مذ ذاك مملكة اللاطينيين من مملكة الاطيقيين من جهة مغاربها. وبعدت أعمالهم من اعمال رومية بمن توسط بينهما من فرق الترك المخيّمة هنالك والمخربة لكثير من عمائرها.
فلا يصل احد اليوم من القسطنطينية الى رومية الا في البحر. وكان للروم بمدينة رومية وغيرها علماء بأنواع الفلسفة الا ان لليونانيين من المزية في ذلك والفضل ما لا ينكره الروميون ولا سواهم.
(اغوسطس قيصر)
ملك ستا وخمسين سنة. وباسمه سمي شهر آب اغوسطس وكان يسمى أولا سجاسطيلوس [١] . وفي أيامه جدّد هيروذيس مدينة نابلس [٢] وعظم قصر اسطراطون وسمّاهما قيصرية [٣] وهي [٤] المعروفة بفيليبوس. وبنى ايضا مدينة جبلة.
وفي السنة الثالثة والأربعين من ملك اغوسطس قيصر وهي سنة تسع وثلاثمائة [٥] من تأريخ الإسكندر ولد السيد المسيح من مريم العذراء ليلة الثلثاء في الخامس والعشرين من كانون الاول. وفي تلك السنة كان قد أرسل قيصر الملك قورينوس القاضي مع اصحاب الجزية الى أورشليم. فصعد يوسف خطيب مريم من الناصرة مدينته الى أورشليم ليثبت اسمه. وعند موافاتهم قرية بيت لحم ولدت مريم. وأتى المجوس بألطافهم من المشرق فأهدوها الى المسيح وهي ذهب ومر ولبان. وكانوا قد مروا أولا بهيروذيس وسألهم عن أمرهم. فقالوا له: ان عظيما كان لنا وهو قد أنبأنا بكتاب وضعه ذاكرا فيه: سيولد في فلسطين مولود أصله من السماء ويتعبد له اكثر العالم. وآية ظهوره انكم ترون نجما غريبا وهو يهديكم الى حيث هو. فإذا رأيتموه فاحملوا ذهبا ومرّا ولبانا وانطلقوا اليه وألطفوه بها واسجدوا له وانصرفوا لئلّا ينالكم بلاء عظيم. والآن قد ظهر لنا النجم وأتينا لنتمّ ما أمرنا به. فقال لهم هيروذيس: قد أصبتم الرأي فانطلقوا وابحثوا عن الصبي نعمّا.
فإذا وجدتموه فأعلموني لأنطلق انا ايضا فأسجد له. فمضوا ولم يعودوا اليه. فغضب غضبا
стр. 72
شديدا وأمر بذبح جميع أطفال بيت لحم من ابن سنتين وما دون لعدم علمه بوقت ولادة المخلّص. وكانت مريم يومئذ ابنة ثلث عشرة سنة وعمّرت احدى وخمسين سنة. وكتب اوتغنيوس [١] الفيلسوف الى قيصر يعلمه عن مجيء المجوس قائلا في رسالته: ان فرس المشرق دخلوا سلطانك وقرّبوا القرابين لصبح ولد بأرض يهوذا. فأمّا من هو وابن من هو فلم يبلغنا بعد. فأجابه قيصر: ان هيروذيس عاملنا على اليهود هو يعلمنا ما أمر هذا المولود وقضيته. وكتب قيصر الى هيروذيس يستعمله الخبر. فكتب اليه وعرفه قول المجوس له وانه ذبح أطفال بيت لحم أجمعين ليكون قد اتى على نفس الصبي معهم. وفي تلك الليلة التي أتت المجوس هرب يوسف مع مريم والمولود الى مصر ولبثوا بها سنتين. ولما بلغهم موت هيروذيس عادوا الى الناصرة مدينتهم. وقبل ان يموت هيروذيس قتل امرأته مريم التي كانت ابنة يوحنا الإسكندر ملك اليهود وأخاها [٢] وأمها وبالجملة كل من وجد من نسل الملوك. ثم حدث له استسقاء زقّي ونقرس شديد وبقي في عذاب أليم مدة سنتين ثم مات. وولي مكانه ارخيلاوس ابنه تسع سنين. ثم اعتقله اغوسطس وجعل ملك اليهود أرباعا وولّى في الثلاثة الارباع ثلثة من اخوة ارخيلاوس وهم هيروذيس وانطيفطرس وفيليفوس. وفي الربع الرابع لوسانيا.
(طيباريوس قيصر)
ملك اثنتين [٣] وعشرين سنة. وفي السنة الاولى من ملكه عرضت زلزلة عظيمة وسقط فيها مواضع كثيرة ومات خلق من الناس والمواشي. وفي السنة السابعة بنى هيروذيس بن هيروذيس مدينة طبريّة على اسم طيباريوس الملك.
وفي السنة الرابعة عشرة ولي فيلاطوس القضاء على اليهود ونصب تمثال قيصر في الهيكل واضطرب لذلك اليهود. وبعد ثلث سنين اعتمد المسيح من يوحنا بن زكريا يوم الأربعاء وقيل: يوم الأحد لستّ خلون من كانون الاخيرة. وكان ابن ثلثين سنة. ومن هاهنا بدأ بإظهار الآيات الباهرة وافشاء سر ملكوت الله والحث على العمل بسنّة الفضيلة فضلا عن سنّة العدالة. وفي السنة التاسعة عشرة من ملك طيباريوس وهي سنة ثلاثمائة واثنتين وأربعين من تاريخ الإسكندر أرسل ابجر ملك الرها فيجا اسمه حنان الى المسيح بكتاب يقول فيه: من ابجر الأسود الى ايشوع المتطبب الظاهر باورشليم. امّا بعد فانه بلغني
стр. 73
عنك وعن طبّك الروحاني وانّك تبرئ الأسقام من غير ادوية فحدست انك امّا إلاه نزلت من السماء او ابن الإله. فأنا اسألك ان تصير اليّ لعلّك تشفي ما بي من السقم.
وقد بلغني ان اليهود يرومون قتلك. ولي مدينة واحدة نزهة وهي تكفيني وإياك نسكن فيها في هدو. والسلام. فأجابه المسيح بكتاب قائلا: طوباك انك آمنت بي ولم ترني. واما ما سألتني من المصير إليك فانه يجب ان أتمم ما أرسلت له واصعد الى ابي. ثم أرسل إليك تلميذا لي يبرئ سقمك ويمنحك ومن معك حياة الأبد. فلما أخذ حنان الجواب من المسيح جعل ينظر اليه ويصوّر صورته في منديل لأنه كان مصورا وأتى به الى الرها ودفعه الى ابجر الأسود. وقيل ان المسيح تمندل بذلك المنديل ماسحا به وجهه فانتقشت فيه صورته. وبعد صعود المسيح الى السماء أرسل ادي السلّيح احد الاثنين والسبعين الى الرها وابرأه من سقامه.
وفي هذه السنة تمّت الاربعمائة والتسعون سنة التي اوحى الله الى دانيال النبي ان سبعين أسبوعا تطمئنّ أمّتك ثم يأتي الملك المسيح ويقتل. وهذا إذا ابتدأنا بتعديدها من آخر سنة عشرين لملك ارطحششت الطويل اليدين وهي السنة التي أرسل فيها نحميا الساقي الى أورشليم وجدّد العهد بتقريب القرابين وكتب عزرا كتب الوحي. وفي هذه السنة اعني التاسعة عشرة من ملك طيباريوس قيصر صلب المسيح يوم الجمعة في الثالث والعشرين [١] من آذار وكان فصح اليهود يوم السبت وانما أكله المسيح مع تلاميذه ليلة الجمعة لتعذر.
إتمامه في وقته بسبب صلبه نهار الجمعة. وكان الصعود يوم الخميس لثلث خلون من أيار. وصار الفنطيقوسطي يوم الأحد لثلث عشرة ليلة خلت من أيار.
وفي هذا اليوم سمع كهنة اليهود من داخل الهيكل صوت هاتف يهتف بهم قائلا:
قد أزمعنا على الانتقال من هاهنا. فراعهم ذلك جدا.
فمن بدء العالم الى مجيء المسيح بمقتضى التوراة التي بأيدي اليهود اربعة آلاف ومائتان وعشر سنين بالتقريب. وبمقتضى التوراة السبعينية التي بأيدي الروم وسائر فرق النصرانية خلا السريان خمسة آلاف وخمسمائة وست وثمانون سنة بالتقريب. ينقص التاريخ الاول من الثاني ألف وثلاثمائة وخمس [٢] وسبعون سنة. وهذا النقص منسوب الى أحبار اليهود لأن البشارة بالمسيح قد تقدمت في التوراة والأنبياء انه يبعث في آخر الأزمان
стр. 74
ولم يكن لمن سلف من رباني اليهود حيلة في دفع مجيء المسيح غير ان يبدلوا أعمار الآدميّين التي منها يوقف على تاريخ العالم فنقصوا من عمر آدم الى ان ولد شيث مائة سنة وزادوها في باقي عمره. وكذلك عملوا في أعمار باقي ولد آدم الى ابراهيم. فصار تاريخهم يدل على ان المسيح ظهر في الالف الخامس وهذا قريب من توسط سني العالم التي هي جميعها عندهم سبعة آلاف سنة. فقالوا: نحن بعد في توسط الزمان فلم يحن حين مجيء المسيح. واما التاريخ السبعيني فيدل على ان المسيح ظهر في الالف السادس فيكون قد حان حينه.
(غاييوس قيصر)
ملك اربع سنين. وفي السنة الاولى من ملكه ولي هيروذيس اغريباس على اليهود سبع سنين. وفي هذه السنة قتل فنطيوس فيلاطوس نفسه وأرسل فيليكوس [١] قاضيا الى أورشليم وملأ محاريب اليهود أصناما. فأرسلوا رسولين حكيمين هما فيلون ويوسيفوس العبريان الى قيصر يتضوّرون من صنيع الناظر. فمضيا واستعطفاه متقدما بازالة ما كره اليهود عنهم. وفي السنة الرابعة ورد فطرونيوس الناظر من رومة الى أورشليم ونصب صورة زاوس اي المشتري في هيكل الرب. وتمّت نبوءة دانيال النبي الذي قال: علامة نجسة قائمة حيث لا ينبغي.
(قلوذيوس قيصر)
ملك خمس عشرة [٢] سنة. وفي السنة الثانية من ملكه ظهر رجل مصري بأرض يهوذا وادعى النبوءة وأفسد خلقا [٣] من الناس وأراد ان يكبس أورشليم قهرا. فتوجه اليه فيليكوس [١] البطريق فقتله وقتل عامة اتباعه. وظهر ايضا رجل يسمى قورينثوس وكان يقول: ان في ملكوت الله أكلا وشربا ونكاحا.
وفي هذا الزمان امر قلوذيوس قيصر بإحصاء اليهود الذين في سلطانه. فبلغ عددهم ستمائة وأربعا وتسعين ربوة واربعة آلاف نفس. وفي يوم عيد الفصح وقع اليهود في الخلّيطى وضغط الناس بعضهم بعضا فمات في الزحام ثلثون ألف نفس. وكان اليهود متفرقين على سبع فرق.
الاولى: الربّانيون وهم كتاب الناموس ومعلّموه.
والثانية: اللاويّون الذين لم يفارقوا خدمة الهيكل.
стр. 75
والثالثة: المعتزلة الذين يؤمنون بقيامة الموتى ويقولون بوجود الملائكة ويصومون يومين في الأسبوع.
والرابعة: الزنادقة الذين يجحدون القيامة والملائكة.
والخامسة: المغتسلون الذين يقولون لا يثاب احد ان لم يغتسل كل يوم.
والسادسة: النسّاك الذين لا يأكلون شيئا فيه روح.
والسابعة: السمرة الذين لا يقبلون من الكتب الّا التوراة وهي المجسّمة [١] .
(نارون قيصر)
ملك اربع عشرة سنة. وفي السنة الثالثة عشرة من ملكه اضطهد الناصري وضرب عنق فطروس وبولوس وصليهما منعكسين [٢] . وعصى اليهود عليه فغزاهم اسفسيانوس القائد مع جيوش كثيرة وحاصر أورشليم زمانا طويلا. فلما دنا من فتحها أتاه الخبر بموت نارون وانه اعتراه جنون في مرضه وقتل نفسه وابنه وزوجته.
فنصب اسفسيانوس ابنه طيطوس مكانه في محاربة اليهود ونهض ارجعا الى رومية وغزا الاسكندرية وفتحها وركب في البحر وسار الى رومية وملكها.
(اسفسيانوس قيصر)
ملك عشر سنين. وهو بنى قوقلس اي منارة الاسكندرية وطولها مائة وخمس وعشرون خطوة. وفي السنة الثانية من ملكه افتتح طيطوس ابنه مدينة أورشليم وقتل فيها زهاء ستين ألف نفس وسبى نيفا ومائة ألف نفس. ومات فيها من الجوع خلق كثير [٣] والباقون تشتتوا في البلاد. ودعثرها وأخرب [٤] هيكلها. وتمّت نبوءة يعقوب حيث قال: لن تفقد هراوة الملك من يهوذا ولا المنذر اي النبي من ذريته حتى يأتي من له الغلبة وإياه تتوقع الشعوب. وتم ايضا ما انذر به المخلص مخاطبا لاورشليم:
انه سيأتي ايام تحيط بك اعداؤك ويكبسونك وبنيك فيك. وكان ذلك بعد أربعين سنة من صلب المسيح. وذكر يوسيفوس العبري انه ظهر قبل خراب أورشليم علامات فظيعة. وذلك انه ظهر فوق المدينة نجم طويل كسيف [٥] من نار يلمع. وفي عيد الفصح
стр. 76
جاءوا ببقرة الذبيحة فولدت حملا في وسط الهيكل. وأبواب النحاس التي كانت على باب الهيكل ولم تكن تغلق وتفتح دون اجتماع عشرين رجلا وجدت نصف الليل مفتوحة من غير علة. وكانوا عامة السنة يسمعون في الهيكل أصواتا مختلفة تقول: انّا سننتقل من هاهنا.
