Полный текст (1 222 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وعن أنس ﵁ قال: أُتي أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلّى عنه وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... وسما فأدرك خمسة الأشبار
وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً، فلا عبرة بذلك، ولعلّ الأخبار السابقة لا تصح، وما نقل عن الفرزدق لا يتعيَّن إرادة البلوغ فيه فمن الناس من قال إنه أراد بخمسة أشبار (القبر) كما قال الآخر:
عجباً لأربع أذرع في خمسة ... في جوفه جبل أشم كبير
الحكم السابع: هل يؤمر الطفل بفعل الفرائض والطاعات؟
استدل بعض الفقهاء من قوله تعالى: ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح - وإن لم يكن من أهل التكليف - على وجه التعليم، فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال ﵇ «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع» .
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «نعلِّم الصبي إذا عرف يمينه من شماله» .
وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم» .
قال أبو بكر الرازي: إنما يؤمر بذلك على وجه (التعليم والتأدب) ليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه. وكذلك يجنّب شرب الخمر، ولحم الخنزير، ويُنْهى عن سائر المحظورات، لأنه
стр. 807
لو لم يمنع في الصغر، لصعب عليه الامتناع في الكبر، وقد قال الله تعالى: ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦] قيل في التفسير أي أدبوهم وعلموهم.
الحكم الثامن: ما المراد من وضع الثياب في الآية الكريمة؟
دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ﴾ على أن المرأة العجوز التي لا تُشْتهى والتي لا يُرغب فيها في العادة أنه لا إثم عليها في وضع الثياب أمام الأجانب من الرجال، بشرط عدم التبرج وإظهار الزينة، وليس المراد أن تخلع المرأة كل ما عليها من الثياب حتى تتعرى فإن ذلك لا يجوز للعجوز ولو كان أمام محارمها فكيف بالأجانب؟ ولذلك فقد اتفق الفقهاء والمفسرون على أن المراد بالثياب في هذه الآية (الجلباب) التي أُمِرت المسلمةُ أن تخفي به زينتها في قوله تعالى في سورة الأحزاب [٥٩]
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهذا الإذن في وضع الجلابيب والخُمُر ليس إلا لأولئك النسوة العجائز اللاتي لم يعدن يرغبن في التزين، وانعدمت فيهن الغرائز الجنسية، غير أنه إذا كان لا يزال في هذه النار قبس يتقد، ويكاد يميل بالمرأة إلى إظهار زينتها فلا يصح لها أن تضع جلبابها.
قال القرطبي: (ومن التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها فقد روي في «الصحيح» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ َ قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما. . وذكر: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسْنِمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» . وفي رواية: من مسيرة خمسمائة عام) .
قال ابن العربي: وإنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رقَّ يصفهن ويبدي محاسنهن وذلك حرام.
стр. 808
قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى، والثاني: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله فيه: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وأنشدوا:
إذا المرءُ لم يلبس ثياباً من التُّقى ... تقلّب عُرياناً وإن كان كاسيا
وخيرُ لباسِ المرءِ طاعةُ ربه ... ولا خيرَ فيمن كان لله عاصيا
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: ضرورة استئذان الخدم من العبيد، والإماء في أوقات الخلوات.
ثانياً: تعليم الأطفال الآداب الإسلامية منها (الاستئذان عند الدخول) في الأوقات الثلاثة.
ثالثاً: لا يطلب من الخادم أن يستأذن في كل وقت لضرورة قيامه بالخدمة لسيده.
رابعاً: إذا بلغ الطفل سن (المراهقة) فعليه أن يستأذن قبل الدخول في جميع الأوقات.
خامساً: لا يجوز للمسلمة أن تنكشف أمام الخدم من الغلمان إذا بلغوا مبلغ الرجال.
سادساً: النساء العجائز لا يجب عليهن المبالغة في التستر والبس الجلباب لرفع الحرج عنهن.
سابعاً: التبرج وإظهار الزينة أمام الأجانب يستوي فيه العجائز والأبكار.
ثامناً: شرعُ اللَّهِ حكيم، ونظامه رحيم، فعلى المؤمنين أن يتمسكوا به.
стр. 809
حكمة التشريع
الإسلام رسالة إصلاحية فاضلة، وآداب اجتماعية سامية، ومُثُل إنسانية رفيعة، حوى خير ما في التشاريع من نظم ومبادئ، وخير ما في الأديان من سمو وأخلاق، فتعاليمُه الرشيدة تدعو إلى الكمال، ومبادئه الإنسانية تهدف إلى الإصلاح، وإن شئت فقل: إنه رسالة (الفضائل والآداب) بل إنه رسالة الحياة.
وفي هذه الآيات الكريمة دعوة إلى الآداب الإنسانية (آداب البيوت) وتعليم للأمة أن يتمسكوا بالأخلاق الفاضلة التي ربَّاهم عليها الإسلام، وأن يعلِّموا أطفالهم وخَدَمهم هذه الآداب الحميدة، لتبقى الأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، في منأى عن المفاسد التي تعجُّ بها المجتمعات الأخرى.
وأول ما يجده الإنسان من (الآداب الاجتماعية) أدب الاستئذان عند دخول البيوت، وقد تقدم في الآيات الكريمة السابقة
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] . ثم يأتي أدب الاستئذان (داخل البيوت) وهو للخدم والأطفال لئلا يطَّلعوا على العورات، فقد يكون الإنسان في حالة لا يحِبّ أن يطلع عليه أحد، وقد يكون مع أهله في حالة لا يصح أن يدخل عليه فيها أحد. لذلك فقد أوجب الإسلام الاستئذان حتى على (الخدم والصغار) في ثلاثة أوقات وسماها (عورات) لانكشاف العورات فيها وفي هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحُلُم، كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم وهو أدب رفيع يُغْفله الكثيرون في حياتهم، مستهينين بآثاره النفسية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة، وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه
стр. 810
المناظر بينما يقرر - علماء النفس - أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في مستقبل حياتهم وقد تصيبهم بأمراض نفسية، وخلقية، وتوجد فيهم عقداً يصعب شفاؤهم منها.
وهذا الأدب الإسلامي الرفيع لا نجده عند غير المسلمين، ويكفي الإسلام فخراً وشرفاً أنه دين (الأدب والستر) ودين الحشمة والوقار، فهو يأمر بغض الأبصار عن عورات الناس ويخصص هذه الأوقات الثلاثة دون غيرها لأنها مظنة انكشاف العورات، ولا يجعل استئذان الخدم والصغار في كل حين منعاً للحرج؛ فهم كثيروا الدخول والخروج على أهليهم بحكم صغر سنهم أو قيامهم بالخدمة وبذلك يجمع بين (الحرص) على ستر العورات وإزالة (الحرج) والمشقة عن الناس.
وأخيراً يدعو النساء إلى إخفاء الزينة منعاً لإثارة الفتن والشهوات ويأمر بالتحجب الكامل والتستر الشامل. ويستثني النساء العجائز اللواتي لا يحركن شهوة، ولا يثرن فتنة، فيسمح لهن أن يخلعن ثيابهن الخارجية على ألا تنكشف عوراتهن ولا تظهر زينتهن، وخير لهن وهنَّ العجائز المسنات أن يبقين كاسيات متسترات محتشمات بثيابهن الفضفاضة فذلك هو أدب الإسلام وذلك هو استعفاف المؤمنة الطاهرة التي تريد أن تحفظ نفسها، وتصون كرامتها، وهو ما سماه القرآن (بالاستعفاف) أي طلب العفة وإيثارها على حب الظهور وذلك لما بين (التبرج والفتنة) من صلة، وبين (التحجب والعفة) من صلة وكفى بذلك برهاناً على سمو الشريعة وطُهْر مقصدها ونيل غايتها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 811
[٩] إباحة الأكل من بيوت الأقرباء
التحليل اللفظي
﴿حَرَجٌ﴾ : قال الزجّاج: الحَرَج في اللغة الضيق، وفي الشرع: الإثم. قال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] والمتحرّج: الكافّ عن
стр. 812
الإثم، وفي الحديث «حدّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج» وتحرّج تأثّم، والتحريجُ: التضييق.
