← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] . الآية. قال القرطبي: بعد أن ذكر القصة: فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً فأداها، وقتل بحنين في الحرب. ثانياً: وروى مسلم في «صحيحه» عن جابر بن عبد الله أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها (مُسَيْكة) وأخرى يقال لها (أمَيْمة) وكان يريدهما على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ َ فأنزل الله ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغآء﴾ الآية. وروي أن عبد الله بن أبيّ بن سلول كان يكرههما على الزنى ويضربهما فقالت إحداهما: إن كان خيراً فقد استكثرنا منه، وإن كان شراً فقد آن لنا أن ندعه فنزلت الآية. ثالثاً: وروى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: (كانوا يأمرون ولائدهم يباغين يفعلن ذلك فيصبن فيأتينهم بكسبهن فكانت لعبد الله بن أبيّ سلول جارية فكانت تباغي فكرهت وحلفت ألا تفعله فأكرهها أهلها فانطلقت فباغت ببرد أخضر فأتتهم به فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغآء ... ﴾ الآية. وقال مقاتل: إنها نزلت في ست جوار كنّ لعبد الله بن أبيّ (معاذة، ومسيكة، وأميمة، وقتيلة، وعمرة، وأروي) فكان يأمرهن بالزنى ليستدرّ من ورائهن المال. فنزلت الآية الكريمة، وكل الروايات ذكرت أن الذي كان يكرههنَّ هو عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين.

стр. 772

وجه الارتباط بالآيات السابقة في الآيات السابقة حذر الله جل ثناؤه من مقارفة الفواحش وارتكاب الموبقات فنهى عن الزنى ودواعيه القريبة والبعيدة، من النظر إلى النساء، والاختلاط بهن، وكشف العورات، وإبداء الزينة، ودخول البيوت بغير استئذان. وغير ذلك مما يدعو إلى الفساد وضياع الأخلاق والوقوع في المهالك، وفي هذه الآيات الكريمة رغب المولى جل وعلا في النكاح وأمر بالإعانة عليه وتسهيل سبله، لأن النكاح من خير ما يحقق العفة، ويعصم المؤمن من الزنى، ويبعده عن آثامه وهو الطريق الوحيد لبقاء النوع الإنساني. وبناء المجتمع الفاضل ولهذا وردت هذه الآيات الكريمة تحثُّ على إعفاف الشباب والفتيات عن طريق الزواج. وتدعو إلى تذليل كل العقبات التي تعترض طريق الزواج سواء كانت هذه العقباتُ مالية، أو غير مالية. وهذا وجه الارتباط بين الآيات الكريمة. والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قال تعالى: ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ فيه إشارة إلى قيمة التقى والصلاح في الإنسان. فلا يكرم الإنسان لماله أو جاهه، وإنما يُكرَّم لدينه وصلاحه كما قال تعالى: ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾

стр. 773

في هذه الآية وعد من الله بإغناء من سلك طريق الزواج وقصد إعفاف نفسه به. وقد نقل عن عدد من الصحابة أنهم فهموا ذلك حتى قال أبو بكر: (أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، يُنْجزْ لكم ما وعدكم من الغنى) وعن عمر وابن عباس: (التمسوا الرزق بالنكاح) . فإن قيل: فنحن نرى كثيراً من الفقراء يتزوجون ويستمر فقرهم ولا يستغنون ونرى من كان غنياً فيتزوج يصبح فقيراً؟ فالجواب: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ [التوبة: ٢٨] ومما يدل على إضماره أن الله تعالى ختم الآية بقوله: ﴿والله واسع عَلِيمٌ﴾ ولم يقل (واسع كريم) وهذا يفيد أنه تعالى يعلم مصلحة عباده فيبسط لمن يشاء ويقدر لمن يشاء، حسب الحكمة والمصلحة. وقد ورد (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله) وحكمة هذا الربط بين (الغنى والنكاح) أنه قد يخيل إلى بعض الناس أن الأولاد والذرية سبب الفقر حتماً وأن عدمهم سبب لكثرة المال جزماً، فأريد قلع هذا الخيال من الأوهام، بأن الله قادر على إغناء العبد مع كثرة عياله، وإفقاره ولو كان عزباً في داره، ولا أثر للزواج في فقر الإنسان ولا للغزوبة في غناه فالله هو الرازق ذو القوة المتين وصدق الله ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] . اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ في الآية دعوة للشباب الذين لا يتيسر لهم أمر الزواج بإعفاف النفس حتى يهيئ الله لهم أسبابه فهو على سبيل (المجاز) أو تقدير مضاف أي لا يجدون أسباب النكاح أو استطاعة النكاح أو المراد بالنكاح: ما ينكح به من المال. قال الشهاب: فإن (فِعَالاً) يكون صفة بمعنى مفعول، ككتاب بمعنى مكتوب، واسم آلة كركاب لما يركب به، وهو كثير كما نص عليه أهل اللغة. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله﴾ فيه إشارة لطيفة

стр. 774

إلى أن المال الذي في أيدي الأغنياء إنما هو وديعة عندهم، استخلفهم الله عليها ليحسنو التصرف فيها ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فالمالك الحقيقي هو الله رب العالمين، وليس الغني مالكاً للمال حقيقة وإنما هو مؤتمن عليه وهو وديعة بين يديه. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ جملة معترضة فائدتها (التشنيع والتقبيح) على السادة في ارتكاب هذه الرذيلة والإكراه عليها، فالأصل في الأمة المملوكة أن يحصنها سيدها إذا مالت نحو الفجور، أما أن يدعوها إلى عمل الفاحشة وتأبى وتمتنع وتريد العفة، فذلك منتهى الخسة والدناءة منه. فالأمة في هذه الحالة خير من السيِّد، لأنها آثرت التحصن على الفاحشة وهي أشرف من السيّد وأطهر. قال أبو السعود: فإن من له أدنى مرؤءة لا يكاد يرضى من يحويه حرمه من إمائه فضلاً عن أمرها به أو إكراهها عليه لا سيما عند إرادة التعفف فليس هو إذاً «للقيد أو الشرط» وإنما هو لبيان فظاعة الأمر وشناعته فتدبره فإنه دقيق. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياوة الدنيا﴾ هذا التعليل فيه إشارة إلى تفاهة وحقارة ما صنعوا، فإن أقدس وأشرف ما يملكه الإنسان هو (العرض والشرف) فهم يقدمون هذا الشيء (النفيس) مقابل النزر (الخسيس) فيا لها من خسة ونذالة. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إكراههن غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ المغفرة والرحمة مخصصة بالمكرَهات من الإماء وأما المُكْرهُون فعليهم اللعنة والسخط، وقد كان الحسن البصري إذا قرأ هذه الآية يقول: لهنَّ والله، أي إن الله غفور لهن، لا لأولئك المجرمين الذين أكرهوا النساء على البغاء.

стр. 775

ففي الآية (مجاز بالحذف) أي غفور لهن رحيم بهن. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: (من بعد إكراههن) أي لأنهن مكرهات لا إرادة لهن ولا اختيار فقد رفع الله عنهن العذاب وبقي الإثم على المكره وما قاله بعض المفسرين: إن المغفرة والرحمة للمكرِهين إنْ تابوا وأصلحوا فإنه ضعيف يأباه السياق. قال أبو السعود: وفي تخصيص المغفرة والرحمة بهن وتعيين مدارهما دلالة بينة على كونهم محرومين منهما بالكلية كأنه قيل: لهنَّ (لا للمكِرهين) فتجويز تعلقهما بهم بشرط التوبة ستقلالاً، أو معهن إخلالٌ بجزالة النظم الجليل، وتهوين لأمر النهي في مقام التهويل. الأحكام الشرعية الحكم الأول: من المخاطب في الآية الكريمة؟ ذهب بعض العلماء إلى أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى﴾ عام لجميع الأمَّة أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من الرجال الأحرار والنساء الحرائر. . وقال بعضهم إن الخطاب (للأولياء والسادة) فقط أي لأولياء الأحرار، كالآباء وغيرهم ممن يتولون شؤون غيرهم، ولسادات العبيد والإماء الذين يملكونهم ملك اليمين. وقال آخرون: إنه للأزواج لأنهم هم المأمورون بالنكاح. قال القرطبي: والخطاب للأولياء وقيل للأزواج والصحيح الأول؛ إذ لو أراد الأزواج لقال (وانكحوا) بغير همز، وكانت الألف للوصل. والذي نختاره هو أن الأمر موجه إلى جميع الأمة، وأنَّ عليهم أن يسهلوا أسباب

