← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بحق كلٍ من الزوجين نحو الآخر، فإن ظهرت بوادر الشقاق والخلاف، واستحكمت أسباب الكراهية والنفرة جاز للمرأة أن تفتدي، وجاز للرجل أن يأخذ المال، وطلاقُ المرأة على هذا الوجه هو المعروف ب (الخُلع) وقد عرّفه الفقهاء بأنه» فراقُ الرجل زوجته على بدلٍ يأخذه منها «. وفي أخذ الزوج الفدية عدلٌ وإنصاف، فإنه هو الذي أعطاها المهر، وبذل تكاليف الزواج والزفاف، وأنفق عليها، وهي التي قابلت هذا كله بالجحود وطلبت الفراق فكان من الإنصاف أن تردّ عليه ما أخذت منه. والأصل في هذا ما رواه البخاري من قصة امرأة ثابت بن قيس وقد تقدم، وفيه قال لها ﵇: «أتردين عليه حديقته؟ قالت نعم، فقال رسول الله ﷺ َ: اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة» . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أعطاها لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾ وهذا عام يتناول القليل والكثير. وقال الشعبي والزهري والحسن البصري: لا يحل للزوج أن يأخذ زيادة على ما أعطاها، لأنه من باب أخذ المال بدون حق، وحجتهم أن الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال والنساء فلا تجوز الزيادة، والراجح أن الزيادة تجوز ولكنها مكروهة. وقد اختلف الفقهاء هل الخلع فسخ أو طلاق؟ فذهب الجمهور إلى أنه طلاق، وقال الشافعي في القديم إنه فسخ، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا خلعها هل تحسب عليه طلقة أم لا؟ والأدلة على هذه المسألة تطلب من كتب الفروع.

стр. 317

الحكم التاسع: ما هو حكم المطلقة ثلاثاً، وكيف تحل للزوج الأول؟ دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ على أن المطلقة ثلاثاً تحرم على زوجها الأول حتى تتزوج بزوج آخر، وهي التي يسميها الفقهاء (بائنة بينونه كبرى) وذلك لأن الله تعالى ذكر الطلاق وبيّن أنه مرتان، ثم ذكر حكم الخلع وأعقبه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فدلّ على أن المراد به الطلاق الثالث. قال القرطبي: «المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه» . وذهب جمهور العلماء والأئمة المجتهدون إلى أن المراد بالنكاح في قوله تعالى: ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ الوطء لا العقد، فلا تحل للزوج الأول حتى يطأها الزوج الثاني. وروي عن (سعيد بن المسيب) أنه قال: إن المطلقة ثلاثاً تحل للأول بالعقد على الثاني، وهو ضعيف لمصادمته للحديث الآتي الصحيح. واحتج الجمهور بما رواه ابن جرير عن عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله ﷺ َ فقالت: كنت عند رفاعة فلطقني فبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإنّ ما معه مثل هدبة الثوب فقال لها:» تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك «» رواه أصحاب السنن. والمراد بالعُسيلة: الجماع، شبّه اللذة فيه بالعسل. فقد وضّحتْ السنة المطهّرة أنّ المراد من فظ النكاح في الآية الكريمة هو (الجماع) لا العقد، وقال بعض العلماء إن الآية نفسها فيها دلالة على ذلك،

стр. 318

فقد قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم نكح المرأة، فقال فرّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أرادوا به المجامعة، وهنا قال تعالى: ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ فالمراد منه المجامعة. الحكم العاشر: نكاح المحلّل وهل هو صحيح أم باطل؟ المحلِّل: بكسر اللام هو الذي يتزوج المطلّقة ثلاثاً بقصد أن يحلّها للزوج الأول، وقد سمّاه ﵇ بالتيس المستعار ففي الحديث الشريف «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلَّل له» . وقد اختلف العلماء في نكاح المحلّل فذهب الجمهور (مالك وأحمد والشافعي والثوري) إلى أن النكاح باطل، ولا تحل للزوج الأول. وقال الحنفية وبعض فقهاء الشافعية: هو مكروه وليس بباطل، لأن في تسميته بالمحلّل ما يدل على الصحة لأنها سبب الحل، وروي عن الأوزاعي أنه قال: بئس ما صنع والنكاحُ جائز. حجة الجمهور: استدل الجمهور على فساد نكاح المحلّل بما يلي: أولاً - حديث «لعن رسول الله ﷺ َ المحلّل والمحلّل له» . ثانياً - حديث «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: هو المحلّل ... » الحديث.

стр. 319

ثالثاً - حديث ابن عباس «سئل رسول الله ﷺ َ عن نكاح المحلّل فقال: (لا» أي لا يحل «إلاّ نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عُسيلتها) » . رابعاً - ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «لا أوتي بمحلّل ولا بمحلّل له إلاّ رجمتهما» . خامساً - ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلّها لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلاّ نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ َ «. الترجيح: والحق ما ذهب إليه الجمهور لأن النكاح يقصد منه الدوام والاستمرار، والتأقيت يبطله فإذا تزوجها بقصد التحليل، أو اشترط الزوج عيه أن يطلّقها بعد الدخول فقد فسد النكاح لأنه يشبه (نكاح المتعة) حينئذٍ، وهو باطل باتفاق العلماء. قال العلامة ابن كثير ﵀: «والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغباً في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطأ مباحاً، لو وطئها وهي محرمة، أو صائمة، أو معتكفة، لم تحلّ للأول بهذا الوطء، واشترط الحسن البصري الإنزال وكأنه فهمه من قوله ﵇» حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك «. ثم قال: فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول فهذا هو (المحلّل) الذي وردت الأحاديث بذمة ولعنه، ومتى صرّح بمقصود، في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة ... ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك في» تفسيره «وقد أشرنا إلى بعضها فيما ذكرناه» .

