعتزال نسائهم، ويقسمون على ألاّ يقربوهن للإضرار بهن، على نسوة هؤلاء الحالفين انتظار مدة أقصاها أربعة أشهر، فإن رجعوا إلى عشرة أزواجهن بالمعروف كما أمر الله، فالله يغفر لهم ما صدر منهم من إساءة، وإن صمّموا على الإيلاء من الأزواج، فقد وقعت الفرقة والطلاق بمقضي تلك المدة، والله سميع لأقوالكم، عليم بنواياكم وأعمالكم. سبب النزول روي أنها نزلت في (عبد الله بن رواحة) كان بينه وبين ختنه (بشير بن النعمان) شيء فحلف عبد الله لا يدخل عليه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصم له، فكان إذا قيل له فيه يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي أن لا أبر بيميني، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ .

стр. 287

لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذمّ الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وكان العرب يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف كما قال كثير: قليلُ الألايا حافظٌ ليمينه ... وإن سبقتْ منه الأليّةُ برّت قال الإمام الفخر: «والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان، أنّ من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يُؤمنُ إقدامه على اليمين الكاذبة، ومن كمال التعظيم لله أن يكون ذكر الله أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية» . اللطيفة الثانية: ذكر الله العلة في هذا النهي بقوله: ﴿أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي إرادة أن تبروا وتتقوا، فإن قيل: كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى؟ فالجواب: أن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا، والخسائس من أمور الحياة، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر والتقوى. اللطيفة الثالثة: قال الإمام الجصاص: «قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع من كتابه العزيز، فكان المراد به معاني مختلفة على حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى: ﴿لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] يعني كلمة فاحشة قبيحة وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً﴾ [الواقعة: ٢٥] على هذا المعنى، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] يعني الكفر والكلام القبيح، وقال ﴿والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] يعني الكلام

стр. 288

الذي لا يفيد شيئاً، وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: ٧٢] يعني الباطل، ويقال: لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه» . اللطيفة الرابعة: الحكمة في تحديد مدة الإيلاء بأربعة أشهر، هي أن التأديب بالهجر ينبغي ألا يتجاوز هذه المدة، فالمرأة ينفد صبرها عن غياب بعلها هذه المدة، ولا تستطيع أن تصبر أكثر منها. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد هذه الأبيات: تطاول هذه الليلُ واسودّ جانبُه ... وأرّقني ألاّ حبيب ألاعبُه فوا اللهِ لولا الله لا شيء غيرهُ ... لزُعْزع من هذا السرير جوانبُه مخافة ربي والحياءُ يكفّّني ... وإكرام بعلي أن تُنال مراكبُه فلما كان من الغد سأل عن المرأة أين زوجها؟ فقالوا يا أمير المؤمنين: بعثت به إلى العراق، فاستدعى نساءً فسألهن عن المرأة كم تصبر عن زوجها؟ فقلن شهراً، وشهرين، ويقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت المدة استردّ الغازين ووجّه بقومٍ آخرين. قال القرطبي: «هذا يقوّي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر والله أعلم» . اللطيفة الخامسة: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقاً، قال سعيد بن المسيب: «كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف ألا يقربها فكان يتركها لا أيّما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة،

стр. 289

فأزال الله تعالى ذلك الظلم، وأمهل الزوج مدة حتى يتروّى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها» . الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد باليمين اللغو، وهل فيه كفارة؟ دل قوله تعالى: ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ على أن اليمين اللغو لا إثم فيه ولا كفارة، وقد اختلف الفقهاء في تعريف هذه اليمين على أقوال: أ - قال الشافعي وأحمد: اللغو في اليمين هو: ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف، كقول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله دون قصد لليمين، وهذا التأويل منقول عن بعض السلف كعائشة، والشعبي، وعكرمة. ب - وقال أبو حنيفة ومالك: اللغو في اليمين هو: أن يحلف على شيء يظنه كما يعتقد فيكون بخلافه، وهذا التأويل منقول عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. قال مالك ﵀ في «الموطأ» : «أحسنُ ما سمعت في هذه أنّ اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد الأمر بخلافه فلا كفارة فيه» . وفي البخاري: عن عائشة ﵂ قالت: «نزل قوله تعالى: ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله، وبلى والله» .

стр. 290

والصحيح أن اللغو: يشمل النوعين وهو اختيار ابن جرير الطبري فقد قال ﵀: «واللغو في كلام العرب: كلّ كلام كان مذموماً، وفعلٍ لا معنى له مهجوراً، فإذا كان اللغو ما وصفتُ، وكان الحالف بالله ما فعلت كذا وقد فعل، ولقد فعلت كذا وما فعل، على سبيل سبق لسانه، والقائل: والله إن هذا لفلان وهو يراه كما قال، أو والله ما هذا فلان وهو يراه ليس به، والقائل: لا يفعل كذا والله على سبيل ما وصفنا من عجلة الكلام، وسبوق اللسان، على غير تعمد حلفٍ على باطل، جميعهم حالفون من الأيمان بألسنتهم ما لم تتعمد فيه الإثم قلوبُهم، كان معلوماً أنهم لغاةٌ في أيمانهم لا تلزمهم كفارة» . الحكم الثاني: ما هو الإيلاء، وما هو حكمه؟ تقدم معنا تعريف الإيلاء لغة، وأمّا شرعاً: فهو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، كأن يقول: والله لا أقربك، أو لا أجامعك، أو أمثال هذه الكلمات. قال ابن عباس: «كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت الله لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي» . واتفق العلماء على أنه لو هجرها مدة تزيد على أربعة أشهر لا يكون مؤلياً حتى يحلف لقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ أي يحلفون، وهجرانها ليس بيمين فلا يتعلق به وجوب الكفارة، ولا تطلق منه زوجته بالهجر. واختلفوا في المدة التي تَبِيْنُ فيها المرأة من زوجها، فقال ابن عباس: إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفئ بانت بتطليقة، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀.

