إذا انقطعت رائحته الى بحيرة طبرية فيدفنوه هناك لما فيها من قبور صالحيهم ففعل به ذلك.
وفي سنة ست وستمائة في ذي الحجة توفي بهراة الامام الفخر الرازيّ محمد بن عمر المعروف بابن الخطيب بالريّ. وكان من أفاضل اهل زمانه بزّ القدماء في الفقه وعلم الأصول والكلام والحكمة وردّ على ابي عليّ بن سينا واستدرك عليه. وكان يركب وحوله السيوف المجذبة وله المماليك الكثيرة والمرتبة العالية والمنزلة الرفيعة عند السلاطين الخوارزمشاهية.
وعنّ له ان تهوّس بعمل الكيمياء وضيّع في ذلك مالا كثيرا ولم يحصل على طائل.
وسارت مصنفاته في الأقطار واشتغل بها الفقهاء. ورحل الى ما وراء النهر لقصد بني مارة ببخارا ولم يلق منهم خيرا وكان فقيرا يومئذ لا جدة له فخرج من بخارا وقصد خراسان واتفق اجتماعه بخوارزمشاه محمد بن تكش فقرّبه وأدناه ورفع محلّه وأسنى رزقه.
واستوطن مدينة هراة وتملك بها ملكا وأولد أولادا واقام بها حتى مات ودفن في داره.
وكان يخشى ان العوام يمثلون بجثة لما كان يظنّ به من الانحلال. وفي مسيرة الى ما وراء النهر يقصد بخارا في حدود سنة ثمانين وخمسمائة اجتاز بعبد الرحمن بن عبد الكريم [١] السرخسيّ الطبيب ونزل عليه فأكرمه وقام بحقه مدّة مقامه بسرخس فأراد ان يفيده مما لديه فشرع له في الكلام على كليات القانون وشرح المستغلق من ألفاظ هذا الكتاب ورسمه باسمه وذكره في مقدمته ووصفه واثنى عليه. وفي سنة ثماني وستمائة توفي المسيحي ابن ابي البقاء النيلي نزيل بغداد وكنيته ابو الخير ويعرف بابن العطار وكان خبيرا بالعلاج قيّما به له ذكر وقرب من دار الخليفة يطبّ النساء والحواظي عاش عمرا طويلا وحصل مالا جزيلا وخلف ولدا طبيبا لم يكن رشيدا يكنى أبا عليّ. ولما مات أبوه اتفق ان كان على بعض مسرّاته إذ كبس في ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الاول من سنة سبع عشرة وستمائة وعنده امرأة مسلمة تعرف بستّ شرف. فلما قبض عليه اقرّ على جماعة من المسلمات كنّ يأتينه لأجل دنياه من جملتهنّ زوجة ابن البخاري صاحب المخزن اسمها اشتياق. فخرج الأمر بسجن المرأتين بسجن الطرّارات وفدى ابو عليّ نفسه بستة آلاف دينار.
وفي سنة تسع عشرة وستمائة في المحرّم توفي عليّ بن احمد ابو الحسن الطبيب المعروف بابن هبل وكان من اهل بغداد عالما بالطبّ والأدب ولد ببغداد ونشأ بها ثم جاز الى الموصل وخرج الى اذربيجان واقام بخلاط عند صاحبها شاه ارمن يطبّه وقرأ
стр. 247
الناس عليه. وفارق تلك الديار لسبب وهو ان بعض الطشتدراية قال له يوما وقد نظر قارورة الملك في بعض امراضه: يا حكيم لم لا تذوقها. فسكت عنه. فلما انفصل المجلس قال له في خلوة: قولك هذا اليوم عن اصل أم من قول غيرك او هو شيء خطر لك. فقال: انما خطر لي لأني سمعت ان شرط اختبار القارورة ذوقها. فقال:
الأمر كذلك ولكن لا في كل الأمراض وقد اسأت اليّ بهذا القول لان الملك إذا سمع هذا ظنّ اني قد أخللت بشرط واجب من شروط خدمته. ثم انه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة والخوف من عاقبتها بعد ان رشا الطشت دار حتى لا يعود الى مثلها.
وخرج وعاد الى الموصل وقد تموّل فأقام بها الى حين وفاته. وعمّر حتى عجز عن الحركة وعدم بصره فلزم منزله قبل وفاته بسنتين ومات وعمره خمس وتسعون سنة. وكان الناس يترددون ويقرأون عليه. وصنّف كتابا حسنا في الطبّ سماه المختار يجيء في اربع مجلدات.
وفي سنة عشرين وستمائة ثامن وعشرين جمادى الاولى ليلة الخميس قتل ابو الكرم صاعد بن توما النصرانيّ الطبيب البغداديّ ويلقب بأمين الدولة. كان فاضلا حسن العلاج كثير الاصابة وكان من ذوي المروآت تقدّم في ايام الامام الناصر الى ان صار في منزلة الوزراء واستوثقه على حفظ أمواله وخواصّه وكان يودعها عنده ويرسله في امور خفيّة الى الوزير ويظهر له كلّ وقت. وكان حسن الوساطة جميل المحضر تقضى على يده حاجات الناس. وكان الامام الناصر في آخر أيامه قد ضعف بصره وأدركه سهو في اكثر أوقاته. ولما عجز عن النظر في القصص استحضر امرأة من النساء البغداديات تعرف بستّ نسيم وقرّبها وكانت تكتب خطا قريبا من خطه وجعلها بين يديه تكتب الاجوبة [١] وشاركها في ذلك خادم اسمه تاج الدين رشيق فصارت المرأة تكتب في الاجوبة ما تريد فمرّة تصيب ومرارا تخطئ. واتفق ان كتب الوزير القمّيّ المدعو بالمؤيّد مطالعة وعاد جوابها وفيه إخلال بيّن فتوقف الوزير وأنكر ثم استدعى الحكيم صاعد بن توما وسأله عن ذلك سرا. فعرّفه ما الخليفة عليه من عدم البصر والسهو الطارئ في اكثر الأوقات وما يعتمده المرأة والخادم من الاجوبة. فتوقّف الوزير عن العمل بأكثر الأمور الواردة عليه. وتحقّق الخادم والمرأة ذلك وحدسا ان الحكيم هو الذي دلّه على ذلك. فقرّر رشيق مع رجلين من الجند ان يغتالا الحكيم ويقتلاه وهما رجلان يعرفان بولدي قمر الدين من الأجناد الواسطية. فرصدا الحكيم في بعض الليالي الى ان خرج
стр. 248
من دار الوزير عائدا الى دار الخليفة فتبعاه الى باب الغلّة والمظلمة ووثبا عليه بسكينيهما وجرحاه وانهزما. فبصر بهما وصاح: خذوهما. فعادا اليه وقتلاه وجرحا النفّاط الذي بين يديه. وحمل الحكيم ابن توما الى منزله ودفن بداره في ليلة. وبعد تسعة أشهر نقل الى تربة آبائه في البيعة بباب المحوّل. وبحث الخليفة والوزير عن القاتلين فعرفا وامر بالقبض عليهما وفي بكرة تلك الليلة أخرجا الى موضع القتل وشقّ بطناهما وصلبا على باب المذبح المحاذي لباب الغلة التي جرح في بابها.
(الظاهر بن الناصر) :
ولما توفي الناصر الدين الله بويع ابنه الامام الظاهر بأمر الله عدّة الدين ابو نصر محمد في ثاني شوّال من سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وكان والده قد بايع له بولاية العهد وكتب بها الى الآفاق وخطب له بها مع أبيه على سائر المنابر.
ومضت على ذلك مدّة ثم نفر عنه بعد ذلك وخافه على نفسه فانه كان شديدا قويا ايّدا عالي الهمة فأسقط اسمه من ولاية العهد في الخطبة واعتقله وضيّق عليه ومال الى أخيه الصغير الأمير عليّ الّا انه لم يعهد اليه. فاتفقت وفاة الأمير عليّ الصغير في حياة والده وخلف أولادا طفالا فبعث بهم الى ششتر. فعلم الامام الناصر انه لم يبق له ولد تصير الخلافة اليه بعده غيره. فعهد اليه وبايع له الناس وهو في الحبس مضبوط عليه وكانت عامّة اهل بغداد يميلون اليه. فلما توفي الناصر أخرجه ارباب الدولة وبايعوه بالخلافة. وقال لما بويع: كيف يليق ان يفتح الإنسان دكانا بعد العصر. قد نيّفت على الخمسين سنة وأتقلّد الخلافة. ثم أظهر من العدل والأمن ما لم يمكن وصفه وأزال الظلم وردّ على الناس أموالا جزيلة واملاكا جليلة كانت قد أخذت منهم وأزال مكوسا كثيرة وكانت قد جدّدت. وارتفع عن الناس ما كانوا ألفوه من الخوف في زمان والده فأظهروا نعمتهم وامتنع المفسدون من السعايات. وعقد لبغداد جسرا ثانيا عظيما جديدا وأنفق عليه مالا كثيرا فصار في بغداد على دجلتها جسران. وما زالت دولته كذلك عادلة آمنة منذ ولي الى ان توفي في رابع عشر شهر رجب سنة ثلث وعشرين وستمائة بعد تسعة أشهر من ولايته.