стр. 320

«كلام السيد رشيد رضا في» المنار «» وقال في «تفسير المنار» : «ألا فليعلم كل مسلم أن الآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً هو ما كان زوجاً صحيحاً عن رغبة، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته، فمن تزوجها بقصد الإحلال كان زواجه (صورياً) غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول، بل هو معصية لعن الشارع فاعلها، فإن عادت إليه كانت حراماً، ومثال ذلك من طهّر الدم بالبول، وهو رجسٌ على رجس، ونكاحُ التحليل شرٌّ من نكاح المتعة وأشد فساداً وعاراً ... ثم نقل ما أورده ابن حجر المكي في كتابه» الزواجر «من الأخبار والآثار الدالة على التحريم ثم قال: وأنت ترى مع هذا أن رذيلة التحليل قد فشت في الأشرار، الذين جعلوا رخصة الطلاق عادة ومثابة، فصار الإسلام نفسه يعاب بهم وما عيبة سواهم، وقد رأيت في لبنان رجلاً نصرانياً ولع بشراء الكتب الإسلامية، فاهتدى إلى حقيقة الإسلام مع الميل إلى التصوف فأسلم، وقال لي: لم أجد في الإسلام غير ثلاثة عيوب لا يمكن أن تكون من الله، أقبحُها مسألة (التجحيش) أي التحليل فبينت له الحق فيها فاقتنع» . أقول: إنَّ في التحليل مفاسد كثيرة نبّه عليها العلماء، وقد عقد العلامة (ابن القيم) في كتابة «أعلام الموقعين» فصولاً في بيانها، وقد طعن قوم في الشريعة الإسلامية لأنها أجازته، وقد علمت الرأي الصحيح في الموضوع عن النبي ﷺ َ وعن الصحابة والتابعين فالصواب ألا ينسب إليها حله والله المستعان. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - وجوب العدة على المطلقة رجعية كانت أو بائنة للتعرف على براءة الرحم.

стр. 321

٢ - حرمة كتمان ما في الرحم من الحمل، ووجوب الأمانة في الإخبار عن موضوع العدة. ٣ - الزوج أحق بزوجته المطلّقة رجعياً ما دامت العدة لم تنته بعد. ٤ - الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الزوجية سواء، وله عليها درجة القوامة والإشراف. ٥ - الطلاق الرجعي الذي يملك فيه الزوج الرجعة مرتان فقط وفي الثالثة تحرم عليه حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً شرعياً صحيحاً بقصد الدوام والاستمرار. ٦ - جواز الخلع والافتداء إذا كان ثمة مصلحة شرعية توجب الفراق. ٧ - حرمة الإضرار بالزوجة لتفتدي نفسها من زوجها بالمال على الطلاق. ٨ - لا بأس بعودة المطلّقة إلى زوجها الأول إذا طلّقها الزوج الثاني بعد المساس. خاتمة البحث: حكمة التشريع أباح الإسلام الطلاق، واعتبره أبغض الحلال إلى الله، وذلك لضرورة قاهرة، وفي ظروف استثنائية ملحّة، تجعله دواءً وعلاجاً للتخلص من شقاء محتّم، قد لا يقتصر على الزوجين بل يمتد إلى الأسرة كلها فيقلب حياتها إلى جحيم لا يطاق. والإسلام يرى أن الطلاق هدم للأسرة، وتصديع لبنيانها، وتمزيق لشمل أفرادها، وضرره يتعدى إلى الأولاد، فإن الأولاد حينما

стр. 322

يكونون في حضن أمهاتهم يكونون موضعاً للرعاية وحسن التربية، وإذا حرموا عطف الأم وحنانها تعرضوا إلى التمزيق والتشتت، ومع هذا فقد أجازه الإسلام، لدفع ضررٍ أكبر، وتحصيل مصلحة أكثر، وهي التفريق بين متباغضين من الخير أن يفترقا، لأن الشقاق والنزاع قد استحكم بينهما، والحياةُ الزوجية ينبغي أن يكون أساسها الحب، والوفاء، والهدوء، والاستقرار، لا التناحر، والخصام، والبغضاء. فإذا لم تُجْد جميع وسائل الإصلاح للتوفيق بين الزوجين كان الطلاق ضرورة لا مندوحة عنه، ومن الضرورات التي تبيح الطلاق أن يرتاب الرجل في سلوك زوجته، وأن يطلع منها على الخيانة الزوجية باقتراف (فاحشة الزنى) فهل يتركها تفسد عليه نسبه، وتكدّر عليه حياته أم يطلّقها؟ وهناك أسباب أخرى كالعقم، والمرض الذي يحول دون الالتقاء الجسدي، أو المرض المعدي الذي يخشى انتقاله إلى الآخر إلى غير ما هنالك من الأسباب الكثيرة. وقد جعل الله جل ثناؤه الطلاق في تشريعه الحكيم مرتين متفرقتين في طهرين - كما دلت على ذلك السنة المطهرة - فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق وأمضى الطلاق، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الرويّة وهذه الأناة إلا زوجان من الخير ألاّ يجتمعا لصالح الأسرة وصالحهما بالذات. يقول الأستاذ الفاضل (أحمد محمد جمال) في كتابه «محاضرات في الثقافة الإسلامية» ما نصه: «ومما ينبغي ملاحظته هنا في حديثنا الموجز عن الطلاق في الإسلام، أن الشريعة الإسلامية انفردت بنظام (المراجعة) في الطلاق دون الشرائع الأخرى، حرصاً على إعادة الرباط الزوجي بين الزوجين، وحفاظاً على الذرية من الضياع والتشرد، واستصلاحاً لما فسد بين الزوجين من مودة وسكن، ويعتبر الطلاق الرجعي في الإسلام - وهو المرة الأولى والثانية - فترة اختبار للزوجين، وفرصة تأمل ومراجعة للأخطاء والزلات والندم والتوبة، ثم العودة إلى بيت الزوجية وما يظلله من مودة ورحمة وسكن وذرية.

стр. 323

كما ينبغي أن نلاحظ أيضاً أن الإسلام جاء ليصحّح وضعاً خاطئاً، ويحفظ للمرأة كرامة كانت مضيعة على عهد الجاهلية الأولى، إذ كان العرب يطلّقون دون حصر أو عدد، فكان الرجل يطلق ما شاء ثم يراجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها إضراراً لها، حيث تظل معلّقة بين طلاق ورجعة في نهاية العدة، ثم طلاق في بداية الرجعة وهكذا، فنزل القرآن الكريم يضع لهذه الفوضى حداً، ولهذا الظلم النازل بالنساء قيداً ﴿الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ .

стр. 324

[١٧] أحكام الرضاع التحليل اللفظي ﴿والوالدات﴾ : جمع والدة بالتاء، والوالد: الأب، والوالدة: الأم، وهما الوالدان كذا في «اللسان» ، قال في «البحر» : وكان القياس أن يقال: والد، لكن قد أطلق على الأب والد فجاءت التاء في الوالدة للفرق بين المذكر

стр. 325

والمؤنث من حيث الإطلاق اللغوي، وكأنه روعي في الإطلاق أنهما أصلان للولد فأطلق عليهما والدان. ﴿حَوْلَيْنِ﴾ : أي سنتين من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلبٌ من الوقت الأول إلى الثاني. قال الراغب: والحول السنة اعتباراً بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. ﴿المولود لَهُ﴾ : أي الأب، لأن الأولاد ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات قال الشاعر: فإنّما أمهاتُ الناسِ أوعيةٌ ... مستودَعاتٌ وللآباء أبناء ﴿فِصَالاً﴾ : فطاماً عن الرضاع، والفِصَال والفَصْلُ: الفطام، وإنما سمي الفطام بالفصال، لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات. قال المبرّد: يقال: فصل الولد عن الأم فصلاً وفصالاً، والفصالُ أحسن، لأنه إذا انفصل عن أمه فقد انفصلت منه فبينهما فصال نحو القتال، والضراب ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ : التشاور في اللغة: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة مأخوذ من الشور وهو استخراج العسل. قال الراغب: والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شِرتُ العسل إذا استخرجته من موضعه. ﴿تسترضعوا﴾ : أي تطلبوا الرضاع لأولادكم يقال: استرضع أي طلب الرضاع، مثل: استفتح طلب الفتح، واستنصر طلب النصر.

