← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال القرطبي: لما بين الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين. ﴿وَلِذِي القربى﴾ : هم قرابة الرسول ﷺ َ وهم: «بنو هاشم، وبنو المطلب» على الصحيح من الأقوال كما سيأتي إن شاء الله. ﴿واليتامى﴾ : هم أولاد المسلمين الذين هلك آباؤهم في سن الصغر قبل البلوغ، لأنه لا يتم بعد البلوغ. ﴿والمساكين﴾ : هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. ﴿وابن السبيل﴾ : هو المنقطع في سفره مع شدة حاجته وإنما قيل «ابن السبيل» لأنه لما انقطع في سفره أصبح الطريق كأنه أبٌ له. ﴿يَوْمَ الفرقان﴾ : هو يوم بدر لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر وهذه الغزوة كانت في السنة الثانية من الهجرة وفي السابع عشر من رمضان وهي أول معركة وقعت بين المسلمين والمشركين. ﴿الجمعان﴾ : المرد به جمع المؤمنين وجمع المشركين. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: اعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتموه من الكفار المحاربين أياً كان قليلاً أو كثيراً حق ثابت لكم. وحكمه: أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فاقسموه - خمسة أقسام - واجعلوا خمسة لله، ينفق في مصالح الدين، وإقامة الشعائر، وعمارة الكعبة وكسوتها، ثم اعطوا الرسول ﷺ َ منه كفايته لنفسه ولنسائه، ثم أعطوا منه ذي القربى من أهله وعشيرته، ثم المحتاجين من سائر المسلمين وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل ثم بين أن هذا هو مقتضى الإيمان وهو الإذعان.

стр. 562

والخضوع لأوامره وأحكامه وعدم الخلاف والنزاع فيما بينهم لأن الله هو الذي قسم فأعطى كلَّ ذي حق حقه كما راعى مصالح العباد جميعاً فما على المؤمنين إلا الرضى والتسليم لحكم الله العلي الكبير. وجه الارتباط بالآيات السابقة لما أمر في الآيات السابقة بقتال الكفرة المعتدين، الذين كانوا يفتنون المؤمنون، ويقفون في وجه الدعوة الإسلامية، ووعد المؤمنين بالنصر عليهم، وكان ذلك مستلزماً لكسب الغنائم منهم، بيّن جل وعلا هنا حكم قسمة هذه الغنائم، وأوضح وجوه المصارف فيها حتى لا يكون ثمة نزاع ولا خلاف بين الغانمين، فهذا هو وجه الارتباط. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التنكير في قوله تعالى: ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ يفيد التقليل أي أي شيء كان، سواء كان هذا الشيء قليلاً أو كثيراً، عظيماً أو حقيراً، حتى الخيط والمخيط (الإبرة) . اللطيفة الثانية: ذكرُ الله تعالى في القسمة في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ لتعليمنا التبرك بذكر اسم الله المعظم، واستفتاح الأمور باسمه تعالى، ولا يقصد منه أن الخمس يقسم على ستة منها (الله) فإنّ الله الدنيا والآخرة، والله هو الغني الحميد، أو يراد منه إنفاقه في سبيل الله فيكون الكلام على (حذف مضاف) . اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا﴾ المراد به محمد ﷺ َ وإنما لم يذكره باسمه تعظيماً له وتكريماً، لأن أعظم وأشرف أوصاف الرسول ﷺ َ وصفه بالعبودية، وهذا هو السر في ذكره في سورة الإسراء بهذا

стр. 563

الوصف الجليل ﴿سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وإضافة العبد إليه تعالى تشعر بكمال العناية والتكريم كما قال أحد العارفين: وممّا زادني شرفاً وتيهاً ... وكدتُ بأخمصي أطَأ الثُريّا دخولي تحت قولك «يا عبادي» ... وإنْ صيّرْتَ «أحمد» لي نبياً فائدة هامة: قال المراغي: في «تفسيره» وإنما خص الرسول ﷺ َ من ذي القربى بني هاشم، وبني المطلب دون بني عبد شمس، ونوفل لأن قريشاً لما كتبت وأخرجت بني هاشم من مكة وحصرتهم في الشعب، لأنهم ناصروا الرسول ﷺ َ دخل معهم فيه بنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل لذلك خصهم ﵊ ُ بالقسمة تكريماً لهم وتقديراً. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الغنيمة والفيء شيء واحد؟! بينا فيما سبق التعريف لكلٍ من الغنيمة والفيء. وقد اختلف العلماء فيهما: فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عَنوة من الكفار في الحرب. والفيء ما أخذ عن صلح. . وهذا قول الشافعي. وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول. والفيء هو مال غير المنقول كالأرضين والعقارات وغيرها. . وهذا قول مجاهد. وقيل: الغنيمة والفيء بمعنى واحد. والصحيح الأول وهو ما ذهب إليه الشافعي ﵀. قال القرطبي: واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا

стр. 564

تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بينا، ولكنْ عُرْفُ الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع. وسمّى الشرع المال الواصل إلينا من الكفار باسمين: (غنيمة) و (فيء) فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب «غنيمة» ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً، والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرضين. الحكم الثاني: كيف يوزع الخمس بين الغانمين؟ ذكرت الآية الكريمة أن خمس الغنائم يوزع لمن سمّاهم الله في كتابه العزيز وهم ستة (الله، الرسول، ذو القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل) وسكتت عن الباقي فدل ذلك على أنه يوزع على الغانمين. سهم الله: أما سهم «الله» فقد اختلف المفسرون فيه على قولين: أ - إنه يصرف على الكعبة لأن قوله (لله) أي لبيت الله فهو على (حذف مضاف) . ب - وقال الجمهور إن قوله (لله) استفتاح كلام يقصد به التبرك فللَّه الدنيا والآخرة وهو المالك لكل ما في السماوات والأرض فليس سبحانه بحاجة إلى سهم من هذه السهام لأنه هو الغني وإنما ذكر ﵎ اسمه ليعلمنا التبرك بذكره وافتتاح الأمور باسمه وعلى هذا الرأي يكون الخمس بين خمسة (الرسول، ذي القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل) . سهم الرسول: أما سهم الرسول ﷺ َ فإنه حق له ﷺ َ يأخذه من الغنيمة ويضعه حيث شاء لأهل بيته أو في مصالح المسلمين، يدل على ذلك قوله ﷺ َ «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم» .