قال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضّيقُ ويقع على الإثم والحرام، وقيل الحَرَج: أضيق الضيق، ومعنى الحديث لا بأس ولا إثم عليكم أن تحدّثوا عنهم ما سمعتم. وقد ورد الحرج في أحاديث كثيرة وكلها راجعة إلى هذا المعنى.
وفي التنزيل: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام: ١٢٥] أي شديد الضيق لا ينشرح لخير.
﴿مَّفَاتِحهُ﴾ : جمع مِفْتحَ، وأمّا المفاتيح فجمع مفتاح، قال في «لسان العرب» : والمفتح، بكسر الميم والمفتاح: مفتاح الباب وكل ما فتح به الشيء، قال الجوهري: وكل مستغلق. وفي التنزيل ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة﴾ [القصص: ٧٦] قيل هي مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب، وقيل: هي الكنوز والخزائن.
قال الأزهري: والأشبه في التفسير أن قوله تعالى: ﴿مَّفَاتِحهُ﴾ خزائن ماله، والله أعلم بما أراد.
﴿أَشْتَاتاً﴾ : متفرقين جمع شَتّ، والشتات: الفرقة، وتشتّت جمعهم: أي تفرّق جمعهم، قال الطرماح:
شتّ شعبُ الحيّ بعدَ التئامِ ... وشَجَاكَ الرّبْعُ ربعُ المُقَام
قال في «لسان العرب» : الشَتّ: الافتراق والتفريق، والشّتيتُ المتفرّق، وفي التنزيل ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة: ٦] أي يصدرون متفرقين، منهم من عمل صالحاً، ومنهم من عمل شراً. وجاء
стр. 813
القوم أشتاتاً: متفرقين، واحدهم شَتّ.
ومعنى الآية؛ أي ليس عليكم إثم أو جناح أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين.
﴿فَسَلِّمُواْ﴾ : من التسليم بمعنى التحية، والمعنى: حيّوا بعضكم بعضاً بتحية الإسلام، وتحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله) وفي الحديث «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» والتسليم: مشتق من السّلام اسم الله تعالى، لسلامته من العيب والنقص.
قال في «للسان» : السلام والتحية معناهما واحد، وهو السلامة من جميع الآفات، وفي حديث التسليم: «قل السلام عليك، فإن عليك السلام تحيةُ الموتى» وقد جرت به عادتهم في المراثي كانوا يقدّمون ضمير الميت على الدعاء له كقوله: «عليك سلام الله قيسَ بن عاصم» .
وفي حديث أبي هريرة: (لما خلق الله آدم قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: «السلام عليكم ... » ) الحديث.
﴿تَحِيَّةً﴾ : قال الزجّاج: هي منصوبة على المصدر كقولك: قعدت جلوساً، لأن قوله: (فسلّموا) بمعنى فحيّوا، ومعنى الآية: فحيّوا بعضكم بعضاً تحية من عند الله مباركة طيبة. والتحية في اللغة: السلام، قال تعالى:
﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾ [المجادلة: ٨] . قال الأزهري: والتحية (تَفْعِلة) من الحياة، وإنما أدغمت لاجتماع الأمثال.
стр. 814
والهاء لازمة لها والتاء زائدة، وروي عن أبي الهيثم أنه قال: التحية في كلام العرب ما يحيّي بعضهم بعضاً إذا تلاقَوْا قال الشاعر:
«تحيةُ بَيْنِهِم ضربٌ وَجيعُ» ... ﴿مباركة﴾ : بالأجر والثواب، والبركة في اللغة أصلها: النماء والزيادة.
﴿طَيِّبَةً﴾ : حسنة طابت بالدعاء والإيمان أو تطيب نفس المحيّى بها، قال أبو بكر الجصاص: يعني أن السلام تحية من عند اله، لأن الله أمر به، وهي مباركة طيبة، لأنه دعاء بالسلامة، فيبقى أثره ومنفعته، وفيه الدلالة على أن قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ [النساء: ٨٦] قد أريد به السلام.
المعنى الإجمالي
يقول الله جلّ ذكره ما معناه: ليس على أهل الأعذار ولا على ذوي العاهات (الأعمى، والأعرج، والمريض) حرج أن يأكلوا مع الأصحاء، فإن الله تعالى يكره الكِبْر والمتكبرين، ويحب من عباده التواضع. وليس عليكم أيها المؤمنون حرج أن تأكلوا من بيوت أقربائكم أو أصدقائكم، أو البيوت التي توكّلون عليها، وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها، ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين، فإذا دخلتم بيوت إخوانكم أو أصدقائكم، فابدءوهم ابالسلام، وسلذموا عليهم بتحية الإسلام، التي هي شعار المؤمنين، تحية من عند الله مباركة طيبة، ذلك شرع الله وحكمه إليكم، لتتأدبوا بآداب الإسلام، وتتمسكوا بتعاليمه الرشيدة، التي فيها سعادتكم وصلاح دينكم ودنياكم، كذلك يبيّن الله لكم طريق الخير والسعادة لعلكم تعقلون الخير والحق في جميع الأمور وتكونون من المؤمنين المتقين.
стр. 815
سبب النزول
أولاً: عن ابن عباس ﵄: لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] تحرّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى، والزَّمنى، والعُمْي، والعُرْج وقالوا: الطعام أفضل الأموال وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيّب، والمريض لا يستوفي الطعام بسبب مرضه، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت الآية الكريمة ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ .
ثانياً: وعن سعيد بن المسيّب ﵁ أنه قال: إن ناساً كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ َ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيّبة، فنزلت هذه الآية.
ثالثاً: وروي عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: كان رجال زمنى وعميان وعرجان وأولو حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا لهم طعاماً ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمّى الله في هذه الآية، فكان أهل الزّمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام، لأنه أطعمهم غير مالكة فنزلت هذه الآية.
стр. 816
وجوه القراءات
أولاً - قرأ الجمهور ﴿مَلَكْتُمْ﴾ بالبناء للمعلوم، وقرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية ﴿مُلِّكْتُمْ﴾ بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها بالبناء للمجهول.
ثانياً - قرأ الجمور ﴿مَفَاتِحَه﴾ بالجمع، وقرأ أنس بن مالك، وقتادة ﴿مِفْتَاحَه﴾ بكسر الميم على الإفراد، وقرأ بن جبير ﴿مفاتيحه﴾ جمع مفتاح.
ثالثاً - قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قرئ بكسر الصاد اتباعاً لحركة الدال وقراءة الجمهور بفتح الصاد، ومثلها (أُمّهاتكم) بضم الهمزة وقرأ طلحة (إمّهاتكم) بكسر الهمزة.
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ الآية رفع الله تعالى الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، ولم يذكر في الآية متعلق الحرج فذهب جمهور المفسّري على أن نفي الحرج عن أهل العذر ومن بعدهم في (المَطَاعم) ويكون معنى الآية «ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا معه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج وتكون (على) بمعنى (في) » ذكره ابن جرير.
وقال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد: الحرج المنفي عن أهل العذر هو في القعود عن الجهادفي سبيل الله، وهو مقطوع ممّا قبله، إذ متعلّق
стр. 817
الحرجين، مختلف ويكون معنى الآية: «ليس على الأعمى، ولا على الأعرج ولا على المريض حرج في تركهم للجهاد وعدم خروجهم مع المجاهدين بسبب أعذارهم» ويكون الكلام قد تمّ هنا، وأنّ ما بعده مستأنف لا تعلّق له به، وهذا ما اختاره (أبو حيّان) في تفسيره «البحر المحيط» .
