← История

История · id 12348

تاريخ مختصر الدول

ابن العبري

Полный текст (305 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ابن عفان كاتبه: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عمد عبد الله بن ابي قحافة وهو في آخر ساعات الدنيا وبأول ساعات الآخرة. ثم غمي عليه. فكتب عثمان: الى عمر ابن الخطاب. فلما أفاق قال: من كتبت. قال: عمر. قال: قد أصبت ما في نفسي. ولو كتبت نفسك لكنت أهلا له. واجمعوا على ذلك. وكان يدعى خليفة خليفة رسول الله. قالوا: هذا يطول. فسمّي امير المؤمنين. وهو أول من سمّي [١] بذلك. ولما استخلف قام في الناس خطيبا فقال بعد الحمدلة: ايها الناس لولا ما أرجوه من خيركم وقوامكم عليه لما اوليتكم الى غير ذلك. فلما ولي الأمر لم يكن له همة الّا العراق. فعقد لأبي عبيد [٢] بن مسعود على زهاء ألف رجل وأمره بالمسير الى العراق ومعه المثنّى بن حارثة وعمرو بن حزم وسليط بن قيس. فساروا حتى نزلوا الثعلبية. فقال سليط: يا أبا عبيد إياك وقطع هذه اللجة فاني ارى للعجم جموعا كثيرة. والرأي ان تعبر بنا الى ناحية البادية وتكتب الى امير المؤمنين عمر فتسأله المدد. فإذا جاءك عبرت إليهم فتناجزهم الحرب. فقال ابو عبيد: جبنت والله يا سليط. فقال المثنى: والله ما جبن ولكن أشار عليك بالرأي فإياك ان تعبر إليهم فلتقي نفسك وأصحابك وسط أرضهم فتنشب بك مخاليبهم [٣] . فلم يقبل منهما ابو عبيد وعقد الجسر وعبر بمن معه على كره منهما. فعبرا معه. وعبّى ابو عبيد أصحابه ووقف هو في القلب. فزحف إليهم العجم فرشقوهم بالنشاب حتى كثرت في المسلمين الجراحات. فحمل العرب حملة رجل واحد وكشفوا العجم. ثم ان العجم ثابوا وحملوا على المسلمين. فكان ابو عبيد أول قتيل وقتل من المسلمين عالم. فولّى الباقون ماريّين نحو الجسر والمثنى يقاتل من ورائهم لجميعهم حتى عبروا جميعا وعبر المثني في آخرهم وقطعوا الجسر. وكتب الى عمر بما جرى من المحاربة. وكتب اليه عمر ان يقيم الى ان يأتيه المدد. وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان يوم السبت سنة ثلث عشرة من التاريخ. ثم ان عمر أرسل رسله الى قبائل العرب يستنفرهم [٤] . فلما اجتمعوا عنده بالمدينة ولّى جرير بن عبد الله البجليّ أمرهم. فسار بهم حتى وافى الثعلبية. وانضم اليه من هناك. ثم سار حتى نزل دير هند. ووجه سراياه للغارة بأرض السواد مما يلي الفرات. فبلغ ذلك ازرميدخت ملكة العجم فأمرت ان ينتدب من مقاتليها اثنا عشر

стр. 107

ألف فارس من إبطالهم. فانتدبوا وولت عليهم مهران بن مهرويه عظيم المرازبة. فسار بالجيش حتى وافى الحيرة. ورجعت سرايا العرب واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال وزحف بعضهم الى بعض وتطاعنوا بالرماح وتضاربوا بالسيوف. وتوسط المثنى العجم يجالدهم بسيفه. ثم رجع منصرفا الى قومه. وصدقهم العجم القتال فثبت بعض العرب وانهزم البعض. فقبض المثنى على لحيته ينتفها. فحملت قبائل العرب وحملت عليهم العجم فاقتتلوا من وقت الزوال الى ان توارت الشمس بالحجاب. ثم حملوا على العجم. وخرج مهران فوقف امام أصحابه. فحمل عليه المثنى. فضربه مهران فنبا السيف عن الضربة. وضربة المثنى على منكبه فخرّ ميتا وانهزم العجم لا حقين بالمدائن. وثاب المسلمون يدفنون موتاهم ويداوون جرحاهم [١] . فلما نظرت العجم الى العرب وقد أخذت أطراف بلادهم وشنّوا الغارة في أرضهم قالوا: انما أوتينا من تمليكنا النساء علينا. فاجتمعوا على خلع ازرميدخت [٢] بنت كسرى وتمليك غلام اسمه يزدجرد [٣] وقد كان نجم من عقب كسرى بن هرمز. فأجلسوه وبايعوه على السمع والطاعة. فاستجاش يزدجرد جنوده من آفاق مملكته وولى عليهم رجلا عظيما من عظماء مرازبته له سنّ وتجربة يقال له رستم. فوجهه الى الحيرة ليحارب من ورد عليه هناك من العرب. وعقد ايضا لرجل آخر من حرّ سادات العجم يسمى الهرمزان في جنود كثيرة ووجهه الى ناحية الأهواز لمحاربة ابي موسى الاشعري ومن معه. وعند الالتقاء قتل هاذان المرزبانان العظيمان. ومرّت العرب في اثر العجم يقتلون من أدركوا منهم. وفي خلافة عمر فتح ابو عبيدة دمشق بعد حصار سبعة أشهر. وصالح اهل ميسان وطبرية وقيسارية وبعلبك. وفتح حمص بعد حصار شهرين. وفيها كتب عمر الى معاوية بن ابي سفيان بولاية دمشق. وفيها دخل ميسرة بن مسروق العبسي ارض الروم في اربعة آلاف وهو أول جيش دخل الى الروم. وفيها فتح عمرو بن العاص مصر عنوة وفتح الاسكندرية صلحا. وفيها دخل عياض بن غنم سروج والرّها صلحا. وفيها افتتح ايضا الرقة وآمد ونصيبين وطور عبدين وماردين صلحا. وفتح حبيب بن مسلمة قرقيسياء صلحا. وفيها فتح عتبة بن غزوان قرى [٤] البصرة ثم سار حتى وافى الأبلّة

стр. 108

فافتتحها عنوة. ثم صار الى المدائن فحارب مرزبانها وضرب عنقه وقتل من جنوده مقتلة عظيمة. ثم ان عتبة كتب الى عمر يستأذنه في الحج. فاستعمل عمر على عمله المغيرة بن شعبة. ثم عزله واستعمل على ارض ميسان أبا موسى الاشعريّ وأمره ان يبتني بأرض البصرة خططا لمن عنده من العرب ويجعل كل قبيلة في محلّة. وابتنوا لأنفسهم المنازل. وبنى بها مسجدا جامعا متوسطا. وعند فراغه من بناء مدينة البصرة اسكن فيها ذرية من كان بها من العرب وسار في جنوده الى جميع كور الأهواز فافتتحها الّا مدينة تستر فإنهم امتنعوا لحصانتها. وفيها رحل هرقل من انطاكية الى القسطنطينية وهو يقول باليونانية سوزه [١] سورية. وهي كلمة وداع لارض الشام وبلادها. ثم مات هرقل وقام ابنه قسطنطين مكانه وبعد اربعة أشهر قتلته مرطياني امرأة أبيه بالسم وأقامت ابنها هريقل وسمته داود الحديث. فنقم ارباب الدولة أمره وخلعوه وملكوا قسطوس ابن القتيل. وفيها افتتح عبد الله بن بديل [٢] أصفهان صلحا. وفيها فتح جرير البجليّ همذان. وفيها كانت وقعة نهاوند. وفيها افتتح معاوية عسقلان بصلح في شهر رمضان. ومات عمر يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة وعمره ثلث وستون سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوما. قتله ابو لؤلؤة فتى المغيرة بن شعبة في صلاة الفجر. وكان السبب في ذلك ان أبا لؤلؤة جاء اليه يشكو ثقل الخراج وكان عليه كل يوم درهمان. فقال له عمر: ليس بكثير في حقك فاني سمعت عنك انك لو أردت ان تدير الرحى بالريح لقدرت عليه. فقال: لأديرنّ لك رحى لا تسكن الى يوم القيامة. فقال: ان العبد أوعد ولو كنت اقتل أحدا بالتهمة لقتلت هذا. ثم ان الغلام ضربه بالخنجر في خاصرته طعنتين. فدعا عمر طبيبا لينظره فسقاه لبنا فخرج اللبن بيّنا [٣] . فقال له: أعهد يا امير المؤمنين. وفي هذا الزمان اشتهر بين الاسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس اي النحويّ. وكان اسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري. ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث. فاجتمع اليه الاساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما

стр. 109

هو عليه. فلم يرجع. فأسقطوه عن منزلته. وعاش الى ان فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية [١] . ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه. ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان بولس الاجانيطي طبيب مذكور في زمانه وكان خيرا خبيرا بعلل النساء كثير المعاناة لهنّ. وكانت القوابل يأتينه ويسألنه عن الأمور التي تحدث للنساء عقيب الولادة فينعم بالجواب لهنّ ويجيبهنّ عن سؤالهنّ بما يفعلنه. فلذلك سمّوه بالقوابلي. وله كتاب في الطب تسع مقالات نقل حنين بن اسحق. وكتاب في علل النساء. ومنهم مغنوس له ذكر بين الأطباء ولم نر له تصنيفا. (عثمان بن عفّان) ويكنى أبا عمرو. بويع له لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة. قيل لما ضرب ابو لؤلؤة عمر بالخنجر وشرب اللبن فخرج من جراحته فقالوا له: اعهد الى من تكون الخلافة بعدك. قال: لو كان سالم حيا لم اعدل به. قيل له: هذا عليّ بن ابي طالب وقد تعرف قرابته وتقدمه وفضله. قال: فيه دعابة اي مزاح. قيل: فعثمان بن عفّان. قال: هو كلف بأقاربه. قيل: فهذا الزبير بن العوام حواريّ النبي ﵇. قال: بخيل. قيل: فهذا سعد. قال: فارس مقنب. والمقنب ما بين الثلثين الى الأربعين من الخيل. قيل: فهذا طلحة ابن عم ابي بكر الصديق. قال: لولا بأو فيه اي كبر وخيلاء. قيل: فابنك. قال: يكفي ان يسأل واحد من آل الخطاب عن امرة امير المؤمنين. ولكن جعلت هذا الأمر شورى بين ستة نفر وهم عثمان وعليّ وطلحة والزبير وابو عبيدة وسعد بن ابي وقاص الى ثلثة ايام. فلما دفن عمر جاء ابو عبيدة الى عليّ بن ابي طالب فقال له: هل أنت مبايعي على

стр. 110

كتاب الله وسنّة نبيه وسنّة الشيخين. قال: اما كتاب الله وسنّة نبيه فنعم. وامّا سنّة الشيخين فأجتهد رأيي. فجاء الى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيه وسنّة الشيخين. قال: اللهمّ نعم. فبايعه ابو عبيدة والجماعة ورضوا به. وأول ما فتح في خلافته ماه البصرة وما كان بقي من حدود أصفهان والريّ على يد ابي موسى الاشعريّ. ثم بعث عثمان عبد الله بن عامر الى اسطخر وبها يزدجرد. فخرج الى دارابجرد [١] . فأرسل عبد الله مجاشع بن مسعود في اثر يزدجرد. فركب المفازة حتى أبي كرمان وأخذ على طريق سجستان يريد الصين. وجاء مجاشع الى سجستان. ثم انصرف لمّا لم يدرك يزدجرد وعاد الى فارس. فاشتد خوف يزدجرد واستمدّ طرخان التركي لنصرته. ولما ورد استخف به وطرده لكلام تكلم به بعض الترك. وعند انصرافهم أرسل ماهويه مرزبان مرو وكان قد خامر على يزدجرد [٢] الى طرخان أن: كرّ عليه فاني اظاهرك. فكرّ طرخان على يزدجرد. فولّى يريد المدينة. فاستقبله ماهويه فمزقه كل ممزق. وقيل ان يزدجرد انتهى الى طاحونة بقرية من قرى مرو فقال للطحان: اخفني ولك منطقتي وسواري وخاتمي. فقال الرجل: ان كرى الطاحونة كل يوم اربعة دراهم. فان أعطيتنيها عطلتها والا فلا. فبينا هو في راجعته إذا غشيته الخيل فقتلوه. وانتزع عثمان عمرو بن العاص عن الاسكندرية وأمّر عليها عبد الله بن مسعود أخاه لأمّه. فغزا افريقية وغزا معاوية قبرس وانقرة فافتتحها صلحا. ثم ان الناس نقموا على عثمان أشياء منها كلفه بأقاربه. فآوى الحكم بن العاص بن أميّة طريد النبي ﵇. وأعطى عبد الله بن خالد اربعمائة ألف درهم. واعطى الحكم مائة ألف درهم. ولما ولي صعد المنبر فتسنم ذروته حيث كان يقعد النبي ﵇. وكان ابو بكر ينزل عنه درجة وعمر درجتين. فتكلم الناس عن ذلك وأظهروا الطعن. فخطب عثمان وقال: هذا مال الله أعطيه من شئت وامنعه ممن شئت. فارغم الله انف من رغم انفه. فقام عمّار [٣] بن ياسر فقال: انا أول من رغم انفه. فوثب بنو أمية عليه وضربوه حتى غشي عليه. فحنقت العرب على ذلك وجمعوا الجموع ونزلوا فرسخا من المدينة وبعثوا الى عثمان من يكلمه ويستعتبه ويقول له: إما أن تعدل او تعتزل. وكان أشد الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة. فكتب عثمان إليهم كتابا يقول فيه: اني انزع عن كل شيء أنكرتموه وأتوب الى الله. فلم يقبلوا

