← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إليّ طعمة، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ َ وليجادل عن صحابنا فإنه بريء، فأتوه فكلّموه في ذلك فنزلت هذه الآيات ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ . لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ ليس للشرط وإنما خرج الكلام مخرج الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، ولهذا قال (يَعْلَى بن أمية) لعمر ﵁: ما لنا نقصر وقد أمّنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﷺ َ عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» . اللطيفة الثانية: أمر تعالى المجاهدين حين شروعهم بالصلاة بعدم طرح الأسلحة، وعبّر عن ذلك بالأخذ (وليأخذوا أسلحتهم) للإيذان بالاعتناء بضرورة الحذر من الكافرين، والتنبيه على ضرورة اليقظة وعدم التساهل في الأخذ بالأسباب. اللطيفة الثالثة: «روي أن النبي ﷺ َ غزا محاراً مع أصحابه، فنزلوا وادياً ولا يرون من العدوّ أحداً، فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله ﷺ َ لحاجة له، فلما قطع طرف الوادي بصرَ به (غورث بن الحارث) فانحدر من الجبل وهو السيف، فلم يشعر به رسول الله ﷺ َ إلا وهو قائم على رأسه يقول: قتلني الله إن لم أقتلك وقد سلّ سيفه من غمدة فقال يا محمد: من يعصمك منيّ الآن؟ فقال رسول الله ﷺ َ: الله ، فأهوى بالسيف عن رسول الله ﷺ َ ليضربه فزلقت رجله وسقط على الأرض، فأخذ رسول الله ﷺ َ السيف وقال: من يمنعك مني الآن يا غورث؟ فقال: لا أحد، كن

стр. 492

خير آخذ فعفا عنه الرسول ﵇، فرجع إلى قومه فقصّ عليهم قصته فآمن بعض قومه ودخلوا في الإسلام» . اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله﴾ أي بما عرّفك وأعلمك وأوحى إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور. قال الزمخشري: كان عمر يقول: «لا يقولَّنّ أحدكم قضيتُ بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ﷺ َ، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله ﷺ َ كان مصيباً، لأن الله كان يريه إياه، وهو منّا الظن والتكلف» . اللطيفة الخامسة: قال الرازي: واعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي ﷺ َ لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طُعْمة، وكان في علم الله أن (طُعْمة) كان فاسقاً، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب؟ . اللطيفة السادسة: أمر الرسول ﷺ َ بالاستغفار لا يدل على وقوع المعصية منه ﵇ وإنما هو لزيادة حسناته ورفع مقامه، قال القاضي عياض في «الشفا» : إن تصرف الأنبياء ﵈ بأمورٍ لم يُنهوا عنها، ولا أُمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم، وإلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وأطال في هذا المقام وأطاب، ثم قال: وأيضاً فإن في التوبة والاستغفار معنى لطيفاً أشار إليه بعض

стр. 493

العلماء وهو: استدعاء محبة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] . الأحكام الشرعية الحكم الأول: قصر الصلاة في السفر. دل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة﴾ على مشروعية قصر الصلاة في السفر لأن قوله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ معناه إذا سافرتم في البلاد، ولم يشرط الله تعالى أن يكون السفر للجهاد وإنما أطلق اللفظ ليعمّ كل سفر، وقد استدل العلماء بهذه الآية على مشروعية (قصر الصلاة) للمسافر ثم اختلفوا هل القصر واجب أم رخصة على مذهبين: المذهب الأول: أن القصر رخصة فإن شاء قصر وإن شاء أتم، وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله. المذهب الثاني: أن القصر واجب وأن الركعتين هما تمام صلاة المسافر وهو مذهب أبي حنيفة ﵀. وقال مالك: إن أتمّ في السفر يعيد ما دام في الوقت، والقصر عنده سنة وليس واجباً. دليل المذهب الأول: احتج الشافعية والحنابلة على عدم وجود القصر بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - إن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة﴾ يشعر بعدم الوجوب، لأن رفع الجناح يدل على الإباحة لا على الوجوب، ولو كان القصر واجباً لجاء اللفظ بقوله: فعليكم أن

стр. 494

تقصروا من الصلاة، أو فاقصروا الصلاة. ب - ما روي أن عائشة اعتمرت مع رسول الله ﷺ َ من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قالت يا رسول الله قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرت، فقال: أحسنتِ يا عائشة ولم يَعِبْ عليّ. ج - وقالوا: إن عثمان كان يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد الصحابة فدل على أن القصر رخصة. د - وقالوا مما يدل على ما ذكرناه أن رخص السفر جاءت على التخيير كالصوم والإفطار، فكذلك القصر. دليل المذهب الثاني: واستدل الحنفية على وجوب قصر الصلاة في السفر بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم ﷺ َ. ب - إن النبي ﷺ َ التزم القصر في أسفاره كلها، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ َ إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين حتى يرجع» . ج - ما روي عن (عمران بن حصين) قال: «حججتُ مع النبي ﷺ َ فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: صلوا أربعاً فإنّا قوم سَفْرٌ» . د - وقال ابن عمر: صحبت رسول الله ﷺ َ في السفر فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى، وقد قال الله

стр. 495

تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . هـ - وما روي عن عائشة الثابت في الصحيح «فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين، فزيدت في الحضر وأُقرّت في السفر» . قالوا: فهذه هي صلاة رسول الله ﷺ َ فوجب اتباعه وقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فلمّا صلىّ في السفر ركعتين دلّ على أنه هو المفروض. الحكم الثاني: السفر الذي يبيح قصر الصلاة. اختلف الفقهاء في السفر الذي يبيح قصر الصلاة، فذهب بعضهم إلى أنه لا بدّ أن يكون (سفر طاعة) كالجهاد، والحج، والعمرة، وطلب العلم أو غير ذلك أو أن يكون مباحاً كالتجارة، والسياحة، وغير ذلك وهذا هو مذهب (الشافعية والحنابلة) . وقال مالك: كل سفر مباح يجوز فيه قصر الصلاة، فقد «روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين» قال ابن كثير هذا حديث مرسل. وقال أبو حنيفة والثوري وداود: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحاً أو محظوراً، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، وحجتهم في ذلك أن القصر فرضٌ معيَّنٌ للسفر لحديث عائشة السابق «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر» ولم يخصّص القرآن سفراً دون سفر فكان مطلق السفر مبيحاً للقصر حتى ولو كان سفر معصية. قال ابن العربي في «أحكام القرآن» : «وأما من قال إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرضٌ معيّن للسفر فقد بينّا في كتاب» التلخيص «فساده، فإن الله سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفاً والتمام أصلاً، والرّخَص لا تجوز في سفر