стр. 291

وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تطلق بمضي المدة وإنما يؤمر الزوج بالفيئة (الرجوع عن يمينه) أو بالطلاق، فإذا امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه. حجة أبي حنيفة: أن الله تعالى حدّد المدة للفيء بأربعة أشهر، فإذا لم يرجع عن يمينه في هذه المدة فكأنه أراد طلاقها وعز عليها، والعزيمة في الحقيقة إنما هي عقد القلب على الشيء تقول: عزمت على كذا أي عقدت قلبي على فعله فهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق﴾ أي عقدوا عليه قلوبهم، ولم تشترط الآية أن يطلق بالفعل. حجة الجمهور: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق﴾ صريح في أنّ وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، فلا يكفي المدة بل لا بدّ بعدها من الفيء أو الطلاق. قال الشوكاني في تفسيره «فتح لقدير» : «واعلم أن أهل كل مذهب قد فسّروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لم يدّل عليه اللفظ، ومعناها ظاهر واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن يؤلي: أي يحلف من امرأته أربعة أشهر، ثم قال مخبراً عباده بحكم هذا (المؤلي) بعد هذه المدة (فإن فاءوا) أي رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي لا يؤخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق﴾ أي وقع العزم منهم عليه والقصد له ﴿فَإِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ لذلك منهم ﴿عَلِيمٌ﴾ به، فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة» . الحكم الثالث: هل يشترط في اليمين أن تكون للإضرار؟ قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب.

стр. 292

وقال مالك: لا يكون إيلاءً إلا إذا حلف عليها في حال غضب على وجه الإضرار. حجة مالك: ما روي عن (علي كرّم الله وجهه) أنه سئل عن رجلٍ حلف ألاّ يطأ امرأته حتى تفطم ولدها، ولم يرد الإضرار بها وإنما قصد مصلحة الولد فقال له: إنما أردتَ الخير، وإنما الإيلاء في الغضب. وما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا إيلاء إلاّ بغضب. حجة الجمهور: أن الآية عامة ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ فهي تشمل من حلف بقصد الإضرار، أو حلف بقصد المصلحة لولده، فالكل يشمله لفظ (الإيلاء) . قال الشعبي: كل يمين مَنعتْ جِماعاً حتى تمضي أربعة أشهر فهي إيلاء. وقد رجّح ابن جرير الطبري الرأي الأول (رأي الجمهور) فقال: «والصواب قول من قال:» كل يمين مَنعتْ الجماع أكثر من المدة التي جعل للمؤلي التربص بها قائلاً في غضب كان ذلك أو رضى فهو إيلاء «. الحكم الرابع: ما المراد بالفيء في الآية الكريمة؟ اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . فقال بعضهم: المراد بالفيء الجماع لا فيء غيره، فإذا لم يغشها وانقضت المدة بانت منه، وهو قول (سعيد بن جبير) و (الشعبي) . وقال آخرون: الفيء: الجماع لمن لا عذر له، فإن كان مريضاً أو مسافراً

стр. 293

أو مسجوناً فيكفي المراجعة باللسان أو القلب، وهذا مذهب جمهور العلماء. وقال آخرون: الفيء: المراجعة باللسان على كل حال فيكفي أن يقول: قد فئت إليها وهو قول النخعي. وأعدل الأقوال القول الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - عدم جواز الحلف على المنع من فعل البر والخير. ٢ - من حلف على يمين ورأى الخير في خلافها فليفعل الخير وليكفّر. ٣ - اليمين اللغو التي لا يقصد بها اليمين لا مؤاخذة عليها ولا كفارة فيها. ٤ - الإيلاء من الزوجة بقصد الإضرار يتنافى مع وجوب المعاشرة بالمعروف. ٥ - إذا لم يرجع الزوج عن يمينه في مدة أربعة شهور تطلق عليه زوجته. خاتمة البحث: حكمة التشريع أمرت الشريعة الغرّاء بالإحسان إلى الزوجة ومعاشرتها بالمعروف، وحرّمت إيذاءها والإضرار بها بشتى الصور والأشكال ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: ١٩] .

стр. 294

ولمّا كان الإيلاء من الزوجة، وهجرها في المضاجع مدة طويلة من الزمن، لا يقصد منه إلا الإساءة إلى الزوجة والإضرار بها، بحيث تصبح المرأة معلقة، ليست بذات زوج ولا مطلّقة، وكان هذا مما يتنافى مع وجوب المعاشرة بالمعروف ولا يتفق مع تعاليم الإسلام الرشيدة، لذلك فقد أمر الباري جل وعلا بإمهال هذا الزوج مدة من الزمن أقصاها أربعة شهور، فإن عاد إلى رشده فكفر عن يمينه، وأحسن معاملة زوجته فعاشرها بالمعروف، ودفع عنها الإساءة والظلم فهي زوجته، وإلاّ فقد طلقت منه بذلك الإصرار، وهذا من محاسن الشريعة الغراء، حيث دفعت عن كاهل المرأة الظلم ودعت إلى البر بها والإحسان، وجعلتها شريكة الرجل في الحياة السعيدة الكريمة.

