Полный текст (1 222 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
سبب النزول
قال الخازن في «تفسيره» : «نزلت هذه الآية ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ في رجل من الأنصار، تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها صداقاً، ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية فقال له رسول الله ﷺ َ أمتعها ولو بقلنسوتك» .
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وقرأ حمزة والكسائي (تُماسُوهنّ) بألف وضم التاء في الموضعين هنا وفي الأحزاب، وهو من باب المفاعلة كالمباشرة والمجامعة.
٢ - قرأ الجمهور ﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ﴾ بالرفع، وقرأ ابن كثير ونافع (قدْرُه) بسكون الدال.
٣ - قرأ الجمهور ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ وقرئ (وأن يَعْفوا) بالياء.
وجوه الإعراب
أولاً - قوله تعالى: ﴿ولكن لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ لكنْ حرفُ استدراك،
стр. 352
والمستدرك محذوف تقديره علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهن ولكن لا توعدوهن و (سرّاً) مفعول به لأنه بمعنى النكاح، أي لا تواعدوهنّ نكاحاً، ويصح أن يعرب على أنه حال تقديره مستخفين، والمفعول محذوف أي لا تواعدوهن النكاح سراً.
ثانياً - قوله تعالى: ﴿وَلَا تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ منصوب بنزع الخافض أي على عقدة النكاح.
ثالثاً - قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما: مصدرية والزمان معها محذوف تقديره: في من ترك مستهنّ، وقيل: (ما) شرطية أي (إن لم تمسوهن) .
رابعاً - قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب نصف ما فرضتم أو فعليكم نصف ما فرضتم، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: أباح القرآن (التعريض) في خطبة المعتدة دون التصريح، ومن صور التعريض أن يقول: إنك لجميلة، أو صالحة، أو نافقة، أو يذكر الشخص مآثره أمامها.
روى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته (سُكينة بنت حنظلة) قالت: «دخل عليّ (أبو جعفر) محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: أنا من علمتِ قرابتي من رسول الله ﷺ َ وحقّ جدي عليّ، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنتَ يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلتُ؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ َ وموضعي،
стр. 353
دخل رسول الله ﷺ َ على أم سلمة حين توفي عنها زوجها (أبو سلمة) فلم يزل رسول الله ﷺ َ يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتى أثَّر الحصير في يده فما كانت تلك خِطبة» .
اللطيفة الثانية: قال الزمخشري: «السرّ في الآية ﴿لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه ممّا يُسر، قال الأعشى:
ولا تقربَنْ من جارةٍ إنّ سرّها ... عليك حرامٌ فانكحنْ أو تأبدا
ثمّ عبر فيه عن النكاح الذي هو العقد، لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح.
اللطيفة الثالثة: ذكر العزم في الآية ﴿وَلَا تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح في العدة، لأن العزم على الفعل يتقدمه، فإذا نهي عنه كان النهي عن الفعل أولى.
اللطيفة الرابعة: عبّر تعالى بالمساس عن الجماع، وهو من الكنايات اللطيفة التي استعملها القرآن الكريم.
قال أبو مسلم:» وإنما كنّى تعالى بقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ عن المجامعة، تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به «.
اللطيفة الخامسة: الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ﴾ للرجال والنساء جميعاً ورد بطريق التغليب.
قال الفخر:» إذا اجتمع الرجال والنساء في الخطاب كانت الغلبة للذكور، لأن الذكورة أصل، والتأنيث فرع، ألا ترى أنك تقول: قائم ثم تريد التأنيث
стр. 354
فتقول: قائمة «.
اللطيفة السادسة: الحكمة في إيجاد المتعة للمطلقة جبر إيحاش الطلاق، والتخفيف عن نفسها بالمواساة بالمال.
قال ابن عباس: إن كان موسراً متّعها بخادم، وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب.
اللطيفة السابعة: روي أن (الحسن بن علي) متّع بعشرة آلاف فقالت المرأة:
متاعٌ قليلٌ من حبيب مفارق ... وسبب طلاقه إيّاها ما روي أنّ (عائشة الخثعمية) كانت عند الحسن بن علي بن أبي طالب، فلمّا أصيب عليّ وبويع الحسن بالخلافة قالت: لتَهْنكَ الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عليّ وتظهرين الشماتة؟ إذهبي فأنت طالق ثلاثاً، فتلفعت بجلبابها، وقعدت حتى انقضت عدتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت:
متاع قليل من حبيب مفارق ... فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أني أبنتُ الطلاق لها لراجعتها.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هو حكم خطبة النساء؟
النساء في حكم (الخِطْبة) على ثلاثة أقسام:
أحدها: التي تجوز خطبتها (تعريضاً وتصريحاً) وهي التي ليست في عصمة
стр. 355
أحد من الأزواج، وليست في العدة، لأنه لمّا جاز نكاحها جازت خطبتها.
الثاني: التي لا تجوز خطبتها (لا تصريحاً، ولا تعرضاً) وهي التي في عصمة الزوجية، فإنّ خطبتها وهي في عصمة آخر إفساد للعلاقة الزوجية وهو حرام، وكذلك حكم المطلّقة رجعياً فإنها في حكم المنكوحة.
الثالث: التي تجوز خطبتها (تعريضاً) لا (تصريحاً) وهي المعتدة في الوفاة، وهي التي أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ ومثلها المعتدة البائن المطلّقة ثلاثاً فيجوز التعريض لها دون التصريح.
والدليل على حرمة التصريح ما قاله الشافعي ﵀: «لمّا خُصّص التعريض بعدم الجناح، وجب أن يكون التصريح بخلافه» وهذا الاستدلال دلّ عليه مفهوم المخالفة.
الحكم الثاني: هل النكاح في العدة صحيح أم فاسد؟
حرّم الله النكاح في العدة، وأوجب التربص على الزوجة، سواءً كان ذلك في عدة الطلاق، أو في عدة الوفاة، وقد دلت الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾ على تحريم العقد على المعتدة، واتفق العلماء على أن العقد فاسد ويجب فسخه لنهي الله عنه. وإذا عقد عليها وبنى بها فُسخ النكاح، وحرمت على التأبيد عند (مالك وأحمد) فلا يحل نكاحها أبداً عندهما لقضاء عمر ﵁ بذلك، ولأنه استحلّ ما لا يحل فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه من الميراث.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يُفسخ النكاح، فإذا خرجت من العدة كان العاقد خاطباً من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأنّ الأصل أنها لا تحرم إلا
стр. 356
بدليل من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، وقالوا: إنّ الزنى أعظم من النكاح في العدة، فإذا كان الزنى لا يحرمها عليه تحريماً مؤبداً، فالوطء بشبهة أحرى بعدم التحريم، وما نقل عن عمر فقد ثبت رجوعه عنه.