وفيها مات يوسف بن يحي بن اسحق السبتيّ المغربيّ. هذا كان طبيبا من اهل قادس وقرأ الحكمة بجلادة فشدا فيها وعانى شيئا من علوم الرياضة فأجادها وكانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة. ولما ألزم اليهود في تلك البلاد بالإسلام او الجلاء كتم دينه وارتحل الى مصر بماله واجتمع بموسى بن ميمون القرطبيّ رئيس اليهود بمصر وقرأ
стр. 249
عليه شيئا وسأله إصلاح هيئة ابن أفلح الاندلسيّ فإنها صحبته من سبتة فاجتمع هو وموسى على إصلاحها وتحرّرها. وخرج من مصر الى الشام ونزل كحلب وأقام بها واشترى ملكا قريبا وتزوّج وخدم اطبّاء الخاص في الدولة الظاهرية بحلب وكان ذكيا.
حادّ الخاطر. قال القاضي الأكرم ﵀: كان بيني وبين يوسف هذا مودّة طالت مدّتها فقلت له يوما: ان كان للنفس بقاء وتعقل به حال الموجودات من خارج بعد الموت فعاهدني على ان تأتيني ان متّ قبلي وآتيك ان متّ قبلك. فقال: نعم.
ووصيته ان لا يغفل. ومات واقام سنتين ثم رأيته في النوم وهو قاعد في عرصة مسجد من خارجه في حضيرة له وعليه ثياب جدد بيض من النصفي فقلت له: يا حكيم ألست قرّرت معك ان تأتيني لتخبرني بما ألفيت. فضحك وأدار وجهه فأمسكته بيدي وقلت: لا بدّ ان تقول لي كيف الحال بعد الموت. فقال لي: الكلّيّ لحق بالكلّ وبقي الجزئي في الجزء. ففهمت عنه في حاله كأنه أشار الى النفس الكلية عادت الى عالم الكلّ والجسد الجزئي بقي في الجزء وهو المركب الارضي [١] . فتعجبت بعد الاستيقاظ من لطيف إشارته. نسأل الله العفو عند العود اليه بعد الموت.
(المستنصر بن الظاهر)
ولما توفّي الامام الظاهر بأمر الله بويع ابنه جعفر المنصور ولقب المستنصر بالله بويع يوم مات والده. ولما بويع البيعة العامّة ركب للناس ركوبا ظاهرا واستمرّ على هذه الحالة مدّة طويلة لا يختفي في ركوبه من الناس وأظهر من العدل وحسن السيرة أضعاف ما أظهره والده وأفاض من الصدقات ما أربى على من تقدّمه وتقدّم بإنشاء مدرسته المعروفة بالمستنصرية التي لم يعمّر في الدنيا مثلها فعمّرت على أعظم وصف في صورتها وآلاتها واتساعها وزخرفها وكثرة فقهائها ووقوفها. ووقفها على المذاهب الاربعة ورتّب فيها اربعة من المدرّسين في كل مذهب مدرّسا وثلاثمائة فقيه.
لكلّ مذهب خمسة وسبعون فقيها. ورتّب لهم من المشاهرات والخبز. والطعام في كل يوم ما يكفي كل فقيه ويفضل عنه وبنى لهم داخل المدرسة حمّاما خاصا للفقهاء وطبيبا خاصا يتردّد إليهم في بكرة كل يوم يفتقدهم ومخزنا فيه كل ما يحتاج اليه من انواع ما يطبخ من الاطعمة ومخزنا آخر فيه انواع الاشربة والادوية.
وفي سنة اربع وعشرين وستمائة توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق في سلخ ذي القعدة وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة [٢] . وكانت همته عالية وصار
стр. 250
ملكه بدمشق والقدس والسواحل الى ولده الملك الناصر صلاح الدين داود فاستقرّ ملكه بها وحمل عمّه الملك العزيز وعمه الملك الصالح الغاشية بين يديه.
وفيها قفل جنكزخان من الممالك الغربية الى منازله القديمة الشرقية ثم رحل من هناك الى بلاد تنكوت [١] وهنالك عرض له مرض من عفونة ذلك الهواء الوخيم ولما قوي مرضه استدعى أولاده جغاتاي واوكتاي والغ نوين وكلكان وجورختاي واوردجار [٢] وقال لهم: انني قد أيقنت مفارقة الدنيا لعجز قوتي عن حمل ما بي من الآلام ولا بدّ من شخص يقوم بحفظ المملكة على حالها والذّبّ عنها. وقد أعلمتكم غير مرّة ان ابني اوكتاي يصلح لهذا الشأن لما رأيت من مزيّة رأيه المتين وعقله المبين والآن فقد جعلته وليّ عهدي وقلّدته ما بيدي من جميع الممالك فما قولكم في هذا الذي استصوبته. فجثا الأولاد والنوينية المذكورون على ركبهم وقالوا: جنكزخان هو المالك للرقاب ونحن العبيد السامعون المطيعون في جميع ما يتقدّم به على وفق مراده ومرسومه. وعند فراغه من الوصية اشتد وجعه وتوفّي لا ربع مضين من شهر رمضان سنة اربع وعشرين وستمائة وكان مدّة ملكه نحو خمس وعشرين سنة [٣] . فأرسل الولدان والأمراء الرسل الى باقي الأولاد والأمراء ليجتمعوا في القوريلتاي [٤] اي في المجمع الكبير.
وفي سنة خمس وعشرين وستمائة تردّدت الرسل بين الفرنج والملك الكامل في طلب الصلح فاتفق على تسليم البيت المقدّس الى الفرنج فتسلّموه ومواضع كثيرة أخر من بلاد الساحل. وانما أجابهم الكامل لما رأى من كثرة عساكرهم وأمداد البحر لهم بالرجال والأموال فخاف على بلاده ان تؤخذ منه عنوة فأرضاهم بذلك.
وفي سنة ستّ وعشرين وستمائة تمّ اجتماع الأولاد وأمراء المغول فوصل من طرف القفجاق الأولاد توشي [٥] هر دو باتوا سيبان تنكوت بركه بركجار بغاتيمور اقناس جغاتاي. ومن طرف اتميل اوكتاي. ومن طرف المشرق عمهم اوتكين وبلكتاي نوين والجتاي نوين والغ نوين. واما الأولاد الصغار فكانوا في اردو [٦] جنكزخان. وفي
стр. 251
زمن الربيع حضروا كلهم في عساكرهم وثلثة ايام متوالية فرحوا جميعا ثم شرعوا فيما تقدّم به جنكزخان من الوصية والعهد بالمملكة الى اوكتاي فامتثلوا كلهم الأوامر الجنكزخانية واعترفوا بأهليته لذلك. فاستقالهم اوكتاي الولاية قائلا: ان امر الوالد وان كان لا اعتراض عليه لكن ههنا أخ اكبر مني وأعمام هم اولى مني بها. فلم يقيلوه ايّاها واصرّوا على انه لا بدّ من امتثال مرسوم الوالد وداموا على إصرارهم أربعين يوما وما زالوا يتضرعون اليه ويلحّون عليه بالمسألة حتى أجاب الى ذلك فكشفوا رؤوسهم ورموا مناطقهم على أكتافهم وأخذ جغاتاي اخوه الكبير بيده اليمنى واوتكين عمّه بيده اليسرى فأجلساه على سرير المملكة ولقّباه قاان ولزم له الغ نوين كأس شراب فسقاه وجثا كل من كان حاضرا داخل الخزكاه وخارجها على ركبتيه تسع مرّات ودعوا له ثم برزوا كلهم الى خارج وجثوا ثلث مرّات حيال الشمس. وانما اختصّ الغ نوين بلزوم الكاس لأنه أصغر أولاد جنكزخان وفي عادة المغول ان الابن الصغير لا يقتسم ولا يخرج عن بيت أبيه وإذا مات الأب فهو يتولّى تدبير المنزل. ففي تلك الأربعين يوما كان يقول اوكتاي: ان الغ نوين هو صاحب البيت واكثر مواظبة لخدمته وابلغ مني تعلّما لسياسته فالمصلحة تفويض هذا الأمر اليه. فلذلك سبق الجميع بتصريح الطاعة.
واما الأمراء فانتخبوا من بناتهم الأبكار الصالحة لخدمة قاان أربعين بنتا وحملوهنّ مزيّنات بالحليّ الفاخرة والخيول الرائعة الى خدمته. ولما فرغ من هذه الأمور صرف همته الى ضبط الممالك وجهّز جورماغون في ثلثين ألف فارس وسيّرهم الى ناحية خراسان وأنفذ سنتاي بهادر [١] في مثل ذلك العسكر الى جانب قفجاق وسقسين وبلغار وجماعة اخرى الى التبّت وقصد هو بنفسه بلاد الخطا.