стр. 111

منه وحاصروه عشرين يوما. فكتب الى عليّ: أترضى ان يقتل ابن عمك ويسلب ملكك. قال عليّ: لا والله. وبعث الحسن والحسين الى بابه يحرسانه. فتسوّر محمد ابن ابي بكر مع رجلين حائط عثمان فضربه أحدهم بغتة بمشقص في أوداجه وقتله الآخر والمصحف في حجره وذلك لعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وثلثين وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة بالتقريب وعمره نيّف وثمانون سنة [١] . (عليّ بن ابي طالب) لما قتل عثمان اجتمع الناس من المهاجرين والأنصار فأتوا عليّا وفيهم طلحة والزبير ليبايعوه. فقال عليّ لطلحة والزبير: ان أحببتما ان تبايعاني وان أحببتما بايعتكما. قالا له: لا بل نبايعك. فخرجوا الى المسجد وبايعه الناس يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثين للهجرة. وكان أول مبايعيه طلحة. وكان في إصبعه شلل فتطيّر منها حبيب بن ذؤيب وقال: يد شلاء لا يتمّ هذا الأمر ما أخلقه ان ينتكث. وتخلّف. عن بيعة عليّ بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد ابن عقبة. ولم يبايعه العثمانية من الصحابة وكانت عائشة تؤلّب [٢] على عثمان وتطعن فيه وكان هواها في طلحة. فبينا هي قد أقبلت راجعة من الحج استقبلها راكب. فقالت: ما وراءك. قال: قتل عثمان. قالت: كأني انظر الى الناس يبايعون طلحة. فجاء راكب آخر. فقالت: ما وراءك. قال: بايع الناس عليّا. قالت: وا عثماناه ما قتله الّا عليّ. لاصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم. فقال لها رجل من أحوالها: والله اوّل من أمال حرفه لأنت. ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: انهم استتابوه ثم قتلوه. ونعثل اسم رجل كان طويل اللحية وكان عثمان إذا نيل منه وعيّب شبّه به لطول لحيته. ثم انصرفت عائشة الى مكة وضربت فسطاطا في المسجد. وأراد عليّ ان ينزع معاوية عن الشام فقال له المغيرة بن شعبة: اقرار معاوية على الشام فانه يرضى بذلك. وسأل طلحة والزبير ان يولّيهما البصرة والكوفة. فأبى وقال: تكونان عندي اتجمّل بكما فاني استوحش لفراقكما. فاستأذناه في العمرة فأذن لهما. فقدما على عائشة وعظّما أمر عثمان. ولما سمع معاوية بقول عائشة في عليّ ونقض طلحة والزبير البيعة ازداد قوة وجراءة وكتب الى الزبير: اني قد بايعتك ولطلحة من بعدك فلا يفوتكما [٣] العراق. واعانهما بنو أميّة وغيرهم وخرجوا بعائشة حتى قدموا البصرة فأخذوا ابن حنيف أميرها من قبل

стр. 112

عليّ فنالوا من شعره ونتفوا لحيته وخلّوا سبيله فقصد عليّا وقال له: بعثتني ذا لحية وقد جئتك امرد. قال: أصبت اجرا وخيرا. وقتلوا من خزنة بيت المال خمسين رجلا وانتهبوا الأموال. وبلغ ذلك عليّا فخرج من المدينة وسار بتسعمائة رجل. وجاءه من الكوفة ستة آلاف رجل. وكانت الوقعة بالخريبة. فبرز القوم للقتال وأقاموا الجمل وعائشة في هودج ونشبت الحرب بينهم فخرج عليّ ودعا الزبير وطلحة وقال للزبير: ما جاء بك. قال: لا أراك لهذا الأمر أهلا. وقال لطلحة: أجئت بعرس النبي تقاتل بها وخبّيت عرسك في البيت. اما بايعتماني. قالا: بايعناك والسيف على عنقنا. واقبل رجل سعديّ من اصحاب عليّ فقال بأعلى صوته: يا امّ المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون انه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك. ثم اقتتل الناس. وفارق الزبير المعركة فاتبعه عمرو بن جرموز وطعنه في جربّان درعه فقتله. وامّا طلحة فأتاه سهم فأصابه فأردفه غلامه فدخل البصرة وأنزله في دار خربة ومات بها. وقتل تسعون رجلا على زمان الجمل. وجعلت عائشة تنادي: البقيّة البقيّة. ونادى عليّ: اعقروا الجمل. فضربه رجل فسقط. فحمل الهودج موضعا وإذا هو كالقنفذ لما فيه من السهام. وجاء عليّ حتى وقف عليه وقال لمحمد بن ابي بكر: انظر أحيّة هي أم لا. فأدخل محمد رأسه في هودجها. فقالت: من أنت: قال: أخوك البرّ. فقالت: عقق. قال: يا أخيّة هل أصابك شيء. فقالت: ما أنت وذلك. ودخل عليّ البصرة ووبخ أهلها وخرج منها الى الكوفة. ولما بلغ معاوية خبر الجمل دعا اهل الشام الى القتال والمطالبة بدم عثمان. فبايعوه أميرا غير خليفة. وبعث عليّ رسولا الى معاوية يدعوه الى البيعة. فأبى. فخرج عليّ من الكوفة في سبعين ألف رجل. وجاء معاوية في ثمانين ألف رجل فنزل صفّين وهو موضع بين العراق والشام فسبق عليّا على شريعة الفرات. فبعث عليّ الأشتر النخعي فقاتلهم وطردهم وغلبهم على الشريعة. ثم ناوشوا الحرب أربعين صابحا حتى قتل من العراقيين خمسة وعشرون ألفا ومن الشاميّين خمسة وأربعون ألفا. ثم خرج عليّ وقال لمعاوية: علام تقتل [١] الناس بيني وبينك. أحاكمك الى الله فأيّنا قتل صاحبه استقام الأمر له. فقال معاوية لأصحابه: يعلم انه لا يبارزه احد الّا قتله. فأمرهم ان ينشروا المصاحف وينادوا: يا اهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله ندعوكم اليه. قال عليّ: هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا. فاختار الشاميّون عمرو بن العاص والعراقيّون أبا موسى الاشعري. فقال الأحنف: ان أبا موسى

стр. 113

رجل قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة واضعك من هذا الأمر بحيث تحبّ. فلم يرض به اهل اليمن. فكتبوا القضية على ان يحكم الحكمان بكتاب الله والسنّة والجماعة وصيّروا الأجل شهر رمضان. ورحل عليّ الى الكوفة ومعاوية الى الشام. فلما دخل عليّ الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفا من القرّاء وهم ينادونه: جزعت من البليّة ورضيت بالقضيّة وحكمت الرجال والله يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. ٦: ٥٧ ثم اجتمع ابو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكّة والكوفة والشام بعد صفّين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين. فقال ابن عباس لابي موسى: مهما نسيت فلا تنس ان عليّا ليست فيه خلّة واحدة تباعده من الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقرّبه من الخلافة. فلما اجتمع ابو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطا. وقال عمرو: يجب ان لا نقول شيئا الا كتبناه حتى لا نرجع عنه. فدعا بكاتب وقال له سرا: ابدأ باسمي. فلما أخذ الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو. فقال له عمرو: امحه وابدأ باسم ابي موسى فانه أفضل مني وأولى بأن يقدّم. وكانت منه خديعة. ثم قال: ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان. قال: قتل والله مظلوما. قال: اكتب يا غلام. ثم قال: يا أبا موسى ان إصلاح [١] الأمة وحقن الدماء خير ممّا وقع فيه عليّ ومعاوية. فان رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فان هذه امانة عظيمة في رقابنا. قال: لا بأس بذلك. قال عمرو: اكتب يا غلام. ثم ختما على ذلك الكتاب. فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو: يا أبا موسى قد أخرجنا عليّا ومعاوية من هذا الأمر فسمّ له من شئت. فسمّى عدّة لا يرتضيهم عمرو. فعرف ابو موسى انه يتلعّب به. ثم قال عمرو: ان هذا قد خلع صاحبه وانا ايضا خلعته كما خلعت هذا الخاتم من يدي. وافترقا. وعزم عليّ المسير الى معاوية. وبايعه ستون ألفا على الموت. فشغلته الخوارج وقتالهم. وأخذ معاوية في تسريب السرايا الى النواحي التي يليها عمّال [٢] عليّ وشنّ الغارات وبعث جيشا الى المدينة ومكّة. فبايعه بقية أهلها. ثم تعاقد ثلثة نفر من الخوارج داود [٣] والبرك وابن ملجم ان يقتلوا عمرو بن العاص ومعاوية وعليّا ويريحوا العباد من أيمة الضلال. اما داود فانه أتى الى مصر ودخل المسجد وضرب خارجة

стр. 114

ابن حذافة فقتله وهو يظنه عمرا. وأخذ دادويه فقتل. واما البرك فانه مضى الى الشام ودخل المسجد وضرب معاوية فقطع منه عرقا فانقطع منه النسل. فأخذ البرك فقطعت يداه ورجلاه وخلّي عنه. فقدم البصرة ونكح امرأة فولدت له. فقال له زياد: يولد لك ولا يولد لمعاوية. فضرب عنقه. واما ابن ملجم فانه أتى الى الكوفة وسمّ سيفه وشحذه وجاء فبات بالمسجد. فدخل عليّ المسجد ونبّه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتفّ بعباءة وفتح ركعتي الفجر. فأتاه ابن ملجم. فضربه على ضلعه ولم تبلغ الضربة مبلغ القتل ولكن عمل فيه السمّ. فثار الناس اليه وقبضوا عليه. فقال عليّ: لا تقتلوه فان عشت رأيت فيه رأيي وان متّ فشأنكم به. فعاش ثلثة ايام ثم مات يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان [١] . فقتل ابن ملجم. (الحسن بن عليّ بن ابي طالب) ثم بويع الحسن بن عليّ بالكوفة. وبويع معاوية بالشام في مسجد إيليا. فسار الحسن عن الكوفة الى لقاء معاوية. وكان قد نزل مسكن من ارض الكوفة. ووصل الحسن الى المدائن وجعل قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا. وقدّم معاوية على مقدّمته بشر بن ارطاة. فكانت بينه وبين قيس مناوشة. ثم تحاجزوا ينتظرون الحسن. (قالوا) فنظر الحسن الى ما يسفك من الدماء وينتهك من المحارم فقال: لا حاجة لي في هذا الأمر وقد رأيت ان أسلّمه الى معاوية فيكون في عنقه. تباعته وأوزاره. فقال له الحسين: أنشدك الله ان تكون أول من عاب أباه ورغب عن رأيه. فقال الحسن: لا بدّ من ذلك. وبعث الى معاوية يذكر تسليمه الأمر اليه. فكتب اليه معاويه: اما بعد فأنت أولى مني بهذا الأمر لقرابتك وكذا وكذا. ولو علمت انك اضبط له وأحوط على حريم هذه الأمّة وأكيد للعدو لبايعتك. فاسأل ما شئت. فكتب الحسن أموالا وضياعا وأمانا لشيعة عليّ وأشهد على ذلك شهودا من الصحابة. وكتب في تسليم الأمر كتابا. فالتقى معاوية مع الحسن على منزل من الكوفة ودخلا الكوفة معا. ثم قال: يا أبا محمد جدت بشيء لا تجود بمثله نفوس الرجال فقم وأعلم الناس بذلك. فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا. وان معاوية نازعني حقا لي دونه فرأيت ان امنع الناس الحرب وأسلّمه اليه. وان لهذا الأمر مدة. والدنيا دول. فلما قالها قال له معاوية: اجلس. وحقدها عليه. ثم قام خطيبا فقال: اني كنت شرطت شروطا أردت بها نظام

стр. 115

الالفة. وقد جمع الله كلمتنا وأزال فرقتنا. فكل شرط شرطته فهو مردود. فقام الحسن وقال: ألا وانا اخترت العار على النار. وسار الى المدينة وأقام بها الى ان مات سنة سبع وأربعين من الهجرة [١] . وكانت خلافته خمسة أشهر. (معاوية بن ابي سفيان) وصار الأمر الى معاوية سنة أربعين من الهجرة. وكان ولي لعمر وعثمان عشرين سنة. ولمّا سلّم الحسن الأمر اليه ولى الكوفة المغيرة بن شعبة وولّى البصرة وخراسان عبد الله بن عامر وولى المدينة مروان بن الحكم. وانصرف معاوية الى الشام فولى عبد الله بن حازم. ومات عمرو بن العاص بمصر يوم عيد الفطر فصلّى عليه ابنه عبد الله ثم صلى بالناس صلاة العيد. وكان معاوية قد اذكى العيون على شيعة عليّ فقتلهم اين أصابهم. وفي سنة ست وأربعين من الهجرة وهي سنة تسعمائة وسبع وثمانين [٢] للإسكندر أرسل سابور المتغلب على أرمانيا الى معاوية رسولا اسمه سرجي يطلب منه النجدة على الروم. وأرسل قسطنطين الملك ايضا رسولا الى معاوية لاندراا [٣] الخصيّ وهو من اخص خواصه. فأذن معاوية لسرجي ان يدخل أولا فدخل ثم دخل اندراا. فلما رآه سرجي نهض له لأنه كان عظيما. فوبّخ معاوية لسرجي وقال: إذا كان العبد هالك فكيف مولاه. فقال سرجي: خدعت من العادة. ثم سأل معاوية لاندراا: لماذا جئت. فقال: الملك سيّرني لئلّا تصغوا الى كلام هذا المتمرد ولا يكون الملك والمملوك عندك بالسواء. فقال معاوية: كلّكم اعداء لنا. فأيكم زاد لنا من المال راعيناه. فلما سمع ذلك اندراا خرج. ومن الغد حضر وسرجي قد سبقه بالدخول. فلما دخل اندراا لم ينهض له. فشتمه اندراا فقال له: يا يؤوس استخففت بي. فقذفه سرجي قذف المخانيث. قال اندراا: سوف ترى. ثم أعاد كلامه الاول على معاوية فقال له معاوية: ان أعطيتمونا كل خراج بلادكم نبقي لكم اسم المملكة والا ازحناكم عنها. قال اندراا: كأنك تزعم ان العرب هم الجسم والروم الخيال. نستعين بربّ السماء. ثم استأذن للرحيل وسار مجتازا على ملطية. وتقدّم الى مستحفظي الثغور ان يكمنوا لسرجي في الطريق ويلزموه ويحملوه الى ملطية وينزعوا خصيتيه ويعلقوهما في رقبته ثم يسمروه. ففعلوا به كذلك.

