Полный текст (1 222 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
٥ - النسك بالأضاحي فيه إحياء لذكرى (الفداء) لإسماعيل مع أبيه الخليل ﵉ حين أمر بذبح ولده في المنام.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
جعل الباري - تباركت أسماؤه - الهَدْي والأضاحي من شعائر دين الله، يذبحها المسلم ليتقرب بها إلى ربه جلّ وعلا وينال مغفرته ورضوانه، ولتكون تكفيراً لما جنته يداه من الذنوب والآثام، وليتعودّ على الإخلاص في القول والفعل والعمل، فالمؤمن إنما يذبح على اسم الله، وبأمره جل وعلا، ألاّ يذكر معه اسم غيره، ولا يتوجه إلى أحد سواه، ولا يقصد بعمله غير وجه الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العالمين لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] .
وبهذا التوجه بالنسك لله يتعود المؤمن على الإخلاص، ويكتسب مرتبة التقوى التي أشارت إليها الآية الكريمة ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] .
ولئن كان المشركون يذبحون هذه القرابين للأصنام رجاء النفع ودفع الضر، فإن المؤمن لا يذبح لصنمٍ، ولا وثن، وإنما يتقرب بنسكه إلى الله وحده، مخلصاً له العبادة جل وعلا والإسلام يربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وبين تقوى القلوب، فالتقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره، وهذه المناسك والشعائر كلها رموزٌ تعبيرية عن التوجه إلى ربّ البيت وطاعته، وهي تحمل في طياتها (ذكرى الفداء) ذكرى إقدام الخليل إبراهيم ﵇ على ذبح
стр. 597
ولده (إسماعيل) امتثالاً لأمر الله حين أمر بذبح ولده في المنام ﴿إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فهوى ذكرى لآيةٍ من آيات الله، ومعجزة من معجزاته الباهرة، حين فدى ولد خليله بذبح عظيم، وهي بعد ذلك صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء، ومعونة أهل الحاجة من الضعفاء.
стр. 598
التحليل اللفظي
﴿سُورَةٌ﴾ : السورة في اللغة معناها المنزلة السامية والمكانة الرفيعة، قال النابغة:
«ألم تر أن الله أعطاك سورةً ... تَرى كلَّ مَلْك دونها يتذبذب»
وهي في الاصطلاح: مجموعة من الآيات الكريمة لها بدء ونهاية كسورة الكوثر. وسميت (سورة) لشرفها وارتفاعها، كما يسمّي السور للمرتفع من الجدار.
﴿أنزلناها﴾ : المراد: أوحينا بها إليك يا محمد، ولعل السر في التعبير بالإنزال الذي يشعر بالنزول مع العلو هو الإشارة إلى أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى لا من تأليف محمد كما زعم المشركون.
стр. 599
﴿وفرضناها﴾ : أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً. وأصلُ الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه، وفي ذكر ذلك براعة استهلال على ما قيل، وقرئ بالتشديد ﴿فرضناها﴾ للمبالغة، ولتأكيد الإيجاب، ولتعدد الفرائض وكثرتها.
﴿آيات بينات﴾ : الآيات جمع (آية) وهي قد ترد بمعنى الآية القرآنية، وقد ترد بمعنى العلامة، أو الشاهد على القدرة الإلهية، مثل قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ [الشورى: ٣٢] وقول الشاعر:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدل على أنه واحد
ومعنى (بينات) أي واضحات، فإن أريد بالآيات (الآيات القرآنية) كان المعنى أنها واضحات الدلالة على أحكامها، مثل الآيات التي فيها أحكام الزنى، والقذف، واللعان وغيرها، وإن أريد بالآيات (الآيات الكونيّة) كان المعنى أنها واضحات الدلالة على وحدانية الله، وكمال قدرته مثل التأليف بين السحاب، ووميض البرق ولمعانه، وتقليب الليل والنهار، واختلاف المخلوقات في أشكالها، وهيئاتها، وطبائعها، مع اتحاد المادة التي خلقت منها. إلى غير ما هنالك من أدلة التوحيد، وشواهد القدرة.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾ : مضارع حذف منه إحدى التائين وأصلها تتذكرون. ومعنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة الشيء الذي غاب عنها، والمراد به هنا الاتعاظ والاعتبار أي (لعلكم تعتبرون وتتعظون) .
﴿الزانية والزاني﴾ : الزنى في اللغة: الوطء المحرّم، وفي الشرع: (وطءَ الرجل المرأةَ في الفرج من غير نكاحٍ ولا شبهة نكاح) ويسمى الفاحشة
стр. 600
قال تعالى: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ... ﴾ [النساء: ١٥] الآية وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] .
وهو في اللغة الفصحى - لغة أهل الحجاز - مقصورٌ، وقد يمد في لغة - أهل نجد - ٠ فيقال الزناء وعليه قول الفرزدق:
أبا طاهرٍ من يزنِ يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً
قال القرطبي: كان الزنى في اللغة معروفاً قبل الشرع مثل اسم (السرقة) و (القتل) وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح، وإن شئت قلت: هو إدخال فرجٍ في فرجٍ مشتهى طبعاً محرّمٍ شرعاً.
﴿فاجلدوا﴾ : الجَلد بفتح الجيم ضرب الجِلد بكسرها، قال الألوسي: وقد اطرد صوغ (فَعَل) الثلاثي المفتوح العين من أسماء الأعيان فيقال: رأسَه، وظَهرَه، وبَطنَه، إذا ضرب رأسه وظهره وبطنه.
وجوّز (الراغب) أن يكون معنى جَلَده: أي ضربه بالجِلّد، نحو عَصَاه ضربه بالعصا، ورَمَحه طعنه بالرمح.
والمراد هنا المعنى الأول: فإنّ الأخبار قد دلت على أنّ الزانية والزاني يضربان بسوط (عصا) لا عقدة عليه ولا فرع له. ويرى بعضهم: أن الجَلد في العرف الضربُ مطلقاً، وليس خاصاً بضرب الجِلد بلا واسطة.
﴿رَأْفَةٌ﴾ : شفقة وعطف، مأخوذ من رؤف إذا رق ورحم، والرؤوف من أسماء الله تعالى: العطوفُ الرحيم، وقيل الرأفة تكون في دفع
стр. 601
المكروه، والرحمة أعم، والمراد: النهي عن التخفيف في الجلد، أو إسقاط الحد بالكلية كما نبذه عليه الألوسي.
﴿دِينِ الله﴾ : أي في شرع الله وحكمه، أو في طاعته وإقامة حده، وروى عن عطاء أنّ المراد النهي عن إسقاط الحد بشفاعة ونحوها.
﴿طَآئِفَةٌ﴾ : الطائفة في الأصل اسم فاعل مؤنث من الطواف، وهو الدَّوران والإحاطة وقد تطلق في اللغة ويراد بها الواحد، أو الجماعة، قال الألوسي: والمراد بالطائفة هنا جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الماكن والأشخاص.
﴿لَا يَنكِحُ﴾ : المراد بالنكاح هنا (العقد) بمعنى لا يتزوج الزاني إلا زانية مثله، ويوافقه سبب النزول كما سيأتي والنفي في الآية بمعنى النهي للمبالغة ويؤيده قراءة ﴿لا يَنْكِحْ﴾ بالجزم، ويشبه هذا قوله ﷺ َ: «لا تُنْكِحُ البِكرُ حتى تُستَأذن» فهو خبر بمعنى النهي أي لا تزوِّجوا البكر حتى تستأذنوها. وقيل المراد بالنكاح في الآية: الوطء وأنكر ذلك الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزوج.
﴿مُشْرِكَةً﴾ : هي التي ليس لها دين سماوي والتي لا تؤمن بالله كالمجوسية، والوثنية، وهي تختلف عن الكتابية في الحكم، فالكتابية يجوز الزواج بها، والمشركةُ لا يجوز قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ... ﴾ [البقرة: ٢٢١] الآية.