(طيطوس قيصر)
ملك سنتين. وفي السنة الثانية لملكه انشق جبل بالروم وخرج منه شهب نار أحرقت مدنا كثيرة. ووقع برومية حريق كثير. وخطب بعض الخطباء ذات يوم خطبة في حفل من الناس وفي جملة الانباز التي نبزها طيطوس اشتق له اسما [١] من اسماء الله تعالى. ولأنه سر بذلك فجأه الموت فجأة.
(ذوميطيانوس قيصر)
ملك ستّ عشرة سنة. ونفى من رومية المنجمين واصحاب الزجر والفأل والعيافة والطيرة. وأمر ان لا يغرس برومية كرم البتة. وفي السنة التاسعة لملكه اضطهد النصارى اضطهادا شديدا ومع هذا كان الناس يدخلون في دين المسيح أفواجا ويتمسكون به تمسكا أشد. فقال فطروفيلس المحصل لارسنيوس الحكيم معلمه ما الذي الجأ ديونوسيوس [٢] رئيس حكماء اثيناس وافريقيانوس الاسكندري ومرطيانوس الباذوي الى ان يسجدوا لرجل مصلوب. فأجابه قائلا: ان آلهة السماء اقتضوا هذا.
فاستنار واختار اتّباع النصارى بالسيرة الحسنة وترك الدنيا وملاذّها يفيدهم الأيد بالقول والعمل.
وفي هذا الزمان عرف افولونيوس الطلسماطيقي وكان يضادّ التلاميذ بأفاعيله المخالفة لأفاعيل المسيح ويقول: الويل لي ان سبقني ابن مريم. وهذا الملك نفى يوحنا الانجيلي الى بعض الجزائر. وكتب اليه دينوسيوس اسقف اثيناس كتابا يقول فيه: لا يعترينّك الضجر والملل فانه لا يطول سجنك فالمسيح يعمل لك الخلاص فألهم نفسك بالصبر.
وبعد قليل قتل دوميطيانوس قيصر على بساطه في مجلسه.
(نارون [٣] قيصر الصغير) ملك سنة واحدة. وأمر ان يردّ المنفيون. ورجّع يوحنا الانجيلي الى مدينة أفسوس بعد ست سنين لنفيه. ثم جذم نارون ومات في بستان خارج رومية.
стр. 77
(طريانوس قيصر)
ملك تسع عشرة سنة. وفي السنة العاشرة لملكه اضطهد النصارى. واستشهد شمعون بن قليوفا اسقف أورشليم ويوحنا السلّيح وايغناطيوس النوراني [١] اسقف انطاكية رمي للسباع فافترسته. وفيلنيوس صاحب الشرط لما عجز من قتل النصارى لكثرتهم طالع قيصر ان اهل هذا المذهب عاملون بجميع سنن الفلاسفة غير انهم لا يكرمون الأصنام. فأمر قيصر ان لا يجدّ في اذاهم الا إذا وجد منهم من يتفوه بسب الآلهة فليدن. وفي آخر سنة من ملكه عصت اليهود الذين بجزيرة قبرس والشام والحبشة. ويهود مصر ايضا نصبوا لهم ملكا اسمه لومينوس [٢] . فجيّش وتوجه الى فلسطين. فطلبته جيوش الروم وقتلته مع ربوات من اليهود في كل مكان.
وفي هذا الزمان ظهر بأنطاكية رجل اسمه سوطرنينوس [٣] وكان يقول: ان سبعة من الملائكة خلقوا العالم وإياهم عنى الله بقوله هلموا نخلق إنسانا بشبهنا وصورتنا. وقال:
ان التزويج وهيئته أعضاء البضاع للرجل والنساء من فعل الشيطان ولهذا يستقبح الناس كشفها. وظهر ايضا بسيليذيس القائل بإكرام الحية وتعظيمها لأنها المشيرة على حواء بالمجامعة ولولاها لما تناسل الناس. وظهر ايضا رجل اسمه قورنثوس [٤] وكان يقول: ان العالم خلق الملائكة وان المسيح ولد من المباضعة. وقيل: ان بيعة الله الى هذه الغاية التي ظهر فيها هؤلاء المخالفون كانت عذراء من مثل هذه العلوم الشيطانية وخرافات البدع.
(اذريانس قيصر)
ملك احدى وعشرين سنة. وفي أول سنة من ملكه اطلق الديون وأمر المديونين ان لا يقضوا مما عليهم شيئا البتة وأطلق للناس الاخاريج والاتاوى الديوانية ايضا. وفي السنة الرابعة بطل الملك من الرها وولي أمرها القضاة من قبل الروم.
وأمر اذريانس ببناء مدرسة بمدينة اثيناس ورتب فيها قوما من الحكماء وحمل إليهم نواميس سولون وذراقون ومن هنالك فاضت الحكيم في اثيناس.
وفي هذه السنة ظهر باورشليم رجل يقال له ابن الكوكب وأضل اليهود مدعيا انه نزل من السماء كالكواكب ليخلصهم من عبودية الروم. فتبعه خلق كثير منهم. وبلغ الخبر الى اذريانس فوجّه اليه جيوشا فقتلوه وغزوا أورشليم واهلكوا اليهود وخربوا أورشليم
стр. 78
غاية الخراب وبنوا قريبا منها مدينة سموها هيليا اذريانس وأسكنوها قوما غرباء. وأمر اذريانس بصرم آذان الذين تخلفوا من اليهود وسنّ لهم سنّة ان لا ينظروا الى أورشليم ولا من بعيد.
(طيطوس انطونيانس قيصر)
المسمى اوسابيوس ويسمى ايضا بارّا وأب البلد.
ملك اثنتين وعشرين سنة وأزال عن النصارى الاضطهاد وأباح للناس ان يتديّنوا بأيّ دين شاءوا.
وفي هذا الزمان نبغ في البيعة من المخالفين شخص اسمه ولنطيانوس وكان يقول:
ان المسيح انزل معه جسدا من السماء واجتازه بمريم كاجتياز الماء بالميزاب اي لم يأخذ منها شيئا. وظهر ايضا رجل يسمى مرقيون وقال: ان الآلهة ثلثة عادل وصالح وشرير وان العادل اظهر أفاعيله في الشرير وهو الهيولي فخلق منها العالم. ولما رأى الصالح العالم قد انجذب الى جهة الشرير أرسل ابنه ليدعو الناس الى عبادة أبيه الصالح.
فأتي ونسخ التوراة المتضمّنة سنّة العدل بالإنجيل الذي هو متضمن سنّة الفضل.
فهيج العادل عباده عليه فأمكنهم من نفسه حتى قتلوه وبقيامته من بين الأموات سبى الناس واصارهم الى عبادة أبيه. فلما اظهر مرقيون هذه الخزعبلة وعظته الاساقفة زمانا طويلا فلم يرجع عن خزعبلته وتمادى في اباطيله فنفوه الجماعة [١] وصار لعنة.
وفي هذا الزمان اشتهر جالينوس في الطب ووضع فيه كتبا كثيرة. والموجود في ايدي الناس منها الآن زهاء مائة كتاب. وكان شيخه في الطب طبيبا اسمه اليانوس. وهو الذي توجه الى مدينة انطاكية في السنة التي وقع الموتان في أهلها ومعه ترياق الفاروق فمن شرب منه قبل ان يمرض نجا والذين شربوه بعد المرض بعضهم نجا وبعضهم هلك.
وكان اصل جالينوس من مدينة برغاموس. وكان اشتغاله في الإسكندرية. والدليل على انه لم يكن في زمان المسيح كما ظن ولكن بعده [٢] قوله في المقالة الاولى من كتاب التشريح انه صنفه في مبدإ ملك انطونيانس في أول مرة صعد الى رومية. فمن صعود المسيح الى هذه الغاية ما ينيف على مائة سنة. وقال ايضا في شرحه لكتاب أفلاطون في الأخلاق وهو المسمى فادن: ان هؤلاء القوم الذين يسّمون نصارى تراهم قد بنوا مذهبهم على الرموز والمعجزات وليسوا بأقل من الفلاسفة الحقيقيين بأعمالهم. يحبون العفة
стр. 79
ويدمنون [١] الصوم والصلاة ويجتنبون المظالم. وفيهم أناس لا يدنّسون بالنساء. أقول:
يريد بالرموز الأمثال المضروبة لملكوت السماء في الإنجيل الطاهر. ومات جالينوس بجزيرة سيقيليا وقد بلغ من العمر ثمانيا وثمانين سنة.
وقد دلت التواريخ ان بطلميوس القلوذي الرياضي كان في هذا الوقت. وهو أول من سطح الكرة واخترع خط الأسطرلاب الذي [٢] بأيدي الناس. وكتبه المشهورة في زماننا اربعة: الكتاب الكبير المسمى سونطاكسيس وهو المجسطي. وكتاب جاوغرافيا في صورة الأرض وأطوال وعروض البلدان. وكتاب الأربع مقالات في احكام النجوم.
وكتاب الثمرة منها ايضا.
ومن ورود ذكر ثاون الرياضي الاسكندري [٣] في المجسطي وذكر بطلميوس في القانون يستدل على انهما كانا متعاصرين. ولثاون من الكتب الزيج المسمى. بالقانون.
وكتاب ذات الحلق وهي الآلة التي بها ترصد حركات الكواكب. وكتاب الأسطرلاب وكتاب المدخل الى المجسطي.
وممن اشتهر عند الناس فضيلته في هذا الزمان الإسكندر الافروديسي شارح كتب أرسطاطاليس المنطقية والحكمية. وقد جرى بينه وبين جالينوس محاورات عديدة.
وكان يسمى جالينوس رأس البغل لقوة رأسه في البحث.
(مرقوس اورليوس قيصر)
ملك تسع عشرة سنة وأشرك معه في الملك ولديه انطونيانس ولوقيوس. وفي أول ملكهم ولكش ملك الأرمن اخرب بلادا كثيرة من اعمال اليونانيين فغزاهم ابنا مرقوس قيصر وانتصرا عليهم وأطاعوهما. وغزا ايضا لوقيوس الصقالبة والترك وقهرهم. ولذلك يسمى اوطوقراطور اي ضابط الكل. ومات بعد تسع سنين.
وولي مكانه قومذوس ابنه ومات مختنقا.
وفي هذا الوقت ظهر رجل اسمه طيطيانوس وكان يقول بوجود عوالم كثيرة كعالمنا هذا. وان التزويج كله زنى وشر. وان بعد الموت اكلا وشربا ونكاحا.
وظهر ايضا في بلد آسيا مونطانس القائل عن نفسه انه الفارقليط الذي وعد المسيح ان يوجهه الى العالم.
стр. 80
وظهر ايضا رجل يسمى ابن ديصان لأنه ولد على نهر ديصان فوق مدينة الرّها.
وكان يسمي الشمس اب الحياة والقمر ام الحياة وان في أول كل شهر تخلع ام الحياة النور الذي هو لباسها وتدخل على اب الحياة فيجامعها فتلد أولادا يمدون العالم السفلي بالنمو والزيادة.
(فرطيناخس قيصر)
ملك ستة أشهر وقتل غيلة في مجلسه.
(سوريانس قيصر)
ملك ثماني عشرة سنة. وفي السنة الاولى من ملكه ثارت فتنة عظيمة بين اليهود والسمرة فتحاربوا وقتل من الفريقين خلق كثير. ومن السنة التاسعة من ملكه الى آخر عمره اضطهد النصارى اضطهادا شديدا واعتسفهم بالسجود للأصنام والأكل من ذبائحهم. ثم قتل في غزو الصقالبة.
(انطونيانس قيصر)
ملك سبع [١] سنين وأزال عن النصارى الاضطهاد وغزا ما بين النهرين وقتل بين الرها وحرّان.
(ماقرينوس قيصر [٢]
ملك سنة واحدة. وفي زمانه وقع حريق فظيع في رومية.
ووثب عليه غلمانه وقتلوه.
(انطونيانس قيصر المعروف باليوغالي)
ملك اربع سنين [٣] . وفي زمانه بنيت مدينة نيقوبوليس. وهي التي يسميها الكتاب الالهي عماوس [٤] . وكان يتولى بنيانها افريقيانوس المؤرخ.
(الإسكندروس قيصر)
ملك ثلث عشرة سنة. وكان اسم أمّه ماما. هذه آمنت بالمسيح وكان منها معونة كثيرة للمؤمنين. وفي السنة الثالثة من ملك هذا الإسكندروس قيصر وهي سنة خمسمائة واثنتين وأربعين للإسكندر ابتدأت مملكة الفرس الاخيرة المعروفة ببيت ساسان. ودامت اربعمائة وثماني عشرة سنة اعني الى ظهور الإسلام وملكهم.
(مكسيميانوس قيصر)
ملك ثلث سنين واضطهد النصارى وقتل سرجيس وباخوس الشاهدين وقوفريانوس الأسقف مع جماعة من المؤمنين.