стр. 496

المعصية كالمسح على الخفين» . أقول: ما ذهب إليه الجمهور من أن السفر المباح تقصر فيه الصلاة هو الأرجح لئلا نعينه على المعصية والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ [المائدة: ٢] . الحكم الثالث: ما هو مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟ ١ - ذهب أهل الظاهر إلى أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر. ٢ - وذهب الشافعية والحنابلة والمالكية إلى أن أقله يومان، مسيرة ستة عشر فرسخاً. ٣ - وذهب الحنفية إلى أن أقله ثلاثة أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخاً. ٤ - وقال الأوزاعي أقله مرحلة يوم، مسيرة ثمانية فراسخ. وقد مرت هذه الأقوال في آية الصوم مع الأدلة فارجع إليها هناك. قال ابن العربي في الردّ على الظاهرية: «تلاعب قوم بالدين فقالوا: إنّ من خرج من البلد إلى ظاهره قصر الصلاة وأكل، وقائل هذا أعجميّ لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخفّ بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه ما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أن أفكّر فيه بفضول قلبي، وقد كان من تقدم من الصحبة يختلفون في تقديره، فروي عن عمر، وابن عمر، وابن عباس أنهم كانوا يقدّرونه بيوم، وعن ابن مسعود أنه كان يقدّره بثلاثة أيام، يعلمهم بأن السفر كل خروج تُكلّف له وأدركت فيه المشقة» . الحكم الرابع: كيف تصلى صلاة الخوف؟ ذهب الإمام أبو يوسف ﵀ إلى أن ما اشتملت عليه الآية من الأحكام

стр. 497

في صلاة الخوف، كان خاصاً بالرسول ﵇ مع الجيش، أخذاً من ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ . وذهب الجمهور إلى أن صلاة الخوف مشروعة، لأن خطاب النبي ﷺ َ خطاب لأمته، وقد أمرنا باتباعه والتأسي به، والأئمة هم خلفاؤه من بعده يقيمون شريعته وملته، فلا موجب للقول بالخصوصية. ثم اختلفوا في كيفية الصلاة على أقوال عديدة حسب اختلاف الروايات عن رسول الله ﵊ ُ. قال في «المغني» : «ويجوز أن يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاّها رسول الله ﷺ َ قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز» وقد اختار الإمام أحمد حديث (سهل بن أبي حثمة) وقد رواه الجماعة ولفظه عند مسلم كما يلي «أن رسول الله ﷺ َ صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلّم» ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - قصر الصلاة في السفر وفي الخوف مع الإمام وغيره. ٢ - وجوب الاستعداد وأخذ الحيطة والحذر من الأعداء. ٣ - الصلاة لها أوقات محدودة فلا يباح الإخلال بها. ٤ - ضرورة الصبر وعدم الوهن والجزع من مجابهة الأعداء.

стр. 498

ما يحل ويحرم من الأطعمة

стр. 499

سورة المائدة التحليل اللفظي ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾ : يقال وَفَى بالعهد وأوفى به ومنه ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] وأوفى لغة أهل الحجاز، والعقود جمع عقد، وأصله في اللغة الرطب تقول: عقدتُ الحبل بالحبل، ثم استعير للمعاني كعقد البيع والعهد وغيرهما. قال صاحب «الكشاف» : العقد: العَهْد الموثّق شبّه بعقد الحبل ونحوه قال الحطيئة: قوم إذا عَقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا قومٌ هم الأنْفُ والأَذْنابُ غيرُهم ... ومَنْ يُسَوّى بأنف النّاقةِ الذنبا والمراد بالعقود هنا ما يشمل العقود التي عقدها الله على عباده كالتكاليف الشرعية، والعهود التي بين الناس كعقود الأمانات، والمبايعات وسائر أنواع العقود. ﴿بَهِيمَةُ الأنعام﴾ : البهيمة ما لا نطق له وذلك لما في صوته من الإبهام، وخص في العرف بما عدا السباع والطير، أفاده الراغب، والأنعام جمع نَعَم بفتحتين وهي الإبل، والبقر، والغنم. ﴿حُرُمٌ﴾ : جمع حرام بمعنى مُحْرِم، ومعنى الآية: غير مستحلي الصيد وأنتم في حالة الإحرام. ﴿شَعَآئِرَ الله﴾ : ما جعله عَلَماً على طاعته واحدها شعيرة، والمراد بالشعائر هنا مناسك الحج وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: المراد بها حدود الله وهو منقول عن عكرمة وعطاء. ﴿القلائد﴾ : جمع قلادة وهي ما قلّد به الهدي، وكان الرجل يقلّد بعيره من لحاء شجر الحرم فيأمن بذلك حيث سلك.

стр. 500

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ : أي يَكسبنّكم يقال: جرم ذنباً أي كسبه، وفلان جارمُ أهلِه أي كاسبهم. ﴿شَنَآنُ﴾ : أي بغض يقال: شنأته إذا أبغضته، والشانيء المبغض قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] . والمعنى: لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام الاعتداء عليهم. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ الله﴾ : أي ذبح لغير الله، وذكر عند ذبحه غير اسم الله وهو كقولهم: باسم اللات والعزى. ﴿والموقوذة﴾ : التي تضرب حتى تشرف على الموت، ثم تترك حتى تموت وتؤكل بغير ذكاة. ﴿والمتردية﴾ : الواقعة من جبلٍ أو حائطٍ أو في بئر، يقال: تردّى أي سقط. ﴿والنطيحة﴾ : التي نطحتها شاة أخرى فمات بالنطح، (فعيلة) بمعنى (مفعولة) أي منطوحة. ﴿ذَكَّيْتُمْ﴾ : ذبحتموه الذبح الشرعي مع ذكر اسم الله تعالى عند الذبح. ﴿النصب﴾ : قال في «اللسان» : النّصبُ صنمٌ أو حجر، وكانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده وجمعه أنصاب. ﴿بالأزلام﴾ : أي بالقداح جمع زَلَم، والاستقسام بها أن يضرب بها ثم يعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي. ﴿مَخْمَصَةٍ﴾ : أي مجاعة، والخَمْصَ: الجوع، قال حاتم يذم رجلاً: يرى الخَمْص تعذيباً وإن يلقَ شِبْعة ... يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مبهماً

стр. 501

﴿مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ : أي منحرفٍ مائلٍ إلى الإثم، والجَنَفُ الميل قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ [البقرة: ١٨٢] . ﴿الجوارح﴾ : جمع جارحة وهي الكواسب من سباع البهائم والطير، من جَرَحَ إذا كسب قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠] أي كسبتم وقيل: المراد كلاب الصيد. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ : جمع مكلِّب بالتشديد وهو الذي يؤدب الكلاب ويعلّمها أن تصيد لأصحابها، وإنما اشتق الاسم من الكلب مع أنه يعلّم الكلاب والبزاة وغيرها لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب. المعنى الإجمالي خاطب الله سبحانه المؤمنين، فأمرهم بالوفاء بالعهود التي بينهم وبين الله والناس، ثم ذكر ما أباح لهم من لحوم الإبل والبقر والغنم بعد الذبح، وما حرّم عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى آخر ما ذكر في آية المحرمات التالية، كما ذكر الله تعالى أنه أباح الصيد لعباده إلا في حالة الإحرام. ونهى الله تعالى في الآية الثانية عن إحلال الشعائر كالصيد في الإحرام، والقتال في الشهر الحرام، والتعرض للهدي والقلائد التي تهدى لبيت الله، والتعرض لقاصدي المسجد الحرام الذين يبتغون الفضل والرضوان من الله بقتالهم أو الاعتداء عليهم، ثم أباح الله تعالى الصيد لعباده بعد التحلل من الإحرام، وزجرهم عن الاعتداء على الغير بسبب بغضهم لهم، فإن الظلم ممقوت وقد حرم الله البغي والعدوان بجميع صوره وضروبه، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان وختم الآية بالتهديد، والوعيد لمن خالف أمر الله.