قضاء عمر ﵁ في الحادثة
روى ابن المبارك بسنده عن مسروق أنه قال: «بلغ عمر أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليهما ففرّق بينهما وعاقبهما، وقال: لا ينكحْها أبداً، وجعل الصداق في بيت المال، وفشا ذلك بين الناس فبلغ علياً كرم الله وجهه فقال: يرحم الله أمير المؤمنين ﴿ما بال الصداق وبيت المال﴾ إنما جهلا فينبغي أن يردهما السنة. قيل: فما تقول أنت فيهما؟ قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثم يخطبها إن شاء.
فبلغ ذلك عمر فقال: يا أيها الناس ردّوا الجهالات إلى السنة «.
الحكم الثالث: ما هو حكم المطلقة قبل الدخول؟
وضحّت الآيات الكريمة أحكام المطلقات، وذكرت أنواعهنّ وهنّ كالتالي:
أولاً: مطّلقة مدخول لها، مسمّى لها المهر.
ثانياً: مطلّقة غير مدخول بها، ولا مسمّى لها المهر.
ثالثاً: مطلّقة غير مدخول بها، وقد فرض لها المهر.
رابعاً: مطلّقة مدخول بها، وغير مفروض لها المهر.
فالأولى ذكر الله تعالى حكمها قبل هذه الآية، عدّتُها ثلاثة قروء، ولا يُسترد منها شيء من المهر ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]
стр. 357
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
والثانية: ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية، ليس لها مهرٌ، ولها المتعة بالمعروف لقوله تعالى: ﴿لَاّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ... ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية كما أن هذه ليس عليها عدة باتفاق لقوله تالى في سورة الأحزاب [٤٩] ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ﷺ َ - gt; والثالثة: ذكرها الله تعالى بعد هذه الآية، لها نصف المهر ولا عدة عليها أيضاً لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ .
والرابعة: ذكرها الله تعالى في سورة النساء [٢٤] بقوله: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] فهذه يجب لها مهر المثل. قال الرازي ويدل عليه أيضاً القياس الجلي، فإن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بشبهة لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذه الحكم.
الحكم الرابع: هل المتعة واجبة لكل مطلّقة؟
دل قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ على وجوب المتعة للمطلّقة قبل المسيس وقبل الفرض، وقد اختلف الفقهاء هل المتعة واجبة لكل مطلقة؟
فذهب (الحسن البصري) إلى أنها واجبة لكل واجبة لكل مطلّقة للعموم في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] .
وقال مالك: إنها مستحبة للجميع وليست واجبة لقوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] و ﴿حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين.
وذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أنها واجبة للمطلّقة
стр. 358
التي لم يفرض لها مهر، وأمّا التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة وهذا مروي عن (ابن عمر) و (ابن عباس) و (علي) وغيرهم، ولعله يكون الأرجح جمعاً بين الأدلة والله أعلم.
الحكم الخامس: ما معنى المتعة وما هو مقدارها؟
المتعة: ما يدفعه الزوج من مال أو كسوة أو متاع لزوجته المطلّقة، عوناً لها وإكراماً، ودفعاً لوحشة الطلاق الذي وقع عليها، وتقديرُها مفوض إلى الاجتهاد.
قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها.
وقال الشافعي: المستحب على الموسم خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.
وقال أبو حنيفة: أقلها درع وخمار وملحفة، ولا تزاد على نصف المهر.
وقال أحمد: هي درع وخمار بقدر ما تجزئ فيه الصلاة، ونقل عنه أنه قال: هي بقدر يسار الزوج وإعساره ﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ وهي مقدرة باجتهاد الحاكم، ولعل هذا الرأي الأخير أرجح والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - جواز التعريض في خطبة المعتدة من الوفاة ومن الطلاق البائن.
٢ - حرمة عقد النكاح على المعتدّة في حالة العدة وفساد هذا العقد.
٣ - المتعة واجبة لكل مطلّقة لم يذكر لها مهر، ومستحبة لغيرها من المطلقات.
стр. 359
٤ - إباحة تطليق المرأة قبل المسيس إذا كانت ثمة ضرورةٌ ملحة.
٥ - المطلّقة قبل الدخول لها نصف المهر إذا كان المهر مذكوراً.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
شرع الباري جل وعلا المتعة للمطلّقة، وجعلها على قدر حال الرجل يساراً وإعساراً، وهذه (المتعة) واجبة للمطلّقة قبل الدخول، التي لم يُسمّ مهر، ومستحبة لسائر المطلقات. والحكمة في شرعها أنّ في الطلاق قبل الدخول امتهاناً للمرأة وسوء سمعة لها، وفيه إيهامٌ للناس بأن الزوج ما طلّقها إلاّ وقد رابه شيء منها في سلوكها وأخلاقها، فإذا هو متّعها متاعاً حسناً تزول هذه الغضاضة، ويكون ذلك شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قِبَله، لا من قِبَلها، ولا علة فيها، فتحفظ بما كان لها من صيتٍ وشهرة طيبة، ويتسامع الناس فيقولون: إن فلاناً أعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو معترف بفضلها مقر بجميلها، فيكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها، ويكون أيضاً كالمرهم لجرح القلب، وجبر وحشة الطلاق.
وقد أمرنا الإسلام أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة، وأن نصون كرامة الناس عن القيل والقال، ولهذا أمر حتى في حالة الطلاق الذي يسبّب في الغالب النزاع والبغضاء بأن لا ننسى الجميل والمودة والإحسان ﴿وَلَا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فإن الروابط في النكاح والمصاهرة روابط مقدسة، فينبغي لمن تزوج من أسرة ثم طلّق، ألاّ ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم، فأين نحن المسلمين من هدي هذا الكتاب المبين؟ ﴿وأين نحن من إرشاداته الحكيمة، وآدابه الفاضلة؟﴾
стр. 360
[٢٠] الربا جريمة اجتماعية خطيرة
стр. 361
التحليل اللفظي
﴿الرباوا﴾ : الربا في اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال ربا الشيء يربو: إذا زاد، ومنه قوله تعالى: ﴿اهتزت وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي زادت، وفي الحديث «إلاّ رَبَا من تحتها» أي زاد الطعام الذي دعا فيه النبي ﷺ َ بالبركة، وأربى الرجل: إذا تعامل بالربا.
وفي الشرع: زيادة يأخذها المقرض من المستقرض مقابل الأجل.
﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ : التخبط معناه الضرب على غير استواء كخبط البعير الأرض بيده، ويقال للذي يتصرف في أمرٍ ولا يهتدي فيه إنه يخبط خبط عشواء، وتخبّطه الشيطان إذا مسّه بخبل أو جنون، وتسمّى إصابة الشيطان خبطة.
﴿المس﴾ : الجنون يقال: مُسّ الرجل فهو ممسوس وبه مسٌ، وأصله من المسّ باليد، كأن الشيطان يمسّ الإنسان فيحصل له الجنون.
قال الراغب: وكنّي بالمس عن الجنون، وفي قوله: «يتخبطه الشيطان من المس» والمسّ يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى.
﴿مَوْعِظَةٌ﴾ : الموعظة: بمعنى الوعظ وهو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
﴿سَلَفَ﴾ : أي مضى وتقدم، والمعنى: من انتهى عن التعامل بالربى فإن الله تعالى يعفو ويصفح عمّا مضى من ذنبه قبل نزول آية التحريم.