стр. 326

والمعنى: إذا أردتم أيها الآباء أن تسترضعوا المراضع لأولادكم أي تطلبوا لهم من يرضعهم فلا إثم عليكم ولا حرج. ﴿بالمعروف﴾ : أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً الذي أمركم به الدين. ﴿بَصِيرٌ﴾ : أي مطلع على عمالكم، لا تخفى عليه خافية والمراد أنه مجازيكم عليها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. المعنى الإجمالي أمر الله تعالى الوالدات (المطلّقات) بإرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين إذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة، وأنّ على الولد كفاية المرضع التي تقوم بإرضاع ولده، والإنفاق عليها لتقوم بخدمته حق القيام، وتحفظه من عاديات الأيام، وأن يكون ذلك الإنفاق بحسب المعروف والقدرة والطاقة لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. ثم حذّر تعالى كلاً من الوالدين أن يضارّ أحدهما الآخر بسبب الولد، فلا يحل للأم أن تمتنع عن إرضاع الولد إضراراً بأبيه، وأن تقول له مثلاً: اطلب له ظئراً غيري، ولا يحل للأب أن ينزع الولد منها مع رغبتها في إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد. ثمّ بيّن تعالى أن الوالدين إذا أرادوا فطام ولدهما بعد التشاور والتراضي قبل تمام الحولين فلا إثم ولا حرج إذا رأيا استغناء الطفل عن لبن أمه بالغذاء، فإن هذا التحديد إنما هو لمصلحة الطفل ودفع الضرر عنه، والوالدان أدرى الناس بمصلحته وأشفقهم عليه وإن أردتم - أيها الآباء - أن تطلبوا مرضعة لولدكم غير الأم بسبب إبائها، أو عجزها أو إرادتها الزواج، فلا إثم عليكم في ذلك، بشرط أن تدفعوا إلى هذه المرضعة ما اتفقتم عليه من الأجر، ولا

стр. 327

تبخسوها حقها، فإن المرضع إذا لم تكرم لا تهتم بالطفل ولا تُعنى بإرضاعه ولا بسائر شؤونه، فأحسنوا معاملتهن ليحسنّ أمور أولادكم، واتقوا الله أيها المؤمنون واعلموا أن الله مطلّع عليكم لا تخفى عليه خافية من شؤونكم وأنه مجازيكم عليها يوم الدين ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] . وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ وقرأ مجاهد (أن تَتمّ الرضاعةُ) بالتاء وبرفع الرضاعة، وقرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة (الرّضاعة) بكسر الراء. قال الزجاج «الرّضاعة» بفتح الراء وكسرها والفتح أكثر. ٢ - قرأ الجمهور ﴿لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (لا تضارّ) بالرفع على أن (لا) نافية. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم﴾ قرأ الجمهور ﴿آتَيْتُم﴾ بالمد، وقرأ ابن كثير ﴿أتيتم﴾ بالقصر. وجوه الإعراب أولاً - قوله تعالى: ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و (رزقهن) مبتدأ مؤخر وهو مضاف أي رزق المرضعات و (بالمعروف) متعلق بت (رزقهن) . ثانياً - قوله تعالى: ﴿لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ لا ناهية جازمة و (تضارّ)

стр. 328

أصلها (تضارر) سكنت الراء الأخيرة للجزم والراء الأولى للإدغام فالتقى ساكنان فحرك الأخير منهما بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين و (والدة) فاعل والمفعول به محذوف تقديره: لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها. ثالثاً - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلَادَكُمْ﴾ استرضع يتعدى لمفعولين الثاني بحرف الجر والمعنى: أن تسترضعوا المراضع لأولادكم، حذف المفعول الأول لاستغناء عنه. قال الواحدي: «أي أولادكم وحذف اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع لأنه لا يكون إلاّ الأولاد، ونيظره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم» . وجه الارتباط في الآيات السابقة مناسبة هذه الآية لما قبلها من الآيات، أنه تعالى لما ذكر جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح، والطلاق، والعدة، والرجعة، والعضل، ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرضاع، لأن الطلاق يحصل به الفراق، فقد يطلّق الرجل زوجته ويكون لها طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع انتقاماً من الزوج وإيذاءً له، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلّقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ورد الأمر بصيغة الخبر للمبالغة أي ليرضعن، والجملة

стр. 329

ظاهرها الخبر وحقيقتها الأمر كقول: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والتعبير عنهن بلفظ (الوالدات) دون قوله: والمطلقات أو النساء المطلقات لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهن لا ينبغي أن يحرمن عاطفة الأمومة. اللطيفة الثانية: العدول عن قوله: وعلى الوالد إلى قوله: ﴿وَعلَى المولود لَهُ﴾ فيه لطيفة وهي أن الأولاد يتبعون الأب ويلتحقون بنسبه دون الأم، فالموجب المقتضي للإنفاق على الأمهات والمرضعات كون الأولاد لهم فعليهم تجب النفقة، واللفظ يشعر بالمنحة وشبه التمليك ولهذا أتى به دون لفظ الوالد. قال الزمخشري: «فإن قلت: لم قيل (المولود له) دون الوالد؟ قلت: ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات» . اللطيفة الثالثة: قال أبو حيان: وصف الله تعالى الحولين بالكمال (حولين كاملين) دفعاً للمجاز الذي يحتمله ذكر الحولين، إذ يقال: أقمتُ عند فلان حولين وإن لم يستكملهما، وهي صفة توكيد كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] . اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ أضاف الولد في الآية إلى كل من الأبوين ﴿وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ و ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ وذلك لطلب الاستعطاف والإشفاق، فالولد ليس أجنبياً عن الوالدين، هذه أمه وذاك أبوه، فمن حقهما أن يشفقا عليه، ولا تكون العداوة بينهما سبباً للإضرار بالولد. قال العلامة أبو السعود: «إضافة الولد إلى كلٍ منهما لاستعطافهما إليه، وللتنبيه على أنه جدير بأن يتفقا على استصلاحه، ولا ينبغي أن يضرا به

