← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ما يستعمل في الشراب، وقد يعتري من الغضب والعشق ولذلك قال الشاعر: سُكْرانِ سُكْرُ هَوى وسكرُ مُدام ... وأصل السُّكْلا من السِّكر وهو سد مجرى الماء، فالبسّكْر ينسد طريق المعرفة، وسكرةُ الموت شدته. ﴿جُنُباً﴾ : الجنب اسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع يقال: رجل جنب، ورجال جنب، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة جنب، لأن جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر. ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ : العابر من العبور يقال: عبرت نهر والطريق إذا قطعته من الجانب إلى الجانب الآخر، السبيلُ: الطريقُ ويراد يعابر السبيل المسافر، أو الذي يعبر بالمسجد أي يمر به. ﴿الغآئط﴾ : الغائط المكان المطئن من الأرض، وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب منخفضاً من الأرض لغيب عن عيون الناس، ثمّ كثر ذلك حتى قالوا للحدث غائطاً، فكنّوا به عن الحدث تسمية للشيء باسم مكانه. ﴿لامستم النسآء﴾ : اللمس حقيقته المس باليد، وإذا أضيف إلى النساء يراد به الجماع، وقد كثر هذا الاستعمال في الغة العرب، والقرآن قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع في آيات عديدة قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وقال تعالى: ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] .

стр. 457

﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ : التيمم في اللغة: القصد يقال: تيممته برمحي أي قصدته دون غيره، وأنشد الخليل: يمّمتُه الرمح شَزْراً ثم قلتُ له ... هذي البسالةُ لا لعبُ الزحاليق وتيمّم البلدة قصد التوجه إليها قال الشاعر: وما أدري إذا يمّمتُ أرضاً ... أريدُ الخير أيّهما يليني وفي الشرع: مسح الوجه واليدين بالتراب بقصد الطهارة، وقد جمع الشاعر المعنيين بقوله: تيمّمتُكُم لمّا فقدتُ أولي النّهى ... ومن لم يجد (ماءً) تيمَّمَ بالترب ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ : قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره، قال تعالى ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف: ٨] وقال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف: ٤٠] أي أرضاً ملساء تنزلق عليها الأقدام، وسمي صعيداً لأنه يصعد من الأرض. قال صاحب «القاموس» : الصعيد التراب، ووجه الأرض. قال ابن قتيبة: ومعنى ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ أي تراباً نظيفاً. ﴿فامسحوا﴾ : قال في «اللسان» : المسحُ إمرارك يدك على الشيء تريد إذهابه، كمسحك رأسك من الماء، وجبينك في الرّشح، مسحه مسحاً وتمسَّح منه وبه. ﴿عَفُوّاً غَفُوراً﴾ : أي مسامحاً لعباده، متجاوزاً عمّا صدر منهم من خطأٍ وتقصير.

стр. 458

المعنى الإجمالي نهى الله عباده المؤمنين عن أداء الصلاة في حالة السكر، لأن هذه الحالة لا يتأتى معها الخشوع والخضوع بمناجاته تعالى بكتابه وذكره ودعائه، وقد كان هذا قبل أن تحرم الخمر، وكان تمهيداً لتحريمه تحريماً باتاً، إذ لا يأمن من شرب الخمر في النهار أن تدركه الصلاة وهو سكران، وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء فلا يصبحون إلا وقد زال عنهم السكر. والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا ما تقولون وتقرؤون في صلاتكم، ولا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلاّ إذا كنتم مسافرين فإذا اغتسلتم فصلوا. وإن كنتم مرضى ويضركم استعمال الماء، أو مسافرين ولم تجدوا الماء، أو أحدثتم ببول أو غائط حدثاً أصغر، أو غشيتم النساء حدثاً أكبر، ولم تجدوا ماءً تتطهرون به، فاقصدوا صعيداً طيباً من وجه الأرض فتطهروا به، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلوا، ذلك رحمة من ربكم وتيسير عليكم، لأن الله يريد بكم اليسر، وكان الله عفواً غفوراً. سبب النزول روى الترمذي عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه أنه قال: «صنع لنا (عبد الرحمن بن عوف) طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت» قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون «قال، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 459

قال الفخر الرازي: فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في المائدة. وجوه القراءات قرأ الجمهور ﴿أَوْ لامستم النسآء﴾ وقرأ حمزة والكسائي (لَمَسْتُم النّسَاءَ) بغير ألف. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سكارى﴾ مبتدأ وخبر والجملة حال من ضمير الفاعل في تقربوا. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً﴾ صعيداً مفعول تيمموا أي قصدوا صعيداً، وقيل منصوب بنزع الخافض أي بصعيد. ٣ - قوله تعالى: ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ قال العكبري: الباء زائدة أي امسحوا وجوهكم به. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ورد التعبير بالنهي عن قربان الصلاة في حالة السكر

стр. 460

﴿لَا تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ والنهي بهذه الصيغة أبلغ من قوله:» لا تصلوا وأنتم سكارى «فإذا حرم قربان الصلاة ففعلها وأداوها يكون ممنوعاً من باب أولى فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلَاّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] . قال أبو السعود:» وتوجيه النهي إلى قربان الصلاة مع أن المراد هو النهي عن إقامتها للمبالغة في ذلك، وقيل: المراد النهي عن قربان المساجد ويأباه قوله تعالى: ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ . اللطيفة الثانية: التدرج في تحريم الخمر بهذه الطريقة الحكيمة التي سلكها القرآن الكريم برهان ساطع على عظمة الشريعة الغراء، فإن العرب كانوا يشربون الخمر كما يشرب أحدنا الماء الزلال، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لثقل عليهم تركها، ولما أمكن اقتلاع جذورها من قلوبهم، وقد قالت السيدة عائشة ﵂: «أول ما نزل من القرآن من القرآن آيات من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، فلما ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمرة لقالوا: لا ندع الخمرة أبداً» . اللطيفة الثالثة: التعليل بقوله تعالى: ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ فيه إشارة لطيفة إلى أن المصلي ينبغي عليه أن يكون خاشعاً في صلاته يعرف ما يقوله من تلاوة، وذكر، وتسبيح، وتمجيد، فقد نهى سبحانه السكران عن الصلاة لأنه فاقد التمييز لا يعرف ماذا قرأ؟ فإذا لم يعرف المصلي المستغرق بهموم الدنيا كم صلى، وماذا قرأ؟ فقد أشبه السكران، ولهذا ورد عن بعضهم تفسير السكر بأنه السكر من النوم والنعاس، وهو صحيح في المعنى ولكنه بعيد في التفسير لا يناسبه سبب النزول. اللطيفة الرابعة: طريقة القرآن الكريم (الكناية) عمّا لا يحسن التصريح