(غورديانس [٥] قيصر)
ملك ست سنين. وغزا بلاد فارس وقتل هناك. وفي هذا
стр. 81
الوقت افريقيانوس المؤرخ وضع كتبا كثيرة في الازمنة وسير الملوك والفلاسفة.
(فيليبوس قيصر)
ملك سبع سنين واحسن الى النصارى ورام الاجتماع مع المؤمنين. فقال له الأسقف: لا يمكنك الدخول الى البيعة حتى تنتهي عن المحارم وتقتصر على زوجة واحدة من غير ذوات القربى. فكان يحضر وقت الصلاة ويقف خارج البيعة مع الذين ألفوا الدين ولم يكملوا فيه بعد. وفي أول سنة من ملك هذا فيليبوس ملك بفارس سابور بن أردشير احدى وثلثين سنة. وفي السنة الثالثة ظهر قوم من اصحاب البدع قائلين: ان من كفر بلسانه وأضمر الايمان بقلبه فليس بكافر.
وفي هذا الزمان بدأت اعمال الرهبان على يدي انطونيوس وفولى [١] المصريّين. وهما أول من اظهر لبس الصوف والتخلّي في البراري.
(ذوقيوس قيصر)
ملك سنة واحدة. ولبغضة فيليبوس قيصر المحسن الى النصارى عاداهم وشدد عليهم جدا. فكفر كثيرون من المؤمنين الى ان قتل فقدموا التوبة. وكان ناباطيس القسيس لا يقبل توبتهم قائلا: انه لا مغفرة لمن اخطأ بعد المعمودية. فوعظه الآباء كثيرا وسألوه الرجوع الى رأي الجمهور. فلم يقبل. فاجتمع عليه ستون اسقفا وأبعدوه عن البيعة وزيفوا تعليمه.
وفي زمان ذوقيوس كان الفتية السبعة اصحاب الكهف الذين هربوا منه واختفوا في مغارة فوق الكهف. ورفع خبرهم اليه فأمر ان يسد باب المغارة عليهم. فألقى الله عليهم سباتا الى يوم انبعاثهم من رقادهم.
(غالوس قيصر)
هذا أشرك معه في الملك رجلا يسمى ولسيانوس [٢] وملكا سنتين.
ثم قتلا في سوق من أسواق رومية يسمى فلامنيوس [٣] .
وفي هذا الزمان ظهر في مدينة بوزنطيا قسيس اسمه سابيليوس وقال ان الأقانيم الثلاثة هي الوجود والحكمة والحياة ليست معاني زائدة على ذات الله تعالى بل هي صفات اعتبارية لا مسمى لشيء منها في الخارج إذ الباري تعالى موجود لا بوجود وحكيم لا بحكمة وحيّ لا بحياة. أقول هذا مذهب انبيذوقليس بعينه في الصفات وقد انتحله فرقة من علماء الاسلامية ايضا وهي نفاة الصفات.
стр. 82
(اولارينوس قيصر)
ملك تسع سنين وشدد على انصارى وعسفهم جدا. ثم غزاه سابور بن أردشير بن بابك ملك فارس ومصر وأسره في المعركة وحدره الى بابل وسجنه هناك وملك غالوس ابنه مكانه.
(غالوس قيصر الثاني)
ملك ست سنين وأزال الاضطهاد عن النصارى خوفا ممّا نزل بأبيه من العقوبة.
وفي هذا الزمان ظهر من المبتدعة فولى الشميشاطيّ وكان يقول: ان جميع معلولات الله تعالى إرادية وليس له معلول ذاتي بتة ولذلك لم يلد ولم يولد. ولهذا لم يكن المسيح كلمة الله ولا ايضا ولد من عذراء كما ورد في ظاهر المذهب وانما حصل له الكمال بالاجتهاد. فكل من تعاطى رياضته [١] نال درجته. وذكر اوسابيوس المؤرخ عن هذا فولي انه استعان بامرأة يهودية رأسّها غالوس قيصر على الشام وكانت تستحسن علمه وكلامه. وفوضعت اليه بطركية انطاكية. فكان يجلس على سرير عال وصبايا حسنات النغمة يزمّرن زبور داود بين يديه. وكان متهما بالزنى معهنّ. فاجتمع عليه عدة من الاساقفة وحرموه واتباعه.
(قلوذيس قيصر)
ملك سنتين. وفي أول سنة من ملكه ظهرت في السماء آية اكليل من نار.
(اورلينوس قيصر)
ملك ست سنين وهادن سابور ملك فارس وزوّجة ابنته.
فبنى لها سابور بفارس مدينة شبه بوزنطيا وسماها جنديسابور. وكان قد أرسل اورلينوس في خدمة ابنته جماعة من الأطباء اليونانيين وهم بثوا الطب البقراطي بالمشرق. وفي السنة السادسة لاورلينوس همّ بالتضييق على النصارى. وبينا هو يفكر بذلك برق فاستظلمه [٢] ومات. وفي هذه السنة ملك بفارس هرمزد سنة واحدة.
وفي هذا الزمان عرف ماني الثنويّ. هذا كان أول أمره يظهر النصرانية وصار قسيسا بالأهواز وكان يعلّم ويفسر الكتب ويجادل اليهود والمجوس والوثنيين. ثم مرق من الدين وسمى نفسه مسيحا واتخذ اثني عشر تلميذا وأرسلهم الى بلاد المشرق بأسرها حتى الهند والصين وزرعوا فيها علم الثنوية وهو ان للعالم إلهين أحدهما خير وهو معدن النور
стр. 83
والآخر شر وهو معدن الظلمة. وانهما تمازجا [١] فانتصر الخير على الشر فانتقل الشر الى جهة الجنوب ليعمل هناك عالما ويتسلط عليه. ولما شرع وعمل بنات نعش حول القطب الجنوبي كهذه التي حول القطب الشمالي أصلحت الملائكة بينهما بأن ألقى الخير شيئا من نوره على الهيولي فوجد عالم قابل للكون والفساد وتسلط عليه الشر. ولأن الخير انما فعل ذلك مكرها ومجبرا خلق في السماء سفينتين كبيرتين هما الشمس والقمر وصار يجمع فيهما انفس الناس ويسترجع نصيبه الذي صار الى الشر ليخلوا الهيولي رويدا رويدا من آثار الخير فيبطل سلطان الشر. وكان يقول بالتناسخ وان في كل شيء روحا مستنسخة. وكان يفرط في تمجيد النار وتعظيم شأنها ويؤهلها للتقديس والتسبيح كل ذلك لنورها واضاءتها وتوسطها في المكان بين الفلكيات والعنصريات. واهّل الأرض للتحقير لكونها مظلمة لا يستضيء باطنها بالفعل ولا بالقوة. وهذا المذهب قد كان قديمان للفرس ولم يبتدعه ماني ولكن شيّده بالحجج الاقناعية. ونعم ما أجاب عنه الشيخ الرئيس ابو علي بن سينا إذ قال: كيف السبيل الى ان يوجد في النار كل معنى واقع في حيّز الخير وفي الأرض كل معنى واقع في حيّز الشر. فان الأرض حيز البقاء والحياة للحيوان والنبات. والنار مفرطة الكيفية مفسدة بتفريق أجزاء المركّب وتشتيتها.
وقيل ان سابور ملك الفرس قتل ماني وسلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه على سور المدينة لأنه كان يدّعي الدعاوي العظيمة وعجز عن إبراء ابنه من مرض عرض له.
(ططقيطوس قيصر)
ملك ستة أشهر وقتل في المركب وملك بفارس هرمزد.
(فلوريانس [٢] قيصر) ملك شهرين وقتل بمدينة طرسوس.
(فروبوس قيصر)
ملكه سبع سنين. وفي أول سنة من ملكه ملك بفارس ورهران [٣] ثلث سنين وبعده ورهران ابنه سبع عشرة سنة. ثم ان فروبوس قيصر قتل في الحرب بمدينة سرمين.
(قاروس قيصر)
ملك سنتين ومات ما بين النهرين. وقتل نوميروس ابنه في الحرب ببلد افريقية. وقورينوس ابنه الآخر قتل ايضا في حرب الجرامقة وهم قوم بالموصل أصلهم من الفرس. وفي السنة الثانية لملك قاروس قتل قوزما ودومياني الشهيدان.
(ذيوقليطيانوس قيصر)
ملك عشرين سنة وأشرك معه في الملك ثلثة نفر أخر.
стр. 84
أحدهم مكسانطيس ابنه وهو كان مقيما برومية. وقسطنطينوس ببوزنطيا. ومكسيميانوس ختن ذيوقليطيانوس بمصر والشام.
وفي هذا الزمان عصى اهل مصر فأرسل إليهم ذيوقليطيانوس جيوشا فأهلكوهم.
وفي السنة الحادية عشرة له ملك بفارس نرسي سبع سنين. وملك بعده هرمزد خمس سنين. وفي السنة التاسعة عشرة أمر بهدم كنائس النصارى فهدمت كلها. وضيّق عليهم جدا وقتل منهم خلقا كثيرا واحرق كتبهم. وفي هذه السنة عرض جوع عظيم حتى بلغ المدي [١] اعني القفيز الشامي من الحنطة الفين وخمسمائة [٢] درهم. ثم ان ذيوقليطيانوس اعتزل من الملك وخلط نفسه بالعامة الى وقت وفاته. وفعل مكسيميانوس ختنه ايضا كذلك. وبقي في الملك مكسانطيس وقسطنطينوس. ومن أول سنة ملك [٣] ذيوقليطيانوس وهي سنة خمسمائة وست وتسعون للإسكندر يبتدئ تاريخ ذيوقليطيانوس الذي يؤرخ به القبط ويسمونه تاريخ الشهداء اي الذين استشهدوا في هذه السنّه [٤] .
وفي دولة ذيوقليطيانوس هذا اشتهر في علم الفلسفة فرفوريوس الصوري وله النباهة فيه والتقدم. ولما صعب على صديق له يسمى خروساوريوس معرفة كلام أرسطاطاليس شكا اليه ذلك. فقال: كلام الحكيم يحتاج الى مقدمة قصّر عن فهمها طلبة زماننا لفساد أذهانهم. وشرع في تصنيف كتاب ايساغوجي ومعناه المدخل. فأخذ عنه وأضيف الى كتاب أرسطو وجعل أولا لها وسار مسير الشمس الى يومنا هذا. فمن تصانيفه هذا الكتاب وكتاب المدخل الى القياسات الحملية. وكتابان له الى رجل اسمه لبانوا [٥] . وكتاب في الرد لمحيوس [٦] في العقل والمعقول تسع مقالات توجد سريانيا.
وكتاب اخبار الفلاسفة وجد منه المقالة الرابعة بالسرياني. وكتاب الأسطقسات مقالة توجد سريانيا.
стр. 85
(قسطنطيس قيصر الكبير)
ملك اثنتي عشرة سنة أخرى بعد موت ذيوقليطيانوس [١] .
وكان به برص فأشار عليه خدم الأصنام ان يذبح أطفال المدينة ويغتسل بدمائهم فيبرأ من مرضه [٢] . فأخذ جماعة من الأطفال ليذبحهم فصارت مناحة عظيمة في المدينة فأحجم عن قتلهم. وفي تلك الليلة رأى في منامه فطروس وفولوس يقولان له: وجه الى سيليبيطريس اسقف رومية فجئ به فهو يبرئ مرضك [٣] . فلما أصبح وجه في طلبه.
فأتوه به ووعظ الملك وأوضح له سر النصرانية فدعا له. وتعمّد فذهب مرضه وأمر ببناء كنائس النصارى المهدومة. ومع هذا كان تمسكه بالدين واهيا [٤] .
(قسطنطينوس قيصر القاهر)
ملك اثنتين وثلثين سنة. وفي السنة الثانية له ملك على الفرس سابور بن هرمزد تسعا وستين سنة. وفي السنة الثالثة لملكه أمر ١ فبني [٥] لبوزنطيا سور فزاد في ساحتها اربعة أميال وسماها قسطنطينية ونقل الملك إليها. وفي السنة السابعة استعد لغز ومكسانطيس ابن بنت ذيوقليطيانوس لأنه عصى ولم يبايعه وغلب على رومية. وكان قسطنطينوس يتفكر الى اي الآلهة يلجئ امره في هذا الغزو.
فبينما هو في هذا الفكر رفع رأسه الى السماء نصف النهار فرأى راية الصليب في السماء مثال النور وكان فيه مكتوب ان بهذا الشكل تغلب. فصاغ له صليبا من ذهب وكان يرفعه في حروبه على رأس الرمح. ثم انه غزا رومية فخرج اليه مكسانطيس ووقع في نهر فاختنق. فافتتح قسطنطينوس مدينة رومية. واعتمد في هذا الوقت برومية من اليهود وعبدة الأصنام زهاء اثني عشر ألف خلا النساء والصبيان. ثم تنصرت هيلاني أمه بعد ذلك واعتمدت وشخصت الى أورشليم حاجّة وطلبت صليب المسيح بعناية وأمرت ببناء كنائس المسيح فيها وأخذت الصليب وحملته الى قسطنطينية. ولم يزل دين النصرانية يظهر ويقوى الى ان دخل فيه اكثر الأمم المجاورة للروم من الجلالقة والصقالبة وبرجان والروس واللان والأرمن والكرج وجميع اهل مصر من القبط وغيرهم وجمهور اصناف السودان من الحبشة والنوبة وسواهم. وآمن بعد هؤلاء اصناف من الترك ايضا.