стр. 116

وقيل ان معاوية أول من خطب قاعدا لأنه كان بطينا بادنا. وأول من قدّم الخطبة على الصلاة خشية ان يتفرق الناس عنه قبل ان يقول ما بدا له. ثم أخذ بيعة اهل المدينة ومكة ليزيد ابنه بالسيف وبايعه الشاميّون ايضا. ثم مات معاوية بدمشق في رجب سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة. وبايع اهل الشام يزيد بن معاوية . (يزيد بن معاوية) لما مات معاوية استدعى الوليد بن عتبة بن ابي سفيان وهو على المدينة الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير في جوف الليل ونعى إليهما معاوية وأخذهما بالبيعة لابنه يزيد. فقالا: مثلنا لا يبايع سرا ولكن إذ نصبح. وانصرفا من عنده وخرجا من تحت الليل الى مكة وأبيا ان يبايعا. وبلغ اهل الكوفة امتناعهما عن بيعة يزيد فكتبوا الى الحسين في القدوم عليهم. فأرسل الحسين مسلم بن عقيل بن ابي طالب الى الكوفة ليأخذ بيعة أهلها. فجاء واجتمع اليه خلق كثير من الشيعة يبايعون الحسين. وبلغ الخبر عبيد الله بن زياد وهو بالبصرة فتمّ الى الكوفة [١] . فسار اليه الشيعة وقاتلوه حتى دخل القصر واغلق بابه. فلما كان عند المساء وتفرق الناس عن مسلم بعث ابن زياد خيلا في. خفية فقبضوا عليه ورفعوه بين شرف القصر ثم ضربوا عنقه. ولما بلغ الخبر الحسين هم بالرجوع الى المدينة. وبعث اليه ابن زياد الحر بن يزيد التميمي في ألف فارس. فلقي الحسين بزبالة وقال له: لم أومر بقتالك انما أمرت ان أقدمك الكوفة. فإذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الى الكوفة ولا يردك الى المدينة حتى الكتب الى ابن زياد. فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحرّ يسايره حتى اكتب الى ابن زياد. فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحرّ يسايره حتى انتهى الى الغاضرية فنزل بها. وقدم عليه عمر بن سعد بن ابي وقاص في اربعة آلاف ومعه شمر ذو الجيوش فنزلوا بين نهري كربلاء وجرت الرسل بينهم وبين الحسين ومنعوه ومن معه الماء ان يشربوا وناهضهم القتال يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة ومعه تسعة عشر إنسانا من اهل بيته فقتل الحسين عطشانا وقتل معه سبعة من ولد عليّ بن ابي طالب وثلثة من ولد الحسين. وتركوا عليّ ابن الحسين لأنه كان مريضا. فمنه عقب الحسين الى اليوم. وقتل من أصحابه سبعة وثمانون إنسانا. وساقوا عليّ بن الحسين مع نسائه وبناته الى ابن زياد. فزعموا انه وضع رأس الحسين في طست [٢] وجعل ينكت في وجهه بقضيت ويقول: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط. ثم بعث به وبأولاده الى يزيد بن معاوية. فأمر نساءه وبناته فأقمن

стр. 117

بدرجة المسجد حيث توقف الأسارى [١] لينظر الناس إليهم. وقتل الحسين سنة احدى وستين من الهجرة يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة. وكان قد بلغ من السن ثمانيا وخمسين سنة. وكان يخضب بالسواد. ثم بعث يزيد بأهله وبناته الى المدينة. وللروافض في هذه القصة زيادات وتهاويل كثيرة. ولما احتضر يزيد بن معاوية بايع ابنه معاوية ومات وهو ابن ثماني وثلثين سنة. وكان ملكه ثلث سنين وثمانية أشهر. (معاوية بن يزيد) ولما مات يزيد صار الأمر الى ولده معاوية وكان قدريّا لان عمر المقصوص كان علمه ذلك فدان به وتحققه. فلما بايعه الناس قال للمقصوص: ما ترى. قال: اما ان تعتدل او تعتزل. فخطب معاوية بن يزيد فقال: ان جدّي معاوية نازع الأمر من كان اولى به وأحق. ثم تقلده ابي. ولقد كان غير خليق به. ولا احبّ ان ألقى الله بتبعاتكم. فشأنكم وأمركم ولّوه من شئتم. ثم نزل واغلق الباب في وجهه وتخلّى بالعبادة حتى مات بالطاعون. وكانت ولايته عشرين يوما [٢] . فوثب بنو أميّة على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلّمته. فطمروه ودفنوه حيّا. واما ابن الزبير فلما مات يزيد دعا الناس الى البيعة لنفسه وادّعى الخلافة فظفر بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام الّا الاردنّ. (مروان بن الحكم) بويع بالأردن سنة اربع وستين للهجرة وهو أول من أخذ الخلافة بالسيف. وسار اليه الضحاك بن قيس فاقتتلوا بمرج راهط من غوطة دمشق. فقتل الضحاك. وخرج سليمان بن صرد الخزاعيّ من الكوفة في اربعة آلاف من الشيعة يطلبون بدم الحسين فبعث اليه مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد فالتقوا برأس العين فقتل سليمان وتفرق أصحابه. ومات مروان بدمشق وكانت ولايته سبعة أشهر وأياما [٣] . وبايع اهل الشام عبد الملك بن مروان. قال ابن جلجل الاندلسي ان ماسرجويه الطبيب البصري سريانيّ اللغة يهودي

стр. 118

المذهب. وهو الذي تولى في ايام مروان تفسير كناش اهرون القس الى العربي. وحدّث أيوب بن الحكم انه كان جالسا عند ماسرجويه إذ أتاه رجل من الخوز فقال: اني بليت بداء لم يبل احد بمثله. فسأله عن دائه. فقال: أصبح وبصري مظلم عليّ وانا أصيب مثل لحس الكلاب في معدتي فلا تزال هذه حالي الى ان اطعم شيئا فإذا طعمت سكن ما أجد الى وقت انتصاف النهار. ثم يعاودني ما كنت فيه. فإذا عاودت الأكل سكن ما بي الى وقت صلاة العتمة. ثم يعاودني فلا أجد له دواء الا معاودة الأكل. فقال له ماسرجويه: على دائك هذا غضب الله. فانه أساء لنفسه الاختيار حين قرنه بسفلة مثلك ولوددت ان هذا الداء تحوّل اليّ والى صبياني فكنت اعوّضك مما نزل بك مثل نصف ما أملك. فقال له الخوزيّ: ما أفهم عنك. قال ماسرجويه: هذه صحة لا تستحقها أسأل الله نقلها عنك الى من هو احقّ بها منك. (عبد الملك بن مروان) بويع سنة خمس وستين بالشام. واما ابن الزبير فبعث أخاه مصعبا على العراق. فقدم البصرة وأعطاه أهلها الطاعة واستولى مصعب على العراقين. فسار اليه عبد الملك بن مروان فالتقوا بسكن [١] . وقتل مصعب واستقام العراق لعبد الملك. وكان الحجّاج بن يوسف على شرطه. فرأى عبد الملك من نفاذه وجلادته ما أعجب به ورجع الى الشام ولا همّ له دون ابن الزبير. فأتاه الحجّاج فقال: ابعثني اليه فاني ارى في المنام كأني اقتله واسلخ جلده. فبعثه اليه. فقتله وسلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه. وكانت فتنة ابن الزبير تسع سنين منذ موت معاوية الى ان مضت ست سنين من ولاية عبد الملك. وولي الحجاج الحجاز واليمامة. وبايع اهل مكة لعبد الملك بن مروان. وزعم قوم ان الحجاج بلاء صبّه الله على اهل العراق. ولما قدم الكوفة دخل المسجد وصعد يوما المنبر وسكت ساعة ثم نهض وقال: والله يا اهل العراق اني ارى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها واني لصاحبها. فكأني انظر الى الدماء من فوق العمائم واللحى. وفي سنة سبعين للهجرة وهي سنة ألف للإسكندر استجاش يوسطينيانوس ملك الروم على من بالشام من المسلمين. فصالحه عبد الملك على ان يؤدّي اليه كل يوم جمعة ألف دينار. وقيل كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا. وفي سنة ثلث وثمانين بنى الحجّاج مدينة واسط. وفي سنة ست وثمانين توفي عبد الملك بن مروان. وكان يقول: أخاف الموت في شهر رمضان. فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القرآن وفيه

стр. 119

بايع لي الناس. فمات في النصف من شوال حين أمن الموت على نفسه. وكان ابن ستين سنة وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلث عشرة سنة. واختصّ بخدمة الحجاج بن يوسف تياذوق وثاودون الطبيبان. اما تياذوق فله تلاميذ اجلّاء تقدموا بعده ومنهم من أدرك الدولة العباسية كفرات بن شحناثا في زمن المنصور. واما ثاودون فله كناش كبير عمله لابنه. وقيل دخل الى الحجاج يوما فقال له الحجاج: اي شيء دواء أكل الطين. فقال: عزيمة مثلك ايها الأمير. فرمى الحجاج بالطين ولم يعد الى اكله بعدها. (الوليد بن عبد الملك) لما ولي الأمر أقر العمال على النواحي. وفي ولايته خرج قتيبة بن مسلم الى ما وراء النهر. فجاشت الترك والسغد والشاش وفرغانة واحدقوا به اربعة أشهر. ثم هزمهم وافتتح بخارا. ثم مضى حتى أناخ على سمرقند فافتتحها صلحا. وفي أيامه مات الحجاج. ذكروا انه اخذه السل وهجره النوم والرقاد. فلما احتضر قال لمنجم عنده: هل ترى ملكا يموت. قال: نعم ارى ملكا يموت اسمه كليب. فقال: انا والله كليب بذلك سمتني أمي. قال المنجم: أنت والله تموت كذلك دلّت عليه النجوم. قال له الحجاج: لاقدمنّك امامي. فأمر به فضرب عنقه. ومات الحجاج وقد بلغ من السن ثلثا وخمسين سنة. وولي الحجاز والعراق عشرين سنة. وكان قتل من الاشراف والرؤساء مائة ألف وعشرين ألفا سوى العوام ومن قتل في معارك الحروب. وكان مات في حبسه [١] خمسون ألف رجل وثلثون ألف امرأة. ومات الوليد سنة ست وتسعين وكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر. وبنى مسجد دمشق وكان فيه كنيسة فهدمها. وبنى مسجد المدينة والمسجد الأقصى. واعطى المجذّمين ومنعهم من السؤال الى الناس. وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا. ومنع الكتّاب النصارى من ان يكتبوا الدفاتر بالرومية لكن بالعربية. وفتح في ولايته الأندلس وكاشغر والهند. وكان يمرّ بالبقّال فيقف عليه يأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذا. فيقول: بفلس. فيقول: زد فيها. وكان صاحب ناء واتّخاذ للمصانع والضياع. وقيل انه كان لحّانا لا يحسن النحو. دخل عليه اعرابيّ فمتّ اليه بصهر له. فقال له الوليد: من ختنك بفتح النون. فقال: بعض الأطباء. فقال سليمان: انما يريد امير المؤمنين من ختنك وضمّ النون. فقال الاعرابي: نعم فلان. وذكر ختنه. وعاتبه أبوه عبد الملك على ذلك وقال له: لا يلي العرب الّا من يحسن كلامهم. فجمع أهل النحو ودخل بيتا ولم يخرج منه ستة