﴿يَمْحَقُ﴾ : المحق: النقص والذهاب، ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه إذا
стр. 362
أنقصه وأذهب بركته والمراد أن الله أوعد المرابي بإذهاب ما له وإهلاكه وفي الحديث الشريف: «إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قلّ» .
﴿وَيُرْبِي الصدقات﴾ : أي يزيدها وينميها ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة.
﴿أَثِيمٍ﴾ : أي كثير الإثم وهو المتمادي في ارتكاب المعاصي، المصر على الذنوب.
﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ : أي أيقنوا بحربٍ من الله ورسوله، وهذا وعيد لمن لم يذر الربى.
﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ : العُسرة الفقر والضيق يقال: أعسر الرجل إذا افتقر.
﴿فَنَظِرَةٌ﴾ : أي فواجب تأخيره وانتظاره يقال: أنظره إذا أمهله وأخره.
﴿مَيْسَرَةٍ﴾ : أي غنى ويسار، والمعنى: إذا كان المستدين معسراً فأخروه إلى وقت السعة والغنى ولا تأخذوا منه إلا رأس المال.
المعنى الإجمالي
يخبر الولي جل وعلا المرابين، الذي يتعاملون بالربا فيمتصون دماء الناس، بأنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة، إلاّ كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، يتعثر ويقع ولا يستطيع أن يمشي سوياً، لأن به مساً من الشيطان، ذلك التخبط والتعثر بسبب أنهم استحلوا الربا الذي حرّمه الله، فقالوا: الربا مثل البيع فلماذا يكون حراماً؟ وقد ردّ الله تعالى عليهم هذه الشبهة السقيمة بأن البيع تبادل منافع وقد أحلّه الله، والربا زيادة مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه وقد حرمه الله، فكيف يتساويان؟!
стр. 363
ثم أخبر تعالى بأن من جاءته الموعظة والذكرى، فانتهى عمّا كان قبل التحريم، فإن الله يعفو ويغفر له، ولا يؤاخذه عمّا أخذ من الربا، وأمّا من تعامل بالربا بعد نهي الله عنه فإنه يستوجب العقوبة الشديدة بالخلود في نار جهنم لاستحاله ما حرمه الله.
وقد أوعد الله المرابي بمحق ماله، إمّا بإذهابه بالكلية، أو بحرمانه بركة ماله، «فالربا وإن كثر فعاقبته إلى قلّ» كما بيّن صلوات الله وسلامه عليه، فلا بدّ أن يزهقه الله ويمحقه لأنه خبيث ﴿قُل لَاّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث﴾ [المائدة: ١٠٠] وأمّا المتصدّق فالله يبارك له في ماله وينميّه، والله لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل. ثمّ جاء الوعيد والتهديد الشديد لمن تعامل بالربا، وخاصة إذا كان هذا الشخص من المؤمنين، فالربا والإيمان لا يجتمعان، ولهذا أعلن الله الحب على المرابين ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أموالكم لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ .
فأي مسلم يسمع مثل هذا الوعيد ثم يتعامل بالربا؟! اللهم احفظنا من هذه الجريمة الشنيعة، وطهّرنا من أكل السحت والتعامل بالربا إنك سميع مجيب الدعاء اللهم آمين.
سبب النزول
١ - كان العباس وخالد بن الوليد شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى ناسٍ من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ فقال النبي ﷺ َ: «ألا إنّ كل رباً من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس، وكل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه
стр. 364
دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب» .
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ وقرأ حمزة وعاصم (فآذنوا بحرب) بالمد.
قال الزجاج: من قرأ ﴿فَأْذَنُواْ﴾ بالقصر، فالمعنى: أيقنوا، ومن قرأ بالمد فمعناه أعلموا.
٢ - قرأ الجمهور ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ وروي عن عاصم بضم الأولى وفتح الثانية.
٣ - قرأ الجمهور ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ بتسكين السين، وضمها أبو جعفر (عُسُرة) .
٤ - قرأ الجمهور ﴿يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ بضم التاء، وقرأ أبو عمرو بفتحها (تَرْجعون) .
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الرباوا﴾ مبتدأ وجملة ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ خبره، والكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: إلاّ قياماً مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ جواب الشرط محذوف تقديره:
стр. 365
إن كنتم مؤمنين فذروا.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان هنا تامة بمعنى إن حدث ذو عسرة.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: المراد بالأكل في الآية الكريمة مطلق الأخذ والتصرف، وعبّر به هنا ﴿الذين يَأْكُلُونَ الرباوا﴾ لأنه الغرض الأساسي من المال، وما عداه من سائر الوجوه فتبع، وقد شاع هذا الإطلاق يقال لمن تصرف في مال غيره بدون حق: أكله، وهضمه.
اللطيفة الثانية: تشبيه المرابين بالمصروعين، الذين يتخبطهم الشيطان، فيه لطيفة وهي أن الله أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم، فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون وتلك سيماهم يوم القيامة يعرفون بها، قال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا يوم القيامة.
اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباوا﴾ تشبيه لطيف يسمى (التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يصبح المشبّه مشبهاً به مثل قولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفه، على حدّ قول القائل:
فعيناكِ عيناها وجيدُكِ جيدها ... سوى أنّ عظم الساق منك دقيق
ومقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتفق على حله، ولكنّه بلغ اعتقادهم في حل
стр. 366
الربا، أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل، حتى شبّهوا به البيع، فتدبّره فإنه دقيق.
اللطيفة الرابعة: النكتة في الآية الكريمة ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾ أنّ المرابي يطلب الربا زيادة المال، ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبيّن سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء، وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان، والزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ تنكير الحرب للتفخيم وقد زادها فخامة وهؤلاً، نسبتُها إلى اسم الله الأعظم، وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته ﷺ َ، أي أيقنوا بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره، كائن من عند الله ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبداً، وفيه إيماء إلى سوء الخاتمة إن دام على أكل الربا.
قال ابن عباس: يقال الآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب.
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿والله لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ صيغة كفّار (فعّال) وصيغة أثيم (فعيل) كلاهما من صيغ المبالغة معناهما كثير الكفر والإثم، وفي الآية تغليظ لأمر الربا، وإيذانٌ بأنه من فعل الكفّار لا من فعل المسلمين.
اللطيفة السابعة: رغّب الله تعالى في إنظار المستدين المعسر ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وكذلك جاءت السنة المطهرة فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «كان رجلٌ يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنّا، فلقي الله فتجاوز عنه» .
قال المهايمي: «فإذا استوفى الدائن حقه بالتضييق على المديون، استوفى
стр. 367
الله منه حقوقه بالتضييق، وإن سامحه فالله أولا بالمسامحة» .