стр. 565

وقال آخرون إن لفظ (الرسول) في الآية استفتاح كلام كما قالوا في قوله (لله) وأن الخمس يقسم على أربعة أسهم (ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل) . سهم ذي القربى: والمراد قرابة الرسول ﷺ َ وقد اختلف في (ذي القربى) على ثلاثة أقوال: أ - قيل إنهم قريش جميعاً. ب - وقيل إنهم بنو هاشم فقط. ج - وقيل إنهم (بنو هاشم وبنو المطلب) وهذا هو الرأي الصحيح والراجح. ومما يدل عليه ما رواه البخاري عن (مطعم بن جبير) من بني نوفل قال: مشيتُ أنا وعثمان بن عفان - من بني عبد شمس - إلى رسول الله ﷺ َ: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» فدلّ الحديث على أن المراد بذي القربى (بنو المطلب وبنو هاشم) ويرى بعضهم أن القرابة لا يعطون إلا أن يكونوا فقراء وهذا الحكم ثابت للرسول ﷺ َ ولذي قرباه في حياته وأما بعد وفاته يرجع إلى بيت مال المسلمين. قال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة (اليتامى، والمساكين، وابن السبيل) لأنه قد ارتفع سهم الرسول ﷺ َ بموته كما ارتفع سهم أقربائه بموته وهذا منقول عن الشافعي أيضاً. قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند. ويصرف في مصالح المسلمين. سهم اليتامى: وهذا السهم يصرف على أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم في سن الصغر وأما بعد البلوغ فيزول عنهم وصف اليتم.

стр. 566

سهم المساكين: وهم أهل الفاقة والحاجة من ضعفاء المسلمين الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً ويحتاجون إلى مواساة ومساعدة. سهم ابن السبيل: وهو الغريب الذي انقطع في سفره فإنه يعطى من الخمس حتى ولو كان غنياً في بلده. ذلك لأننا نعتبر حالته التي هو عليها الآن. مذهب المالكية: وقد خالف المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعاً ورأوا أن الخمس - خمس الغنيمة - يجعل في بيت المال ينفق منه على ما ذكر في الآية وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من المصلحة وقالوا: إن ذكر هذه الأصناف في الآية الكريمة إنما هو على سبيل المثال لا على سبيل التمليك وهو من باب إطلاق (الخاص وأريد به العام) . أدلة المالكية: وقد استدل المالكية لمذهبهم ببضعة أدلة ثبتت في المغازي والسير جعلتهم يذهبون إلى هذا الرأي وقد ذكرها ابن العربي في «أحكام القرآن» وهي: أولاً: روي في الصحيح «أن النبي ﷺ َ بعث سرية قبل نجد فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً» . ثانياً: ثتب عنه ﷺ َ أنه قال في أساري بدر: (لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) والمراد بالنتنى (الأسرى من المشركين) والمطعم بن عدي هو الذي أجار النبي ﷺ َ حين رجع من الطائف وهو الذي قام بنقض الصحيفة، فقال ذلك النبي ﷺ َ مكافأة له على جميلة وإحسانه. ثالثاً: ثبت أن النبي ﷺ َ ردّ سبي هوازن وفيه الخمس. رابعاً: روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: «آثر النبي ﷺ َ

стр. 567

يوم حنين أناساً من الغنيمة فأعطى (الأقرع بن حابس) مائة من الإبل وأعطى (عيينة) مائة من الإبل، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذٍ في القسمة فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها. أو ما أريد بها وجه الله!! فقلت: والله لأخبرنّ النبي ﷺ َ فأخبرته: فقال:» يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر «» . خامساً: روي في الصحيح أيضاً أن النبي ﷺ َ قال: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمسُ والخمس مردود عليكم» . فمن هذه الأحاديث يتبين أن الخمس من حق الإمام يتصرف به كيف يشاء، ويجعله في مصالح المؤمنين وأن ذكر هذه الأصناف في الآية إنما هو على سبيل (التمثيل) لا على سبيل (التمليك) إذ لو كان ملكاً واستحقاقاً لهم لما جعله الرسول ﷺ َ في بعض الأحيان في غيرهم وهذا الرأي للماليكة سديد ووجيه. الحكم الثالث: كيف توزع الغنائم؟ ظاهر الآية يدل على أن توزيع الغنيمة يكون بين المحاربين على السوية، من دون تفضيل أو زيادة أو نقص، وقد وردت السنة النبوية تشير إلى التفضيل، فقد روي أن النبي ﷺ َ «جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً» وفي «البخاري» عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ َ «جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً» . ورأي الجمهور من العلماء أن يعطى الفارسُ سهمين ويُعطى الراجلُ سهماً واحداً وذلك لأن الذي يركب الفرس يحتاج إلى نفقةٍ لفرسه ويكون بلاؤه في الحرب أعظم ولذلك فإن الشارع الحكيم راعى هذه الناحية فزاده في القسمة فأعطى سهماً له وسهماً لفرسه.

стр. 568

الحكم الرابع: هل الآية هذه ناسخة للآية السابقة؟ يذهب بضع العلاء إلى أن هذه الآية ناسخة لأول السورة لأن الآية الأولى ذكرت أن الأنفال لله والرسول. وهذه الآية بينت أنّ للغانمين أربعة أخماس الغنيمة فتكون هذه الآية ناسخة لتلك، والصحيح أنه لا نسخ كما وضحنا ذلك في السابق والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - التشريع لله سبحانه وليس لأحدٍ أن يشرّع من تلقاء نفسه. ثانياً - الخمس يصرف في سبيل الله وفي المصارف التي أشارت إليها الآية الكريمة. ثالثاً: الغنائم توزع بين المجاهدين حسب ما شرع الله وفصله الرسول ﷺ َ. رابعاً: على المؤمن أن يمتثل أمر الله ويطيع رسوله في كل شؤون الحياة. خامساً: يوم بدر هو يوم الفرقان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل وبين الكفر والإيمان.

стр. 569

سورة التوبة [١] عمارة المساجد التحليل اللفظي ﴿أَن يَعْمُرُواْ﴾ : عمارة المسجد تطلق على بنائه وإصلاحه، وتطلق على لزومه والإقامة فيه لعبادة الله، فالعمارة قسمان: حسيّة ومعنوية، وكلاهما مراد في الآية. ﴿شَاهِدِينَ﴾ : أي مقرين ومعترفين به، وذلك بإظهار آثار الشرك والوثنية. ﴿حَبِطَتْ﴾ : ضاعت وذهب ثوابها.