стр. 776

الزواج، ويسعوا سعياً حثيثاً لتزويج الشباب، وإزالة العوائق والعقبات من الطريق لأن الزواج هو طريق الإحصان والعفة، فالخطاب إذاً للجميع ... وليس المراد بالتزويج في الآية هو أجراء (عقد الزواج) لأن لفظ الأيامى يشمل كل من لا زوج له من الرجال والنساء، صغاراً كانوا أو كباراً، كما تقدم. ومن المعلوم أن الرجل الكبير لا ولاية لأحد عليه فالوجه ما قلنا إن الخطاب موجه للأمة، وإن المراد بالتزويج هو الإعانة والمساعدة على النكاح وتسهيل أسبابه، وقد قال ﵇ «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» . الحكم الثاني: هل الزواج واجب أو مستحب؟ اختلف الفقهاء في حكم الزواج على مذاهب نبينها فيما يلي: أ - مذهب الظاهرية: أن الزواج واجب، ويأثم الإنسان بتركه. ب - مذهب الشافعية: أن الزواج مباح ولا إثم بتركه. ج - مذهب الجمهور (المالكية والأحناف والحنابلة) : أن الزواج مستحب ومندوب وليس بواجب. دليل الظاهرية: استدل أهل الظاهر بأن الصيغة وردت بلفظ الأمر (وانكحوا) والأمر للوجوب فيكون النكاح واجباً، وبأن الزواج طريق لإعفاف النفس عن الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيأثم تاركه. دليل الجمهور: واستدل الجمهور من علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن الزواج ليس بواجب وأنه مندوب بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أ - لو كان الزواج واجباً لكان النقل عن النبي ﷺ َ وعن السلف شائعاً مستفيضاً لعموم الحاجة إليه، ولما بقي أحد لم يتزوج في عهد الرسول ﷺ َ أو عهد الصحابة، فلما وجدنا في عصره ﵇ وسائر الأعصار بعده

стр. 777

(أيامى) من الرجال والنساء لم يتزوجوا ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ َ ذلك دل على أنه ليس بواجب. ب - لو كان الزواج واجباً لكان للولي إجبار الثيب على الزواج مع أن الإخبار غير جائز شرعاً لقوله ﵇: «ولا تُنْكَح الثيب حتى تستأمر» أي تأمر وترضى بالزواج. ج - قال الجصاص: (ومما يدل على أنه على الندب اتفاق الجميع على أنه لا يجبر السيد على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على (الأيامى) فدل على أنه مندوب في الجميع) . د - قوله ﵇: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي وإن من سنتي النكاح» . هـ - قوله ﵇: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» . دليل الشافعي: واستدل الإمام الشافعي على أن النكاح مباح بانه قضاء لذة ونيل شهوة فكان مباحاً كالأكل والشرب. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أنّ الزواج مندوب للحديث الصحيح: «من رغب عن سنتي فليس مني» . واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو في الحالات العادية التي يأمن فيها الإنسان على نفسه من اقتراف المحارم، أما إذا خشي على نفسه الوقوع في الزنى، فإنه لا خلاف في أن النكاح يصبح عليه (واجباً) لأن صيانة النفس وإعفافها عن

стр. 778

الحرام واجب فيتعين عليه الزواج. قال القرطبي: قال علماؤنا: يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت (الزنى) ، ومن عدم صبره، ومن قوته على الصبر، وزوال خشية العنت عنه. وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا فالنكاح حتم ومن تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطَّوْل فالمستحب له أن يتزوج. وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم لأن الصوم له وِجاءٌ كما جاء في الخبر الصحيح. الحكم الثالث: هل يجوز للولي إجبار البكر البالغة على الزواج؟ استدل الشافعية من قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ على أن للولي إجبار البكر البالغة على الزواج بدون رضاها لعموم الآية، ولولا قيام الدلالة على أنه لا تُزَوَّج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً بغير رضاها. قال الجصاص: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى﴾ لا يختص بالنساء دون الرجال، فلما كان اللفظ شاملاً للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم، فوجب استعمال ذلك الضمير في النساء، وقد أمر النبي ﷺ َ باستئمار البكر وقال «وإذنها صُمَاتها» فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها. وأيضاً حديث ابن عباس في فتاة بكر زوَّجها أبوها بغير أمرها فاختصموا إلى النبي ﷺ َ فقال النبي ﷺ َ «أجيزي ما فعل أبوك» وهو يدل على وجوب الاستئذان. الحكم الرابع: هل يجوز للمرأة أن تتولى عقد الزواج بنفسها؟ استدل فقهاء الشافعية والحنابلة على أن المرأة لا تلي عقد النكاح وإلى أن

стр. 779

النكاح لا ينعقد بعبارتها لقوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ووجه الاحتجاج بالآيتين أن الله تعالى خاطب الرجال بالنكاح ولم يخاطب به النساء، ولأنه لو جاز لها أن تتولى النكاح بنفسها لفوَّتت على وليها حق الولاية عليها، ولأن الزواج له مقاصد متعددة والمرأة كثيراً ما تخضع لحكم العاطفة فلا تحسن الاختيار، فجعل الأمر إلى وليها لتتحقق مقاصد الزواج على الوجه الأكمل. أقول: هذا الذي ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الرأي الصحيح الراجح الذي عليه أكثر أهل العلم، ولكنك قد علمت أن الأولى في الآية الكريمة حمل الخطاب على أنه للناس جميعاً لا للأولياء فقط، بمعنى أن الله تعالى يندب المؤمنين إلى المساعدة في النكاح والإعانة عليه، وأن على المسلمين عامة أن يهتم بعضهم ببعض حتى لا يبقى في مجتمعهم رجل ولا امرأة بدون زواج وعلى هذا فحكم مباشرة عقد الزواج، لا يؤخذ من الآية وإنما يؤخذ من أدلة أخرى من السنة المطهرة مثل قوله ﷺ َ: «لا نكاح إلا بولي» وقوله ﷺ َ: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» . قال الألوسي: والذي أميل إليه أن الأمر لمطلق الطلب وإن المراد من الإنكاح: المعاونة والتوسط، وتوقّفُ صحة النكاح في بعض الصور على الولي يُعلم من دليل آخر. الحكم الخامس: هل يجوز للحر التزوج بالأمة؟ استدل بعض الحنفية بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ على أنّ الحر يجوز له التزوج بالأمة مطلقاً ولو كان مستطيعاً طَوْل الحرة أخذاً بالعموم في الآية الكريمة ... وذهب الشافعية إلى أن هذا العموم غير مراد

стр. 780

بدليل آية النساء التي قيدت ذلك بعدم الاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] الآية فهذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام، فلا يجوز لمن وجدَ طول الحرة أن يتزوج أمة. والأدلةُ بالتفصيل يُرْجَع إليها في سورة النساء وليس هذا محل ذكرها فافهم ذاك رعاك الله. الحكم السادس: هل للسيد إجبار عبده أو أمته على الزواج؟ استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ على أن للسيد أن يزوج عبده وأمته بدون رضاهما لأن الآية جعلت للسيد حق تزويج كل منهما ولم تشترط رضاهما، وكذلك أخذوا من الآية أنه لا يجوز للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن السيد. والعلّةُ في ذلك أنه لو جاز لهما الزواج بغير إذنه لفوّتا عليه استعمال حقه، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ َ: «أيما عبدٍ تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر» . قال العلامة القرطبي: (أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح وهو قول (مالك وأبي حنيفة) وغيرهما وروي نحوه عن الشافعي: أنه ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح، وقال النخعي كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب. تمسك أصحاب الشافعي فقالوا: العبد مكلف فلا يجبر على النكاح لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية وإنما تتعلق به المملوكية من جهة الرقبة والمنفعة ولعلمائنا: أنَّ مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع والنكاح إنما هو من المصالح، ومصلحةُ العبد موكولة إلى السيد) .