стр. 502

وفي الآية الثالثة عدّد الله تعالى المحرمات التي ذكرها بالإجمال في أول السورة ﴿إِلَاّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ فبينها هنا بالتفصيل وهي أحد عشر شيئاً كلها من قبيل المطعوم إلا الأخير وهو (الإستقسام بالأزلام) وهذه المحرمات هي التي كان أهل الجاهلية يستحلونها فحرمتها الشريعة الإسلامية وهي (الميتة، الدم، لحم الخنزير، ما ذبح لغير الله، المنخنقة، الموقوذة (المقتولة ضرباً) المتردية (الساقطة من علو فماتت) النطيحة (المقتولة بنطح أخرى) (ما أكل السبع) بعضه إلا إذا أدرك قبل الموت من هذه الأشياء فذبح، الذبح الشرعي، وما قصد بذبحه النصب (الأصنام) وكذلك حرّم الله تعالى الاستقسام بالأقداح التي هي - على زعمهم - استشارة للآلهة في أمورهم، فإن أمرتهم ائتمروا، وإن نهتهم انتهوا، وبيّن الله تعالى أن هذا فسق من عمل الشيطان. وختم الله تعالى الآيات الكريمة بأنه أكمل الدين وأتم الشريعة، وأحل الطيبات، وحرّم الخبائث إلا في حالة الاضطرار، التي يباح فيها للإنسان ما حرّمه الله تعالى عليه. سبب النزول روى ابن عباس ﵄ أن المشركين كانوا يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظّمون المشاعر وينحرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ . وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بفتح النون في (شنَآنُ) ، وقرأ ابن عامر بسكون النون.

стр. 503

٢ - قرأ الجمهور ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ أي من أجل أن صدوكم، وقرأ ابن كثير بالكسر (إن صدوكم) على أنها شرطية. ٣ - قرأ الجمهور ﴿وَمَآ أَكَلَ السبع﴾ بضم الباء، وقرأ أبو رزين (السّبْعُ) بسكون الباء. ٤ - قرأ الجمهور ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ بضم الصاد، وقرأ الحسن (النّصْب) بسكون الصاد. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: نهى الله تعالى عن التعرض للهدي ثم خصّ بالذكر (القلائد) أي ذوات القلائد فيكون هذا من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] للتنبيه على زيادة الشرف والفضل، ويجوز أن يكون المراد القلائد نفسها، فنهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي لا تحِلّوا قلائدها فضلاً عن أن تحلوها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] نهى عن إبداء الزينة مبالغة عن إبداء مواقعها. اللطيفة الثانية: جرت سنة الجاهلية على مبدأ العصبيّة العمياء (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وهو المبدأ الذي عبّر عنه الشاعر الجاهلي بقوله: وهل أنا إلاّ من غُزَيَّة إن غوتْ ... غويتُ وإن ترشد غُزيةُ أرشد وجاء الإسلام بهذا المبدأ الإنساني الفاضل الذي عبّر القرآن الكريم بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ [المائدة: ٢] وشتان شتّان بين هذين المبدأين!! اللطيفة الثالثة: الاستقسام بالأزلام أي بالقداح، وقد كانوا في الجاهلية

стр. 504

إذا أرادوا سفراً، أو غزواً، أو تجارةً أو نكاحاً، أو اختلفوا في أمر نسبٍ، أو أمر قتيل، أو تحمل عقل، أو غير ذلك من الأمور العظام، جاءوا إلى (هُبل) أعظم أصنامهم بمكة وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح، حتى يجيلُها لهم ويستشيروا آلهتهم (الأصنام) فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج نهاني ربي لم يفعلوا، وإن خرج غُفْل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب عليهم، فنهاهم الله عن ذلك وسمّاه فسقاً. اللطيفة الرابعة: في قوله تعالى: ﴿اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ لم يرد يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية كقول الرجل: كنتُ بالأمس شاباً وأنا اليوم أشَيَبُ، فلا يريد بالأمس الذي قبل اليوم، ولا باليومِ اليوم الذي هو فيه، بل يريد به الزمان الماضي والحاضر. اللطيفة الخامسة: نزلت هذه الآية الكريمة ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ على رسول الله ﷺ َ في حجة الوداع، ورسول الله ﷺ َ بعرفة، في يوم جمعة، فكان ذلك اليومُ عيداً على عيد، روي أن رجلاً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أيَّ آية تعني؟ قال: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ َ فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله عشية عرفة في يوم جمعة. و «روي أنه لما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال له النبي ﷺ َ: ما يبكيك يا عمر؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، وإنه لا يكمل شيء إلا

стр. 505

نقص، فقال: صدقت، فكانت هذه الآية نَعيَ رسول الله ﷺ َ فما لبث بعد ذلك إلاّ إحدى وثمانين يوماً» . الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالعقود في الآية الكريمة؟ قال بعض العلماء: المراد بالعقود عقود الدّيْن والمعاملة، وهي ما عقدة الإنسان على نفسه من بيع، وشراء، وإجارة، وغير ذلك ممّا يتعامل به الناس، وهو قول الحسن. وقال آخرون: المراد بها عقود الشريعة من حج، وصيام، واعتكاف، وقيام، ونذور وما أشبه ذلك من الطاعات، وهو قول ابن عباس ومجاهد، ورجّحه الطبري. والصحيح كما قال القرطبي وجمهور المفسرين أن المراد بالعقود ما يشمل عقود المعاملة وعقود الشريعة وهي التكاليف والواجبات الشرعية التي فرضها الله على عباده، وما أُحل وحرّم عليهم. قال القرطبي: قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقد بعضكم على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم، وهو الصحيح في الباب، لقوله ﵇: «المؤمنون عند شروطهم» . الحكم الثاني: المحرمات من الأنعام التي أشارت إليها الآية الكريمة. ذكرت الآية الكريمة المحرمات من الأنعام بالتفصيل وهي (الميتة، الدم، لحم الخنزير، ما ذبح للأصنام أو ذكر عليه اسم غير الله، المنخنقة،