وفي سنة سبع وعشرين وستمائة في اوائلها نزل السلطان جلال الدين خوارزمشاه على خلاط وحاصرها اشدّ حصار وشتّى عليها ونصب عليها عشرين منجنيقا على ناحية البحر وفيها أخو الملك الأشرف تقي الدين عباس ومجير الدين يعقوب والأمير حسام الدين القيمريّ وعزّ الدين ايبك مملوك الأشرف. فدام الحصار على اهل خلاط واشتدّ حتى أكلوا لحوم الكلاب وبلغ الخبز كل رطل بالشاميّ بدينار مصريّ فتسلّم خوارزمشاه المدينة والقلعة وانهزم حسام الدين القيمري وأفلت على فرس وحده ومضى الى قلعة قيمر ثم تجهّز الى خدمة الملك الأشرف الى الرقّة واقام عزّ الدين ايبك وتقيّ الدين ومجير الدين مع خوارزمشاه يركبون معه ويلعبون بالكرة. ولما طارت الاخبار
стр. 252
الى الملك الأشرف بذلك انزعج وأسار [١] جريدة الى أبلستين. فتلقّاه صاحب الروم علاء الدين كيقباذ من فراسخ واجتمعا ولحقت الملك الأشرف عساكره وخرج علاء الدين بعساكره الى اق شهر هو والملك الأشرف وخرج الخوارزميّ من خلاط للقائهم وكان في أربعين ألفا والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا في يوم الجمعة وكان الغلبة فيه للملك الأشرف والروميّ وباتوا ليلة السبت على تعبيتهم الى الفجر من يوم السبت فالتقوا واقتتلوا فانكسر الخوارزميّ كسرة عظيمة وانهزم وقتل من أصحابه خلق لا يحصي عددهم الّا الله وانهزم مثلهم وأسر مثلهم وبلغت هزيمتهم الى جبال طرابيزون فوقع منهم في سقيف هناك ألف وخمسمائة رجل. وساق خوارزمشاه الى صوب خرتبرت فوصلها في يوم وليلة ونجا بنفسه ومضى الى بلاد العجم فأقام في خوى. وكان قد بعث تقيّ الدين عبّاس أخا الأشرف أسيرا مقيدا الى بغداد هدية فأعاده الخليفة المستنصر مكرّما الى الأشرف فوصل الأشرف الى خلاط وأصلح أحوالها ورمّمها ثم بعث رسولا الى خوارزمشاه يسأله الإحسان الى من معه من الأسارى فأجابه بأنّ عندي منكم ملوكا وعندكم منّا مماليك فان أجبتم الى الصلح فانا موافق عليه. فأجابه الملك الأشرف: انك فعلت ببلادنا ما فعلته وما أبقيت من سوء المعاملة والمقابحة شيئا الّا وقد عملته خربت البلاد وسفكت الدماء فان أردت الصلح فانزل عن البلاد التي تغلّبت عليها ولم تكن لأبيك لنعمّر منها ما خرّبت. وامّا قولك بان عندك منّا ملوكا فالذي عندك اخي مجير الدين يعقوب نحن نقدّر انه مات فاخوتي عوضه ونحن بحمد الله في جماعة اهل بيت وأولاد وأقارب نزيد على الفيء فارس وأنت ابتر ما لك احد وخلفك اعداء كثيرة. فمضى الرسول بهذا الجواب فلم يجبه الخوارزميّ الى ما طلبه ولا استقرّ بينهما امر. وكان عزّ الدين ايبك قد سجنه خوارزمشاه في قلعة اختمار فأحضر وقتل. ثم وصله خبر عبور جورماغون نوين نهر امويه في طلبه فتوجّه الى تبريز وأرسل رسولا الى الخليفة وآخر الى الملك الأشرف وصحبته زوجة الأمير حسام الدين القيمريّ التي كان قد أسرها من خلاط ورسولا الى السلطان علاء الدين صاحب الروم يستجيشهم ويعلمهم كثرة عساكر التاتار وحدّة شوكتهم وشدّة نكايتهم وانه إذا ارتفع هو من البين يعجزون عن مقاومتهم وانه كسدّ الإسكندر يمنعهم عنهم فالرأي ان يساعده كلّ منهم بفوج من عسكره ليرتبط بذلك جأش أصحابه ويحجم بهم العدوّ عن البلاد فيحجم. قال من هذا النوع واكثر واستصرخهم فلم يصرخوه واستغاثهم فلم يغيثوه فشتى بأرمية واشتوا. وفي الربيع توجّه
стр. 253
الى نواحي ديار بكر وصار يزجي أوقاته بالتمتّع واللهو والشراب والطرب كأنه يودّع الدنيا وملكها الفاني. وبينما هو في ذلك يسرّ لا بل يغرّ فجئه هجوم بايماس نوين في عسكره ليلا فتكلّف للانتباه وعاين نيران المغول بالقرب من مكانه فتقدّم الى الأمير اورخان ان يلمّ به الجماعة ويشغل المغول عند الصبح بالاقدام تارة والاحجام أخرى وفرّ هو مع ثلاثة نفر من مماليكه تائها في جبال ديار بكر. فلما أصبحوا ظنّ المغول ان جلال الدين خوارزمشاه فيهم فجدّوا في طلبهم طاردين في أعقابهم وهم منهزمون بين أيديهم ولما تحققوا انه ليس معهم رجعوا عنهم. فاما جلال الدين خوارزمشاه فأوقع به قوم من الأكراد ببعض جبال آمد ولم يعرفوه وقدّروه من بعض جند الخوارزميّة فقتلوه والمملوكين طمعا في ثيابهم وخيلهم وسلاحهم. استنبط ذلك من جهة ان بعد مديدة يسيرة دخل بعض أولئك الأكراد الى آمد وعليه من سلاح جلال الدين. فعرفه مملوك له كان قد لجأ الى صاحب آمد فقبض الكرديّ وقرّر فأقرّ بما افتعله هو وأصحابه فأحضرهم وقتلهم حنقا عليهم. وقال قوم ان المقتول لم يكن جلال الدين وانما كان سلاحداره لأنه يومئذ لم يحمل سلاحا ولا كان يلبس ثياب العادة وانما كان بزيّ الصوفيّة مع أصحابه ولذلك دائما كان يرجف الناس ان جلال الدين خوارزمشاه قد رأوه بالبلد الفلاني وبالمدينة الفلانية حتى انه في سنة اثنتين وخمسين وستمائة اتفق جماعة من التجار عابرين على نهر جيحون وهناك القراغول وهم مستحفظو الطرق فأنكروا على فقير كان صحبة التجار مجهول فلما قرّروه أقرّ انه جلال الدين خوارزمشاه فقبضوه وكرّروا عليه العذاب والسؤال فلم يغيّر كلامه الى ان مات تحت العقوبة. فان لم يكن هو واعتمد ذلك الى هذه الغاية فلا شكّ ان الجنون فنون.
ولما استقرّ قاان في الملك وانقاد له القاصي والداني من جيوش المغول عزم على فتح بلاد الخطا وسيّر في مقدمته أخويه جغاتاي والغ نوين وباقي الأولاد في عساكر عظيمة.
فساروا ونازلوا أولا مدينة يقال لها حرجا [١] بنو يقسين وهي على شط قراموران [٢] فأحاطوا بها وحصروها مدّة أربعين يوما وكان فيها عشرة آلاف من فرسان الخطا فلما عاينوا العجز عن مقاومة المغول ركبوا السفن التي كانوا اعدّوها هاربين. وطلب اهل البلد الامان فأومنوا ورتّب المغول عندهم الشحاني وقصدوا باقي المواضع. وجهز قاان أخاه الغ نوين وولده كيوك وسيّرهم في عشرة آلاف فارس في المقدّمة وسار هو بعقبهم
стр. 254
فتمهل ومعه العسكر الكبير. فجيّش التون خان ملك الخطا [١] مائة ألف من شجعانه وقدّم عليهم أميرا [٢] من أمرائه وأنفذهم للقاء المغول. فلما وصلوا إليهم استحقروهم لقلّتهم بالنسبة إليهم وتهاونوا في أمرهم وأرادوا ان يسوقوهم كما هم الى ملكهم التون خان ليفرجوا بهم عنه غمّه إذا هو ضرب عليهم حلقة وصادهم صيدا. فشغلهم المغول بفتور المكافحة واطمعوهم الى ان وصلت الأفواج التي مع قاان فأوقعوا بعسكر الخطا ولم يفلت منهم الّا النزر. وكان التون خان بمدينة تسمّى نامكينك [٣] فلما بلغه الخبر بما جرى على أصحابه ارتاع وأيس من حياة الدنيا وجمع أولاده ونساءه وكل من يعزّ عليه ودخلوا بيتا من بيوت الخشب وأمر بضرب النار فيه فاحترق هو ومن معه أنفة من الوقوع في أسر المغول. ودخلت عساكر المغول الى المدينة ونهبوا وأسروا البنين والبنات وأمّنوا الباقي.