﴿وَحُرِّمَ ذلك﴾ : أي حرَّم الله تعالى الزنى على المؤمنين لما فيه من أضرار جسيمة، ومفاسد عظيمة، أو المراد حرم الله نكاح الزانيات والمشركات.
стр. 602
المعنى الإجمالي
يخبر الله جل وعلا بما أنزل على عباده المؤمنين في هذه السورة الكريمة، من تشريع وأحكام ومواعظ وآداب وإرشادات حكيمة، وأخلاق كريمة، ونُظم وتشريعات، بها صلاح دينهم ودنياهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة فيقول سبحانه ما معناه: هذه سورة من جوامع سور القرآن أنزلتها عليكم أيها المؤمنون لتطبقوا أحكامها وتتأدبوا بما فيها من آداب. ولم أنزلها عليكم لمجرد التلاوة وإنما فرضتها عليكم وألزمتكم أن تعملوا بما فيها لتكون لكم قبساً ونبراساً، ولتعتبروا بما فيها من الآيات البيذنات، والدلائل المحكمات والشواهد الكثيرة على رحمة الله العادلة في تشريع هذه الأحكام التي بها سعادة المجتمع، وحياة الإنسانية
﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] .
ومن هذه الأحكام والحدود التي شرعتها لكم، أن تجلدوا كلاً من الزانيين مائة جلدة، تستوفونها منهما كاملة دون رحمة أو شفقة، ودون تخفيف من العقاب، أو إنقاصٍ من الحد، فإن (جريمة الزنى) أخطر وأعظم من أن تستدر العطف أو تدفع إلى العفو عن مرتكب هذه الجريمة النكراء، فإن من عرف آثارها وأضرارها من تدنيسٍ للعرض والشرف، وضياع للأنساب، واعتداء على كرامة الناس، وتلطيخ لهم بالعار والشنار وتعريض للأولاد للتشرد والضياع، حيث يولد (اللقيط) وهو لا يدري أباه، ولا يعرف حسبه ونسبه - إلى غير ما هنالك من أضرار - من عرف ذلك أدرك حكة الله تعالى في تشريع هذا العقاب الزاجر الصارم. وليس هذا فحسب بل لا بد أن تشهدوا على هذه العقوبة لتكون زجراً له ولأفراد المجتمع من اقتراف مثل هذا المنكر الشنيع، فتحصل العظة والعبرة ... ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ .
ثم بين تعالى أن الزاني لا يليق به أن ينكح المؤمنة العفيفة الشريفة
стр. 603
إنما ينكح مثله أو أخسّ منه، ينكح الزانية الفاجرة أو المشركة الوثنية، ولا عجب فإن الفاسق الخبيث لا يرغب غالباً إلا في فاسقة من شكله أو مشركة، والزانيةُ الخبيثة كذلك لا يرغب فيها إلا خبيث مثلها أو مشرك. فالنفوس الطاهرة تأبى مثل هذا الزواج بالفواجر الفاسقات وصدق الله: ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] .
وقد حرم الله الزنى لما فيه من أضرار عظيمة، ومخاطر جسيمة تودي بحياة الأفراد والجماعات، وتقوّض بنيان المجتمعات، وتعرِّض الأولاد للتشرد والضياع.
سبب النزول
رُويَ في سبب نزول الآية الكريمة ﴿الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً﴾ عدة أسباب ذكرها المفسرون ونحن ننقل أجمعها وأصحها وهي كالآتي:
أولاً - روى أن رجلاً يقال له (مرثد الغنوي) كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغّي بمكة يقال لها (عَنَاق) وكانت صديقة له، وأنه وعد رجلاً من أسارى مكة أن يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فجاءت (عَنَاق) فأبصرتْ سوادَ ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً هلمّ فبت عندنا الليلة، فقلتُ يا عناق: قد حرَّم الله تعالى الزنى، فنادت يا أهل الخيام: هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني منهم ثمانية، فانتهيت إلى غار فجاءوا حتى قاموا على رأسي وبالوا، حتى ظلّ بولهم على رأسي، وأعماهم الله تعالى عني، ثم رجعوا ورجعتُ إلى صاحبي فحملته حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ َ فقلت يا رسول الله: أأنكح عناقاً؟ فأمسك فلم يردّ عليَّ شيئاً فأنزل الله ﴿الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية فقرأها
стр. 604
عليَّ الرسول، ثم قال يا مرثد: لا تَنكحها.
ثانياًً - وروي أن امرأة تُدعى (أم مهزول) كانت من البغايا، فكانت تسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب النبي ﷺ َ أن يتزوجها فأنزل الله تعالى: ﴿الزانية لَا يَنكِحُهَآ إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ .
ثالثاً - وروي أنها نزلت في أهل الصفّة وكانوا قوماً من المهاجرين، ولم يكن لهم مساكن ولا عشائر، فنزلوا صفة المسجد وكانوا أربعمأة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل وكان بالمدينة (بغايا) متعالنات بالفجور مخاصيب بالكسوة والطعام، فهمّ بعضهم أن يتزوجوا بهنّ. ليأووا إلى مساكنهنّ، ويأكلوا من طعامهن فنزلت هذه الآية.
لطائف التفسير
١ - اللطيفة الأولى: التنكير في قوله (سورة) للتفخيم فكأن الله تعالى يقول: هذه سورة عظيمة الشأن جليلة القدر، لما فيها من الآداب السامية والأحكام الجليلة، قال الألوسي: وهي (خبر) لمبتدأ محذوف أي هذه سورة، وأشير إليها بهذه تنزيلاً لها منزلة (الحاضر) المشاهد وقوله تعالى: ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ وما بعده صفات لها مؤكدة، لما أفاد التنكير من (الفخامة) من حيث الذات، بالفخامة من حيث الصفات.
٢ - اللطيفة الثانية: تكرير لفظ ﴿أَنزَلْنَا﴾ في قوله: ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ و ﴿أَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ﴾ لإبراز كمال العناية بشأنها، وهو يشبه ذكر الخاص بعد العام للعناية والاهتمام.
стр. 605
٣ - اللطيفة الثالثة: قال الفخر الرازي: أنه تعالى ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وذكر في آخرها دلائل التوحيد فقوله تعالى: ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ إشارة إلى الأحكام، وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ إشارة إلى دلائل التوحيد ويؤيده قوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى يتذكروا بها. قال الألوسي: وهذا الوجه عندي حسن.
٤ - اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أصل (لعل) للترجي والترجي لا يليق من الله تعالى ولذلك تكون لعل هنا بمعنى (لام التعليل) أي لتتذكروا وتتدبروا بما فيها واستشهدوا بقول الشاعر:
فقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا ... نكفّ ووثّقثتم لنا كل مَوثِقِ
أي كفوا الحروب لنكف، وذكر القرطبي وجهاً آخر وهو أن تبقى (لعل) للترجي ولكن يكون الترجي من المخلوق لا من الخالق أي رجاء منكم أن تتذكروا.
٥ - اللطيفة الخامسة: فإن قيل: ما الحكمة في أن يبدأ الله في الزنى بالمأة وفي السرقة بالرجل؟ فالجواب أنَّ الزنى من المرأة أقبح، وجرمه أشنع، لما يترتب عليه من تلطيخ فراش الرجل وفساد الأنساب وإلحاق العار بالعشيرة ثم الفضيحة بالنسبة للمرأة (بالحمل) تكون أظهر وأدوم فلهذا كان تقديمها على الرجل.
وأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجل لأنه أجرأ عليها وأجلد وأخطر فقدم عليها لذلك. قال القرطبي: قدمت ﴿الزانية﴾ في هذه الآية، من حيث كان في ذلك الزمان زنى النساء فاشٍ وكان لإماء
стр. 606
العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك، وذرك وجوهاً أخرى تؤيد ما سبق.
٦ - اللطيفة السادسة: عبّر بقوله: (فاجلدوا) ولم يقل (فاضربوا) للإشارة إلى أن الغرض من الحد الإيلام بحيث يصل ألمه إلى الجِلد، لعظم الجُرم ردعاً له وزجراً.