стр. 86
وبنى قسطنطينوس بيعة عظيمة بالقسطنطنية وسماها أجيا سوفيا اي حكمة القدوس.
وبيعة أخرى على اسم السلّيحين. وبنى بيعة بمدينة بعلبك وكان أهلها يتشاركون في النساء ولم يخلص لأحدهم نسب فكفّهم عن ذلك فكفّوا. وبنى بأنطاكية هيكلا ذا ثماني زوايا على اسم السيدة. وفي أيامه حاصر سابور ملك الفرس مدينة نصيبين ثلثين يوما. وبدعاء مار يعقوب اسقفها ومار افريم تلميذه رحل عنها خائبا. وفي عودته غزا ما بين النهرين. فنهض قسطنطينوس لمحاربته وعند وصوله الى نيقوموذيا أدركته المنية سنة اثنتين وأربعين وستمائة للإسكندر [١] وذلك يوم الأحد لثمان بقين من أيار وكان عمره خمسا وستين سنة. وفي مرضه قسم الملك على أولاده الثلاثة وملّك الكبير المسمى باسمه قسطنطينوس على قسطنطينية. ورتّب الآخر المسمى قسطنطيس على مصر والشام وما بين النهرين وارمينية. ورتب الصغير المسمى قوسطوس على رومية واسفانيا وما يليها من ناحية المغرب.
وفي هذا الزمان ظهر آريوس المبتدع. هذا كان قسيسا خطيبا بالاسكندرية. فعلا ذات يوم مشهود [٢] المنبر ليخطب كعادته وابتدأ بخطبته من كلام سليمان بن داود وهو قوله: الرب خلقني في أول خلائقه. وأخذ يقرر انه عنى بذلك كلمة الله فهي مخلوقة مباينة بالجوهر لذات الله لأنها عبارة عن العقل الذي هو المعلول الاول وهو أول ما خلق الله. فكتب الملك كتابا الى جميع الاساقفة وقال فيه: انه لا شيء آثر عندي ولا أزين في عيني من خشية الله ومراقبته. وقد رأيت الآن ان تعزموا على القدوم الى مدينة نيقيا من غير وني لكي تفحصوا عن أمر دينيّ دعت الحاجة الى تحقيقه. فاجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر اسقفا ونظروا فيما تفوه به آريوس فوجدوه مخالفا لاصل المذهب فزيّفوا علمه الفاسد ورتبوا الامانة المشهورة واجتمعت الفرق المسيحية كلها على صحتها الى يومنا هذا. وكان اجتماعهم سنة ستمائة وست وثلثين للإسكندر. وكان في هذا المجمع اسقف يرى رأي ناباطيس. فقال له الملك: لم لا توافق الجمهور في قبول من تاب عن معاصيه منيبا الى الله. فأجابه الأسقف: انه لا مغفرة لمن فرطت منه كبيرة بعد الايمان والعماد بدليل قول فولوس الرسول حيث يقول: لا يستطيع الذين ذاقوا كلمة الله ان يدّنّسوا بالخطيئة ليطهروا بالتوبة ثانية. فقال له الملك هازئا به: ان كان الأمر كما تزعم فانصب
стр. 87
لك سلما لترقى فيه وحدك الى السماء. ونهض بعض الاساقفة فرفع الى الملك كتابا فيه سعاية ببعض الاساقفة. فلما قرأه الملك أمر ان يحرق الكتاب بالنار وقال: لو وجدت أحدا من الكهنة في ريبة لسترته بأرجوانيّتي.
(قسطنطينوس وقسطوس وقسطنطيس)
بنو القاهر ملكوا خمسا وثلثين سنة [١] .
ثم ان قسطنطينوس صار الى نيقوموذيا فأخذ جسد أبيه فحنطه ووضعه في صندوق ذهب وحمله الى قسطنطينية ووضعه في هيكل السليحين. وفي هذه السنة صعد سابور ملك الفرس فغزا نصيبين لما بلغه وفاة قسطنطينوس القاهر فحاصرها ثلثين يوما ورجع عنها الى مملكته خائبا وذلك بدعاء القديس مار افريم. فان الله استجاب دعاءه وأرسل على جيش الفرس بقّا وهمجا هزم فيلتهم وخيلهم. ثم ان سابور اضطهد النصارى الذين في سلطانه جدا. وفي هذه السنة مات مار يعقوب السقف نصيبين وقام مكانه بابويه.
وفي هذا الزمان عرف الحكيم الفارسي ووضع كتاب كثيرة في تشييد مذهب النصارى ونقض مذهب المجوس. وفي السنة السادسة لملك هؤلاء عرض بأنطاكية رجفات وزلازل كثيرة ولم تزل الأرض ترتجّ عامّة السنة مع سلامة من الفساد. ثم ان قسطنطينوس صاحب القسطنطينية وهو الأخ الكبير قتل في حرب وقعت بينه وبين أخيه الصغير وهو قسطوس صاحب رومية. وخلف ابنين غالوس ويوليانوس. ثم ان قسطنطيس وهو الأخ الأوسط صاحب مصر والشام نصب غالوس ملكا على القسطنطينية مكان أبيه.
فعصى على عمه الذي نصبه. فسيّر عمّه عليه جيشا وقتله ونصب أخاه يوليانوس مكانه.
وبعد قليل قتل قسطوس صاحب رومية. ومات ايضا قسطنطيس صاحب مصر والشام.
واستقل يوليانوس بجميع الممالك.
(يوليانوس قيصر)
ملك سنتين بعد موت عمّيه وسمي بارابطيس [٢] اي المارق لأنه خلع ربقة النصرانية من عنقه وعبد الأصنام. ولذلك وثب الوثنيون على النصارى ووقع بينهم بلاء عظيم بالاسكندرية وقتل من الجانبين خلق كثير. ثم ان يوليانوس الملك منع النصارى من الاشتغال في شيء من كتب الفلسفة وسلب آنية الكنائس والديورة واستصفى مال من لم يطعه من النصارى في أكل ذبائح الأصنام وأهلك كثيرين منهم. ثم انه عزم على غزو الفرس ودخل على افولون الحبر الخادم للصنم ليستعلم منه هل ينجح في
стр. 88
غزوه ام لا. فحكم له انه يقهر أعداءه على نهر دجلة. فاستكبر لذلك يوليانوس وصال جدا وجمع جيوشه وغزا الفرس. فلما وصل الى حرّان وأراد الخروج منها نكّس رأسه ساجدا لآلهة الحرّانيين. فسقط تاجه عن رأسه وصرع فرسه الذي كان تحته. فقال له خادم الصنم: ان النصارى الذين معك هم جلبوا عليك هذه البلايا. فأسقط منهم يومئذ زهاء عشرين ألف رجل. وسار حتى وافى المدائن. ولما نشب الحرب بينه وبين الفرس على دجلة صار يسير في صفوف مقاتليه وينشطهم للحرب. فرماه بعض الفرس بسهم فأصاب جنبه فسقط عن دابته. وبينما هو يتعذب إذ أخذ ملء حفنته دما من دمه فرشّه في الجو نحو السماء وقال: انك غلبتني يا ابن مريم فرث مع ملك السماء ملك الأرض ايضا. فمات وحمل الى مدينته طرسوس ودفن بها.
وكان ليوليانوس هذا كاتب اسمه ثامسطيوس فيلسوف مشهور في زمانه فسّر اكثر كتب ارسطوطاليس وصنّف كتابا ليوليانوس في التدبير وسياسة الممالك ورسالة له ايضا تتضمن الكف عن اضطهاد النصارى وذكر فيها ان الله يحب [١] ان يعبد بوجوه مختلفة فان الفلاسفة ايضا متشعبة الى ثلاثمائة مذهب. فأقنعه كلامه فيها وكفه عن أذيتهم فانكف. ومن الفلاسفة القريبة العهد من هذا الزمان نيقولاوس قد تقدم في معرفة الحكمة. وله من التصانيف كتاب من حمل فلسفة ارسطوطاليس ولنا نسخته بالسرياني نقل حنين بن اسحق. وكتاب النبات. وكتاب الرد على جاعل العقل والمعقولات شيئا واحدا. قال ابن بطلان: ان أصله من اللاذقية وبها ولد. ومنهم دوروثيوس وهو رياضي له اليد الطولى في علم الفلك والأحكام النجومية. وتصانيفه مشهورة عند اهل هذا العلم في المواليد والأدوار. ومنهم ديوفنطس وكتابه اب اسمه [٢] في الجبر والمقابلة مشهور وإذا تبحر فيه الناظر رأى بحرا في هذا النوع.
(يوينيانس قيصر)
لما قتل يوليانوس المارق بقي عسكر الروم بغير ملك. فاختاروا صاحب جيشه وهو يوينيانس المؤمن بمشورة سابور ملك الفرس. فامتنع وقال: انني نصراني لا ارضى ان أكون ملكا للوثنيين. فأعلموه انهم ايضا نصارى ومن خوفهم من المارق لم يظهروا أديانهم. فأخرج لهم صليبا من الخزانة ونصبه لهم في العسكر. وجرى الصلح بينهم وبين الفرس فشيعه سابور الى نصيبين ووهبها له. ونقل من كان بها من
стр. 89
الروم الى آمد. ومن هذا اليوم صارت نصيبين للفرس. ثم ان يوينيانس توفي بعد ان ملك سنة واحدة.
(اولنطيانس قيصر)
ملك ثلاث عشرة سنة. وولّى واليس [١] أخاه على المشرق.
وخرج على واليس رجل خارجي بقسطنطينية يسمى فروقرينوس [٢] . فلزمه واليس وأمر بشد رجليه بشجرتين أدنيت إحداهما من الاخرى فانفسخ بينهما. وسقط برد بقسطنطينية كالحجارة وعرضت رجفات وزلازل وخسف في مواضع كثيرة وانخسفت مدينة نيقيا ايضا. وظهر قوم يعرفون بالمصلّين وكانوا يقولون: كل من صلّى وصام اثنتي عشرة سنة يأمر الجبل ان ينتقل من مكانه فينتقل كما جاء في الإنجيل المقدس. فكان إذا تعبد أحدهم هذه المدة خرج فقال للجبل: ايّاك آمر انتقل عن مكانك. فإذا لم يكن ذلك يئس من قبول عبادته وأخذ في الأكل والشراب والفساد. وفي السنة الثالثة عشرة لاولنطيانس تجاوز الناموس وتزوّج بامرأة حسنة الصورة في حال حياة زوجته الناموسيّة وأطلق للناس ان يجمعوا بين زوجتين ان أرادوا الجمع بينهما. وفي تلك السنة مات.
(واليس قيصر)
لما مات اخوه اولنطيانس استقلّ هو وحده بالملك واستعدّ لغزو الفرس. فبينا هو يحاربهم إذ دخل الى قرية كانت الى جانبه مع نفر من أصحابه.
فأخبر الأعداء انه هناك فأحاطوا بالقرية وألقوا فيها نارا. فاحترق واليس ومن كان معه من أصحابه بعد ان ملك سنتين بعد أخيه.
(غراطيانس قيصر)
هو ابن اولنطيانس. ملك سنة واحدة. وفي هذه السنة مات سابور ملك الفرس بعد ان ملك سبعين سنة. وقام بعده أردشير [٣] اخوه اربع سنين. ثم غراطيانس أشرك معه في ملكه رجلا يقال له ثاوذوسيوس وكان وثنيا وآمن بالمسيح واعتمد. وتوفي غراطيانس.
(ثاوذوسيوس قيصر الكبير)
ملك سبع عشرة [٤] سنة وأمر ان يلزم كل احد دينه.
وفي السنة الخامسة خرج برومية خارجي يسمى مكسيموس. فوجّه اليه ثاوذوسيوس
стр. 90
جيوشا فقتل. وفي السنة السادسة ولد له ولد فسماه انوريس. وفي هذه السنة ظهرت في السماء آية كعمود من نار ولبثت شهرا. وفيها عرضت ظلمة شديدة نصف النهار في شهر آذار. ثم ان ثاوذوسيوس مرض فوجّه في طلب انوريس ابنه وبايع له ووجهه الى المغرب. وبايع لارقاذيوس ابنه الآخر ووجّهه الى المشرق. وتوفي وعمره ستون سنة.
(ارقاذيوس قيصر)
ملك ثلث عشرة سنة. وفي هذه السنة قام يوحنّا فم الذهب بطركا على قسطنطينية ووضع تفسير الإنجيل وهو ابن ثماني وعشرين سنة. ومنع الكهنة من امور كثيرة من الفساد. فتحسدوه وجعلوا يطلبون عليه عثرة. ونهى الملكة اودكسيا امرأة ارقاذيوس عن اختلاسها كرم امرأة ارملة. ولأنها أبت رشقها في بعض خطبه ذات يوم وشبهها بازبيل امرأة احاب ملك يهوذا التي أخذت كرما ايضا من ارملة.
فركبت يوما من الأيام وأخذت معها تسعة وعشرين اسقفا ممّن عادى يوحنا فم الذهب واجتمعوا بمدينة خلقيذونيا وحرموه وأسقطوه من مرتبته بحجّة انه لم يدع النظر في كتب اوريغانيس المخالف. فاضطرب اهل القسطنطينية لذلك وهمّوا بإحراق دار الملك.