стр. 120

أشهر. ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخله. فقال عبد الملك: قد أعذر. (سليمان بن عبد الملك) وفي سنة ستّ وتسعين بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي فيه مات الوليد اخوه. قالوا انه كان خيّرا فصيحا نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس. وردّ المظالم وآوى المشترين وأخرج المحبسين. وفي سنة ثماني وتسعين من الهجرة وهي سنة ألف وسبعة وعشرين للإسكندر جهز سليمان جيشا مع أخيه مسلمة ليسير الى القسطنطينية. وسار حتى بلغها في مائة ألف وعشرين ألفا وعبر الخليج وحاصر المدينة. فلما برّح بأهلها الحصار أرسلوا الى مسلمة يعطونه عن كل رأس دينارا. فأبى ان يفتتحها الّا عنوة. فقالت الروم للاون البطريق: ان صرفت عنّا المسلمين ملّكناك علينا. فاستوثق منهم وأتى مسلمة وطلب الامان لنفسه وذويه ووعده ان يفتح له المدينة غير انه ما يتهيأ ذلك ما لم يتنحّ عنهم ليطمئنوا ثم يكرّ عليهم. فارتحل مسلمة وتنحى الى بعض الرساتيق. ودخل لاون فلبس التاج وقعد على سرير الملك. واعتزل الملك ثاوذوسيوس ولبس الصوف منعكفا في بعض الكنائس. ولأنّ مسلمة لما دنا من القسطنطينية أمر كل فارس ان يحمل معه مدّين من الطعام على عجز فرسه الى القسطنطينية لما دخل لاون المدينة وتنحى مسلمة اعدّ لاون السفن والرجال فنقلوا في ليلة ذلك الطعام ولم يتركوا منه الّا ما لم يذكر وأصبح لاون محاربا وقد خدع مسلمة خديعة لو كانت امرأة لعيّبت بها. وبلغ الخبر لمسلمة فأقبل راجعا ونزل بفناء القسطنطينية ثلثين شهرا فشتا فيها وصاف وزرع الناس. ولقي جنده ما لم يلقه جيش آخر حتى كان الرجل يخاف ان يخرج من العسكر وحده من البلغاريين الذين استجاشهم لاون ومن الافرنج الذين في السفن ومن الروم الذين يحاربونهم من داخل. وأكلوا الدوابّ والجلود واصول الشجر والورق. وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق ونزل الشتاء فلم يقدر ان يمدهم حتى مات لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين. فرحل مسلمة عن القسطنطينية وانصرف وكانت خلافته اعني سليمان سنتين وثمانية أشهر. وكان بايع ابنه أيوب فمات قبله فاستخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. ولما احتضر سليمان قيل له: أوص. قال: ان بنيّ صبية صغار ... . أفلح من كانت له كبار. (عمر بن عبد العزيز) لما استخلف عمر بن عبد العزيز [١] وبويع له صعد المنبر وأمر بردّ المظالم ووضع اللعنة عن أهل البيت وكانوا يلعنونهم على المنابر وحضّ على

стр. 121

التقوى والتواصل وقال: والله ما أصبحت ولي [١] على أحد من أهل القبلة موجدة الّا على إسراف ومظلمة. ثم تصدّق بثوبه ونزل. وتوفي عمر بن عبد العزيز في رجب لخمس بقين منه سنة احدى ومائة. وكانت شكواه عشرين يوما [٢] . ولما مرض قيل له: لو تداويت. فقال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها نعم المذهوب اليه ربي. وكان موته بدير سمعان ودفن به. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. وكان عمره تسعا وثلثين سنة. قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده فإذا هو على فراش من ليف وتحته وسادة من أديم مسجى بشملة ذابل الشفة كاسف اللون وعليه قميص وسخ. فقلت لاختي فاطمة وهي امرأته: اغسلوا ثياب امير المؤمنين. فقالت: نفعل. ثم عدت فإذن القميص على حاله. فقلت: ألم آمركم ان تغسلوا قميصه. فقالت: والله ما له غيره. فسبّحت لله وبكيت وقلت: يرحمك الله لقد خوّفتنا بالله وأبقيت لنا ذكرا في الصالحين. قيل وكانت نفقته كل يوم درهمين. وفي أيامه تحركت دولة بني هاشم. (يزيد بن عبد الملك) يكنى أبا خالد. عاشر بني مروان. ولما ولي الأمر استعمل على العراقين وخراسان عمر بن هبيرة الفزاريّ وبعث مسلمة بن عبد الملك لقتال يزيد ابن المهلّب. فقتله وبعث برأس يزيد الى يزيد وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو وقصف وشغف بحبّابة المغنية واشتهر بذكرها. وقيل كان يزيد قد حجّ ايام سليمان أخيه فاشترى حبابة باربعة آلاف دينار فقال سليمان: لقد هممت ان أحجر على يزيد. فلما سمع يزيد ردّها فاشتراها رجل من اهل مصر. فلما أفضلت الخلافة اليه قالت له امرأته سعدة: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه. فقال: نعم حبّابة. فأرسلت فاشترتها وصنعتها وأتت بها يزيد وأجلستها من وراء الستر فقالت: يا امير المؤمنين أبقي من الدنيا شيء تتمناه. قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر وقالت: هذه حبّابة. وقامت وتركتها عنده. فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وقال يوما وقد طرب بغناء حبّابة: دعوني أطير. وأهوى ليطير. فقالت: يا امير المؤمنين ان لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرنّ. فقالت: فعلى من تدع الأمّة والملك. قال لها: عليك والله. وقبّل يدها. فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك ما اسخفك. وخرجت معه الى ناحية الأردن يتنزهان. فرماها

стр. 122

بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت حلقها فشرقت ومرضت بها وماتت. فتركها ثلثة ايام لا يدفنها حتى نتنت وهو يشمّها ويقبّلها وينظر إليها ويبكي. فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما ومات ودفن الى جانبها سنة خمس ومائة. وكانت ولايته اربع سنين وشهرا وله أربعون سنة. (هشام بن عبد الملك) وفي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان. وكان عمره يومئذ أربعا وثلثين سنة. أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلّم عليه بالخلافة وهو بالرصافة. فركب منها حتى أتى دمشق. وفي أيامه خرج زيد بن عليّ ابن الحسين بن عليّ بن ابي طالب فقدم الكوفة وأسرعت [١] اليه الشيعة وقالوا: لنرجو ان يكون هذا الزمان الذي تهلك فيه بنو أميّة. وجعلوا يبايعونه سرا. وبايعه اربعة عشر ألفا على جهاد الظالمين والرفع عن المستضعفين. وبلغ الخبر يوسف بن عمر وهو امير البصرة فجدّ في طلب زيد. وتواعدت الشيعة بالخروج وجاءوا الى زيد فقالوا: ما تقول في ابي بكر وعمر. قال: ما أقول فيهما الا خيرا. فتبرأوا منه ونكثوا بيعته وسعوا به الى يوسف. فبعث في طلبه قوما. فخرج زيد ولم يخرج معه الا اربعة عشر رجلا. فقال: جعلتموها حسينية. ثم ناوشهم القتال. فأصابه سهم بلغ دماغه فحمل من المعركة ومات تلك الليلة ودفن. فلما أصبحوا استخرجوه من قبره فصلبوه. فأرسل هشام الى يوسف: احرق عجل العراق. فأحرقه. وهرب ابنه يحيي حتى أتى بلخ. قيل كان هشام محشوّا عقلا. وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة. فقال: ما منعك من الصلاة. قال: نفقت دابتي. قال: أفعجزت عن المشي. فمنعه الدابة سنة. وأتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط. فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الرجل لما ضربه. فقيل: عليك بالصبر. فقال: أتراني ابكي للضرب بل انما ابكي لاحتقاره البربط إذ سمّاه طنبورا. وقيل: وكتب اليه بعض عماله: قد بعثت الى امير المؤمنين بسلة دراقن. فكتب اليه: قد وصل الدراقن فأعجبنا فزد منه واستوثق من الوعاء. وكتب الى عامل آخر قد بعث بكمأة: قد وصلت الكمأة وهي أربعون وقد نغير بعضها. فإذا بعثت شيئا فأجد حشوها في الظرف بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضها بعضا. وقيل له: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان. قال: ولم لا أطمع فيها وانا حليم عفيف. ومات

стр. 123

هشام بالرصافة سنة خمس وعشرين ومائة. وكانت ولايته عشرين سنة وعمره خمسا وخمسين سنة وكان مرضه الذبحة. قيل أول من قدم خراسان من دعاة بني العبّاس سنة تسع ومائة زياد في ولاية أسد بعثه محمد الامام ابن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب وقال له: الطف بمضر. ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب لأنه كان مفرطا في حب بني فاطمة. فلما قدم زياد دعا الى بني العباس وذكر سيرة بني أميّة وظلمهم. وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل العباس وافترقا. وأقام زياد بمرو. ورفع أمره الى أسد وخوّف من جانبه فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من اهل الكوفة. وفي سنة ثماني عشرة ومائة توجه عمّار [١] ابن يزيد الى خراسان ودعا الى محمد بن عليّ بن عبد الله ابن عبّاس. فأطاعه الناس وتسمى بخداش وأظهر دين الخرّميّة [٢] ورخّص لبعضهم في نساء بعض وقال لهم: انه لا صوم ولا صلاة ولا حج. وان تأويل الصوم ان يصام عن ذكر الامام فلا يباح باسمه. والصلاة فالدعاء له والحجّ فالقصد اليه. (الوليد بن يزيد بن عبد الملك) كان يزيد أبوه عقد ولاية العهد له بعد أخيه هشام ابن عبد الملك. فلما ولي هشام أخو يزيد أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وتهاون بالدين واستخف به. فتنكّر له هشام وأضرّ به وكان يعتبه ويتنقصه ويقصر به. فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالأزرق. وكان يقول لأصحابه: هذا المشؤوم قدّمه ابي على أهل بيته فصيّره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم ان لي في احد هوى الّا عبث به. ولم يزل الوليد مقيما في تلك البرّية حتى مات هشام. وأتاه رجلان على البريد فسلما عليه بالخلافة. فوجم ثم قال: أمات هشام. فقالا: نعم. فأرسل الى الخزّان فقال: احتفظوا بما في أيديكم. فأفاق هشام فطلب شيئا. فمنعوه. فقال: انّا لله كأنّا كنّا خزّانا للوليد. ومات في ساعته. وخرج عياض كاتب الوليد من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاما عن فراشه. وما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه. ولا وجدوا كفنا من الخزائن. فكفّنه غالب مولاه. وضيّق الوليد على اهل هشام وأصحابه وكان يقول: كلناه بالصاع الذي كاله وما ظلمناه به إصبعا. فلما ولي الوليد أجرى على زمنى اهل الشام وعميانهم وكساهم وأخرج

стр. 124

لعيالات الناس الطيب والكسوة وزاد الناس في العطاء عشرات ولم يقل في شيء يسأله: لا. ثم عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليّي عهده أحدهما بعد الآخر. وفي هذه السنة اعني سنة خمس وعشرين ومائة قتل يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ ابن ابي طالب بجرجان وصلب ثم أنزل وأحرق ثم رضّ وحمل في سفينة وذرّ في الفرات. وفيها قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قتله ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان سبب قتله ما تقدم من خلاعته ومجانته. فلما ولي الخلافة ولم يزدد من الذي كان فيه من اللهو والركوب للصيد وشرب الخمر ومنادمة الفساق الا تماديا ثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا امره. ولما حاصروه في قصره دنا من الباب وقال لهم: ألم أزد في اعطياتكم [١] ألم ارفع المؤن عنكم. ألم أعط فقراءكم. فقالوا: انّا ما ننقم عليك في أنفسنا انما ننقم عليك في انتهاك ما حرّم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك. قال: حسبكم فلعمري لقد أكثرتم واغرقتم والله لا يرتق فتقكم ولا يلمّ شعثكم ولا تجمع كلمتكم. فنزل من الحائط اليه عشرة رجال فاحتزّوا رأسه وسيّروه الى يزيد. فنصبه على رمح وطاف به بدمشق. وسجن ابنيه الحكم وعثمان. وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. وكانت مدة خلافته سنة وثلثة أشهر. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة. وفي هذه السنة وجّه ابراهيم بن محمد الامام أبا الهاشم بكير الى خراسان. فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى لهم محمد الامام ودعاهم الى ابنه ابراهيم الامام. فقبلوه ودفعوا اليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة شيعة بني العباس. (يزيد بن الوليد بن عبد الملك) سمّي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيّات الجند. وكان محمود السيرة مرضيّ الطريقة. أمر بالبيعة لأخيه ابراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك. وتوفي بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة. وكانت خلافته ستة أشهر. وكان عمره ستا وأربعين سنة. وكانت أمّه أمّ ولد اسمها شاه فرند [٢] ابنة فيروز ابن يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو القائل: انا ابن كسرى وابي مروان ... وقيصر جدّي وجدّي خاقان