стр. 570

﴿وَأَقَامَ الصلاة﴾ : إقامة الصلاة: الإتيان بها على الوجه الأكمل، معتدلة مقوّمة بسائر شروطها وأركانها. ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ الله﴾ : أي لم يخف إلا الله، والخشية في اللغة معناها الخوف. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا ينبغي للمشركين ولا يليق بهم، وليس من شأنهم أن يعمروا بيوت الله، وهم في حالة الكفر والإشراك بالله، لأن عمارة المساجد تقتضي الإيمان بالله والحبّ له، وهؤلاء كفروا بالله شهدت بذلك أقوالهم وأفعالهم، فكيف يليق بهم أن يعمروا بيوت الله!! هؤلاء المشركون ضاعت أعمالهم وذهب ثوابها، وهم في جهنم مخلّدون في العذاب، لا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها بسبب الكفر والإشراك. ثم أخبر تعالى أنّ عمارة المساجد إنما تحصل من المؤمنين بالله، المطيعين له، المصدّقين باليوم الآخر، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويخشون الله حق خشيته، فهؤلاء المتقون لله جديرون بعمارة بيوت الله، وهم أهل لأن يكونوا من المهتدين، الفائزين بسعادة الدارين، المستحقين لرضوان الله. سبب النزول روي أن جماعة من رؤساء قريش أُسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحار رسول الله ﷺ َ فعيّروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبّخُ العباس بقتال رسول الله ﷺ َ وقطيعة الرحم،

стр. 571

فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ الآية. وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿أَن يَعْمُرُواْ﴾ وقرأ ابن السميقع (أن يُعْمِروا) بضم الياء وكسر الميم من (أعمر) الرباعي بمعنى أن يعينوا على عمارته. ٢ - قرأ الجمهور ﴿مَسَاجِدَ الله﴾ بالجمع وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (مسجد الله) بالإفراد. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ﴾ أن المصدرية وما بعدها في موضع رفع اسم كان و (للمشركين) خبرها مقدم، و (شاهدين) حال من الواو في (يعمروا) . ٢ - قوله تعالى: ﴿فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾ عسى من أخوات (كان) وجملة (أن يكونوا) خبرها، واسم الإشارة اسمها، والخبر يكون فعلاً مضارعاً في الغالب كما قال ابن مالك: ككان «كاد» و «عسى» لكنْ ندر ... غير مضارع لهذين خَبَرْ

стр. 572

وجه المناسبة بين الآيات الكريمة مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر البراءة من المشركين، وأنواعاً من قبائحهم وجرائمهم التي توجب البراءة منهم، ذكروا أنهم موصوفون بصفات حميدة تعلي مقامهم وترفع مكانتهم، منها سقايتهم للحاج وعمارتهم للمسجد الحرام فردّ الله عليهم بهذه الآيات الكريمة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أطلق المساجد وأراد به المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبّر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها، فهو من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص. اللطيفة الثانية: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله، هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها أنه كفر صريح لا تمكن المكابرة به، لأنه كفرٌ مقرون بالإقرار، وهو قولهم في الطواف: (لبيّك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ونصبهم الأوثان والأصنام حول البيت العتيق. اللطيفة الثالثة: قال أبو حيان: أمرُ المؤمنين بعمارة المساجد، يتناول عمارتها، ورمّ ما تهدم منها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر - ومن الذكر دراسة العلم - وصونها عمّا لم تبنَ له من الخوض في أحوال الدنيا، وفي الحديث الشريف: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» .

стр. 573

اللطيفة الرابعة: التعبير بقوله تعالى: ﴿فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾ في جانب المؤمنين، يؤخذ منه قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعموها وافتخروا بها، حيث بيّن تعالى أن حصول الإهتداء لمن آمنوا بالله ولم يخشوا غيره دائرٌ بين (لعلّ) و (عسى) وإذا كان هذا حال المؤمنين، فكيف يطمع المشركون بالهداية والفوز وهم على ما هم عليه من كفر وإشراك؟! الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بعمارة المساجد في الآية الكريمة؟ ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بعمارة المساجد هو بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها، وهذه هي (العمارة الحسية) ويدل عليه قوله ﵇: «من بنى الله مسجداً ولو كمِفْحَص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة» . وقال بعضهم: المراد عمارتها بالصلاة والعبادة وأنواع القربات كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ [النور: ٣٦] وهي هي (العمارة المعنوية) التي هي الغرض الأسمي من بناء المساجد، ولا مانع أن يكون المراد بالآية النوعين (الحسية) و (المعنوية) وهو اختيار جمهور العلماء لأن اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه. قال أبو بكر الجصاص: «وعمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما: زيارته والمكث فيه، والآخر: بناؤه وتجديد ما استرم منه، وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من عُمّار المساجد إذا كان كثير المضيّ إليها، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد،

стр. 574

ومن بنائها، وتولّي مصالحها، والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين» . الحكم الثاني: ما المراد بالمساجد في الآية الكريمة؟ ١ - قال بعض العلماء: المراد به المسجد الحرام لأنه المفرد العلم، الأكمل الأفضل وهو قبلة المساجد، وسبب النزول يؤيد هذا القول وهو مروي عن عكرمة، واختاره بعض المحققين لقراءة الإفراد (أن يعمروا مسجد الله) . ب - وقال آخرون: المراد به جميع المساجد، لأنه جمع مضاف فيعم، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أوّلياً، كما إذا قلنا: فلان لا يقرأ كتب الله، يدخل فيه القرآن بطريق أوكد. أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، لأن الصيغة تفيد عموم الحكم، فلا يليق بالمشركين أن يعمروا أي مسجد من مساجد الله بأنواع العمارة، لأن الكفر ينافي ذلك، كما لا يصح لهم دخول هذه الأماكن الطاهرة المقدسة، كما قال الإمام مالك ﵀، وسيأتي حكم دخول المشركين للمساجد في الآيات التالية. الحكم الثالث: هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟ أخذ بعض العلماء من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المسجد، لأنه من العمارة الحسيّة، وقد نهى تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله. والظاهر جواز استخدامه لأن الممنوع منها إنما هو (الولاية) عليها، والاستقلال بتصريف شؤونها، كأن يكون ناظر المسجد، أو المتصرف بالوقف كافراً، وأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، وهذا قول جمهور الفقهاء.

стр. 575

ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - أعمال البر الصادرة من المشركين لا ثواب فيها بسبب الكفر والإشراك لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] . ٢ - عمارة المساجد جديرٌ بها أهل الإيمان الذين يعظّمون حرمات الله. ٣ - وجوب الإخلاص لله في القول والعمل. ٤ - ينبغي أن يكون الغرض من بناء المسجد رضوان الله لا الرياء والسمعة.