اللطيفة الثامنة: قال بعض العلماء: من تأمل هذه الآيات وما اشتملت عليه من عقوبة أهل الربا ومستحليه، أكبَرَ جرمَهُ وإثمه، فقد ترتب عليه قيامهم في الحشر مخبلين، وتخليدهم في النار، ونبذهم بالكفر، والحرب من الله ورسوله، واللعنة الدائمة لهم، وكذلك الذم والبغض، وسقوط العدالة وزوال الأمانة، وحصول القسوة والغلظة، والدعاء عليه ممن ظلمه، وذلك سبب لزوال الخير والبركة، فما أقبح هذه المعصية، وأعظم جرمها، وأشنع عاقبتها؟!
اللطيفة التاسعة: ختمت آيات الربا بهذه الآية الكريمة ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهي آخر آية نزلت من القرآن، وعاش بعدها النبي ﷺ َ تسع ليال ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى، وفي هذه الآية تذكير بالوقفة الرهيبة بين يدي أحكم الحاكمين
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَاّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] وبنزول هذه الآية انقطع الوحي، وكان ذلك آخر اتصال السماء بالأرض.
«الأدوار التي مرّ بها تحريم الربا»
من المستحسن أن نذكر هنا الأدوارالتي مرّ بها تحريم الربا، حتى ندرك سر التشريع الإسلامي، في معالجته للأمراض الاجتماعية، فنم المعلوم أن التشريع الإسلامي سار (بسُنّة التدرج) في تقرير الأحكام.
ولقد مرّ تحريم «الربا» بأربعة أدوار كما حدث في تحريم الخمر، وذلك تمشياً مع قاعدة التدرج:
стр. 368
الدول الأول: نزل قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلَا يَرْبُواْ عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون﴾ [الروم: ٣٩] وهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي - كما يظهر - ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا وإنما فيها إشارة إلى بغض الله للربا، وأن الربا ليس له ثواب عند الله فهي إذن (موعظة سلبية) .
الدورالثاني: نزل قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] وهذه الآية مدنية، وهي درس قصه الله سبحانه علينا من سيرة اليهود الذي حرم عليهم الربا فأكلوه واستحقوا عليه اللعنة والغضب، وهو تحريم (بالتلويح) لا (بالتصريح) لأنه حكاية عن جرائم اليهود وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرّم على المسلمين. وهذا نظير (الدور الثاني) في تحريم الخمر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح.
الدور الثالث: نزل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرباوا أضعافا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] . الآية وهذه الآية مدنية وفيها تحريم للربا صريح ولكنه تحريم (جزئي) لا (كلي) لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى (الربا الفاحش) وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذرة العليا، وبلغ في الإجرام النهاية العظمى، حيث كان الدَيْنُ فيه يتزايد حتى يصبح أضعافاً مضاعفة، يضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة حيث كان التحريم جزئياً لا كلياً في أوقات الصلاة
﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ... ﴾ [النساء: ٤٣] الآية.
الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع، الذي
стр. 369
لا يفرّق فيه القرآن بين قليل أو كثير، والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد ختم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا، فقد نزل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أموالكم لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ... ﴾ الآيات.
وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منه حيث حرمت الخمر تحريماً قاطعاً جازماً في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق (التدرج) .
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هو الربا المحرّم في الشريعة الإسلامية؟
الربا الذي حرّمه الإسلام نوعان: (ربا النسيئة) و (ربا الفضل) .
أما الأول (ربا النسيئة) : فهو الذي كان معروفاً في الجاهلية وهو أن يقرضه قدراً معيناً من المال إلى زمن محدود كشهرٍ أو سنة مثلاً مع اشتراط الزيادة فيه نظير امتداد الأجل.
قال (ابن جرير الطبري) ﵀: «إن الرجل في الجاهلية يكون له على الرجال مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه الدين أخّر عني ديْنَك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافاً مضاعفة، فنهاهم الله في إسلامهم عنه» .
стр. 370
وهذا النوع من الربا هو المستعمل الآن في البنوك والمصارف المالية، حيث يأخذون نسبة معينة في المائة كخمسة أو عشرة في المائة ويدفعون الأموال إلى الشركات والأفراد.
أما الثاني (ربا الفضل) : فهو الذي وضحته السنّة النبوية المطهرة، وهو أن يبيع الشيء بنظيره مع زيادة أحد العوضين على الآخر، مثاله: أن يبيع كيلاً من القمح بكيلين من قمح آخر، أو رطلاً من العسل الشامي برطل ونصف من العسل الحجازي، وهكذا في جميع المكيلات والموزونات.
والقاعدة الفقهية في هذا النوع من التعامل هي أنه (إذا اتحد الجنسان حرم الزيادة والنّساء، وإذا اختلف الجنسان حلّ التفاضل دون النساء) .
وتوضيحاً لهذه القاعدة الفقهية نقول: إذا أردنا مبادلة عين بعين كزيت بزيت، أو قمح بقمح، أو عنبٍ بعنب، أو تمر بتمر، حرمت الزيادة مطلقاً ولا تعتبر الجودة والرداءة هنا، وإذا اختلفت الأجناس كقمح بشعير، أو زيت بتمر مثلاً جازت الزيادة فيه بشرط القبض لما روي عن النبي ﷺ َ أنه قال:
«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وفي حديث آخر «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» أي مقبوضاً وحالاً.
الحكم الثاني: هل يباح الربا القليل؟ وما المراد من قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرباوا أضعافا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] ؟
يذهب بعض ضعفاء الإيمان (من مسلمي هذا العصر) إلى أن الربا المحرم إنما هو الربا الفاحش، الذي تكون النسبة فيه مرتفعة، ويقصد منه استغلال حاجة الناس، أما الربا القليل الذي لا يتجاوز نسبته اثنين أو ثلاثة في المائة فإنه غير محرم، ويحتجون على دعواهم الباطلة بأنّ الله ﵎ إنما حرم الربا إذا كان فاحشاً حيث قال ﵎: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرباوا أضعافا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠]
стр. 371
فالنهي إنما جاء مشروطاً ومقيداً وهو كونه مضاعفاً أضعافاً كثيرة، فإذا لم يكن كذلك، وكانت النسبة فيه يسيرة فلا وجه لتحريمه.
وللجواب على ذلك نقوله:
أولاً: إن قوله تعالى: ﴿أضعافا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] ليس قيداً ولا شرطاً، وإنما هو لبيان الواقع الذي كان التعامل عليه أيام الجاهلية، كما يتضح من سبب النزول، وللتشنيع عليهم بأنّ في هذه المعاملة ظلماً صارخاً وعدواناً مبيناً، حيث كانوا يأخذون الربا مضاعفاً أضعافاً كثيرة.