قال العلماء: ينزع عن الزاني عند الجلد ثيابه إلا الإزار فإنه لا ينزع لستر عورته به، وأما بقية الحدود فالأمر فيها أخف.
٧ - اللطيفة السابعة: قال القرطبي: ذكر الله : (الذكر والأنثى) وكان يكفي منهما لفظ (الزاني) فقيل: ذكرهما للتأكيد، ويحتمل أن يكون ذكرهما لئلا يظن ظانّ أن الرجل لما كان هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد فذكرها رفعاً لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي ﵀ فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان.
٨ - اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله﴾ هذا من باب التهييج والإلهاب كما يقال إن كنت رجلاً فافعل كذا، ولاشك في رجوليته وكذا المخاطبون هنا مقطوع بإيمانهم، ولكن قصد تهييج وتحريك حميتهم ليجتهدوا في نتفيذ الأحكام على الوجه الأكمل.
٩ - اللطيفة التاسعة: قوله تعالى: ﴿الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً﴾ الآية قال الألوسي: فيه تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح ببيان أنه بعد أن رضي بالزنى لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعتد أن رضيت بالزنى لا يليق أن ينكحها إلاّ مَنْ هو مثلها وهو الزاني، أو هو أشد حالاً منها وهو المشرك وأما المسلم العفيف فأسَدُ غيرته يأبى ورود جَفْرتها:
стр. 607
وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماء ... إذا كان الكلاب ولَغْن فيه
والسر في تقديم (الزانية) في الآية الأولى، (والزاني) في الآية الثانية، أو الأولى في بيان عقوبة الزنى والأصل فيه المرأة لموافقتها ورضاها، وأما الثانية فهي في حكم نكاح الزناة، والأصلُ في النكاح الذكور. قال في «التفسير الواضح» : إن الزنى ينشأ غالباً وللمرأة فيه الضلع الأكبر، فخروجها سافرة متبرجة متزينة داعية لنفسها بشتى الوسائل المغرية من أصباغ وعطور وملابس ضيقة، ونظرات كلها إغراء للشباب وفتنة فهذه كلها حبائل الشيطان.
وليس معنى هذا أن الرجال بريئون بل عليهم قسط كبير في الجرم وقسطُ المرأة أكبر، ولهذا قدمها على الزاني وفي الآية الثانية يعالج النكاح بمعنى (العقد) وللمرأة فيه الخطوة الثانية، أما الرجل فله الخطوة الأولى ولهذا قدمه على المرأة والله أعلم بأسرار كتابه.
١٠ - اللطيفة العاشرة: قرن الله الزاني بالمشرك وذلك ليشير إلى عظيم خطر الزنى وكبير ضرره وذلك جرم من أعظم الجرائم الاجتماعية يهدم بنيان الأسرة ويحطم كيان المجتمع ولهذا قرنه الله تعالى: ﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلَاّ بالحق وَلَا يَزْنُونَ ... ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية.
جنبنا الله السوء والفاحشة. بمنّه وكرمه آمين.
وجوه القراءات
١ - قوله تعالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، فقراء التخفيف ﴿فَرَضْناها﴾ بمعنى أوجبنا وألزمنا العمل بما فيها من الأحكام إيجاباً
стр. 608
قطعياً وقراءة التشديد ﴿فرّضْناها﴾ لتأكيد الايجاب أو المبالغة في لزومه وقيل: هو على التكثير، أي لكثرة ما فيها من الفرائض كأحكام الزنى، والقذف، واللعان، والأمر بالحجاب، والاستئذان وغضّ البصر، وغير ذلك.
٢ - قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ قرأ الجمهور بالرفع وقرئ بالنصب (الزانية) واختار الخليل وسيبوية الرفع اختيار الأكثرين. قال الزجاج: والرفع أقوى في العربية لأن معناه: من زنى فاجلدوه فتأويله الابتداء ويجوز النصب على معنى: اجلدوا الزانية.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ﴾ قرأ الضحاك والأعمش ﴿ولا يأخذكم﴾ بالياء بدل التاء وقوله تعالى: ﴿رَأْفَةٌ﴾ بإسكان الهمزة هي القراءة المشهور وقرئ ﴿رَأَفة﴾ بفتح الهمزة قال القرطبي: وفيه ثلاث لغات: (رَأَفة، ورأْفة، ورآفة) بالمد وهي كلها مصادر أشهرها الأولى.
٤ - قوله تعالى: ﴿الزاني لَا يَنكِحُ﴾ بضم الحاء وقرئ بإسكانها ﴿لا ينكحْ﴾ فالأولى (نفيٌ) ، والثانية (نهيٌ) ، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذلك﴾ قرئ بالتشديد أي بضم الحاء وتشديد الراء، وقرئ بالتخفيف ﴿وحَرُم﴾ بفتح الحاء وضم الراء - قال ابن الجوزي: وقرأ أُبيَّ بن كعب ﴿وحَرَم اللَّهُ﴾ بزيادة اسم الله مع فتح حروف (حَرّم) .
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ سورة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه سورة، وإنما قدرنا ذلك لأنها نكرة، والمشهورُ عند علماء النحو أنه
стр. 609
لا يجوز الابتداء بالنكرة كما قال ابن مالك:
ولا يجوز الابتدا بالنكرة ... مال لم تفد كعند زيد نمرة
وجوَّز بعضهم أن تكون مبتدأ لأنها موصوفة بجملة (أنزلناها) وهو رأي (الأخفش) قال القرطبي: ويحتمل أن يكون قوله (سورة) ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك.
ويرى (الزمخشري) أنه يجوز أن تكون مبتدأ موصوفاً والخبر محذوف تقديره فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقد رد العلامة (أبو السعود) هذا الرأي وقال: وأما كونها متبدأ محذوف الخبر على أن يكون التقدير: (فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها) الخ فيأباه أنّ مقتضى المقام بيان شأن هذه السورة الكريمة لا أن في جملة ما أوحي إلى النبي ﵊ ُ سورة شأنها كذا وكذا. وحملها على السورة الكريمة بمعونة المقام يوهم أن غيرها من السور الكريمة ليست على تلك الصفات.
٢ - قوله: ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ الجملة من الفعل والفاعل في محل رفع (صفة) لأن الجمل من بعد النكرات صفات. كما يقول علماء النحو.
٣ - قوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لعل للترجي وهي من أخوات (إنَّ) والكاف في محل نصب اسم لعل، وجملة (تَذكَّرون) من الفعل والفاعل في محل رفع خبرها.
٤ - قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ الزانية مبتدأ والزاني معطوف عليها والخبر هو جملة (فاجلدوا) والتقدير الزانية والزاني مجدلودان في حكم الله أو ينبغي أن يُجْلدا، وإنما دخلت الفاء على الخبر لأن في الجملة معنى الشرط أي من زنى أو من زنت فاجلدوهما مائة جلدة، وأما قراءة النصب
стр. 610
(الزَّانيةَ والزاني) فهو منصوب بفعل محذوف يفسِّره المذكور أي اجلدوا الزانيةَ واجلدوا الزاني.
٥ - قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ أن الشرطية جازمة (وكنتم) فعل الشرط متصرفة من (كان) الناقصة والضمير اسمها وجملة (تؤمنون) من الفعل والفاعل خبرها وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله أي إن كنتم مؤمنين حقاً فلا تأخذكم بهما رأفة والله أعلم.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: كيف كانت عقوبة الزنى في صدر الإسلام؟
كان عقوبة الزنى في صدر الإسلام. عقوبة حفيفة موقَّتة، لأن الناس كانوا حديثي عهد بحياة الجاهلية. ومن سنة الله جل وعلا في تشريع الأحكام، أن يسير بالأمة في طريق (التدرج) ليكون أنجح في العلاج. وأحكم في التطبيق، وأسهل على النفوس لتتتقبل شريعة الله عن - رضى واطمئنان - كما رأينا ذلك في تحريم الخمر والربا وغيرهما من الأحكام الشرعية.