стр. 506

الموقوذة، المتردية، النطيحة، فما أكله السبع أي ما افترسه ذو ناب وأظفار كالذئب والأسد) وقد استثنى الباري جل وعلا من (الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكله السبع) ما أدركه الإنسان حياً فذكاه التذكية الشرعية. وقد اختلف الفقهاء في الذكاء هل تحل هذه الأنواع التي لها حكم الميتة؟ فالمشهور من مذهب الشافعية وهو مذهب الحنفية أن الحيوان إذا أُدرك وبه أثر حياة كأن يكون ذنبه يتحرك، أو رجله تركض ثم ذَكّي فهو حلال. وقال بعضهم: يشترط في الحياة أن تكون مستقرة، وهي التي لا تكون على شرف الزوال، وعلامتها على ما قيل: أن يضطرب بعد الذبح لا وقته. وروي عن مالك أنه إذا غلب على الظن أنه يهلك فلا يحل ولا يؤثر فيه الذكاة، وروي عنه قول آخر مثل قول الشافعية والحنفية أنه يحلّ إذا كان به أدنى ما يدرك به الذكاة. وسبب الخلاف بين الفقهاء هو الاستثناء في الآية الكريمة ﴿إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ هل هو استثناء متصل أم منقطع؟ فمن رأى أنه متصل يرى أنه أخرج من حكم التحريم ويكون معنى الآية: إلاّ ما أدركتموه وفيه بقية حياة وذكيتموه فإنه حلال لكم أكله. ومن رأى أنه منقطع يرى أن التذكية لا تحلّ هذه الأنواع، وأن الاستثناء من التحريم لا من المحرمات، ومعنى الآية: حرّم عليكم سائر ما ذكر لكن ما ذكيتم مما أحله الله تعالى بالتذكية فإنه لحلال لكم. والراجح أن الاستثناء متصل لأنه لو تردى الحيوان ولم يمت ثم ذبح بعد أيام جاز أكله باتفاق فلا وجه للقول الآخر والاستثناء المتصل على ما تقدم يرجع إلى الأصناف الخمسة من المنخنقة وما بعدها، وهو قول علي وابن عباس والحسن، وقيل: إنه خاص بالأخير، والأول أظهر.

стр. 507

الحكم الثالث: كيف تكون الذكاة الشرعية؟ أ - قال مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. ب - وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين، لأنهما مجرى الطعام والشراب. ج - وقال أبو حنيفة: يجزئ قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. والتفصيل في كتب الفقه، إلا أن مالكاً وأبا حنيفة اعتبروا الموت على وجهٍ يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال - وهو اللحم - من الحرام، وذلك بقطع الأوداج التي يسيل منها الدم كقوله ﵇: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» . وأما الآلة التي تجوز بها الذكاة فهي كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج سوى السن والظفر. وأجاز أبو حنيفة الذكاة بالسن والظفر إذا كانا منزوعين. فأما البعير إذا توحش، أو تردّى في بئر، فهو بمنزلة الصيد ذكاته عقْرُه، لما رواه البخاري والنسائي وأبو داود عن (رافع بن خديج) قال: «كنّا مع رسول الله ﷺ َ في سفره، فندّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجلٌ بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ َ: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا» . وقال مالك: ذكاتُه ذكاةُ المقدور عليه. قال الإمام أحمد: لعلّ مالكاً لم يسمع حديث رافع بن خديج. وقد تأويل ابن العربي في تفسيره «أحكام القرآن» : الحديث بأن مفاده جواز حبس ما ندّ من البهائم بالرمي وغيره، لأنّ ذلك ذكاة لها، وأنه

стр. 508

لا بدّ من الذبح للأنعام. الحكم الرابع: حكم صيد السباع والجوارح. دلّ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ﴾ أي معلمين لها الصيد، على جواز أكل ما صاده سباع البهائم والجوارح، كالكلب والفَهْد، والصقر والبازي، بشرط أن يكون الحيوان أو الطير معلّماً. وقد اتفق الفقهاء على جواز صيد كل كلب معلّم لقوله ﵇ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك، فإن أكل منه فلا تأكل» . وشرط بعضهم في الكلب المعلّم شروطاً ينبغي أن تتوفر حتى يحل صيده منها: ١ - أن يكون معلّماً يجيب إذا دعي، وينزجر إذا زجر لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ . ٢ - أن لا يأكل من صيده الذي صاده لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ . ٣ - أن يذكر اسم الله تعالى عند إرساله لقوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عَلَيْهِ﴾ وقوله ﷺ َ: «وذكرت اسم الله تعالى» . ٤ - أن يكون الذي يصيد بهذا الحيوان مسلماً، وشرط بعضهم ألا يكون الكلب أسود. وفي بعض هذه الشروط خلاف بين الفقهاء يعلم من كتب الفقه والله أعلم.

стр. 509

[٢] أحكام الوضوء والتيمم

стр. 510

التحليل اللفظي ﴿وَطَعَامُ﴾ : الطعام اسمٌ لما يؤكل وهو هنا خاص بالذبائح، يعني ذبيحة اليهودي والنصراني حلال لنا، كما أن ذبيحتنا حلال لهم. ﴿والمحصنات﴾ : العفائف من النساء قال الشعبي: أن تحصن فرجها فلا تزني، وقد تقدم. ﴿متخذي أَخْدَانٍ﴾ : جمع خِدْن بمعنى صديق، والخدْن يعق على الذكر والأنثى كذا قال صاحب «الكشاف» . وقد كان الرجل في الجاهلية يتخذ صديقة فيزني بها، والمرأة تتخذ صديقاً فيزني بها فحرم الإسلام ذلك. ﴿يَكْفُرْ بالإيمان﴾ : أي يجحد بشرائع الإسلام ومن ضمنها أحكام الحلال والحرام. ﴿حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ : بطل ثوابه لأن الكفر يذهب ثواب العمل الصالح ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] . ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ : قال الزجاج: المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨] . فليس المراد القيام فعلاً وإنما المراد إرادة الفعل، كما تقول: إذا ضربت فاتق الوجه أي إذا أردت الضرب. ﴿فاغسلوا﴾ : الغَسْل بالفتح إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من وسخ وغيره. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ : لفظ الوجه مأخوذ من المواجهة، وحدّه من أعلى الجبهة إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. ﴿إِلَى الكعبين﴾ : الكعبان: العظمان الناتئان من جانبي القدم، وسمّي كعباً لعلوه وارتفاعه.