وفتحوا غيرها من المدن المشهورة ورتّب بها قاان الشحاني وقفل الى مواضعه القديمة وبنى بها مدينة سمّاها اردوباليق وهي مدينة قراقورم وأسكنها خلقا من اهل الخطا وتركستان والفرس والمستعربين. وبينما هم مسرورون بفتح بلاد الخطا توفّي تولي خان وكان احبّ الاخوة الى قاان فاغتمّ لذلك كثيرا وأمر ان زوجته المسمّاة سرقوتنى بيكي وهي ابنة اخي اونك خان تتولّى تدبير عساكره وكان لها من الأولاد اربعة بنين مونككا قوبلاي هولاكو اريغبوكا. فأحسنت تربية الأولاد وضبط الاصحاب وكانت لبيبة مؤمنة تدين بدين النصرانية تعظم محلّ المطارنة والرهبان وتقتبس صلواتهم وبركتهم وفي مثلها قال الشاعر:
فلو كان النساء كمثل هذه ... لفضّلت النساء على الرجال
وبعد قليل مات ايضا الأخ الكبير وهو المسمّى توشي وخلف سبعة بنين وهم تمسل هر دو باتوا سيبقان تنكوت بركه بركجار. ومن بين هؤلاء لباتوا سلّم قاان البلاد الشمالية وهي بلاد الصقالبة واللّان والروس والبلغار وجعل مخيمه على شاطئ نهر اتل وغزا هذه النواحي فقتل فيها خلائق بلغ عددهم مائتي ألف وسبعين ألفا علم ذلك من آذان القتلى التي قطعوها امتثالا لمرسوم قاان لأنه تقدّم بقطع الاذن اليمنى من كل قتيل. وبعد فراغ باتوا من امر الصقالبة تجهز للدخول الى نواحي القسطنطينية فبلغ
стр. 255
ذلك ملوك الفرنج فجاؤوا حافلين حاشدين والتقوا المغول في أطراف بلد البلغار وجرت بينهم حروب كثيرة انجلت عن كسرة المغول وهزيمتهم وهربهم فقفلوا من غزاتهم هذه ولم يعودوا يتعرضون الى بلاد يونان وفرنجة الى يومنا هذا.
وفي سنة ثلثين وستمائة أرسل السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم رسولا الى قاان وبذل الطاعة. فقال قاان للرسول: اننا قد سمعنا برزانة عقل علاء الدين واصابة رأيه فإذا حضر بنفسه عندنا يرى منا القبول والإكرام ونولّيه الاختاجية في حضرتنا وتكون بلاده جارية عليه. فلما عاد الرسول بهذا الكلام تعجب منه كل من سمعه واستدلّ على ما عليه قاان من العظمة. وفيها أخذ علاء الدين خلاط وسرمارى [١] من الملك الأشرف وغزا الأشرف مدينة حصن منصور وأغار عليها وأخذ الكامل مدينة آمد من صاحبها وعوّضه عنها قرى بالشام. وفيها توفّي مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين عليّ كوجك صاحب اربل في رمضان وحمل الى مكة فدفن بها وولي اربل انسان شريف يقال له ابو المعالي محمد بن نصر بن صلايا من قبل الخليفة المستنصر. وفي سنة احدى وثلثين وستمائة مات ناصر الدين محمود بن القاهر بن نور الدين صاحب الموصل ووصل التقليد من الخليفة لبدر الدين لؤلؤ بالولاية فخطب له على المنابر بالسلطنة. وفي سنة اثنتين وثلثين حصر السلطان علاء الدين مدينة الرها وملكها عنوة فدخلها الروميّون ووضعوا السيف بها ثلثة ايام وقتلوا النصارى والمسلمين فتكا ونهبا فأصبح الرهاويّون فقراء لا يملكون شيئا ونهبت البيع وأخذ ما فيها من الكتب والصلبان وآلات الذهب والنقرة وحمل اهل حرّان مفاتيح قلعتها فملكوها هدنة وملكوا الرقّة والبيرة ايضا. فلما عاد عنها عسكر الروم قصد الملك الكامل الرها وحاصرها اربعة أشهر ثم ملكها وهدم برجا كبيرا من ابرجة قلعتها وحمل من وجد بها من الروميين كل اثنين على جمل وبعث بهم الى مصر مقيّدين.
وفي سنة ثلث وثلثين وستمائة غزا التاتار بلد اربل وعبروا الى بلد نينوى ونزلوا على ساقية قرية ترجلى [٢] وكرمليس فهرب اهل كرمليس ودخلوا بيعتها وكان لها بابان فدخلها المغول وقعد أميران منهم كل واحد على باب وأذنوا للناس في الخروج عن البيعة فمن خرج من احد بابيها قتلوه ومن خرج من الباب الآخر أطلقه الأمير الذي على ذلك الباب وأبقاه فتعجب الناس لذلك.
стр. 256
وفي سنة اربع وثلثين وستمائة توفّي السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم بغتة لأنه كان قد صنع دعوة عظيمة حضر بها الأمراء الأكابر واتباعهم واكثر الجند.
فبينما هو يظهر السرور والفرح ويتباهى بما أعطي من الملك إذ حسّ بوجع في احشائه وأخذته خلفة فاختلف الى المتوضإ فانسهل برارا دمويا صرفا كثير المقدار وسقطت قوته في الحال. وفي اليوم الثاني من هذا العرض مات وكان ملكه ثماني عشرة سنة وكان عاقلا عفيفا ذا بأس شديد على حاشيته وأمرائه وكانت الدولة السلجوقية قبله محلولة بسبب الخلف الواقع بين أولاد قلج ارسلان فلما وليها علاء الدين أعاد جدّتها وجدّد ناموسها وألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه واتسع ملكه جدا ودان له العالم وبحقّ قيل له سلطان العالم وحضر عنده الملوك وأذعنوا له بالطاعة وكان قاسي القلب. ولما توفّي احضر الأمراء ولده غياث الدين كيخسروا فبايعوه وحلفوا له. وفيها توفّي الملك العزيز بن الملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب وولي بعده ابنه الملك الناصر صلاح الدين وهو آخر الملوك من بيت أيوب قتله هولاكو في سنة ثماني وخمسين وستمائة.
وفيها اعني سنة اربع وثلثين في شهر شوّال غزا التاتار بلد اربل وهرب اهل المدينة الى قلعتها. فحاصروها أربعين يوما ثم أعطوا مالا فرحلوا عنها. ولما ولي السلطان غياث الدين كيخسرو السلطنة ببلد الروم قبض على غاير خان امير الخوارزمية فهرب باقي الخوارزمية وامراؤهم ولما اجتازوا بملطية وكاختين [١] وخرتبرت [٢] أسروا سيف الدولة السوباشي [٣] وقتلوا ببرمير [٤] سوباشي خرتبرت وأغاروا على بلد سميساط وعبروا الى السويداء فأقطعهم الملك الناصر صاحب حلب ما بين النهرين الرها وحرّان وغيرهما فكفّوا عن الفساد والغارات. وفي سنة خمس وثلثين وستمائة توفّي الملك الأشرف بن الملك العادلى بن أيوب بدمشق وكان عمره ستين سنة وكان كريما سخيا مقبلا على التمتع بالدنيا ولذاتها يزجي أوقاته برفاغية من العيش. وفيها مات ايضا الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب صاحب مصر بدمشق ودفن بها وكان عمره سبعين سنة وكان عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير الاصابة سديد الرأي شديد الهيبة عظيم الهمّة محبا للفضائل وأهلها.
стр. 257
وفيها غزا التاتار العراق ووصلوا الى تخوم بغداد الى موضع يسمّى زنكاباذ والى سرّمرّأى [١] . فخرج إليهم مجاهد الدين الدويدار وشرف الدين إقبال الشرابيّ في عساكرهما فلقوا المغول وهزموهم وخافوا من عودهم فنصبوا المنجنيقات على سور بغداد.
وفي آخر هذه السنة عاد التاتار الى بلد بغداد ووصلوا الى خانقين فلقيهم جيوش بغداد فانكسروا وعادوا منهزمين الى بغداد بعد ان قتل منهم خلق كثير وغنم المغول غنيمة عظيمة وعادوا. وفيها حدث ببغداد مدّ دجلتها مدا عظيما هائلا وغرق دور كثيرة وغرق سفينتان فهلك فيهما نحو خمسين نسمة. وفي سنة سبع وثلثين وستمائة جهز السلطان غياث الدين جيوشا الى ارمينية فامتنع المغول من الدخول الى بلد الروم.
وفي سنة ثماني وثلثين وستمائة ظهر ببلد اماسيا من اعمال الروم رجل تركمانيّ ادّعى النبوّة وسمّى نفسه بابا فاستغوى جماعة من الغاغة بما كان يخيل إليهم من الحيل والمخاريق.
وكان له مريد اسمه اسحق يتزيّا بزيّ المشايخ فأنفذه الى أطراف الروم ليدعو التركمانيين الى المصير اليه. فوافى اسحق هذا بلد سميساط واظهر الدعوة لبابا فاتبعه خلق كثير من التركمان خصوصا وكثف جمعه وبلغ عدد من معه ستة آلاف فارس غير الرجالة فحاربوا من خالفهم ولم يقل كما يقولون لا إله الّا الله بابا رسول الله فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين والنصارى من اهل حصن منصور وكاختين وكركر [٢] وسميساط وبلد ملطية ممن لم يتبعهم وكانوا يهزمون كلّ من لقيهم من العسكر حتى وصلوا الى اماسيا. فانفذ إليهم السلطان غياث الدين جيشا فيه جماعة من الفرنج الذين في خدمته فحاربوهم وكان الجند المسلمون لم يتجرءوا عليهم ويحجموا عنهم لما توهموا منهم. فأخّر الفرنج المسلمين وتولّوا بأنفسهم محاربة الخوارج فكشفوهم ورموا فيهم السيف وقتلوهم طرّا وأسروا الشيخين بابا واسحق فضرب عنقاهما وكفوا الناس شرهم.