стр. 461

به من الألفاظ، وهذا أدب من آداب القرآن لإرشاد الأمة إلى سلوكه عند تخاطبهم، فقد كنّى عن الحدث بالمجيء من الغائط، والغائط هو المكان المنخفض من الأرض يقصده الإنسان لقضاء حاجته تستراً واستخفاءً عن الأبصار، ثم صار حقيقة عرفية في الحدث لكثرة الاستعمال، وملامسة النساء كناية عن غشيانهن ومجامعتهن، ولمّا كان لفظ الجماع لا يجمل التصريح به فقد أورده بالكناية ﴿أَوْ لامستم النسآء﴾ . ففي الآية الكريمة كنايتان وهما من لطيف العبارة ورائع البيان. اللطيفة الخامسة: قال في «البحر المحيط» : «وفي الآية تغليب الخطاب، إذ قد اجتمع خطاب وغيبة فالخطاب ﴿كُنْتُمْ مرضى﴾ و ﴿لامستم النسآء﴾ والغيبة قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ﴾ وما أحسن ما جاءت هذه الغيبة لأنه لما كنّى عن الحاجة بالغائط كره إسناد ذلك إلى المخاطبين، فنزع به إلى لفظ الغائب بقوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ﴾ وهذا من أحسن الملاحظات، وأجمل المخاطبات، ولمّا كان المرض والسفر ولمس النساء لا يفحش الخطاب بها جاءت على سبيل الخطاب» فتدبر هذا السر الدقيق. اللطيفة السادسة: «روي أن الصحابة كانوا مع النبي ﷺ َ في بعض أسفاره، وانقطع عقد لعائشة ﵂، فأقام النبي ﷺ َ على التماسه والناس معه وليس معهم ماء، فأغلظ (أبو بكر) على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ َ والناس وليس معهم ماء؟ فنزلت الآية، فلما صلّوا بالتيمم وأرادوا السير بعثوا الجمل فوجدوا العقد تحته» ، فقال (أسيد بن حضير) ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، يرحمك الله يا عائشة فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً وفرجاً.

стр. 462

الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد من قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ . اختلف العلماء في المراد من الصلاة في الآية الكريمة، فذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بها حقيقة الصلاة، وهو مذهب (أبي حنيفة) ومروي عن (علي) و (مجاهد) و (قتادة) . وذهب بعض العلماء إلى أن المراد مواضع الصلاة وهي المساجد، وأن الكلام على حذف مضاف، وهو مذهب (الشافعي) ومروي عن ابن مسعود، وأنس، سعيد بن المسيب. استدل الفريق الأول بأنّ الله تعالى قال: ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ فإنه يدل على أن المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع منه السكر، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة من قراءة، ودعاءٍ، وذكر، يمنع منها السكر، فكان الحمل على ظاهر اللفظ أولى. واستدل الفريق الثاني بأن القرب والبعد أولى أن يكون في المحسوسات فحمله على المسجد أولى، ولأنّا إذا حملناه على الصلاة لم يصحّ الاستثناء في قوله ﴿إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ وإذا قلنا إن المراد به المسجد صح الاستثناء، وكان المراد به النهي عن دخول الجنب للمسجد إلا في حالة العبور. فسرّ الحنفية (عابر السبيل) بأن المراد به المسافر الذي لا يجد الماء فإنه يتيمم ويصّلي، وقد اختار الطبري القول الأول وهو الظاهر المتبادر لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى. ويؤيد ذلك ما ورد في سبب النزول.

стр. 463

قال في «تفسير المنار» : «والمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد، إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي، وفي التنزيل خاصة ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته» . وثمرة الخلاف بين الفريقين تظهر في حكم شرعي وهو هل يحل للجنب دخول المسجد؟ فعلى الرأي الأول لا يكون في الآية نص على الحرمة وإنما تثبت الحرمة بالسنة المطهرة كقوله ﵇: «فإني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» وغير ذلك من الأدلة. وعلى الرأي الثاني تكون الآية نصاً في حرمة دخول الجنب للمسجد إلا في حالة العبور فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث. الحكم الثاني: ما هي الأسباب المبيحة للتيمم؟ ذكرت الآية الكريمة أسباب التيمم وهي أربعة (المرض، السفر، المجيء من الغائط، ملامسة النساء) فالسفر يبيح التيمم عند عدم الماء، والمرض أياً كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط عند عدم الماء، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ فهذا القيد راجع إلى الكل، فالغالب في المسافر ألا يجد الماء، والمريض الذي يخشى على نفسه الضرر يباح له التيمم لأنه مع وجود الماء قد لا يستطيع الاستعمال فيكون كالفاقد للماء، فهو كمن يجد ماء في قعر بئر يتعذر عليه الوصول إليه فهو عادم للماء حكماً، ويدل عليه ما ورد في السنة المطهرة من حديث جابر ﵁ قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منّا حجرٌ

стр. 464

فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ َ أخبر بذلك فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيّ السؤال» . ويدل عليه أيضاً ما روي «عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ َ فقال:» يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] فضحك رسول الله ﷺ َ ولم يقل شيئاً «» . قال ابن تيمية: في حديث عمرو من العلم أن التمسك بالعمومات حجة صحيحة. بقي أنه ما الفائدة إذاً من ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح، كلهم على السوء لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟ أجاب المفسّرون عن ذلك بأن المسافر لمّا كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء، وأما المريض فاللفظ يشعر بأن المرض له دخل في السببية والله أعلم. الحكم الثالث: ما المراد بالملامسة في الآية الكريمة؟ اختلف السلف رضوان الله عليهم في المراد من الملامسة في قوله تعالى:

стр. 465

﴿أَوْ لامستم النسآء﴾ فذهب علي، وابن عباس، والحسن إلى أن المراد به الجماع، وهو مذهب الحنفية. وذهب ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي إلى أن المراد به اللمس باليد، وهو مذهب الشافعية. قال ابن جرير الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لامستم النسآء﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ َ أنه قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم روى» عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ َ يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي» ، وعن عائشة أن رسول الله ﷺ َ قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: قلتُ: من هي إلاّ أنت؟ فضحكت «» . وقد اختلف الفقهاء في مسّ المرأة هل هو ناقض للوضوء أم لا؟ على أقوال. أ - فذهب أبو حنيفة إلى أن مسّ المرأة غير ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أم بغير شهوة. ب - وذهب الشافعي إلى أن مسّ المرأة ناقض للوضوء بشهوة أم بغير شهوة. ج - وذهب مالك إلى أن المسّ إن كان بشهوة انتقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض. دليل الحنفية: استدل أبو حنيفة بأن المسّ ليس بحدث بما روي عن عائشة أنه ﷺ َ كان يقبّل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ. واستدل أيضاً بما روي عن عائشة أنها طلبت النبي ﷺ َ ذات ليلة، قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو

стр. 466

ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك ... وأما الآية فهي كناية عن الجماع كما نقل عن ابن عباس، واللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلاّ أنه قد عهد في القرآن استعماله بطريق الكناية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣] . دليل الشافعية: واستدل الشافعي بظاهر الآية الكريمة فقال: إن اللمس حقيقة في المس باليد، وفي الجماع مجاز أو كناية، والأصل حمل الكلام على حقيقته، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وقد ترجح ذلك بالقراءة الثانية ﴿أو لمستم النساء﴾ فكان حمله على ما قلنا أولى. قال الإمام ابن رشد في «بداية المجتهد» : «وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب، فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو بالليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة هو الجماع في قوله ﴿أَوْ لامستم النسآء﴾ وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد، وقد احتج من أوجب الوضوء من اللمس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد، وينطلق مجازاً على الجماع، وإذا تردّد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز. وقال الآخرون: إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم» الغائط «الذي هو أدل على الحدث الذي هو مجاز منه على المطمئن من الأرض الذي هو فيه حقيقة. ثم قال: والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين إلاّ أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازاً لأن الله تعالى قد كنى بالمباشرة

стр. 467

والمس عن الجماع وهما في معنى اللمس» . الترجيح: ولعل هذا الرأي يكون أرجح، لأنّ به يمكن التوفيق بين الآية الكريمة والآثار السابقة، ولأنه قد تعورف عند إضافة المس إلى النساء معنى الجماع، حتى كاد يكون ظاهراً فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع والله أعلم. الحكم الرابع: ما المراد بالصعيد الطيب في الآية الكريمة؟ اختلف أهل اللغة في معنى الصعيد فقال بعضهم: إنه التراب، وقال بعضهم: إنه وجد الأرض تراباً كان أو غيره، وقال آخرون: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس. وبناءً على هذا الاختلاف اللغوي اختلف الفقهاء فيما يصح به التيمم. أ - فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالتراب وبالحجر وبكل شيء من الأرض ولو لم يكن عليه تراب. ب - قال الشافعي: بل لا بدّ من التراب الذي يلتصق بيده، فإذا لم يوجد التراب لم يصح التيمم. حجة أبي حنيفة: احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال: التيمم هو القصد، والصعيد ما تصاعد من الأرض فقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ أي اقصدوا أرضاً طاهرة، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً، واشترط تلميذه (أبو يوسف) أن يكون المتيمَم به تراباً أو رملاً. حجة الشافعي: واحتج الشافعي من جهتين: الأول أن الله تعالى أوجب كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تُنبت، بدليل قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة. والثاني: أن الآية مطلقة هنا، ومقيدة في سورة المائدة بكلمة (منه) في

стр. 468

قوله تعالى: ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وكلمة (من) للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه فوجب ألا يصح التيمم إلا بالتراب. الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الشافعية يكون أرجح لا سيما وقد خصصه النبي ﵇ به في قوله: «التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء» . ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - تحريم الصلاة على السكران حال السكر حتى يصحو ويعود إليه رشده. ٢ - تحريم الصلاة وقراءة القرآن ودخول المسجد على الجنب حتى يغتسل. ٣ - المريض والمسافر والمحدث حدثاً أصغر أو أكبر يجوز لهم التيمم إذا فقدوا الماء. ٤ - التراب طهور المسلم عند فقد الماء ولو دام ذلك سنين عديدة. ٥ - التيمم يكون بمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بالتراب الطاهر.

стр. 469

[٦] جريمة القتل وجزاؤها في الإسلام

стр. 470

التحليل اللفظي ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ : التحرير من الحرية، وهو كما قال الراغب: جعل الإنسان حراً، وإخراج العبد من الرق إلى الحرية يسمى تحريراً، والحر في الأصل: الخالص، وسمي الإنسان حراً لأنه تخلّص مما يكدّر إنسانيته، ومنه قوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] أي مخلصاً للعبادة. الدية: ما تعطى عوضاً عن دم القتيل إلى وليه، قال في «اللسان» : الدية حق القتيل، والهاء عوض عن الواو، تقول: وديتُ القتيل أدية دية إذا أعطيت ديته. وفي «التهذيب» : ودى فلان فلاناً إذا أدّى ديته إلى وليه، وأصل الدية ودية فحذفت الواو، كما قالوا: شيه من الوشي. وقد خصص الشرع هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس، دون ما الشرع هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس، دون ما يؤدي في المتلفات وبدل الأطراف. ﴿مُّسَلَّمَةٌ﴾ : أي مدفوعة ومؤداة إلى أهل القتيل. ﴿يَصَّدَّقُواْ﴾ : أي يتصدقوا عليهم بالدية فأدغمت التاء في الصاد، والمعنى إلا أن يعفوا ويسقطوا حقهم في الدية، وسمي صدقة لأنه معروف وقد قال ﷺ َ: «كل معروف صدقة» . ﴿مِّيثَاقٌ﴾ : أي عهد وذمة، قال الراغب: الميثاق عقد مؤكد بيمين وعهد. ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ : الضرب له معان: منها الضرب باليد، والعصا، والسيف، ومنها