стр. 511

﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾ : أي من ضيق في الدين، فقد وسّع الله على المؤمنين حين رخّص لهم في التيمم. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: أحل لكم أيها المؤمنون المستطاب من الأطعمة ما كان منها حلالاً، وذبائح أهل الكتاب حلال لكم وذبائحكم حلال لهم، والعفائف من المؤمنات والعفائف الحوائر من نساء أهل الكتاب حلال لكم نكاحهن، إذا دفعتم إليهن مهورهن، محصنين أنفسكم بالزواج، غير زانين ولا متخذين عشيقات وصديقات، تزنون بهن في السرّ، ومن يرتد عن الإسلام فقد ذهب وبطل ثوابه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ثمّ بيّن الله تعالى أحكام الوضوء والتيمم فقال: إذا أردتم أيها المؤمنون القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون، فاغسلوا بالماء الطاهر وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أقدامكم إلى الكعبين، وإذا كنتم محدثين حدثاً أكبر فاغتسلوا بالماء، وإن كنتم في حالة المرض أو السفر أو محدثين حدثاً أصغر، أو غشيتم النساء ولم تجدوا ماءً تتوضؤون به أو تغتسلون، فتيمّموا بالتراب الطاهر، فامسحوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق بذلك التراب، ما يريد الله أن يضيّق عليكم في أحكام الدين، ولكنه تعالى يريد أن يطهركم من الذنوب والآثام، ومن الأقذار والنجاسات، ويتم نعمته عليكم ببيان شرائع الإسلام لتشكروه على نعمه، وتحمدوه على آلائه. وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ بفتح اللام، وقرأ حمزة

стр. 512

وأبو عمرو (وأرجُلِكُمْ) بالكسر، فقراءة النصب بالعطف على الوجوه والأيدي أي فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم وأرجلَكم، وقراءة الجر للمجاورة، قال ابن الأنباري: لمّا تأخرت الأرجل بعد الرؤوس نسقت عليها للقرب والجوار. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ﴾ طعام مبتدأ، وحلّ لكم خبره. ٢ - قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ محصنين حال من الضمير المرفوع في آتيتموهن. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَى المرافق﴾ قال العكبري: قيل إن (إلى) بمعنى (مع) كقوله تعالى ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] أي مع قوتكم، وليس هذا المختار والصحيح أنها على بابها لانتهاء الغاية. وإنما وجب غسل المرافق بالسنة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: تقديم المحصنات من المؤمنات على الكتابيات يدل على تفضيل الزواج بالمؤنة فالكتابية وإن كان يحل التزوج بها، لكنّ المؤمنة خير منها فيكون الزواج بها أفضل لقوله ﵇: «ألا أخبركم عن خير ما يكنز المرء المرأة الصالحة ... » الحديث والصلاح إنما يكون في المؤمنة الفاضلة، وهذا هو السر في تقييد النكاح بالمؤمنات في سورة الأحزاب ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات﴾ [الأحزاب: ٤٩] . اللطيفة الثانية: تقييد التحليل بإيتاء الأجور، يدل على تأكيد وجوب

стр. 513

المهور، وأن من تزوج امرأة وعزم ألاّ يعطيها صداقها كان في صورة الزاني، وتسمية (المهر) بالأجر دلالة على أن الصداق ليس له قدر محدود، كما أن الأجر لا يتقدر وإنما يكون حسب الاتفاق. اللطيفة الثالثة: التعبير بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان﴾ هو من إطلاق اسم الشيء على لازمه فهو (مجاز مرسل) لأن المراد ومن يكفر بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فجعل كلمة التوحيد إيماناً، لأنها تستلزم الإيمان، وقيل: المراد ومن يكفر بشرائع الله، أو بدين الله فقد حبط عمله، وكلاهما متقارب من حيث إرادة المجاز. اللطيفة الرابعة: مجيء المسح في آية الوضوء ضمن الأعضاء المفروض غسلها. فيه إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي مراعاة الترتيب في الوضوء، فيغسل الوجه أولاً، ثم اليدين إلى المرفقين ثانياً، ثم يمسح الرأس، ثم يغسل القدمين، وهذا الترتيب - وإن لم يكن واجباً في بعض الأقوال - إلاّ أنه على كل حال مطلوب ومندوب، فيكون اتباع الهدي النبوي أكمل وأولى. الأحكام الشرعية الحكم الأول: حكم ذبائح أهل الكتاب. ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أي ذبائح أهل الكتاب وهو الصحيح لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات كما قال البعض، لأن الذبائح هي التي تصير بفعلهم حلا، وأما الخبز والفاكهة فهي مباحة للمؤمنين قبل أن تكون لأهل الكتاب وبعد أن تكون لهم، فلا وجه لتخصيصها بأهل الكتاب. وخُصّ هذا الحكم بأهل الكتاب لأن الوثنيّين لا يحل أكل ذبائحهم، ولا التزوج بنسائهم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ﴾

стр. 514

[الأنعام: ١٢١] وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] . أما أهل الكتاب فلهم حكم خاص من حيث الذبائح، والنكاح، وأما المجوس فقد سُنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد روي عن علي ﵁ أنه استثنى نصارى (بني تغلب) وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي ﵀. وعن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس به، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀. وإنما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ ولم يذكر النساء للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح والمناكحة، فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها في جانب واحد، والفرق واضح لأنه لو أبيح لأهل الكتاب التزوج بالمسلمات، لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظوراً. الحكم الثاني: حكم نكاح اليهودية أو النصرانية. ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من اليهود والنصارى، واستدلوا بهذه الآية الكريمة ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ . وكان ابن عمر ﵄ لا يرى ذلك ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى، واستدل أيضاً بأن الله أوجب المباعدة عن الكفار في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١] .

стр. 515

أقول: الآية صريحة في جواز نكاح الكتابيات، وهي دليل واضح لما ذهب إليه الجمهور، ولعلّ ابن عمر كره الزواج بالكتابيات ومنع منه، خشية على الزواج أو على الأولاد من الفتنة، فإن الحياة الزوجية تدعو إلى المحبة، وربما قويت المحبة فصارت سبباً إلى ميل الزوج إلى دينها، والأولاد يميلون إلى أمهم أكثر، فربما كان هذا سبباً في تأثرهم بدين النصرانية أو اليهودية فيكون هذا الزواج خطراً على الأولاد، فإذا كان ثمة خشية من الفتنة على الزوج أو الأولاد فيكون الزواج قطعاً محرماً، وأمّا إذا لم يكن هناك خطراً، أو كان هناك طمع في إسلامها فلا وجه للقول بالتحريم والله أعلم. الحكم الثالث: هل يجب الوضوء على غير المحدث؟ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ يوجب الوضوء على كل قائم وإن لم يكن محدثاً، وقد أجمع العلماء على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، فيكون قيد الحدث مضمراً في الآية ويصبح المعنى (إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون) وإنما أوّلوا الآية بهذا التأويل للإجماع على أن الوجوب لا يجب إلا على المحدث، ولأن في الآية ما يدل عليه، فإن التيمم يدل عن الوضوء وقائم مقامه، وقد قيد وجوب التيمم في الآية بوجود الحديث، فالأصل يجب أن يكون مقيداً به، ليتأتى أن يكون البدل قائماً مقام الأصل، ولأن الأمر بالوضوء نظير الأمر بالاغتسال وهو مقيد بالحدث الأكبر في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ فيكون نظيره وهو الأمر بالوضوء مقيداً بالحدث الأصغر. ومما يدل على ذلك «أن النبي ﷺ يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال له ﵊ ُ عمداً فعلته يا عمر» يعني أنه ﵇ أراد بيان الجواز لأمته بهذا العمل. وأما ما ورد من أنه ﵇ وخلفاءه كانوا يتوضؤون لكل صلاة، فإن ذلك لم يكن بطريق الوجوب، وإنما كان بطريق الاستحباب، والرسول