فخافهم الملك وبعث الى فم الذهب وردّه الى مرتبته. فلما رجع رفع تمثالا كان للملكة بالقرب من الكنيسة. وخطب ذات يوم وسمّى الملكة الملكة هيروذيا اي الملكة التي قتلت يحيى بن زكريا المعمدان. فغضبت غضبا شديدا ووجّهت الى افيفانوس اسقف جزيرة قبرس وسائر الاساقفة فجمعتهم كلهم الى قسطنطينية. فحرموه ثانية ونفوه وكان ذلك في السنة الثامنة لارقاذيوس. فنفي الى جزيرة في بحر نيطوس وتوفي هناك. وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة. وثارت الفتن بين الروم والمصريين بسبب عظام يوحنا فم الذهب حتى أتوا بها بعد ثلث وثلثين سنة لموته فدفنوها بقسطنطينية واثبتوا اسمه في سفر الحياة مع باقي الآباء القديسين. وفي السنة الخامسة لارقاذيوس ملك على الفرس يزدجرد ابن سابور احدى وعشرين سنة. ثم ان ارقاذيوس مات وهو ابن ثلثين سنة وخلّف ابنه ثاوذوسيوس ابن ثماني سنين.
(ثاوذوسيوس قيصر الصغير)
ملك اثنتين وأربعين سنة. وفي هذا الزمان كثر النصارى في سلطان الفرس وظهرت النصرانية جدا على يدي مروثا اسقف ميّافارقين الذي أرسله ثاوذوسيوس الصغير الى الفرس. ثم ان يزدجرد ملك الفرس مات. وملك بعده ورهران ابنه وتشدّد على النصارى. وتواقع الروم والفرس وقتل من الفريقين خلق كثير وكانت الهزيمة على الفرس. وزال التشديد عن النصارى. وفي السنة العاشرة لثاوذوسيوس الصغير عرف شمعون صاحب العمود بأنطاكية وكان يظهر الآيات والعجائب
стр. 91
وكان في هذا الزمن من العلماء قوريلوس بطريرك الاسكندرية ونسطوريوس بطريرك القسطنطينية القائل باتّحاد المشيئة دون نفس الكلمة. فاسقط لذلك. ومار اسحق تلميذ مار افريم صاحب الميامر المنظومة.
وفي هذا الزمان انبعث اصحاب الكهف من رقدتهم التي رقدوا على عهد ذاقيوس الملك بعد مائتين وأربعين سنة بالتقريب. فخرج ثاوذوسيوس الملك مع اساقفة وقسيسين وبطاركة فنظروا إليهم وكلموهم. فلما انصرفوا من عندهم ماتوا في مواضعهم. وكانت في هذه السنة زلزلة عظيمة بقسطنطينية فهرب عامّة الناس الى خارج المدينة وسقطت بها مواضع كثيرة. وفي سنة ثلث وثلثين لثاوذوسيوس مات ورهران ملك الفرس وملك بعده يزدجرد ثماني سنين [١] . وفي هذا الزمان خطب يهيبا اسقف الرّها ذات يوم خطبة وقال فيها: اني لست احسد المسيح على تألّه لان كل ما صار فيه فانا مثله. فحرم ونفي من كرسيّه. وفي سنة احدى وأربعين لثاوذوسيوس وجد رأس يوحنا المعمدان بحمص.
وتوفي ثاوذوسيوس وعمره خمسون سنة.
(مرقيانوس قيصر)
ملك سبع سنين وتزوّج فوليخريا اخت ثاوذوسيوس الصغير التي كانت راهبة لان جماعة من الاساقفة المرائين أفتوها في أمر الزواج وقد كانت قبل ذلك متهمة بالزناء معه [٢] . وفي السنة الثانية لمرقيانوس اجتمع ستمائة وثلثون اسقفا بمدينة خلقيذونيا وحرموا ديوسقوروس [٣] بطرك الاسكندرية وقالوا بالطبيعتين والاقنوم الواحد على ما هم عليه الروم والافرنج. ولما ملك مرقيانوس سبع سنين مات وعمره خمس وستون سنة.
(لان قيصر) :
ملك ثماني عشرة سنة. وفي أول ملكه ملك على الفرس فيروز ابن يزدجرد سبعا وعشرين سنة. وفي هذه السنة التي ملك فيها لاون وهي سنة تسع وسبعين [٤] وثمانمائة [٥] للإسكندر صارت زلزلة قوية بمدينة انطاكية وخسف بها مواضع
стр. 92
كثيرة. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وظهرت النجوم نهارا. وبعد ذلك بسنة غزا الفرس آمد وخربوها بعد ما حاصروها. ولما مرض لاون بايع لاونطيوس ابن ابنته وعمره ست سنين.
(لاونطيوس قيصر)
ملك سنة واحدة. هذا لكونه صبيا خدعته أمه قائلة له: إذا حضر زينون أبوك في الخدمة يجب عليك ان تكرمه وتجلسه معك على السرير وتضع تاجك على رأسه. فلما عمل الصبي بقول أمه صار يجلس زينون معه على السرير. وبعد ايام قلائل مرض الصبي ومات. واستراب الناس بأبويه انهما قتلاه مستبدّين بالمملكة.
(زينون قيصر)
ملك خمس عشرة سنة. وفي آخر أيامه عصى السمرة بنابلس ونصبوا لهم ملكا قتل جمعا كثيرا من النصارى. فسيّر عليه زينون جيشا وقتل الخارجي السامري. ثم مرض زينون ومات وعمره احدى وستون سنة.
(انسطس قيصر)
ملك سبعا وعشرين سنة. وفي أول ملكه قتل كثيرين من صبيان المكتب لأنهم هجوه. وفي السنة الثالثة له بنيت دارا التي فوق نصيبين. ثم ان انسطس الملك أراد ان يوضع [١] في البيعة قول المؤمنين في صلواتهم انك صلبت من أجلنا. فاضطرب اهل القسطنطينية كلهم وأخذوا الحجارة ليرجموه بها. فهاله أمرهم وجبن عنهم فوضع تاجه عن رأسه قائلا: اني انتهي الى أمركم فيما تريدون. فكفّ الشعب عنه. وفي السنة الحادية عشرة له عرض في بلاد الروم جوع شديد وظهر جراد كثير وأفسد عامّة غلّاتهم. ووضع يعقوب السروجي ميامر على ذلك [٢] .
وفي هذا الزمان عرف ساويروس [٣] بطرك انطاكية ووضع كتاب كثيرة في تصحيح القول بالطبيعة الواحدة من طبيعتي اللاهوت والناسوت بغير امتزاج ولا اختلاط وفساد بل مع بقائهما على ما كانتا عليه ككون طبيعة الإنسان من طبيعتي النفس والبدن وطبيعة الجسم من طبيعتي الهيولي والصورة من غير انقلاب النفس بدنا ولا الهيولي صورة وبالعكس.
(يوسطينيانس قيصر [٤]
ملك تسع سنين. وكان أصله من رومية [٥] . هذا
стр. 93
أصلح جميع البيع وردّ كل من نفاه الملوك قبله. وفي السنة السابعة لملكه اقتتل الروم والفرس على شاطئ الفرات وغرق من الروم خلق كثير. وفي هذه السنة سقط ثلج كثير وجليد وأفسد عامّة الأشجار مع الكروم. وبعد سنة قلّت الأمطار وعزت الغلات ونقص الماء في الينابيع ثم تبع ذلك حرّ قوي ووباء شديد ودام ست سنين. وفي هذه السنة وجه يوسطينيانس وفدا الى المنذر ملك العرب ليصالحه لأنه كان غزا الروم وخرب وسبى. وكان سبب الفتنة بين العرب والروم [١] اضطهاد الملك يوسطينيانس الآباء القائلين بالطبيعة الواحدة لان النصارى العرب يومئذ انما كانوا يعتقدون اعتقاد اليعقوبية لا غير [٢] . وفي هذا الوقت غزا كسرى ملك الفرس مدينة الرها وقتل فيها خلقا كثيرا.
فظهر نجم ذو ذؤابة وثبت أربعين ليلة. وفي السنة التاسعة لملكه أشرك معه في الملك يوسطينيانس الصغير وكان ابن أخته. وبعد ثلثة أشهر مات.
(يوسطينيانس قيصر الصغير)
ملك ثماني وثلثين سنة وأمر ان يجتمع جميع اساقفة اصحاب ساويروس القائلين بالطبيعة الواحدة الى قسطنطينية. فلما اجتمعوا وعظهم وعظا كثيرا وسألهم ان يوافقوا مجمع خلقيذونيا بالقول بالطبيعتين والاقنوم الواحد. فلما لم يقبلوا قوله صرفهم الى مواضعهم. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وثبت كسوفها السنة كلها وزيادة شهرين ولم يكن يظهر من نورها الا شيء يسير. وكان الناس يقولون انه قد دخل عليها عرض لا يزول عنها ابدا. وفي هذه السنة ظهر جراد كثير في عامة الأرض وكان الشتاء صعب البرد غزير الثلج ومات فيه خلق كثير. وبعد سنة ظهرت في السماء آية عجيبة وبردت حرارة الشمس السنة بأسرها ولم تنضج الثمار في تلك السنة.
وفي هذا الزمان عرف سرجيس الرأس عينيّ الفيلسوف المترجم الكتب من اليوناني الى السرياني ومصنفها. وكان على مذهب ساوري. وفي السنة الرابعة عشرة ليوسطينيانس غزا كسرى ابن قباذ انطاكية وافتتحها وسبى أهلها وحدرهم الى بابل وبنى لهم مدينة وسمّاها انطاكية وتعرف اليوم بالماحوزى [٣] الجديدة. وفتح ايضا فامية والرقّة ودارا وحلب.
стр. 94
وكان الروم مشتغلين مع الصقالبة المتاخمين لرومية. فلما فرغوا من مجاهدتهم عطفوا على الفرس وبقيت الحرب بينهم سنتين. وعرض في المشرق جوع شديد ووباء عظيم في الناس والبقر حتى صار الناس يحرثون أرضهم بالحمير والخليل. وفي السنة الثامنة والعشرين ليوسطينيانس اصطلح الروم والفرس. وفي السنة الخامسة والثلثين له كتب الى جميع الاساقفة ان يعملوا عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الاول.
والدنح [١] لستة ايام من كانون الأخير. فامتثلوا امره خلا الأرمن فإنهم داموا على العادة الاولي في تعييد العيدين في يوم واحد. وفي هذا الوقت ظهر يولياني [٢] القائل ان جسد المسيح غير مخلوق وهو جوهر لطيف روحاني لم يصلب بالحقيقة ولم يمت وانما كان ذلك كله خيالا. ومع هذا كان يقول بالطبيعة الواحدة.
(يوسطينيانس قيصر الثالث)
ملك ثلث عشرة سنة. وهو ابن اخت الذي قبله.
وفي السنة الثانية لملكه ظهر في السماء نار تضطرم من ناحية القطب الشمالي وثبتت السنة كلها. وكانت الظلمة [٣] تغشي العالم من تسع ساعات من النهار الى الليل حتى لم يكن احد يبصر شيئا. وكان ينزل من الجو شبه الهشيم والرماد. وفي السنة الثالثة له قلت الأمصار وصار الشتاء كالصيف وصار زلزلة شديدة ووباء عظيم. وفي السنة الرابعة له غزا كسرى دارا وأقام عليها ستة أشهر وافتتحها. واستعد يوسطينيانس لغزو الفرس فمرض مرضا اختلط به عقله فبطل الغزو. ثم تعالج فبرئ وبايع رجلا يونانيا يسمى طيباريوس وكان من خاصته وجعله قيصرا بعده.
стр. 95
الدولة الثامنة المنتقلة من ملوك الإفرنج إلى ملوك اليونانيين المتنصّرين
من عهد اغسطوس قيصر الى ان أقام طيباريوس قيصر والمدة قريبة من ستمائة سنة كان الملوك على القسطنطينية والبطارقة وجلّ الجند روميين اعني افرنجا. غير ان الوزراء والكتّاب والرعايا كافة كانوا يونانيين. ثم صارت المملكة ايضا يونانية. والسبب في ذلك ان يوسطينيانس الأخير لما ابتلي بالمرض الشديد ويئس من حياته لم ير في اهل بيته وخاصته من يفي بسياسة الملك غير وزيره طيباريوس وهو رجل يوناني فبايعه ووضع له التاج بيده. ومن حينئذ صارت مملكة القسطنطينية يونانية. الى ان استعادها الافرنج في سنة ألف وخمسمائة وخمس عشرة للإسكندر وهي سنة ستمائة للهجرة. ثم فتحها اليونانيون في أيامنا سنة ألف وخمسمائة وثماني وستين للإسكندر وهي سنة خمس وخمسون [١] وستمائة للهجرة.
(طيباريوس قيصر)
ملك اربع سنين. وغزت الفرس رأس العين فوجّه إليهم طيباريوس كبير بطارقته المسمى موريقي. فلقيهم هناك فهزمهم. ثم لحق طيباريوس موريقي مع اجناده فغزا الفرس وسبى منهم زهاء ألف نفس ومضى بهم فأسكنهم جزيرة قبرس. وعرضت في هذه السنة زلزلة عظيمة. وعرض في الصيف امطار كثيرة وبرد شديد وأظلم الجوّ وظهر جراد كثير فأكل عامّة الزروع والعنب والبقول. وفيها عرض
стр. 96
وباء شديد. ووجد أناس يعبدون الأوثان فقتلوا. وفي السنة الرابعة لطيباريوس زوّج ابنته لموريقي عظيم قوّاده وبايع له بالعهد وملّكه وتوفي.