стр. 471

الضرب في الأرض بمعنى السفر، وسمي به لأن المسافر يضرب دابته بالعصا لتسير به، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره. ومعنى الآية: إذا سافرتم في سبيل الله لجهاد أعدائكم. ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ : التبين طلب بيان الأمر، والمراد التأني واجتناب العجلة، ومنه البينة أي تثبتوا وتحققوا قال تعالى: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] . ﴿السلام﴾ : السّلام والسّلْم بمعنى واحد وهو إلقاء السلاح والاستسلام، ومعنى الآية: لا تقولوا لمن انقاد لكم واستسلم لست مؤمناً فتقتلوه ابتغاء متاع الدنيا. ﴿عَرَضَ﴾ : سمي متاع الحياة الدنيا عَرضاً لأنه عارض زائل غير ثابت، وكل شيء يقل لبثه يسمى عرضاً وفي الحديث: «الدنيا عَرضٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر» . وفي «اللسان» : العَرض بالتحريك متاع الدنيا وحطامها وفي التنزيل ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وعرض الدنيا ما كان من مال قلّ أو كثر. ﴿مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ : المغانم جمع مغنم وهو ما يغنمه الإنسان من عدوه، والمراد به هنا الفضل الواسع والرزق الجزيل قال الطبري: المعنى: «لا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم لست مؤمناً فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه» . المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: «ما كان من شأن المؤمن ولا ينبغي له أن

стр. 472

يقدم على قتل مؤمنٍ، إلا إذا وقع هذا القتل خطأ، فإذا حصل ووقع القتل بطريق الخطأ، فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة إلى أهل القتيل تدفعها عاقلته، إلاّ إذا عفوا عنه وأسقطوا الدية باختيارهم فلا تجب حينئذٍ، وإذا كان المقتول مؤمناً وأهله من أعدائهم فالواجب على قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولا تجب الدية لأهله لأنهم أعداء محاربون، فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على قتالهم وأما إذا كان المقتول معاهداً أو ذمياً، فالواجب في قتله كالواجب في قتل المؤمن، دية مسلّمة إلى أهله تكون عوضاً عن حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق الله تعالى، فمن لم يجد الرقبة التي يحررها فعليه صوم شهرين قمريين متتابعين، توبة من الله على عباده المذنبين وكان الله عليماً بما يصلح الناس حكيماً في تشريعه. ثم بين تعالى حكم قتل المؤمن عمداً، وغلّظ في العقوبة لأن جرمه عظيم، ولم يذكر له كفارة بل جعل عقابه أشد عقاب توعّد به الكافرين، وهو الخلود في جهنم، واستحقاق غضب الله ولعنته، عدا العذاب الشديد الذي أعده الله له يوم القيامة. وقد ختم الله هذه الآيات الكريمة بأمر المؤمنين إذا خرجوا مجاهدين في سبيل الله أن يتثبتوا في قتل من أشكل عليهم أمره، فلم يعلموا هل هو مسلم أم كافر؟ فلا يقدموا على قتله إلا بعد التحقق من كفره، وأمّا إذا استسلم وأظهر الإسلام فلا يحل قتله، طمعاً في متاع الدنيا الزائل، وقد ذكّرهم بأنهم كانوا مشركين كفاراً فمنّ الله عليهم بالهداية إلى الإسلام، وكفى بها نعمة!! سبب النزول ١ - روي أن (عيّاش بن أبي ربيعة) - وكان أخاً لأبي جهل من أمه -

стр. 473

أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، فأقسمت أمه ألا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه (الحارث بن يزيد) فأتياه، فقال أبو جهل: أليس محمد يأمرك بصلة الرحم؟ انصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك، فرجع فلما دنوا من مكة قيّدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحارث مائة أخرى، فقال للحارث: هذا أخي فمن أنت؟ لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، فلما دخل على أمه حلفت ألا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول، ففعل ثم هاجر بعد ذلك. وأسلم الحارث بن يزيد وهو لا يعلم بإسلامه، فلقيه عياش خالياً فقتله، فلما أُخبر أنه كان مسلماً ندم على فعله، وأتى رسول الله ﷺ َ وقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَئاً﴾ . ب - وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «مرّ رجل من بني سليم ينفر من أصحاب رسول الله ﷺ َ وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلاّ ليتعوذ منا، فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي ﷺ َ فنزلت هذه الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ. . .﴾ . وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ﴾ ، وقرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) بالثاء. ٢ - قرأ الجمهور ﴿لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام﴾ بفتح السين مع الألف، وقرأ نافع وحمزة (السّلم) من غير ألف.

стр. 474

٣ - قرأ الجمهور ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ بكسر الميم الثانية وقرأ عكرمة (لست مُؤمناً) بفتح الميم من الأمَان. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً ... ﴾ أن يقتل في محل رفع اسم كان، ولمؤمن خبره وقوله (إلاّ خطأً) استثناء منقطع والمعنى: لكن إن قتل خطأً فحكمه كذا، ومثّل له الطبري بقول الشاعر: من البيضِ لم تَظْعنْ بعيداً ولم تَطَأْ ... على الأرض إلاّ ريط بُرْد مُرحّل ثانياً قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً﴾ خطأً صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره قتلاً خطأً، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال تقديره: قتله خاطئاً. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ توبة مفعول لأجله أي شرع لكم ذلك توبة منه. رابعاً: قوله تعالى: ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ مؤمناً خبر ليس والجملة مقول القول، وجملة (تبتغون عرض الحياة) في محل نصب على الحال من فاعل تقولوا أي لا تقولوا ذلك مبتغين عرض الحياة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: النفي في مثل هذا الموطن يسمى (نفي الشأن) وهو أبلغ