стр. 125

وانما جعل قيصر وخاقان جدّيه لأن امّ فيروز ابنة كسرى وامّها ابنة قيصر وام كسرى ابنة خاقان ملك الترك. (ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك) فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر اخوه ابراهيم بعده غير انه لم يتم له الأمر وكان يسلّم عليه تارة بالخلافة وتارة بالامارة وتارة لا يسلّم عليه بواحدة منهما. فمكث سبعين يوما ثم سار اليه مروان بن محمد فخلعه. ثم لم يزل حيّا حتى أصيب سنة اثنتين وثلثين ومائة. (مروان بن محمد بن مروان بن الحكم) [١] لما مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك سار مروان في جنود الجزيرة الى الشام لمحاربة ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك. ولما دخل دمشق اتى بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد بن عبد الملك مقتولين فدفنهما وبايعه الناس. فلما استقرّ له الأمر رجع الى منزله بحرّان فطلب منه الامان لإبراهيم ابن الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك فأمّنهما. وفي هذه السنة اعني سنة سبع وعشرين ومائة حارب سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وانهزم اصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف. وفيها توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريط وقحطبة الى مكة فلقوا ابراهيم بن محمد الامام بها وأوصلوا الى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا. وكان معهم ابو مسلم [٢] . فقال سليمان لإبراهيم الامام: هذا مولاك. فأمرّ ابراهيم أبا مسلم على خراسان. وفي سنة تسع وعشرين ومائة بعث ابراهيم الامام الى ابي مسلم بلواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب فعقدهما على رمحين واظهر الدعوة العباسية بخراسان وتأوّل الظل والسحاب ان السحاب يطبق الأرض وكما ان الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي آخر الدهر. وفي سنة احدى وثلثين ومائة حجّ ابراهيم بن محمد الامام ومعه أخواه ابو العبّاس وابو جعفر وولده وعمّه ومواليه على ثلثين نجيبا عليهم، الثياب الفاخرة والرحال والأثقال. فشهره اهل الشام واهل البوادي والحرمين معما انتشر في الدنيا من ظهور أمرهم. وبلغ مروان خبر حجّهم فكتب الى عامله بدمشق يأمره بتوجيه خيل اليه. وكان مروان بأرض الشام. ووجه العامل خيلا

стр. 126

فهجموا على ابراهيم فأخذوه وحملوه الى سجن حران فأثقلوه بالحديد وضيقوا عليه الحلقة حتى مات [١] . ولما احس ابراهيم بالطلب أوصى الى أخيه ابي العبّاس ونعى نفسه اليه وأمره بالمسير الى الكوفة بأهل بيته. فسار معه اخوه ابو جعفر وعمه ستة رجال حتى قدموا الكوفة مستخفين. (ابو العباس السفاح) وفي سنة اثنتين وثلثين ومائة خرج ابو العباس بن محمد الامام بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الاول من دار ابي مسلمة [٢] بالكوفة فصلى المغرب في مسجد بني أيوب ودخل منزله. فلما أصبح غدا عليه القواد في التعبية والهيئة وقد اعدوا له السواد والمركب والسيف. فخرج ابو العباس فيمن معه الى القصر الذي للامارة. ثم خرج الى المقصورة وصعد المنبر وبايعه الناس. ثم وجه عمه عبد الله الى مروان وهو نازل بالزاب. فواقع عبد الله مروان فهزمه. فمرّ مروان على وجهه ومضى فعبر جسر الفرات فوق حران وجمع جمعا عظيما بنهر فطرس من ارض فلسطين. وعبر ايضا عبد الله الفرات وحاصر دمشق حتى افتتحها وقتل من بها من بني أمية وهدم سورها حجرا حجرا ونبش عن قبور بني أميّة واحرق عظامهم بالنار. ثم ارتحل نحو مروان فهزمه واستباح عسكره. وهرب مروان الى ارض مصر فاتّبعه جيش عبد الله واستدلّوا عليه وهو في كنيسة في بوصير فطعنه رجل فصرعه واحتز آخر رأسه وبعث به الى ابي العباس السفّاح. وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة اثنتين وثلثين ومائة. وفي سنة ست وثلثين ومائة مات السفاح بالأنبار مدينته التي بناها واستوطنها لثلث عشرة سنة مضت من ذي الحجة بالجدري. وكان له يوم مات ثلث وثلثون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان اربع سنين. وكان ابو العباس رجلا طويلا [٣] ابيض اللون حسن الوجه يكره الدماء ويحامي [٤] على اهل البيت (ابو جعفر المنصور) هو عبد الله بن محمد الامام بن عليّ بن عبد الله بن العباس بويع له سنة سبع وثلثين ومائة. وفي هذه السنة قتل ابو مسلم الخراساني قتله المنصور بسبب انهما حجّا معا في ايام السفاح. وكان ابو مسلم يكسو الاعراب ويصلح الآبار والطرق. وكان الذكر له. فحقد ابو جعفر ذلك عليه. ولما صدر الناس عن الموسم تقدم ابو مسلم في الطريق على ابي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب الى ابي جعفر يعزيه

стр. 127

عن أخيه ولم يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع اليه. فخافه ابو جعفر المنصور واجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم الى ان اقتنصه. وكان ابو مسلم استشار رجلا من أصحابه بالريّ في رجوعه الى المنصور فقال: لا أرى ان تأتيه وارى ان تمتدّ الى خراسان. فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له: تركت الرأي بالرايّ فذهب مثلا. فلما دنا ابو مسلم من المنصور امر الناس بتلقيه وإكرامه غاية الكرامة. ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده. فأمره أن ينصرف ويروّح نفسه ليلته ويدخل الحمّام. فانصرف. فلما كان من الغد أعد المنصور من اصحاب الحرس اربعة نفر واكمنهم خلف الرواق وقال لهم: إذا انا صفّقت بيديّ فشأنكم. وأرسل الى ابي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته. فما عدّ عليه ان قال: ألست الكاتب اليّ تبدأ بنفسك. ودخلت إلينا وقلت: اين ابن الحارثيّة. ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاء ثم تلقيه الى مالك ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان. فجعل ابو مسلم يعتذر اليه ويقبّل الأرض بين يديه. فقال المنصور: قتلني الله ان لم أقتلك. وصفّق بيديه فخرج الحرس يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول: استبقني لعدوّك يا امير المؤمنين. فقال له المنصور: وايّ عدوّ لي أعدى منك. وقيل كانت عند ابي مسلم ثلث نسوة وكان لا يطأ المرأة منهن في السنة الا مرة واحدة. وكان من أغير الناس لا يدخل قصره احد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن اليه. قالوا ليلة زفّت اليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها. قالوا وكان من أشد الناس طمعا وأكثرهم طعاما يخبز كل يوم في مطبخه ثلثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير. وكان له ألف طبّاخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدوابّ. وقيل كان ابو مسلم شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة. وقيل بل كان فاتكا قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبرا سوى من لا يعرف ومن قتل في الحروب والهيجات. وسئل بعضهم: ابو مسلم كان خيرا او الحجّاج. قال: لا أقول ان أبا مسلم خير من احد ولكن الحجاج كان شرا منه. وزعم قوم ان أبا مسلم كان من قرية من قرى مرو. ويقال: بل كان من العرب سمع الحديث وروى الاشعار. وقيل كان عبدا. وقد نسبه بعض الشعراء الى الأكراد حين هجاه. وفي سنة أربعين ومائة سيّر المنصور عبد الوهاب ابن أخيه ابراهيم بن محمد الامام في سبعين ألف مقاتل الى ملطية. فنزلوا عليها وعمروا ما كان خرّبه الروم منها. ففرغوا من العمارة في ستة أشهر. وأسكنها المنصور اربعة آلاف من الجند واكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى حصن

стр. 128

قلوذية. وفي هذه السنة خرج الراونديّة على المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من اهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون ان ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور. وجعلوا يطوفون بقصره ويقولون: هذا قصر ربنا. فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشيا إذ لم يكن في القصر دابة. ونودي في اهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا اعني الراوندية جميعا وهم يومئذ ستمائة رجل. وفي السنة الرابعة والأربعين أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن ابي طالب اثني عشر إنسانا ورحّلهم من المدينة الى الكوفة وحبسهم في بيت ضيّق لا يمكّن احد من مقعده يبول بعضهم على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ماتوا عن آخرهم. فخرج محمد [١] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن ابي طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي. وخرج ابراهيم اخوه بالبصرة في ثلثين ألفا. وقتلا ولم ينجحا. وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في بناء عمارة مدينة بغداد. وسبب ذلك انه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة. فلما ثارت الراوندية به فيها كره سكناها لذلك والجوار اهل الكوفة ايضا فانه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له اهل الحذق: انّا نرى يا امير المؤمنين ان يكون على الصراة [٢] وبين انهار لا يصل إليك عدوك الا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عزم على بناء بغداد أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله الى بغداد. فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه. فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له اكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلّا يكون بعض الناس اقرب الى السلطان من بعض. وعمل لها سورين الداخل أعلى من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير

стр. 129

مستقيمة يحتاج المصلّي ان ينحرف الى باب البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا الا اني رأيت أعدائك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بإخراجهم الى ناحية الكرخ وأمران يجعل في كل ربع من مدينته بقّال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة مات ابو حنيفة النعمان بن ثابت الامام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحجّ فنزل قصر عبدويه فانقضّ في مقامه هنالك كوكب بعد اضاءة الفجر وبقي اثره بيّنا الى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنة وكان قد صحبه ليودّعه فوصله بالمال والسلطان. وقال له ايضا: أوصيك بأهل بيتك ان تظهر كرامتهم فانّ عزّك عزّهم وذكرهم لك وما اظنّك تفعل. وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدّة ان نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة وإياك ان تبني المدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك ان تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودّعه وبكى كل منهما الى صاحبه. ثم سار الى الكوفة وكلما سار منزلا اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل الى بئر ميمون مات بها مع السحر لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل الى مكة وحفروا له مائة قبر ليعمّوا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لإحرامه وكان عمره ثلثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته انه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من احسن الناس خلقا ما لم يخرج الى الناس واشدّهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: انظر ما هذا. فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهنّ يضحكن فأخبرته فقال: واي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى اليهنّ. فلما رأينه تفرّقن. فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسّر الطنبور وأخرجه فباعه. ولما افضى اليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعدّ دور اهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهما أربعين درهما.

стр. 130

وكان المنصور في صدر امره عند ما بنى بغداد أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهوة. وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه. فقيل له عن جيورجيس بن بختيشوع [١] الجنديسابوريّ انه أفضل الأطباء. فتقدم بإحضاره. فأنفذه العامل بجنديسابور بعد ما أكرمه. فخرج ووصّى ولده بختيشوع بالبيمارستان واستصحب معه تلميذه عيسى ابن شهلاثا ولما وصل الى بغداد أمر المنصور بإحضاره. فلما وصل الى الحضرة دعا له بالفارسية والعربية. فعجب المنصور من حسن منطقه ومنظره وأمره بالجلوس وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون. وخبّره بمرضه. فقال له جيورجيس: انا ادبّرك بمشيّة الله وعونه. فأمر له في الوقت بخلعة جليلة وتقدم الى الربيع بإنزاله في أجمل موضع من دوره وإكرامه كما يكرم اخص الأهل. ولم يزل جيورجيس يتلطف له في تدبيره حتى برى من مرضه وفرح به فرحا شديدا. وقال له يوما: من يخدمك ههنا. قال: تلامذتي. فقال له الخليفة: سمعت انه ليست لك امرأة. فقال: لي زوجة كبيرة ضعيفة لا تقدر على النهوض من موضعها. وانصرف من الحضرة ومضى الى البيعة. فأمر المنصور خادمه سالما ان يحمل من الجواري الروميّات الحسان ثلاثا الى جيورجيس مع ثلثة آلاف دينار. ففعل ذلك. فلما انصرف جيورجيس الى منزله عرّفه عيسى بن شهلاثا تلميذه بما جرى وأراه الجواري. فأنكر أمرهن وقال لعيسى: يا تلميذ الشيطان لم ادخلت هؤلاء الى منزلي. أردت ان تنجسني. امض وردّهنّ على أصحابهنّ. فمضى الى دار الخليفة وردهنّ على الخادم. فلما اتصل الخبر الى المنصور أحضره وقال له: لم رددت الجواري. قال: لا يجوز لنا معشر النصارى ان نتزوّج بأكثر من امرأة واحدة وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها. فحسن موقع هذا من الخليفة وزاد موضعه عنده. وهذا ثمرة العفة. ولما كان في سنة اثنتين وخمسين ومائة مرض جيورجيس مرضا صعبا. ولما اشتد مرضه أمر المنصور بحمله الى دار العامة وخرج ماشيا اليه وتعرّف خبره. فخبّره وقال له: ان رأى امير المؤمنين ان يأذن لي في الانصراف الى بلدي لأنظر اهلي وولدي وان متّ قبرت مع آبائي. فقال له: يا حكيم اتق الله وأسلم وانا اضمن لك الجنة. قال جيورجيس قد رضيت حيث آبائي في الجنة او في النار. فضحك المنصور من قوله ثم قال: انني منذ رأيتك وجدت راحة من الأمراض التي كانت تعتادني. فقال جيورجيس: انا اخلف بين يدي امير المؤمنين عيسى تلميذي فهو ماهر. فأمر لجيورجيس بعشرة آلاف دينار واذن له بالانصراف وانفذ معه خادما وقال: ان مات في الطريق فاحمله