ثانياً: قوله تعالى: ﴿جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ قال أبو حيّان: انتصب «جميعاً» و «أشتاتاً» على الحال. أي مجتمعين، أو متفرقين.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مباركة طَيِّبَةً﴾ .
قال الزجّاج: تحيّة منصوبة على المصدر، لأن قوله (فسلّموا) بمعنى فحيّوا فتكونمفعولاً مطلقاً.
وقوله (مباركة طيّبة) صفتان للمصدر (تحيّةً) والجار والمجرور متعلق ب (مباركة) أو بنفس التحية والله أعلم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: ذكر الله تعالى بيوت الأقارب (الآباء، الأمهات، الإخوان، الأخوات، الأعمام، العمات) إلخ ولم يذكر بيوت الأولاد، والسّر في ذلك أن مال الولد مال الأب، وبيته بيته كما ورد (أنت ومالك لأبيك) فلم يذكر اكتفاءً بذكر (بيوتكم) فما يملكه الولد كأنه ملك للأب، لقوة حقّ القرابة وفي الحديث الشريف (إنَّ أطيبَ ما يأكل الرجل من كسب ولده، وإنَّ ولده من كسبه) .
قال أبو حيان: ولم يذكر بيوت الأولاد اكتفاءً بذكر بيوتكم، ومعنى قوله تعالى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أي من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم. والولد
стр. 818
أقرب من عدّد من القرابات، فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة، كان الذي هو أقرب منهم أولى.
اللطيفة الثانية: قيل لبعضهم من أحبّ إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحبّ أخي إلا إذا كان صديقي.
وقد أكل جماعة من أصحاب الحسن من بيته وهو غائب، فجاء فرآهم فسُرّ بذلك وقال: هكذا وجدناهم، يعني كبراء الصحابة.
وكان الرجل يدخل بيت صديقه، فيأخذ من كيسه، فيعتق جاريته التي مكنته من ذلك.
قال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة، ألا ترى استغاثة الجهنّميّين حيث يقولون: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات.
اللطيفة الثالثة: اشتهر العرب بالكرم. وكان قوم من الأنصار لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلاّ مع ضيفهم، وكات قبيلة (كنانة) يتحرّج الرجل أن يأكل وحده، فربما قدع والطعام بين يديه من الصباح إلى المساء، فإذا لم يجد من يؤاكله اضطر إلى الأكل وحده، وقد قال بعضهم مفتخراً:
إذا ما صَنَعْتِ الزّاد فالتمسي لهُ ... أكيلاً فإنّي لستُ آكلُهُ وَحْدي
اللطيفة الرابعة: قال الزمخشري: (فإذا دخلتم بيوتاً) فابدأوا بالسلام على أهلها، الذين هم فيها منكم ديناً وقرابة. و (تحية من عند الله) أي ثابتة بأمره ومشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب للسلامة، وحياة للمسلّم عليه. ووصفُها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يُرْجى بها من الله زيادة الخير، وطيب الرزق.
стр. 819
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿بُيُوتاً﴾ التنكير يفيد العموم، أي إذا دخلتم أيّ بيت من البيوت فسلّموا على أنفسكم، قال الفخر الرازي: (فسلّموا على أنفسكم) قال ابن عباس: فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل: السلام علينا من قبل ربنا.
وقال ابن جرير الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسملين، فليسلّم بعضكم على بعض، قال: وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ ولم يخصّص من ذلك بيتاً دون بيت، وقال: (فسلّموا على أنفسكم) يعني: بعضكم على بعض، فكان معلوماً إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معنيّ به جميعها، مساجدها وغير مساجدها.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما المراد بالأكل من البيوت؟
دلت الآية الكريمة على إباحة الأكل من بيوت الأقرباء، وذلك جار مجرى المؤانسة والمباسطة وعدم الكلفة، وقد جرت العادة ببذل الطعام للأقرباء، لأنه بذلك يسرّهم، فكان جريان العادة بالإذن كالنطق الصريح، فيباح للإنسان أن يأكل من بيوت من سمّى الله من الأقارب.
وقد اختلف المفسّرون في قوله تعالى: ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد بها بيوت الأولاد، أي بيوت أولادكم لأنها في حكم بيوتكم.
стр. 820
الثاني: أن المراد بها البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم، فيكون الخطاب لأهل الرجل، وولده، وخادمه، ومن يشتمل عليه منزله، ونسبها إليهم لأنهم سكّانها.
الثالث: أن المراد بها بيوتهم، والمقصود من الآية أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم، لأن بيت المرأة بيت الرجل.
واختار أبو بكر (الجصّاص) الرأي الثاني فقال: «يعني والله أعلم من البيوت التي هم سكّانها، وهم عيال غيرهم فيها مثل: أهل الرجل، وولده، وخادمه، ومن يشتمل عليه منزله، فيأكل من بيته، ونسبها إليهم لأنهم سكانها، وإن كانوا في عيال غيرهم وهو صاحب المنزل، لأنه لا يجوز أن يكون المراد الإباجة للرجل أن يأكل من مال نفسه، إذ كان ظاهر الخطاب وابتداؤه في إباحة الأكل للإنسان من مال غيره. وقال الله: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أمهاتكم﴾ فأباح الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب ذوي المحارم بجريان العادة ببذل الطعام لأمثالهم، وفقد التمانع في أمثاله» .
الحكم الثاني: هل للوكيل أن يأكل من مال موكّله؟
ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ يدل على أنه يرخّص للوكيل أن يأكل من مال الموكل، بغير شطط ولا عدوان، وقد روي عن (عكرمة) أنه قال: «إذا ملك المفتاح فهو جائز، ولا بأس أن يَطْعم الشيء اليسير» .
وروي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ هو وكيل الرجل يُرخَّص له أن يأكل من التمر، ويشرب من اللبن.
وقيل: المراد به وليّ اليتيم، يتناول من ماله بالمعروف دون إضرار باليتيم كما قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾ [النساء: ٦] .
стр. 821
الحكم الثالث: هل يباح الأكل من بيت الصّديق بغير إذنه؟
أباحة الآية الكريمة الأكل من بيوت من سمّى الله ّ من الأقارب، ومن بيوت الأصدقاء. وقد كان الواحد لا يأكل من بيت غيره تأثماً، فرخّص الله تعالى لأهل الأعذار (العمي، والعرج، والمرضى) أولاً ثمّ رخّص للنَّاس عامة، فلو دخلت على صديق فأكلت من طعامه بغير إذنه كان ذلك حلالاً.
قال الجصاص: «وهذا أيضاً مبني على ما جرت العادة بالإذن فيه، فيكون المعتاد من ذلك كالمنطوق به، وهو مثل ما تتصدق به المرأة من بيت زوجها بالكسرة ونحوها، من غير استئذانها إيّاه، لأنه متعارف أنهم لا يمنعون مثله، كالعبد المأذون والمكاتب يدعوان إلى طعامهما، ويتصدقان باليسير ممّا في أيديهما، فيجوز بغير إذن المولى. وقد روي عن نافع عن ابن عمر أنه قال:» لقد رأيتني وما الرجل المسلم بأحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم «.
وروى إسحاق بن كثير عن الرصافي قال:» كنا عند أبي جعفر يوماً فقال: هل يُدْخل أحدكم يده في كُمّ أخيه أو في كيسه فيأخذ ماله؟ قلنا: لا، قال: ما أنتم بإخوان «.