стр. 475

من نفي الفعل كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ [التوبة: ١٧] فهو استبعاد للفعل بطريق البرهان كأنه يقول: ليس من شأن المؤمن من حيث هو مؤمن أن يقتل أحداً من أهل الإيمان، إذ لا يتصور أن يصدر منه مثل هذا العفل لأن إيمانه - وهو الحاكم على تصرفه وإرادته - يمنعه من اجتراح القتل عمداً، ولكنه قد يقع منه ذلك خطأً. اللطيفة الثانية: في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل علاقته (الجزئية) أطلق الرقبة وقصد به المملوك من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وهو مجاز مشهور. اللطيفة الثالثة: التعبير بهذا الأسلوب اللطيف ﴿إِلَاّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ وتسمية العفو بالصدقة، فيه حثٌ على فضيلة العفو، وتنبيه الأولياء إلى أنّ عفوهم عن القاتل، وعدم أخذ الدية هو في نفسه صدقة وهو من مكارم الأخلاق التي يرغب فيها الإسلام. اللطيفة الرابعة: وردت عقوبة قتل المؤمن عمداً في غاية التغليظ والتشديد ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ فقد حكمت الآية على القاتل بعقوبات ثلاث: ١ - الخلود في جهنم ٢ - واستحقاق الغضب واللعنة ٣ - والعذاب الشديد الذي أعده الله له في الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الشريف: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن» وفي الحديث أيضاً: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيسٌ من رحمة الله» ولهذا أفتى ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل. قال صاحب «الكشاف» : «والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس يمنع التوبة،

стр. 476

ثم يطمعون في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبةٍ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤] » ؟ اللطيفة الخامسة: الخلود في جهنم لقاتل المؤمن محمول على من استحلّ قتله، أو المراد بالخلود طول المكث لأن أهل اللغة استعملوا لفظ الخلود بمعنى طول المدة والبقاء قال زهير: ألا لا أرى على الحوادث باقياً ... ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا والعرب تقول: خلّد الله ملكه، وتقول: لأخلدّن فلاناً في السجن، مع أنه لا شيء في الدنيا يدوم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي أنواع القتل، وفي أيها تجب الكفارة؟ أوجب الله تعالى (القصاص) في القتل في آية البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وأوجب (الدية والكفارة) في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أنّ الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد لا الخطأ. ذهب مالك ﵀ إلى أن القتل إمّا عمد، وإمّا خطأ، ولا ثالث لهما، لأنه إما أن يقصد القتل فيكون عمداً، أو لا يقصده فيكون خطأ، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن القتل على ثلاثة أقسام (عمد، وخطأ، وشبه عمد) . أما العمد: فهو أن يقصد قتله بما يفضي إلى الموت كسيفٍ، أو سكين،

стр. 477

أو سلاح، فهذا عمد يجب فيه القود (القصاص) لأنه تعمد قتله بشيء يقتل في الغالب. وأما الخطأ: فهو ضربان: أحدهما: أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فيصيب مسلماً. والثاني: أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار فيقتله، والأول خطأ في الفعل والثاني خطأ في القصد. وأما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت فيه، أو يلطمه بيده، أو يضربه بحجر صغير فيموت، فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب. قال القرطبي: «وممن أثبت شبه العمد الشعبي، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وروينا ذلك عن عمر وعلي ﵄ وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها، فلا تستباح إلاّ بأمر بيّن لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال لأنه لما كان متردداً بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، فيسقط القَود وتغلّظ الدية، وبمثل هذا جاءت السنة، روى أبو داود من حديث (عبد الله بن عمرو) أن رسول الله ﷺ َ قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» . حجة الجمهور: وحجة الجمهور في إثبات (شبه العمد) أن النيات مغيبة عنا لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن ضرب آخر بآلة تقتل غالباً حكمنا بأنه عامد، لأن الغالب أن من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالباً كان متردّداً بين العمد والخطأ، فأطلقنا

стр. 478

عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا إلا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إمّا عمد، وإمّا خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وأشبه الخطأ من جهة أن الآلة لا تقتل غالباً، ولما لم يكن عمداً محضاً سقط القود، ولما لم يكن خطأ محضاً لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلّظة. واستدلوا بالحديث السابق وبما رواه أحمد، وأبو داود والنسائي أن النبي ﷺ َ خطب يوم فتح مكة فقال: «ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلّظة. .» الحديث. الحكم الثاني: ما هو القتل العمد، وما هي عقوبته؟ القتل العمد يوجب القصاص، والحرمان من الميراث، والإثم وهذا باتفاق الفقهاء، أما الكفارة فقد أوجبها الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة لا كفارة عليه وهو مذهب الثوري. قال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى. وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى، وحيث لم تذكر في العمد فلا كفارة. قال ابن المنذر: «وما قاله أبو حنيفة به نقول، لأن الكفارات عبادات وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضاً يلزمه عباد الله إلا بكتابٍ، أو سنة، أو إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمداً كفارةً حجةٌ من حيث ذكرت» . وقد اختلفوا في معنى العمد وشبه العمد على أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة: ١ - العمد ما كان بسلاح أو ما يجري مجراه مثل الذبح، أو بكل شيء محدّد أو بالنار وما سوى ذلك من القتل بالعصا أو بحجر صغيراً كان أو كبيراً

стр. 479

فهو شبه العمد، وهذا قول أبي حنيفة ﵀. ٢ - العمد كل قتلٍ من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، بما يقتل مثله في العادة، وشبه العمد ما لا يقتل مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. ٣ - العمد ما كان عمداً في الضرب، والقتل، وشبه العمد ما كان عمداً في الضرب، خطأ في القتل أي ما كان ضرباً لم يقصد به القتل وهذا قول الشافعي ﵀. الترجيح: ما ذهب إليه (أبو حنيفة) ﵀ من جعل كل قتلٍ بغير الحديد شبه عمد ضعيفٌ، فإن من ضرب رأس إنسان بمثل (حجر الرحى) قتله وادّعى أنه ليس عامداً كان مكابراً، والمصلحة تقضي بالقصاص في مثله، لأن الله شرع القصاص صوناً للأرواح عن الإهدار، وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد الشافعي هو الأصح والله أعلم. الحكم الثالث: ما هي شروط الرقبة وعلى مَن تجب؟ أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: ١ - عتق رقبة مؤمنة. ب - ودية مسلّمة إلى أهله. فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن: لا تجزئ الرقبة إلاّ إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الغلام والصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً. ونقل عن الإمام أحمد ﵀ روايتان إحداهما تجزئ، والأخرى