стр. 295

[١٦] مشروعية الطلاق في الإسلام

стр. 296

التحليل اللفظي ﴿قرواء﴾ : جمع قُرء بالفتح والضم، ويطلق في كلام العرب على (الحيض) وعلى (الطهر) فهو من الأضداد. قال في «القاموس» : «والقَرْءُ بالفتح ويُضم: الحيض، والطهر والوقت، وأقرأت حاضت وطهرت، وجمع الطهر: قروء، وجمع الحيض: أقراء» . وأصل القرء: الاجتماع وسمي الحيض قرءاً لاجتماع الدم في الرحم. قال الأخفش: «أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت» ومن مجيء القرء بمعنى (الحيض) قوله ﷺ َ لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك» أي أيام حيضك، وقول الشاعر: له قروء كقروء الحائض ... ومن مجيئه بمعنى (الطهر) قول الأعشى: مورثة عزّاً وفي الحيّ رفعةً ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ : أي أزواجهن جمع بعل الزوج قال تعالى: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: ٧٢] والمرأة بعلة ويقال لها: بعل أيضاً أفاده صاحب «القاموس» . وأصل البعل: السيّد المالك، يقال: من بعد هذه الناقة؟ أي

стр. 297

من ربها؟ ومن سيّدها؟ والمعنى: أزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة التربص بالعدة. ﴿دَرَجَةٌ﴾ : الدرجة في اللغة المنزلة الرفيعة قال تعالى: ﴿هُمْ درجات عِندَ الله﴾ [آل عمران: ١٦٣] وسميت درجة تشبيها لها بالدرج الذي يرتقى به إلى السطح، ويقال لقارعة الطريق مدرجة لأنها تطوي منزلاً بعد منزل، وأصل (درج) بمعنى طوى يقال: درج القوم أي طَووا عمرهم وفنوا وفي الأمثال (هو أكذب من دبّ ودرج) أي أكذب الأحياء والأموات. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ : أي منيع السلطان غالبٌ لا يٌغلَب، حكيم في أحكامه وأفعاله. ﴿الطلاق﴾ : الطلاق حلّ عقدة النكاح، وأصله الانطلاق والتخلية، يقال: ناقة طالق أي مهملة قد تركت في المرعى بلا قيد ولا راعي، فسميت المرأة المخلّى سبيلها طالقاً لهذا المعنى. قال الراغب: أصل الطلاق التخليةُ من الوثاق يقال: أطلقتُ البعير من عقاله وطلّقته إذا تركته بلا قيد، ومنه استعير: طلّقتُ المرأة نحو خلّيتها فهي طالق أي مخلاّة عن حِبالَة النكاح، وطلّقه المريض أي خلاه قال الشاعر: تطلّقه طوراً وطوراً تراجع ... ﴿تَسْرِيحٌ﴾ : التسريح: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرّح الماشية: أرسلها لترعى السرح وهو شجر له ثمر، ثم جعل لكل إرسالٍ في الرعي.

стр. 298

قال الراغب: «والتسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعاراً من إطلاق الإبل» . ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ : أي قاربن إنهاء العدة، لأنه بعد انقضاء العدة لا سلطان للرجل عليها، والعرب تقول: بلغ البلد إذا شارف الوصول إليها. قال الشوكاني: «البلوغ إلى الشيء: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلاّ مجازاً لعلاقة مع القرينة كما هنا، لأن المرأة إذا خرجت من العدة لم يبق للزوج عليها سبيل» . ﴿ضِرَاراً﴾ : أي بقصد الإضرار، قال القفال: الضّرار هو المضارّة قال تعالى: ﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً﴾ [التوبة: ١٠٧] أي ليضارّوا المؤمنين ومعنى المضارة الرجوع إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ : العضل: المنع والتضييق، يقال: أعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل، وداء عُضال أي شديد عسير البرء أعيا الأطباء، وكل مشكلٍ عند العرب فهو معضل، ومنه قول الشافعي ﵁: إذا المعضلاتُ تصدَّيْنني ... كشفت حقائقها بالنظر قال الأزهري: «أصل العضل من قولهم: عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج» . والمعنى: فلا تمنعوهن من الزواج بمن أردن من الأزواج بعد انقضاء عدتهن.

стр. 299

﴿أزكى لَكُمْ﴾ : أي أنمى وأنفع يقال: زكا الزرع إذا نما بكثرة وبركة. ﴿وَأَطْهَرُ﴾ : من الطهارة وهي التنزه عن الدنس وعن الذنوب والمعاصي. المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: الأزواج المطلقات اللواتي طلقهن أزواجهن لسبب من الأسباب على هؤلاء انتظار مدة من الزمن هي مدة (ثلاثة أطهار) أو (ثلاث حيَض) لمعرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وأزواجهن أحق بهنّ في الرجعة من الأجانب إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من هذه الرجعة (الإصلاح) لا (الإضرار) ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أمر الله ، وللرجال عليهن درجة القوامة، والإنفاق والإمرة والطاعة. ثم بين تعالى أن الطلاق الذي تجوز به الرجعة مرتان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تتزوج بعده بزوج آخر، أما إذا لم يكن الطلاق ثلاثاً فله أن يراجعها إلى عصمة نكاحة، فإما أن يمسكها بالمعروف فيحسن معاشرتها وصحبتها وإمّا أن يطلق سراحها للتزوج بمن تشاء بعلّها تسعد بالزواج الثاني ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] . ولا يحل الله لكم أيها الرجال أن تأخذوا ممّا دفعتم إليهن من المهور شيئاً، لأنكم قد استمتعتم بهن إلا إذا خفتم سوء العشرة بين الزوجين، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلّقها فليس هناك جناح من أخذ الفداء. ثم بيّن تعالى أنه إذا طلّقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فلا تحلّ له إلاّ بالزواج بزوج آخر، بعد أن يذوق عُسيلتها وتذوق عُسيلته، فإن طلقها الزوج