стр. 576

[٢] منع المشركين دخول المسجد الحرام التحليل اللفظي ﴿نَجَسٌ﴾ : أي قذر، قال الزجاج: يقال لكل شيء مستقذر: نجسٌ. وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نَجِسٌ إلا وقبلها رجسٌ، فإذا أفردوها قالوا: نجس. ﴿عَيْلَةً﴾ : العيلة: الفقر والفاقة، يقال: عال يعيل عيلةً إذا افتقر، وأعال فهو

стр. 577

مُعيل إذا صار صاحب عيال، وقال أبو عبيدة: العيلة مصدر عال بمعنى افتقر وأنشد: وما يَدْري الفقيرُ متى غِناه ... وما يدري الغنيّ متى يَعيل ﴿يَدِينُونَ﴾ : من دان الرجل يدين إذا اتخذ الأمر له عقيدة والتزمه تقول: فلان يدين بكذا أي يلتزمه ويعتنقه، والمراد في الآية أنهم لا يلتزمون بدين الحق وهو دين الإسلام. ﴿الجزية﴾ : اسم لما يعطيه المعاهد على عهده. قال ابن الأنباري: هي الخراج المجعول عليهم، سميت جزية لأنها قضاء ما وجب عليهم من قولهم: جزى يجزي إذا قضى. قال أبو حيان: سميت جزية من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدى عليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، ومن هذا المعنى قول الشاعر: نجزيكَ أو نُثْني عليكَ وإنّ من ... أثنَى عليكَ ما فعلت فقد جزى ﴿عَن يَدٍ﴾ : أي يؤدون الجزية عن قهر وذل وطاعة يقال: أعطى يده إذا انقاد، ونزع يده إذا خرج عن الطاعة. ﴿صَاغِرُونَ﴾ : الصاغر: الذليل الحقير، والصّغار الذل. ومعنى الآية: حتى يدفعوا الجزية منقادين طائعين في حال الذل والهوان.

стр. 578

المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله، إنما المشركون قذر ورجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، فهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فلا تمكنوهم من دخول المسجد الحرام، بعد هذا العام، وإن خفتم - أيها المؤمنون - فقراً أو فاقة بسبب منعكم إياهم من الحج ودخول الحرم، فسوف يغنيكم الله من فضله، ويوسع عليكم من رزقه، حتى لا يدعكم بحاجة إلى أحد وذلك راجع إلى مشيئته جل وعلا إن الله عليم حكيم. قاتلوا أيها المؤمنون الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله من أهل الكتاب، ولا يصدقون باليوم الآخر على الوجه الذي جاء به رسول الله، ولا يدخلون في دين الإسلام دين الحق، ولا يحرمون ما حرّمه الله ورسوله، من (اليهود والنصارى) حتى يدفعوا لكم الجزية، عن انقياد وطاعة، وذل خضوع، وهم صاغرون مهينون. وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ بفتح الجيم، وقرأ أبو علي حيوة (نِجْسٌ) على وزن رجس، وقرأ ابن السميقع (أنجاسٌ) على صيغة الجمع. ٢ - قرأ الجمهور ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وقرئ (عائلة) و (عايلة) .

стр. 579

سبب النزول لما أمر النبي ﷺ َ علياً أن يقرأ على مشركي مكة أول سورة براءة، ويَنْبِذَ إليهم عهدهم، وأن يخبرهم أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولهُ، قال أناسٌ: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة وانقطاع السبُل وفقد الحمولات فنزلت الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا. . .﴾ الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أطلق القرآن الكريم على المشركين أنهم نجس، والإخبار عنهم بصيغة المصدر فيه مبالغة كأنهم صاروا عين النجاسة، وأصل التعبير (إنما المشركون كالنجس) لكنه حذفت منه أداة الشبه، ووجه الشبه، فأصبح (تشبيهاً بليغاً) . وقال بعض العلماء: المراد أنهم ذوو نجس أي أصحاب نجس فالكلام على (حذف مضاف) وإنما عبّر عنهم أصحاب نجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، وإشراكهم بالله، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون. اللطيفة الثانية: النهي عن قربان المسجد الحرام جاء بطريق المبالغة لأن الغرض نهيهم عن دخول المسجد الحرام، فإذا نهوا عن قربانه كان النهي عن دخوله من باب أولى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقوله ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] فيكون النهي عن أكل مال اليتيم، وارتكاب الزنى محرماً من باب أولى.

стр. 580

اللطيفة الثالثة: تعليق الإغناء بالمشيئة في قوله جل وعلا: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ لتعليم رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أن المطلوب سيحصل حتماً، بل لا بدّ من التضرع إلى الله تعالى في طلب الخير، وفي دفع الآفات. اللطيفة الرابعة: في التعبير في ختام الآية ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ إشارة لطيفة إلى أن الغنى والفقر بيد الله تعالى، وأن الرزق لا يأتي بالحيلة والاجتهاد، بل هو راجع إلى الحكمة والمصلحة، فإن شاء الله أغنى، وإن شاء أفقر، فهو تعالى لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة ومصلحة، وممّا يروى للإمام الشافعي قدّس الله روحه قوله: لو كانَ بالحيَلِ الغِنَى لوجدتني ... بنجوم أقطارِ السّماءِ تعلّقي لكنّ من رَزَقَ الحجا حَرَم الغِنَى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤسُ اللبيبِ وطيبُ عيشِ الأحمقِ اللطيفة الخامسة: نفى الله تعالى الإيمان عن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لأن إيمانهم مغشوش مدخول، وليس إيماناً كما يجب، لأنهم جعلوا لله ولداً، وزوجة، وبدّلوا كتابهم، وحرّموا ما لم يحرّم الله، وأحلّوا ما لم يُحلّه، ووصفوا المولى جل وعلا بما لا يليق، فهم وإن زعموا الإيمان غير مؤمنين إيماناً صحيحاً، وهذا هو السرّ في التعبير القرآن بنفي الإيمان عنهم. قال الكرماني: نفيُ الإيمان بالله عنهم لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله، إذ يصفونه بما لا يليق أن يوصف به جل وعلا.

стр. 581

الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالمشركين في الآية الكريمة؟ ذهب جمهور المفسرين إلى أن لفظ المشركين خاص بعبّاد الأوثان والأصنام، لأن لفظ المشرك يتناول من اتخذ مع الله إلهاً آخر، وأن أهل الكتاب وإن كانوا كفاراً إلا أن لفظ (المشركين) لا يتناولهم، لأنه خاص بمن عبد الأوثان والأصنام. وقال بعض العلماء إن لفظ المشركين يتناول جميع الكفار، سواء منهم عُبّاد الأوثان أو أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] أن يكفر به فأطلق لفظ الإشراك على الكفر. أقول: هذا هو الصحيح وهو أن اللفظ يشمل كل كافر، وأن النهي عن دخول المسجد الحرام عام لكل كافر، فلا فرق بين الوثني واليهودي أو النصراني في الحكم. الحكم الثاني: هل أعيان المشركين نجسة؟ دلّ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ على نجاسة المشركين. وقد تقدم معنا أن المراد من اللفظ (النجاسة المعنوية) أي أن معهم الشرك المنزّل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجناية والطهارة، وعدم اجتنابهم النجاسات وقد نقل صاحب «الكشاف» : عن ابن عباس أن أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير تمسكاً بظاهر الآية. وروى ابن جرير عن الحسن البصري أنه قال: من صافحهم فليتوضأ.