وفي سنة تسع وثلثين حاصر جرماغون نوين مدينة ارزن الروم وملكها عنوة وقتل فيها خلائق من أهلها وسبى الذراريّ وشنّ الغارة عليها وقتل سنان سوباشها. وفي سنة أربعين وستمائة سار السلطان غياث الدين كيخسروا الى ارمينية في جمع كثيف وجهاز لم يتجهز احد مثله في عساكره وعساكر اليونانيين والفرنج والكرج والأرمن والعرب
стр. 258
لمحاربة التاتار فالتقى العسكران بنواحي ارزنكان [١] بموضع يسمّى كوساذاغ واوّل وهلة باشر المسلمون ومن معهم الجيوش النصرانية الحرب وهلوا وأدبروا وولوا هاربين فانهزم السلطان مبهوتا فأخذ نساءه وأولاده من قيساريّة وسار الى مدينة انقورة فتحصن بها. واقام المغول يومهم ذلك مكانهم ولم يقدموا على التقدم فظنوا ان هناك كمينا إذ لم يروا قتالا يوجب هزيمتهم وهم في تلك الكثرة من الأمم المختلفة.
فلما تحققوا الأمر انتشروا في بلاد الروم فنازلوا أولا مدينة سيواس فملكوها بالأمان وأخذوا اموال أهلها عوضا عن أرواحهم واحرقوا ما وجدوا بها من آلات الحرب وهدموا سورها.
ثم قصدوا مدينة قيسارية فقاتل أهلها أياما ثم عجزوا ففتحوها عنوة ورموا فيها السيف وابادوا أكابرها واغنياءها معاقبين على اظهار الأموال وسبوا النساء والأولاد وخربوا الأسوار وعادوا ولم يتوغّلوا في باقي بلاد السلطان. ولما سمع اهل ملطية ما فعل التاتار بقيساريّة هلعوا وجزعوا افحش الجزع. فاجفل رشيد الدين الخويني [٢] أميرها ومعه أصحابه طالبين حلب وكذلك من امكنه الهرب من أماثلها. وكان من جملة من يريد الخروج بأهله والدي فأحضر الدوابّ وكان لنا فيها بغل للسرج فلما أرادوا شدّ الاكاف عليه ليحمّلوه شمص وتفلّت. فبينما هم يتبعونه في الزقاق ليلزموه قالوا لهم: ان الفتيان من العامّة وثبوا في باب المدينة وينهبون كل من رأوه يخرج. فأمسك والدي عن الخروج واجتمع بالمطران دينوسيوس وتشاوروا في مرابطة المدينة وجمعا المسلمين والنصارى في البيعة الكبيرة وتحالفوا ان لا يخون بعضهم بعضا ولا يخالفوا المطران في جميع ما يتقدم إليهم من مداراة التاتار والقيام بحفظ المدينة والبيتوتة على اسوارها وكفّ اهل الشرّ عن الفساد. فنظر الله الى حسن نيّاتهم ودفع العدو عنهم ووصلوا بالقرب من ملطية ولم يتعرّضوا إليها. واما الذين خرجوا من المدينة مجفلين فأدركهم المغول عند قرية يقال لها باجوزة على عشر فراسخ من المدينة فقتلوا الرجال وسبوا النساء والأولاد ومن سلم منهم في المغائر والشعاب والاودية الغائرة من النساء والرجال عاد الى ملطية عريانا حافيا وكان ذلك في شهر تموز سنة ألف وخمسمائة واربع وخمسين للإسكندر. وكرّ المغول على مدينة ارزنكان وملكوها عنوة وقتلوا رجالها وسبوا الذراريّ ونهبوها وخربوا سورها ومضوا. ولما رأى السلطان العجز عن مقاومة التاتار أرسل إليهم رسلا يطلب الصلح فصالحوه على مال وخيل وأثواب وغيرها يعطيهم كل سنة مبلغا معينا مقاطعة.
стр. 259
وفيها توفّي الامام المستنصر بالله الخليفة ببغداد وكان عاقلا عادلا لبيبا كريما كثير الصدقات عمّر المدارس والمساجد والرباطات القديمة وكان قد تهدّم معظمها ومن شدّة غرامه بمدرسته المعروفة بالمستنصريّة اعمر لصقها بستانا خاصا له فقلّ ما يمضي يوم الّا ويركب في السيارة ويأتي البستان يتنزه فيه ويقرب من شباك مفتح في ايوان المدرسة ينظر الى البستان وعليه ستر فيجلس وراء الستر وينظر الى المدرسة ويشاهد أحوالها واحوال الفقهاء ويشرف عليهم ويتفقد أحوالهم. وكانت مدة خلافته نحو ثماني عشرة سنة.
وفي سنة خمس وعشرين وستمائة توفّي حسنون الطبيب الرهاويّ وكان فاضلا في فنّه علما وعملا ميمون المعالجة حسن المذاكرة بما شاهده من البلاد. وكان اكثر مطالعته في كتاب اللوكري في الحكمة. وكان شيخا بدينا بهيا دخل الى مملكة قلج ارسلان وخدم أمراء دولته كأمير اخور سيف الدين واختيار الدين حسن واشتهر ذكره. ثم خرج الى ديار بكر وخدم من حصل هناك من بيت شاه ارمن وهزار ديناري ثم الداخلين على تلك الديار من بيت أيوب ورجع الى الرها. ولما تحقق ان طغرل الخادم تولّى اتابكية حلب وله به معرفة من دار أستاذه اختيار الدين حسن في الديار الرومية جاء اليه الى حلب ولم يجد عنده كثير خير وخاب مسعاه فانه كان منكسرا عند اجتماعه به وانفصاله عنه. فلما عوتب الخادم على ذلك من احد خواصّه قال: انا مقصّر بحقه لأجل النصرانية. ولما عزم على الارتحال الى بلده أدركته حمّى أوجبت له اسهالا سحجيا ثم شاركت الكبد في ذلك فقضى نحبه ودفن في بيعة اليعاقبة بحلب.
وفي سنة ستّ وعشرين وستمائة توفّي يعقوب بن صقلان الطبيب النصراني الملكي المقدسي وكان مولده بالقدس الشريف وبه قرأ شيئا من الحكمة على تاذوري الفيلسوف الانطاكي وسيأتي ذكره بعد هذا التاريخ. واقام يعقوب هذا بالقدس على حالته في مباشرة البيمارستان الى ان ملكه الملك الأعظم [١] بن الملك العادل بن أيوب فاختصّ به ولم يكن عالما وانما كان حسن المعالجة بالتجربة البيمارستانية ولسعادة كانت له. ثم نقله الملك المعظم الى دمشق وارتفعت عنده حاله وكثر ماله وأدركه نقرس ووجع مفاصل أقعده عن الحركة حتى قيل ان الملك المعظم كان إذا احتاج اليه في امراضه استدعاه
стр. 260
بمحفَّة تحمل بين الرجال. ولم يزل على ذلك الى ان مات المعظم صاحبه ومات هو بعده بقليل.
ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان الحكيم ابو سالم النصرانيّ اليعقوبيّ الملطيّ المعروف بابن كرابا [١] خدم السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم وتقدّم عنده وكان قليل العلم بالطبّ الّا انه كان أهلا لمجلسه لفصاحة لهجته في اللسان الروميّ ومعرفته بأيام الناس وسير السلاطين. وفي سنة اثنتين وثلثين ولما سار علاء الدين من ملطية الى خرتبرت ليملكها تخلّف عنه ابو سالم هذا ولم يسر في ركابه وكان السلطان لا يصبر عنه ساعة. ولما بات السلطان على الفرات ولم يأته الحكيم امر الشحنة الذي على الزواريق ان نهار غد ان جاء ابو سالم قبل الزوال فليعبر وان جاء بعده لا تمكنه من العبور.
فلما كان من الغد تأخّر مجيئه الى العصر فأخبره الشحنة بمرسوم السلطان فأحسّ بتغيّر فعاد الى منزله وشرب سما ومات. ومنهم الحكيم شمعون الخرتبرتي وكان ايضا ضعيف العلم لكنه كان خيّرا ديّنا كثير الصوم والصلاة. وانتشى له ولد حسن محصّل وأجاد الخطّ العربيّ وصار فيه طبقة ومات في حداثة سنة ففجعت مصيبته أباه.
وفي هذا الزمان كان جماعة من تلامذة الامام فخر الدين الرازي سادات فضلاء اصحاب تصانيف جليلة في المنطق والحكمة كزين الدين الكشي وقطب الدين المصري بخراسان وأفضل الدين الخونجي بمصر وشمس الدين الخسروشاهي بدمشق واثير الدين الابهري بالروم وتاج الدين الارموي وسراج الدين الارموي بقونية. حكى النجيب الراهب المصري الحاسب بدمشق عن الملك الناصر داود بن الملك المعظم بن الملك العادل ابن أيوب صاحب الكرك انه كان يتردّد الى شمس الدين الخسروشاهي يقرأ عليه كتاب عيون الحكمة للشيخ ابي عليّ بن سينا وكان إذا وصل الى رأس المحلة التي بها منزل الخسروشاهي أومأ الى من معه من الحشم والمماليك ليقفوا مكانهم ويترجل ويأخذ كتابه تحت إبطه ملتفا بمنديل ويجيء الى باب الحكيم ويقرعه فيفتح له ويدخل ويقرأ ويسأل عمّا خطر له ثم يقوم ولم يمكّن الشيخ من القيام له.