стр. 300

الثاني فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول إن كان ثمة دلائل تدل على الوفاق والتلاق. ثم أمر تعالى الرجال بالإحسان في معاملة الأزواج وعدم الإضرار بهن، كما أمر الأولياء بألاّ يمنعوا المرأة من العودة إلى زوجها إذا رغبت في العودة، لا سيما إذا صلحت الأحوال وظهرت أمارات الندم على الزوجين في استئناف الحياة الفاضلة، والعيشة الكريمة. سبب النزول أولاً: روي أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكان يطلّق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فعمد رجلٌ لامرأته على عهد النبي ﷺ َ فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلّين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضيُّ عدتك راجعتك، فشكت ذلك للنبي ﷺ َ فأنزل الله تعالى: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ الآية. ثانياً: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان الرجل يطلّق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها، يفعل بها ذلك يضارّها ويعضلها فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ... ﴾ الآية. ثالثاً: وأخرج البخاري والترمذي عن (مَعْقل بن يسار) ﵁ أنه زوّج أخته رجلاً من المسلمين على عهد النبي ﷺ َ فكانت عنده ما كانت

стр. 301

ثم طلّقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخُطَّاب فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوّجتك فلطّقتها! والله لا ترجع إليك أبداً قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ... ﴾ الآية فلما سمعها (معقل) قال: سمعاً لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوّجك وأكرمك. وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿ثَلَاثَةَ قرواء﴾ بالهمزة وقرأ نافع (ثلاثة قرُوّ) بكسر الواو وشدها من غير همز، وقرأ الحسن (قَرء) بفتح القاف وسكون الراء. ٢ - قرأ الجمهور ﴿إِلَاّ أَن يَخَافَآ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ وقرأ حمزة (إلا أن يُخافا) بضم الياء مبنياً للمجهول، وقرئ يظنّا. ٣ - قرأ الجمهور ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا﴾ بالياء أي يبينها الله، وقرأ عاصم (نبينها) بالنون وهي نون التعظيم. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ المطلقات مبتدأ والجملة الفعلية خبر، و ﴿ثَلَاثَةَ قرواء﴾ منصوب على الظرفية، والمفعول به محذوف أي

стр. 302

يتربصن الزوج. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل ل (يحل) والتقدير: لا يحل لهن كتمان، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي مفعول ل (يكتمن) . ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ للرجال خبر مقدم و (درجة) مبتدأ مؤخر، وجاز الابتداء بالنكرة لتقدم الجار والمجرور عليها. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ﴾ ضراراً مفعول لأجله أي من أجل الضرار، وجوّز بعضهم أن يكون منصوباً على الحال أي (مضارين) و (لتعتدوا) متعلق ب (ضراراً) . لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرٌ والمراد منه الأمر أي (ليتربّصْن) وفائدته التنبيه إلى أنه ممّا ينبغي أن يتلّقى بالقبول والمسارعة إلى الإتيان به. قال صاحب «الكشاف» : «التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر، إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجوداً، ونظيره قولهم في الدعاء: رحمك الله، أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة، كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها» . اللطيفة الثانية: قيّد الله التربص في هذه الآية بذكر الأنفس بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ

стр. 303

بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ولم يذكره في الآية السابقة ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فما هي الحكمة؟ والجواب؟ أنّ في ذكر الأنفس هنا تهييجاً لهنّ على التربص وزيادة بعث لهنّ على قمع نفوسهن عن هواها وحملها على الانتظار، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد الله تعالى أن يقمعن أنفسهن، ويغالبن الهوى بامتثال أمر الله لهن بالتربص، والمخاطب في الآية السابقة الرجال فلم يوجد ذلك الداعي إلى التقييد فتدبر ذلك السرّ الدقيق. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ شرطٌ جوابه محذوف دلّ عليه ما سبق، وليس الغرض منه التقييد بالإيمان حتى يخرج الكتابيات بل هو للتهييج وتهويل الأمر في نفوسهن، وهذه طريقة متعارفة في الخطاب، تقول: إن كنت مؤمناً فلا تؤذ أباك، وإن كنت مسلماً فلا تغشّ الناس، فهذه هي النكتة في التعبير. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ... ﴾ الآية أي أحق برجعتهن. قال الإمام الفخر: الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان، إذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لمّا كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وهذا التدريج والترتيب يدل كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف﴾ فيه

стр. 304

إيجاز وإبداع، لا يخفى على المتمكن من علوم البيان، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول، كأنه قيل: لهنّ على الرجال من الحقوق، مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق والواجبات، وفيه من علم البديع ما يسمى ب (الطباق) بين لفظَيْ (لهنّ) و (عليهن) وهو طباق بين حرفين، وقد وضّح ﵇ بعض هذه الحقوق في (حجة الوداع) بقوله: «ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فحقكم عليهن ألاّ يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهن وطعامهن» . وعن ابن عباس أنه قال: «إني لأحبّ أن أتزين لامرأتي كما تتزين لي، لأن الله تعالى يقولك ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ﴾ » . اللطيفة السادسة: الدرجة التي أشارت إليها الآية الكريمة ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله﴾ ليست درجة (تشريف) وإنما هي درجة (تكليف) وقد بينتها الآية الثانية في سورة النساء وهي القوامة والمسؤولية والإنفاق ﴿الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ [النساء: ٣٤] الآية والله تعالى قد وضع ميزاناً دقيقاً للتفاضل هو التقوى والعمل الصالح ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فقد تكون المرأة أفضل عند الله من ألف رجل، وهذا هو المبدأ العادل الكريم. اللطيفة السابعة: قال ابن عباس ﵄: أول خلع كان في الإسلام في «امرأة ثابت بن قيس أتت رسول الله ﷺ َ فقالت يا رسول الله: لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً، والله ما أعيب عليه في خلُق ولا دين، ولكن أكره الكفر بعد الإسلام، ما أطيقه بغضاً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته

стр. 305

أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال زوجها يا رسول الله: أعطيتها أفضل ما لي (حديقة) لي، فإن ردّت عليّ حديقتي طلقتها، فقال لها ﵇ ما تقولين؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال ففرق بينهما» . اللطيفة الثامنة: قال العلامة أبو السعود: وضع الاسم الجليل في المواقع الثلاثة ﴿أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله﴾ موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة في النفوس، وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي عدة المطلقة، والحامل، والتي لا تحيض؟ أوجب الله تعالى العدة على المطلقة ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قرواء﴾ والمراد بالمطلّقات هنا (المدخول بهن) البالغات من غير الحوامل، أو اليائسات، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وعدة الحامل وضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . والمرأة التي لا تحيض وكذا اليائسة عدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] الآية.