стр. 582

ولكنّ الفقهاء على خلاف ذلك فقد ذهبوا إلى أن أبدانهم طاهرة، لأنهم لو أسلموا كانت أجسامهم طاهرة بالإجماع، مع أنه لم يوجد ما يطهرها من الماء أو النار أو التراب أو ما شابه ذلك، والآية لا تدل على نجاسة الظاهر وإنما يدل على نجاسة الباطن، ولا شك أنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات، فجعلوا نجساً مبالغة في وصفهم بالنجاسة. الترجيح: الصحيح رأي الجمهور لأن المسلم له أن يتعامل معهم، وقد كان ﵇ يشرب من أواني المشركين، ويصافح غير المسلمين والله أعلم. الحكم الثالث: هل يمنع المشرك من دخول المسجد؟ دلّ قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام﴾ على منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وقد اختلف العلماء في المراد من لفظ (المسجد الحرام) على أقوال عديدة: أ - المراد خصوص المسجد الحرام أخذاً بظاهر الآية وهو مذهب الشافعية. ب - المراد الحرم كلّه (مكة) وما حولها من الحرم وهو قول عطاء ومذهب الحنابلة. ج - المراد المساجد جميعاً المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد بالقياس وهو مذهب المالكلية. د - المراد النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة وهو مذهب الحنفية. دليل الشافعي: احتج الشافعي ﵀ بظاهر الآية ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام﴾ فقال: الآية خاصة في المسجد الحرام. عامة في الكفار. فأباح دخول غير المسلمين سائر المساجد. ومنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام. دليل أحمد: واستدل الإمام أحمد ﵀ بأن لفظ (المسجد الحرام)

стр. 583

قد يطلق ويراد به الحرم كله كما في قوله تعالى: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٥] وقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقد كان الصد عن دخول مكة، وأخبر تعالى بأنهم سيدخلونها آمنين. دليل مالك: واستدل مالك ﵀ بأن العلة وهي (النجاسة) موجودة في المشركين. والحرمة ثابتة لكل المساجد، فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها. فقاس مالك جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد. دليل أبي حنيفة: واستدل أبو حنيفة ﵀ على أن المراد النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ فإن تقييد الني بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد هذا العام. ثانياً: قول علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حين أرسله رسول الله ﷺ َ ينادي بسورة براءة: «وألاّ يحجّ بعد هذا العام مشرك» . ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فإن خشية الفقر إنما تكون بسبب انقطاع تلك المواسم ومنع المشركين من الحج والعمرة حيث كانوا يتاجرون في مواسم الحج، فإن ذلك يضر بمصالحهم المالية، فأخبرهم تعالى بأن الله يغنيهم من فضله. رابعاً: إجماع المسلمين على وجوب منع المشركين من الحج، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، وسائر أعمال الحج وإن لم تكن هذه الأفعال في المسجد الحرام. قال صاحب «الكشاف» : «إن معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد

стр. 584

الحرام﴾ أي لا يحجوا ولا يعتمروا، ويدل عليه قول علي:» وألاّ يحج بعد عامنا هذا مشرك «فلا يمنعون من دخول الحرم، والمسجد الحرام، وسائر المساجد عند أبي حنيفة» . الحكم الرابع: ما هي الجزية، وما هو مقدارها وممن تؤخذ؟ الجزية: ما يدفعه أهل الكتاب للمسلمين لقاء حمايتهم ونصرتهم، سميت جزية لأنها من الجزاء، جزاء الكفر وعدم الدخول في الإسلام، أو جزاء الحماية والدفاع عنهم. وقد اختلف الفقهاء في الذين تؤخذ منهم الجزية، فالمشهور عن أحمد: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: تؤخذ من كل مشرك عابد وثنٍ، أو نارٍ، أو جاحدٍ مكذب. وقال أبو حنيفة ومالك: الجزية تؤخذ من الكل إلاّ من عابدي الأوثان من العرب فقط. فأما الذين تؤخذ منهم الجزية فهم الرجال البالغون، فأما الزمنى، والعمي، والشيوخ المسنون، والنساء، والصبيان، والرهبان المنقطعون في الصوامع فلا تؤخذ منهم الجزية. وأما مقدارها فعلى الموسر ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهماً، وعلى الفقير القادر على العمل إثنا عشر درهماً في السنة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى. وقال مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الفضّة أربعون درهماً، وسواءٌ في ذلك الغني والفقير.

стр. 585

وقال الشافعي: على كل رأسٍ دينار سواءٌ فيه الغني والفقير. الترجيح أقول: ما روي عن مالك ﵀ هو ما فرضه عمر ﵁، وقد رويت عن عمر ضرائب مختلفة أخد كل مجتهد بما بلغه، وأظن أن ذلك كان بحسب الاجتهاد، وبحسب اليسر والعسر، وقد روي أن عمر ورضع الجزية عن شيخ يهودي طعن في السن رآه يسأل الناس، وأعاله من بيت مال المسلمين، فالأمر فيه سعة، والله أعلم. خاتمة البحث: حكمة التشريع أوجبت الشريعة الإسلامية الغراء على المسلمين قتال أهل الكفر والعدوان، ممن أبوا أن يدخلوا في دين الله، وأن ينعموا بظلال الإسلام الوارفة، وأحكامه العادلة، ويستجيبوا لدعوة الحق التي فيها الخير والسعادة لني الإنسانية جمعاء. وقد استثنى الباري جل وعلا من قتال الكفار أهل الكتاب، فأمر بدعوتهم إلى الدخول في الإسلام فإن أبوا دفعوا الجزية، وإلاّ وجب قتالهم حتى يفيئوا إلى دين الله، ويرضوا بحكم الله جل وعلا ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] والجزية هي - في الحقيقة - رمزٌ للخضوع والإذغان، رمزٌ لقبول غير المسلم بالعيش في ظل نظام الإسلام، رمزٌ لإظهار الطاعة والرضى والانقياد للدولة الإسلامية، وهي بعد ذلك تعبيرٌ عن مبدأ التعاون، بين الذميين والدولة الإسلامية ممثلة في خليفة المسلمين، بحيث لا يكون هناك خروجٌ عن الطاعة، ولا تمرد على نظام الإسلام، أو بتعبير آخر: الاستسلام لحكم الإسلام، والرضى بكل تشريعاته وأحكامه. وإذا كان المسلم يدفع زكاة ماله كل عام لتنفق في مصارفها التي حدّدها

стр. 586

القرآن الكريم، فإن هذا الذمي المعاهد (اليهودي أو النصراني) لا يكلف بدفع الزكاة، وإنما يكلف بدفع الجزية وهي مبلغ يسير زهيد، لا يزيد على ثمانية وأربعين درهماً في العام مقابل الدفاع عنه، وحمايته ونصرته، ومقابل استمتاعه بالمرافق العامة للدولة التي يعيش في كنفها، وتحت ظل حكمها، فليس الهدف إذاً من الجزية الجباية وسلب الأموال، وإنما الهدف الاطمئنان إلى رضى أهل الكتاب بالعيش في ظلال حكم الإسلام، والانقياد، والطاعة لأحكامه وأوامره، وصدق من قال: «إنّ الله لم يبعث المسلمين ليكونوا جباة وإنما بعثهم ليكونوا هداة» !!