стр. 330

أو يتضارّا بسببه» . اللطيفة الخامسة: في قوله تعالى: ﴿أَن تسترضعوا أَوْلَادَكُمْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتلوين في التعبير لأن الآية قبله ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ جاء بضمير التثنية للغائب، وهنا جاء بضمير الجمع للمخاطب، وفائدة هذا الالتفات هز مشاهر الآباء إلى امتثال أمر الله في الأبناء. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالوالدات في الآية الكريمة؟ أ - قال بعضهم: لفظ الوالدات في الآية خاص بالمطلقات، وهو قول مجاهد والضحاك، والسدّي. واستدلوا بأن الآيات السابقة كانت في أحكام المطلقات وهذه وردت عقيبها تتمة لها، وبأن الله أوجب على الوالد رزقهن وكسوتهن، ولو كنّ أزواجاً لما كان هناك حاجة إلى هذا الإيجاب، لأن النفقة واجبة على الزوج من أجل الزوجة، ثم تعليل الحكم بالنهي على المضارّة بالولد يدل على أن المراد بالوالدات المطلقات، لأنّ التي في عصمة الزوجية لا تضارّ ولدها. ب - وقال بعضهم: إنه خالص بالوالدات الزوجات في حال بقاء النكاح، وهو اختيار الواحدي كما نقله عنه الرازي والقرطبي، ودليلهم أن المطلّقة لا تستحق الكسوة، وإنما تستحق الأجرة فلما قال تعالى: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾

стр. 331

دلّ على أن المراد بهن الأمهات الزوجات. ج - وقال آخرون: المراد بالوالدات العموم أي جميع الوالدات سواءً كنّ مزوجات أو مطلقات، عملاً بظاهر اللفظ فهو عام ولا دليل على تخصيصه وهو اختيار القاضي أبو يعلى، وأبو سليمان الدمشقي مع آخرين، ولعل هذا القول هو الأرجح وقد ذهب إليه أبو حيان في «البحر المحيط» . الحكم الثاني: هل يجب على الأم إرضاع ولدها؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب على الأم إرضاع ولدها لظاهر قوله تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فهو أمر في صورة الخبر أي: (ليرضعن أولادهن) . وهذا مذهب مالك أن الرضاع واجب على الأم في حال الزوجيّة فهو حق عليها إذا كانت زوجة، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عُدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعُرف، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلاّ أن تشاء هي إرضاعه فهو أحق، ولها أجرة المثل. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر هنا للندب، وأنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها إلاّ إذا تعينّت مرضعاً بأن كان لا يقبل غير ثديها، أو كان الوالد عاجزاص عن استئجار ظئر (مرضعة) ترضعه، أو قدر ولكنه لم يجد الظئر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى﴾ [الطلاق: ٦] ولو كان الإرضاع واجباً لكلفها الشرع به، وإنما ندب لها الإرضاع لأن لين الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر.

стр. 332

الحكم الثالث: ما هي مدة الرضاع الموجب للتحريم؟ ذهب الجمهور الفقهاء (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الرضاع الذي يتعلق به حكم التحريم، ويجري به مجرى النسب بقوله ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» هو ما كان في الحولين واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وبما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ َ قال: «لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين» . وذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع المحرّم سنتان ونصف لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] . قال العلامة القرطبي: «والصحيح الأول لقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وهذا يدل على أن لا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين، ولقوله ﵇:» لا رضاع إلا ما كان في الحولين «وهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له، وقد روي عن عائشة القول به، وبه يقول: (الليث بن سعد) وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير، وروي عنه الرجوع عنه» . الحكم الرابع: كيف تقدر نفقة المرضع؟ دل قوله تعالى: ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ على

стр. 333

وجوب النفقة للمرضع على الزوج، والنفقة تكون على قدر حال الأب من السعة والضيق لقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ وقد دل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله﴾ [الطلاق: ٧] وأخذ الفقهاء من آية البقرة ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ وجوب النفقة الولد على الوالد، لأن الله أوجب نفقة المطلقة على الوالد في زمن الرضاع لأجل الولد، فتجب نفقته على أبيه ادام صغيراً لم يبلغ سن التكليف. قال الجصاص في تفسيره «أحكام القرآن» : وقد حوت الآية الكريمة الدالة على معنيين: أحدهما: أن الأم أحقّ برضاع ولدها في الحولين، وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه. والثاني: أن الذي يلزم الأب في نفقة الرضاع إنما هو سنتان. وفي الآية دلالة على أن الأب لا يشارك في نفقة الرضاع لأن الله أوجب هذه النفقة على الأب للأم، وهما جميعاً وارثان، ثم جعل الأب أولى بإلزام ذلك من الأم مع اشتراكهما في الميراث، فصار ذلك أصلاً في اختصاص الأب بإلزام النفقة دون غيره، كذلك حكمه في سائر ما يلزمه من نفقة الأولاد الصغار، والكبار الزمني، يختص هو بإيجابه عليه دون مشاركة غيره فيه لدلالة الآية عليه «. الحكم الخامس: ما المراد من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك﴾ ؟ واختلف المفسّرون في المراد من لفظ ﴿الوارث﴾ في الآية الكريمة على أقوال: أ - قال بعضهم: المراد وارث المولود أي وارث الصبي لو مات، وهو

стр. 334

قول عطاء ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقد اختلف أصحاب هذا القول فقال بعضهم وارثه من الرجال خاصة هو الذي تلزمه النفقة، وقال آخرون: وارثه من الرجال أو النساء وهو قول (أحمد) وإسحاق، وقال آخرون: وارثه كل ذي رحم محرم من قرابة المولود، وهو قول (أبي حنيفة) وصاحبيه. ب - وقال بعضهم: المراد بالوارث هو وارث الأب وهو مروي عن الحسن، والسُدّي. ج - وقال بعضهم: المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر وهو قول سفيان الثوري. د - وقال آخرون: المراد بالوارث الصبي نفسه فتجب النفقة عليه في ماله إن كان له مال. وقد رجح الطبري الرأي الأخير واختاره من بين بقية الأقوال والله أعلم بالصواب. ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - على الأمهات إرضاع الأبناء، لأن لبن الأم أصلح وشفقتها على ولدها أكمل. ٢ - نسب الأولاد للآباء، والآباءُ أحق بالتعهد والحماية والإنفاق. ٣ - النفقة على قدر طاقة الوالد عسراً ويسراً ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 335