ثانياً: إن المسلمين قد أجمعوا على تحريم الربا قليله وكثيره، فهذا القول يعتبر خروجاً على الإجماع كما لا يخلو عن جهلٍ بأصول الشريعة الغراء، فإن قليل الربا يدعو إلى كثيره، فالإسلام حين يحرّم الشيء يحرّمه (كلياً) أخذاً بقاعدة (سدّ الذرائع) لأنه لو أباح القليل منه لجرّ ذلك إلى الكثير منه، والربا كالخمر في الحرمة فهل يقول مسلم عاقل إن القليل من الخمر حلال؟
ثالثاً: نقول لهؤلاء الجهلة (من أنصاف المتعلمين) : «أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضٍ؟ فلماذا تحتجون بهذه الآية على دعواكم الباطلة، ولا تقرؤون قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباوا﴾ وقوله تعالى: ﴿اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾ هل في هذه الآيات ما يقيد الربا بالقليل أو الكثير أم اللفظ مطلق؟ وكذلك قوله ﷺ َ في حديث جابر» لعن رسول الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء «فالربا محرم بجميع أنواعه بالنصوص القطعية، والقليل والكثير في الحرمة سواء. وصدق الله حيث يقول: ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات والله لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ .
стр. 372
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - الربا جريمة اجتماعية ودينية خطيرة.
٢ - الربا من الكبائر التي يستحق صاحبها عذاب النار.
٣ - القليل من الربا والكثير في الحرمة سواء.
٤ - على المؤمن أن يقف عند حدود الشرع باجتناب ما حرّم الله عليه.
٥ - السلاح الذي يعصم المسلم من المخالفات إنما هو تقوى الله.
خاتمة البحث
حكمة التشريع
اعتبرت الشريعة الإسلامية الربا من أكبر الجرائم الاجتماعية والدينية، وشنّت عليه حرباً لا هوادة فيها، وأوعد القرآ الكريم المتعاملين به عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، ويكفي أن نعلم عظم هذه الجريمة النكراء من تصوير حالة المرابين بذلك التصوير الشنيع الذي صورهم به القرآن، صورة الشخص الذي به مسّ من الجن، فهو يتخبط ويهذي كالمجنون الذي أصيب في عقله وجسمه.
ولم يبلغ من تفظيع أمر من أمور الجاهلية - أراد الإسلام إبطاله - ما بلغ من تفظيع أمر الربا، ولا بلغ من التهديد في منكر من منكرات كما بلغ في شأن الربا، فالربا في نظر الإسلام جريمة الجرائم، وأساس المفاسد، وأصل الشرور والآثام، وهو الوجه الكالح الطالح الذي يقابل الصدقة والبر والإحسان.
الصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل ... والربا شحّ،
стр. 373
وقذارة، ودنس، وجشع، وأثرة، وأنانية.
الصدقة نزولٌ عن المال بلا عوضً ولا ردّ، والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه، جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لكدّه وعمله، ومن لحمه إن لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة على نفسه وأهله.
فلا عجب إذاً أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم، الاجتماعية والدينية، وأن يعلن على المرابين الحرب ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه، ويمكننا أن نجمل هنا بعض هذه الأضرار في فقرات:
أولاً: ضرر الربا من الناحية النفسية.
ثانياً: ضرر الربا من الناحية الاجتماعية.
ثالثاً: ضرر الربا من الناحية الاقتصادية.
أما ضرر الربا من الناحية النفسية: فإنه يولّد في الإنسان حب (الأثرة والأنانية) فلا يعرف إلا نفسه، ولا يهمه إلا مصلحته ونفعه، وبذلك تنعدم روح التضحية والإيثار، وتنعدم معاني حبّ الخير للأفراد والجماعات، وتحلّ محلها حبّ الذات والأثرة والأنانية، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان فيغدوا الإنسان (المرابي) وحشاً مفترساً لا يهمه من الحياة إلا جمع المال، وامتصاص دماء الناس، واستلاب ما في أيديهم، ويصبح ذئباً ضارياً في صورة إنسان وديع، وهكذا تنعدم معاني الخير والنبل في نفوس الناس ويحل محلها الجشع والطمع.
أما ضرر الربا من الناحية الاجتماعية: فإنه يولّد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع ويدعو إلى تفكيك الروابط الإنسانية والاجتماعية بين طبقات الناس، ويقضي على كل مظاهر الشفقة والحنان، والتعاون والإحسان في
стр. 374
نفوس البشر، بل إنه ليزرع في القلب الحسد والبغضاء، ويدمّر قواعد المحبة والإخاء، ومن المقطوع به أن الشخص الذي لا تسكن قلبَه الشفقةُ والرحمةُ ولا يعرف معنى للأخوة الإنسانية سوف يعدم كل احترام أو عطفٍ من أبناء مجتمعة، وتكون النظرة إليه نظرة إزدراء واحتقار، وكفى (المرابي) مقتاً وهواناً أنه عدو لمجتمعه ولأبناء وطنه بل إنه عدوّ للإنسانية لأنه يمتص دماء البشر عن طريق استغلال حاجتهم واضطرارهم.
أما ضرر الربا من الناحية الاقتصادية: فهو ظاهر كل الظهور لأنه يقسم الناس إلى طبقتين: طبقة مترفة تعيش على النعيم والرفاهية، والتمتع بعرق جبين الآخرين وطبقة معدمة تعيش على الفاقة والحاجة، والبؤس والحرمان، وبذلك ينشأ الصراع بين هاتين الطبقتين، وقد ثبت أن (الربا) أعظم عامل من عوامل تضخم الثروات وتكدسها في أيدي فئة قليلة من البشر، وأنه سبب البلاء الذي حلّ بالأمم والجماعات حيث كثرت المحن والفتن، وزادادت الثورات الداخلية وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 375
سورة آل عمران
[١] النهي عن موالاة الكافرين
التحليل اللفظي
﴿أَوْلِيَآءَ﴾ : جمع ولي، وهو في اللغة بمعنى الناصر والمعين.
قال الراغب: وكلّ من ولي أمراً الآخر فهو وليه ومنه قوله تعالى: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
стр. 376
﴿تقاة﴾ : مصدر بمعنى التقيّة وهي أن يداري الإنسان مخافة شرّه.
قال ابن عباس: «التقيّة مداراة ظاهرة، وقد يكون الإنسان مع الكفار أو بين أظهرهم، فيتقيهم بلسانه ولا مودة لهم في قلبه» .
قال القرطبي: وأصل تُقَاة (وُقَية) على وزن فُعَلَة مثل: تُؤَدة وتُهَمَة، قلبت الواو تاء والياء ألفاً.
وقال أبو حيان: والمصدر على فُعَلة جاء قليلاً ولو جاء على المقيس لكان اتقاءً ونظيره قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] .
والمعنى: إلا أن تخافوا منهم خوفاً فلا بأس بإظهار مودتهم باللسان تقية ومداراة دفعاً لشرهم وأذاهم من غير اعتقاد بالقلب.
﴿المصير﴾ : المرجع والمآب، والمعنى: رجوعكم ومآبكم إلى الله فيجازيكم على أعمالكم.
«وجه المناسبة»
لما بيّن تعالى في الآيات السابقة أنه مالك الملك، المعز المذل، المتصرف في الكون حسب مشيئته وإرادته، وأنه القادر على إعطاء الملك لمن شاء، ونزعه ممن شاء، وأن العزة والذلة بيده، نهى المؤمنين في هذه الآيات عن موالاة أعدائه لتكون الرغبة فيما عنده دون أعدائه الكافرين.