стр. 781

الحكم السابع: هل يفرق بين الزوجين بسبب الإعسار؟ استدل بعض العلماء بالآية الكريمة ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ على أن النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة، لأنه تعالى لم يجعل الفقر مانعاً من الإنكاح، بل حث على تزويج الفقراء، ووعدهم بالغنى، فإذا كان الفقر ليس مانعاً من ابتداء النكاح، فإنه لا يكون مانعاً من استدامته من باب أولى. قال النقاش: هذه الآية حجة على من قال: إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيراً لا يقدر على النفقة لأن الله تعالى قال: ﴿يُغْنِهِمُ الله﴾ ولم يقل يفرق. قال القرطبي: وهذا انتزاع ضعيف وليست هذه الآية حكماً فيمن عجز عن النفقة، وإنما هو وعد بالإغناء لمن تزوج فقيراً، فأما من تزوج موسراً وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ونفحات الله مأمولة في كل حال. . وهذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقول: كيف أتزوج وليس لي مال؟ فإن رزقه على الله وقد زوج النبي ﷺ َ المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار لأنها دخلت عليه، وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسراً، أو طرأ الإعسار بعدذلك لأن الجوع لا صبر عليه. أقول: إن غاية ما تفيده الآية الكريمة أنه يندب لأهل الزوجة ألا يردّوا خاطباً فإذا خطب ابنتهم شاب صالح، حسن السيرة والأخلاق فعليهم ألا يرفضوه لمجرد فقره، فإن المال غاد ورائح، وفي فضل الله ما يغني الجميع. وعلى الشاب نفسه ألا يرجئ أمر زواجه انتظاراً للمزيد من الغنى واليسر

стр. 782

بل عليه أن يُقْدم على الزواج متوكلاً على الله ولو كان كسبه قليلاً، فإن الزواج كثيراً ما يكون السبب في إصلاح حال الإنسان، بسبب ما يبذله من جهد في سبيل الكسب بعد الزواج. والله قد وعد بالعون من أراد أن يُعفَّ نفسه على الحرام ففي الحديث الصحيح «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» . وليس في الآية ما يدل على فسخ النكاح بالإعسار أو عدم فسخه والله تعالى أعلم. الحكم الثامن: ما هو حكم نكاح المتعة؟ استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ على بطلان انكاح المتعة، لأنه لو كان صحيحاً لم يتعين الاستعفاف سبيلاً للتائق العاجز عن أسباب النكاح. ولم تجعل الآية سبيلاً لمث لهذه الحالة إلا (الاستعفاف) يعني الصبر علىترك الزواج حتى يغنيه الله من فضله ويرزقه ما يتزوج به، فالأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه من الوجوه ولو كان (نكاح متعة) صحيحاً لأمر الله تعالى به. وهو استدلال دقيق فتدبره. الحكم التاسع: هل تجب مكاتبة العبد؟ معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجّماً عليه فإذا أداه فهو حر لوجه الله تعالى وللمكاتبة حالتان: أ - أن يطلبها العبد ويجيبه السيد عليها وهذا الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿والذين يَبْتَغُونَ الكتاب﴾ . ب - أن يطلبها العبد ويأباها السيد وهذا الذي اختلف فيه الفقهاء على مذهبين:

стр. 783

١ - مذهب الظاهرية: قالوا يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك. ٢ - مذهب جمهور الفقهاء: قالوا: لا يجب على السيد أن يكاتب مملوكه بل يندب له المكاتبة. أدلة الظاهرية: استدل أهل الظاهر على وجوب المكاتبة بالآية والأثر. أ - أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ فإنه أمر وظاهر الأمر للإيجاب، وقالوا: مما يدل عليه أيضاً سبب النزول فقد نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له (صبيح) وقد تقدم. ب - وأما الأثر فهو ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سألني (سيرين) المكاتبة فأبيت عليه، فأتى (عمر بن الخطاب) فأخبره فأقبل عليَّ بالدرّة وتلا قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ فكاتبه أنس. قال داود الظاهري: وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس لو لم تكن الكتابة واجبة. وهذا المذاهب منقول عن بعض التابعين كعطاء، وعكرمة، ومسروق، والضحاك بن مزاحم. أدلة الجمهور: واستدل جمهور الفقهاء (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة) على أنه مندوب بما يأتي: أ - إن الله قيَّد المكاتبة بشرط علم الخير فيه فقال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ . فعلّق الوجوب على أمر باطن، وهو علم السيد بالخيرية، فإذا قال العبد: كاتبنْي، وقال له السيد: لم أعلم فيك خيراً كان القول للسيد فدلّ على عدم وجوبه. ب - حديث «لا يحل مال امرئٍ مسلم إلاّ بطيبٍ من نفسه» والعبدُ مالٌ فلا يجوز إلاّ برضى السيد.

стр. 784

ج - وتمسّكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبدُ سيده أن يبيعه من غيره، لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه فكذا الكتابة لأنها معاوضة. قال الجصاص: فإن قيل: لو لم يكن يراها واجبة لما رفع لعيه الدِرّة ولم يضربه؟ قلنا: لأن عمر ﵁ كان كالوالد المشفق على الرعية، فكان يأمرهم بما لهم فيه الأفضل في الدين، وإن لم يكن واجباً، على وجه التأديب والمصلحة! والصحيح ما قاله الجمهور إن الأمر للندب والاستحباب، لا للوجوب والله أعلم. الحكم التاسع: من هم المخاطبون بإيتاء المال؟ وما مقداره؟ اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾ من هم المخاطبون به؟ على قولين. أحدهما: أنه خطاب للأغنياؤ الذين تجب عليهم الزكاة، أُمروا أن يُعْطوا المكاتبين من سهم (الرقاب) وقد روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون، أي المراد أن يدفعوا لهم من مال الزكاة. والثاني: أنه خطاب للسادة أمروا أن يُعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئاً. ولعلّ هذا أصح لأن سياق الآية يدل على ذلك حيث أمر السادة بطريق (الندب والاستحباب) أن يكاتبوا عبيدهم، وأمروا أيضاً أن يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة عوناً لهم على فكاك أنفسهم من ربقة العبودية. قال القرطبي: هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة، إمَّا بأن يعطوهم شيئاً مما في أيديهم أعني (أيدي السادة) أو يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة.

стр. 785

وقد اختلف الفقهاء في حكم الإيتاء هل هو واجب؟ وفي مقداره؟ على مذهبين: ١ - مذهب (الشافعية والحنابلة) : أنه واجب وقدّره أحمد بربع بمال الكتابة ... وقال الشافعي: ليس محدوداً ويكفي في أقل شيء يقع عليه اسم المال. ٢ - مذهب (المالكية والأحناف) : أنه ليس بواجب وأنّ هذا الأمر على الندب. حجة الشافعية والحنابلة: أ - ظاهر قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله﴾ والأمر للوجوب. ب - واستدلوا بما روي أن عمر بن الخطاب كاتب غلاماً يقال له (أبو أمية) فجاءه بنجمةِ حين حلّ فقال: اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك، قال: يا أمير المؤمنين: لو أخّرته حتى يكون في آخر النجوم؟ فقال: يا أبا أمية: إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾ . قال عكرمة: وكان ذلك أول نجمٍ أُدّي في الإسلام. حجة المالكية والحنفية: ١ - احتج المالكية والحنفية بأن الأمر في الكتابة للندب فكيف يكون الأمر بالإيتاء للوجوب؟ وقالوا: قد جاء في الآية أمرانِ (فكاتبوهم) و (آتوهم) فإمّا أن يكونا للوجوب، أو للندب. قال ابن العربي: ولو أن الشافعي حين قال: إن الإيتاء واجب يقول: إنّ الكتابة واجبة لكان تركيباً حسناً ولكنه قال: إنّ الكتابة لا تلزم، والإيتاء يجب فجعل الأصل غير واجب. والفرع واجباً. وهذا لا نظير له فصارت دعوى محضة. ب - واستدلوا من السنة بحديث «أيما عبدٍ كاتبَ على مائةِ أوقيةٍ فأدّاها إلا عشر أواق فهو عبد» فلو كان الحطّ واجباً لسقط عنه بقدَره.