أقول: يباح للإنسان أن يأكل من بيت صديقه في غيبته لما بينهما من المودّة والصداقة، وقد جرت العادة بذلك، ودلت الآية عليه. والصديق يفرح بأكل صديقه عنده ويُسرّ غاية السرور. اللهم إلا إذا كان ممن قال فيهم الشاعر:
سِيَانِ كَسْرُ رغيفِهِ ... أو كَسْرُ عظم من عظَامِه
نسأله تعالى أن يقينا مرض البخل والشح إنه سميع مجيب الدعاء.
стр. 822
الحكم الرابع: ما هو حكم الشركة في الطعام؟
يجوز للإنسان أن يشارك غيره في الطعام، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ أي مجتمعين أو منفردين. فإذا اشترك جماعة في طعام جاز لهم أن يأكلوا منه مجتمعين. وقد كان الرجل يخاف إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل صاحبه، فامتنعوا لأجل ذلك من الاجتماع على الطعام. فرخّص لهم القرآن الكريم وأباح لهم الأكل حتى ولو كان بعضهم أشهى نفساً، وأوسع معدة. وقد دلّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فأباح لهم أن يخلطوا طعام اليتيم بطعامهم فيأكلوه جميعاً. ونحو هذا قوله تعالى عن أصحاب الكهف ﴿فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] .
فكان الورِق (الفضة) لهم جميعاً. والطعام بنهم فاستجازوا أكله وهذا ما يسميه الفقهاء (المناهدة) وهي الشركة التي يفعلها الناس في الأسفار.
الحكم الخامس: هل تقطع اليد في السرقة من بيت المحارم؟
قال ابو بكر الجصّاص ﵀ في كتابه «أحكام القرآن» : «قد دلت هذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع؛ لإباحة الله لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم، ودخولها من غير إذنهم، فلا يكون ماله مُحْرَزاً منهم.
فإن قيل: فينبغي أن لا يقطع إذا سرق من صديقه، لأن في الآية إباحة الأكل من طعامه؟ قيل له: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له» .
стр. 823
أقول: الحدود تُدْرأ بالشبهات، ولمّا كانت السرقة من بيت ذي الرحم المحرم، وبينهما هذه القرابة القوية وهي (قرابة الرحم) فقد وجدت الشبهة، فلا قطع حينئذٍ وإنما فيه التعزير والله تعالى أعلم.
الحكم السادس: هل الآية الكريمة منسوخة بآية الاستئذان؟
ذهب بعض المفسّري إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧] وبقوله ﷺ َ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» والصحيح أنها غير منسوخة وهو رأي جمهور المفسّري ومذهب الإمام أبي بكر الجصّاص والرازي وغيرهما. وقد قال أبو بكر: ليس في ذلك ما يوجب النسخ، لأن هذه الآية فيمن ذكر فيها - أي من أهل الأعذار والأقارب - وقوله ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] في سائر الناس غيرهم، وكذلك قوله ﷺ َ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» فإنه في غير هؤلاء المذكورين في الآية الكريمة والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً - رفع الحرج عن أهل الأعذار في ترك الجهاد أو في الأكل من بيوت الناس.
ثانياً - إباجة الأكل من بيوت الأقارب للمؤانسة والمباسطة التي تكون في العادة بينهم.
ثالثاً - حق الصداقة عظيم ولذلك رخّص الله في الأكل من بيت الصديق بغير إذنه.
стр. 824
رابعاً - جواز الشركة في الطعام والأكل مع بقية الشركاء مجتمعين أو متفرقين.
خامساً - ضرورة التقيد بآداب الإسلام ومنها السلام على أهل المنزل عند الدخول.
سادساً - تحية المسلم لأخيه المسلم شرعها الباري جلّ وعلا وهي بلفظ السلام عليكم ورحمة الله.
سابعاً - الأحكام التي شرعها الله لعباده المؤمنين فيها خيرهم وصلاحهم وسعادتهم في الدراين.
حكمة التشريع
حرّم الله تعالى الاعتداء على الناس وأكل أموالهم بالباطل، فلا يجوز لإنسان أن يأكل مال غيره إلاّ بإذنه، وبطيب نفسٍ منه كما قال ﷺ َ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» وقال ﷺ َ: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه، ومالُه، وعرضُه» .
وقد أباح الباري جلّ وعلا للإنسان أن يأكل من بيت أقاربه بدون إذن، وهم الذين سمّاهم في كتابه العزيز وعدّد أصنافهم وهم (الآباء، الأمهات، الإخوان، الأخوات، الأعمام، العمات، الأخوال، الخالات) وذلك لما بين هؤلاء من صلة الرحم، ولأنه يستدعي المحبة والوداد والوئام، فإنَّ أكل الإنسان من بيت أقربائه، يقوّي أواصر القرابة، ويزيل الكُلْفة، ويدعو إلى المؤانسة والانبساط.
كما أباح الأكل من بيت الصديق بدون إذن أيضاً، لأن الصداقة بمنزلة القرابة؛ وحق الصديق على صديقه عظيم وكبير، وكم من صديق أنفع
стр. 825
من أخٍ قريب. وقد قيل في الأمثال: «ربّ أخٍ لك لم تلده أمّك» .
ولهذا رخّص المولى جلّ ثناؤه بالأكل من بيوت الأصدقاء. وجعلهم في عداد الأقرباء، حتى تدوم الألفة، وتتمكن الصداقة والمودّة. وتتقوى روابط (الأخوّة الدينيّة) بين المسلمين، وذلك من أغراضالشريعة الإسلامية، وأهدافها الإنسانية السامية. وصدق الله: ﴿إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
وقد أمر عباده المؤمنين، عند دخولهم لبيوت الآخرين، أن يبدءوهم بالتحية والسلام. فذلك من الآداب الإجتماعية الرفيعة. التي دعا إليها الإسلام. وأمر بإشاعة السلام لأنه تحية المؤمن وشعار الإسلام. وهو طريق المحبة بين المؤمنين. الذي يربط بين أفراد الأمة الإسلامية. كما قال ﷺ َ: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» .
وقد كان أهل الجاهلية إذا لقي الرجل منهم صديقه أو أخاه. يقول له: أنعم صباحاً، أو أنعم مساءً. وأنعم الله بك عيناً إلخ. فجاء الإسلام بما هو خير وأزكى وأطهر. جاءهم بالتحية المباركة الطيبة، بلفظ كريم لطيف «السلام عليكم ورحمة الله» وهذه التحية شرعها الله لعباده كما قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مباركة طَيِّبَةً﴾ والسلام اسم من أسماء الله تعالى فلا يليق بالمسلم أن يدع هذه التحية إلى تحية الجاهلية. أو ما شابهها من ألفاظٍ مستحدثة كقولهم: احترماتي، تحياتي. صباح الخير، إلى غير ما هنالك من ألفاظ وعبارات ليس فيها ذلك المعنى اللطيف أو المغزى الدقيق الذي قصد إليه الإسلام، دين الإنسانية الخالد.
стр. 826
سورة لقمان
[١] «طاعة الوالدين» أو «بر الوالدين»
التحليل اللفظي
﴿الحكمة﴾ : الإصابة في القول والعمل. وأصل الحكمة: وضع الشيء في موضعه قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
قال الرازي: الحكمة عبارة عن التوفيق بين العلم والعمل، فكلّ من أوتي توفيق العلم بالعمل فقد أوتي الحكمة.
стр. 827
وفي «اللسان» : أحكم الأمر: أتقنه، ويقال للرجل إذا كان حكيماً: قد أحكمته التجارب، والحكيم: المتقن للأمور. وقد كان لقمان حكيماً على الرأي الراجح ولم يكن نبياً.
﴿غَنِيٌّ﴾ : مستغنٍ عن الخلق ليس بحاجة إلى أحد، والعبادُ محتاجون إليه جلّ وعلا ﴿ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله والله هُوَ الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥] .
﴿حَمِيدٌ﴾ : فعيل بمعنى (مفعول) أي محمود يحمده أهل السماء وأهل الأرض.
قال أبو السعود: (حميد) أي حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد، والمعنى أنه تعالى مستحق للحمد سواء شكره الناس أو لم يشكروه.
﴿يَعِظُهُ﴾ : العظة والموعظة بمعنى (النصيحة) و (الإرشاد) بالأسلوب الحكيم ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥] . وفي حديث العرباض بن ساريه (خطبنا رسول الله ﷺ َ بموعظةٍ ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب ... .) .
﴿وَهْناً﴾ : مصدر وَهَن بمعنى ضعف، والوهن الضعف، وفي التنزيل ﴿رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] .
قال الزجّاج: (وهناً على وهنٍ) أي ضعفاً على ضعف، والمعنى: لزمها بحملها إيّاه أن تضعف مرة بعد مرة، فلا يزل ضعفها يتزايد من حين الحمل إلى الولادة، لأن الحمل كلما عظم ازدادت به ثقلاً وضعفاً. ثم هي في أصل خلقتها ضعيفة البنية والحمل يزيدها ضعفاً.
стр. 828
﴿وفصاله﴾ : فطامه، والفِصال: يراد منه ترك الإرضاع، وهو لفظ يستعمل في الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعمّ منه، لأنه يستعمل في الرضاع وغيره، وقيل: هما بمعنى واحد.
قال في «اللسان» : والفصال: الفطام، قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] .
وفصلت المرأة ولدها أي فطمته، وفي الحديث (لا رضاع بعد فصال) قال ابن الأثير: أي بعد أن يفصل الولد عن أمه، وبه سُمّي الفصيل من أولاد الإبل، فعيل بمعنى مفعول.
ومعنى الآية: أي فطامه يتم في انقضاء عامين.
﴿المصير﴾ : المرجع والمآب قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ المصير﴾ [المائدة: ١٨] أي الرجوع والمآب، وصِرْت إلى فلان مصيراً، قال الجوهري: وهو شاذ والقياس مَصَار مثل معاش، وفي كلام الفَزَاري لعمه (ابن عنقاء) : ما الذي أصارك إلى ما أرى يا عم؟ قال: بخلك بمالك، وبخل غيرك من أمثالك، وصوني أنا وجهي عن مثلهم وتسآلك!
﴿جاهداك﴾ : أي بذلا أقصى ما في وسعهما من أجل حملك على الإشراك بالله، يقال: جاهد أي بذل جهده قال تعالى:
﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] والجهاد المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة، ولهذا يسمى المحارب (مجاهداً) لأنه يبذل ماله ونفسه وروحه في سبيل الله. فهو قد بذل كل ما لديه قال الشاعر:
يقولونَ جاهدْ يا جميلُ بغزوةٍ ... وأي جهادٍ غيرهنّ أريد؟
стр. 829
﴿مَعْرُوفاً﴾ : أي صاحبهما مصاحبة بالمعروف، والمعروف ما يستحسن من الأفعال.
﴿أَنَابَ﴾ : أي رجع إلى ربه وتاب إليه، والمنيب: الراجع إلى ربه، السالك طريق الاستقامة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩] .
قال الطبري: وقوله ﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يقول: واسلك طريق من تاب من شركه، ورجع إلى الإسلام، واتّبع محمداً ﷺ َ.
المعنى الإجمالي
نبّه الباري جلّ وعلا في هذه الآيات الكريمة إلى المقام الرفيع الذي أُعطيه العبد الصالح (لقمان) . . وذكّر بحق الوالدين، وحذّر من الشرك، الذي هو أعظم الجرائم عند الله، فالله جلّ ثناؤه يخبرنا عن أمر ذلك العبد الصالح، الذي رزقه الله الحكمة، وآتاه العقل والرشد، فكان ينطق بالحكمة ويعلّمها الناس.
وقد عدّد بعض هذه النصائح، التي أوصى بها (لقمان الحكيم) ولده، وكان من أهمها وأخطرها، التحذير من (الكفر والإشراك) لأنه نهاية القبح والشناعة ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
يقول الله جل ثناؤه ما معناه: اذكر يا محمد لقومك. موعظة لقمان لابنه، وهو أشفق الناس عليه، وأحبّهم لديه، حين نبَّهه إلى خطر الشرك بالله، وجحود نعمائه.
وحذّره من ضرره، لأنه ظلم صارخ، وعدوان مبين، لما فيه من وضع الششيء في غير موضعه. فمن سوّى بين الخالق والمخلوق، وبين
стр. 830
الإله الرازق، والصنم الذي لا يسمع ولا ينفع ولا يغني عن صاحبه شيئاً. فهو - بلا شك - أحمق الناس. وأبعدهم عن منطق العقل والحكمة. وحريّ به أن يوصف بالظلم، ويجعل في عداد البهائم.
وبعد أن ذكر سبحانه ما أوصى به لقمان ابنه من شكر المنعم، وذكر ما في الشرك من الشناعة. أتبعها سبحانه بوصيةٍ مستقلةٍ عن وصايا لقمان ألا وهي (الوصية بالوالدين) ليشير إلى قبح الشرك، ويؤكد حكمة الرجل الصالح (لقمان) لابنه في نهيه عن الشرك فكأنه تعالى يقول: مع أننا أوصينا الإنسان بوالديه، وأمرناه بالعطف عليهما، والإحسان إليهما، وألزمناه طاعتهما لما تحملا في سبيله من المتاعب والمصاعب، مع كل هذا فقد حذَّرناه من طاعتهما في حالة الشرك والعصيان، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالوضع السليم بين (الأب وابنه) هي الطاعة والإحسان، وامتثال كمال الأدب مع من ربّاه وتعب في شأن تربيته.
﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: ٢٤] فإذا تغيّر الوضع، وأصبح الأب والأم مدعاةً للشرك، ومصدراً للعصيان، فلا سمع ولا طاعة ولا استجابة لصوت الضلال، مهما بذلا من جهدٍ، ومع كل ذلك فقد ختم الله جلّ ثناؤه الآية الكريمة بوجوب صحبتهما بالمعروف والإحسان إليهما في الدنيا حتى ولو كانا مشركَيْن، لأنّ حقهما على ولدهما عظيم، وكفرُهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب التي تحمّلاها في تربية الولد، فالإحسان إليهما واجب، وطاعتهما في معصية الله ممنوعة، واتباع سبيل المؤمنين الصادقين هو الطريق السوي الذي يوصل إلى رضوان الله تعالى.
стр. 831
سبب النزول
روى الحافظ (ابن كثير) في تفسيره عن (سعد بن أبي وقاص) ﵁ أنه قال: (كنتُ رجلاً براً بأمي، فلما أسلمتُ، قالت يا سعد: ما هاذ الدين الذي أراك قد أحدثت ﴿لتَدَعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب، حتى أموت فتعيّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلتَ لها: يا أمّهْ لا تفعلي، فإني لا أدع ديني هذا لشيء أبداً) ﴾ !
قال: فمكثتْ يوماً وليلة ولم تأكُلْ، فأصبحتْ وقد جَهِدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتدّ جهدها. . فلما رأيتُ ذلك جئتُ إليها فقلت: يا أُمّهْ، تعلمينَ واللَّهِ، فإن شئتِ فكلي وإن شئت فدعي. . فلما رأت صلابته في دينه أكلت فأنزل الله ّ ﴿وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ... ﴾ الآية.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: ذَكَرَ اللَّه في الوصية (أمر الوالدين) ثمّ نوّه بشأن الأم خاصة، فهو من باب ذكر (الخاص بعد العام) لزيادة العناية والاهتمام، ولبيان أن حق الأم على الولد أعظم من حق الأب، وقوله
стр. 832
تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ﴾ هذه جملة اعتراضية.