стр. 306

فتبيّن من هذا أن الآية قد دخلها التخصيص، وأنّ العدة المذكورة في الآية الكريمة هي للمطلّقة المدخول بها إذا لم تكن صغيرة أو يائسة أو حاملاً. الحكم الثاني: ما المراد بالأقراء في الآية الكريمة؟ تقدّم معناه أن (القرء) في اللغة يطلق على الحيض وعلى الطهر، وقد اختلف الفقهاء في تعيين المراد به هنا في الآية الكريمة على قولين: أ - فذهب مالك والشافعي: إلى أن المراد بالأقراء: الأطهار، وهو مروي عن (ابن عمر) و (عائشة) و (زيد بن ثابت) ، وهو أحد القولين عند الإمام أحمد ﵀. ب - وذهب أبو حنيفة وأحمد (في الرواية الأخرى عنه) إلى أن المراد بالأقراء: الحيض، وهو مروي عن (عمر) و (ابن مسعود) و (أبي موسى) و (أبي الدرداء) وغيرهم. حجة مالك والشافعي: احتج الفريق الأول لترجيح مذهبهم بحجج نذكرها بإيجاز: الحجة الأولى: إثبات التاء في العدد (ثلاثة قروء) وهو يدل على أن المعدود مذكر وأن المراد به الطهر، ولو كان المراد به الحيضة لجاء اللفظ (ثلاث قروء) لأن الحيضة مؤنث والعدد يذكر مع المؤنث، ويؤنث مع المذكر كما هو معلوم. الحجة الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: «هل تدرون الأقراء؟ الأقراء: الأطهار» . قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم. لأن هذا إنما يُبتلى به النساء.

стр. 307

الحجة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قالوا: ومعناه: فطلقوهن في وقت عدتهن، ولما كان الطلاق وقت الحيض محظوراً، دلّ على أن المراد به وقت الطهر، فيكون المراد من القروء الأطهار. حجة أبي حنيفة وأحمد: واحتج الفريق الثاني على ترجيح مذهبهم بما يأتي: أولاً: إن العدة شرعت لمعرفة براءة الرحم، والذي يدل على براءة الرحم إنما هو الحيض لا الطهر. قال الإمام أحمد: قد كنت أقول: القروء: الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. ثانياً: واستدلوا بقوله ﵇ لفاطمة بنت حُبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك» والمراد أيام حيضك، لأن الصلاة تحرم في الحيض. ثالثاً: قوله ﵇: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» فأمر بالاستبراء بالحيضة، وقد أجمع العلماء على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيض، فكذا العدة ينبغي أن تكون بالحيض، لأن الغرض واحد وهو براءة الرحم. رابعاً: أقام الله تعالى الأشهر مقام الحيض في العدة في قوله: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فدلّ على أن العدة تعتبر بالحيض لا بالطهر. وهذا من أقوى أدلة الأحناف.

стр. 308

خامساً: إذا اعتبرنا العدة بالحيض فيمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها، لأن المطلّقة إنما تخرج من العدة بزوال الحيضة الثالثة، بخلاف ما إذا اعتبرناها بالأطهار فإنه إذا طلقها في آخر الطهر يكون قد مر عليها طهران وبعض الثالث، فيكون ما ذهبنا إليه أقوى. الترجيح: ولعلّ ما ذهب إليه الفريق الثاني يكون أرجح، فإن الأحاديث الصحيحة تؤيده، والغرض من العدة في الأظهر معرفة براءة الرحم، وهو يعرف بالحيض لا بالطهر. وقد رجّح العلامة «ابن القيم» في كتابه «زاد المعاد» هذا القول ونصره وأيده فقال: «إن لفظ (القرء) لم يستعمل في كلام الشارع إلاّ للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل يتعين، فإنه ﵇ قد قال للمستحاضة:» دعي الصلاة أيام أقرائك «وهو ﷺ َ المعبّر عن الله، وبلغه قومه نزل القرآن، فإذا أورد المشترك في كلامه على أد معنييه، وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله عليها في كلامه، ويدل على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ﴾ وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين، وأيضاً فقد قال سبحانه: ﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض ... ﴾ [الطلاق: ٤] الآية فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر، وقال في موضع آخر ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] معناه لاستقبال عدتهن لا فيها، وإذا كانت العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض، فإن

стр. 309

الطاهر لا تستقبل الطهر، إذ هي فيه وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها «. الحكم الثالث: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ﴾ ؟ اختلف المفسرون في المراد من هذه الآية على أقوال: فقال بعضهم: المراد بما خلق الله في أرحامهن: (الحمل) وهو قول عمر، وابن عباس، ومجاهد. وقال بعضهم: المراد به (الحيض) وهو قول عكرمة، والنخعي، والزهري. وقال آخرون: المراد به (الحمل والحيض) معاً، وهذا قول ابن عمر، واختاره ابن العربي. قال ابن العربي:» والثالث هو الصحيح لأن الله تعالى جعلها أمينة على رحمها فقولها فيه مقبول إذ لا سبيل إلى علمه إلاّ بخبرها، ولا خلاف بين الأمة أن العمل على قولها في دعوى الشغل للرحم أو البراءة ما لم يظهر كذبها «. أقول: إنما حرم الله كتمان ما في أرحامهن لأنه يتعلق بذلك حق الرجعة للرجل، وعدم اختلاط الأنساب، فربما ادعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرحم بالحمل من زوجها ثم تزوجت فأدى ذلك إلى اختلاط الأنساب، وربما حَرَمَت الرجل من حقه في الرجعة فلذلك حرّم الله كتمان ما في الأرحام. الحكم الرابع: هل الآية عامة في كل مطلّقة؟ الآية الكريمة ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾ عامة في المبتوتة، والرجعية، وقوله