стр. 786

واستدلوا كذلك بحديث عائشة حين جاءتها (بريرة) تستعينها على أداء كتابتها فقالت لها عائشة: إنْ أحبّ أهلك أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فأبوا، فذكرتْ ذلك للرسول ﷺ َ فقال لها ﵇: «إبتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق» قالوا: فلم ينكر عليها الرسول ولم يقل إنها تستحق أن يحطّ عنها من كتابتها أو يعطيها المولى شيئاً من ماله. الحكم العاشر: ما هو الإكراه وهل يرتفع به الحد عن الرجل والمرأة؟ أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغآء ... ﴾ إلى أنّ الإكراه يسقط التكليف عن الإنسان، وبالتالي يبقى العبد غير مؤاخذ، ويصبح الإثم على المُكْرِه. والإكراه إنما يحصل متى وجد التخويف بما يقتضي تلف النفس كالتهديد بالقتل، أو بما يوجب تلف عضو من الأعضاء، واما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة. فحال الإكراه على الزنى كحال الإكراه على (كلمة الكفر) ، وقد قال الله تعالى فيه ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] وقد ذكر بعض المفسرين أنّ الله تعالى إنما ذكر إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصوّر الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يُتصور إكراه وقال بعضهم: خرج مخرج الأغلب إذ الغالب أن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن. والصحيح ما ذكرناه سابقاً أنّ المقصود به (التقبيح والتشنيع) على هذا المنكر الفظيع الذي كان يعمله أهل الجاهلية، حيث كانوا يُكْرهو الفتيات على البغاء مع إرادتهن للتعفف. واختلف العلماء فيمن أكره على الزنى من الرجال هل يرتفع عنه الحد كما يرتفع عن المرأة؟ فذهب الجمهور: إلى أنّ الإكراه يرفع الحد عن الرجل والمرأة كما يرفع

стр. 787

الإثم للآية الكريمة، فإن حكم الرجل كحكم المرأة، ولقوله ﵇ «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكرهوا عليه» . وذهب (أبو حنيفة) إلى أنّ الرجل إذا أكره على الزنى فإنه يحد إلا إذا أكرهه سلطان وأما المرأة فلا حدّ عليها، وحجّتُه في ذلك أنّ الإكراه ينافي الرضى، وما وقع عن طوع ورضى فغير مكره عليه. ومعلوم أن حال الإكراه هي حال خوف وتلفٍ على النفس، والانتشارُ والشهوةُ ينافيهما الخوفُ والوجل. فلمّا وجد منه الانتشار والشهوة في هذه الحال عُلِمَ أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرهاً خائفاً لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة وفي ذلك دليل على ان فعله ذلك لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد. طريقة الزنى في الجاهلية: والبغاء الذي كان منتشراً في الجاهلية كان على نوعين: الأول: البغاء في صورة النكاح. الثاني: البغاء العام في الإماء والحرائر. أما الأول: فكانت تحترفه بعض الإماء اللواتي لم يكن لهن من يكفلهن، أو الحرائر اللواتي لم يكن لهن بيت أو أسرة تضمهن، فكانت إحداهن تجلس في بيت، وتتفق في آن واحد مع عدة رجال، على أن ينفقوا عليها ويقوموا أمرها ويقضوا منها حاجتهم. فإذا حملت ووضعت أرسل إليهم حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد وَلَدْتُ وهو ابنُك يا فلان، فتسمي من أحبّت باسمه، فيلتحق نسبه به. فهذا نوع من البغاء كان يتناكح به أهل الجاهلية وهو البغاء في صورة النكاح.

стр. 788

وأما البغاء العام: فكان معظمه بواسطة الإماء وربما وقع من بعض الحرائر أيضاً وهو أيضاً على وجهين: الأول: أن بعض السادة كانوا يفرضون على إمائهم مبلغاً كبيراً من المال يتقاضونه منهن في كل شهر، فكنّ يكسبْن بالفجور، لأنه لا يمكنهن أن يدفعن ما فرضه عليهن سادتهن بحرفة طاهرة فكنَّ يحترفن البغاء. والوجه الثاني: أنّ بعض العرب كانوا يُجْلسون الفتيات الشابات من إمائهن في الغرفات، وينصبون على أبوابهم رايات، تكون علماً لمن أراد أن يقضي منهن حاجته، وكانت بيوتهن تسمى (المواخير) وكانوا يستدرُّون من ورائهن المال فإذا أبت إحداهن أو تعففت عن ممارسة هذه الرذيلة ضربها سيدها وأكرهها على مزاولة الحرفة حتى لا ينقطع عنه ذلك المورد الخبيث الذي كان يُكْسبه المال الوفير. وهذا (عبد الله بن أبيّ) رأس النفاق كان له ست إماء شابات جميلات يكرههن على البغاء، طلباً لكسبهن، وفيه نزلت الآيات الكريمة المتقدمة. أقول: ما أشبه جاهلية (القرن العشرين) في زماننا بتلك الجاهلية الأولى حيث تنظّم بيوت الدعارة تحت حماية القانون، وتحميها الشرطة ويقصدها الراغبون بأجرٍ معلوم، وليس فيها ما يختلف عن الأولى إلا أنها (أشنع وأفظع) لأنها في (الحرائر) وبشكل فاضح مكشوف، وقد قال ﷺ َ: «ما ظهرت الفاحشة في قوم فعملوا بها إلاّ أصيبوا بالأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم!!» وهذا من أعلام النبوّة. وإنّا لله وإنَّا إليه راجعون.

стр. 789

خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع الله الزواج لحكم سامية، وغايات نبيلة، وفوائد جليلة. وأمر بتيسير أسبابه لأنه هو الطريق السليم للتناسل. وعمران الأرض بالذرية الصالحة. ولم يشأ الله ﵎ أن يترك الإنسان كغيره من المخلوقات. فيدع غرائز تنطلق دون وعي. ويترك الاتصال بين الذكر والأنثى فوضى، لا ضابط له كما هو الحال عند الحيوان. بل وضع النظام الملائم الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويصون له شرفه. فجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالاً نظيفاً طاهراً قائماً على أساس التراضي والتفاهم. وبهذا وضع للغريزة طريقها المأمون، وحمى النسل من الضياع، وصان المرأة أن تكون دُمْيةً بين أيدي العابثين أو كلأً مباحاً لكل راتع. والغريزة الجنسية من أقوى الغرائز وأعنفها فما لم يكن لها متنفّس عن طريق نظيف شريف تمردت وطغت. ونزعت بالإنسان إلى شر منزع، والزواجُ هو أحسن وضع طبيعي لها. وأسلم طريقة لإرواء الغريزة وإشباعها ليهدأ البدن من الاضطراب. وتسكن النفس عن الصراع. ويكف النظر عن التطلع إلى الحرام. وتطمئن العاطفة إلى ما أحل الله لها وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] . والزواجُ أحسنُ وسيلة لإنجاب الأولاد. وتكثير النل. واستمرار الحياة، مع المحافظة على الأنساب التي يوليها الإسلام عناية فائقةً. وقد خصّ الإسلام عليه ورغّب فيه. بطرق شتى. وصور عديدة. وعدّه الرسول ﷺ َ خير متاعٍ في هذه الحياة فقال صلوات الله عليه «الدنيا متاعٌ وخيرُ متاعها المرأةُ الصالحة» بل عدّه خيرَ كنزٍ يكنزه الإنسان في حياته