سبب النزول
١ - نزلت هذه الآية الكريمة في شأن قوم من المؤمنين كان لهم أصحاب من اليهود كانوا يوالونهم فقال لهم بعض الصحابة: اجتنبوا هؤلاء اليهود
стр. 377
واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم ويضلوكم بعد إيمانكم فأبى أولئك النصيحة، وبقوا على صداقتهم ومصاحبتهم لهم فنزلت الآية الكريمة ﴿لَاّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ ... ﴾ الآية.
٢ - وروى القرطبي في «تفسيره» عن ابن عباسٍ ﵄ أن هذه الآية نزلت في (عُبَادة بن الصامت) الأنصاري البدري، كان له حلفاء من اليهود فلّما خرج النبي ﷺ َ يوم الأحزاب قال له عُبادة: يا نبيّ الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله ﵎: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ الآية.
المعنى الإجمالي
نهى الله عباده المؤمنين عن موالاة الكافرين أو التقرب إليهم بالمودة والمحبّة، أو مصادقتهم لقرابة أو معرفةٍ، لأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله إذ من غير المعقول أن يجمع الإنسان بين محبة الله وبين محبة أعدائه لأنه جمع بين النقيضين فمن أحبّ الله أبغض أعداءه.
فلا يجوز للمسلم أن يوالي غير المؤمنين فيتخذ من الكفّار الذين يتربصون بالمؤمنين السوء أولياء يصادقهم ويتودّد إليهم أو يستعين بهم ويترك إخوانه المؤمنين فليس بين الإيمان والكفر نسب وصلة، فالآية الكريمة تحذّر من موالاة الكافرين إلا في حال الضرورة وهو حال اتقاء شرهم وتجنب ضررهم أو الخوف منهم فتجوز موالاتهم بشرط أن يقتصر ذلك على الظاهر مع إضمار الكراهية والبغض لهم في الباطن، ثم ختمت الآية الكريمة بالوعيد الشديد الذي يدل على عظم الذنب الذي يرتكبه من يخالف أوامر الله ويوالي أعداءه.
стр. 378
وجوه القراءات
١ - قرأ الجمهور ﴿إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة﴾ وقرأ يعقوب وأبو الرجاء والمفضّل (تقيّه) بالياء المشدّدة ووزنها فعيلة والتاء بدل من الواو.
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ﴾ لا ناهية جازمة والفعل بعدها مجزوم وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين و (يتخذ) ينصب مفعولين (الكافرين) مفعول أول و (أولياء) مفعول ثان.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة﴾ الاستثناء مفرغ من عموم الأحوال أي لا تتخذوهم أولياء في حالٍ من الأحوال إلاّ في حال اتقاء شرهم وضررهم، و (تقاة) مفعول مطلق ل (تتقوا) وجوّز بعضهم أن يكون مفعولاً به أي إلا أن تتقوا شيئاً حاصلاً من جهتهم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ بدل قوله: (ومن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين) للاختصار، واستهجاناً بذكره، وتقبيحاً لهذا الصنيع، فموالاة الكافرين من أقبح القبائح عند الله.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ﴾ ليس من الله، أي ليس
стр. 379
من دين الله أو شرع الله، فهو على حذف مضاف، والتنكير في شيء للتحقير أي ليس هذا في قليل أو كثير من دين الله، لأنه جمع بين المتناقضين، وقد قال الشاعر:
تودّ عدّوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عند بعازب
اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جاء على النظم الأول لكان (إلا أن يتقوا) .
اللطيفة الرابعة: إظهار اسم الجلالة مكان الإضمار في قوله تعالى: ﴿وإلى الله المصير﴾ لتربية المهابة والروعة في النفس وتقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر.
«الآيات الدالة على تحريم موالاة الكافرين» .
وفي هذا المعنى الذي ذكرناه وهو حرمة موالاة الكافرين نزلت آيات كثيرة منها ما هو خاص بأهل الكتاب ومنها ما هو عام للمشركين نكتفي بذكر بعض هذه الآيات الكريمة.
١ - قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] .
٢ - وقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ... ﴾ [الممتحنة: ١] .
٣ - وقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَآءَ واتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] .
٤ - وقال تعالى:
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ... ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
٥ - وقال تعالى: ﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ ... ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
стр. 380
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هو حكم الاستعانة بالكفار في الحرب؟
اختلف الفقهاء في جواز الاستعانة بالكفار في الحرب على مذهبين:
١ - مذهب المالكية: أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الغزو أخذاً بظاهر الآية الكريمة واستدلوا بما ورد في قصة (عبادة بن الصامت) كما وضّحها سبب النزول. واستدلوا كذلك بما روته عائشة ﵂ أن رجلاً من المشركين كان ذا جرأة ونجدة جاء إلى النبي ﷺ َ يوم بدر يستأذنه في أن يحارب معه فقال ﷺ َ له: «ارجع فلن استعين بمشرك» .
ب - مذهب الجمهور (الشافعية والحنابلة والأحناف) : قالوا يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب بشرطين: أولاً: الحاجة إليهم. وثانياً: الوثوق من جهتهم، واستدلوا على مذهبهم بفعل النبي ﷺ َ فقد استعان بيهود فينقاع وقَسمَ لهم، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، فدَلّ ذلك على الجواز، وقالوا في الردّ على أدلة المالكية إنها منسوخة بفعله ﷺ َ وعمله، وقال بعضهم: إن ما ذكره المالكية يحمل على عدم الحاجة أو عدم الوثوق حيث أن النبي ﷺ َ لم يثق من جهته، وبذلك يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز.
الحكم الثاني: ما معنى التقية وما هو حكمها؟
قال ابن عباس: التقية أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثماً. وعرّف بعضهم التقيّة بأنها المحافظة على النفس والمال من شرّ الأعداء فيتقيهم الإنسان بإظهار الموالاة من غير اعتقادٍ لها.
قال «الجصاص» في «أحكام القرآن» : «وقد اقتضت الآية جواز اظهار الكفر عند التقية وهو نظير قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ
стр. 381
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب، بل ترك التقيّة أفضل. قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قُتل إنه أفضل ممن أظهر، وقد أخذ المشركون (خُبَيْب بن عدي) فلم يعط التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من (عمار بن ياسر) حين أعطى التقية وأظهر الكفر، فسأل النبي ﷺ َ عن ذلك، فقال كيف وجدت قلبك؟ قال: مطئمناً بالإيمان، فقال ﷺ َ» وإن عادوا فعد ... «. وكان ذلك على وجه الترخيص.
» قصة مسيلمة الكذاب مع بعض الصحابة «
روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي ﷺ َ فقال لأحدهما أتشهد أنّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فترك سبيله، ثم دعا بالآخر، وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، قالها ثلاثاً، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ َ فقال:» أمّا هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه «.