стр. 310

تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ خاص في الرجعية دون المبتوتة، لأن المبتوتة قد ملكت نفسها. قال ابن كثير ﵀:» وهذا في الرجعيات، فأما المطلَّقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية (مطلقة بائن) وإنما كان ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعه امرأته وإن طلّقها مائة مرة، فلما قصوا على ثلاثة تطليقات، صار للناس مطلّقة بائن ومطلقة غير بائن «. الحكم الخامس: ما هو حكم الطلاق الرجعي؟ الطلاق الرجعي يبيح للرجل حق الرجعة بدون عقد جديد، وبدون مهر جديد، وبدون رضا الزوجة ما دامت المرأة في العدة، فإذا انقضت العدة ولم يراجعها بانت منه، وقد أثبت الشارع له حق الرجعة بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي أحق بإرجاعهن في وقت التربص بالعدة، وإذا كانت الرجعية حقاً للرجل فلا يشترط رضا الزوجة ولا عملها، ولا تحتاج إلى ولي، كما لا يشترط الإشهاد عليها وإن كان ذلك مستحباً خشية إنكار الزوجة فيه بعد أنه راجعها. وتصح المراجعة بالقول مثل قوله: راجعتُ زوجتي إلى عصمة نكاحي، وبالفعل مثل التقبيل، والمباشرة بشهوة، والجماع عند أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي: لا رجعة إلا بالقول الصريح ولا تصح بالوطء ودواعيه، لأن الطلاق يزيل النكاح. قال الشوكاني: «والظاهر ما ذهب إليه الأولون، لأن العدة مدة خيار، والاختيار يصح بالقول وبالفعل، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وقوله ﷺ َ:» مُره فليراجعها «أنها تجوز المراجعة بالفعل لأنه لم يخص قولاً

стр. 311

من فعل، ومن ادّعى الاختصاص فعليه الدليل» . الحكم السادس: هل الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثاً أم واحدة؟ دل قوله تعالى: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ على أن الطلاق ينبغي أن يكون مفرقاً مرة بعد مرة وقد اختلف العلماء في الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ هل يقع ثلاثاً أو واحدة؟ فذهب جمهور الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة إلى أنه يقع ثلاثاً، إمّا مع الحرمة، وإما مع الكراهة على حسب اختلافهم في فهم الآية الكريمة. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، وهو قول طاووس ومذهب الإمامية وقول (ابن تيمية) وبه أخذ بعض المتأخرين من الفقهاء دفعاً للحرج عن الناس، وتقليلاً لحوادث الطلاق، وفراراً من مفاسد التحليل. دليل الجمهور: استدل الجمهور على وقوع الطلاق الثلاث بما يلي: أولاً: إن الله جعل للطلاق حداً وأرشد الرجل إلى أن يطلق مرة بعد مرة، وجعل له فسحة في الأمر حتى لا يضيع حقه في الرجعة، فإذا تعدى الإنسان هذه الرخصة وطلّق ثلاثاً وقع طلاقه لأن له عليها طلقتين وبالثالثة تبين منه، فإما أن يجمعها أو يفرقها. والإسلام قد أرشده إلى ما هو الأفضل والأصلح، فإذا جاوز هذا إلى ما فيه تضييق عليه أخذ بجزيرة نفسه. ثانياً: ما روي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال له: إنه طلّق امرأته ثلاثاً، قال مجاهد: فسكت ابن عباس حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: يطلّق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس وإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجاً عصيت ربك، وبانت منك امرأتك «.

стр. 312

ثالثاً: واستدلوا بإجماع الصحابة حين قضى به عمر بن الخطاب ﵁ فأقروه عليه، ولم ينكر أحد من الصحابة وقوع الثلاث بلفظ واحد على عمر بن الخطاب فدل ذلك على الإجماع. وقد ذهب البخاري إلى وقوع الثلاث وترجم على هذه الآية بقوله (باب من أجاز الطلاق الثلاث) بقوله تعالى: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ . وهذا إشارة منه ﵁ إلى أنّ هذا التعديد إنما هو فسحة لهم، فمن ضيّق على نفسه لزمه. حجة الفريق الثاني: واستدل القائلون بوقوع الطلاق الثلاث واحدة بما رواه أحمد ومسلم من حديث طاووس عن ابن عباس أنه قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ َ وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» . وقالوا: إن الله قد فرّق الطلاق بقوله: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ أي مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة لا يملك المكلف إيقاعه دفعة واحدة، مثل (اللعان) لا بدّ ن التفريق فيه، ولو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين كان مرة واحدة، ولو قال المقر بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت كان مرة واحدة، وقالوا: إن الشارع طلب أن يسبح العبد ربه ويحمده، ويكبّره دبر كل صلاة (ثلاثاً وثلاثين) ولا يكفيه أن يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، ولا بدّ من التفريق حتى يكون قد أتى بالأمر المشروع. وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه «أعلام الموقعين» القول في