٤ - نفقة الصغير تجب على وارثه عند فقد أبيه لأن الغُرْم بالغنم. ٥ - فطام الطفل قبل عامين ينبغي أن يكون بمشورة ورضى الأبوين. خاتمة البحث: حكمة التشريع حث الله تعالى الأمهات على إرضاع الأبناء، وحدّد مدة الرضاع بعامين كاملين، لأن هذه المدة يستغني بها الطفل عن ثدي أمه، ويبدأ بالتغذي بعدها عن طريق تناول الطعام والشراب. . وليس هناك لبن يعادل لبن الأم، فهو أفضل غذاء باتفاق الأطباء فالولد قد تكوّن من دمها في أحشائها، فلما برز إلى الوجود تحوّل الدم إلى لبنٍ يتغذى منه، فهو اللبن الذي يلائمه ويناسبه لأنه قد انفصل من الأم، وقد قضت الحكمة الإلهية أن تكون حالة لبن الأم في التغذية ملائمة لحال الطفل بحسب درجات سنه، فإذا أرضعته مرضع لضرورة وجب التدقيق في صحتها، ومعرفة أخلاقها وطبائعها، لأن لبنها يؤثر في جسم الطفل وأخلاقه وآدابه، إذ هو يخرج من دمها ويمتصه الولد، فيكون دماً له ينموا به اللحم، ويُنشز العظم، فيؤثر فيه جسمياً وخلقياً، وقد لوحظ أن تأثير انفعالاتها النفسية والعقلية أشد من تأثير صفاتها البدنية فيه، فما بالك بآثار عقلها وشعورها وملكاتها النفسية؟! والأم حين ترضع ولدها لا ترضعه اللبن فحسب، بل ترضعه العطف والرحمة والحنان، فينشأ مجبولاً على الرحمة، محباً للخير، وعلى العكس حال أولئك الذين يحرمون عطف وحنان أمهاتهم، يكونون معقّدين، وتفتعل في نفوسهم نوازع القسوة والشر والانتقام، وقد فطن علماء التربية والتهذيب

стр. 336

في الأمم الراقية إلى هذا الأمر، حتى كان نساء القياصرة يرضعن أولادهن بأنفسهن، ولا يرضين تسليمهم إلى المراضع. فأين هذا مما نراه اليوم من التهاون في رضاعة الأولاد وسائر شؤونهم!! حتى الأمهات اللواتي فطرهن الله تعالى على التلذذ بإرضاع أولادهن والغبطة به، قد صار نساء الأغنياء منهن في هذا الزمان يرغبن عنه ترفعاً وطمعاً في السمن وبقاء الجمال وكل هذا مقام لسنة الفطرة، ومفسد لتربية الأولاد، ولسنا نرى ديناً تعرض لمحاسن تربية النشء مثل ما تعرض له الإسلام، فاللهم وفقنا للاهتداء بهديه الكريم إنك سميع مجيب الدعاء.

стр. 337

التحليل اللفظي ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ : أي يموتون ويُقبضون قال تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وأصل التوفي: أخذ الشيء وافياً كاملاً، فمن مات فقد استوفى عمره ورزقه. قال أبو السعود: «أي تقبض أرواحهم بالموت، فإن التوفي هو القبض يقال: توفيت مالي أي قبضته» .

стр. 338

وقال الإمام الفخر: «يقال: توفىّ فلان، وتُفي إذا مات، فمن قال: تُوفّى كان معناه قُبض وأخذ، ومن قال: تَوفّى كان معناه أجله واستوفى عمره» . ﴿وَيَذَرُونَ﴾ : أي يتركون، وهذا الفعل لا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، ومثله (يدع) ليس له ماضٍ ولا مصدر، يقال: فلان يَدع كذا ويَذر، ويأتي منهما الأمر يقال: دعْهُ وذرْه قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر: ١١] . ﴿أَزْوَاجاً﴾ : الأزواج هاهنا: النساء، والعرب تسمي الرجل زوجاً وامرأته زوجاً له، وربما ألحقوا بها الهاء فقالوا: زوجة وهو خلاف الأفصح. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ : التربص الانتظار ومنه قوله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وقد تقدم. ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ : الأجل: المدة المضروبة للشيء، ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ ... ﴾ [الأعراف: ٣٤] والمراد هنا: انقضاء العدة. ﴿خَبِيرٌ﴾ : الخبير العالم بالأمور خفيّها وجليّها الذي لا تخفى عليه خافية. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: الذين يموتون من رجالكم، ويتركون أزواجهم بعد الموت، على هؤلاء الزوجات أن ينتظرن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرة أيام، يمكثن في العدة حداداً على أزواجهن، فلا يتعرضن للخُطَّاب،

стр. 339

ولا يتزينن ولا يتطيّبن، ولا يخرجن من بيوت أزواجهن ما دُمْن في العدة فإذا انقضت عدتهن فلا جناح ولا إثم عليكم أيها الأولياء في تركهنّ أن يتزوجن، ويفعلن ما أباحه لهن الشرع من الزينة والتطيب، والله عليم بأعمالكم. خبير بأفعالكم، لا تخفى عليه خافية فاتقوه وأطيعوه في ما أمركم به، ومنه الحداد على الأزواج. وجوه الإعراب قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ في إعرابه وجهان: أحدهما أن ﴿والذين﴾ مبتدأ، و ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ مضارع مبني للمجهول، والخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون. والثاني: أن المبتدأ محذوف و (الذين) قام مقامه تقديره: وأزواج الذين يتوفون منكم، ودل على المحذوف قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ والخبر ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ . قال الطبري: «فإن قال قائل: فأين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل: متروك لأنه لم يقصد الخبر عنهم، وإنما قصد الخبر عن الواجب على المعتدات في وفاة أزواجهن، فصرف الخبر عنهم إلى الخبر عن أزواجهم، وهو نظير قول الشاعر: لعلّي إنْ مالتْ بي الريحُ ميلة ... على ابن أبي زبّان أن يتندما

стр. 340

لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الفصيح المستعمل في التعبير عن الموت أن يقال: تُوفي فلان، بالبناء للمفعول، والتعبير باسم الفاعل يعده البعض لحناً، لأنه مقبوضٌ لا قابض، وقد روي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان خلف جنازة، فقال له رجل: من المُتَوفّي؟ فقال:» اللهُ تعالى «وكان هذا من أسباب وضع أحكام النحو. اللطيفة الثانية: الزوج يطلق على الذكر والأنثى، وهو في الأصل العدد المكّون من اثنين، وسمي كل من الرجل والمرأة (زوجاً) لأن حقيقة الزوج مكونة من شيئين اتحدا فصارا شيئاً واحداً، ولهذا وضع لهما لفظ واحد، فهما في الظاهر شيئان، وفي الباطن شيء واحد، ومقتضى الزوجية أن يتحدا حتى يكون كل منهما كأنه عين الآخر. اللطيفة الثالثة: روى ابن جرير الطبري عن أم سلمة ﵂، أن امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبي ﷺ َ تستفتيه في الكحل فقال لها: «لقد كانت إحداكنّ تكون في شر أحلاسها، فتمكث في بيتها في بيتها حولاً إذا توفي زوجها، فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة، أفلا أربعة أشهر وعشراً؟!» اللطيفة الرابعة: الحكمة في تحديد عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر أيام،