стр. 587

٢٢ - سورة الحج [١] التقرب إلى الله بالهدي الأضاحي التحليل اللفظي ﴿والبدن﴾ : جمع بدنة وهي اسم للواحد من الإبل، ذكراً أو أنثى، وسميت بذلك لعظم بدنها، وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير الذي يهدى للكعبة. ﴿صَوَآفَّ﴾ : جمع صافة وهي التي قد صُفَت قوائمها للذبح، والبعير ينحر قائماً. ومن قرأ (صوافن) فالصافن التي تقوم على ثلاث، والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فهو الصافن.

стр. 588

﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ : أي سقطت جنوبها، والجُنُوبَ جمع جَنْب وهو الشق، أي إذا سقطت على الأرض يقال: وجب الحائط وجبةً إذا سقط، ووجب القلب وجيباً إذا تحرك من فزع، وسقوط الجنوب كناية عن الموت ومفارقة الروح بعد الذبح. ﴿القانع والمعتر﴾ : القانع الراضي بما قدّر الله له من الفقر والبؤس، العفيف الذي لا يتعرض لسؤال الناس، مأخوذ من قنع يقنع إذا رضي. وأمّا المعْترّ فهو الذي يتعرض لسؤال الناس، فهو كالمعتري الذي يعتري الأغنياء ويذهب إليهم المرة بعد المرة، وقيل بالعكس، القانع: السائل، والمعتر الذي لا يسأل الناس. قال ابن عباس: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل، واختاره الفرّاء. وجه الارتباط بالآيات السابقة ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أن طريق التقوى إنما هو في تعظيم شعائر الله والالتزام بما شرعه من الأحكام وقد امتنّ الله على عباده بأن جعل لهم البُدْن يسوقونها إلى مكة قٌربة عظيمة، حيث جعلها شعيرة من شعائر الله، وعلماً من أعلام دينه، ودليلاً على طاعته، ففي سوقها للحرم ونحرها هناك خيرٌ عظيم، وثواب كبير، يناله أصحابها في الآخرة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لقد جعلنا لكم - أيها المؤمنون - الإبل من شعائر دين الله، لكم فيها عبادة لله، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها، لكم فيها النفع في الدنيا، والأجر في

стр. 589

الآخرة، فاذكروا اسم الله عند نحرها، قائماتٍ قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ، فإذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها، وسكنت حركتها، فكلوا منها وأطعموا السائل المحتاج، والمعتر الذي يتعرض للسؤال ولا يسأل، مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون، سخرناها وذلّلناها لكم مع قوتها وعظم أجسامها، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحرٍ وركوب، وحلبٍ وغير ذلك من وجوه المنافع، ولولا تسخيرها لكم لم تقدروا عليها لأنها أقوى منكم، فاشكروا الله على نعمه وآلائه التي لا تعد ولا تحصى. ثم بيّن الله تعالى في الآية الثانية أنه جلا وعلا لا يصل إليه شيء من لحوم هذه الأضاحي والقرابين التي يهدونها لبيته الحرام، ويذبحونها تقرباً إليه، فلا شيء من هذا يصل إلى الله أو يرضيه، وإنما يرضيه جلّ وعلا امتثال الأمر منكم وطاعته وتقواه، فالأعمال إنما تكون مقبولة بمقدار التقوى والإخلاص فيها، وبدون التقوى والإخلاص تكون أشبه بصور أجسام لا روح فيها ولا حياة، فلا يظن أنه ينال ثواب الله باللحم يقطعه وينشره، ولا بالدم يلطخ به الكعبة الطاهرة، فعل أهل الشرك في الجاهلية وإنما ينال ذلك بتقوى الله، والبعد عن مثل تلك الأعمال التي تجافي روح الإسلام وطهارته. ثمّ ختم الله تعالى هذه الآية بتذكير المؤمنين بوجوب شكره وتعظيمه على ما سخّر لهم من الأنعام، يتقربون بها إلى المولى جل وعلا، فيأكلون من لحومها، ويتصدقون ببعضها، لينالوا الأجر من الله والثواب العظيم، وليبشرهم بالفضل العميم في جنات النعيم. سبب النزول روي عن ابن عباس ومجاهد ﵄ أن جماعة من المسلمين كانوا قد همّوا أن يفعلوا بذبائحهم فعل أهل الجاهلية، يقطعون لحومها

стр. 590

وينشرونها حول الكعبة، وينضحون على الكعبة من دمائها، فلما أسلموا وعزموا على ذلك نزلت الآية الكريمة تزجرهم عن هذا الفعل، وترشدهم إلى ما هو الأجدرُ بهم والأليق. وجوه القراءات قرأ الجمهور ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ جمع صافّة، وقرئ (صوافن) جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث قوائم والرابعة مرفوعة، وقرئ (صوافي) جمع صافية بمعنى خالصة لله تعالى. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿والبدن جَعَلْنَاهَا﴾ البُدنَ: مفعول مقدم لجعلنا مثل قوله تعالى: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩] وقرئ برفعها (والبُدنُ) على الابتداء. ثانياً: قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم و (خيرٌ) مبتدأ مؤخر. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿صَوَآفَّ﴾ منصوب على الحال وهو حال من المفعول البدن. رابعاً: قوله تعالى: ﴿كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ كذلك: نعتٌ لمصدرٍ محذوف تقديره سخرناها لكم تسخيراً كذلك التسخير العجيب، وعلى هذا تكون الكاف صلة، ويصح أن تكون على معناها مفيدة للتشبيه ويكون ذلك من تشبيه الشيء بنفسه مبالغة.