стр. 480

لا تجزئ إلا إذا صامت وصلت. حجة الأولين: أن الله تعالى شرط الإيمان، فلا بدّ من تحققه، والصبي لم يتحقق منه ذلك. وحجة الجمهور: أن الله تعالى قال: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً﴾ فيدخل فيه الصبي، فكذلك يدخل ف قوله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ . قال ابن كثير: «والجمهور أنه متى كان مسلماً صح عتقه عن الكفارة سواءً كان صغيراً أو كبيراً» . وقد اتفق الفقهاء على أن الرقبة على القاتل، وأما الدية فهي على العاقلة. الحكم الرابع: على مَن تجب الدية في القتل الخطأ؟ اتفق الفقهاء على أن الدية على عاقلة القاتل، تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، والعاقلة هم عصبته (قرابته من جهة أبيه) . قال في «المغني» : «ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة» . وقال ابن كثير: «وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله قال الشافعي: لم أعلم مخالفاً أن رسول الله ﷺ َ قضى بالدية على العاقلة، وهذا الذي أشار إليه ﵀ قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في» الصحيحين «عن أبي هريرة قال:» اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ َ فقضى

стр. 481

أن دية جنينها (غرة) عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها «. تنبيه: فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ويقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ؟ فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأن الدية على القاتل، وتحميل (العاقلة) إيّاها من باب المعاونة والمواساة له، وقد كان هذا معروفاً عند العرب وكانوا يعدونه من مكارم الأخلاق، والنبي ﷺ َ بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، والمعاونة والمواساة والتناصر وتحمل المغارم، كل هذا ممّا يقوّي الألفة ويزيد في المحبة فلذلك أقره الإسلام. الحكم الخامس: كم هو مقدار الدية في العمد والخطأ؟ اتفق العلماء على أن الدية في الخطأ تجب على العاقلة، وهي مائة من الإبل تؤخذ نجوماً على ثلاث سنين وتجب أخماساً لما رواه ابن مسعود قال: قضى رسول الله ﷺ َ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة «. وأما دية شبه العمد فهي مثلّثة (أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة) وتجب على العاقلة أيضاً، وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور في قوله، وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وتجب على مال القاتل. قال القرطبي:» أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها في مال الجاني «. وقال ابن الجوزي:» والدية للنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار،

стр. 482

ومن الورق (الفضة) اثنا عشر ألف درهم، ومن الإبل مائة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل مائتا حلة، فهذه دية الذكر الحر المسلم، ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك «. وهذا قول جمهور الفقهاء ووافقهم أبو حنيفة في ذلك إلا أنه قال في الفضة عشر آلاف درهم لا تزيد. الحكم السادس: هل للقاتل عمداً توبة؟ ذهب بعض العلماء إلى أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له وهذا قول ابن عباس ﵄. روى البخاري عن سعيد بن جبير قال:» اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقالت: نزلت هذه الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء «. وروى النسائي عنه قال:» سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في [الفرقان: ٦٨] ﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ﴾ . وروى ابن جرير بسنده عن (سالم بن أبي الجعد) قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كُفّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي

стр. 483

بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ َ يقول: «يجيء يوم القيامة معلّقاً رأسُه بإحدى يديه - إما بيمينه أو بشماله - آخذاً صاحبه بيده الأخرى، تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن يقول: يا رب سل عبدك هذا علام قتلني؟ فما جاء نبيٌ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم» . وذهب الجمهور إلى أن توبة القاتل عمداً مقبولة، واستدلوا على ذلك ببضعة أدلة نلخصها فيما يلي: أولاً: إن الكفر أعظم من القتل العمد، فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة عن القتل أولى بالقبول. ثانياً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] يدخل فيه القتل وغيره. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلَاّ بالحق ... ﴾ إلى قوله ﴿إِلَاّ مَن تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] ويه نصٌ في الباب. رابعاً: حديث «الصحيحين» «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ... ثم قال: فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه» . خامساً: حديث مسلم في الشخص الذي قتل مائة نفس. . إلخ. قال العلامة الشوكاني: «والحقّ أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ والله أحكم الحاكمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون» .

стр. 484

ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - سفك دم المؤمن من الكبائر التي توجب الخلود في النار. ٢ - القتل الخطأ فيه الكفارة والدية وليس فيه القصاص. ٣ - إذا عفا أهل القتيل سقطت الدية عن القاتل دون الكفارة. ٤ - الكفارة عتق رقبة مؤمنة فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين. ٥ - لا يجوز التعجل بقتل إنسان لمجرد الشبهة.

стр. 485

[٧] صلاة الخوف

стр. 486

التحليل اللفظي ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ : الضرب في الأرض السيرُ فيها قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض﴾ [المزمل: ٢٠] أي سافرون. ﴿تَقْصُرُواْ﴾ : القصر النقصُ وهو يحتمل النقص من عددها، والنقص من صفتها وهيئتها. قال الراغب: قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض أركانها ترخيصاً. وقال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات: قصَرتُ الصلاة، وقصّرتها، وأقْصَرتها ذكره القرطبي. ﴿يَفْتِنَكُمُ﴾ : الفتنة: الابتلاء والاختبار وتستعمل في الخير والشر قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] . قال الراغب: والفتنة كالبلاء يستعملان في الشدة والرخاء وهما في الشدة أظهر. ﴿عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ : أي أعداء ظاهري العداوة. قال الطبرسي: «وإنما قال في الكافرين إنهم (عدُوّ) لأن لفظة فعول تقع على الواحد والجماعات» . ﴿حِذْرَهُمْ﴾ : الحِذْر بسكون الذال كالحَذر بفتحها معناه الاحتراز عن الشيء المخيف. قال في «اللسان» : الحِذْر والحَذر الخيفة ومن خاف شيئاً اتقاه