стр. 131

الى منزله ليدفن هناك كما أحب. فوصل الى بلده حيا. ثم أمر المنصور بإحضار عيسى ابن شهلاثا. فلما مثل بين يديه سأله عن أشياء فوجده ماهرا فاتخذه طبيبا. ولما استصحبه [١] المنصور بدأ في التشاور والأذية خاصة على المطارنة والاساقفة ومطالبتهم بالرشى. ولما خرج المنصور في بعض أسفاره وصل الى قريب نصيبين. فكتب عيسى الى قوفريان مطران نصيبين يتهدده ويتوعده ان منع عنه ما التمسه منه. وكان عيسى قد التمس ان ينفذ له من آلات البيعة أشياء جليلة ثمينة لها قدر. وكتب في كتابه الى المطران: ألست تعلم أن أمر الخليفة في يدي ان أردت أمرضته وان أردت شفتيه. فلما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل الى الربيع وشرح له صورة الحال فأقرأه الكتاب وأوصله الربيع الى الخليفة ووقفه على حقيقة الأمر. فأمر المنصور بأخذ جميع ما يملكه عيسى الطبيب وتأديبه ونفيه. ففعل به ذلك ونفي أقبح نفي. وهذا ثمرة الشره. وكان نوبخت المنجم الفارسي يصحب المنصور وكان فاضلا حاذقا خبيرا باقتران الكواكب وحوادثها. ولما ضعف عن الصحة قال له المنصور: أحضر ولدك ليقوم مقامك. فسير ولده أبا سهل. قال ابو سهل: فلما دخلت على المنصور ومثلت بين يديه قيل لي: تسمّ لأمير المؤمنين. فقلت: اسمي خرشاذماه طيماذاه [٢] ماباذار خسرو ابهمشاذ [٣] . فقال لي المنصور: كل ما ذكرت فهو اسمك. (قال) قلت: نعم. فتبسم المنصور ثم قال: ما صنع أبوك شيئا فاختر مني احدى خلتين اما ان اقتصر بك من كل ما ذكرت على طيماذ واما ان تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم وهي ابو سهل. قال ابو سهل: قد رضيت بالكنية. فبقيت كنيته وبطل اسمه. (المهدي بن المنصور) لما مات المنصور ببئر ميمون لم يحضره عند وفاته الا خدمه والربيع مولاه. فكتم الربيع موته وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلّة خفيفة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره وأدنى اهله منه. ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه. ثم رجع إليهم وأمرهم عنه بالبيعة للمهدي بن المنصور بن محمد الامام ولابن عمه عيسى بن موسى بن محمد الامام بعده. فبايعوا. ثم أخرجهم. وبعد ذلك خرج إليهم باكيا مشقوق الجيب لاطما رأسه. ثم وجه الى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ولابن عمه عيسى بن موسى بعده. فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع بالكوفة وأراد ان يتحصن بها.

стр. 132

فبعث المهدي أبا هريرة في ألف فارس فأخذه الى المهدي. ولم يزل يراوضه ويراوده حتى أجاب الى خلع نفسه. فعوضه عنها عشرة آلاف دينار وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي. وفي ايام المهدي خرج بخراسان [١] رجل يقال له يوسف البرم واستغوى خلقا فبعث اليه المهدي جيوشا ففضوا جموعه وأسروه وحملوه الى المهدي. فأمر به فصلب. وخرج المقنّع وادعى النبوة وقال بتناسخ الأرواح واتّبعه أناس كثيرون. وكان هذا رجلا قصيرا اعور من قرية بمرو يقال لها كره. وكان لا يسفر عن وجهه لأصحابه فلذلك قيل له المقنع. وكان يحسن شيئا من الشعبذة وأبواب النيرنجيات فاستغوى اهل العقول الضعيفة واستمالهم، فبعث المهدي في طلبه فصار الى ما وراء النهر وتحصن في قلعة نكس [٢] وجمع فيها من الطعام والعلوفة وبثّ الدعاة في الناس وادعى احياء الموتى وعلم الغيب. وألح المهدي في طلبه فحوصر. فلما اشتد الحصار عليه وأيقن بالهلاك جمع نساءه واهله كلهم وسقاهم السم فماتوا عن آخرهم. واحرق كلما في القلعة من دابة وثوب وطعام. وألقى نفسه في النار لئلا يلقى جسده العدوّ. ودخل العسكر القلعة ووجدوها خالية خاوية. وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه بما وراء النهر. وكان وعدهم ان تتحول روحه الى قالب رجل اشمط على برذون اشهب وانه يعود إليهم بعد كذا سنة ويملكهم الأرض. فهم بعد ينتظرونه ويسمّون المبيضة. وفي سنة خمس وستين ومائة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم. فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية. وصاحب الروم يومئذ ايريني امرأة لاون الملك. وذلك ان ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في حجرها. فجزعت المرأة من المسلمين وطلبت الصلح من الرشيد. فجرى الصلح بينهم على الفدية وان تقيم له الادلّاء والأسواق في طريقه. وذلك انه دخل مدخلا ضيقا مخوفا من احد جانبيه جبل وعر ومن جانبه الآخر نهر ساغريس. فأجابته الى ذلك ومقدار الفدية سبعون ألف دينار لكل سنة. ورجع عنها. ولو كانت ذات همة لامكنها منع المسلمين من الخروج والفتك بهم. وفي سنة تسع وستين ومائة عزم المهدي على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد. فبعث اليه وهو بجرجان في المعنى. فلم يفعل وامتنع من القدوم ايضا. فسار المهدي يريده. فلما بلغ ماسبذان عمدت حسنة جاريته الى كمثرى فأهدته الى جارية أخرى كان المهدي يتحظاها وسمّت منه

стр. 133

كمثراة هي احسن الكمثرى. فاجتاز الخادم بالمهدي وكان يعجبه الكمثرى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها. فلما وصلت الى جوفه صاح: جوفي جوفي. فسمعت حسنة بموته فجاءت تبكي وتلطم وجهها وتقول: أردت ان انفرد بك فقتلتك. فمات من يومه وكان موته في المحرم لثمان بقين منه سنة تسع وستين ومائة وكانت خلافته عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلث وأربعين سنة ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها. حكي انه لما همّ المهدي بالخروج الى ماسبذان تقدم الى حسنة حظيّته ان تخرج معه. فأرسلت الى توفيل بن توما النصراني المنجّم الرهاوي وهو رئيس منجمي المهدي قائلة له: انك أشرت على امير المؤمنين بهذا السفر فجشمتنا سفرا لم يكن في الحساب. فعجل الله موتك وأراحنا منك. فلما بلّغته رسالتها قال للجارية التي أتته بها: ارجعي إليها وقولي لها ان هذه الاشارة ليست مني. واما دعاؤك عليّ بتعجيل الموت فهذا شيء قد قضى الله به وموتي سريع فلا تتوهمي ان دعوتك استجيبت. ولكن اعدّي لنفسك ترابا كثيرا. فإذا انا متّ فاجعليه على رأسك. فما زالت متوقعة تأويل قوله منذ توفي حتى توفي المهدي بعد عشرين يوما. وكان توفيل هذا على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان من مذاهب النصارى. وله كتاب تاريخ حسن ونقل كتابي اوميروس الشاعر على فتح مدينة ايليون في قديم الدهر من اليونانية الى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة. وفي هذا الزمان اشتهر في الطب ابو قريش طبيب المهدي وهو المعروف بعيسى الصيدلاني. ولم يذكر هذا في جملة الأطباء لأنه كان ماهرا بالصناعة وانما يذكر لظريف خبره وما فيه من العبرة وحسن الاتفاق. وهو ان هذا الرجل كان صيدلانيا ضعيف الحال جدا. فتشكّت الخيزران حظية المهدي وكانت من مولدات المدينة. وتقدمت الى جاريتها بأن تخرج القارورة الى طبيب غريب لا يعرفها. وكان ابو قريش بالقرب من القصر الذي للمهدي. فلما وقع نظر الجارية عليه أرته القارورة. فقال لها: لمن هذا الماء. فقالت: لامرأة ضعيفة. فقال: بل لملكة جليلة عظيمة الشأن وهي حبلى بملك. وكان هذا القول منه على سبيل الرزق. فانصرفت الجارية من عنده وأخبرت الخيزران بما سمعت منه. ففرحت بذلك فرحا شديدا وقالت: ينبغي ان تضعي علامة على دكانه حتى إذا صحّ قوله اتخذناه طبيبا لنا. وبعد مدة ظهر الحبل وفرح به المهدي فرحا شديدا. فأنفذت الخيزران الى ابي قريش خلعتين فاخرتين وثلاثمائة دينار وقالت: استعن بهذه على أمرك. فان صحّ ما قلته استصحبناك. فعجب ابو قريش من ذلك وقال:

стр. 134

هذا من عند الله جلّ وعزّ لانني ما قلته للجارية الا وقد كان هاجسا من غير اصل. ولما ولدت الخيزران موسى الهادئ سر المهدي سرورا عظيما. وحدثته الخيزران الحديث فاستدعى أبا قريش وخاطبه. فلم يجد عنده علما بالصناعة الا شيئا يسيرا من علم الصيدلة. الا انه اتخذه طبيبا لما جرى منه واستصحبه وأكرمه الإكرام التام وحظي عنده [١] . (الهادي بن المهدي) لما توفي المهدي كان الرشيد معه في ماسبذان. فكتب الى الآفاق بوفاة المهدي والبيعة لموسى الهادي. وسار نصير الوصيف الى الهادي بجرجان يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له. فنادى بالرحيل. ولما قدم بغداد استوزر الربيع. وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين ومائة تتبع الهادي الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا الى الناس في الطواف يهزلون ويقولون: ما أشبههم ببقر تدوس البيدر. وقتل ايضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب. وفي سنة سبعين ومائة توفي الهادي. وسبب وفاته انه لما ولي الخلافة كانت أمه الخيزران تستبد بالأمور دونه. وكلمته يوما في أمر لم يجد الى إجابتها سبيلا. فقالت: لا بد من الاجابة اليه. فغضب الهادي وقال: والله لا قضيتها لك. قالت: إذا والله لا اسألك حاجة ابدا. قال: لا أبالي. فقامت مغضبة. فقال: مكانك. والله لئن بلغني انه وقف في بابك احد من قوادي لأضربنّ عنقه. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح الى بابك. اما لك مغزل يشغلك او مصحف يذكرك او بيت يصونك. فانصرفت وهي لا تعقل. ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم وبالجلوس على وجهه. فمات ليلة الجمعة للنصف من ربيع الاول. وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستا وعشرين سنة. (هرون الرشيد بن المهدي) لما توفي الهادي بويع الرشيد هرون بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي. وكان عمره حين ولي اثنتين وعشرين سنة. وأمه الخيزران. ولما مات الهادي خرج الرشيد فصلى عليه بعيساباذ. ولما عاد الرشيد الى بغداد وبلغ الجسر دعا الغوّاصين وقال: كان ابي قد وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار. فأتاني رسول

стр. 135

الهادي اخي يطلب الخاتم وانا ههنا فألقيته في الماء. فغاصوا عليه وأخرجوه فسرّ به. ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه من فراشه وقال له لتخلعنها او لأضربنّ عنقك. فأجاب الى الخلع. وأشهد الناس عليه. فحظي بها خزيمة. وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد البرمكيّ الى الرشيد فأعلمه بموته. فبينا هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشره بمولود. فسماه عبد الله وهو المأمون. فقيل: في ليلة مات خليفة وقام خليفة وولد خليفة. وفي هذه السنة ولد الأمين واسمه محمد في شوال وكان المأمون اكبر منه. ولما ولي الرشيد استوزر يحيى البرمكي. وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين وولّاه خراسان وما يتصل بها الى همذان ولقبه المأمون وسلمه الى جعفر بن يحيى البرمكيّ. وفيها حملت بنت خاقان الخزر الى الفضل بن يحيي البرمكيّ. فماتت ببرذعة فرجع من معها الى أبيها فأخبروه انها قتلت غيلة فتجهز الى بلاد الإسلام. وفيها سلمت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن لاون وأقرّوا أمه ايريني. وغزا المسلمون الصائفة فبلغوا أفسوس مدينة اصحاب الكهف. وفي سنة ثلث وثمانين ومائة خرج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب فأوقعوا بالمسلمين واهل الذمة وسبوا اكثر من مائة ألف رأس وانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع بمثله في الأرض. وفي سنة ست وثمانين ومائة أخذ الرشيد البيعة للقاسم ابنه بولاية العهد بعد المأمون وسمّاه المؤتمن. وفي سنة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم ايريني الملكة وملكت نيقيفور وهو من أولاد جبلة. فكتب الى الرشيد: من نيقيفور ملك الروم الى هرون ملك العرب. اما بعد فان الملكة ايريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافه إليها. لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن [١] . فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت والّا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزّه الغضب وكتب في ظهر الكتاب: من هرون امير المؤمنين الى نيقيفور زعيم الروم. قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة فأحرق وخرّب ورجع. وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى البرمكي وحبس أخاه الفضل وأباه يحيى بالرقة حتى ماتا. وكتب الى العمال في جميع النواحي بالقبض على البرامكة واستصفى