стр. 341

هي أن الغاية الأصلية معرفة براءة الرحم، والجنين يتكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقه، ثم أربعين يوماً مضغة، كما دل على ذلك الحديث الصريح الصحيح، فهذه مائة وعشرون يوماً، ثم تنفخ فيه الروح بعد هذه المدة، فزيدت العشر لذلك، وقد سئل أبو العالية: لم ضمت العشر إلى الأربعة أشهر؟ فقال: لأن الروح فيها تنفخ. الحكم الأول: هل الآية ناسخة لآية الاعتداد بالحول؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله : ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] فقد كانت العدة حولاً كاملاً، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في (التلاوة) على آية الاعتداد بالحول، إلاّ أنها متأخرة في (النزول) فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفي فتكون ناسخة، وذهب بعضهم إلى أنه ليس في الآية نسخ، وإنما هو نقصان من الحول كصلاة المسافر لما نقصت من أربع إلى اثنين لم تكن نسخاً وإنما كانت تخفيفاً. قال القرطبي: «وهذا غلطٌ بيّن، لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشراً فهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء» . الحكم الثاني: ما هي عدة الحامل المتوفي عنها زوجها؟ عدة الحامل المتوفي عنها زوجها (وضع الحمل) لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ

стр. 342

الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فالآية هذه قد خصّصت العموم الوارد في قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ... ﴾ وهذا قول جمهور العلماء. وروي عن علي وابن عباس ﵄ أن الحامل تعتدّ بأبعد الأجلين، بمعنى أنها إذا كانت حاملاً فوضعت الحمل ولم تنته مدة العدة (أربعة أشهر وعشر) تبقى معتدة حتى تنتهي المدة، وإذا انتهت المدة ولم تضع الحمل تنتظر حتى وضع الحمل، فإذا قعدت أبعد الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح. قال القرطبي: وهذا نظرٌ حسن لولا ما يعكر عليه من حديث (سبيعة الأسلمية) وهو في الصحيح. حجة الجمهور: استدل الجمهور على أن عدة الحامل وضع الحمل بالكتاب والسنة: أ - أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، فهذه عامة في المطلّقة والمتوفى عنها زوجها، وقد جعل الله العدة فيها بوضع الحمل. ب - وأما السنة فما روي عن (سُبيعة الأسلمية) أنها كانت تحت (سعد بن خولة) وهو ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنْشبْ (أي تلبث) أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها (أي طهرت من دم النفاس) تجمّلت للخُطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلّك ترجِّينَ النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسول الله ﷺ َ فسألته عن ذلك فأفتاني

стр. 343

بأني قد حللْتُ حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي «. قال ابن عبد البر:» وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث (سُبيْعة) لمّا احتُج به عليه، قال: ويصحّح ذلك أن أصحابه أفتوا بحديث سُبيْعة كما هو قول أهل العلم قاطبة «. وقال القرطبي:» فبيّن الحديثُ أن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] محمول على عمومه في المطلقات، والمتوفّى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنْفين، ويعتضد هذا بقول ابن مسعود: «من شاء باهلته، إن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة» . الحكم الثالث: ما هو الإحداد، وكم تحد المرأة على زوجها؟ أوجبت الشريعة الغراء أن تحد المرأة على زوجها المتوفى مدة العدة وهي (أربعة أشهر وعشر) ويجوز لها أن تحد على قريبها الميت ثلاثة أيام، ويحرم عليها أن تحد عليه فوق ذلك، لما روي في «الصحيحين» عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (أبوها) فدعت أم حبيبة بطيبٍ فيه صفرة خلوق وغيره فدهنت منه جارية ثم مسّت بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ َ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً» . معنى الإحداد: والإحداد هو ترك الزينة، والتطيب، والخضاب، والتعرض

стр. 344

لأنظار الخاطبين، وهو إنما وجب على الزوجة وفاءٌ للزوج، ومراعاة لحقه العظيم عليها، فإن الرابطة الزوجية أقدس رباط، فلا يصح شرعاً ولا أدباً أن تنسى ذلك الجميل، وقد كانت المرأة تحد على زوجها حولاً كاملاً تفجعاً وحزناً على زوجها، فنسخ الله ذلك وجعله أربعة أشهر وعشراً. روى البخاري ومسلم «عن أم سلمة أن امرأة قالت يا رسول الله:» إنّ ابنتي تُوفّي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: لا، مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا! ثم قال: إنما هي أربعة أشهر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية تمكث سنة «قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً، ولبست شر ثيابها، ولم تمسّ طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو شاة فتفتضّ بها، فقلما تفتضّ بشيء إلا مات. وقد استنبط بعض العلماء وجوب الإحداد من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ﴾ أي من زينةٍ وتطيب، فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو استنباط حسن دقيق، وقال بعضهم: الإحداد يكون بالتربص عن الأزواج والنكاح خاصة وهو ضعيف. قال ابن كثير:» والإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولاً واحداً، ولا يجب في عدة الرجعية قولاً واحداً، وهل يجب في عدة البائن فيه قولان، ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة، والآيسة، والحرة، والأمة، والمسلمة،

стр. 345

والكافرة لعموم الآية «. الحكم الرابع: لماذا شرعت العدة على المرأة؟ ذكر العلماء لحكمة مشروعية العدة وجوهاً عديدة نجملها فيما يلي: أ - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض. ب - للتعبد امتثالاً لأمر الله حيث أمر بها النساء المؤمنات. ج - إظهار الحزن والتفجع على الزوج بعد الوفاة اعترافاً بالفضل والجميل. د - تهيئة فرصة للزوجين (في الطلاق) لإعادة الحياة الزوجية عن طريق المراجعة. هـ - التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لا يتم إلا بانتظار طويل، ولولا ذلك لأصبح بمنزلة لعب الصبيان، يتم ثم ينفك في الساعة. خاتمة البحث: حكمة التشريع فرض الله العدة على المسلمة، حفاظاً على كرامة الأسرة، ورعاية لها من التحلل والتفكك واختلاط الأنساب، وإحداداً على الزوج بإظهار التفجع والحزن عليه بعد الوفاة، احتراماً للرابطة المقدسة (رابطة الزواج) واعترافاً بالفضل والجميل لمن كان شريكاً في الحياة، وقد كانت العدة في الجاهلية حولاً كاملاً، وكانت المرأة تحد على زوجها شرّ حداد وأقبحه، فتلبس شرّ ملابسها، وتسكن شر الغُرف وهو (الحفش) وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمسّ ماءًن ولا تقلّم ظفراً، ولا تزيل شعراً، ولا تبدو للناس في مجتمعهم،