قال الزمخشري: في «الكشاف» : فإن قلت: قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ﴾ كيف اعترض به بين المفسَّر والمفسِّر؟ قلتُ: لمّا وصّى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاقّ والمتاعب، في حملة وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجاباً للتوصية بالوالدة خصوصاً وتذكيراً بحقها العظيم مفرداً، ومن ثمّ قال بعد ذلك: أباك.
وروي عن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره، وهو يقول في حدائه: (أحمل أمي وهي الحمّالة، ترضعني الدرّة والعُلَالة، ولا يُجَازَى والدٌ فِعَاله) .
اللطيفة الثانية: حين أمر سبحانه بشكر الوالدين قدّم شكره تعالى على شكرهما فقال ﴿أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وفي هذا التقديم إشارة إلى أن حقّ الله أعظم من حق الوالدين، وشكره أوجب وألزم، لأنه تعالى هو المنعم الحقيقي، المتفضل على عباه بالنعم، وشكر الوالدين جزء من شكر المنعِم، والله جلّ وعلا هو السبب الحقيقي في الخلق والايجاد، والوالدان سبب ظاهري، فينبغي أن يُقدَّم السبب الحقيقي على السبب الظاهري.
اللطيفة الثالثة: تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر فقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ المصير﴾ وقوله ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ تقدّم الجار والمجرور على المتعلّق به فأفاد معنى الحصر والمعنى: إليّ المرجع والمآب لا إلى غيري، وإليّ مرجع الخلائق جميعاً لا إلى أحدٍ سواي.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فِي الدنيا﴾ ذكرُ الدنيا في الآية الكريمة،
стр. 833
فيه إشارة إلى (تهوين) أمر الصحبة، وتقليل مدتها لأنها في أيام قلائل، وشيكة الزوال والانقضاء، فلا يصعب على الإنسان تحمّلها.
ولقد أحسن من قال:
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له ... إنّ الحياةَ دقائقٌ وثواني
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ في الآية الكريمة إشارة إلى سلوك طريق الصالحين والاقتداء بالسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. وفسّره بعضهم بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَهْناً على وَهْنٍ﴾ هو أبو بكر الصديق ﵁ أي أتّبع سبيله في الإيمان لأن إسلام (سعد) كان بسببه.
والصحيح كما قال الألوسي: أنها عامة تعمُ كل من اتصف بهذا الوصف.
وجوه القراءات
١ - قوله تعالى: ﴿وَهْناً على وَهْنٍ﴾ قراءة الجمهور بسكون الهاء، وقرأ الضحاك وعاصم ﴿وَهْناً على وَهْنٍ﴾ بفتح الهاء فيهما.
٢ - قوله تعالى: ﴿وفصاله فِي عَامَيْنِ﴾ قرأ النخعي والأعمش ﴿وفَصَاله﴾ بفتح الفاء، والجمهور بكسرها، وقرأ الحسن وأبو رجاء ﴿وفَصْله﴾ بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف.
٣ - قوله تعالى: ﴿يابني أَقِمِ الصلاة﴾ [لقمان: ١٧] قراءة الجمهور بفتح الياء على تقدير ﴿يا بُنَيّا﴾ والاجتزاء بالفتحة عن الألف، وقرأ البزي ﴿يَا بْنِي﴾ بالسكون، وقرأ بعضهم ﴿يا بُنَيِّ﴾ بكسر الياء مع التشديد.
стр. 834
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لقمان﴾ إذْ ظرف متعلق بفعل مقدر، وتقديره: إذكر إذ قال لقمان، و (لقمان) ممنوع من الصرف للتعريف والألف والنون الزائدتين كعثمان، وعمران، ويجوز أن يكون أعجمياً، فلا ينصرف للعجمة والتعريف.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ وهناً: حال من الفاعل، والمعنى حملته أمُمه ذات وهن أو واهنة، وهذا اختيار أبي حيّان والزمخشري.
والمصدر يأتي (حالاً) بكثرة كما قال ابن مالك:
ومصدرٌ منكّرٌ حالاً يقع ... بكثرةٍ كبغتةً زيدٌ طلع
واختار ابن الأنباري أن يكون منصوباً بنزع الخافض وتقديره: حملته أمه بوهنٍ، فحذف حرف الجر فاتصل الفعل به فنصبه.
والأرجح الأول لعدم احتياجه للتأويل بخلاف الثاني.
٤ - قوله تعالى: ﴿أَنِ اشكر للَّهِ﴾ قال الزجّاج: هي في موضع نصب على حذف حرف الجر، وتقديره، بأن اشكر، وقيل (أنْ) مفسّرة بمعنى (أيْ) كقوله تعالى: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ [ص: ٦] قال النحّاس: والأجود أن تكون مفسّرة.
стр. 835
٥ - قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ انتصب (معروفاً) على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: صحاباً معروفاً أو بنزع الخافض والتقدير: وصاحبهما بالمعروف.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هي مدة الرضاع المحرِّم؟
استدل الفقهاء على أن مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم هو سنتان بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وفصاله فِي عَامَيْنِ﴾ فإنّ المراد بالفصال الفطام فتكون السنتان هي تمام مدة الرضاع.
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى في سورة البقرة [٢٣٣] ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ... ﴾ الآية. على أن أقصى مدة الرضاع سنتان فقط.
وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) رحمهم الله تعالى.
وذهب الإمام (أبو حنيفة) ﵀ إلى أن مدة الرضاع المحرِّم سنتان ونصف، ودليله قوله تعالى في سورة الأحقاف [١٥] : ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً ... ﴾ الآية.
وله في الاستدلال من الآية الكريمة وجهان:
الوجه الأول: أن المراد بالحمل هنا ليس حمل الجنين في بطن أمه، وإنما حمله على اليدين من أجل الإرضاع فكأن الله تعالى يقول: تحمل الأم ولدها بعد الولادة لترضعه مدة ثلاثين شهراً، فتكون المدة المذكورة في الآية الكريمة لشيءٍ واحد وهو الرضاع.
الوجه الثاني: أنّ الله ذكر في الآية الكريمة أمرين وهما: (الحمل) و (الفِصال) ، وأعقبهما بذكر بيان المدة، فتكون هذه المدة لكلٍ
стр. 836
من الأمرين استقلالاً ويصبح المعنى على هذا التأويل: حملة ثلاثون شهراً، وفصاله ثلاثون شهراً أي إن المدة لكلٍ منهما (عامان ونصف) وبذلك يثبت أن مدة الرضاع عامان ونصف، وهو كما إذا قال إنسان عليه دين (لفلانٍ وفلان عندي مائة إلى سنة) فتكون السنة هي أجل كلٍ من الدَيْنَيْن، وكذلك هنا تكون الثلاثون شهراً مدة كلٍ من الحمل والرضاع. وهذا الرأي الذي ذهب إليه (أبو حنيفة) رحمة الله لم يوافقه عليه تلميذاه (أبو يوسف) و (الإمام محمد) بل قالوا بمثل قول الجمهور وهو أن مدة الرضاع المحرِّم عامان فقط.
الترجيح: ولعلنا بعد استعراض الأدلة نرجح قول الجمهور، لا سيّما وأنّ تلميذيه قد خالفاه فيما ذهب إليه، ودليل أبي حنيفة وإن كان وجيهاً إلا أن يحتاج إلى تكلفٍ في التأويل بخلاف دليل الجمهور. والله أعلم.