стр. 591

لطائف التفسير اللطيفة الأولى: بيّن الباري جل وعلا أن تسخيره الأنعام لبني آدم، نعمةٌ من إنعامه تستوجب الشكر وقد جاء هذا الامتنان على العباد (مجملاً) في هذه الآية ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وجاء التفصيل في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] وكقوله: ﴿والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلَاّ بِشِقِّ الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٥ - ٧] . اللطيفة الثانية: المراد من قوله تعالى: ﴿مِّن شَعَائِرِ الله﴾ أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله لعباده، وإضافتها إلى الله جلّ وعلا للتعظيم مثل ﴿نَاقَةُ الله﴾ [الأعراف: ٧٣] ، و (بيت الله) وإنما كانت هذه البُدنُ من الشعائر، لأن الغرض منها التقرب إلى الله بالهدايا والضحايا وغيرها من وجوه البر والإحسان. اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ إشارة لطيفة إلى أنّ الإبل لا تذبح ذبحاً وإنما تُنحر نحراً، وأنّ المطلوب عند نحرها أن تكون قائمة قد صُفّت أيديها وأرجلها، فإنّ ذلك هو الطريق الأمثل في ذبح الإبل كما وضحته السنة النبوية المطهرة. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل تطلق البُدن على الإبل والبقر؟ اتفق العلماء على أن البُدن اسم للواحد من الإبل ذكراً كان أو أنثى،

стр. 592

فهي تطلق على الإبل باتفاق، وقد اشتهر في الشرع إطلاقها على البعير يهدى إلى الكعبة، واختلفوا هل تطلق البدنة على البقرة؟ باعتبار أنها تجزئ في الهَدْي والأضحية عن سبعة كالبعير على مذهبين: أولاً - مذهب الحنفية: أن البدنة تطلق على البقرة كما تطلق على البعير، فهي من قبيل المشترك في المعنيين، فمن نذر بدنةً أجزأته بقرة فهي مثلها في اللفظ والحكم، وبهذا قال (عطاء) و (سعيد بن المسيّب) واستدلوا بما يلي: ١ - روي عن جابر ﵁ أنه قال: «كنّا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلاّ من البُدن» ؟ ب - وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: لا نعلم البُدن إلا من الإبل والبقر. ثانياً - مذهب الشافعية: أما الشافعية فقالوا: لا تطلق البدن بالحقيقة إلاّ على الإبل، وإطلاقها على البقر إنما يكون مجازاً، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبهذا قال (مجاهد) . ودليلهم ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ َ: قال: «تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» قالوا: فلهذا يدل على ما قلنا لأن العطف يقتضي المغايرة. والظاهر أن اسم البدنة حقيقة في الإبل لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ فالإبل هي التي تنحر واقفة بخلاف البقر فإنها تذبح ذبحاً، وقول جابر: وهل هي إلا من الإبل؟ وقول ابن عمر: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر، فمحمولٌ على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما، وهذا شيء

стр. 593

غير اشتراك اللفظ بينهما والله أعلم. الحكم الثاني: ما هو الأفضل في الهدي والأضاحي. أجمع العلماء على أن الهدي لا يكون إلا من النعم (الإبل، البقر، الغنم، الماعز) وأن الذكر والأنثى بالنسبة للأضاحي والهدي سواءٌ، واتفقوا على أن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم على هذا الترتيب، لأن الإبل أنفع للفقراء لعظمها، والبقر أنفع من الشاة كذلك، وأقل ما يجزئ عن الواحد شاةٌ، والبدنةُ تجزئ عن سبعة وكذلك البقرة. واختلفوا في الأفضل للشخص الواحد: هي يُهدي سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة، أو يهدي شاةً؟ والظاهر أن الاعتبار إنما يكون بما هو أنفع للفقراء، وهذا هو الأصح. ومما يدل على أن البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة ما رواه جابر ﵁ أنه قال: «حججنا مع رسول الله ﷺ َ فنحرنا البعير عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ» . وللمرء أن يهدي للحرم ما يشاء من النعم، وقد أهدى رسول الله ﷺ َ مائةً من الإبل، وكان هديه ﵇ هدي تطوع. الحكم الثالث: الأكل من لحوم الهدي. أمر الله تعالى بالأكل من لحوم الهدي في قوله جل ثناؤه ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] وهذا الأمر يتناول بظاهره (هدي التمتع) و (هدي التطوع) والهدي الواجب بسبب ارتكاب بعض المحظورات في الحج أو العمرة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك على عدة أقوال نلخّصها فيما يلي: ١ - ذهب أبو حنيفة وأحمد إلى جواز الأكل من هدي التمتع، وهدْي

стр. 594

القِران، وهدي التطوع، ولا يأكل من دم الجزاء. وقال مالك ﵀: يأكل من هدي التمتع، والقِران، والهدي الذي ساقه لفساد حجه أو لفوات الحج، ومن الهدي كله إلا فدية الأذى، وجزاء الصيد، وما نذره للمساكين. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز الأكل من الهدي الواجب مثل دم الجزاء، وجزاء الصيد، وهدي التمتع والقِران، وإفساد الحج، وكذلك ما كان نذراً أوجبه على نفسه. أمّا كان تطوعاً فله أن يأكل منه ويُهدي، ويتصدّق، فأباح الأكل من هدي التطوع فحسب. ومبنى الخلاف بين الجمهور والإمام الشافعي في (هدي التمتع) أنّ الدم الواجب عندهم دم شكر فيباح له أن يأكل منه، وعنده أنه دم جزاء فلا يباح الأكل منه والتفصيل في كتب الفروع. وقد استدل الإمام الشافعي على وجوب إطعام الفقراء من الهدايا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾ وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] . وقال أبو حنيفة: إن الإطعام مندوب، لأنها دماء نُسُك فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو باق على حكمه العام وهو الندب. الحكم الرابع: وقت الذبح ومكانه. اختلف العلماء في وقت ذبح الهدي. فعند الشافعي: أن وقت ذبحه يوم النحر، وأيام التشريق (الثاني والثالث والرابع) من أيام عيد الأضحى، لقوله ﷺ َ: «وكلّ أيام التشريق نحرٌ»

стр. 595

فإن فات وقته ذبح الهدي الواجب قضاءً وأثم بالتأخير. وعند مالك وأحمد أن وقت ذبح الهدي - سواءً كان واجباً أمّ تطوعاً - أيام النحر (الأول والثاني والثالث) من أيام عيد الأضحى، ولا يصح الذبح في اليوم الرابع. ووافق الحنفية مذهب مالك وأحمد بالنسبة لهدي التمتع والقرآن، وأما النذر، والكفارات، والتطوع فيذبح في أي وقت كان. وحكي عن النخي: أن وقت الذبح يمتد من يوم النحر، إلى آخر ذي الحجة. وأما مكان الذبح - سواءً كان واجباً أم تطوعاً - فهو الحرم لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومَحِلّه هو الحرم فيجوز أن يذبح في أي مكان من الحرم، في مكة ومنى وغيرها من حدود الحرم لقوله ﷺ َ: «كل مِنى منحرٌ، وكلّ المزدلفة موقفٌ، وكلّ فِجاج مكة طريق ومنحر» . ما ترشد إليه الآيات الكريمة ١ - تعظيم الهدي والتقرب به إلى الله من شعائر الدين الإسلامي. ٢ - الهدي والأضحية لا تكون إلاّ من الأنعام (الإبل والبقر والغنم) . ٣ - الأفضل في الإبل النحرُ، وفي البقر والغنم الذبحُ. ٤ - في إراقة الهدي نفع الفقير، والحصولُ على مرتبة التقوى.