стр. 136

أموالهم [١] . وفي سنة تسعين ومائة ظهر رافع بن الليث بما وراء النهر مخالفا للرشيد بسمرقند. وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة سار الرشيد من الرقة الى بغداد يريد خراسان لحرب رافع. ولما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة. ولما بلغ جرجان في صفر اشتد مرضه. وكان معه ابنه المأمون. فسيره الى مرو ومعه جماعة من القواد. وسار الرشيد الى طوس. واشتد به المرض حتى ضعف عن الحركة. ووصل اليه هناك بشير بن الليث أخو رافع أسيرا فقال له الرشيد: والله لو لم يبق من اجلي الا ان أحرك شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصّاب فأمر به ففصل أعضاءه. فلما فرغ منه أغمي عليه ثم مات ودفن بطوس سنة ثلث وتسعين ومائة. وكانت خلافته ثلثا وعشرين سنة. وكان عمره سبعا وأربعين سنة. وكان جميلا وسيما ابيض جعدا قد وخطبه الشيب. وكان بعهده ثلثة الأمين وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور ثم المأمون وأمّه ام ولد اسمها مراجل ثم المؤتمن وأمه ام ولد. قيل: وكان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة الى ان فارق الدنيا الّا من مرض. وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته. قيل ان الرشيد في بدء خلافته سنة احدى وسبعين ومائة مرض من صداع لحقه. فقال ليحيي بن خالد بن برمك: هؤلاء الأطباء ليسوا يفهمون شيئا وينبغي ان تطلب لي طبيبا ماهرا. فقال له عن بختيشوع بن جيورجيس [٢] . فأرسل البريد في طلبه الى جنديسابور [٣] . ولما كان بعد ايام ورد ودخل على الرشيد. فأكرمه وخلع عليه خلعة سنية ووهب له مالا وافرا وجعله رئيس الأطباء. ولما كان في سنة خمس وسبعين ومائة مرض جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك. فتقدم الرشيد الى بختيشوع ان يخدمه. ولما أفاق جعفر من مرضه قال لبختيشوع: أريد ان تختار لي طبيبا ماهرا أكرمه واحسن

стр. 137

اليه. قال له بختيشوع: لست اعرف في هؤلاء الأطباء احذق من ابني جبريل. فقال له جعفر: أحضرنيه. فلما أحضره شكا اليه مرضا كان يخفيه. فدبّره في مدة ثلثة ايام وبرئ. فأحبه جعفر مثل نفسه. وفي بعض الأيام تمطّت حظيّة الرشيد ورفعت يدها فبقيت مبسوطة لا يمكنها ردّها والأطباء يعالجونها بالتمريخ والادهان فلا ينفع ذلك شيئا. فقال له جعفر عن جبريل ومهارته. فأحضره وشرح له حال الصبية. فقال جبريل: ان لم يسخط امير المؤمنين عليّ فلها عندي حيلة. قال له الرشيد: ما هي. قال: تخرج الجارية الى هاهنا بحضرة الجمع حتى اعمل ما أريد وتتمهّل عليّ ولا تسخط عاجلا. فأمر الرشيد فخرجت وحين رآها جبريل اسرع إليها ونكس رأسها وأمسك ذيلها فانزعجت الجارية ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت اعضاؤها وبسطت يدها الى أسفل وأمسكت ذيلها. فقال جبريل: لقد برئت يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد للجارية ابسطي يدك يمنة ويسرة. ففعلت. فعجب الرشيد وكل من حضر وأمر لجبريل في الوقت بخمسمائة ألف درهم واجبه. ولما سئل عن سبب العلة قال: هذه الصبية النصبّ الى اعضائها وقت الغشيان خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة ولأجل ان سكون حركة الغشيان تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون الاعصاب وما كان يحلّها الّا حركة مثلها فاحتلّت حتى انبسطت حرارتها وحلّت الفضلة فبرئت. ومن أطباء الرشيد يوحنا بن ماسويه النصراني السرياني ولّاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة. وخدم الرشيد ومن بعده الى ايام المتوكل وكان معظما ببغداد جليل القدر وله تصانيف جميلة. وكان يعقد مجلسا للنظر ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة. وكان يدرّس ويجتمع اليه تلاميذ كثيرون. وكان في يوحنا دعابة شديدة يحضره من يحضره لأجلها في الأكثر. وكان من ضيق الصدر وشدّة الحدّة على اكثر مما كان عليه جبريل بن بختيشوع. وكانت الحدة تخرج من يوحنا ألفاظا مضحكة. فمما حفظ من نوادره ان رجلا شكا اليه علة كان شفاه منها الفصد فأشار عليه به. فقال له: لم اعتد الفصد. قال له يوحنا: ولا احسبك اعتدتّ العلة من بطن أمّك. وصار اليه قسيس وقال: قد فسدت عليّ معدتي. فقال له يوحنا: استعمل جوارشن الخوزي. فقال له: قد فعلت. قال: فاستعمل الكموني. قال: قد استعملت منه أرطالا. فأمره باستعمال البنداذيقون. فقال: قد شربت منه جرة. قال: استعمل المروسيا. فقال له: قد فعلت وأكثرت. فغضب يوحنا وقال له: ان أردت ان تبرأ فأسلم فان الإسلام يصلح المعدة. وكان بختيشوع بن جبريل يداعب يوحنا كثيرا. فقال له في مجلس ابراهيم بن

стр. 138

المهدي وهم في معسكر المعتصم بالمدائن سنة عشرين ومائتين: أنت أبا زكريا اخي ابن ابي. فقال يوحنا لإبراهيم: اشهد على إقراره فو الله لأقاسمنّه ميراثه من أبيه. فقال له بختيشوع: ان أولاد الزنا لا يرثون. فانقطع يوحنا ولم يحر جوابا. ومن الأطباء في ايام الرشيد صالح بن بهلة [١] الهندي. ومن عجيب ما جرى له ان الرشيد في بعض الأيام قدّمت له الموائد. فطلب جبريل بن بختيشوع يحضر اكله على عادته في ذلك فلم يوجد فلعنه الرشيد. فبينما هو في لعنته إذ دخل عليه. فقال له: اين كنت وطفق يذكره بشرّ. فقال: ان اشتغل امير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه ابراهيم بن صالح وترك تناولي بالسب كان أشبه. فسأله عن خبر ابرهيم. فأعلمه انه خلّفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة. فاشتد جزع الرشيد من ذلك وأمر برفع الموائد وكثر بكاؤه. فأشار جعفر ابن يحيى البرمكي ان يمضي صالح الطبيب الهندي اليه ويعاينه ويجس نبضه. فمضى وتأمله ورجع الى جعفر قائلا: ان مات هذا من هذه العلة كل امرأة في طالق ثلاثا بتاتا. فلما كان وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بوفاة ابراهيم على الرشيد فأقبل يلعن الهند وطبهم. فحضر صالح بين يدي الرشيد فقال: الله الله ان تدفن ابن عمك حيا فو الله ما مات. قم حتى أريك عجبا. فدخل اليه الرشيد ومعه جماعة من خواصه. فأخرج صالح ابرة كانت معه وأدخلها بين ظفر إبهام يده اليسرى ولحمه. فجذب ابراهيم يده وردها الى بدنه. فقال صالح: يا امير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع. ثم نفخ شيئا من الكندس في أنفه. فمكث مقدار سدس ساعة ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس وكلّم الرشيد وقبّل يده. وسأله الرشيد عن قضيته. فذكر انه كان نائما نوما لا يذكر انه نام مثله قط طيّبا الا انه رأى في منامه كلبا قد أهوى اليه فتوقّاه بيده فعض إبهام يده اليسرى عضة انتبه بها وهو يحسّ بوجعها وأراه موضع الابرة. وعاش ابراهيم بعد ذلك دهرا وولي مصر وتوفي بها وهناك قبره. (الأمين بن الرشيد) انتهى الأمر اليه بعد أبيه باثني عشر يوما. بويع له في عسكر الرشيد وكان المأمون حينئذ بمرو. وفي سنة اربع وتسعين ومائة قدم الفضل ابن الربيع العراق من طوس ونكث عهد المأمون وسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد. فأمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى ونهى عن الدعاء للمأمون. وأمر بابطال ما ضرب المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان. وندب الأمين عليّ بن عيسى بن ماهان للقاء المأمون. ولما عزم على المسير من بغداد

стр. 139

ركب الى باب زبيدة ام الأمين ليودّعها. فقالت له: يا عليّ اعرف لعبد الله المأمون حق ولادته ولا تقتسره اقتسار العبيد إذا ظفرت به ولا تعنف عليه في السير وان شتمك فاحتمله. ثم دفعت اليه قيدا من فضة وقالت: قيده بهذا القيد. ثم خرج عليّ في عشرة آلاف فارس. وبلغ الخبر المأمون فتسمى بأمير المؤمنين وانهض هرثمة بن أعين في اقل من اربعة آلاف فارس وعلى مقدمته طاهر بن الحسين. ثم خرج طاهر في أصحابه من الري على خمسة فراسخ. وسار اليه عليّ وزحف الناس بعضهم الى بعض وحملت ميمنة عليّ وميسرته على ميسرة طاهر وميمنته فأزالتاهما عن موضعيهما. وحمل قلب طاهر على قلب عليّ فهزموه. ورجع المنهزمون من معسكر طاهر على من بازائهم فهزموهم. ورمى رجل اسمه داود شاه عليّا بسهم فقتله. وحمل رأسه الى طاهر وأنفذه الى المأمون. وكان عليّ قليل الاحتياط من طاهر. وكان يقول لأصحابه: ما بينكم وبين ان ينقصف طاهر انقصاف الشجر من الريح الا ان نعبر [١] عقبة همذان. ولما قتل عليّ بعث المأمون الى طاهر بالهدايا وأمره ان يمضي الى العراق. فأخذ طاهر على طريق الأهواز وأخذ هرثمة على طريق حلوان. فشغب الجند على محمد الأمين ووثبوا عليه وخلعوه وحبسوه مع أمه زبيدة وولده. ثم أخرجوه وبايعوه وكان حبسه يومين. ثم حاصر طاهر وهرثمة محمدا الأمين وجعلا يحاربان أصحابه سنة ببغداد فقل أصحابه وخفت يده من المال وضعف أمره. فوجه الى هرثمة يسأله الامان. فأمنه وضمن له الوفاء من المأمون. فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه وأبي ان يدعه يخرج الى هرثمة وقال: هو في حيّزي والجانب الذي انا فيه وانا أخرجته بالحصار حتى طلب الامان فلا ارضى ان يخرج الى هرثمة فيكون له الفتح دوني. وكان الأمين يكره الخروج الى طاهر لمنام رآه. فلما كان ليلة الأحد لخمس بقين من محرم سنة ثماني وتسعين ومائة خرج بعد العشاء الآخرة الى صحن الدار ودعا بابنيه وضمهما اليه وقبلهما وقال: استودعكما الله . ثم جاء راكبا الى الشط. فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها وأمر هرثمة الحراقة ان تدفع. فأدركهم اصحاب طاهر في الزواريق وحملوا على الحراقة بالنفط والحجارة فانكفأت بمن فيها وسقط هرثمة الى الماء فتعلّق الملاح بشعره فأخرجه. واما الأمين فانه لما سقط الى الماء شق ثيابه وسبح حتى خرج بشط البصرة. فأخذه اصحاب طاهر وجاءوا الى بيت وهو عريان عليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة خلقة فحبسوه هناك. فلما انتصف الليل دخل عليه قوم من العجم معهم

стр. 140

السيوف مسلولة. فلما رآهم جعل يقول: ويحكم انا ابن عمّ رسول الله انا ابن هرون انا أخو المأمون. الله الله في دمي. فضربه رجل منهم بالسيف في مقدم رأسه ونخسه آخر في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحا وأخذوا رأسه ومضوا به الى طاهر. فبعث به الى المأمون. وكانت خلافة الأمين اربع سنين وثمانية أشهر وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. وقيل: لما ملك الأمين وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وأمره ونهيه ووجّه الى جميع البلدان في طلب اصحاب اللهو وضمّهم اليه وأجرى عليهم الأرزاق وقسم ما في بيوت الأموال من الجواهر في خصيانه ونسائه الأحرار وعمل خمس حراقات في دجلة على سورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس. فقال ابو نواس في ذلك: عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليث يمرّ مرّ السحاب سبّحوا إذ رأوك سرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب واحتجب عن اخوته واهل بيته واستخف بهم وبقواده وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ولهوه وأحبته. وأمر قيّمة جواريه ان تهي له مائة جارية صانعة فتصعد اليه عشر عشر بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد. وقيل انه لما أتاه نعي عليّ بن عيسى كان يصطاد السمك. فقال للذي أخبره بذلك: دعني فان كوثرا قد اصطاد سمكتين وانا ما اصطدت شيئا بعد. وبالجملة لم يوجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حكمة ومعدلة او تجربة حتى تذكر. (المأمون بن الرشيد) لما خلص الأمر للمأمون بعث الى عليّ بن موسى بن جعفر ابن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن ابي طالب فأقدمه خراسان وجعله ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده وزوجه ابنته ام حبيبة ولقبه الرضا من آل محمد. وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك الى الآفاق انه نظر في بني العباس وبني عليّ فلم يجد أحدا أفضل ولا أروع ولا اعلم من غضب عليّ بن موسى فلذلك عقد له العهد من بعده. فشق ذلك على بني هاشم وغضب بنو العباس فقالوا: لا تخرج [١] الخلافة منّا الى أعدائنا. فخلعوا المأمون وبايعوا ابراهيم بن المهدي بن المنصور بن محمد الامام ابن عليّ بن عبد الله بن عباس وسموه المبارك. وفي سنة ثلث ومائتين مات علي بن موسى الرضا وكان سبب موته انه أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة في آخر صفر بمدينة طوس فدفنه المأمون عند قبر أبيه الرشيد. وفي هذه السنة خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدي فاختفي