стр. 487

بالاحتراس من أسبابه. قال الرازي: هما بمعنى واحد كالإِثْر والأثَر، والمِثْل والمَثَل، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من الخوف. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم. ﴿تَغْفُلُونَ﴾ : الغفلة: سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، قاله الراغب. ﴿جُنَاحٌ﴾ : الجُناحُ: الإثم، وهو من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانباً عن القصد. ﴿قَضَيْتُمُ﴾ : فرغتم وانتهيتم، وقيل: معناها أديتم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠] أي أديت. ﴿اطمأننتم﴾ : أمنتم وأصله السكون يقال: اطمأن القلب أي سكن، والمراد إذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي تعرفونها، ويصح أن يكون المراد بالاطمئنان الإقامة. ﴿كتابا مَّوْقُوتاً﴾ : أي فرضاً محدوداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها، والتوقيت: التحديد بالوقت. قال ابن قتيبة: «موقوتاً أي موقّتاً يقال: وقِّته الله عليهم ووقَته أي جعله لأوقات معلومة ومنه ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] . ﴿تَهِنُواْ﴾ : تضعفوا وتتوانوا من الوهن بمعنى الضعف ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] . ﴿ابتغآء القوم﴾ : أي في طلبهم، يقال: ابتغى القوم أي طلبهم بالحرب، والمراد بالقوم هنا الكفار.

стр. 488

﴿تَأْلَمونَ﴾ : الألم الوجع، وهو من الأعراض التي تصيب الإنسان. قال في» الكشاف «: المعنى» ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم «. ﴿وَتَرْجُونَ﴾ : الرجاء معناه الأمل، قال الزجّاج: هو إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم. وقال الراغب: الرجاء ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرة، ويأتي بمعنى الخوف قال الشاعر: إذا لسَعَتْه النَّحلُ لم يرجُ لسعها ... وحالفها في بيت نُوبٍ عوامل ﴿خَصِيماً﴾ : الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع، والمعنى: لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً للبريئين قاله الزمخشري. وقال الطبري: المعنى: «لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً تخاصم عنه وتدافع عنه من طالبه بحقه الذي خانه» . ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾ : أي كثير المغفرة والرحمة لأن (فعولاً) و (فعيلاً) من صيغ المبالغة. المعنى الإجمالي إذا سافرتم أيها المؤمنون وسرتم في الأرض للجهاد أو التجارة أو السياحة أو غير ذلك، فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من الصلاة المفروضة،

стр. 489

فتصلّوا الرباعية ركعتين، لأن الإسلام دين اليسر والله تعالى يريد بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، وخاصة إذا خفتم على أنفسكم من فتنة الكافرين، فهم أعداء مظهرون للعداوة، لا يراقبون الله ولا يخشونه فيكم، ولا يمنعكم فرصة اشتغالكم بمناجاة الله أن يقتلوكم، لأنهم أعداء لكم في كل حين وزمان. وإذا كنت يا محمد مع أصحابك في الحرب، وأردت أن تصلي بهم إماماً فاقسمهم طائفتين: طائفة تقف معك في الصلاة، وطائفة أخرى تحرسك ومعهم أسلحتهم فإذا سجدت الطائفة الأولى وأدركوا ركعة فليتأخروا ولتتقدم الطائفة الأخرى التي كانت تتولى الحراسة فَلْيُصلوا معك كما فعل الذين من قبلهم، ثم يتمموا صلاتهم. ثم أخبر تعالى بأن الكافرين يتمنون أن يصيبوا من المؤمنين غفلة، حتى يأخذوهم على حين غرة ويحملوا عليهم حملة واحدة وهم مشغولون بالصلاة واضعون السلاح، ولهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر والحيطة، ثم أخبر بأنه لا إثم عليهم إن كانت بهم جراحات أو مرض وشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم مع أخذ الحذر الشديد من الأعداء، فإذا قضى المؤمنون الصلاة وأتموها فعليهم أن يكثروا من ذكر الله في حالة القيام والقعود والاضطجاع، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا فليؤدوا الصلاة كما شرعها الله، لأن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً محدوداً بأوقات، ثابتة ثبوت الكتاب في اللوح. ثم أمر تعالى المؤمنين بألاّ يضعفوا عن قتال الكفار، لأنهم يطلبون إحدى الحسنين: إما النصر والعزة، وإما الشهادة والجنة، وهم أحق بالثبات والصبر من المشركين. وختم الله تعالى هذه الآيات الكريمة بأمر رسوله ﷺ َ بالحكم بين الناس بالحق والعدل الذي أعلمه به، وألاّ يكون من أجل المنافقين خصيماً للبريئين، وأن يستغفر الله من تحسين ظنه ببعض الناس الذين يتظاهرون بالتقى والدين وهم من المنافقين.

стр. 490

«وجه الارتباط بالآيات السابقة» كان السياق في الآيات السابقة في أحكام الجهاد في سبيل الله، ثم في أحكام الهجرة من الوطن ابتغاء مرضاة الله، ولما كانت الصلاة فرضاً لازماً في كل حال، لا تسقط في وقت القتال، ولا في أثناء الهجرة، ولا غيرها من أيام السفر، ولكن قد تتعذر أو تتعسر في حالة الحرب والسفر لذلك وردت هذه الآيات الكريمة تبيّن طريقة الصلاة في حالة الخوف وتأمر بالمحافظة على الصلاة حتى في حالة لقاء العدو، وقد رخص لهم القصر في حالة الخوف والسفر تيسيراً على العباد، فناسب ذكر هذه الأحكام والله تعالى أعلم. سبب النزول أولاً: روى الإمام أحمد وأهل السنن عن أبي عيّاش الزّرقي قال: «كنّا مع رسول الله ﷺ َ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا رسول الله ﷺ َ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ » الآية. ثانياً: وروي أن (طُعْمة بن أُبَيْرق) سرق درعاً لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طُعمة فلم توجد عنده، وحلف مالي بها علمٌ، فقال أصحابها: بلى والله لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهود فأخذوه، فقال: دفعها