стр. 346

فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن رائحة، فتنتظر مرور كلب لترمي عليه بعرة احتقاراً لهذه المدة التي قضتها، وتعظيماً لحق زوجها عليها. فلما جاء الإسلام أصلح هذه الحال، فجعل الحداد رمز (طهارة) لا رمز (قذارة) ، وجعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرّم إلا الزينة والطيب والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدي الزواج، دون النظافة والطهارة فإنهما شعار المسلم، وأباح له الجلوس في كل مكان من البيت، كما أباح لها الاجتماع مع النساء والمحارم من الرجال. ونساء المسلمين اليوم لا يسرن على هدي الإسلام في الحداد، فمنهن من تغالي في الحداد، وتغرق في النوح والندب، والخروج على المألوف من العادات، في اللباس والطعام والشراب، ولا يخصصن الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على آبائهن أو أولادهن السنة والسنتين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين. فالخير كل خير في إصلاح هذه العادات الرديئة في الحداد، إذ لا فائدة فيها إلاّ إفناء المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش، وفساد آداب المعاشرة، ولا سبيل إلاّ بالعودة لأحكام الشرع بالحداد ثلاثة أيام على القريب، وأربعة أشهر وعشراً على الزوج، وجعل الحداد مقصوراً على ترك الزينة والطيب والخروج من المنزل.

стр. 347

[١٩] خطبة المرأة واستحقاق المهر التحليل اللفظي ﴿عَرَّضْتُمْ﴾ : التعريض: الإيماء والتلويح من غير كشفٍ أو إظهار، وهو أن تفهم المخاطب بما تريد بضرب من الإشارة بدون تصريح، وهو

стр. 348

مأخوذ من عرْض الشيء أي جانبه. قال في «اللسان» : وعرّض بالشيء: لم يبيّنه، والتعريض خلاف التصريح، والمعاريض: التورية بالشيء عن الشيء وفي الحديث: «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب» والتعريضُ في خِطْبة المرأة: أن يتكلم بكلام يشبه خطبتها ولا يصرّح به كأن يقول: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير، كما يقول المحتاج للمعونة: جئت لأسلّم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: وحسبك بالتسليم مني تقاضينا ... ﴿خِطْبَةِ النسآء﴾ : الخطبة بكسر الخاء طلب النكاح، وبالضم معناها: ما يوعظ به من الكلام كخطبة الجمعة، وفي الحديث «لا يخِطبن أحدكم على خِطْبة أخيه» . ﴿أَكْنَنتُمْ﴾ : سترتم وأضمرتم، والإكنان: السرّ والخفاء. قال ابن قتيبة: أكننتُ الشيء: إذا سترته، وكنتُه: إذا صُنته، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] . ﴿لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ : المراد بالسر هنا: النكاح ذكره الزجاج وأنشد: ويحرم سرّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارُهم أنف القصاع قال ابن قتيبة: استعير السرّ للنكاح، لأن النكاح يكون سراً بين الزوجين. والمعنى: لا تواعدوهن بالزواج وهنّ في حالة العدة إلا تلميحاً. ﴿عُقْدَةَ النكاح﴾ : العُقدة من العقد وهو الشدُ، وفي المثل: (يا عاقدُ اذكر حلاً) .

стр. 349

قال الراغب: العُقدة: اسم لما يعقد من نكاح، أو يمين، أو غيرهما. وقال الزجاج معناه: لا تعزموا على عقدة النكاح، حذفت (على) استخافاً كما قالوا: ضرب زيد الظهر والبطن، معناه: على الظهر والبطن. ﴿أَجَلَهُ﴾ : أي نهايته، والمراد بالكتاب: الفرض الذي فرضه الله على المعتدة من المكث في العدة. ومعنى قوله: ﴿حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾ : أي حتى تنقضي العدة. ﴿فاحذروه﴾ : أي اتقوا عقابه ولا تخالفوا أمره، وفيه معنى التهديد والوعيد. ﴿حَلِيمٌ﴾ : يمهل العقوبة فلا يعجّل بها، ومن سنته تعالى أنه يمهل ولا يهمل. ﴿الموسع﴾ : الذي يكون في سعة لغناه، يقال أوسع الرجل: إذا كثر ماله. ﴿المقتر﴾ : الذي يكون في ضيق لفقره، يقال: أقتر الرجل: إذا افتقر، وأقتر على عياله وقتّر إذا ضيّق عليهم في النفقة. ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ : المسّ: إمساك الشيء باليد، ومثلُه المِساسُ والمسيسُ. قال الراغب: المسُ كاللمس ويقال لما يكون إدراكه بحاسة اللمس، وكنيّ به عن الجماع فقيل: مسّها وماسّها قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] . ﴿فَرِيضَةً﴾ : الفريضة في الأصل ما فرضه الله على العباد، والمراد بها هنا المهر لأنه مفروض بأمر الله. ﴿يَعْفُونَ﴾ : معناه: يتركن ويصفحن والمراد أن تسقط المرأة حقها من المهر.

стр. 350

المعنى الإجمالي بيّن تعالى حكم خطبة النساء المعتدات بعد وفاة أزواجهن فقال جل ثناؤه ما معناه: «لا ضيق ولا حرج عليكم أيها الرجال، في إبداء الرغبة بالتزوج بالنساء المعتدات، بطريق التلميح لا التصريح، فإن الله تعالى يعلم ما أخفيتموه في أنفسكم من الميل نحوهن، والرغبة في الزواج بهن، ولا يؤاخذكم على ذلك، ولكن لا يصح أن تجهروا بهذه الرغبة وهنّ في حالة العدة، إلاّ بطريق التعريض وبالمعروف، بشرط ألاّ يكون هناك فحش أو إفحاش في الكلام، ولا تعزموا النية على عقد النكاح حتى تنتهي العدة، واعلموا أن الله مطلع على أسراركم وضمائركم ومحاسبكم عليه. ثم ذكر تعالى حكم المطلّقة قبل الفرض والمسيس، فرفع الإثم عن الطلاق قبل الدخول، لئلا يتوهم أحد أن الطلاق في هذه الحالة محظور، وأمر بدفع المتعة لهن تطيباً لخاطرهن، على قدر حال الرجل في الغنى والفقر، وجعله نوعاً من الإحسان لجبر وحشة الطلاق، وأمّا إذا كان الطلاق قبل المساس وقد ذُكر المهر، فللمطلّقة نصف المسمّى المفروض، إلا إذا أسقطت حقها، أو دفع الزوج لها كامل المهر، أو أسقط ولي أمرها الحق إذا كانت صغيرة. ثم ختم تعالى الآية بالتذكير بعدم نسيان المودة، والإحسان، والجميل بين الزوجين، فإذا كان الطلاق قد تمّ لأسباب ضرورية قاهرة، فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط المصاهرة ووشائج القربى.