الحكم الثالث: هل تجوز تولية الكافر واستعماله في شؤون المسلمين؟
استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز تولية الكافر شيئاً من أمور المسلمين ولا جعلهم عمالاً ولا خدماً، كما لا يجوز تعظيمهم وتوقيرهم في المجلس والقيام عند قدومهم فإن دلالته على التعظيم واضحة، وقد أُمِرْنا باحتقارهم ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] .
قال (ابن العربي) : وقد نهى عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري بذمي كان استكتبه باليمن وأمره بعزله.
стр. 382
قال (الجصاص) : (وفي هذه الآية ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على المسلم في شيء، وأنه إذا كان الكافر ابن صغير مسلم بإسلام أمه، فلا ولاية له عليه في تصرف ولا تزويج ولا غيره، ويدل على أنّ الذمي لا يعقل جناية المسلم، وكذلك المسلم لا يعقل جنايته، لأن ذلك من الولاية والنصرة والمعونة) .
ومما يؤيد هذا الرأي ويرجحه قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] .
الحكم الرابع: حكم المداراة لأهل الشر والفجور:
تجوز مداراة أهل الشر والفجور، ولا يدخل هذا في الموالاة المحرمة فقد كان ﵊ ُ يداري الفسّاق والفجّار وكان يقول: «إنا لنَبشُّ في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم» أو كما قال، قال بعض العلماء: إن كانت فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير كما أنها لا تخالف أصول الدين فذلك جائز، وإن كانت تؤدي إلى ضرر الغير كالقتل والسرقة وشهادة الزور فلا تجوز البتة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - موالاة الكافرين، ومحبتهم، والتودّد إليهم محرمة في شريعة الله.
٢ - التقية عند الخوف على النفس أو المال، أو التعرض للأذى الشديد.
٣ - الإكراه يبيح للإنسان التلفظ الكفر بشرط أن يبقى القلب مطمئناً بالإيمان.
٤ - لا صلة بين المؤمن والكفر بولاية، أو نصرة، أو توارث، لأن الإيمان يناقض الكفر.
٥ - الله تعالى مطلع على خفايا النفوس لا تخفى عليه خافية من أمور عباده.
стр. 383
التحليل اللفظي
﴿أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ : المراد به أول بيت للعبادة، فالبيت الحرام أو المساجد على وجه الأرض، وقد سئل رسول الله ﷺ َ عن أول مسجد وضع الناس فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» .
стр. 384
قال علي بن أبي طالب: أول بيت وضع الناس للعبادة.
قال الزمخشري: ومعنى (وضُع للناس) أي جُعل متعبداً لهم، فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة.
﴿بِبَكَّةَ﴾ : اسم لمكة فتسمى (مكة) و (بكة) من باب الإبدال كقولهم سبد رأسه وسمده إذا حلقه، وطين لازب ولازم، وقيل: (بكة) موضع البيت، و (مكة) الحرم كله.
قال ابن العربي: وإنما سميت بكة لأنها تبكّ أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله تعالى.
﴿مُبَارَكاً﴾ : البركة معناها الزيادة وأكثر الخير، وهي نوعان: حسية، ومعنوية.
أمّا الحسية: فهي ما ساقه الله تعالى من خيرات الأرض وبركاتها إلى أهل هذه البلاد، تجبى إليهم من أقطار الدنيا كما قال تعالى: ﴿يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] .
وأما المعنوية: فهي توجه الناس من مشارق الأرض ومغاربها إلى هذه البلاد المقدسة، يأتون إلأيها من كل فج عميق لأداء المناسك من الحج والعمرة استجابة لدعوة الخليل ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوى إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
﴿وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ : هدى مصدر بمعنى (هداية) أي أن هذا البيت العتيق هو مصدر الهداية والنور لجميع الخلق، وقيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم.
﴿مَّقَامُ إبراهيم﴾ : هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ﵇ حين ارتفع بناء الكعبة وكان فيه أثر قدميه.
стр. 385
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من ﴿مَّقَامُ إبراهيم﴾ هو موضع قيامه للصلاة والعبادة، يقال: هذا مقامه أي الموضع الذي اختاره للصلاة فيه، وهذا قول (مجاهد) .
قال القرطبي: «وفسّر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم كله، فذهب إلى أن من آياته الصفا، والمروة، والركن، والمقام» .
فيكون المراد بالمقام المسجد الحرام كله.
﴿آمِناً﴾ : أي أمن على نفسه وماله. قال القاضي أبو يعلى: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، وتقديره: ومن دخله فأمنوه.
وقد فسّر بعض العلماء الأمن بأن المراد منه الأمن من العذاب في الآخرة وروي في ذلك آثاراً، ولا مانع من إرادة العموم، الأمن في الدنيا، والأمن من عذاب الله.
﴿سَبِيلاً﴾ : استطاعةُ السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه، وقد فسّرت الاستطاعة بملك الزاد والراحلة كما جاء في الحديث الصحيح.
المعنى الإجمالي
بيّن الله مكانة هذا البيت (البيت الحرام) وعدّد مزاياه وفضائله فهو أول بيت من بيوت العبادة وضع معبداً للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل ﵉ ليكون مثابة للناس وأمناً، ثم بني مسجد الأقصى بعد ذلك بعدة قرون بناه «سليمان» ﵇، فالبيت العتيق هو أول قبلة وأول معبد على وجه الإطلاق، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء
стр. 386
أقدم منه وقد عدّد الله من مزايا هذا البيت ما يستحق تفضيله على جميع المساجد وأماكن العبادة، فهو أول المساجد، وهو قبلة الأنبياء، وهو بلد الأمن والاستقرار وفيه الآيات البينات: الصفا، والمروة، وزمزم، والحطيم، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم، وفوق ذلك فأنّ الله خصّه بخصائص فجعله مركز الهداية والنور وفرض الحج إليه، يأتيه الناس من أقطار الدنيا ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، أفلا يكفي برهاناً على شرف هذا البيت وأحقيته أن يكون قبلة للمسلمين؟!
ذكر (القرطبي) في «تفسيره» عن (مجاهد) أنه قال: «تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل فأنزل الله هذه الآية.
«وجه الارتباط بالآيات السابقة»
كانت الآيات من أول سور «آل عمران» إلى هنا في تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد ﷺ َ مع إثبات الوحدانية، وقد تبع ذلك محاجة أهل الكتاب ودحض شبههم، وتفنيد ما استحدثوه في دينهم من بدعٍ وأهواء ما أنزل الله بها من سلطان. . أما هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ [آل عمران: ٩٣] فقد جاءت لدفع شبهتين من شبه اليهود التي كانوا يثيرونها لإفساد عقائد الناس.
الشبهة الأولى: إنهم قالوا للنبي ﷺ َ إنك تدَّعي أنك على ملة إبراهيم،
стр. 387
فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟ فقد استحللت ما كان محرّماً عليه، فلست بمصدّق له، ولا بموافق له في الدين، وليس لك أن تقول إنك أولى الناس به ... فردّ الله عليهم بأن كل الطعام كان حلالاً لإسرائيل ولذريته ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة ... ﴾ [آل عمران: ٩٣] الآية.