стр. 790

فقال ﵊ ُ «ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» . وقد أمر الإسلامُ بتيسير أسباب الزواج، وتسهيل طرقه، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، وأمر بإزالة جميع العقبات من وجهه، والعقبةُ المالية هي (العقبة الأولى) في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس، لذلك نبه الباري جلّ وعلا إلى أنه لا يجوز أن يكون الفقر عائقاً عن التزويج، فالرزق بيد الله، وقد تكفّل بإغنائهم إن هم اختاروا طريق العفة النظيف، فيجب على الأمة أن تعينهم على الزواج، وأن تهيئ لهم أسبابه، وتبذل كل ما لديها من جهودٍ حتى لا يبقى في المجتمع عضو أشل، أو عضو غير نافع. وإلى أن تتهيأ للشباب فرصة الزواج، جاء الأمر الإلهي لهم بالاستعفاف عن الحرام حتى يغنيهم الله من فضله ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ . ومن الكذب والزور ما يقوله بعض أدعياء العلم اليوم من أن الكَبْتَ والحرمان يولِّدان عن الإنسان عُقداً نفسية وأضراراً جسمية، وأنّ عليه أن يخفف طغيان الغريزة بالاتصال الجنسي ولو عن طريق البغاء. إنهم يجعلون الزنى (ضرورة اجتماعية) لاتقاء الأمراض الجسدية والتخلص من أضرار (الكبت والحرمان) ويزعمون أنّ هذا هو الطريق السليم، لمعالجة طغيان الغريزة، وحماية الإنسان من العقد النفسية، التي قد تؤدي به إلى الجنون. والمتحلِّلون وعلى رأسهم الإباحي (فرويد) يرون أن خير علاج هو إباحة الزنى وأنّ فيه حماية للفرد والمجتمع من مخاطر الجنس، وهم يستقون نظرياتهم (التربوية) فيما يزعمون من علم النفس ويقولون: يجب أن يعيش الإنسان حراً مطلقاً من كل قيد وشرط، حتى لا يتعقد ولا تنتابه الهواجس والأمراض النفسية. إنهم يقيسون الإنسان على الحيوان الذي نعيش طليقاً بدون قيود ولا حدود، يأتي شهوته متى شاء، وينال غريزته بأي طريق أحب، وما دروا أن بين

стр. 791

الإنسان والحيوان فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً، فالحيوان تسيطر عليه شهوته وتتحكم فيه غريزته، بينما الإنسان يتحكم فيه عقله ويضبطه إدراكه وإحساسه، ولولا العقل في الإنسان لكان الحيوان خيراً منه وأفضل. يقول شهيد الإسلام (سيد قطب) عليه رحمة الله ورضوانه في تفسيره «الظلال» ما نصه: «وهذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء - وهنّ يردن الغفة - ابتغاء المال الرخيص، كان جزءاً من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي، ذلك أنّ وجود البغاء يُغري الكثيرين لسهولته ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف. ولا عبرة بما يقال: من أنّ» البغاء «صمام أمن يحمي البيوت الشريفة لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج، أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض إن لم تجد هذا الكلأ المباح. إن في التفكير على هذا النحو قلباً للأسباب، فالميلُ الجنسي يجبُ أن يظلّ نظيفاً، بريئاً موجهاً إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة، وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج، فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجاً خاصاً، وبذلك لا يحتاج إلى (البغاء) وإلى إقامة (مقاذر إنسانية) يمرّ بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس فيلقي فيها بالفضلات تحت سمع الجماعة وبصرها. إنّ النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تُعالج بحيث لا تُخْرِجُ مثلَ هذا النتن. ولا يكون فسادها حجةًعلى ضرورة وجود (المقاذر العامة) في صور آدمية ذليلة ... وهذا يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل، النظيف، العفيف، الذي يصل الأرض بالسماء ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله» .

стр. 792

[٨] الاستئذان في أوقات الخلوة

стр. 793

التحليل اللفظي ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ : اللام لام الأمر، واستأذن طلب الإذن، لأن السين والتاء للطلب مثل استنصر طلب النُصرة، واستغفر طلب المغفرة، والاستئذان المذكور في الآية يراد منه الإعلام بالحضور، والسماح للمستأذن بالدخول. والمعنى: ليستأذنْكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم، والصغار من الأطفال. ﴿الحلم﴾ : بضم اللام الاحتلام ومعناه: الرؤيا في النوم، والحلْم بكسر الحاء الأناة والعقل، تقول: حلُم الرجل بالضم إذا صار حليماً. وفي «القاموس» : الحُلْم بالضم وبضمتين الرؤيا جمعه أحلام، وحلم به رأى له رؤيا أو رآه في النوم، والحُلْم بالضم والاحتلام: الجماع في النوم والاسم منه الحُلُم كعنق. وقال الراغب: الحلم زمان البلوغ سمي الحلم لكون صاحبه جديراً بالحِلم أي الأناة وضبط النفس عن هيجان الغضب. والصحيح أن الحلم هنا بمعنى (الجماع في النوم) وهو الاحتلام المعروف، وأن الكلام (كناية) عن البلوغ والإدراك، يقال: بلغ الصبي الحلم أي أصبح في سن البلوغ والتكليف. ﴿عورات﴾ : جمع عورة ومعناها الخلل وفي «الصحاح» : أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب: وأعور المكان إذا اختل حاله وبدا فيه خلل يخاف منه العدو، ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا

стр. 794

عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] والأعور المختل العين فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها. وعورة الإنسان (سوأته) سميت عورة لأنها من العار وذلك لما يلحق في ظهورها من المذمة والعار. قال القرطبي: وعورات جمع عورة وبابه في التصحيح أن يجيء على فعَلات (بفتح العين) كجَفنة وَجَفَنات ونحو ذلك وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات لأن فتحة داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك. ﴿العشآء﴾ : المراد بها العشاء الأخيرة والعرب تسميها العَتَمة وفي حديث مسلم «لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يُعْتمون بالإبل» والمغرب تسمى العشاء الأولى وفي الحديث: فصلاها (يعني العصر) بين العشاءين المغرب والعشاء. قال القرطبي: فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي ﷺ َ أن تسمى بما سماها الله تعالى به فكأنه نَهْيُ إرشاد إلى ما هو الأولى وليس له جهة التحريم والعرب كانوا يسمونها العتمة وهي الحلبة التي كانوا يحْلِبونها في ذلك الوقت ويشهد لذلك قوله ﷺ َ فإنها تعتِم بحلاب الإبل. أقول: قد ورد تسميتها في الكتاب والسنة (بالعشاء) فالأفضل الاقتصار على ذلك ففي الحديث الصحيح «من صلى العشاء في جماعة فكأنه قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله» . كما اشتهر في الشعر تسميتها بالعشاء قال حسان: فدع هذا ولكن مَن لِطَيْف ... يؤرقني إذا ذهب العشاء

стр. 795

﴿طوافون﴾ : جمع طوّاف بالتشديد وهو الذي يدور على أهل البيت للخدمة، والطوافُ في الأصل الدوران ومنه الطواف حول الكعبة، ووصف هؤلاء الخدم بالطواف لأنهم يذهبون في خدمة السادة ويرجعون ومنه الحديث في الهرة «إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات» والمراد في الآية أنهم خدمكم يدخلون ويخرجون عليكم للخدمة فلا حرج عليكم ولا عليهم في الدخول بغير استئذان في غير هذه الأوقات. ﴿والقواعد﴾ : جمع قاعد بغير هاء، لأنه مختص بالنساء كحائض وطامث. قال القرطبي: وحذفها يدل على أنه (قعودُ الكِبَر) كما قالوا امرأة حامل ليدل على أنه حَمل الحَبل، قال الشاعر: فلو أنّ ما في بطنه بين نسوة ... حبِلنَ وإنْ كنّ القواعدَ عُقّراً وقالوا: في غير ذلك قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. قال في القاموس: إنها التي قعدت عن الولد وعن الحيض وعن الزوج. والمراد بهن في الآية: العجائز اللواتي لم يبق لهن مطمع في الأزواج لكبرهن، ولا يرغب فيهن الرجال لعجزهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل للشهوة فلا تدخل في حكم هذه الآية. ﴿غَيْرَ متبرجات﴾ : أصل التبرج: التكلف في إظهار ما يخفى من الأشياء ومادة (تبرّج) تدل على الظهور والانكشاف، ومنه بروج مشيدة وبروج السماء، والمراد بالتبرج في الآية: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] . قال الزمخشري: فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم: سفينة بارج أي لا غطاء عليها، والبَرَج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.