وقد كانت العقوبة في صدر الإسلام هي ما قصه الله علينا في سورة النساء في قوله جل شأنه ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١٥ - ١٦] فكانت عقوبة المرأة (الحبس) في البيت وعدم الإذن لها بالخروج منه، وعقوبة الرجل (التأنيث والتوبيخ) بالقول والكلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ... ﴾ الآية.
стр. 611
ويظهر أن هذه العقوبة كانت أو الإسلام من قبيل (التعزير) لا من قبيل (الحدّ) بدليل التوقيت الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] وقد استبدلت هذه العقوبة بعقوبة أشد هي (الجلد) للبكر و (الرجم) للزاني المحصن، وانتهى ذلك الحكم الموقت إلى تلك العقوبة الرادعة الزاجرة.
روى عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (كان نبي الله ﷺ َ إذا أُنزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك وتربّد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سُرِّي عنه قال خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيبُ بالثيب جلد مائة والرجم) .
الحكم الثاني: ما هو حدُّ البكر، وحدُّ المحصن؟
فرقت الشريعة الإسلامية بين حد البكر (غير المتزوج) فخففّفت العقوبة في الأول فجعلتها مائة جلدة، وغلّظت العقوبة في الثاني فجعلتها الرجم بالحجارة حتى الموت، وذلك لأن جريمة الزنى بعد الإحصان (التَّزوج) أشد وأغلظ من الزنى المحض في نظر الإسلام فالجريمة التي يرتكبها رجل محصن من (امرأة محصنة) عن طريق الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي يرتكبها مع البكر لأنه قد أفسد نسب غيره ودنّس فراشه وسلك لقضاء شهوته طريقاً غير مشروع مع أنه كان متمكناً من قضائها بطريق مشروع فكانت العقوبة أشد وأغلظ.
стр. 612
«الجلد ثابت بالنص القرآني القاطع»
أم الجلد: فقد ثبت بالنص القرآني القاطع ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ والآية الكريمة إنما هي في حد الزاني (غير المحصن) والآية وإن كانت عامة في كل (زان) إلا أن السنة النبوية قد بينت ذلك ووضحته كما في حديث (عبادة بن الصامت) المتقدم ومهمة الرسول البيان كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وكفى بتوضيح الرسول وبيانه وتفصيلاً وبياناً لمجمل القرآن!!
«الرجم ثابت بالسنة النبوية المتواترة»
وأمّا الرجم: فقد ثبت بفعل النبي ﷺ َ وقوله، وعمله، وكذلك بإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا يتطرأ إليها الشك، وبطريق التواتر أن النبي ﷺ َ أقام (حد الرجم) على بعض الصحابة كماعز، والغامدية، وأن الخلفاء الراشدين من بعده قد أقاموا هذا الحد في عهودهم وأعلنوا مراراً أن الرجم هو الحد للزنى بعد الإحصان.
ثم ظلّ فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر مجمعين على كونه حكماً ثابتاً وسنة متبعة وشريعة إلهية قاطعة، بأدلة متضافرة لا مجال للشك فيها أو الارتياب، وبقي هذا الحكم إلى عصرنا هذا لم يخالف فيه أحد إلا فئة شاذة من المنحرفين عن الإسلام هم (الخوارج) حيث قالوا: إن الرجم غير مشروع وسنبين فساد مذهبهم فيما يأتي:
أدلة الخوارج والرد عليها:
استدل الخوارج على أنّ الرجم غير مشروع بأدلة ثلاثة هي أوهَى من بيت العنكبوت نلخصها فيما يلي:
أولاً: قالوا الرجمُ أشدُّ العقوبات فلو كان مشروعاً لذكِر في القرآن
стр. 613
ولمّا يذكر دل على أنه غير مشروع.
ثانياً: إن حدّ الأمة نصف حد الحرة ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا ينتصف فلا يصح أن يكون حداً للحرة.
ثالثاً: إن الحكم عام في جميع الزناة وتخصيص (الزاني المحصن) من هذا الحكم مخالف للقرآن.
هذه هي خلاصة أدلتهم وهي في الواقع تدل على جهلهم الفاضح وعدم فهمهم لمهمة الرسول ﷺ َ أو سوء إدراكهم لأسرار القرآن ومقاصده، وذلك منتهى الجهل والغباء.
الرد على أدلة الخوارج:
وقد ردّ أهنل السنة والجماعة على الخوارج بأدلة دامغة تقصم ظهر الباطل، وتخرس كلّ أفّاك أثيم نلخصها فيما يلي:
أولاً: إن عدم ذكر الرجم في القرآن لا يدل على عدم المشروعية فكثير من الأحكام الشرعية لم تذكر في القرآن وإنما بينتها السنة النبوية والله تعالى قد أمرنا باتباع الرسول والعمل بأوامره
﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] والرسولُ مبلغ عن الله ، وكلُّ ما جاء به إنما هو بوحي سماوي من العليم الحكيم ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] . وكيف يكون الرجم غير مشروع وقد رجم ﷺ َ ورجم معه أصحابه وبيّن ذلك بهدية وفعله!! .
ثم إن مهمة الرسول ﷺ َ قد بينها القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وليس قول الرسول «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً. . وفيه: والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ليس هذا القول إلا من البيان الذي أشار إليه القرآن وهو نص قاطع على حكم الزاني المحصن وقد أشار ﷺ َ في الحديث
стр. 614
الشريف بقوله: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» إلى أن سنته المطهرة بوحي من الله فثبت أن كل ما جاء به الرسول هو تشريع من الله، وأنه واجب الاتّباع.
ثانياً: إن قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥] ليس فيها دليل على ما قاله الخوارج من عدم مشروعية الرجم، فإن الآية الكريمة قد أشارت إلى أن المراد بالعذاب هنا (الجلد) لا (الرجم) بدليل التنصيف في العقوبة والله تعالى يعلم أن الرجم لا ينصف ولا يمكن للناس أن يميتوا إنساناً نصف موتة فدل (العقل) و (الفهم السليم) على أن المراد بهذه العقوبة الجلد لا الرجم.
فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة، وتجلد الحرة البكر مائة جلدة. والسر في هذا التخفيف على (الأمة) دون الحرة أن الجريمة من الحرة أفظع وأشنع لكون الحرة في مأمن من الفتنة، وهي أبعد عن داعية الفاحشة والأمة ضعيفة عن مقاومتها، فرحم الله ضعفها وخفف العقاب عنها.
ثالثاً: وأما دعواهم أن الحكم عام، وتخصيصه مخالف للقرآن فجهلٌ مطبق ألا ترى أن كثيراً من الأحكام جاءت عامة وخصصتها السنة النبوية!! مثل: قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فإن هذا اللفظ عام يشمل كل سارق حتى ولو كانت سرقته لشيء حقير (وتافه) وعلى دعواهم ينبغي أن نقطع يد من سرق فلساً أو يإبرة، مع أن السنة النبوية قد خصصت هذا الحكم وقيدته بربع دينار أو ما قيمته عشرة دراهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مِّنَ الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣] لم تنص الآية إلا على حرمة الأم والأخت من الرضاعة، مع أن الرسول ﷺ َ بيّن أنه يحرم من
стр. 615
الرضاع ما يحرم من النسب، فيجب أن تكون حرمة (البنت من الرضاعة) مخالفة للقرآن بموجب دعواهم. والقرآن نهى عن (الجمع بين الأختين) فمن قال بحرمة الجمع بين العمة وبنت أخيها، أو الخالة وبنت أختها يجب أن نحكم عليه بمخالفة القرآن.
. . وهذا جهل واضح لا يصدر من مسلم عاقل.
قال العلامة الألوسي في تفسيره «روح المعاني» :
وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة وأئمة المسلمين على أن المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت، وإنكار الخوارج ذلك باطل، لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله ﷺ َ لإنكارهم حجية خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لأن ثبوت الرجم منه ﵇ (متواتر) المعنى، وهم كسائر المسلمين أوقعهم في جهالات كثيرة، ولهذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز القول بالرجم من كونه ليس في كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات، فقالوا: ذلك من فعله ﷺ َ والمسلمين فقال لهم: وهذا أيضاً كذلك.