الشبهة الثانية: أما الشبهة الثانية التي أثارها اليهود فهي حينما حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة، فقد طعن اليهود في نبوة محمد ﵇، واتخذوا من هذا التحويل ذريعة لإنكار رسالته ﵊ ُ وتشكيك الناس في الإسلام، وقالوا إن «بيت المقدس» أفضل من الكعبة، وأحق بالاستقبال فهو قد وضع قبلها وهو أرض المحشر، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمونه ويصلّون إليه، فلو كنت يا محمد على ما كانوا عليه لعظّمتَ ما عظّموا، فرد الله سبحانه شبهتهم بهذه الآية ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ .
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: الحكمة في اختيار البيت العتيق لفريضة الحج، أن الله تعالى جعله قبلة أهل التوحيد، وأقام بناءه وشيّد دعائمه أبو الأنبياء (إبراهيم) الخليل ﵇، وهو أول المساجد على الإطلاق فليس ثمة معبد أقدم منه، وهو يقابل البيت المعمور في السماء، فالبيت العتيق مطاف أهل الأرض، والبيت المعمور مطاف أهل السماء.
اللطيفة الثانية: قال الإمام الفخر: «إن الله أمر الخليل ﵇ بعمارة
стр. 388
هذا البيت، فالآخر هو الله رب العالمين، والمبلّغ هو جبريل ﵇ فلهذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة، فالآخر هو المِلكُ الجليل، والمهندس جبريل، والباني هو الخليل، والتلميذ: إسماعيل ﵇» .
اللطيفة الثالثة: من مزايا البيت العتيق، ذلك الأمن الذي جعله الله فيه، وذلك ببركة دعاء إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] وقد كان الناس يتخطفون من أطراف الأرض وأهل مكة في أمن واستقرار وقد امتن الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: «لو ظفرتُ فيه بقاتل الخطاب لما مسسته حتى يخرج منه» .
اللطيفة الرابعة: قال العلامة أبو السعود: «وضع (ومن كفر) موضع من لم يحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه ولذلك قال ﵇» من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً «، ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات، المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج، والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه، حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق، وأبرزت في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس، لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج عن عهدته، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص والإبهام ثم التبيين والإجمال. .» .
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: حكم الجاني في الحرم.
اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فإنه يقتص منه، سواءً كانت
стр. 389
الجناية في النفس أم فيما دونها كالأطراف، وعللوا ذلك بأنّ الجاني انتهك حرمة الحرم فلم يعد يعصمه الحرم من القصاص، لأنه هو الذي أحدث فيه فيقتص منه. كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١] واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقتص منه في الحرم؟ على مذهبين:
١ - مذهب الحنفية والحنابلة: ذهب الإمام (أبو حنيفة) والإمام أحمد رحمهما الله إلى أنّ من اقترف ذنباً واستوجب به حداً ثم لجأ إلى الحرم عصمه لقوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ فأوجب الله سبحانه الأمن لمن دخله.
. والآية الكريمة على تقديره (خبرٌ يقصد به الأمر) ويكون المعنى: من دخله فأمّنوه، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] أي لا يرفثْ ولا يفسقْ ولا يجادل.
وهذا الرأي منقول عن حَبْر هذه الأمة (عبد الله بن عباس) فقد قال ابن عباس: إن جنى في الحِلّ ثم لجأ إلى الحَرَم لا يُقْتَصّ منه لكن لا يُجالس ولا يُبايع ولا يُكلّم حتى يخرج من الحرم فيقتص منه. . وهذا هو نفس مذهب الأحناف فإنهم قالوا إذا جنى ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يؤوي ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج فيقتص منه.
وقالوا: إن الحرم له حرمة خاصة فمن لجأ إليه احتمى كما قال تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ وكما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
ب - مذهب المالكية والشافعية: وذهب (الشافعية والمالكية) إلى أنّ من جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه، سواءَ كانت الجناية في النفس أو غيرها. واستدلوا ببضعة أدلة منها: ما روي أن النبي ﷺ َ أمر بقتل بعض المشركين في الحرم، وقال عن (ابن خطل) اقتلوه ولو رأيتموه متعلقاً بأستار الكعبة ومنها ما ورد (إنّ الحرم لا يجير عاصياً، ولا فاراً بخربة ولا فاراً بدم) وأجابوا على قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قالوا هذا كان في
стр. 390
الجاهلية لو أنّ إنساناً ارتكب كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من الحرم، وهذا من منن الله على أهل تلك البلاد فقد جعل لهم الحرم مركز أمن واستقرار. . أما الإسلام فلم يزده إلا شدةً فمن لجأ إليه جانباً أقيم عليه الحد، كيف لا والإسلام دين القوة والحزم؟!
الترجيح: ولعل الرأي الثاني هو الأوجه والأرجح، لأننا لو أخذنا بالرأي الأول - على ما فيه من وجاهة - لأصبح الحرم مركزاً لاجتماع الجُناة والمجرمين، ولاختل الأمن، لأن القاتل يقتل ثم يفر من وطنه ويأتي الحرم، لأنه يعلم أنه يحميه، وبذلك تنتشر الجرائم وتكثر المفاسد والله تعالى أعلم.
الحكم الثاني: حكم حج الفقير والعبد:
الفقير لا يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، ولكنه إذا أدى الحج سقط عنه الفرض بالإجماع، وأما العبد فإنه إذا حج هل تسقط عنه الفريضة؟
قال (أبو حنيفة) : يقع حجة نفلاً ويجب عليه أن يحج متى عتق، لأنه يشبه الطفل دون البلوغ فإنه إذا حج ثم بلغ سن الرشد يجب عليه حجة الفريضة، كذلك العبد إذا حج ثم عتق يجب عليه حجة الفريضة.
وقال (الشافعي) : يجزيه الحج قياساً على الفقير، واستدل بأنّ الجمعة لا تجب على فإذا صلاها سقط عنه الظهر، فكذلك الحج إذا أداه تسقط عنه حجة الفريضة، وهذا الرأي ضعيف فقد نقل عن النووي وهو من أئمة المذهب الشافعي ما يخالف ذلك حيث قال: إن مذهب الشافعية أن العبد إذا أحرم بالحج ثم عتق قبل الوقوف بعرفة أجزأه ذلك عن حجة الإسلام خلافاً لأبي حنيفة ومالك، أمّا إذا كان العتق بعد فوات الحج فإنه لا يجزئه، ولعل هذا هو الرأي الصحيح عند الشافعية فيكون الخلاف بين المذهبين (شكلياً) لا (جوهرياً) لأنهما متفقان على أن العتق إذا كان بعد أداء ركن وهو الوقوف بعرفة أجزأه ذلك عن حجة الإسلام خلافاً لأبي حنيفة ومالك، أمّا إذا كان العتق بعد فوات الحج فإنه لا يجزئه، ولعله هذا هو الرأي الصحيح عند الشافعية فيكون الخلاف بين المذهبين (شكلياً) لا (جوهرياً) لأنهما متفقان على أن العتق إذا كان بعد أداء ركن الحج
следующие страницы →