стр. 141

ليلة الأربعاء لثلث عشرة بقيت من ذي الحجة ولم يزل متواريا. وقدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن. وفي هذه السنة وهي سنة اربع ومائتين مات الامام محمد بن إدريس الشافعي. وفي سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر أخذ ابراهيم بن المهدي وهو متنقّب مع امرأتين وهو في زيّ امرأة أخذه حارس اسود ليلا فقال: من انتنّ واين تردن هذا الوقت. ولما استراب بهنّ رفعهنّ الى صاحب المسلحة. فأمرهنّ ان يسفرن. فامتنع ابراهيم. فجذبه فبدت لحيته فرفعه الى باب المأمون واحتفظ به الى بكرة. فلما كان الغد أقعد ابراهيم في دار المأمون والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم. ثم عفا عنه وامّنه ونادمه. وفي سنة سبع عشرة ومائتين سار المأمون الى بلد الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم. ثم رحل عنها وترك عليها عجيفا. فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية ايام ثم أخرجوه. وفي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب المأمون الى اسحق بن ابراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين بالقرآن فمن أقر انه مخلوق محدث خلّى سبيله ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه. وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات به لثلث عشرة خلت من جمادى الآخرة. وكان سبب مرضه انه كان جالسا على شاطئ البدندون واخوه ابو اسحق المعتصم عن يمينه وهما قد دلّيا أرجلهما في الماء. فبينما هو متعجب من عذوبته وصفائه وشدة برده إذ جاءته الألطاف من العراق وكان فيها رطب ازاذ كأنما جني تلك الساعة. فأكل منه وشرب من ذلك الماء فما قام الا وهو محموم وكانت منيته من تلك العلة. فلما انه مرض خلع أخاه القاسم المؤتمن وأخذ البيعة لأخيه ابي اسحق المعتصم وأمر ان يكتب الى البلاد الكتب من عبد الله المأمون امير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده ابي اسحق المعتصم بن هرون الرشيد. ولما حضره الموت كان عنده ابن ماسويه الطبيب. وكان عنده من يلقّنه فعرض عليه الشهادة. فأراد الكلام فعجز عنه. ثم انه تكلم فقال: يا من لا يموت ارحم من يموت. ثم توفي من ساعته. فحمله ابنه العباس واخوه المعتصم الى طرسوس [١] فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد. وكانت خلافته عشرين سنة. وكان ربعة ابيض جميلا طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة. وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة. قال القاضي صاعد بن احمد الاندلسي ان العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيء من العلوم الا بلغتها ومعرفة احكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند

стр. 142

افراد منهم غير منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طرا إليها. فهذه كانت حال العرب في الدولة الاموية. فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثابت الهمم من غفلتها وهبّت الفطن من ميتتها. وكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني ابو جعفر المنصور. وكان مع براعته في الفقه كلفا في علم الفلسفة وخاصة في علم النجوم. ثم لما أفضت الخلافة فيهم الى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هرون الرشيد تمّم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة. فبعثوا اليه منها ما حضرهم فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم احكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما أمكن. ثم حرّض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها [١] فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظراتهم ويلتذ بمذاكرتهم علما منه بان اهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده لأنهم صرفوا عنايتهم الى نيل فضائل النفس الناطقة وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في دقة الصنائع العملية والتباهي بأخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى الشهوانية إذ علموا ان البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها. اما في احكام الصنعة فكالنحل المحكمة لتسديس مخازن قوتها. واما في الجرأة والشجاعة فكالأسد وغيره من السباع التي لا يتعاطى الإنسان أقدامها ولا يدّعي بسالتها. واما في الشبق فكالخنزير وغيره مما لا حاجة الى ابانته. فلهذا السبب كان اهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر وأوحشت الدنيا لفقدهم. فمن المنجمين في ايام المأمون حبش الحاسب المروزي الأصل البغدادي الدار. وله ثلثة ازياج. أولها المؤلف على مذهب السند هند. والثاني الممتحن وهو اشهرها ألّفه بعد ان رجع الى معاناة الرصد وأوجبه الامتحان في زمانه. والثالث الزيج الصغير المعروف بالشاة [٢] . وله كتب غير هذه. وبلغ من عمره مائة سنة. ومنهم احمد بن كثير الفرغاني صاحب المدخل الى علم هيئة الأفلاك يحتوي على جوامع كتاب بطليموس [٣] بأعذب لفظ وأبين عبارة. ومنهم عبد الله بن سهل بن نوبخت كبير القدر في علم النجوم. ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي. كان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجه الاول والثاني ويعرف بالسند هند. ومنهم ما شاء الله اليهودي. كان في زمن المنصور وعاش الى ايام المأمون وكان فاضلا أوحد زمانه له حظّ قويّ في سهم الغيب. ومنهم يحيى

стр. 143

ابن ابي المنصور رجل فاضل كبير القدر إذ ذاك مكين المكان. ولما عزم المأمون على رصد الكواكب تقدم اليه والى جماعة من العلماء بالرصد وإصلاح آلاته. ففعلوا ذلك بالشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق. قال ابو معشر: اخبرني محمد بن موسى المنجم الجليس وليس بالخوارزمي قال: حدثني يحيى بن منصور قال: دخلت الى المأمون وعنده جماعة من المنجمين وعنده رجل يدّعي النبوّة وقد دعا له المأمون بالعاصمي [١] ولم يحضر بعد ونحن لا نعلم. فقال لي ولمن حضر من المنجمين: اذهبوا وخذوا الطالع لدعوى الرجل في شيء يدّعيه وعرّفوني ما يدل عليه الفلك من صدقه وكذبه. ولم يعلمنا المأمون انه متنبئ. (قال) فحملنا [٢] الى بعض تلك الصحون فأحكمنا أمر الطالع وصورنا موضع الشمس والقمر في دقيقة واحدة وسهم السعادة منهم وسهم الغيب في دقيقة واحدة مع دقيقة الطالع والطالع الجدي والمشتري في السنبلة ينظر اليه والزهرة وعطارد في العقرب ينظران اليه. فقال كل من حضر من القوم: ما يدعيه صحيح. وانا ساكت. فقال لي المأمون: ما قلت أنت. فقلت: هو في طلب تصحيحه وله حجة زهرية عطاردية. وتصحيح الذي يدّعيه لا يتمّ له ولا ينتظم. فقال لي: من اين قلت هذا. قلت: لان صحة الدعاوي من المشتري ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس غير منحوسة وهذا الطالع يخالفه لأنه هبوط المشتري والمشتري ينظر اليه نظر موافقة الا انه كاره لهذا البرج والبرج كاره له فلا يتم التصديق والتصحيح. والذي قال من حجة زهرية وعطاردية. انما هو ضرب من التخمين والتزويق والخداع يتعجب منه ويستحبّ. فقال لي المأمون: أنت لله درّك. ثم قال: أتدرون من الرجل. قلنا له: لا. قال: هذا يدّعي النبوّة. فقلت: يا امير المؤمنين أمعه شيء يحتج به. فسأله. فقال: نعم معي خاتم ذو فصّين ألبسه فلا يتعين منه شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه. ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق إصبعه. فقلت: يا سيدي هذه الزهرة وعطارد قد عملا عملهما. فأمره المأمون بعمل ما ادّعاه. فقلنا له: هذا ضرب من الطلسمات. فما زال به المأمون أياما كثيرة حتى اقرّ وتبرّأ من دعوة النبوّة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم. فوهب له ألف دينار. فتلقيناه بعد ذلك فإذا هو اعلم الناس بعلم التنجيم. قال ابو معشر: وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد. قال ابو معشر: لو كنت مكان القوم لقلت أشياء ذهبت

стр. 144

عليهم كنت أقول: الدعوى باطلة لان البرج منقلب والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو العقرب. ومن الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أمينا على ترجمة الكتب الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت الفلسفة اغلب عليه من الطبّ. ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج. كان بالأهواز وفي لسانه لكنة خوزية وتقدّم بالطب في ايام المأمون. وكان إذا اجتمع مع يوحنا ابن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج. ومن دعاباته انه تمارض واحضر شهودا يشهدهم على وصيته وكتب كتابا اثبت فيه أولاده فأثبت في اوله جيورجيس ابن بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر انه أصاب أمّيهما زنا فأحبلهما. فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات. فصاح سهل: صري وهكّ المسيه اخرؤا في أذنه آية خرسي. أراد بالعجمة التي فيه: صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي. ومن دعاباته انه خرج في يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة احسن من هيئة. فحسده على ذلك فصار الى صاحب مسلحة الناحية فقال له: ان ابني يعقّني وان أنت ضربته عشرين درّة موجعة أعطيتك عشرين دينارا. ثم اخرج الدنانير فدفعها الى من وثق به صاحب المسلحة ثم اعتزل ناحية الى ان بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه الى صاحب المسلحة وقال: هذا ابني يعقّني ويستخف بي. فجحد ان يكون ابنه. فقال: يهذي هذا. قال سهل: انظر يا سيدي. فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضربا موجعا مبرّحا. ومن أطباء المأمون جبريل الكحّال. كانت وظيفته في كل شهر ألف درهم وكان أول من يدخل اليه في كل يوم. ثم سقطت منزلته بعد ذلك. فسئل عن سبب ذلك فقال: اني خرجت يوما من عند المأمون فسألني بعض مواليه عن خبره فأخبرته انه قد اغفى. فبلغه ذلك فأحضرني ثم قال: يا جبريل اتخذتك كحّالا او عاملا للأخبار عليّ. اخرج من داري. فأذكرته حرمتي فقال: ان له لحرمة فليقتصر به على اجراء مائة وخمسين درهما في الشهر ولا يؤذن له في الدخول. (المعتصم بن الرشيد) هو ابو اسحق محمد بن هرون الرشيد. بويع له بعد موت المأمون فشغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون. فخرج إليهم العباس فقال: ما هذا الحب البارد وقد بايعت عمي. فسكنوا. ودخل كثير من اهل الجبال وهمذان

стр. 145

وأصفهان وماسبذان وغيرهم في دين الخرّميّة [١] وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان. فوجّه إليهم المعتصم العساكر فأوقعوا بهم فقتل منهم ستون ألفا وهرب الباقون الى بلد الروم. وفي سنة تسع عشرة ومائتين احضر والمعتصم احمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن. فلما لم يجب بكونه مخلوقا أمر به فجلد جلدا شديدا حتى غاب عقله وتقطع جلده. وكان ابو هرون بن البكاء من العلماء المنكرين لخلق القرآن يقر بكونه مجعولا لقول الله: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا. ٤٣: ٣ ويسلم ان كل مجعول مخلوق ويحجم عن النتيجة ويقول: لا أقول مخلوق ولكنه مجعول. وهذا عجب عاجب. وفي سنة عشرين ومائتين عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجّهه لحرب بابك فسار اليه. وكان ابتداء خروج بابك سنة احدى ومائتين وهزم من جيوش السلطان عدّة وقتل من قواده جماعة ودخل الناس رعب شديد وهول عظيم واستعظموه واحتوى [٢] اليه القطاع واصحاب الفتن وتكاثفت جموعه حتى بلغ فرسانه عشرين ألفا سوى الرجالة وأخذ يمثل [٣] بالناس. وكان أصحابه لا يدعون رجلا ولا امرأة ولا صبيّا ولا طفلا مسلما او ذميا الّا قطعوه وقتلوه وأحصي عدد القتلى بأيديهم فكان مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة انسان. فلما انتدب الافشين لحرب بابك قاومه الافشين سنة وانهزم من بين يديه غير مرة وعاوده. وآل الأمر الى ان انتحى [٤] بابك الى البذ [٥] مدينة فلما ضاق أمره خرج هاربا ومعه اهله الى بلاد الروم في زي التجار. فعرفه سهل بن سنباط [٦] الارمني البطريق فأسره. فافتدى نفسه منه بمال عظيم. فلم يقبل منه وبعثه الى الافشين بعد ما ركب الأرمن من أمه وأخته وامرأته الفاحشة بين يديه. وكذا كان يفعل الملعون بالناس إذا اسرهم مع حرمهم. وحمل الافشين بابك الى المعتصم وهو بسر من رأى. فأمر بإحضار سياف بابك فحضر فأمره ان يقطع يديه ورجليه فقطعها فسقط. فأمر بذبحه وشق بطنه. وأنفذ رأسه الى خراسان وصلب بدنه بسامرّا. وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم الى بلاد الإسلام فبلغ ز بطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرّية والنساء. وأغار على ملطية وغيرها وسبى المسلمات ومثّل بمن صار في يده من المسلمين
следующие страницы →