ومراده أنهم لما احتجوا عليه بعدم وجود الرجم في القرآن، سألهم عن عدد ركعات الصلاة، هل هي مذكورة في القرآن؟ مقدار نصاب الزكاة وشروط وجوبها، هل هو موجود في القرآن؟ فلما أقروا بأن هذا ثبت من النبي ﷺ َ ومن فعل المسلمين أقام عليهم الحجة بذلك.
شهادة صادقة وبصيرة نافذة:
وكأني بالفاروق عمر بن الخطاب ﵁، الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وقد ألهم أمر هؤلاء الخوارج فكشف نواياهم وأطلع الناس
стр. 616
على خبث عقيدتهم فخطب على المنبر وكان فيما قال: إن الله بعث محمداً ﷺ َ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم يعني بها قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ َ ورجمنا بعده وأخشى أن يطول الناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه. ألا وإنّ الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء وقامت البينة أو كان حمل أو اعتراف، والله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها.
الحكم الثالث: هل يجمع بين الرجم والجلد؟
ذهب أهل الظاهر إلى وجوب (الجلد والرجم) في حق الزاني المحصن وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀. وذهب الجمهور إلى أن حده (الرجم) فقط وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار والرواية الأخرى عن أحمد.
أدلة الظاهرية:
استدل أهل الظاهر على الجمع بين الجلد والرجم بما يلي:
أ - العموم الوارد في الآية الكريمة ﴿الزانية والزاني﴾ فإنّ (أل) للجنس والعموم، فيشمل جميع الزناة وجاءت السنة بزيادة حكم في حق المحصن وهو (الرجم) فيزاد على الجلد.
ب - حديث عبادة بن الصامت (الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة) وقد تقدم.
стр. 617
ج - ما روي عن (علي) كرم الله وجهه حين جلد (شراحة) ثم رجمها من قوله: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ َ.
أدلة الجمهور:
واستدل الجمهور على عدم الجمع بين الجلد والرجم ببضعة أدلة نلخصها فيما يلي:
أولاً: ما روي في «الصحيحين» : أن أعرابياً أتى النبي ﷺ َ فقال يا رسول الله: أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه - نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ َ قل: فقال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة، ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني (جلد مائة وتغريب عام) وأن على امرأة هذا الرجم. .
فقال ﷺ َ: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدةُ والغنمُ ردٌّ عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» .
فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي ﷺ َ فرجمت.
قالوا فأمره برجمها ولم يقل له اجلدها ثم ارجمها.
ثانياً: واستدلوا بفعل النبي ﷺ َ فقد تكرر الرجم في زمانه، فرجم (ماعزاً) و (الغامدية) ورجم أصحابه معه ولم يَروِ أحدٌ أنه جمع بينه وبين الجلد، فقطعنا بأنّ حد المحصن لم يكن إلا (الرجم) لا غير.
ثالثاً: واستدلوا بالمعقول أيضاً فقالوا: إن الغرض من الجلد الزجرُ والتأديبُ، فإذا حكمنا عليه بالرجم فلا يبقى ثمة داع إلى الجلد، لأن الجلد يَعرى عن المقصود الذي شرع الحد له وهو الانزجار، لأن هذا الشخص
стр. 618
سيرجم حتى الموت فلا ينفع الجلد مع وجود الرجم. ومثله إذا وجب الغسل على إنسان يدخل معه الوضوء.
وأجابوا عن أدلة الظاهرية بأن حديث (عبادة بن الصامت) منسوخ بقول النبي ﷺ َ وفعله حيث رجم ولم يجلد، فوجب أن يكون الخبر السابق منسوخاً ... وأما استدلالهم بالعموم في الآية الكريمة فغير مسلّم لأن الآية كما يقول الجمهور خاصة ب (البكرين) وليست عامة بدليل خروج العبيد والإماء منها حيث أن حد العبد خمسون جلدة لا مائة جلدة وهذا يدفع العموم.
وأجابوا عن فعل علي كرم الله وجهه بشراحة حيث جلدها ثم رجمها بن هذا رأيٌ له لا يقاوم الثابت الصحيح عن رسول الله ﷺ َ من قوله وفعله، وكذلك لا يقاوم إجماع غيره من الصحابة، ويمكن حمله على أنه لم يثبت عنده الإحصان إلا بعد الجلد فأخبِرَ أولاً بأنها بكر فجلدها، ثم أُخبِرَ بأنها محصنة أي (متزوجة) فرجمها ويشبه هذا ما رواه جابر ﵁ أن رجلاً زنى بامرأة، فأمر به النبي ﷺ َ فجلد الحَدّ ثم أُخبر أنه محصن فأمر به فرجم.
الترجيح: وبهذا يتبين لنا قوة أدلة الجمهور وضعف أدلة الظاهرية والله أعلم.
الحكم الرابع: هل يُنْقى الزاني ويغرّبُ من بلده؟
يرى الإمام (أبو حنيفة) أن حدّ الزاني البكر هو الجلد مائة جلدة أو النفي ليس من الحد في شيء وأنه مفوض إلى رأي الإمام إن شاء غرّب وإن شاء ترك.
ويرى الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) أن حده الجلد مائة جلدة وتغريب عام.
стр. 619
أدلة الأحناف:
أولاً: استدل أبو حنيفة بظاهر الآية الكريمة، فإنها اقتصرت في مقام البيان على مائة جلدة، فلو كان النفي مشروعاً لكان ذلك نسخاص للكتاب، وخبرُ الآحاد لا يقوى على نسخ الكتاب، ولو كان النفي حداً مع الجلد لبيَّنه ﵊ ُ للصحابة لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جميع الحد، ولكان وروده فيوزن ورود نقل الآية وشُهرتها، ولمّا لم يكن ذلك كذلك ثبت أنه ليس بحد، وأن حد الزنى ليس إلا (الجلدُ) .
ثانياً: استدل بحديث إذا زنتْ الأمةُ فتبيّن زناها فليجلدها الحدّ ولا يُثرِّبْ عليها، صم غن زنت فلْيَبعها ولو بحبل من شعر فدل الحديث على أن الجلد هو تمام الحد، ولو كان النفي من الحد لذكره.
ثالثاً: واستدل أيضاً بما روي عن علي ﵁ أنه قال: إذا زنى البكران فإنهما يجلدان ولا ينفيان لأن نفيهما فتنة لهما وقال: «وكفى بالنفي فتنة» .
أدلة الجمهور:
١ - واستدل الجمهور بحديث عبادة بن الصامت المتقدم وفيه (البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام، والثيَّبِ جلدُ مائةٍ والرجمُ) .
٢ - قصة العسيف الذي زنى بامرأة الأعرابي وقد تقدم وفيه قوله: (إن على ابنك جلد مائة وتغريب عام) والحديث مروي في «الصحيحين» .
стр. 620
٣ - قالوا وقد تكرر ذكر النفي في قصة العسيف على أنه من الحد، ولا مانع من الزياة عل حكم الآية بخبر الآحاد، فقد أنزل الله الجلد (قرآناً) وبقي التغريب في البكر (سنة) .
هل التغريب يشمل المرأة؟
ثم إن القائلين بالنفي - وهم الجمهور - اختلفوا هل التغريب خاص بالرجل أم يشمل المرأة أيضاً، فذهب مالك والأوزاعي إلى أن النفي خاص بالرجل ولا تُنفى المرأة لقوله ﵇: (البكر بالبكر) الحديث.
وقال الشافعي وأحمد: إن النفي عام للرجال والنساء فتغرب المرأة مع محرم وأجرته عليها ودليلهما عموم الأحاديث وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة.