стр. 491

إليّ طعمة، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ َ وليجادل عن صحابنا فإنه بريء، فأتوه فكلّموه في ذلك فنزلت هذه الآيات ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ . لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ ليس للشرط وإنما خرج الكلام مخرج الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، ولهذا قال (يَعْلَى بن أمية) لعمر ﵁: ما لنا نقصر وقد أمّنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﷺ َ عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» . اللطيفة الثانية: أمر تعالى المجاهدين حين شروعهم بالصلاة بعدم طرح الأسلحة، وعبّر عن ذلك بالأخذ (وليأخذوا أسلحتهم) للإيذان بالاعتناء بضرورة الحذر من الكافرين، والتنبيه على ضرورة اليقظة وعدم التساهل في الأخذ بالأسباب. اللطيفة الثالثة: «روي أن النبي ﷺ َ غزا محاراً مع أصحابه، فنزلوا وادياً ولا يرون من العدوّ أحداً، فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله ﷺ َ لحاجة له، فلما قطع طرف الوادي بصرَ به (غورث بن الحارث) فانحدر من الجبل وهو السيف، فلم يشعر به رسول الله ﷺ َ إلا وهو قائم على رأسه يقول: قتلني الله إن لم أقتلك وقد سلّ سيفه من غمدة فقال يا محمد: من يعصمك منيّ الآن؟ فقال رسول الله ﷺ َ: الله ، فأهوى بالسيف عن رسول الله ﷺ َ ليضربه فزلقت رجله وسقط على الأرض، فأخذ رسول الله ﷺ َ السيف وقال: من يمنعك مني الآن يا غورث؟ فقال: لا أحد، كن

стр. 492

خير آخذ فعفا عنه الرسول ﵇، فرجع إلى قومه فقصّ عليهم قصته فآمن بعض قومه ودخلوا في الإسلام» . اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ أي بما عرّفك وأعلمك وأوحى إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور. قال الزمخشري: كان عمر يقول: «لا يقولَّنّ أحدكم قضيتُ بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ﷺ َ، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله ﷺ َ كان مصيباً، لأن الله كان يريه إياه، وهو منّا الظن والتكلف» . اللطيفة الخامسة: قال الرازي: واعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي ﷺ َ لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طُعْمة، وكان في علم الله أن (طُعْمة) كان فاسقاً، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب؟ . اللطيفة السادسة: أمر الرسول ﷺ َ بالاستغفار لا يدل على وقوع المعصية منه ﵇ وإنما هو لزيادة حسناته ورفع مقامه، قال القاضي عياض في «الشفا» : إن تصرف الأنبياء ﵈ بأمورٍ لم يُنهوا عنها، ولا أُمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم، وإلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وأطال في هذا المقام وأطاب، ثم قال: وأيضاً فإن في التوبة والاستغفار معنى لطيفاً أشار إليه بعض

стр. 493

العلماء وهو: استدعاء محبة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] . الأحكام الشرعية الحكم الأول: قصر الصلاة في السفر. دل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة﴾ على مشروعية قصر الصلاة في السفر لأن قوله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ معناه إذا سافرتم في البلاد، ولم يشرط الله تعالى أن يكون السفر للجهاد وإنما أطلق اللفظ ليعمّ كل سفر، وقد استدل العلماء بهذه الآية على مشروعية (قصر الصلاة) للمسافر ثم اختلفوا هل القصر واجب أم رخصة على مذهبين: المذهب الأول: أن القصر رخصة فإن شاء قصر وإن شاء أتم، وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله. المذهب الثاني: أن القصر واجب وأن الركعتين هما تمام صلاة المسافر وهو مذهب أبي حنيفة ﵀. وقال مالك: إن أتمّ في السفر يعيد ما دام في الوقت، والقصر عنده سنة وليس واجباً. دليل المذهب الأول: احتج الشافعية والحنابلة على عدم وجود القصر بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - إن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة﴾ يشعر بعدم الوجوب، لأن رفع الجناح يدل على الإباحة لا على الوجوب، ولو كان القصر واجباً لجاء اللفظ بقوله: فعليكم أن

стр. 494

تقصروا من الصلاة، أو فاقصروا الصلاة. ب - ما روي أن عائشة اعتمرت مع رسول الله ﷺ َ من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قالت يا رسول الله قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرت، فقال: أحسنتِ يا عائشة ولم يَعِبْ عليّ. ج - وقالوا: إن عثمان كان يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد الصحابة فدل على أن القصر رخصة. د - وقالوا مما يدل على ما ذكرناه أن رخص السفر جاءت على التخيير كالصوم والإفطار، فكذلك القصر. دليل المذهب الثاني: واستدل الحنفية على وجوب قصر الصلاة في السفر بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم ﷺ َ. ب - إن النبي ﷺ َ التزم القصر في أسفاره كلها، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ َ إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين حتى يرجع» . ج - ما روي عن (عمران بن حصين) قال: «حججتُ مع النبي ﷺ َ فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: صلوا أربعاً فإنّا قوم سَفْرٌ» . د - وقال ابن عمر: صحبت رسول الله ﷺ َ في السفر فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى، وقد قال الله

стр. 495

تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . هـ - وما روي عن عائشة الثابت في الصحيح «فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين، فزيدت في الحضر وأُقرّت في السفر» . قالوا: فهذه هي صلاة رسول الله ﷺ َ فوجب اتباعه وقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فلمّا صلىّ في السفر ركعتين دلّ على أنه هو المفروض. الحكم الثاني: السفر الذي يبيح قصر الصلاة. اختلف الفقهاء في السفر الذي يبيح قصر الصلاة، فذهب بعضهم إلى أنه لا بدّ أن يكون (سفر طاعة) كالجهاد، والحج، والعمرة، وطلب العلم أو غير ذلك أو أن يكون مباحاً كالتجارة، والسياحة، وغير ذلك وهذا هو مذهب (الشافعية والحنابلة) . وقال مالك: كل سفر مباح يجوز فيه قصر الصلاة، فقد «روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين» قال ابن كثير هذا حديث مرسل. وقال أبو حنيفة والثوري وداود: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحاً أو محظوراً، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، وحجتهم في ذلك أن القصر فرضٌ معيَّنٌ للسفر لحديث عائشة السابق «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر» ولم يخصّص القرآن سفراً دون سفر فكان مطلق السفر مبيحاً للقصر حتى ولو كان سفر معصية. قال ابن العربي في «أحكام القرآن» : «وأما من قال إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرضٌ معيّن للسفر فقد بينّا في كتاب» التلخيص «فساده، فإن الله سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفاً والتمام أصلاً، والرّخَص لا تجوز في سفر
следующие страницы →