стр. 313

المسألة وانتصر لرأي ابن تيمية، وفعل مثله (الشوكاني) في كتابه «نيل الأوطار» وله رسالة خاصة في تفنيد أدلة الجمهور. أقول: كلُّ ما استدل به الفريق الثاني لا يقوى على ردّ أدلة الجمهور وعلى إجماع الصحابة، وكفى بهذا الإجماع حجة وبرهاناً وهذا ما ندين الله به. ونعتقد أنه الصواب، لأن مخالفة إجماع الصحابة وإجماع الفقهاء ليس بالأمر اليسير. ويحسن بنا أن ننقل ما كتبه العلامة القرطبي في تفسير «الجامع لأحكام القرآن» حيث قال ﵀: «واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف، وشذّ طاوس وبعض أهل الظاهر فقالوا: إن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، ويحكى عن داود أنه لا يقع، وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثاً، ولا فرق بين أن يوقع ثلاثاً مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات، واستدل من قال بوقوعه واحدة بأحاديث ثلاثة: أحدهما: حديث ابن عباس من رواية طاوس، وأبي الصهباء، وعكرمة. وثانيها: حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثاً، وأن رسول الله ﷺ َ أمره برجعتها واحتسبت واحدة. وثالثها: أنّ ركانة طلّق امرأته ثلاثاً فأمره رسول الله ﷺ َ برجعتها، والرجعة تقتضي وقوع واحدة. والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي عن (سعيد بن جبير) و (مجاهد) و (عطاء) في روايتهم عن ابن عباس فيمن طلّق امرأته ثلاثاً أنه قد عصى ربه، وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج، وفيما رواه هؤلاء عن ابن عباس مما يوافق الجماعة، ما يدل على وهْن رواية طاوس

стр. 314

وغيره، وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه. قال ابن عبد البر: «رواية طاوس وهمٌ وغلط، لم يعرّج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق، والمشرق والمغرب» . قال الباجي: فإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه. وأما حديث ابن عمر أنه طلّق ثلاثاً وهي حائض ... إلخ فقد ردّه الدارقطني وقال: رواته كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلّق امرأته واحدة في الحيض. وأما حديث (رُكانة) فقيل: إنه حديث مضطرب منقطع لا يستند من وجه يحتج به، وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه «إن رُكانة طلّق امرأته ثلاثاً فقال له رسول الله ﷺ َ ارجعها» . والثابت أن ركانه طلّق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله ﷺ َ ما أراد بها؟ فحلف ما أراد إلاّ واحدة فردّها إليه. فهذا اضطراب في الاسم والفعل ولا يحتج بشيء من مثل هذا.

стр. 315

والخلاصة فإن رأي الجمهور يبقى أقوى دليلاً، وأمكن حجة، لا سيما وقد تعزّز بإجماع الصحابة والأئمة المجتهدين والله أعلم. الحكم السابع: ما المراد من قوله تعالى: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ . اختلف المفسرون في معنى قول الله تعالى: ﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ على أقوال عديدة نذكرها بالإجمال. أ - المراد: الطلاق المشروع مرتان، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع، والآية مستقلة عمّا قبلها، وهذا قول الحجّاج بن أرطأة ومذهب الرافضة. ب - المراد: الطلاق المسنون مرتان وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومذهب مالك ﵀. ج - المراد: الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان، وهذا قول قتادة وعروة واختيار الجمهور. قال الشوكاني في تفسيره «فتح القدير» : المراد بالطلاق المذكور هو الرجعي بدليل ما تقدم من الآية الأولى، أي الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان، أي الطلقة الأولى والثانية، إذ لا رجعة بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه (مرتان) ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة «. الحكم الثامن: هل يبلاح للزوج أخذ المال مقابل الطلاق؟ أمر الله عند تسريح المرأة أن يكون بإحسان، ونهى الزوج أن يأخذ شيئاً مما أعطى المرأة من المهر إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَاّ أَن يَخَافَآ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ والمراد عدم إقامة حدود الله التي شرعها للزوجين، من حسن المعاشرة والطاعة والقيام

стр. 316

بحق كلٍ من الزوجين نحو الآخر، فإن ظهرت بوادر الشقاق والخلاف، واستحكمت أسباب الكراهية والنفرة جاز للمرأة أن تفتدي، وجاز للرجل أن يأخذ المال، وطلاقُ المرأة على هذا الوجه هو المعروف ب (الخُلع) وقد عرّفه الفقهاء بأنه» فراقُ الرجل زوجته على بدلٍ يأخذه منها «. وفي أخذ الزوج الفدية عدلٌ وإنصاف، فإنه هو الذي أعطاها المهر، وبذل تكاليف الزواج والزفاف، وأنفق عليها، وهي التي قابلت هذا كله بالجحود وطلبت الفراق فكان من الإنصاف أن تردّ عليه ما أخذت منه. والأصل في هذا ما رواه البخاري من قصة امرأة ثابت بن قيس وقد تقدم، وفيه قال لها ﵇: «أتردين عليه حديقته؟ قالت نعم، فقال رسول الله ﷺ َ: اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة» . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أعطاها لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾ وهذا عام يتناول القليل والكثير. وقال الشعبي والزهري والحسن البصري: لا يحل للزوج أن يأخذ زيادة على ما أعطاها، لأنه من باب أخذ المال بدون حق، وحجتهم أن الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال والنساء فلا تجوز الزيادة، والراجح أن الزيادة تجوز ولكنها مكروهة. وقد اختلف الفقهاء هل الخلع فسخ أو طلاق؟ فذهب الجمهور إلى أنه طلاق، وقال الشافعي في القديم إنه فسخ، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا خلعها هل تحسب عليه طلقة أم لا؟ والأدلة على هذه المسألة تطلب من كتب الفروع.