стр. 796

المعنى الإجمالي يقول جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون الذين صدقوا بالله ورسوله وأيقنوا بشريعة الله نظاماً، ودستوراً، ومنهاجاً، ليستأذنْكم في الدخول عليكم هؤلاء العبيد والإماء الذين تملكونهم بملك اليمين، والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال من الأحرار فلا يدخلوا عليكم في هذه الأوقات الثلاثة (وقت الفجر) و (وقت العشاء) إلا بإذن منكم لأن هذه الأوقات أوقات خلودكم إلى النوم والراحة، وهي أوقات يختل فيها تستركم، والتكشف فيها غالب، فعلّموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألاّ يدخلوا عليكم في مثل هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان، وأما في غير هذه الأوقات فلا إثم ولا حرج عليكم ولا عليهم في الدخول بغير إذن، لأنهم يقومون على خدمتكم والله لا يكلفكم ما فيه حرج أو ضيق عليكم، لأن تشريعه من أجل صالحكم وهو جل وعلا العليم الحكيم. وأما إذا بلغ هؤلاء الأطفال مبلغ الرجال فعلموهم الأدب السَّامي ألاّ يدخلوا عليكم إلا بعد الاستئذان كما أُمر الكبارُ من قبل، وذلك هو أدب الإسلام الذي ينبغي أن يتمسك به المؤمنون، وأما النساء العجائز اللاتي لا يرغبن في الزواج ولا يطمع فيهن الرجال لكبرهن وقد انعدمت فيهن دوافع الشهوة والفتنة والإغراء، فلا حرج ولا جناح عليهن أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب ويظهَرْنَ أمام الرجال بملابسهنَّ المعتادة التي لا تلفت انتباهاً، ولا تثير شهوة. وإذا بالغن في التستر والتعفف ولبسن الجلباب الذي تلبسه الشابات من النساء فذلك خير لهن وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر، والله يعلم خفايا النفوس، ومجازٍ كلّ إنسانٍ على ما قدَّم فاتقوه واجتنبوا سخطه وعقابه.

стр. 797

سبب النزول أولاً: روي ان أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله ﷺ َ فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فأنزل الله تعالى: ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ... ﴾ الآية. وروي عن مقاتل بن حيّان أنه قال: بلغنا أن رجلاً من الأنصار وامرأته (أسماء بنت أبي مرثد) صنعا للنبي ﷺ َ طعاماً، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا؟ إنه ليدخل على المرأة وزوجها غلامهما وهما في ثوب واحد بغير إذن، فأنزل الله في ذلك هذه الآية يعني بها العبيد والإماء. ثانياً: وروي ان رسول الله ﷺ َ بعث غلاماًمن الأنصار يقال له (مُدْلج) إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائماً، قد أغلق عليه الباب فدقّ عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر (وددت أنّ اللَّهَ نهى أبناءنا ونساءنا، وخدمنا عن الدخول في هذه الساعات إلاّ بإذن) ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ َ فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرّ ساجداً شكراً لله تعالى. قال الألوسي: وهذا احد موافات رايه الصائب ﵁ للوحي. ثالثاً: وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ َ يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن

стр. 798

لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن فذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ... ﴾ الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ يدل على أن المراد به الأطفال من الأحرار، لأن الله سبحانه قد ذكر العبيد والإماء بقوله: ﴿مَلَكَتْ أيمانكم﴾ ثم عقّب ذلك بقوله (منكم) فدلت هذه المقابلة على أن المراد به الصغار من الأحرار. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ثلاث مرات﴾ ليس المقصود الاستئذان ثلاث مرات، وإنما المراد به في (ثلاثة أوقات) بدليل ذكره تعالى الأوقات بعدها (الظهيرة، العشاء، والفجر) وهي أوقات الراحة والنوم. قال أبو السعود: والتعبير عن (الأوقات) بالمرات للإيذان بأنّ مدار وجوب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة﴾ صرّح تعالى في هذا الوقت بخلع الثياب وهو وقت القيلولة وعبّر بقوله: (حين) للإشارة بقلة زمانها ولم يذكر وضع الثياب في الوقتين الآخيرين (العشاء) و (الفجر) وفي ذلك إشارة إلى أن أمرهما ظاهر بيّن لا يحتاج إلى تصريح، فإذا كان وقت الظهيرة لا يحل الدخول فيه إلا بعد الاستئذان فوقت العشاء والفجر من باب أولى، لأنهما وقت الخلود إلى الراحة والنوم، والتكشفُ فيهما غالب.

стр. 799

اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ثلاث عورات لَّكُمْ﴾ إطلاق (العورات) على الأوقات الثلاثة التي يكثر فيها التكشف (للمبالغة) حتى كأن هذه الأوقات هي نفسها عورات، والجملة مسوقة لبيان علة (وجوب الاستئذان) فكأن الله تعالى يقول هذه هي أوقات ظهور العورات فلا تدخلوا إلا بعد الاستئذان وفي التعبير من المبالغة ما فيه. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿والقواعد مِنَ النسآء﴾ المراد بها العجائز كما أسلفنا قال ابن قتيبة: سميت العجائز قواعد لأنهن يكثرن من القعود في البيت لكبر سنهن قال الشاعر: أُطوِّفُ ما أطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لَكَاع وقال ابن ربيعة: سميت العجائز قواعد لقعودهن عن الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿اللاتي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ . اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ ليس المقصود بذلك أن يضعن جميع ثيابهن وإنما المراد بعضها كالجلباب والرداء وهي الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة، فهو من باب (إطلاق الكل وإرادة الجزء) ويسميه علماء البلاغة (المجاز المرسل) . اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ قال بعض العلماء: (إذا كان استعفاف العجائز عن وضع الثياب خيراً لهن فما ظنك بذوات الزينة من الشواب؟ وأبلغ من هذا أن التستر والتحفظ إذا كان مطلوباً من القواعد فكيف بالكواعب) ؟! والمرأة ولو كانت عجوزاً لا تشتهي فإنّ بعض النفوس قد تميل إليها وتشتهيها ولهذا ينبغي لها الاستعفاف. وفي الأمثال (لكل ساقطة لاقطة) وقد قال الشاعر في هذا المعنى: لكل ساقطةٍ في الحي لاقطة ... وكلّ كاسدةٍ يوماً لها سوق

стр. 800

الأحكام الشرعية الحكم الأول: من المخاطب في الآية الكريمة؟ ظاهر قوله تعالى: ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ﴾ أنه خطاب للرجال، وقد قال المفسرون: إنّ الآية نزلت في (أسماء بنت أبي مرثد) فيكون المراد فيها (الرجال والنساء) لأن التذكير يغلب التأنيث. ودخولُ سبب النزول في الحكم قطعي كما هو الراجح في الأصول فيكون الخطاب للرجال والنساء بطريق (التغليب) . وقال الفخر الرازي: والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال، فهذا الحكم لمَّا ثبت في الرجال فثبوتهُه في النساء بطريق الأولى، كما أنَّا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف. وقال أبو السعود: والخطاب إما للرجال خاثة، والنساءُ داخلات في الحكم بدلالة النص أو (للفريقين) جميعاً بطريق التغليب. أقول: اختار بعض المفسرين رأياً آخر خلاصته: أن قوله تعالى: ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ﴾ ليس خطاباً للذكور بطريق التغليب وإنما هو خطاب لكل من اتصف بالإيمان رجلاً كان أن امرأة فيدخل فيه (الرجال والنساء) معاً ويكون المعنى يا من اتصفتم بالإيمان وصدقتم الله ورسوله ليستأذنْكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم. . إلخ، ولعل هذا الرأي أوجه فكل