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: «إنّ الزاني لا يخلو: إما أن يكون بكراً وهو الذي لم يتزوج، أو محصناً وهو الذي قد وَطِيءَ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكراً لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يُغرّب عاماً عن بلده عند جمهور العلماء، خلافاً لأبي حنيفة ﵀، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام إن شاء غرَّب، وإن شاء لم يغرِّب.
وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في «الصحيحين» . وذكر قصة العسيف التي مرّ ذكرها «.
يقول الشيخ السايس في كتابه» تفسير آيات الأحكام «:
» ويمكن الجمع بين هذه الأخبار بإبقاء الآية على حكمها، وأن الجلد هو تمام الحد، وجعل النفي على وجه التعزير، ويكون النبي ﷺ َ قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنه أبلغ في الزجر وأحرى بقطع العادة «.
стр. 621
الحكم الخامس: ما هو حد الذمي المحصن؟
اختلف العلماء في حد الذمي المحصن فذهب الحنفية إلى أن حدَّه (الجلد) وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن حده الرجم.
دليل الأحناف:
١ - حديث ابن عمر (من اشرك بالله فليس بمحصن) قالوا: والمراد به إحصان الرجم، وأما رجم الرسول ﷺ َ لليهودِيّيْنِ فإنما كان بحكم التوراة.
٢ - قالوا: إن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ ولهذا تُشدّد العقوبة واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في حق أمهات المؤمنين ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] .
٣ - واستدلوا أيضاً بأن إحصان القذف يعتبر فيه (الإسلام) بالإجماع، فكذلك إحصان الرجم، والجامعُ هو كمال النعمة.
دليل الشافعية:
١ - استدلوا بعموم قوله ﷺ َ:» إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين «.
٢ - واستدلوا بما ثبت في» الصحيحين «عن ابن عمر ﵄:» أن اليهود أتوا النبي ﷺ َ برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخِّم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم إنَّ فيها الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بقارئ
стр. 622
لهم، فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح، فقالوا يا محمد: إن فيها الرجم ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله ﷺ َ فرجما ... قال: فلقد رأيته يُحنى على المرأة يقيها الحجارة بنفسه «رواه البخاري ومسلم.
وعن البراء بن عازب ﵁:» مُرّ على النبي ﷺ َ بيهودي محمّم مجلود، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا. . ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم، ولكن كثر في أشرافنا وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال النبي ﷺ َ: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذْ أماتوه» «
فأمر به فرجم، فأنزل الله ﴿ياأيها الرسول لَا يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يقولون: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ... «فقد رجم رسول الله ﷺ َ اليهوديين فإن كان ذلك حكماً بشرعِهِ فالأمرُ ظاهر، وإن كان حكماً بشرع من قبله فقد صار شرعاً له.
٣ - وقالوا: إنّ زنى الكافر مثل زنى المسلم في الحاجة إلى الزَّاجر فلذا يرجم.
٤ - وتأولوا حيدث (من أشرك بالله فليس بمحصن) بأن المراد به ليس على قاذف المشرك عقوبة كما تجب على قاذف المسلم العفيف.
٥ - وأجابوا على القياس على حد القذف، بأن حد القذف ثبت لرفع
стр. 623
العار كرامةً للمقذوف، والكافرُ لا يكون محلاً للكرامة ...
الترجيح: ولعلَّ ما ذهب إلأيه الشافعية أرجح لقوة أدلتهم حيث أن النبي ﷺ َ رجم الزانيين من اليهود فكان ذلك حجَّةً واضحة.
الحكم السادس: من الذي يتولى إقامة الحدود؟
الظاهر من قوله تعالى: ﴿فاجلدوا﴾ أنه خطاب موجه (لأولي الأمر) من الحكام لأن فيه مصلحة للمجتمع وذلك بدرء الفساد، واستصلاح العباد وكلُّ ما كان من قبيل المصلحة العامة، فإنما يكون تنفيذه على الإمام أو من ينيبه من القضاء أو الولاة أو غيرهم. وقد اتفق العلماء على أن الذي يقيم الحدود على الأحرار إنما هو الإمام أو نائبه أما الأرقاء (العبيد) فقد اختلفوا فيهم على مذهبين:
أ - مذهب (مالك والشافعي وأحمد) قالوا: يجوز للسيد أن يقيم الحد على بعده وأمته في الزنى والخمر والقذف وأما السرقة فإنه من حقّ الإمام.
ب - مذهب (الأحناف) : قالوا: إقامة الحدود كلها من حق الإمام، ولا يملك السيد أن يقيم حدّاً ما إلى بإذن الإمام.
تحجة الجمهور: احتج الجمهور بنصوص من السنة النبوية وبآثار عن الصحابة نلخصها فيما يلي: ١ - حديث أبي هريرة (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يُثَرّبْ ثمَّ إن زنت فليبعها ولو بحبل من شعر) .
قالوا: فقد أذن الرسول ﷺ َ للسيد بإقامة الحد على العبد، ومعنى لا يثرّب: أي لا يجاوز الحدّ في الجلد ولا يبالغ فيه.
٢ - حديث علي كرم الله وجهه (أقيموا الحدودَ على ما ملكتْ أيمانُكم مَنْ
стр. 624
أُحْصِن أوْ لم يحْصن) .
٣ - ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقام حداً على بعض إمائه فجعل يضرب رجليها وساقيها، فقال له ولده (سالم) فأين قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ ؟ فقال يا بنيّ: أتراني أشفقت عليها إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها.
قالوا: ولم يكن ابن عمر والياً ولا نائباً عن الوالي فدل على جواز إقامة الحد من جهة السيِّد.
حجة الأحناف:
١ - واحتج الأحناف بظاهر الآية الكريمة ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ وقالوا: إن الآية عامة في كل زان وزانية وهو خطاب مع الأئمة دون سائر الناس، والآية لم نفرق بين الأحرار والعبيد، فوجب أن تكون إقامة الحد على الأحرار وعلى العبيد للأئمة دون الناس.
٢ - وتأولوا الأحاديث التي استدل بها الجمهور بأن المراد بها أن يرفع الموالي أمر عبيدهم إلى الحكام ليجلدوهم ويقيموا عليهم الحد، ولا يسكتوا عنهم فيكون المراد من الحديث الشريف (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) إي بلغوا أمرهم للحكام ولا تخفوا عنهم ذلك ليقيموا عليهم حدود الله.
٣ - وقالوا: إن جلد ابن عمر بعض إمائه - إن صح - كان رأياً له لا يعارض العموم في الآية.
الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح سيما بعد أن وضَّحته
стр. 625
السنة النبوية وتعزّز بفعل بعض الصحابة الأخيار، والله أعلم.
الحكم السابع: ما هي صفة الجلد وكيفيته؟
استدل العلماء من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ على أنه لا يجوز تخفيف العقوبة على الزاني بإسقاطها وإنقاص العدد، أو تخفيف الضرب، فإن العقوبة ما شعرت إلا للزجر والتأديب.
قال القرطبي: والضرب الذي يجب تنفيذه، هو أن يكون مؤلماً لا يجرح، ولا يبضع، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، وقد أتى عمر ﵁ برجل في حد فقال: للضارب اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه، وأتي بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجلا لا تأخذه فيك هوادة، فبعثه إلى (مطيع بن الأسود) فقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر ﵁ وهو يضربه ضرباً شديداً فقال: قتلتَ الرجل كم ضربته؟ فقال: ستين فقال: اقصَّ عنه بعشرين. يريد بذلك أن يجعل شدة الضرب الذي ضربه قصاصاً بالعشرين التي بقيت ولا يضربه العشرين.
فينبغي أن يكون الضرب معتدلاً، لأن الغرض (الإيلام) لا سلخ الجلود وإزهاق الأرواح، وهذا كما مر في حديث ابن عمر حين جلد جاريته، واعترض عليه ولده فقال أين قول الله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ فقال يا بين (ورأيتني أخذتني بها رأفة) إن الله تعالى لم يأمرني أن اقتلها ولا أن أجعل جَلْدها في رأسها وقد أوجعت حيث ضربت.