(موريقي قيصر)
ملك عشرين سنة. وكان حسن السيرة سهل المعاملة كثير الصدقة. وكان في كل سنة يهيئ طعاما للفقراء والمساكين ستّين مرّة ويقوم هو وزوجته من ملكهما فيتولّيان خدمتهم وإطعامهم واسقاءهم. وفي السنة الرابعة لموريقي عرض وباء شديد بقسطنطينية ومات من أهلا زهاء اربعمائة ألف نفس. وفي السنة الثامنة لموريقي وثب الفرس على هرمز ملكهم فسملوا عينيه ثم قتلوه وملّكوا عليهم بهرام المرزبان. وكان لهرمز ابن حدث اسمه كسرى وهو المعروف بأنوشروان العادل فتنكّر كأنه سائل وشقّ سلطان الفرس حتى جاء نصيبين وصار الى الرها ومنها الى منبج وكتب الى موريقي كتابا نسخته: للأب المبارك والسيّد المقدّم موريقي ملك الروم من كسرى بن هرمز ابنه السلام. اما بعد فاني أعلم الملك ان بهرام ومن معه من عبيد ابي جهلوا قدرهم ونسوا انهم عبيد وانا مولاهم وكفروا نعم آبائي لديهم فاعتدوا عليّ وأرادوا قتلي. فهممت ان أفزع الى مثلك فأعتصم بفضلك وأكون خاضعا لك لانّ الخضوع لملك مثلك وان كان عدوا أيسر من الوقوع في ايدي العبيد المردة ولأن يكون موتي على ايدي الملوك أفضل وأقل عارا من ان يجري على ايدي العبيد. ففزعت إليك ثقة بفضلك ورجاء ان تترأف على مثلي وتمدني بجيوشك لأقوى بهم على محاربة العدو وأصير لك ولدا سامعا ومطيعا ان شاء الله تعالى. فلما قرأ موريقي كتاب كسرى بن هرمز عزم على اجابة مسئلته لأنه لجأ اليه وأنجده بعشرين ألفا وسيّر له من الأموال أربعين قنطارا ذهبا. وكتب اليه كتابا نسخته: من موريقي عبد ايشوع المسيح الى كسرى ملك الفرس ولدي واخي السلام.
اما بعد فقرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر العبيد الذين تمرّدوا عليك وكونهم غمطوا أنعم آبائك وأسلافك غمطا وخروجهم عليك ودحضهم ايّاك عن ملكك. فداخلني من ذلك أمر حرّكني على الترأف بك وعليك وامدادك بما سألت. فأما ما ذكرت من ان الاستتار تحت جناح ملك عدوّ والاستظلال بكنفه آثر من الوقوع في ايدي العبيد المردة والموت على ايدي الملوك أفضل من الموت على ايدي العبيد. فانّك اخترت أفضل الخصال ورغبت إلينا في ذلك. فقد صدقنا قولك وقبلنا كلامك وحقّقنا أملك وأتممنا بغيتك وقضينا حاجتك وحمدنا سعيك وشكرنا حسن ظنّك بنا ووجّهنا إليك بما سألت من الجيوش والأموال وصيّرتك لي ولدا وكنت لك أبا. فاقبض الأموال مباركا لك فيها وقد الجيوش وسر على بركة الله وعونه. ولا يعترينّك الضجر والهلع بل تشمّر لعدوّك ولا
стр. 97
تقصّر فيما يجب لك إذا تطأطأت من درجتك وانحططت عن مرتبتك. فاني أرجو ان يظفرك الله بعدوّك ويكبّه تحت موطئ قدميك ويردّ كيده في نحره ويعيدك الى مرتبتك برجاء الله تعالى. فلما وردت الجيوش على كسرى وقبض الأموال وتشجّع بقراءة كتاب موريقي سار مع جيوش الروم نحو بهرام فلقيه بين المدائن وواسط. فصارت الهزيمة على بهرام وقتل أصحابه كلّهم. واستباح كسرى عساكر بهرام ورجع الى مملكة فجلس فيها وبايعه الناس كلهم. ودعا بالروم فأحسن جائزتهم وصرفهم الى صاحبهم. وبعث الى موريقي من الألطاف والأموال أضعاف ما كان أخذ منه. وردّ دارا وميّافارقين الى الروم وبنى هيكلين للنصارى بالمدائن وجعل أحدهما باسم السيدة والآخر باسم مار سرجيس الشهيد.
وفي السنة السادسة عشرة لموريقي كان مطر شديد غرقت به مدن كثيرة مع أهلها ودوابها ومواشيها. ولأن موريقي بعد مصالحته للفرس قطع أرزاق جنوده فاجتمع عظماء الروم الى مدينة هرقلة وأرادوا تمليك فطري اخي موريقي. فهرب منهم ومضى الى قسطنطينية. وهرب ايضا موريقي الى خلقيذونية. فلحقته الروم فألفوه وعليه خلقان في ذي الفقراء والسؤّال فقتلوه وملّكوا عليهم رجلا من بطارقتهم يقال له فوقا.
(فوقا قيصر) .
ملك ثماني سنين. ولم يكن من بيت الملك. فلما بلغ كسرى بن هرمز قتل موريقي نقض العهد وغزا دارا فافتتحها وافتتح ايضا آمد وحلب. ثم عطف على قنّسرين ورجع الى الرها. وفي السنة الثامنة لفوقا خرج عليه خارجيّان أحدهما هرقل والآخر غريغور بافريقية ووجّها جيوشا مع ابنيهما وهما هرقل بن هرقل ونقيطا بن غريغور وتقدّما إليهما بقتل فوقا وتعاقدوا بينهما ان الملك للسابق الى قسطنطينية إذا قتل فوقا.
فركب هرقل البحر وسار نقيطا في البرّ والفى هرقل البحر هادئا ساكنا فسبق ودخل المدينة وقتل فوقا وملك.
(هرقل قيصر)
ملك احدى وثلثين سنة وخمسة أشهر. وفي أول سنة من ملكه أرسل وفدا الى ملك الفرس ليصالحه. فلم يجبه الى ذلك بل غزا انطاكية وفامية وحمس وقيسارية وافتتحها. وفي هذه السنة عرض بالروم جوع شديد حتى أكل الناس الجيف وجلود البهائم. وقصد نقيطا بن غريغور مدينة الاسكندرية فاستولى عليها. وفي السنة الرابعة لهرقل ملكت العرب وهي سنة تسعمائة وخمس وثلثين للإسكندر [١] . وفي السنة الخامسة لهرقل افتتح الفرس البيت المقدس. وبعد ثلث سنين افتتحوا الاسكندرية ومصر
стр. 98
ووصلوا الى النوبة وغزوا خلقيذونيا فافتتحوها. وفي السنة العاشرة لهرقل تحرّكت العرب بيثرب. وفي السنة الخامسة عشرة لهرقل غزا الفرس جزيرة رودس فافتتحوها. وأمر كسرى ان يؤخذ رخام الكنائس التي في جميع المدن التي فتحها وتحدر الى المدائن.
ولقي فيه الناس جهدا جهيدا. وفي هذه السنة غزا اهل هرقل الفرس فافتتحوا مدينة كسرى وسبوا منها خلقا كثيرا وانصرفوا. وفي السنة السابعة عشرة لهرقل انكسف نصف جرم الشمس وثبت كسوفها من تشرين الاول الى حزيران ولم يكن يظهر من نورها الّا شي يسير.
وفي هذا الزمان كان الحرث بن كلدة طبيب العرب أصله من ثقيف من اهل الطائف رحل الى ارض فارس وأخذ الطبّ عن أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية قبل الإسلام وطبّب بأرض فارس وحصّل مالا. ثم ان نفسه اشتاقت الى بلاده فرجع الى الطائف واشتهر وأدرك الإسلام. وكان النبيّ ﵇ يأمر من كان به علّة ان يأتيه فيستوصفه. وكان الحرث يقول: من سرّه البقاء ولا بقاء فليباكر الغذاء وليخفف الرداء وليقلّ من غشيان النساء. يريد بخفة الرداء ان لا يكون عليه دين [١] وقيل مات الحرث في أول الإسلام ولم يصحّ إسلامه. وفي هذا الزمان كان يعرف اهرون القسّ الاسكندري. وكنّاشه في الطبّ موجود عندنا بالسريانية وهو ثلثون مقالة. وزاد عليها مقالتين أخريين.
стр. 99
الدولة التاسعة المنتقلة من ملوك اليونانييّن المتنصّرين إلى ملوك العرب المسلمين
قال القاضي صاعد بن احمد الاندلسي صاحب قضاء مدينة طليطلة: ان العرب فرقتان فرقة بائدة وفرقة باقية. اما الفرقة البائدة فكانت امما ضخمة كعاد وثمود وطسم وجديس. ولتقادم انقراضهم ذهبت عنّا حقيقة اخبارهم وانقطعت عنّا اسباب العلم بآثارهم. واما الفرقة الباقية فهي متفرّعة من جذمين [١] قحطان وعدنان. ويضمّهما حالان حال الجاهلية وحال الإسلام. فأما حال العرب في الجاهلية فحال مشهور عند الأمم من العزّ والمنعة وكان ملكهم في قبائل قحطان وكان بيت الملك الأعظم في بني حمير وكان منهم الملوك السادة الجبابرة التبابعة. واما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين أهل مدر [٢] وأهل وبر. فامّا اهل المدر فهم الحواضر وسكّان القرى. وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. واما اهل الوبر فهم قطّان الصحارى. وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها منتجعين بمنابت [٣] الكلإ مرتادين لمواقع القطر فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا يزالون في حلّ وترحال كما قال بعضهم عن ناقته:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه ابدا وديني
أكلّ الدهر حلّ وارتحال ... أما يبقي عليّ ولا يقيني
стр. 100
وكان ذلك دأبهم زمان الصيف والربيع. فإذا جاء الشتاء واقشعرّت الأرض انكمشوا الى أرياف العراق وأطراف الشام. فشتّوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس العيش. وكانت أديانهم مختلفة. فكانت حمير تعبد الشمس. وكنانة القمر.
وميسم الدبران. ولخم وجذام المشتري. وطيّء سهيلا. وقيس الشعرى العبور. واسد عطارد. وثقيف بيتا بأعلى نخلة يقال لها اللّات. وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد ان من نحرت ناقته على قبره حشر راكبا ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا. فأما علم العرب الذين كانوا يتفاخرون به فعلم لسانهم واحكام لغتهم ونظم الاشعار وتأليف الخطب.
وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم الى معرفة ذلك في اسباب المعيشة لا على طريق تعلّم الحقائق. واما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئا منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به. فهذه كانت حالهم في الجاهلية. واما حالهم في الإسلام فعلى ما تذكره بأوجز ما يمكننا وأقصر ان شاء الله.
(محمد بن عبد الله ﵇
ذكر النسّابون ان نسبته ترتقي الى إسماعيل ابن ابراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر امة سارة زوجته. وكان ولاده بمكة سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة للإسكندر [١] . ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمّه آمنة بنت وهب ست سنين. فلما توفيت اخذه اليه جدّه عبد المطلب وحنا عليه. فلما حضرته الوفاة اوصى ابنه أبا طالب بحياطته [٢] فضمه اليه وكفله. ثم خرج به وهو ابن تسع سنين الى الشام. فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل بتخلل القوم حتى انتهى اليه فأخذه بيده وقال: سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فانه حيث اشرف اقبل وعليه غمامة تظلله. ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة ان يخرج بمالها تاجرا الى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره. فأجابها الى ذلك وخرج. ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة.
وأقامت معه الى ان توفيت بمكة اثنتين وعشرين سنة. ولما كمل له أربعون سنة اظهر الدعوة. ولما مات ابو طالب عمّه وماتت ايضا خديجة زوجته اصابته قريش بعظيم أذى.
فهاجر عنهم الى المدينة وهي يثرب. وفي السنة الاولى من هجرته احتفل الناس اليه
стр. 101
ونصروه على المكيين أعداؤه. وفي السنة الثانية من هجرته الى المدينة خرج بنفسه الى غزاة بدر وهي البطشة الكبرى وهزم بثلاثمائة وثلثة عشر رجلا من المسلمين ألفا من اهل مكة المشركين. وفي هذه السنة صرفت القبلة عن [١] جهة البيت المقدس الى جهة الكعبة.
وفيها فرض صيام شهر رمضان. وفي السنة الثالثة خرج الى غزاة أحد. وفيها هزم المشركون المسلمين وشجّ في وجهه وكسرت رباعيته. وفي السنة الرابعة غزا بني النّضير اليهود وأجلاهم الى الشام. وفيها اجتمع احزاب شتى من قبائل العرب مع اهل مكة وساروا جميعا الى المدينة فخرج إليهم. ولأنه هال المسلمين أمرهم أمر بحفر خندق وبقوا بضعة وعشرين يوما لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد من المشركين يدعو الى البراز.
فسعى نحوه عليّ بن ابي طالب وقتله وقتل بعده صاحبا له. وكان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم ووفرة عددهم. وفي السنة الخامسة كانت غزاة دومة الجندل وغزاة بني لحيان. وفي السنة السادسة خرج بنفسه الى غزاة بني المصطلق وأصاب منهم سبيا كثيرا. وفي السنة السابعة خرج الى غزاة خيبر مدينة اليهود. وينقل عن عليّ بن ابي طالب انه عالج باب خيبر واقتلعه وجعله مجنا وقاتلهم. وفي الثامنة كانت غزاة الفتح فتح مكة وعهد الى المسلمين ان لا يقتلوا فيها الا من قاتلهم وأمّن من دخل المسجد ومن أغلق على نفسه بابه وكفّ يده ومن تعلّق بأستار الكعبة سوى قوم كانوا يؤذونه.