стр. 801

نداء بالإيمان يراد منه الوصف فيشمل الذكور والإناث والله أعلم. الحكم الثاني: ما المراد بقوله: ﴿مَلَكَتْ أيمانكم﴾ في الآية الكريمة؟ المراد به (العبيد والإماء) وظاهر قوله تعالى: ﴿الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ أن الحكم خاص بالذكور، سواء أكانوا كباراً أم صغاراً، وبهذا الظاهر قال ابن عمر ومجاهد. والجمهور على أنه عام في (الذكور والإناث) من الأرقاء الكبار منهم والصغار وهو الصحيح الذي اختاره الطبري وجمهور المفسرين. فكما أن الأطفال الصغار لا يحسن دخولهم بدون استئذان على الكبار في أوقات الخلوة، فكذلك لا يحسن دخول الخادم الأنثى، لأن هذه الأوقات أوقات تكشُّف في الغالب، والإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره اطلاع النساء عليها كذلك. قال ابن جرير الطبري: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال عني به (الذكور والإناث) لأن الله عمّ بقوله ﴿الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ جميع أملاكِ أيماننا ولم يخصص منهم ذكراً ولا أنثى فذلك على جميع من عمّه ظاهر التنزيل. الحكم الثالث: كيف يخاطب الصغار ولا تكليف قبل البلوغ؟ الخطاب وإن كان ظاهره للصغار الذين لم يبلغوا الحلم، إلا أنَّ المراد به الكبار، فقد أمر الله الرجال أن يعلِّموا مماليكهم وخدمهم وصبيانهم، ألاّ يدخلوا عليهم إلا بعد الاستئذان، فهو في (الظاهر) متوجه للصغار وفي (الحقيقة) للمكلفين الكبار، مثل قوله ﷺ َ: «مروا أولادكم بالصلاة

стр. 802

وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» وكقولك: للرجل: لِيَخَفْك أهلُكَ وولَدُك، فظاهر الأمر لهم وحقيقةً الأمر له بفعل ما يخافون عنده. الحكم الرابع: هل الاستئذان على سبيل الوجوب أو الندب؟ ظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ أنه للوجوب وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. والجمهورُ على أنه أمر (استحباب وندب) وأنه من باب (التعليم والإرشاد) إلى محاسن الآداب. فالبالغُ يستأذنُ في كلّ وقت، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث. وقد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: (آيةٌ لا يؤمنُ بها أكثر الناس: آية الإذن، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن علي) وأشار إلى جارية عنده صغيرة. والآية محكمة لم ينسخها شيء على رأي الجمهور، وزعم بعضهم أنها منسوخة لأن عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول كان جارياً على خلافه. وقال آخرون: إنما كان هذا في العصر الأول لأنه لم تكن لهم أبواب تغلق ولا ستور تُرْخى واستدلوا بما رواه عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس: كيف ترى هذه الآية التي أُمِرْنا فيها بما أُمِرْنا، ولا يعمل بها أحد؟ قوله تعالى: ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ. . .﴾ . قال ابن عباس: (إنّ الله حليم رحيم بالمؤمنين، يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم سترٌ ولا حجاب، فربما دخل الخادم، أو الولد، أو يتيمة الرجل، والرجلُ على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحداً يعمل بذك بعد) . . والصحيح أن الآية ليست بمنسوخة كما قال القرطبي: وكلامُ ابن عباس لا يدل على النسخ، فالأمر بالاستئذان عنده كان متعلقاً بسبب فلما زال السبب زال الحكم. وهذا يدل على أنه النسخ، فالأمر بالاستئذان عنده كان متعلقاً بسبب فلما زال السبب زال الحكم. وهذا يدل على أنه لم ير

стр. 803

الآية منسوخة، وأنَّ مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم وهذا ليس بنسخ. الحكم الخامس: ما هو سن البلوغ الذي يلزم به التكليف؟ أشارت الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم﴾ إلى أن الطفل يصبح مكلفاً بمجرد الاحتلام وقد اتفق الفقهاء على أن الصبيّ إذا احتلم فقد بلغ وكذلك الجارية (الفتاة) إذا احتلمت أو حاضت أو حَمَلت فقد بلغت. فالاحتلام علامة واضحة على بلوغ الصبي أو الجارية سن التكليف وهذا بإجماع الفقهاء لم يختلف فيه أحد. . ولكنهم اختلفوا في تقدير السن التي يصبح بها الإنسان مكلفاً على رأيين: ١ - مذهب الحنفية في المشهور: إلى أن الطفل لا يكون بالغاً حتى يتم له ثماني عشرة سنة ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلَاّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وأشدُّ الصبي كما روي عن ابن عباس: أنه ثماني عشرة سنة، وأما الإناث فنشوءهن وإدراكهن يكون أسرع فنقص في حقهن سنة فيكون بلوغهن سبع عشرة سنة. ٢ - مذهب الشافعية والحنابلة (الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد) إلى أنه بلغ الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً. واستدلوا بما روي عن ابن عمر ﵄ (أنه عُرِض على النبي ﷺ َ يوم أُحدٍ وله أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعُرِض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه) . وقالوا: إنّ العادة جارية ألاّ يتأخر البلوغ في (الغلام والجارية) عن خمس عشرة سنة فيكون هو سن البلوغ الذي يصبح به الإنسان مكلفاً وذلك بحكم العادة.

стр. 804

قال الجصاص في تفسيره «أحكام القرآن» : قوله تعالى: ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم﴾ يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك، لأن الله تعالى لم يفرّق بين من بلغها وبين من قصّر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وقد روي عن النبي ﷺ َ من جهات كثيرة «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُقيق، وعن الصبي حتى يحتلم» ولم يفرّق بين من بلغ خمس عشرة وبين من لم يبلغها. وأما حديث ابن عمر: أنه عرض على النبي ﷺ َ يوم أُحد. . إلخ فإنه مضطرب لأن الخندق كان في سنة خمس، وأُحد في سنة ثلاث، فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تَعلُّق لها بالبلوغ لأنه قد يُرَدّ البالغ لضعفه، ويجاز غير البالغ لقوته على القتال. وطاقته لحمل السلاح كما أجاز (رافع بن خديج) وردّ (سمرة بن جندب) ويدل عليه أنه يسأله عن الاحتلام ولا عن السن. وقد تكلم بكلام كثير انتصر فيه لمذهب الإمام حنيفة ﵀. الترجيح: والصحيح هو قول الجمهور لما علمنا أن مثل هذا إنما يثبت بحكم العادة، وقد جرت العادة في الأغلب على الاحتلام في مثل هذا الس، فيكون هو سن البلوغ المعتبر في التكليف. وقد نص فقهاء الحنفية على أن الفتوى بقول (الصاحبين) وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أيضاً فيكون هو المعتبر، وكفى الله المؤمنين القتال. الحكم السادس: هل يعتبر الإنباتُ دليلاً على البلوغ؟ الراجح من أقوال الفقهاء أن البلوغ لا يكون إلا بالاحتلام أن بالسن وهي سن الخامس عشرة كما مر معنا، وقد روي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه اعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ، واستدل بما روي عن (عطية القرظي)

стр. 805

أن النبي ﷺ َ أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت، قال: فنظروا إليّ فلم أكن قد أنبتُّ فاستبقاني. وما روي أيضاً أن عثمان ﵁ سئل عن غلام فقال: هل أخضرّ عذاره؟ وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة. وبقية الفقهاء لا يعتبرون الإنبات دليلاً على البلوغ حتى قال الجصاص إن حديث (عطية القرظي) لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه: أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر ولا سيما مع اعتراضه على الآية والخبرِ في نفي البلوغ إلَاّ بالاحتلام. وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعض الروايات أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من أخضرّ عذاره، ومعلومٌ أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدّم بلوغة. وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر للقتل لذلك لا للبلوغ. والصحيح أن الإمام الشافعي ﵀ جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في حق أطفال الكفار لإجراء أحكام الأسر، والجزية، والمعاهدة، وغيرها من الأحكام لا أنه جعله دليلاً على البلوغ مطلقاً، كما نبّه على ذلك بعض العلماء. قال الألوسي: ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله (خمسة أشبار) وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتصّ له، ويقتصّ منه.