هل الضرب في الحدود على السواء؟
وقد اختلف الفقهاء في الحدود أيها أشد؟
فقال الأحناف: ضربُ الزِّنى أشد من ضرب الخمر، وضربُ الشُرْب أشدُ من ضرب القذف، وأشدُّ الضربِ إنما هو في التعزير.
стр. 626
وقال المالكية والشافعية: الضرب في الحدود كلها سواء. ضربٌ غيرُ مبرّح، ضربٌ بين ضربين.
وقال الثوري: ضربُ الزنى أشدُّ من ضرب القذف، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر.
احتج (أبو حنيفة) بفعل عمر، حيث ضرب في التعزير ضرباً أشد منه في الزنى.
واحتج (مالك والشافعي) بأن الحدود موقوفة على الشاعر وليس فيها مجال للاجتهاد، ولم يرد عن المعصوم ﷺ َ شيء في التخفيف أو التثقيل فتكون الحدود سواء.
واحتج (الثوري) بأن الزنى لمّا كان أكثر في العدد، فلا بد أن يكون الجُرم فيه أعظم، والعقوبة أبلغ، بخلاف القذف والخمر.
ومذهب الثوري على ما عرفت قريب من مذهب الأحناف.
وقد انتصر (الجصاص) ﵀ للمذهب الأول فقال ما نصه:
قد دلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ على شدة ضرب الزاني، وأنه أشد من ضرب الشارب والقاذف لدلالة الآية على شدة الضرب فيه ولأن ضرب الشارب كان من النبي ﷺ َ بالجريد والنعال، وضربُ الزاني إنما يكون بالسوط وهذا يوجب أن يكون ضرب الزاني أشد من ضرب الشارب. وإنما جعلوا ضرب (القاذف) أخف الضرب لأن القاذف جائزٌ أن يكون صادقاً في قذفه وأنّ له شهوداً على ذلك، والشهودُ مندوبون إلى الستر على الزاني وإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن الشهادة وذلك يوجب تخفيف الضرب.
ومن جهة أخرى: فإنَّ القاذف قد غلظت عليه العقوبة في إبطال شهادته فغير جائز التغليظ عليه من جهة شدة الضرب.
стр. 627
وينبغي أن نعلم ان الحدود موقوفة على تقدير الشارع، فلا تجوز الزيادة فهيا ولا النقصان إلا إذا كان على وجه التعزير، فللحاكم أن يشدِّد في العقوبة.
قال العلامة القرطبي:
نصَّ الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على (ثمانين) جلدة من فعل عمر ﵁ في جمعٍ من الصحابة فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله، قال ابن العربي: وهذا لم يتتابع الناس في الشرّ، ولا احلَوْلَت لهم المعاصي حتى يتخذوها ضَراوة ويعطف الناس عليهم بالهَوادة فلا يتناهوا عن منكرٍ فعلوه فحيئذ تتعين الشدة ويزيد الحد لأجل زيادة الذنب، وقد أتي عمر بسكران في رمضان، فضربه مائةً، (ثمانين) حد الخمر، و (عشرين) لهتك حرمة الشهر، فهكذا يجب أن تتركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات، وقد لعبق رجلٌ بصبيٍّ، فضربه الوالي ثلاثمائة سوط فلم يغيّر ذلك (مالك) ﵀ حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات، والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر، وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة لمات كمداً ولم يجالس أحداً وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الحكم الثامن: ما هي الأعضاء التي تضرب في الحد؟
اتفق العلماء على أن الضرب في الحدود ينبغي أن يتقي به (الوجه، والعورة، والمقاتل) حتى حكى ابن عطية الإجماع على ذلك ولكن اختلفوا فيما عداها من الأعضاء.
قال ابن الجوزي في «زاد المسير» : (فأما ما يضرب من الأعضاء
стр. 628
فنقل عن الإمام أحمد في حد الزاني أنه قال يجرّد من الثياب ويعطي كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ورأسه وروي عنه أيضاً: لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير وهو قول أبي حنيفة وقال مالك: لا يضرب إلا في الظهر. وقال الشافعي: يتقي الفرج والوجه) .
قال القرطبي: واختلفوا في ضرب الرأس، فقال الجمهور: يتقي الرأس وقال (أبو يوسف) يضرب الرأس وضرب عمر ﵁ (صبيغاً) في رأسه وكان تعزيزاً لا حداً.
أما الوجه والعورة فمتفق على حرمة الضرب فيهما لقوله ﷺ َ: «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه» .
وروي عن علي ﵁ أنه أتى برجل سكران أو في حد، فقال: اضرب وأعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير ... وإنما يتقي الفرج لأنه مقتل - وجاء في بعض الروايات - أنه قال: (إجْتَنِبْ رأسه ومذكيره وأعطِ كل عضو حقه) . وقد استدل الجمهور على حرمة ضرب الرأس بما روي عن علي في الحديث السابق، وفيه النص على اجتناب الرأس، وقالوا: إن الرأس بما روي عن علي في الحديث السابق، وفيه النص على اجتناب الرأس، وقالوا: إن الرأس كالوجه سمنع من ضربه وربما أثر الضربُ فيه على السمع والبصر وربما حدث بسبب الضرب خلل في العقل، واستدل الشافعي وأبو يوسف على جواز ضرب الرأس بما روي عن أبي بكر ﵁ أنه أتي برجدل انتفى من ابنه، فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس. وبما روي عن عمر ﵁ أنه ضرب (صبيغ بن عسيل) على رأسه حين سأل عن (الذاريات ذروا) على وجه التعنت.
стр. 629
وأما مالك ﵀ فمذهبه أن الحدود كلها يجب أن تكون في الظهر وحجته في ذلك عمل السلف الصالح وقوله ﵇: لهلال بن أمية حين قذف امرأته (البينة أو حدّ في ظهرك) .
وينبغي أن يجرّد المجلود من الثياب ويضرب قائماً غير ممدود، إلا (حد القذف) فإنه يضرب وعليه ثيابه وينزع عنه الحشو والفرو، وأما المرأة فتترك عليها ثيابها وتضرب قاعدة ستراً عليها، والدلي ما روي في حديث رجم النبي ﷺ َ لليهوديين، وفيه يقول الراوي (ورأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة) .
. وهذا يدل على أن الرجل كان قائماً والمرأة قاعدة والله أعلم.
الحكم التاسع: تحريم الشفاعة في الحدود.
لا تجوز الشفاعة في الحدود لقوله ﷺ َ: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضادّ الله » ولأن الحدود إنما شرعت للزجر والتأنيب، والشفاعةُ تدفع هذا المعنى ولا تحققه وقد دلت الآية الكريمة على تحريم الشفاعة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ وقد تأولها السلف على أحد وجهين:
١ - المراد منها تخفيف الحد، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري.
٢ - المراد إسقاطُ الحد، وهو قول مجاهد والشعبي.
قال ابن العربي: وهو عندي محمول عليهما جميعاً، فلا يجوز أن يحمل أحداً رأفة على زان بأن يُسْقط الحد أو يخفَّفه عنه.
стр. 630
ولما كانت الشفاعة تحول دون تنفيذ الحد كانت محرمة.
ومما يدل على تحريم الشفاعة في (الحدود) ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَنْ يكلِّم فيها رسول الله ﷺ َ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسول الله ﷺ َ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ َ: أتشفع في حد من حدود الله تعالى ثم قام فاختطب ثم قال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
وكما تحرم الشفاعة في الحدود يحرم على الإمام قبولها فقد روي أن (الزبير بن العوام) لقي رجلاً قد أخذ سارقاً يريد أن يهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله فقال: ل، حتى أبلغ به إلى السلطان فقال الزبير: إنما الشفاعة قبل أن تبلغ إلى السلطان فإذا بلغ السلطان لُعِنَ الشافعُ والمشفَّع) رواه البخاري.
الحكم العاشر: حضور الحد وشهوده.
ظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ يقتضي وجوب حضور جمع من المؤمنين عند إقامة الحد والمقصود من حضورهم (حدَّ الزانيين) التنكيلُ، والعبرةُ، والعظة. وقد أختلف العلماء في هذه الطائفة على أقوال:
أ - الطائفة: رجل واحد فما فوقه وهو قول مجاهد.
ب - الطائفة: اثنان فأكثر وهو قول عكرمة وعطاء وبه أخذ المالكية.
ج - الطائفة: ثلاثة فأكثر لأنه أقل الجمع وهو قول الزهري.
د - الطائفة: أربعة فأكثر بعدد شهود الزنى وهو قول ابن عباس
стр. 631
رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وبه أخذ الشافعية وهو الصحيح.
قال الزمخشري في «الكشاف» بعد سرده الأقوال:
(والصحيح أن هذه الكبيرة من أمهات الكبائر ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى:
﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلَاّ بالحق وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] وفي قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] ولذلك وفّى الله في عقد المائة بكماله، وشرع فيه القَتْلَة الهُوْلة وهي الرجم ونهى المؤمنين عن الرأفة بالمجلود وأمر بشهادة الطائفة للتشهير فوجب أن يكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح والفاسق بين صلحاء قومه أخجل ويسهد له قول ابن عباس ﵄: أربعة إلىأربعين رجلاً من المصدِّقين بالله) .
الحكم الحادي عشر: ما هو حكم اللواط، والسحاق، وإتيان البهائم؟!
جريمة اللواط من أشنع الجرائم وأقبحها، وهي تدل على انحراف في الفطرة، وفساد في العقل، وشذوذ في النفس ومعنى (اللواط) أن ينكح الرجلُ الرجلَ، ويأتيَ الذكرُ الذكرَ، كما قال تعالى عن قوم لوط ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] ؟ - وسميت باللواط نسبة إلى قوم (لوط) الذين ظهرت فيهم هذه الفعلة الشنيعة، وقد عاقبهم الله تعالى عليها بأقسى عقوبة، فخسب الأرض بهم، وأمطر عليهم حجار من سجيل جزاء فَعْلتهم القذرة ... وجعل ذلك قرآناً يتلى، ليقي عبرةً للأمم والأجيال ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ
стр. 632
وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣] .
قال الشوكاني ﵀: (وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ويعذب تعذيباً يكسِرُ شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يَصْلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشبهاً لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بِكْرَهُم وثيبّهم) .
رأي الفقهاء في حكم اللواط:
وهذه الجريمة النكراء غاية في القبح والشناعة، تعافها حتى الحيوانات فلا نكاد نجد حيواناً من الذكور ينزو على ذكر، وإنما يظهر هذا الشذوذ بين البشر، ومن أجل ذلك نستطيع أن نقول إنَّ هذا النوع من الشذوذ (لوثة أخلاقية) ، ومرض نفسي خطير وهو انحراف بالفطرة تستوجب أخذ مقترفها بالشدة، وقد اختلف الفقهاء في تقدير العقوبة اللازمة لها على ثلاثة مذاهب:
أولاً: مذهب القائلين بالقتل مطلقاً.
ثانياً: مذهب القائلين بأن حده كحد الزنى.
ثالثاً: مذهب القائلين بالتعزير.
المذهب الأول:
أما المذهب الأول فهو مذهب (مالك وأحمد) وقول (للشافعي) وقد ذهبوا إلى أنّ حدّه القتل، سواء كان بكراً أم ثيباً، فاعلاً أو مفعولاً به، وهذا القول مروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس رضوان الله عليهم
стр. 633
أجمعين وإليه ذهبت طائفة من العلماء، ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أن الحد في اللواط القتل.
واستدلوا بما يأتي:
أ - حديث (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) .
ب - ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه رجم من عمل هذا العمل - أي ارتكب اللواطة - قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم من يعمل هذا العمل محصناً كان أو غير محصن.
ج - واستدلوا أيضاً بما روي عن أبي بكر أنه جمع أصحاب رسول الله ﷺ َ فسألهم عن رجل يُنْكح كما تنكح النساء فكان أشدهم يومئذ قولاً (علي بن أبي طالب) قال: (هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم، إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار) فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار.
كيفية القتل:
ثم إن هؤلاء القائلين بالقتل قد اختلفوا في كيفية القتل على أقوال:
أحدها: تحزّ رقبته كالمرتد، وهو مروي عن (أبي بكر وعلي) .
ثانيها: يرجم بالحجارة، وهو مروي عن ابن عباس وبه قال (مالك وأحمد) .
стр. 634
ثالثها: يلقى من أعلى شاهق، وهو مشهور مذهب مالك.
رابعها: يهدم عليه جدار، وهو مروي عن أبي بكر الصديق. وإنما ذكروا هذه الوجوه لأن الله تعالى عذَّب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] ولك العقاب إنما استحقوه بسبب عظم الجريمة.
المذهب الثاني:
وذهب (الشافعية) إلى أن اللواط حده كحد الزنى، يجلد البكر، ويرجم المحصن، وهذا المذهب مروي عن بعض التابعين كعطاء، وقتادة والنخعي وسعيد بن المسيب وغيرهم.
وقد استدلوا على مذهبهم بالنص، والمعقول، والقياس.
أ - أما النص فما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ َ قال: «إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان» .
فقد دل الحديث على أن حكمه كحكم الزنى.
ب - وأما المعقول فقد قالوا: إن الزنى عبارة عن إيلاج فرج في فرج، مشتهى طبعاً محرم شرعاً. والدبر أيضاً فرج لأن القبل إنما سمي فرجاً لما فيه من الانفراج وهذا المعنى حاصل في الدّبر فيكون مثله في الحكم.
ج - وأما القياس فقد قالوا: إن الأدلة الواردة في (الزانيْين) وإن لم تشملهما أيضاً لكنهما لاحقان بالزنى بطريق القياس، فقضاءُ الشهوة كما يكون في القبل يكون في الدبر بجامع الاشتهاء فيهما، وهو قبيح فيناسبه الزجر والحد يصلح زاجراً له.
стр. 635
المذهب الثالث:
وذهب الأئمة الأحناف إلى أن (اللواط) جريمة عظيمة وشنيعة ولكنه ليس كالزنى، فلا يكون حدُّه حدّ الزنى، وإنما فيه التعزير، واستدلوا بما يأتي:
أ - قالوا: الزنى غير اللواط من حيث اللغة فإن الزنى اسم لوطء الرجل المرأة في القبل، واللواطُ: اسم لوطء الرجل الرجل، ألا ترى أن القرآن فرَّق بينهما حيث قال عن قوم لوط
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مِّن دُونِ النسآء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] وقال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] فنسبهم إلى الجهل والعدوان ولم ينسبهم إلى الزنى.
ب - قالوا والعرف أيضاً يعارض هذا وينقضه فالذي يأتي الفاحشة بالنساء يسمى (زانياً) والذي يأتي الفاحشة بالذكور يسمى (لوطياً) وقد تعارف الناس هذا منذ القديم، ألا ترى لو حلف لا يزني فلاط وبالعكس لم يحنث.
ج - وقالوا أيضاً - كيف يكون (اللواط) زنى وقد اختلف الصحابة في حكمه وهم أعلم باللغة وموارد اللسان ولو كان زنى لأغناهم نص الكتاب عن الاختلاف والاجتهاد.
د - وقالوا أيضاً: إن قياسه على الزنى ليس بسديد، لأن الزنى يدعو إليه الطبع وتشتهيه النفس، بخلاف اللواط فإنه تأباه الطباع حتى الحيوانات تعافه فكيف يكون مشتهى مع أنه تقذره النفوس ولا تميل إليه الطباع السليمة. ولو سلمنا أن الطبع يدعو إلى اللواط، فإن الزنى أعظم ضرراً وأسوء خطراً لما يترتب عليه من (فساد الأنساب) فكان الاحتياج فيه إلى الزاجر أشد وأقوى.
هـ - واستدلوا بما ورد عن النبي ﷺ َ من قوله «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس
следующие страницы →