стр. 317

الحكم التاسع: ما هو حكم المطلقة ثلاثاً، وكيف تحل للزوج الأول؟ دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ على أن المطلقة ثلاثاً تحرم على زوجها الأول حتى تتزوج بزوج آخر، وهي التي يسميها الفقهاء (بائنة بينونه كبرى) وذلك لأن الله تعالى ذكر الطلاق وبيّن أنه مرتان، ثم ذكر حكم الخلع وأعقبه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فدلّ على أن المراد به الطلاق الثالث. قال القرطبي: «المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه» . وذهب جمهور العلماء والأئمة المجتهدون إلى أن المراد بالنكاح في قوله تعالى: ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ الوطء لا العقد، فلا تحل للزوج الأول حتى يطأها الزوج الثاني. وروي عن (سعيد بن المسيب) أنه قال: إن المطلقة ثلاثاً تحل للأول بالعقد على الثاني، وهو ضعيف لمصادمته للحديث الآتي الصحيح. واحتج الجمهور بما رواه ابن جرير عن عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله ﷺ َ فقالت: كنت عند رفاعة فلطقني فبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإنّ ما معه مثل هدبة الثوب فقال لها:» تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك «» رواه أصحاب السنن. والمراد بالعُسيلة: الجماع، شبّه اللذة فيه بالعسل. فقد وضّحتْ السنة المطهّرة أنّ المراد من فظ النكاح في الآية الكريمة هو (الجماع) لا العقد، وقال بعض العلماء إن الآية نفسها فيها دلالة على ذلك،

стр. 318

فقد قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم نكح المرأة، فقال فرّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أرادوا به المجامعة، وهنا قال تعالى: ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ فالمراد منه المجامعة. الحكم العاشر: نكاح المحلّل وهل هو صحيح أم باطل؟ المحلِّل: بكسر اللام هو الذي يتزوج المطلّقة ثلاثاً بقصد أن يحلّها للزوج الأول، وقد سمّاه ﵇ بالتيس المستعار ففي الحديث الشريف «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلَّل له» . وقد اختلف العلماء في نكاح المحلّل فذهب الجمهور (مالك وأحمد والشافعي والثوري) إلى أن النكاح باطل، ولا تحل للزوج الأول. وقال الحنفية وبعض فقهاء الشافعية: هو مكروه وليس بباطل، لأن في تسميته بالمحلّل ما يدل على الصحة لأنها سبب الحل، وروي عن الأوزاعي أنه قال: بئس ما صنع والنكاحُ جائز. حجة الجمهور: استدل الجمهور على فساد نكاح المحلّل بما يلي: أولاً - حديث «لعن رسول الله ﷺ َ المحلّل والمحلّل له» . ثانياً - حديث «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: هو المحلّل ... » الحديث.

стр. 319

ثالثاً - حديث ابن عباس «سئل رسول الله ﷺ َ عن نكاح المحلّل فقال: (لا» أي لا يحل «إلاّ نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عُسيلتها) » . رابعاً - ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «لا أوتي بمحلّل ولا بمحلّل له إلاّ رجمتهما» . خامساً - ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلّها لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلاّ نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ َ «. الترجيح: والحق ما ذهب إليه الجمهور لأن النكاح يقصد منه الدوام والاستمرار، والتأقيت يبطله فإذا تزوجها بقصد التحليل، أو اشترط الزوج عيه أن يطلّقها بعد الدخول فقد فسد النكاح لأنه يشبه (نكاح المتعة) حينئذٍ، وهو باطل باتفاق العلماء. قال العلامة ابن كثير ﵀: «والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغباً في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطأ مباحاً، لو وطئها وهي محرمة، أو صائمة، أو معتكفة، لم تحلّ للأول بهذا الوطء، واشترط الحسن البصري الإنزال وكأنه فهمه من قوله ﵇» حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك «. ثم قال: فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول فهذا هو (المحلّل) الذي وردت الأحاديث بذمة ولعنه، ومتى صرّح بمقصود، في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة ... ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك في» تفسيره «وقد أشرنا إلى بعضها فيما ذكرناه» .

стр. 320

«كلام السيد رشيد رضا في» المنار «» وقال في «تفسير المنار» : «ألا فليعلم كل مسلم أن الآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً هو ما كان زوجاً صحيحاً عن رغبة، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته، فمن تزوجها بقصد الإحلال كان زواجه (صورياً) غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول، بل هو معصية لعن الشارع فاعلها، فإن عادت إليه كانت حراماً، ومثال ذلك من طهّر الدم بالبول، وهو رجسٌ على رجس، ونكاحُ التحليل شرٌّ من نكاح المتعة وأشد فساداً وعاراً ... ثم نقل ما أورده ابن حجر المكي في كتابه» الزواجر «من الأخبار والآثار الدالة على التحريم ثم قال: وأنت ترى مع هذا أن رذيلة التحليل قد فشت في الأشرار، الذين جعلوا رخصة الطلاق عادة ومثابة، فصار الإسلام نفسه يعاب بهم وما عيبة سواهم، وقد رأيت في لبنان رجلاً نصرانياً ولع بشراء الكتب الإسلامية، فاهتدى إلى حقيقة الإسلام مع الميل إلى التصوف فأسلم، وقال لي: لم أجد في الإسلام غير ثلاثة عيوب لا يمكن أن تكون من الله، أقبحُها مسألة (التجحيش) أي التحليل فبينت له الحق فيها فاقتنع» . أقول: إنَّ في التحليل مفاسد كثيرة نبّه عليها العلماء، وقد عقد العلامة (ابن القيم) في كتابة «أعلام الموقعين» فصولاً في بيانها، وقد طعن قوم في الشريعة الإسلامية لأنها أجازته، وقد علمت الرأي الصحيح في الموضوع عن النبي ﷺ َ وعن الصحابة والتابعين فالصواب ألا ينسب إليها حله والله المستعان. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - وجوب العدة على المطلقة رجعية كانت أو بائنة للتعرف على براءة الرحم.
следующие страницы →