الحكم الثاني: كم هي مدة الحمل الشرعي؟
أجمع الفقهاء على أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر، وهذا الحكم مستنبط من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] ومن قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿وفصاله فِي عَامَيْنِ﴾ فمن مجموع الآيتين الكريمتين يبتيَّن أن أقل مدة الحمل هي ستة شهور. . قال (ابن العربي) في تفسيره: روي أن امرأة تزوجت فولدت لستة أشهر من يوم تزوجت، فأتي بها عثمان ﵁ فأراد أن يرجمها، فقال (ابن عباس) لعثمان: إنها إن تخاصمْكم بكتاب الله تخصِمْكم، قال الله : ﴿وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ... ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالحمل ستة أشهر، والفصال أربع وعشرون شهراً، فخلّى عثمان ﵁ سبيلها.
وفي رواية أنّ (علي بن أبي طالب) قال له ذلك.
قال ابن العربي: وهو استنباط بديع.
стр. 837
الحكم الثالث: هل يقتص من الوالد بجنايته على الولد؟
ذهب الجمهور الفقهاء إلى أن الولد لا يستحق القوَد على أحد والديه بجناية أحدهما عليه، ولا يقتص منهما بسبب الولد، كما لا يحدّ إذا قذفه أحدهما ولا يحبس له بدين عليه.
ودليلهم أن الله قد أمر بالصحبة لهما بالمعروف فقال ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ وليس من المعروف أن يقتص من الوالد للولد، ولا أن يحبس في دينه، ولا أن يحدّ إذا قذفه لأن ذلك كلّه مما يتنافى مع صحبتهما بالمعروف. ولأنهما كانا سبباً في حياته، فلا يصح أن يكون الولد سبباً في إهلاك والديه. وقد جاء في الحديث ما يؤيد هذا حيث قال ﷺ َ «لا يقاد للولد من والده» .
الحكم الرابع: هل تلزم طاعة الوالدين في الأمور المحظورة؟
قال العلامة القرطبي: (إن طاعة الأبوين لا تراعى في ارتكاب كبيرة، ولا في ترك فريضة وتلزم طاعتهما في المباحات، ونقل عن (الحسن) أنه قال: إن منعته أُمّه من شهود صلاة العشاء شفقةً فلا يطعها) .
ثم قال: والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق. وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي ﷺ َ وقد قدمت عليها أمها من الرضاعة فقالت: «يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم» .
وهذه الأحكام استنبطها العلماء من قوله تعالى: ﴿وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ فكما تحرم طاعة الوالدين في الشرك تحرم في كل معصية، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذا المعنى قد سَنّه الخليفة الراشد (أبو بكر) ﵁ في خطبته الأولى حين تولى الخلافة على المؤمنين. فكان فيما قال:
стр. 838
(أما بعد. أيها الناس: إني قَدْ وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوِّموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم) .
الحكم الخامس: هل يصح سلوك طريق غير المؤمنين؟
ظاهر قوله تعالى: ﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ وجوب الاقتداء بالسلف الصالح وسلوك طريق المؤمنين، وتحريم السير في اتجاه يخالف اتجاههم كطريق المنافقين والكافرين. وقد صرّح بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] . فلا بدّ من الانضواء تحت رأية أَهل التوحيد والإيمان واتباع سبيلهم، فالخير كله في الاقتداء بهم، والسير على منوالهم. ولقد أحسن من قال:
فكلّ خيرٍ في اتباع من سَلَف ... وكلّ شرٍّ في ابتداعِ من خلَف
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
١ - الحكمة هبة إليهة لا تنال إلا بطريق التقوى والعمل الصالح.
٢ - شكر النعمة واجب على المرء. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
٣ - الشرك من أعظم الذنوب، وأكبر الجرائم عند الله وهو محبط للعمل.
٤ - طاعة الوالدين من طاعة الله، وبرهما مقرون بعبادة الله تعالى.
٥ - حق الأم على ولدها أعظم من حق الأب لأنّ أتعابها عليها أكثر.
٦ - لا تجوز الطاعة في المعصية. إنما الطاعة في المعروف كما بينَّه ﵇.
стр. 839
حكمة التشريع
أوصى الله تعالى بالوالدين إحساناً، وأمر ببرّهما وطاعتهما والإحسان إليهما، وخصّ (الأم) بمزيد من العناية والاهتمام، فجعل حقّها أعظم من حق الأب، لما تحملته من شدائد وأهوال تجاه طفلها الوليد، ولما قاسته من آلام في سبيل تربيته وحياته. فمن أحق بالعناية والرعاية من الأم؟ ﴿الأم التي حنت عليه فغذته بلَبَانها، وغمرته بحنانها، وآثرته على نفسها وراحتها فشقيت من أجل سعادته، وتعبت من أجل راحته، وتحمّلت الأثقال والآلام في سبيل أن ترى وليدها زهرة يانعة، تعيش بين أزهار الربيع، فكم من ليلة سهرت من أجل راحته، لتطرد عنه شبح الخوف، أو تزيل عنه ألم المرض، وكم من ساعة قضتها بين جدران البيت تحمله على يديها، متعبة مثقلة لتواسيه في وقت شدته ومحنته ... فهل يليق بعد كل هذا أن يسلك طريق العقوق، أو يجنح إلى الإساءة والعصيان؟﴾
فحق الأم على ولدها عظيم، وفضلها عليه كبير وجسيم، إذ هي السبب المباشر في حياة هذا الطفل بعد الله ، فلولا رعايتها وحنانها، ولولا تحملها المتاعب والآلام، لَمَا تَربّى وليد، ولا عاش إنسان! ﴿
وقد أمر الله تعالى بشكر الوالدين، وطاعتهما وبرّهما حتى ولو كانا (مُشْركَيْن) ، ولكنّه جلّ ثناؤه حذّر من اتّباعهما ومسايرتهما في أمر الكفر والإشراك ﴿وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ إذْ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله ّ. . فطاعتهما مشروطة بطاعة الله، وفي الحدود التي يقرّها الشرع الحنيف، ولا يكون فيها تضييع لحق الخالق، أو حقّ المخلوق، فشكرُ الوالدين من شكر الله، وطاعتهما - فيما ليس فيه معصية - من طاعة الله﴾ ! وصدق الله حيث يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] .
стр. 840
سورة الأحزاب
[١] التبني في الجاهلية والإسلام
التحليل اللفظي
﴿اتق الله﴾ : أي أثبت على تقوى الله ودم عليها، والتقوى لفظ جامع يراد منه فعلُ كلّ خير، واجتنابُ كل شر، وأصله من (الوقاية) بمعنى الحفظ والصيانة.
قال في «اللسان» : التقوى، والإتّقاء، والتّقاة، والتّقيّة كله
стр. 841
واحد، ورجل تقيّ: معناه يقي نفسه من العذاب والمعاصي بالعمل الصالح.
قال ابن الوردي:
واتّقِ اللَّهَ فتقوى اللَّهِ مَا ... جاورتْ قلبَ امرئٍ إلاّ وصَل
ليس كم يقطعُ طرقاً بطَلاً ... إنَما مَنْ يَتَّق اللَّهَ البطل
﴿الكافرين﴾ : جمع كافر، وهو الجاحد لنعم الله، مشتق من (الكَفْر) وهو الستر، وكل من ستر شيئاً فقد كفره، ولهذا يسمّى الزارع (كافراً) لأنه يستر الحب في الأرض ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] أي أعجب الزرّاع. ويسمى الليل كافراً لأنه يستر بظلامه الأشياء.
وفي الصحاح: والكافر: الليلُ المظلم لأنه يستر بظلمته كل شيء، وكفر النعمة جحدها.
وقال الجوهري: ومن ذلك سُمّي الكافر كافراً لأنه ستر نعم الله ّ، ونعمُه آياته الدالة على توحيده.
قال بعض العلماء: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله أصلاً، ولا يعترف به، ويكفر بقلبه ولسانه.