стр. 806

وعن أنس ﵁ قال: أُتي أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلّى عنه وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله: ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... وسما فأدرك خمسة الأشبار وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً، فلا عبرة بذلك، ولعلّ الأخبار السابقة لا تصح، وما نقل عن الفرزدق لا يتعيَّن إرادة البلوغ فيه فمن الناس من قال إنه أراد بخمسة أشبار (القبر) كما قال الآخر: عجباً لأربع أذرع في خمسة ... في جوفه جبل أشم كبير الحكم السابع: هل يؤمر الطفل بفعل الفرائض والطاعات؟ استدل بعض الفقهاء من قوله تعالى: ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح - وإن لم يكن من أهل التكليف - على وجه التعليم، فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال ﵇ «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع» . وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «نعلِّم الصبي إذا عرف يمينه من شماله» . وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم» . قال أبو بكر الرازي: إنما يؤمر بذلك على وجه (التعليم والتأدب) ليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه. وكذلك يجنّب شرب الخمر، ولحم الخنزير، ويُنْهى عن سائر المحظورات، لأنه

стр. 807

لو لم يمنع في الصغر، لصعب عليه الامتناع في الكبر، وقد قال الله تعالى: ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦] قيل في التفسير أي أدبوهم وعلموهم. الحكم الثامن: ما المراد من وضع الثياب في الآية الكريمة؟ دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ﴾ على أن المرأة العجوز التي لا تُشْتهى والتي لا يُرغب فيها في العادة أنه لا إثم عليها في وضع الثياب أمام الأجانب من الرجال، بشرط عدم التبرج وإظهار الزينة، وليس المراد أن تخلع المرأة كل ما عليها من الثياب حتى تتعرى فإن ذلك لا يجوز للعجوز ولو كان أمام محارمها فكيف بالأجانب؟ ولذلك فقد اتفق الفقهاء والمفسرون على أن المراد بالثياب في هذه الآية (الجلباب) التي أُمِرت المسلمةُ أن تخفي به زينتها في قوله تعالى في سورة الأحزاب [٥٩] ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهذا الإذن في وضع الجلابيب والخُمُر ليس إلا لأولئك النسوة العجائز اللاتي لم يعدن يرغبن في التزين، وانعدمت فيهن الغرائز الجنسية، غير أنه إذا كان لا يزال في هذه النار قبس يتقد، ويكاد يميل بالمرأة إلى إظهار زينتها فلا يصح لها أن تضع جلبابها. قال القرطبي: (ومن التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها فقد روي في «الصحيح» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ َ قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما. . وذكر: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسْنِمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» . وفي رواية: من مسيرة خمسمائة عام) . قال ابن العربي: وإنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رقَّ يصفهن ويبدي محاسنهن وذلك حرام.

стр. 808

قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى، والثاني: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله فيه: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وأنشدوا: إذا المرءُ لم يلبس ثياباً من التُّقى ... تقلّب عُرياناً وإن كان كاسيا وخيرُ لباسِ المرءِ طاعةُ ربه ... ولا خيرَ فيمن كان لله عاصيا ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: ضرورة استئذان الخدم من العبيد، والإماء في أوقات الخلوات. ثانياً: تعليم الأطفال الآداب الإسلامية منها (الاستئذان عند الدخول) في الأوقات الثلاثة. ثالثاً: لا يطلب من الخادم أن يستأذن في كل وقت لضرورة قيامه بالخدمة لسيده. رابعاً: إذا بلغ الطفل سن (المراهقة) فعليه أن يستأذن قبل الدخول في جميع الأوقات. خامساً: لا يجوز للمسلمة أن تنكشف أمام الخدم من الغلمان إذا بلغوا مبلغ الرجال. سادساً: النساء العجائز لا يجب عليهن المبالغة في التستر والبس الجلباب لرفع الحرج عنهن. سابعاً: التبرج وإظهار الزينة أمام الأجانب يستوي فيه العجائز والأبكار. ثامناً: شرعُ اللَّهِ حكيم، ونظامه رحيم، فعلى المؤمنين أن يتمسكوا به.

стр. 809

حكمة التشريع الإسلام رسالة إصلاحية فاضلة، وآداب اجتماعية سامية، ومُثُل إنسانية رفيعة، حوى خير ما في التشاريع من نظم ومبادئ، وخير ما في الأديان من سمو وأخلاق، فتعاليمُه الرشيدة تدعو إلى الكمال، ومبادئه الإنسانية تهدف إلى الإصلاح، وإن شئت فقل: إنه رسالة (الفضائل والآداب) بل إنه رسالة الحياة. وفي هذه الآيات الكريمة دعوة إلى الآداب الإنسانية (آداب البيوت) وتعليم للأمة أن يتمسكوا بالأخلاق الفاضلة التي ربَّاهم عليها الإسلام، وأن يعلِّموا أطفالهم وخَدَمهم هذه الآداب الحميدة، لتبقى الأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، في منأى عن المفاسد التي تعجُّ بها المجتمعات الأخرى. وأول ما يجده الإنسان من (الآداب الاجتماعية) أدب الاستئذان عند دخول البيوت، وقد تقدم في الآيات الكريمة السابقة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] . ثم يأتي أدب الاستئذان (داخل البيوت) وهو للخدم والأطفال لئلا يطَّلعوا على العورات، فقد يكون الإنسان في حالة لا يحِبّ أن يطلع عليه أحد، وقد يكون مع أهله في حالة لا يصح أن يدخل عليه فيها أحد. لذلك فقد أوجب الإسلام الاستئذان حتى على (الخدم والصغار) في ثلاثة أوقات وسماها (عورات) لانكشاف العورات فيها وفي هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحُلُم، كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم وهو أدب رفيع يُغْفله الكثيرون في حياتهم، مستهينين بآثاره النفسية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة، وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه

стр. 810

المناظر بينما يقرر - علماء النفس - أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في مستقبل حياتهم وقد تصيبهم بأمراض نفسية، وخلقية، وتوجد فيهم عقداً يصعب شفاؤهم منها. وهذا الأدب الإسلامي الرفيع لا نجده عند غير المسلمين، ويكفي الإسلام فخراً وشرفاً أنه دين (الأدب والستر) ودين الحشمة والوقار، فهو يأمر بغض الأبصار عن عورات الناس ويخصص هذه الأوقات الثلاثة دون غيرها لأنها مظنة انكشاف العورات، ولا يجعل استئذان الخدم والصغار في كل حين منعاً للحرج؛ فهم كثيروا الدخول والخروج على أهليهم بحكم صغر سنهم أو قيامهم بالخدمة وبذلك يجمع بين (الحرص) على ستر العورات وإزالة (الحرج) والمشقة عن الناس. وأخيراً يدعو النساء إلى إخفاء الزينة منعاً لإثارة الفتن والشهوات ويأمر بالتحجب الكامل والتستر الشامل. ويستثني النساء العجائز اللواتي لا يحركن شهوة، ولا يثرن فتنة، فيسمح لهن أن يخلعن ثيابهن الخارجية على ألا تنكشف عوراتهن ولا تظهر زينتهن، وخير لهن وهنَّ العجائز المسنات أن يبقين كاسيات متسترات محتشمات بثيابهن الفضفاضة فذلك هو أدب الإسلام وذلك هو استعفاف المؤمنة الطاهرة التي تريد أن تحفظ نفسها، وتصون كرامتها، وهو ما سماه القرآن (بالاستعفاف) أي طلب العفة وإيثارها على حب الظهور وذلك لما بين (التبرج والفتنة) من صلة، وبين (التحجب والعفة) من صلة وكفى بذلك برهاناً على سمو الشريعة وطُهْر مقصدها ونيل غايتها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
следующие страницы →