ولما أسلم ابو سفيان وهو عظيم مكة من تحت السيف ورأى جيوش المسلمين قال للعبّاس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال له: ويحك انها النبوّة. قال نعم اذن. وفي السنة التاسعة خرج الى غزاة تبوك من بلاد الروم ولم يحتج فيها الى حرب وفي السنة العاشرة حجّ حجّة الوداع. وفيها تنبأ باليمامة مسيلمة الكذّاب وجعل يسجع مضاهيا للقرآن فيقول: لقد أنعم الله على الحبلى اخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا. وفي هذه السنة وعك ﵇ ومرض وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر. وكان عمره بجملته ثلاثا وستين سنة منها أربعون سنة قبل دعوة النبوّة ومنها بعدها ثلث عشرة سنة مقيما بمكة ومنها بعد الهجرة عشر سنين مقيما بالمدينة. ولما توفي أراد اهل مكة من المهاجرين ردّه إليها لأنها مسقط رأسه. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته. وأرادت جماعة نقله الى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة فدفنوه بحجرته حيث قبض. واختلفوا في عدد از واجه. واكثر ما قالوا سبع عشرة امرأة سوى السراري. وولد له سبعة أولاد
стр. 102
ثلثة بنين واربع بنات كلهم من خديجة الّا ابراهيم ابنه فانه من ماريّة القبطية التي بعث بها المقوقس الى الاسكندرية مع أختها شيرين. ولم يمت من نسائه قبله الّا اثنتان.
ولم يعش من أولاده بعده الّا ابنة واحدة هي فاطمة زوجة عليّ بن ابي طالب وتوفيت بعد أبيها بثلثة أشهر.
وقد وقع في الإسلام اختلافات شتى كما وقع في غيره من الأديان بعضها في الأصول وهي موضوع علم الكلام وبعضها في الفروع وهي موضوع علم الفقه. والخلاف في الأصول فينحصر في اربع قواعد الاولى الصفات والتوحيد. الثانية القضاء والقدر.
الثالثة الوعد والوعيد. الرابعة النبوّة والامامة.
وكبار فرق الاصوليّين ستّ. المعتزلة ثم الصفاتية وهما متقابلتان تقابل التضادّ.
وكذلك القدريّة تضادّ الجبريّة. والمرجئة الوعيديّة. والشيعيّة الخوارج. ويتشعّب عن كل فرقة اصناف فتصل الى ثلث وسبعين فرقة [١] . اما المعتزلة فالذي يعمّهم من الاعتقاد القول بنفي الصفات القديمة عن ذات الباري تعالى هربا من أقانيم النصارى.
فمنهم من قال انه تعالى عالم لذاته لا بعلم وكذلك قادر وحيّ. ومنهم من قال انه عالم بعلم وهو ذاته وكذلك قادر وحيّ. فالأول نفى الصفة رأسا والثاني اثبت صفة هي بعينها ذات. واتّفقوا على انّ كلامه تعالى محدث بخلقه [٢] في محلّ وهو حرف وصوت وكتب مثاله [٣] في المصاحف. وبالجملة نفي الصفات مقتبس من الفلاسفة الذين اعتقدوا ان ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجه. وبازاء المعتزلة الصفاتيّة وهم يثبتون لله صفات ازلية من العلم والقدرة والحياة وغيرها. وبلغ بعضهم في اثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام الى حدّ التجسيم فقال: لا بدّ من اجراء الآيات الدّالّة عليها كالاستواء على العرش والخلق باليد وغيرهما على ظاهرها من غير تعرّض للتأويل. الّا ان قوما منهم كأبي
стр. 103
الحسن الاشعريّ وغيره لمّا باشروا علم الكلام منعوا التشبيه وصار ذلك مذهبا لأهل السنّة والجماعة وانتقلت سنّة [١] الصفاتيّة الى الاشعريّة.
وامّا القدريّة فهم معتزلة ايضا وانما لقّبوا بالقدريّة لنفيهم القدر لا لاثباتهم ايّاه فإنهم يقولون ان العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرّها مستحقّ على ما يفعله ثوابا وعقابا.
فالرّب تعالى منزّه عن ان يضاف اليه شرّ وظلم. وسمّوا هذا النمط عدلا. وحدّوه بأنه إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة لمقتضى [٢] العقل من الحكمة. وبازاء القدريّة الجبريّة الذين ينفون الفعل والقدرة على الفعل عن العبد ويقولون ان الله تعالى يخلق الفعل ويخلق في الإنسان قدرة متعلّقة بذلك الفعل ولا تأثير لتلك القدرة على ذلك الفعل.
ومنهم من يثبت للعبد قدرة ذات اثر ما في الفعل ويقولون ان الله مالك في خلقه يفعل فيهم ما يشاء ولا يسأل عمّا يفعل. فلو ادخل الخلائق بأجمعهم الجنّة لم يكن حيفا. ولو أدخلهم بأجمعهم النار لم يكن جورا بل هو في كل ذلك عادل لأنّ العدل على رأيهم هو التصرّف فيما يملكه المتصرّف.
واما المرجئة فهم يقولون بارجاء حكم صاحب الكبيرة من المؤمنين الى القيامة اي بتأخيره إليها. فلا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه ناجيا او هالكا ويقولون ايضا انه لا يضرّ مع الايمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وبازاء المرجئة الوعيدية القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار وان كان مؤمنا لكن يكون عقابه اخف من عقاب الكفّار. واما الشيعة فهم الذين شايعوا عليّ بن ابي طالب وقالوا بإمامته بعد النبيّ. وان الامامة لا تخرج من أولاده الا بظلم. ويجمعهم القول بثبوت عصمة الأيمّة وجوبا عن الكبائر والصغائر. فان الامامة ركن من اركان الدين لا يجوز للنبي اغفاله ولا تفويضه الى العامّة. ومن غلاة الشيعة النصيريّة القائلون بان الله تعالى ظهر بصورة علي ونطق بلسانه مخبرا عمّا يتعلّق بباطن الأسرار. وقوم منهم غلوا في حق أئمّتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام الاهية. وبازاء الشيعة الخوارج فمنهم من خطّأ عليّ بن ابي طالب فيما تصرّف فيه ومنهم من تخطّى عن تخطئته الى تكفيره ومنهم من جوّز ان لا يكون في العالم امام أصلا وان احتيج اليه فيجوز ان يكون عبدا او حرّا او نبطيّا او قرشيّا إذا كان عادلا. فان عدل عن الحق وجب عزله وقتله. فهذا اقتصاص مذهب الأصوليين على سبيل الاختصار.
стр. 104
واما مذاهب الفروعيّين المختلفين في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية فالمشهورة منها اربعة: مذهب مالك بن أنس. ومذهب محمد بن إدريس الشافعي. ومذهب احمد ابن حنبل. ومذهب ابي حنيفة النعمان بن ثابت. واركان الاجتهاد ايضا اربعة:
الكتاب والسنّة والإجماع والقياس. وذلك لأنه إذا وقعت لهم حادثة شرعيّة من حلال وحرام فزعوا الى الاجتهاد وابتدأوا بكتاب الله تعالى. فان وجدوا فيه نصّا تمسّكوا به والا فزعوا الى سنّة النبي فان رأوا [١] لهم في ذلك خبرا نزلوا الى حكمه والا فزعوا الى اجماع الصحابة لأنهم راشدون حتى لا يجتمعون على ضلال. فان عثروا بما يناسب مطلوبهم اجروا حكم الحادثة على مقتضاه والا فزعوا الى القياس لان الحوادث والوقائع غير متناهية والنصوص متناهية فلا يتطابقان فعلم قطعا ان القياس واجب الاعتبار ليكون بصدد كل حادثة شرعية اجتهاد قياسيّ. ومن الأئمّة داود الاصفهاني نفى القياس أصلا. وابو حنيفة شديد العناية به وربما يقدّم القياس الجليّ على آحاد الاخبار. ومالك والشافعي وابن حنبل لا يرجعون الى القياس الجليّ ولا الخفيّ ما وجدوا خبرا او امرا. وبينهم اختلاف في الأحكام ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات ولا يلزم بذلك تكفير ولا تضليل.
وبالجملة اصول شريعة الإسلام الطهارة في حواشي الإنسان وأطرافه لارسالها وملاقاتها النجاسات. والصلاة وهي خضوع وتواضع لرب العزّة. والزكاة وهي مؤاساة ومعونة وإفضال. والصيام وهو رياضة وتذليل وقمع الشهوة تحصل به رقة القلب وصفاء النفس.
والحجّ وهو مثال الخروج عن الدنيا والإقبال على الآخرة واكثر ما فيه من المناسك امتحان وابتلاء العبد بامتثاله ما شرع له وذلك كالسعي والهرولة في الطواف ورمي الجمار.
واما الجمعة والأعياد فجعلت مجمعا للأمّة يتلاقون ويتزاورون ويستريحون فيها عن كدّ الكدح. واما الختان فهو سنّة فيه ابتلاء وامتحان وتسليم. واما تحريم الميتة والدم ففي كراهية النفس ونفار الطبع ما يوجب الامتناع منها.
(ابو بكر الصديق)
أعظم خلاف بين الأيمّة الاسلامية خلاف الامامة وعليه سلّ السيوف. وقد اتفق ذلك في الصدر الاول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها.
فقالت الأنصار: منا امير ومنكم امير. فاستدركهم ابو بكر وعمر في الحال. وقبل ان يشتغلوا بالكلام مد عمر يده الى ابي بكر فبايعه وبايعه الناس وسكنت الثائرة. وبويع له في شهر ربيع الاول في أول سنة احدى عشرة يوم توفي النبي ﵇ في سقيفة
стр. 105
بني ساعدة. وقيل لما بلغ ذلك عليّ بن ابي طالب لم ينكره [١] . واكثر ما روي انه قال:
ما شاورتني. فقال له ابو بكر: ما اتسع الوقت للمشورة وانا خفنا ان يخرج الأمر منا.
ثم صعد المنبر فقال: أقيلوني من هذا الأمر فلست بخيركم. فقال عليّ: لا نقيلك ولا نستقيلك. فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافته. ولما ذاع خبر وفاة النبي ﵇ ارتدّ خلق كثير من العرب ومنعوا الزكاة واشتد رعب المسلمين بالمدينة لاطباقهم على الردة. فأووا الذراري والعيال الى الشعاب. فأمرّ ابو بكر خالد بن الوليد على الناس وبعثه في اربعة آلاف وخمسمائة. فسار حتى وافى المرتدة وناوشهم القتال وسبى ذراريهم وقسم أموالهم. وضجّ ايضا المسلمون الى ابي بكر فقالوا: الا تسمع ما قد انتشر من ذكر هذا الكذاب مسيلمة بأرض اليمامة وادعائه النبوّة. فأمر خالد بن الوليد بالمسير الى محاربته. فسار بالناس حتّى نزل بموضع يسمى عقرباء. وسار مسيلمة في جمع من بني حنيفة فنزل حذاء خالد. وكان بينهما وقعات واشتدت الحرب بين الفريقين واقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقاتلوهم حتى احمرت الأرض بالدماء. ونظر عبد اسود اسمه وحشي الى مسيلمة فرماه بحربة فوقعت على خاصرته فسقط عن فرسه قتيلا.
ومن هناك توجه خالد الى ارض العراق فزحف الى الحيرة ففتحها صلحا. وكان ذلك أول شيء افتتح من العراق. وقد كان ابو بكر وجّه قبل ذلك أبا عبيدة بن الجرّاح في زهاء عشرين ألف رجل الى الشام. وبلغ هرقل ملك الروم ورود العرب الى ارض الشام فوجه إليهم سرجيس البطريق في خمسة آلاف رجل من جنوده ليحاربهم. وكتب ابو بكر الى خالد عند افتتاحه الحيرة يأمره ان يسير الى ابي عبيدة بأرض الشام. ففعل والتقى العرب الروم فانهزم الروم وقتل سرجيس البطريق وذلك انه في هربه سقط من فرسه فركبه غلمانه فسقط فركّبوه ثانيا فهبط ايضا وقال لهم: فوزوا بأنفسكم واتركوني أقتل وحدي. وفي سنة ثلث عشرة للهجرة مرض ابو بكر خمسة عشر يوما ومات ﵀ يوم الاثنين لثمان خلون [٢] من جمادى الآخرة وهو ابن ثلث وستين سنة. وكانت خلافته سنتين واربعة أشهر الا ثمانية ايام. وفيها وهي سنة تسعمائة وستّ وأربعين للإسكندر خالف هرقل الناموس وتزوّج مرطياني ابنة أخيه وولدت منه ابنا غير ناموسيّ وسماه باسمه مصغّرا هريقل.
(عمر بن الخطاب)
ويكنى أبا حفص. قيل انّ أبا بكر لما دنا أجله قال لعثمان
стр. 106
ابن عفان كاتبه: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عمد عبد الله بن ابي قحافة وهو في آخر ساعات الدنيا وبأول ساعات الآخرة. ثم غمي عليه. فكتب عثمان: الى عمر ابن الخطاب. فلما أفاق قال: من كتبت. قال: عمر. قال: قد أصبت ما في نفسي.