стр. 516

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان دائماً يحب الأفضل، فليس في فعله ما يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة. الحكم الرابع: ما هو حكم مسح الرأس وما مقداره؟ اتفق الفقهاء على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء لقوله تعالى: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ولكنهم اختلفوا في مقدار المسح على أقوال: أ - قال المالكية والحنابلة: يجب مسح جميع الرأس أخذاً بالاحتياط. ب - وقال الحنفية: يفترض مسح ربع الرأس أخذاً بفعل النبي ﷺ َ بمسحه على الناصية. ح - وقال الشافعية: يكفي أن يمسح أقل شيء يطلق عليه اسم المسح ولو شعرات أخذاً باليقين. دليل المالكية والحنابلة: استدل المالكية والحنابلة على وجوب مسح جميع الرأس بأن الباء كما تكون أصلية تكون زائدة للتأكيد، واعتبارها هنا زائدة أولى، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، وقالوا: إن آية الوضوء تشبه آية التيمم، وقد أمر الله تعالى بمسح جميع الوجه في التيمم ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ ولمّا كان المسح في التيمم عاماً لجميع الوجه، فكذلك هنا يجب مسح جميع الرأس ولا يجزئ مسح البعض، وقد تأكد ذلك بفعل النبي ﷺ َ حيث ثبت أنه كان إذا توضأ مسح رأسه كله. دليل الحنفية والشافعية: واستدل الحنفية والشافعية بأن الباء (للتبعيض) وليست زائدة، والمعنى: امسحوا بعض رؤوسكم، إلاّ أن الحنفية قدروه بربع الرأس لما روى عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ َ كان في سفر، فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته.

стр. 517

وأما الشافعية فقالوا: الباء للتبعيض، وأقل ما يطلق عليه اسم المسح داخل بيقين، وما عداه لا يقين فيه فلا يكون فرضاً، وإنما يحمل على الندب. قال الشافعي: «احتمل قوله تعالى: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ بعض الرأس، ومسح جميعه، فدلت السنة على أن مسح بعضه يجزئ، وهو أن النبي ﷺ َ مسح بناصيته، وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه؟ قيل له مسحُ الوجه في التيمم بدل من غسله، فلا بدّ أن يأتي بالمسح على جميع موْضِع الغسل منه، ومسحُ الرأس أصلٌ فهذا فرق ما بينهما» . قال القرطبي: «أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: لعلّ النبي ﷺ َ فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه ﷺ َ في السفر وهو مظِنّة الإعذار، وموضع الاستعجال والاختصار، ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة، فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجباً لما مسح على العمامة» . أقول: الباء في اللغة العربية موضوعة للتبعيض، وكونها زائدة خلاف الأصل، ومتى أمكن استعمالها على حقيقة ما وضعت له وجب استعمالها على ذلك النحو، فالفرض يجزئ بمسح البعض، والسنّة مسح الكل، فما ذهب إليه الشافعية والحنفية أظهر، وما ذهب إليه المالكية والحنابلة أحوط والله أعلم. الحكم الخامس: ما هي الجنابة وماذا يحرم بها؟ الجنابة معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ ، وقد بيّن النبي ﷺ َ لحصول الجنابة سببين: الأول: نزول المني للحديث الشريف «الماء من الماء» أي يجب الاغتسال

стр. 518

بالماء من أجل الماء أي المني. والثاني: التقاء الختانين لقوله ﵇: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» . وكما يجب الغسل للجنابة يجب عند انقطاع الحيض والنفاس لقوله تعالى في الحيض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﵊ ُ قال لها: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصليّ» والإجماع على أن النفاس كالحيض. الحكم السادس: حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل. اختلف الفقهاء في (المضمضة) و (الاستنشاق) في الغسل، فقال المالكية والشافعية لا يجبان فيه، وقال الحنفية والحنابلة يجبان. حجة المالكية والشافعية ما روي أن قوماً كانوا يتحدثون في مجلس رسول الله ﷺ َ في أمر الغسل، وكلٌ يبيّن ما يعمل فقال ﵇ «أمّا أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت» . وحجة الحنفية والحنابلة أن الأمر بالتطهر يعم جميع أجزاء البدن الظاهرة والباطنة، التي ميكن غسلها وهي (الفم) و (الأنف) فكانت المضمضة والاستنشاق من الواجبات لقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ . وأجابوا عما تمسك به (المالكية والشافعية) بأن الغرض من الحديث بيان أنه لا يجب الوضوء بعد الغسل كما فهم ذلك كثير من الصحابة، فبيّن ﵇ أن الواجب الغسل فقط، وأن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى. الحكم السابع: حكم المريض والمسافر إذا وجد الماء. ظاهر الآية الكريمة يدل على جواز التيمم للمريض مطلقاً، ولكنّه مقيّد

стр. 519

بمن يضره الماء كما روي عن ابن عباس وجماعة من التابعين من أن المراد بالمريض المجدور ومن يضره الماء، ولذلك رأى الفقهاء أن المرض أنواع: الأول: ما يؤدي استعمال الماء فيه إلى التلف في النفس أو العضو، بغلبة الظن أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق، وفي هذه الحالة يجوز التيمم باتفاق. والثاني: ما يؤدي استعمال الماء إلى زيادة العلة أو بطء المرض، وفي هذه الحالة يجوز التيمم عند المالكية والحنفية وهو أصح قولي الشافعية لحديث الجماعة الذين خرجوا في السفر فأصاب أحدهم حجرٌ في رأسه فشجَّه ثم احتلم فخاف من زيادة العلة إلخ. الثالث: ما لا يخاف معه تلفاً ولا بطأً ولا زيادة في العلة، وفي هذه الحالة لا يجوز التيمم عند الحنفية والشافعية، لأنه لم يخرج عن كونه قادراً عن استعمال الماء، فلا يرخص له في التيمم، وعند المالكية يجوز له التيمم لإطلاق النص ﴿وَإِن كُنتُم مرضى﴾ . الرابع: أن يكون المرض حاصلاً لبعض الأعضاء، فإن كان الأكثر صحيحاً وجب غسل الصحيح ومسح الجريح ولا يجوز التيمم، وإن كان الأكثر جريحاً يجوز التيمم عند الحنفية، ومذهب الشافعية أنه يغسل الصحيح ثم يتيمم مطلقاً، وعند المالكية يجوز له التيمم مطلقاً. ومن ذلك يتبين أن المريض يرخص له في التيمم ولو كان الماء موجوداً بخلاف المسافر فإن الرخصة له مقيّدة بعدم الماء. الحكم الثامن: هل يجب في التيمم مسح اليدين إلى المرفقين؟ تقدم أن المراد بالصعيد هو التراب الطاهر على القول المختار، والتيمم المطلوب شرعاً هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين بقصد التطهير، والعضوان