стр. 351

سبب النزول قال الخازن في «تفسيره» : «نزلت هذه الآية ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ في رجل من الأنصار، تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها صداقاً، ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية فقال له رسول الله ﷺ َ أمتعها ولو بقلنسوتك» . وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وقرأ حمزة والكسائي (تُماسُوهنّ) بألف وضم التاء في الموضعين هنا وفي الأحزاب، وهو من باب المفاعلة كالمباشرة والمجامعة. ٢ - قرأ الجمهور ﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ﴾ بالرفع، وقرأ ابن كثير ونافع (قدْرُه) بسكون الدال. ٣ - قرأ الجمهور ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ وقرئ (وأن يَعْفوا) بالياء. وجوه الإعراب أولاً - قوله تعالى: ﴿ولكن لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ لكنْ حرفُ استدراك،

стр. 352

والمستدرك محذوف تقديره علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهن ولكن لا توعدوهن و (سرّاً) مفعول به لأنه بمعنى النكاح، أي لا تواعدوهنّ نكاحاً، ويصح أن يعرب على أنه حال تقديره مستخفين، والمفعول محذوف أي لا تواعدوهن النكاح سراً. ثانياً - قوله تعالى: ﴿وَلَا تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ منصوب بنزع الخافض أي على عقدة النكاح. ثالثاً - قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما: مصدرية والزمان معها محذوف تقديره: في من ترك مستهنّ، وقيل: (ما) شرطية أي (إن لم تمسوهن) . رابعاً - قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب نصف ما فرضتم أو فعليكم نصف ما فرضتم، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أباح القرآن (التعريض) في خطبة المعتدة دون التصريح، ومن صور التعريض أن يقول: إنك لجميلة، أو صالحة، أو نافقة، أو يذكر الشخص مآثره أمامها. روى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته (سُكينة بنت حنظلة) قالت: «دخل عليّ (أبو جعفر) محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: أنا من علمتِ قرابتي من رسول الله ﷺ َ وحقّ جدي عليّ، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنتَ يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلتُ؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ َ وموضعي،

стр. 353

دخل رسول الله ﷺ َ على أم سلمة حين توفي عنها زوجها (أبو سلمة) فلم يزل رسول الله ﷺ َ يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتى أثَّر الحصير في يده فما كانت تلك خِطبة» . اللطيفة الثانية: قال الزمخشري: «السرّ في الآية ﴿لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه ممّا يُسر، قال الأعشى: ولا تقربَنْ من جارةٍ إنّ سرّها ... عليك حرامٌ فانكحنْ أو تأبدا ثمّ عبر فيه عن النكاح الذي هو العقد، لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح. اللطيفة الثالثة: ذكر العزم في الآية ﴿وَلَا تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح في العدة، لأن العزم على الفعل يتقدمه، فإذا نهي عنه كان النهي عن الفعل أولى. اللطيفة الرابعة: عبّر تعالى بالمساس عن الجماع، وهو من الكنايات اللطيفة التي استعملها القرآن الكريم. قال أبو مسلم:» وإنما كنّى تعالى بقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ عن المجامعة، تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به «. اللطيفة الخامسة: الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ﴾ للرجال والنساء جميعاً ورد بطريق التغليب. قال الفخر:» إذا اجتمع الرجال والنساء في الخطاب كانت الغلبة للذكور، لأن الذكورة أصل، والتأنيث فرع، ألا ترى أنك تقول: قائم ثم تريد التأنيث

стр. 354

فتقول: قائمة «. اللطيفة السادسة: الحكمة في إيجاد المتعة للمطلقة جبر إيحاش الطلاق، والتخفيف عن نفسها بالمواساة بالمال. قال ابن عباس: إن كان موسراً متّعها بخادم، وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب. اللطيفة السابعة: روي أن (الحسن بن علي) متّع بعشرة آلاف فقالت المرأة: متاعٌ قليلٌ من حبيب مفارق ... وسبب طلاقه إيّاها ما روي أنّ (عائشة الخثعمية) كانت عند الحسن بن علي بن أبي طالب، فلمّا أصيب عليّ وبويع الحسن بالخلافة قالت: لتَهْنكَ الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عليّ وتظهرين الشماتة؟ إذهبي فأنت طالق ثلاثاً، فتلفعت بجلبابها، وقعدت حتى انقضت عدتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق ... فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أني أبنتُ الطلاق لها لراجعتها. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو حكم خطبة النساء؟ النساء في حكم (الخِطْبة) على ثلاثة أقسام: أحدها: التي تجوز خطبتها (تعريضاً وتصريحاً) وهي التي ليست في عصمة

стр. 355

أحد من الأزواج، وليست في العدة، لأنه لمّا جاز نكاحها جازت خطبتها. الثاني: التي لا تجوز خطبتها (لا تصريحاً، ولا تعرضاً) وهي التي في عصمة الزوجية، فإنّ خطبتها وهي في عصمة آخر إفساد للعلاقة الزوجية وهو حرام، وكذلك حكم المطلّقة رجعياً فإنها في حكم المنكوحة. الثالث: التي تجوز خطبتها (تعريضاً) لا (تصريحاً) وهي المعتدة في الوفاة، وهي التي أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ ومثلها المعتدة البائن المطلّقة ثلاثاً فيجوز التعريض لها دون التصريح. والدليل على حرمة التصريح ما قاله الشافعي ﵀: «لمّا خُصّص التعريض بعدم الجناح، وجب أن يكون التصريح بخلافه» وهذا الاستدلال دلّ عليه مفهوم المخالفة. الحكم الثاني: هل النكاح في العدة صحيح أم فاسد؟ حرّم الله النكاح في العدة، وأوجب التربص على الزوجة، سواءً كان ذلك في عدة الطلاق، أو في عدة الوفاة، وقد دلت الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾ على تحريم العقد على المعتدة، واتفق العلماء على أن العقد فاسد ويجب فسخه لنهي الله عنه. وإذا عقد عليها وبنى بها فُسخ النكاح، وحرمت على التأبيد عند (مالك وأحمد) فلا يحل نكاحها أبداً عندهما لقضاء عمر ﵁ بذلك، ولأنه استحلّ ما لا يحل فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه من الميراث. وقال أبو حنيفة والشافعي: يُفسخ النكاح، فإذا خرجت من العدة كان العاقد خاطباً من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأنّ الأصل أنها لا تحرم إلا
следующие страницы →