стр. 596

٥ - النسك بالأضاحي فيه إحياء لذكرى (الفداء) لإسماعيل مع أبيه الخليل ﵉ حين أمر بذبح ولده في المنام. خاتمة البحث: حكمة التشريع جعل الباري - تباركت أسماؤه - الهَدْي والأضاحي من شعائر دين الله، يذبحها المسلم ليتقرب بها إلى ربه جلّ وعلا وينال مغفرته ورضوانه، ولتكون تكفيراً لما جنته يداه من الذنوب والآثام، وليتعودّ على الإخلاص في القول والفعل والعمل، فالمؤمن إنما يذبح على اسم الله، وبأمره جل وعلا، ألاّ يذكر معه اسم غيره، ولا يتوجه إلى أحد سواه، ولا يقصد بعمله غير وجه الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] . وبهذا التوجه بالنسك لله يتعود المؤمن على الإخلاص، ويكتسب مرتبة التقوى التي أشارت إليها الآية الكريمة ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] . ولئن كان المشركون يذبحون هذه القرابين للأصنام رجاء النفع ودفع الضر، فإن المؤمن لا يذبح لصنمٍ، ولا وثن، وإنما يتقرب بنسكه إلى الله وحده، مخلصاً له العبادة جل وعلا والإسلام يربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وبين تقوى القلوب، فالتقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره، وهذه المناسك والشعائر كلها رموزٌ تعبيرية عن التوجه إلى ربّ البيت وطاعته، وهي تحمل في طياتها (ذكرى الفداء) ذكرى إقدام الخليل إبراهيم ﵇ على ذبح

стр. 597

ولده (إسماعيل) امتثالاً لأمر الله حين أمر بذبح ولده في المنام ﴿إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فهوى ذكرى لآيةٍ من آيات الله، ومعجزة من معجزاته الباهرة، حين فدى ولد خليله بذبح عظيم، وهي بعد ذلك صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء، ومعونة أهل الحاجة من الضعفاء.

стр. 598

التحليل اللفظي ﴿سُورَةٌ﴾ : السورة في اللغة معناها المنزلة السامية والمكانة الرفيعة، قال النابغة: «ألم تر أن الله أعطاك سورةً ... تَرى كلَّ مَلْك دونها يتذبذب» وهي في الاصطلاح: مجموعة من الآيات الكريمة لها بدء ونهاية كسورة الكوثر. وسميت (سورة) لشرفها وارتفاعها، كما يسمّي السور للمرتفع من الجدار. ﴿أنزلناها﴾ : المراد: أوحينا بها إليك يا محمد، ولعل السر في التعبير بالإنزال الذي يشعر بالنزول مع العلو هو الإشارة إلى أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى لا من تأليف محمد كما زعم المشركون.

стр. 599

﴿وفرضناها﴾ : أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً. وأصلُ الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه، وفي ذكر ذلك براعة استهلال على ما قيل، وقرئ بالتشديد ﴿فرضناها﴾ للمبالغة، ولتأكيد الإيجاب، ولتعدد الفرائض وكثرتها. ﴿آيات بينات﴾ : الآيات جمع (آية) وهي قد ترد بمعنى الآية القرآنية، وقد ترد بمعنى العلامة، أو الشاهد على القدرة الإلهية، مثل قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢] وقول الشاعر: وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدل على أنه واحد ومعنى (بينات) أي واضحات، فإن أريد بالآيات (الآيات القرآنية) كان المعنى أنها واضحات الدلالة على أحكامها، مثل الآيات التي فيها أحكام الزنى، والقذف، واللعان وغيرها، وإن أريد بالآيات (الآيات الكونيّة) كان المعنى أنها واضحات الدلالة على وحدانية الله، وكمال قدرته مثل التأليف بين السحاب، ووميض البرق ولمعانه، وتقليب الليل والنهار، واختلاف المخلوقات في أشكالها، وهيئاتها، وطبائعها، مع اتحاد المادة التي خلقت منها. إلى غير ما هنالك من أدلة التوحيد، وشواهد القدرة. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ : مضارع حذف منه إحدى التائين وأصلها تتذكرون. ومعنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة الشيء الذي غاب عنها، والمراد به هنا الاتعاظ والاعتبار أي (لعلكم تعتبرون وتتعظون) . ﴿الزانية والزاني﴾ : الزنى في اللغة: الوطء المحرّم، وفي الشرع: (وطءَ الرجل المرأةَ في الفرج من غير نكاحٍ ولا شبهة نكاح) ويسمى الفاحشة

стр. 600

قال تعالى: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ... ﴾ [النساء: ١٥] الآية وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] . وهو في اللغة الفصحى - لغة أهل الحجاز - مقصورٌ، وقد يمد في لغة - أهل نجد - ٠ فيقال الزناء وعليه قول الفرزدق: أبا طاهرٍ من يزنِ يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً قال القرطبي: كان الزنى في اللغة معروفاً قبل الشرع مثل اسم (السرقة) و (القتل) وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح، وإن شئت قلت: هو إدخال فرجٍ في فرجٍ مشتهى طبعاً محرّمٍ شرعاً. ﴿فاجلدوا﴾ : الجَلد بفتح الجيم ضرب الجِلد بكسرها، قال الألوسي: وقد اطرد صوغ (فَعَل) الثلاثي المفتوح العين من أسماء الأعيان فيقال: رأسَه، وظَهرَه، وبَطنَه، إذا ضرب رأسه وظهره وبطنه. وجوّز (الراغب) أن يكون معنى جَلَده: أي ضربه بالجِلّد، نحو عَصَاه ضربه بالعصا، ورَمَحه طعنه بالرمح. والمراد هنا المعنى الأول: فإنّ الأخبار قد دلت على أنّ الزانية والزاني يضربان بسوط (عصا) لا عقدة عليه ولا فرع له. ويرى بعضهم: أن الجَلد في العرف الضربُ مطلقاً، وليس خاصاً بضرب الجِلد بلا واسطة. ﴿رَأْفَةٌ﴾ : شفقة وعطف، مأخوذ من رؤف إذا رق ورحم، والرؤوف من أسماء الله تعالى: العطوفُ الرحيم، وقيل الرأفة تكون في دفع
следующие страницы →