стр. 520

هما (الوجه) و (اليدان) إلى المرفقين عند الحنفية، وهو أرجح القولين عند الشافعية، وإلى الرسغين عند المالكية والحنابلة. حجة الحنفية والشافعية أن لا أيدي في قوله تعالى: ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ تشمل العضو كله، إلاّ أن التيمم لمّا كان بدلاً عن الوضوء، والبدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، وقد وجب الغسل إلى المرافق في الوضوء فيجب أن يكون المسح إلى المرافق في التيمم. واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله «التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين» . حجة المالكية والحنابلة: أن اليد تطلق على الكف بدليل قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقطع اليد إنما يكون إلى الرسغ باتفاق، فيجزئ في التيمم ذلك. قال في «البحر المحيط» : وروي عن أبي حنيفة والشافعي أنه يمسح إلى المرفقين فرضاً واجباً، وذهب طائفة إلى أنه يبلغ به إلى الرسغين وهو قول أحمد والطبري والشافعي في القديم وروي عن مالك. وروي عن الشعبي أنه يمسح كفيه فقط، وبه قال بعض فقهاء الحديث، وهو الذي ينبغي أن يذهب إليه لصحته في الحديث، ففي «مسلم» من حديث عمار «إنما يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ وتمسح بها وجهك وكفيك» وعنه في هذا الحديث «وضرب بيده الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه» وللبخاري «ثم أدناهما من فيه ثم مسح بهما وجهه وكفيه» ، فهذه الأحاديث الصحيحة مبيِّنة ما تطرق إليه الاحتمال في الآية من محل المسح وكيفيته. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى) .

стр. 521

ثانياً: إباحة نكح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات. ثالثاً: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر شرط لصحة الصلاة. رابعاً: إذا فقد الماء أو تعذّر استعماله يباح حينئذٍ التيمم. خامساً: الإسلام دين اليسر وليس في الشريعة حرج أو ضيق. خاتمة البحث: حكمة التشريع من أهداف الشريعة الغراء العناية بطهارة الإنسان، وتخليصه من الأقذار الحسية والمعنوية في الباطن والظاهر، وإعداده الإعداد الروحي الذي يؤهله للوقوف في حضرة القدس، ويسمو به آفاق مشرقة من الجلال والبهاء والكمال. وقد شرع الإسلام الوضوء والغسل للمؤمن ليكون مظهراً دالاً على طهارة الظاهر، كما دعا إلى اجتناب المعاصي والآثام ليكون عنواناً على طهارة الباطن، فالوضوء والغسل إنما يقصد منهما النظافة وهي (طهارة حسية) تعوّد الإنسان على حياة الطهر في النفس، والخُلُق، والدين، وتجعله يعتاد طريق النظافة في شتى شؤون حياته، وفي بدنه وملبسه ومطعمه، وقد حضّ الإسلام على ذلك لأنه دين الطهارة والنظافة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وطهارةُ الظاهر جزء من طهارة الباطن. ولا عجب أن تُعنى الشريعة الغراء بطهارة الإنسان (فالطهور شطر الإيمان) كما قال ﵊ ُ، وقد بين جل ثناؤه الحكمة من تشريع هذه الأحكام في ختام الآية الكريمة بقوله ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم

стр. 522

مِّنْ حَرَجٍ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فالطهارة أساس في حياة المسلم، وإذا كان الله تعالى لا يقبل الصلاة إلا بطهارة الظاهر، فكيف يقبل من تلطخ بالقاذورات والنجاسات المعنوية فيدخله دار الإنس في جواره الكريم يوم القيامة؟! إن الإسلام دين الطهارة وطهارة الظاهر فرع، وطهارة الباطن أصل، وطهارة الظاهر شرط لصحة الصلاة، كما أن طهارة الباطن شرط لدخول الجنة ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَاّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] وهما جميعاً سبب لمحبة الله ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] .

стр. 523

[٣] حد السرقة وقطع الطريق

стр. 524

التحليل اللفظي ﴿يُحَارِبُونَ﴾ : المحاربة من الحرب ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال، والمراد بها في الآية محاربة أولياء الله وأولياء رسوله. ﴿فَسَاداً﴾ : الفساد ضد الصلاح، وكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً نافعاً يقال إنه فسد، والمراد بالإفساد في الأرض إخافة السبيل، والقتل والجراح وسلب الأموال. ﴿يقتلوا﴾ : التقتيل: المبالغة في القتل بحيث يكون حتماً لا هوادة فيه ولا عفو من ولي الدم. ﴿يصلبوا﴾ : التصليب: المبالغة في الصلب، أو تكرار الصلب كما قال الشافعي، ومعنى الصلب أن يُربط على خشبة منتصب القامة، ممدود اليدين، وربما طعنوه ليعجلوا قتله. ﴿مِّنْ خِلافٍ﴾ : معنى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف أن تقطع اليد اليمنى وتقطع الرجل اليسرى بالعكس. ﴿يُنفَوْاْ﴾ : النفي أصله الإهلاك، ومنه النّفاية لرديء المتاع، والنفي من الأرض هو النفي من بلد إلى بلد، لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً، وقيل: المراد بالنفي الحبسُ. ﴿خِزْيٌ﴾ : الخزي الذي والفضيحة يقال أخزاه الله أي فضحه وأذلّه. ﴿الوسيلة﴾ : كل ما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي.

стр. 525

﴿نَكَالاً﴾ : أي عقوبة قال في «المصباح» : نكل به ينكل من باب قتل نكلة قبيحة أصابه بنازلة، ونكّل به بالتشديد مبالغة، والاسم النَّكال. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا جزاء للمفسرين في الأرض إلاّ القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض عقوبة لهم وخزياً، ذلك العذاب المذكور هو المعجّل لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم هو عذاب النار، إلاّ الذين تابوا من قطاع الطريق من قبل أن تتمكنوا منهم فاعلموا أنه غفور رحيم يغفر الذنب ويرحم العبد. ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه سبحانه، والتقرب إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، والجهاد في سبيله لإعلاء دينه ليفوزا بالدرجات الرفيعة، ويكونوا من السعداء المفلحين. ثم أخبر تعالى أن الذين كفروا بآياته ورسله لو أنّ لأحدهم ملك الدنيا بأجمعه وأضعافه معه، ثم أراد أن يقدمه فداءً وعوضاً ليخلّص نفسه من عذاب الله، ما تقبلّه الله منه، لأن الله تعالى حكم بالخلود في عذاب جهنم على كل كافر، وأن هؤلاء يتمنون أن يخرجوا من النار، ولكن لا سبيل لهم إلى النجاة بوجه من الوجوه، فهم في عذاب مستمر دائم. ثم ذكر تعالى عقاب كل من السارق والسارقة، وأمر بقطع أيمانهما عند توفر الشروط، وبيّن أن تلك العقوبة جزاء ما كسباه من السرقة، عقوبة من الله لهما لإقدامهما على هذه الجريمة المنكرة، وليكون هذا العقاب الصارم عبرة للناس حتى يرتدع أهل البغي والفساد، ويأمن الناس على أموالهم وأرواحهم، وهذا التشريع هو تشريع العزيز في سلطانه الحكيم في أمره ونهيه، الذي لا تخفى