(المستعصم بن المستنصر) :
وفي سنة أربعين وستمائة بويع المستعصم يوم مات أبوه المستنصر وكان صاحب لهو وقصف شغف بلعب الطيور واستولت عليه النساء وكان ضعيف الرأي قليل العزم كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول وكان إذا نبّه علي ما ينبغي ان يفعله في امر التاتار اما المداراة والدخول في طاعتهم وتوخي مرضاتهم او تجيّش
стр. 261
العساكر وملتقاهم بتخوم خراسان قبل تمكنهم واستيلائهم على العراق فكان يقول: انا بغداد تكفيني ولا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي البلاد ولا ايضا يهجمون عليّ وانا بها وهي بيتي ودار مقامي. فهذه الخيالات الفاسدة وأمثالها عدلت به عن الصواب فأصيب بمكاره لم تخطر بباله.
وفي سنة احدى وأربعين غزا يساور نوين [١] الشام ووصل الى موضع يسمّى حيلان على باب حلب وعاد عنها لحفي أصاب خيول المغول واجتاز بملطية وخرّب بلدها ورعى غلّاتها وبساتينها وكرومها وأخذ منها أموالا عظيمة حتى خشل النساء وصلبان البيع ووجوه الأناجيل وآنية القداس المصوغة من الذهب والفضة ثم رحل عنها. وطلب طبيبا يداويه في سحج عرض له فأخرج اليه والدي وسار معه الى خرتبرت فدبّره حتى برأ. ثم جاء ولم يطل المقام بملطية ورحل بنا الى انطاكية فسكنّاها. وأقحطت البلاد بعد ترحال التاتار ووبئت الأرض فهلك عالم وباع الناس أولادهم باقراص الخبز.
وفي سنة اثنتين وأربعين أغار التاتار على بلد بغداد ولم يتمكنوا من منازلتها. وفيها سيّر السلطان غياث الدين جيشا عظيما الى مدينة طرسوس فحاصروها مدة وضيّقوا عليها وكادوا يفتحونها عنوة فاتفق ان مات السلطان غياث الدين في تلك الأيام. فلما بلغهم موت السلطان رحلوا عنها خائبين وكان الوقت خريفا وتواترت على الروميّين الأمطار وتوحّلت خيولهم فنال منهم رجّالة الأرمن وغنموا اثقالهم. وكان السلطان غياث الدين مقبلا على المجون وشرب الشراب غير مرضيّ الطريقة منغمسا في الشهوات الموبقة تزوّج ابنة ملك الكرج فشغفه حبّها وهام بها الى حدّ ان أراد تصويرها على الدراهم فأشير عليه ان يصوّر صورة اسد عليه شمس لينسب الى طالعه ويحصل به الغرض. وخلّف غياث الدين ثلثة بنين عزّ الدين وأمّه روميّة ابنة قسيس وركن الدين وأمّه ايضا روميّة وعلاء الدين وأمّه الكرجية. فولي السلطنة عزّ الدين وهو الكبير وحلف له الأمراء وخطب له على المنابر وكان مدبّره والاتابك له الأمير جلال الدين قرطاي [٢] رجل خيّر ديّن صائم الدهر ممتنع عن أكل اللحم ومباشرة النساء لم ينم في فراش وطيء وانما كان نومه على الصناديق في الخزانة [٣] أصله روميّ وهو من مماليك السلطان علاء الدين وتربيته وكان له الحرمة الوافرة عند الخاصّ والعامّ. وفي سنة ثلث وأربعين تردّدت
стр. 262
رسل المغول في طلب السلطان عزّ الدين ليحضر بنفسه في خدمة قاان. فتعلّل محتجّا بمعاداة من يحاوره من ملوك اليونانيّين والأرمن ايّاه وانه متى فارق بلاده ملكها هؤلاء وكان يرضي الرسل بالهدايا وبذل الأموال ويدافعهم من وقت الى وقت. ثم سيّر أخاه ركن الدين وفوّض تدبيره الى بهاء الدين الترجمان وجعله اتابكه وأرسله صحبته واستوزر عزّ الدين لنفسه رجلا اصفهانيّا وهو صاحب علم وفضل يلقّب. بشمس الدين فتمكّن من الدولة الى حدّ أن تهيّأ له التزوّج بأمّ السلطان عزّ الدين فثقل ذلك على الأمراء طرّا.
وفيها مرض قاان ولما اشتدّ مرضه سيّر رسولا في طلب ابنه كيوك فاهرع اليه من غير توقّف فلم يمهل القضاء ليجتمع بالوالد فأقام بالمكان الذي بلغه فيه وفاته وكانت والدته توراكينا خاتون ذات دهاء كافية فطنة فاتّفق جغاتا وباقي الأولاد على انها تنصرّف في تدبير الممالك الى وقت القوريلتاي لأنها أمّ الأولاد الذين لهم استحقاق الخانيّة. وفي سنة اربع وأربعين وستمائة تمّ اجتماع الأولاد والأحفاد وأمراء المغول في وقت الربيع وحضر في المجمع من غير المغول ايضا ممّا وراء النهر وتركستان الأمير مسعود بيك ومن خراسان الأمير ارغون اغا [١] وصحبته أكابر العراق واللور واذربيجان وشروان.
ومن الروم السلطان ركن الدين [٢] . ومن الأرمن الكندسطبل أخو التكفور [٣] حاتم.
ومن كرجستان الداودان الكبير والصغير. ومن الشام أخو الملك الناصر صاحب حلب.
ومن بغداد فخر الدين قاضي القضاة ومن علاء الدين صاحب الالموت محتشمو قهستان.
فإذ تمّ هذا المجمع العظيم [٤] الذي لم يعهد مثله وقع الاتفاق على كيوك. وكان له اخوان آخران أحدهما يسمّى كوبان والآخر طفل يسمّى سيرامون. وانما اختير هو من دونهما لكونه مشهورا بالغلبة والشطط والاقتحام والتسلط وكان هو اكبر الاخوة فأهل للولاية وأجليس على سرير الملك وخدموه ودعوا له كالعادة وأطاعوه وكيوك خان سمّوه.
وفي سنة خمس وأربعين وستمائة ولّى كيوك خان على بلاد الروم والموصل والشام والكرج [٥]
стр. 263
نوينا اسمه ايلجيكتاي. وعلى ممالك الخطا الصاحب يلواج. وعلى ما وراء النهر وتركستان الأمير مسعود. وعلى بلاد خراسان والعراق واذربيجان وشروان واللور وكرمان وفارس وطرف الهند الأمير ارغون اغا. وقلّد سلطنة بلد الروم السلطان ركن الدين. وامر بعزل السلطان عزّ الدين. وجعل داود الصغير المعروف بابن قيز ملكا محكوما لداود الكبير صاحب تفليس. واما رسول الخليفة فخاطبه خطاب واعد وموعد بل واعظ ومنذر.
واما رسل الملاحدة [١] فصرفهم مذلّين مهانين. وكتب يراليغ عهد وأمان للتكفور والملك الناصر صاحب حلب.
وكان بمقام الاتابكية لكيوك خان امير كبير اسمه قداق وكان معمّدا مؤمنا بالمسيح وشاركه في ذلك امير آخر اسمه جينقاي [٢] فهذان أحسنا النظر الى النصارى وحسّنا يقين كيوك خان ووالدته واهل بيته بالمطارنة والاساقفة والرهابين فصارت الدولة مسيحية وارتفع شأن الطوائف المنتمية الى هذا المذهب من الفرنج والروس والسريان والأرمن.
والتزم الخاص والعام من المغول وغيرهم ممن هو بينهم ان يقولوا في السلام برخمر [٣] وهو لفظ مركب سرياني معناه بارك مالكى.
وفي سنة ستّ وأربعين وستمائة وصل السلطان ركن الدين وبهاء الدين الترجمان الى بلد الروم ومعهما ألفا فارس من المغول. فهمّ الوزير شمس الدين الاصفهانيّ ان يأخذ السلطان عزّ الدين ويصعد الى بعض القلاع التي على البحر ويقيما هناك عاصيين الى ان يفعل الله ما يشاء. فعلم بذلك جلال الدين قرطاي [٤] الرجل الصالح فقبض على الوزير الاصفهانيّ وسيّر فاعلم بهاء الدين الترجمان بذلك فانفذ جماعة من أمراء المغول فأتوا الى قونية وقرّروا الوزير على الأموال والخزائن ثم قتلوه. واجتمع بهاء الدين الترجمان بجلال الدين قرطاي واتفقا على ان توزّع البلاد على الأخوين فتكون قونية واقسرا وانقرة وانطاكية وباقي الولايات الغربية لعزّ الدين. وقيسارية وسيواس وملطية وارزنكان وارزن
стр. 264
الروم وغيرها من الولايات الشرقية لركن الدين. واقطعا لعلاء الدين الأخ الصغير من الاملاك الخاصّة ما يكفيه وضربوا السكة باسم الثلاثة وكتبوا السلاطين الأعاظم عزّ وركن وعلاء.