ولو كتبت نفسك لكنت أهلا له. واجمعوا على ذلك. وكان يدعى خليفة خليفة رسول الله. قالوا: هذا يطول. فسمّي امير المؤمنين. وهو أول من سمّي [١] بذلك. ولما استخلف قام في الناس خطيبا فقال بعد الحمدلة: ايها الناس لولا ما أرجوه من خيركم وقوامكم عليه لما اوليتكم الى غير ذلك. فلما ولي الأمر لم يكن له همة الّا العراق. فعقد لأبي عبيد [٢] بن مسعود على زهاء ألف رجل وأمره بالمسير الى العراق ومعه المثنّى بن حارثة وعمرو بن حزم وسليط بن قيس. فساروا حتى نزلوا الثعلبية. فقال سليط: يا أبا عبيد إياك وقطع هذه اللجة فاني ارى للعجم جموعا كثيرة. والرأي ان تعبر بنا الى ناحية البادية وتكتب الى امير المؤمنين عمر فتسأله المدد. فإذا جاءك عبرت إليهم فتناجزهم الحرب.
فقال ابو عبيد: جبنت والله يا سليط. فقال المثنى: والله ما جبن ولكن أشار عليك بالرأي فإياك ان تعبر إليهم فلتقي نفسك وأصحابك وسط أرضهم فتنشب بك مخاليبهم [٣] .
فلم يقبل منهما ابو عبيد وعقد الجسر وعبر بمن معه على كره منهما. فعبرا معه. وعبّى ابو عبيد أصحابه ووقف هو في القلب. فزحف إليهم العجم فرشقوهم بالنشاب حتى كثرت في المسلمين الجراحات. فحمل العرب حملة رجل واحد وكشفوا العجم. ثم ان العجم ثابوا وحملوا على المسلمين. فكان ابو عبيد أول قتيل وقتل من المسلمين عالم.
فولّى الباقون ماريّين نحو الجسر والمثنى يقاتل من ورائهم لجميعهم حتى عبروا جميعا وعبر المثني في آخرهم وقطعوا الجسر. وكتب الى عمر بما جرى من المحاربة. وكتب اليه عمر ان يقيم الى ان يأتيه المدد. وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان يوم السبت سنة ثلث عشرة من التاريخ. ثم ان عمر أرسل رسله الى قبائل العرب يستنفرهم [٤] . فلما اجتمعوا عنده بالمدينة ولّى جرير بن عبد الله البجليّ أمرهم. فسار بهم حتى وافى الثعلبية. وانضم اليه من هناك. ثم سار حتى نزل دير هند. ووجه سراياه للغارة بأرض السواد مما يلي الفرات. فبلغ ذلك ازرميدخت ملكة العجم فأمرت ان ينتدب من مقاتليها اثنا عشر
стр. 107
ألف فارس من إبطالهم. فانتدبوا وولت عليهم مهران بن مهرويه عظيم المرازبة. فسار بالجيش حتى وافى الحيرة. ورجعت سرايا العرب واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال وزحف بعضهم الى بعض وتطاعنوا بالرماح وتضاربوا بالسيوف. وتوسط المثنى العجم يجالدهم بسيفه. ثم رجع منصرفا الى قومه. وصدقهم العجم القتال فثبت بعض العرب وانهزم البعض. فقبض المثنى على لحيته ينتفها. فحملت قبائل العرب وحملت عليهم العجم فاقتتلوا من وقت الزوال الى ان توارت الشمس بالحجاب. ثم حملوا على العجم. وخرج مهران فوقف امام أصحابه. فحمل عليه المثنى. فضربه مهران فنبا السيف عن الضربة.
وضربة المثنى على منكبه فخرّ ميتا وانهزم العجم لا حقين بالمدائن. وثاب المسلمون يدفنون موتاهم ويداوون جرحاهم [١] . فلما نظرت العجم الى العرب وقد أخذت أطراف بلادهم وشنّوا الغارة في أرضهم قالوا: انما أوتينا من تمليكنا النساء علينا. فاجتمعوا على خلع ازرميدخت [٢] بنت كسرى وتمليك غلام اسمه يزدجرد [٣] وقد كان نجم من عقب كسرى بن هرمز. فأجلسوه وبايعوه على السمع والطاعة. فاستجاش يزدجرد جنوده من آفاق مملكته وولى عليهم رجلا عظيما من عظماء مرازبته له سنّ وتجربة يقال له رستم. فوجهه الى الحيرة ليحارب من ورد عليه هناك من العرب. وعقد ايضا لرجل آخر من حرّ سادات العجم يسمى الهرمزان في جنود كثيرة ووجهه الى ناحية الأهواز لمحاربة ابي موسى الاشعري ومن معه. وعند الالتقاء قتل هاذان المرزبانان العظيمان.
ومرّت العرب في اثر العجم يقتلون من أدركوا منهم.
وفي خلافة عمر فتح ابو عبيدة دمشق بعد حصار سبعة أشهر. وصالح اهل ميسان وطبرية وقيسارية وبعلبك. وفتح حمص بعد حصار شهرين. وفيها كتب عمر الى معاوية بن ابي سفيان بولاية دمشق. وفيها دخل ميسرة بن مسروق العبسي ارض الروم في اربعة آلاف وهو أول جيش دخل الى الروم. وفيها فتح عمرو بن العاص مصر عنوة وفتح الاسكندرية صلحا. وفيها دخل عياض بن غنم سروج والرّها صلحا.
وفيها افتتح ايضا الرقة وآمد ونصيبين وطور عبدين وماردين صلحا. وفتح حبيب بن مسلمة قرقيسياء صلحا. وفيها فتح عتبة بن غزوان قرى [٤] البصرة ثم سار حتى وافى الأبلّة
стр. 108
فافتتحها عنوة. ثم صار الى المدائن فحارب مرزبانها وضرب عنقه وقتل من جنوده مقتلة عظيمة. ثم ان عتبة كتب الى عمر يستأذنه في الحج. فاستعمل عمر على عمله المغيرة بن شعبة. ثم عزله واستعمل على ارض ميسان أبا موسى الاشعريّ وأمره ان يبتني بأرض البصرة خططا لمن عنده من العرب ويجعل كل قبيلة في محلّة. وابتنوا لأنفسهم المنازل. وبنى بها مسجدا جامعا متوسطا. وعند فراغه من بناء مدينة البصرة اسكن فيها ذرية من كان بها من العرب وسار في جنوده الى جميع كور الأهواز فافتتحها الّا مدينة تستر فإنهم امتنعوا لحصانتها. وفيها رحل هرقل من انطاكية الى القسطنطينية وهو يقول باليونانية سوزه [١] سورية. وهي كلمة وداع لارض الشام وبلادها. ثم مات هرقل وقام ابنه قسطنطين مكانه وبعد اربعة أشهر قتلته مرطياني امرأة أبيه بالسم وأقامت ابنها هريقل وسمته داود الحديث. فنقم ارباب الدولة أمره وخلعوه وملكوا قسطوس ابن القتيل.
وفيها افتتح عبد الله بن بديل [٢] أصفهان صلحا. وفيها فتح جرير البجليّ همذان. وفيها كانت وقعة نهاوند. وفيها افتتح معاوية عسقلان بصلح في شهر رمضان. ومات عمر يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة وعمره ثلث وستون سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوما. قتله ابو لؤلؤة فتى المغيرة بن شعبة في صلاة الفجر. وكان السبب في ذلك ان أبا لؤلؤة جاء اليه يشكو ثقل الخراج وكان عليه كل يوم درهمان. فقال له عمر: ليس بكثير في حقك فاني سمعت عنك انك لو أردت ان تدير الرحى بالريح لقدرت عليه. فقال: لأديرنّ لك رحى لا تسكن الى يوم القيامة. فقال: ان العبد أوعد ولو كنت اقتل أحدا بالتهمة لقتلت هذا. ثم ان الغلام ضربه بالخنجر في خاصرته طعنتين. فدعا عمر طبيبا لينظره فسقاه لبنا فخرج اللبن بيّنا [٣] . فقال له: أعهد يا امير المؤمنين.
وفي هذا الزمان اشتهر بين الاسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس اي النحويّ. وكان اسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري. ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث. فاجتمع اليه الاساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما
стр. 109
هو عليه. فلم يرجع. فأسقطوه عن منزلته. وعاش الى ان فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية [١] . ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه.
ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان بولس الاجانيطي طبيب مذكور في زمانه وكان خيرا خبيرا بعلل النساء كثير المعاناة لهنّ. وكانت القوابل يأتينه ويسألنه عن الأمور التي تحدث للنساء عقيب الولادة فينعم بالجواب لهنّ ويجيبهنّ عن سؤالهنّ بما يفعلنه.
فلذلك سمّوه بالقوابلي. وله كتاب في الطب تسع مقالات نقل حنين بن اسحق. وكتاب في علل النساء. ومنهم مغنوس له ذكر بين الأطباء ولم نر له تصنيفا.
(عثمان بن عفّان)
ويكنى أبا عمرو. بويع له لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة. قيل لما ضرب ابو لؤلؤة عمر بالخنجر وشرب اللبن فخرج من جراحته فقالوا له: اعهد الى من تكون الخلافة بعدك. قال: لو كان سالم حيا لم اعدل به. قيل له: هذا عليّ بن ابي طالب وقد تعرف قرابته وتقدمه وفضله. قال: فيه دعابة اي مزاح. قيل: فعثمان بن عفّان. قال: هو كلف بأقاربه. قيل: فهذا الزبير بن العوام حواريّ النبي ﵇. قال: بخيل. قيل: فهذا سعد. قال: فارس مقنب.
والمقنب ما بين الثلثين الى الأربعين من الخيل. قيل: فهذا طلحة ابن عم ابي بكر الصديق. قال: لولا بأو فيه اي كبر وخيلاء. قيل: فابنك. قال: يكفي ان يسأل واحد من آل الخطاب عن امرة امير المؤمنين. ولكن جعلت هذا الأمر شورى بين ستة نفر وهم عثمان وعليّ وطلحة والزبير وابو عبيدة وسعد بن ابي وقاص الى ثلثة ايام.
فلما دفن عمر جاء ابو عبيدة الى عليّ بن ابي طالب فقال له: هل أنت مبايعي على
стр. 110
كتاب الله وسنّة نبيه وسنّة الشيخين. قال: اما كتاب الله وسنّة نبيه فنعم. وامّا سنّة الشيخين فأجتهد رأيي. فجاء الى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيه وسنّة الشيخين. قال: اللهمّ نعم. فبايعه ابو عبيدة والجماعة ورضوا به. وأول ما فتح في خلافته ماه البصرة وما كان بقي من حدود أصفهان والريّ على يد ابي موسى الاشعريّ.
ثم بعث عثمان عبد الله بن عامر الى اسطخر وبها يزدجرد. فخرج الى دارابجرد [١] .
فأرسل عبد الله مجاشع بن مسعود في اثر يزدجرد. فركب المفازة حتى أبي كرمان وأخذ على طريق سجستان يريد الصين. وجاء مجاشع الى سجستان. ثم انصرف لمّا لم يدرك يزدجرد وعاد الى فارس. فاشتد خوف يزدجرد واستمدّ طرخان التركي لنصرته. ولما ورد استخف به وطرده لكلام تكلم به بعض الترك. وعند انصرافهم أرسل ماهويه مرزبان مرو وكان قد خامر على يزدجرد [٢] الى طرخان أن: كرّ عليه فاني اظاهرك. فكرّ طرخان على يزدجرد. فولّى يريد المدينة. فاستقبله ماهويه فمزقه كل ممزق. وقيل ان يزدجرد انتهى الى طاحونة بقرية من قرى مرو فقال للطحان: اخفني ولك منطقتي وسواري وخاتمي. فقال الرجل: ان كرى الطاحونة كل يوم اربعة دراهم. فان أعطيتنيها عطلتها والا فلا. فبينا هو في راجعته إذا غشيته الخيل فقتلوه. وانتزع عثمان عمرو بن العاص عن الاسكندرية وأمّر عليها عبد الله بن مسعود أخاه لأمّه. فغزا افريقية وغزا معاوية قبرس وانقرة فافتتحها صلحا. ثم ان الناس نقموا على عثمان أشياء منها كلفه بأقاربه.
فآوى الحكم بن العاص بن أميّة طريد النبي ﵇. وأعطى عبد الله بن خالد اربعمائة ألف درهم. واعطى الحكم مائة ألف درهم. ولما ولي صعد المنبر فتسنم ذروته حيث كان يقعد النبي ﵇. وكان ابو بكر ينزل عنه درجة وعمر درجتين. فتكلم الناس عن ذلك وأظهروا الطعن. فخطب عثمان وقال: هذا مال الله أعطيه من شئت وامنعه ممن شئت. فارغم الله انف من رغم انفه. فقام عمّار [٣] بن ياسر فقال: انا أول من رغم انفه. فوثب بنو أمية عليه وضربوه حتى غشي عليه. فحنقت العرب على ذلك وجمعوا الجموع ونزلوا فرسخا من المدينة وبعثوا الى عثمان من يكلمه ويستعتبه ويقول له:
إما أن تعدل او تعتزل. وكان أشد الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة. فكتب عثمان إليهم كتابا يقول فيه: اني انزع عن كل شيء أنكرتموه وأتوب الى الله. فلم يقبلوا