стр. 526

عليه مصالح العباد، ومن ضمن حكمته أن يعفو عمن تاب وأناب، وأصلح عمله، وسلك طريق الأخيار ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: ٨٢] . سبب النزول روي أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ َ إلى إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، وارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ َ في آثارهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمّر أعينهم، وألقاهم بالحرة حتى ماتوا فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ... ﴾ الآية. وجه الارتباط بالآيات السابقة بعد أن ذكر ﵎ قصة (قابيل وهابيل) ابني آدم ﵇، وأبان فظاعة جُرم القتل، وشدّد في تبعة القاتل فذكر أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ذكر تعالى هنا العقاب الذي يؤخذ به المفسدون في الأرض، حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم، وأوضح عقوبة السارق أيضاً لأنها نوع من إخلال الأمن في الأرض، وضربٌ من ضروب الإفساد، وقد شرع الله جل وعلا الحدود لتكون زواجر للناس عن ارتكاب الجرائم، فناسب ذكر (حد السرقة) و (حد قطع الطريق) بعد ذكر جريمة القتل.

стр. 527

لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذكرُ المحاربة لله ﴿يُحَارِبُونَ الله﴾ مجاز، إذ الله لا يُحارب ولا يُغالب، لما له من صفات الكمال، وتنزهه عن الأضداد والأنداد، فالكلام على (حذف مضاف) أي يحاربون أولياء الله، فعبّر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لإذايتهم، كما عبّر بنفسه عن الفقراء والضعفاء في قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥] حثاً على الاستعطاف عليهم، ومثله ما ورد في صحيح السنة «ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني» . اللطيفة الثانية: النفي من الأرض كما يكون بالطرد والإبعاد، يكون بالحبس، فقد روي عن مالك أنه قال: النفي السجن، ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فكأنه إذا سجن نفي من الأرض، لأنه لا يرى أحبابه، ولا ينتفع بشيء من لذائذ الدنيا وطيباتها. قال الإمام الفخر: ولما حبسوا (صالح بن عبد القدوس) في حبس ضيّق على تهمة الزندقة وطال مكثه أنشد: خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها ... فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجّان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا اللطيفة الثالثة: قال الزمخشري: قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُواْ بِهِ﴾ هذا تمثيلٌ للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه، وعن النبي ﷺ َ أنه قال: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيتَ لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك، ألا

стр. 528

تشرك بي شيئاً فأبيت» . اللطيفة الرابعة: قدّم السارق على السارقة هنا ﴿والسارق والسارقة﴾ وأمّا في آية الزنا فقد قدم الزانية على الزاني ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور: ٢] والسرّ في ذلك أن الرجل على السرقة أجرأ، والزنى من المرأة أقبح وأشنع، فناسب كلاً منهما المقامُ. اللطيفة الخامسة: قال الأصمعي: قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت: (والله غفور رحيم) سهواً، فقال الأعرابي: كلامُ مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد فاعدت: والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله فتنبهّتُ فقلت ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: أصبتَ، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمتَ أني أخطأتُ؟ فقال: يا هذا، عزّ، فحكم، فقطع، ولو غفر، ورحم لما قطع «أقول: هذا يدل على ذكاء الأعرابي وشدة الترابط والانسجام بين صدر الآية وآخرها. اللطيفة السادسة: قال بعض الملحدين في الاعتراض على الشريعة الغراء بقطع اليد بسرقة القليل، ونظم ذلك شعراً: يدٌ بخمس مئينَ عَسْجَدٍ ودُيتْ ... ما بالُها قُطِعتُ في ربع دينار تحكّمٌ ما لنا إلا السكوتُ له ... وأنْ نَعوذَ بمولانا من النّار فأجابه بعض الحكماء بقوله: عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذلّ الخيانةِ فافهم حكمة الباري

стр. 529

الأحكام الشرعية الحكم الأول: من هو المحارب الذي تجري عليه أحكام قطاع الطريق؟ دلت الآية الكريمة على حكم المحاربة والإفساد في الأرض، وقد حكم الله تعالى على المحاربين بالقتل، أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض وقد اختلف الفقهاء فيمن يستحق اسم المحاربة. ا - فقال مالك: المحارب عندنا من حمل الناس السلاح وأخافهم في مصرٍ أو برية. ب - وقال أبو حنيفة: المحارب الذي تجري عليه أحكام قطّاع الطريق من حمل السلاح في صحراء أو برية، وأمّا في المصر فلا يكون قاطعاً لأن المجني عليه يلحقه الغوث. ج - وقال الشافعي: من كابر في المصر باللصوصية كان محارباً وسواء في ذلك المنازل، والطرق، وديار أهل البادية، والقرى حكمها واحد. قال ابن المنذر: الكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوماً بغير حجة، لأن كلاً يقع عليه اسم المحاربة. أقول: ولعلّ هذا هو الأرجح لعموم الآية الكريمة، وربما كانت هناك عصابة في البلد تخيف الناس في أموالهم وأرواحهم أكثر من قطّاع الطريق في الصحراء. الحكم الثاني: هل الأحكام الواردة في الآية على التخيير؟ قال بعض العلماء الإمام مخيّر في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل، أو الصلب، أو القطع، أو

стр. 530

النفي لظاهر الآية الكريمة ﴿أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا﴾ وهذا قول مجاهد، والضحاك والنخعي، وهو مذهب المالكية. قال ابن عباس: ما كان في القرآن بلفظ (أو) فصاحبه بالخيار. وقال قوم من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على الجنايات، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي من الأرض، وهذا مذهب الشافعية والصاحبين من الحنفية وهو مروي عن ابن عباس. وأبو حنيفة يحمل الآية على التخيير، لكن لا في مطلق المحارب، بل في محارب خاص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال فالإمام مخير في أمور أربعة: أ - إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم. ب - وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم. ج - وإن شاء صلبهم فقط دون قطع الأيدي والأرجل. د - وإن شاء قتلهم فقط حسب ما تقتضيه المصلحة. ولا بد عنده من انضمام القتل أو الصلب إلى قطع الأيدي، لأن الجناية كانت بالقتل وأخذ المال، والقتلُ وحده عقوبته القتل، وأخذُ المال وحده عقوبته القطع، ففيهما مع الإخافة والإزعاج لا يعقل أن يكون القطع وحده، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة. الحكم الثالث: كيف تكون عقوبة الصلب؟ جمهور الفقهاء على أن الإمام مخيّر على ظاهر الآية، وأنه يجوز له صلب المجرم المحارب لقوله تعالى: ﴿أَوْ يصلبوا﴾ وكيفية الصلب أن يصلب حيّاً
следующие страницы →