وفي سنة سبع وأربعين وستمائة توفيت توراكينا خاتون امّ كيوك خان فتشاءم [١] كيوك خان بذلك المقام ورحل عنه متوجها الى البلاد الغربية. ولما وصل الى ناحية قمستكي وبينها وبين مدينة بيش بالغ خمس مراحل أدركه اجله في تاسع ربيع الآخر فأرسلت زوجته المسمّاة اغول غانميش رسولا الى باتوا وأعلمته بالقضية وتوجهت هي الى جانب قوتاق وايميل وأقامت بالمكان الذي كان يقيم به كيوك خان أولا. فسيّرت سرقوتني بيكي زوجة تولي خان وهي اكبر الخواتين يومئذ إليها رسولا تعزّيها وحمل إليها ثيابا وبوقتاقا [٢] . وفيها سار باتوا من بلاده الشمالية متوجها الى المشرق ليجتمع بكيوك خان لأنه كان يلجّ اليه بالمسير اليه فلما وصل الى موضع يقال له الاقماق وبينه وبين مدينة قياليق [٣] ثماني مراحل بلغه وفاة كيوك خان فأقام هناك وسيّر رسولا الى اغول غانميش زوجة كيوك خان واذن لها بالتصرّف في الممالك الى ان يقع الاتفاق على من يصلح ان يلي الأمر وأرسل ايضا الى الجوانب ليجتمع الأولاد والعشائر والأمراء.
وفيها خرج ريدافرنس [٤] ملك فرنجة قاصدا للديار المصرية فجمع عساكره فأرسلها وراجلها جموعا عظيمة وأزاح عليهم فسار عن بلاده بأموال جزيلة وأهبة جميلة وأرسى بعكّا وانبثّ أصحابه في جميع بلاد الساحل. فلمّا استراحوا جاءوه حاشدين حافلين وساروا في البحر الى دمياط وملكوها بغير تعب ولا قتال لان أهلها لم بلغهم ما هم عليه الفرنج من القوة والكثرة والعدّة الكاملة هالهم أمرهم فرحلوا عنها مخفّين. فوصل إليها الفرنج ولقوها خالية عن المقاتلين غير خاوية من الأرزاق فدخلوا وغنموا ما فيها من الأموال. وكان الملك الصالح بن الملك الكامل صاحب مصر يومئذ بالشام يحاصر مدينة حمص. فلما سمع بذلك بأنّ الفرنج قد ملكوا دمياط رحل عن حمص وسار مسرعا الى الديار المصرية ومرض في الطريق وعند وصوله الى المنصورة عرض له في فخذه الداء الذي يسمونه
стр. 265
الأطباء غانغرانا ثم استحكم الفساد فيها حتى آل أمرها الى سفاقلس وهو موت العضو أصلا فقطعوها وهو حيّ. وبينما هو يكابد الشدائد في هذه الحالة وافاه مقدّمو دمياط الذين اخلوها منهزمين فلما قيل له ما صنعوا لأنهم فرّوا عنها من غير ان يباشروا حربا وقتالا عظم ذلك عليه فأمر بصلبهم وكانوا اربعة وخمسين أميرا فصلبوا كما هم بثيابهم ومناطقهم وخفافهم. ثم مات من غد ذلك اليوم. وتولّى تدبير المملكة الأمير عزّ الدين المعروف بالتركمانيّ وهو اكبر المماليك الترك. وكان مرجوعه في جميع ذلك ممّا يعتمده من الأمور الى حظيّة الملك الصالح المتوفّي المسّماة شجر الدرّ وكانت تركية داهية الدهر لا نظير لها في النساء حسنا وفي الرجال حزما. فاتفقا على تمليك الملك المعظم بن الملك الصالح. وكان يومئذ مقامه بحصن كيفا من ديار بكر فأرسلا رسولا في طلبه وحثّاه على المصير إليهم. فسار الى الديار المصرية من غير توقف فبايعوه وحلفوا له وسلموا اليه ملك أبيه.
وفي سنة ثماني وأربعين وستمائة سيّر ريدافرنس عسكرا نحو الفي فارس نحو المنصورة ليجسّ بهم ما هم عليه المصريون من القوة. فلقيهم طرف من عسكر المسلمين فاقتتلوا قتالا ضعيفا فانهزم المسلمون بين أيديهم فدخل الفرنج المنصورة ولم ينالوا منها نيلا طائلا لأنهم حصلوا في مضايق ازقّتها وكان العامة يقاتلونهم بالحجارة والاجرّ والتراب وخيولهم الضخمة لم تتمكن من الجولان بين الدروب. وكان القائد لعسكر المسلمين فخر الدين عثمان المعروف بابن السيف احد الأمراء المصريين شيخ كبير أحاط به الفرنج وهو في الحمام يصبغ لحيته فقتلوه هناك. وعادوا الى ريدافرنس واعلموه بما تمّ لهم مع ذلك العسكر وبالمدينة. فزاد طمعه وطمع من معه من البطارقة ظانّين انه إذا كان الالتقاء خارج الجدران بالصحراء لم يكن للمسلمين عليهم مقدرة. فعبّى جيوشه وسار بهم طالبا ارض مصر. فصبر المصريون الى ان عبر الفرنج الخليج من النيل المسمى اشمون وهو بين البرّين برّ دمياط وبرّ المنصورة. فتوجهوا نحوهم والتقى العسكران واقتتل الفريقان قتالا شديدا. وانجلت الحرب عن كسرة الفرنج وهزموا افحش هزيمة ومنعهم الخليج المذكور من ان يفوزوا وينجوا بأرواحهم فغرق منهم خلق كثير وقتل آخرون وأسر الملك ريدافرنس ومعه جماعة من خواصّه واكابره. فلما حصل ملك الفرنج في قبضة الملك المعظم قال له المماليك الصغار اقرانه: اننا نرى الأمر كله الى شجر الدرّ والأمراء وليس لك من السلطنة الّا اسمها فلو كنت في الحصن كنت ارفه خاطرا منك وأنت صاحب مصر والحكم لغيرك والسبب في هذا ليس الّا حاجتك إليهم في مقاومة الفرنج وليس لك
стр. 266
عدوّ سواهم فالرأي ان تصالح هذا الملك ومن معه من أمرائه الى ايّ مدّة شئت فانه لا يخالفك في جميع ما تريد منه إذا اصطنعته ووهبت له روحه وتأخذ منه الأموال والجواهر التي له في دمياط ويسلّم إليك دمياط ويذهب في حال سبيله وتأمن شرّه وشرّ اهل ملّته وتستريح من الأمراء واستخدام الجند وتبقي في ملكك من اخترت وتزيل من كرهت. فصغا المعظم الى قولهم واستصوب رأيهم ودبّر الأمر مع ريدافرنس وحلّفه كما أراد من غير ان يشاور الأمراء الكبار في شيء من ذلك. فاحسّوا بالقضية وتحققوا تغيّر المعظم عليهم وما قد نوى ان يفعل بهم فنقموا عليه ووثبوا به فهرب منهم وصعد الى برج من خشب كان هناك فضربوا فيه النار فلما وصلت اليه وشاطته رمى نفسه الى الخليج النيلي. فجاؤوا اليه ورموه بالنشاب وهو في الماء فمات غريقا جريحا.
واتفق الأمراء الترك وقدموا عليهم أميرا منهم يلقب بعزّ الدين التركماني ونهضوا الى ريدافرنس وجددوا معه اليمين وافتدي منهم بألف ألف دينار وتسليم دمياط فاطلقوه ثم سار التركماني من المنصورة الى مصر واقطع الاسكندرية لأمير من الترك يقال له فارس اقطاي وتزوّج شجر الدرّ وصار ملك مصر في قبضتهما. واما ريدافرنس لما وصل الى دمياط أخذ اهله ومن تخلف من أصحابه وخرج عنها وسلمها الى المسلمين واقام هو بعكا وبنى مدينة قيسارية وأصلحها وأسكنها جماعة ثم سار الى بلده.
ولما ولي التركماني الديار المصرية كان الأمر كله الى شجر الدرّ لا تمكّنه التصرّف الّا فيما يصدر عن رأيها فكره ذلك ولم يطق احتماله وهمّ بإهلاكها. فشعرت بذلك وسبقته. ففعلت به ما أراد ان يعمل بها وأشلت عليه المماليك الصغار. وفي بعض الأيام لمّا دخل الحمام وكانوا يسكبون على رأسه الماء ليغتسل جرحوه بالسكاكين فقتلوه. وقيل مقلوا رأسه في الماء داخل الخزانة الى ان اختنق مغطوطا. وأمرت شجر الدرّ ان يخرج ويدفن فأخرجوه ودفنوه في الدار. ولما بلغ ذلك الأمراء الكبار عظيم عليهم فعلها فوثبوا بها وقتلوها ورموها في الخندق فأكلتها الكلاب. وقدموا عليهم واحدا منهم اسمه قوتوز فحلفوا له وملكوه ولقبوه الملك المظفر. ولما استولى المماليك على الديار المصرية سار الملك الناصر صاحب حلب بجريدة الى دمشق فسلمها اليه أهلها فملكها واقام بها وصارت دار مملكته. ثم راسله بعض المماليك من مصر ليسير إليهم فيسلموا له مصر فعبّى عسكره وسار الى نحو الديار المصرية ليملكها كما ملك دمشق. فلما بلغ أمراء الترك ذلك بادروا اليه في عساكرهم والتقوا الشاميين بناحية غزّة وكسروهم وهزموهم فعاد الملك الناصر فيمن
стр. 267
معه خائبا خاسرا. وفيها ملك بدر الدين لؤلؤ جزيرة ابن عمر [١] وأسر صاحبها الملك مسعود بن الملك المعظم من بيت أتابك زنكي وسيّره في ركوة الى الموصل وتقدّم الى من وكل به ليرميه ليلة في دجلة فغرقوه وأخبروا انه رمى نفسه وهم نيام ولم يحسّوا بما فعل.