وكفر جحود وهو أن يعترف بقلبه ولا يقرّ بلسانه، ككفر إبليس، وكفر أهل الكتاب ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وكفر عناد وهو: أن يعترف بقلبه، ويقرّ بلسانه ولا يدين به حسداً وبغياً ككفر أبي جهل وأضرابه.
وكفر نفاق وهو: أن يقرّ بلسانه ويكفر بقلبه فلا يعتقد بما يقول وهو فعل المنافقين.
стр. 842
﴿والمنافقين﴾ : جمع منافق وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، مشتق من (النَّفَق) وهو سَرَب في الأرض، والنافقاء: جُحْرُ الضبّ واليربوع، قال أبو عبيد: سمّي المنافق منافقاً للنّفق وهو السّرَب في الأرض، وقيل: إنما سُمّي منافقاً لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه. فإذا طُلِبَ خرج من القاصعاء، فهو يدخل من (النافقاء) ويخرج من (القاصعاء) أو بالعكس، وهكذا يفعل المنافق يدخل في الإسلام ثمّ يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه.
وقال في «اللسان» : وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق، وهو اسم اسلاميّ لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويُظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً.
﴿وَكِيلاً﴾ : الوكيل: الحافظ، الكفيل بأرزاق العباد، والمتوكل على الله: الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره، فيركن إليه وحده، ولا يتوكل على غيره، وفي التنزيل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وتوكّلَ بالأمر إذا ضمن القيام به. والتوكل: اللجوء والاعتماد يقال: وكلتُ أمري إلى فلان أن ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
والمعنى: اعتمد على الله والجأ إليه، وكفى به حافظاً وكفيلاً.
قال أبو السعود: ﴿وَتَوَكَّلْ على الله﴾ أي فوّض جميع أمورك إليه ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ أي حافظاً موكلاً إليه كل الأمور.
﴿تظاهرون﴾ : نزل القرآن الكريم والعرب يعقلون من هذا التركيب (ظاهر من
стр. 843
زوجته) أنه قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي، وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة، وكان الظّهار عندهم طلاقاً، فلما جاء الإسلام نُهوا عنه، وأُوجِبت الكفارة على من ظاهر من امرأته.
قال في «اللسان» : وأصل الظّهار مأخوذ من الظَّهْر، وإنما خصّوا الظهر دون البطن والفخذ، لأنّ الظهر موضع الركوب، فكأنه قال: ركوبك للنكاح عليّ حرام كركوب أمي للنكاح، فأقام الظهر مقام الركوب، وهذا من لطيف الاستعارات للكناية.
﴿أَدْعِيَآءَكُمْ﴾ : جمع دَعيّ، وهو الذي يُدعى ابناً وليس بابن، وهو النبي الذي كان في الجاهلية وأبطله الإسلام، وقد تبنّى ﵇ (زيد بن حارثة) قبل النبوة لحكمة جليلة نبينها بعد إن شاء الله.
قال في «اللسان» : والدّعي: المنسوب إلى غير أبيه، والدِّعوة بكسر الدال: أدّعاء الولد الدّعيّ غير أبيه، وقال ابن شُميل: الدَّعوة بالفتح في الطعام، والدِّعوة بالكسر في النسب.
وقد أنكر بعضهم هذه التفرقة.
وقال الشاعر:
دعيّ القوم ينصرُ مدّعيه ... ليُلحقه بذي النسب الصّميم
أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقَيْسٍ أو تميم
﴿أَقْسَطُ﴾ : بمعنى أعدل أفعل تفضيل، يقال: أقْسَط إذا عدل، وقَسَط إذا جار وظلم، فالرباعي (أقسط) يأتي اسم الفاعل منه (مُقْسِط) بمعنى عادل ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] والثلاثي (قَسَط) يأتي
стр. 844
اسم الفاعل منه (قاسط) بمعنى جائر ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] فكأن الهمزة في أقسط للسلب، كما يقال: شكا إله فأشكاه، أي أزال شكواه.
والقِسط: العدل قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ [الرحمن: ٩] .
﴿ومواليكم﴾ : أي أولياؤكم في الدين، جمع مولى وهو الذي بينه وبين غيره حقوق متبادلة كما بين القريب وقريبه، والمملوك سيّده.
ومعنى الآية: فإن لم تعرفوا آباءهم أيها المؤمنون فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه، فليقل أحدكم: يا أخي، أو يا مولاي، يقصد بذلك الأخوّة والولاية في الدين.
﴿غَفُوراً﴾ : يغفر ذنوب عباده، ويكفّر عنهم السيئات إذا تابوا ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: ٨٢] .
﴿رَّحِيماً﴾ : بعباده ومن رحمته أنه رفع الإثم عن المخطئ، ولم يؤاخذه على خطئه.
المعنى الإجمالي
أمر الله ﵎ نبيّه الكريم بالتقوى واجتناب المحارم، وحذّره من طاعة الكفار والمنافقين، لأنهم اعداء الله ورسوله، وأعداء المؤمنين، لا يؤتمنون على شيء، ولا يستشارون في أمر، فظاهرهم غير باطنهم، وصورتُهم غير حقيقتهم، لذلك ينبغي الحذر منهم، وعدم الاستجابة لهم، والإعراض عنهم لأنهم فسقة خارجون عن طاعة الله ّ.
والخطاب وإن كان في صورته موجهاً للنبي ﵇، لكنّه في الحقيقة
стр. 845
تعليم للأمة، وإرشاد لها؛ لتسلك طريق التقوى، وتعمل تهدي القرآن.
وقد استحدث أهل الجاهلية بدعاً غريبة، ومنكراتٍ كثيرة، زعموا أنّها من الدين، فنزل القرآن الكريم مبطلاً لهذه البدع، مغيّراً تلك الخرافات والأباطيل، بالحق الساطع، والبرهان القاطع، مقرراً الأمر على أساس المنطق السليم.
يقول الله تعالى ما معناه: «يا أيها النبي تحل بالتقوى، وتمسّك بطاعة الله، ولا تطع أهل الكفر والنفاق فيما يدعونك إليه من اللين والتساهل وعدم التعرض لآلهتهم بسوء، فإنّ الله عالم بأحوال العباد، لا تخفى عليه خافية، واتّبْع ما يوحيه إليك ربك، من الشرع القويم، والدين الحكيم، ولا تخش وعيد أحدٍ من المشركين، فإنّ الله معك فتوكل عليه، والجأ في جميع أمورك إليه، فهو الحافظ والناصر. ثم ردّ تعالى مزاعم أهل الجاهلية، وما هم عليه من ضلالٍ وعنادٍ، فبيّن أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، فكذلك لا يمكن أن تصبح الزوجة المظاهر منها أماً، ولا الولد المتبنّى ابناً، لأن الأم الحقيقية هي التي ولدته ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَاّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] والابن الحقيقي هو الذي جاء من صلب ذلك الرجل فلا يمكن لإنسان أن يكون له أبوان، فكيف يزعمون أنّ هؤلاء الزوجات أمهات! ﴿وكيف يجعلون أبناء الآخرين أبناءً لهم، مع أنهم ليسوا من أصلابهم﴾ !
ذلك هو محض الكذب والافتراء على الله، والله يقول الحق ويهدي إلى أقوم طريق.
ثم أمر تعالى بنسبة هؤلاء إلى آبائهم، لأنه أعدل وأقسط فقال: فإن لم تعرفوا - أيها المؤمنون - آباءهم، فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم فيه، فليقل أحدكم: يا أخي ويا مولاي يقصد أخوّة الدين وولايته، وليس عليكم ذنب فيما أخطأتم به ولكنّ الذنب والإثم فيما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً، يغفر لعباده زلاتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم.
следующие страницы →