وفيها اجتمع أولاد الملوك وأمراء المغول فوصل من حدود قراقورم مونككا [٢] بن تولي خان.
واما سيرامون وباقي أحفاد وخواتين قاان فسيّروا قنقورتقاي وكتبوا خطهم انه قائم مقامهم وان باتوا هو اكبر الأولاد وهو الحاكم وهو راضون بما يرضاه. واما اغول غانميش خاتون زوجة كيوك خان ومن معها من أولاد الملوك فوصلوا الى خدمة باتوا ولم يقيموا عنده اكثر من يوم بل رجعوا الى أوردوهم واستنابوا أميرا منهم يقال له تيمور نوين وأذنوا له ان يوافق ما يتفق عليه الجمع كله وان اختلفت الأهواء لا يطيع أحدا حتى يعلمهم كيفية الحال. فبقى جغاتاي ومونككا وسائر من كان حاضرا من الأولاد والأحفاد والأمراء يتشاورون أياما في هذا الأمر وفوضوا الأمر الى باتوا لأنه اكبر الجماعة واشدّهم رأيا. فبعد ثلثة ايام من يوم التفويض قال: ان مثل هذا الخطب الخطير ليس فينا من يفي بحق القيام به غير مونككا فوافقوه كلهم على ذلك وأجلسوه على سرير المملكة وباتوا مع باقي الأولاد والأكابر خدموه جاثين على ركبهم كالعادة. وانصرف كل واحد الى مقامه على بناء انهم يجتمعون في السنة المقبلة ويعملون مجمعا كبيرا ليحضره من الأولاد والأكابر من لم يحضر الآن. وفي سنة تسع وأربعين وستمائة في وقت الربيع حضر اكثر الأولاد مثل بركة اغول واخوه بغاتيمور وعمهم الجتاي الكبير والأمراء المعتبرين من اردو جنكزخان. وفي اليوم التاسع من ربيع الآخر كشفوا رؤوسهم ورموا مناطقهم على أكتافهم ورفعوا مونككا على سرير المملكة ومونككا قاان سمّوه وجثوا على ركبهم تسع مرات. وكان له حينئذ سبعة من الاخوة: قبلاي، هولاكو، اريغبوكا، موكا، بوجك، سبكو، سونتاي، فترتبوا جالسين على يمينه والخواتين على يساره وعملوا الفرحة سبعة ايام. وبينما هم يحسرون ويسرّون إذ وصل قدغان اغول وابن أخته [٣] ملك اغول وقراهولاكو وقاموا بمراسم التهنئة وشرائط الخدمة. وكان الجماعة بانتظار اغول غانميش زوجة كيوك خان وولدها خواجة اغول وامرائهم ولم يصل بعد احد منهم. وفي سنة
стр. 268
خمسين وستمائة توجهت اغول غانميش وجماعتها في عساكرهم نحو اردو مونككا خان.
وكان المقدّم على جيوشهم سيرامون وناقوا. ولما قربوا اتفق ان رجلا من اردو مونككا قاان من الذين يربّون السباع لأولاد الملك هرب منه اسد فخرج في طلبه دائرا عليه بالجبال والصحاري فاجتاز بطرف من عسكر سيرامون ولقي صبيا منهم قد انكسرت عجلته وهو جالس عندها. فلما رأى السبّاع المذكور مجتازا استدعاه ليستعين به في ترميم عجلته فأجابه السبّاع الى ذلك ونزل من فرسه وأخذ يصلح معه العجلة. فوقع بصره على اسلحة مستورة في باطن العجلة فسأل الغلام عنها. فقال له: ما أغفلك كأنك لست منا كيف لم تعرف ان كل العجل التي معنا كهذه مشحونة بآلات الحرب. فلما تحقق ذلك ترك طلب الأسد الآبق وسار مسيرة ثلثة ايام في يوم واحد عائدا الى أصحابه وأعلمهم بما رأى وسمع. فأمر مونككا قاان ان يمضي إليهم منكسار في الفي فارس ويستكشف حالهم.
فمضى وذكر لهم ما نقل عنهم فلم يتمالكوا وداخلهم الرعب ولم يسعهم الّا التسليم لما يقضى عليهم. ولما حضر الكبير منهم والصغير وقع السؤال وثبتت الجريمة عليهم فجوزوا بما استوجبوا من الهلاك وتقسيم عساكرهم على الأولاد والأمراء. ولما فرغ خاطر مونككا قاان من امر المخالفين شرع في ترتيب العساكر وضبط الممالك فأقطع بلاد الخطا من حدّ الميري الى سليكاي وتنكوت وتبّت لقبلاي اغول أخيه. والبلاد الغربية لهولاكو أخيه الآخر ومن جهة تحصيل الأموال. وولّى على البلاد الشرقية من شاطئ جيحون الى منتهى بلاد الخطا الصاحب المعظم يلواج وولده مسعود بيك. وعلى ممالك خراسان ومازندران وهندوستان والعراق وفارس وكرمان ولور وارّان واذربيجان وكرجستان والموصل والشام الأمير ارغون اغا. وامر ان المتموّل الكبير ببلاد الخطا يؤدي في السنة خمسة عشر دينارا والوضيع دينارا واحدا. وببلاد خراسان يزن المتموّل في السنة عشرة دنانير والفقير دينارا واحدا. ومن مراعي ذوات الأربع الذي يسمّونه قويجور يؤخذ من كل من له مائة رأس من جنس واحد رأس واحد ومن ليس له مائة لا يؤخذ منه شيء.
واطلق العباد وارباب الدين من الوثنيين والنصارى والمسلمين من جميع المؤونات والأوزان والتكليفات.
وفيها وهي سنة ألف وخمسمائة وثلث وستين للإسكندر توجّه حاتم ملك الأرمن الى خدمة مونككا قاان أخذ قربان خميس الفصح ورحل عن مدينة سيس يوم الجمعة [١] الصلبوت وخرج متنكرا مع رسول له بزيّ بعض الغلمان وأخذ على يده جنيبا يجذبه خلف
стр. 269
الرسول لأنه كان خائفا من السلطان صاحب الروم. وذكر الرسول اين ما جاء واجتاز من بلد الروم انه قد أرسله الملك حاتم ليأخذ له الامان من مونككا قاان فإذا امّنه توجّه هو بنفسه الى حضرته. حدثني الملك حاتم عند اجتماعي به بمدينة طرسوس بعد سنين [١] من عودته من خدمة مونككا قاان قال: عبرت بقيسارية وسيواس مع الرسول ولم يعرفني احد من أهلها قط الّا لما دخلنا مدينة ارزنكان عرفني رجل من السوقية كان قد سكن عندنا فقال: ان كانتا هاتان عينيّ فهذا ملك سيس. فلما سمع الرسول كلامه التفت اليّ ولطمني على خدي وقال: يا نذل صرت تتشبّه بالملوك. فاحتملت اللطمة لازيل بها ظنّ من كان ظنّه يقينا.
وفي سنة احدى وخمسين وستمائة توجّه هولاكو ايلخان من نواحي قراقورم الى البلاد الغربية. وسيّر معه مونككا قاان الجيوش من كل عشرة اثنين وصحبه اخوه [٢] الصغير سنتاي اغول ومن جانب باتوا بلغاي [٣] بن سبقان وقوتار اغول وقولي [٤] في عساكر باتوا. ومن قبل جغاتاي تكودار [٥] اغول بن بوخي اغول. ومن جانب جيحكان بيكي بوقا تيمور في عسكر الاويرات [٦] . ومن ناحية الخطا ألف بيت من صنّاع المنجنيقات واصحاب الحيل في إصلاح آلات الحرب. فكان امير الترك كيدبوقا [٧] الباورجي. وكان القائم مقام هولاكو بأردو مونككا قاان ولده جومغار بسبب ان امه اكبر خواتين هولاكو أبيه. وأخذ صحبته ابنه الكبير اباقا وابنه الآخر يسمون [٨] ومن الخواتين الكبار دوقوز [٩] خاتون المؤمنة المسيحية والجاي خاتون. وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة تواترت الايلجية في طلب السلطان عز الدين صاحب الروم ليحضر هو بنفسه في خدمة مونككا قاان. فتجهز وسار حتى وصل الى مدينة سيواس. ولما سمع ان الأمراء قد مالوا الى ركن الدين أخيه ويرومون تمليكه عاد مسرعا الى قونية وأرسل
стр. 270
أخاه علاء الدين وكتب معه كتاب يذكر فيها: انني قد سيّرت اخي علاء الدين وهو سلطان مثلي وانا لم يمكنني المجيء بسبب ان اتابكي ومدبري جلال الدين قرطاي قد مات وظهر لي [١] اعداء من ناحية المغرب فإذا كفيت شرّهم جئت المرّة الاخرى.
فلما سار علاء الدين توفي في الطريق ولم يصل الى الاردو. وأراد عزّ الدين ان يقتل ركن الدين أخاه الآخر ويأمن غائلته فأحسّ الأمراء بذلك وهرّبوه بأن ألبسوه ثياب بعض غلمان الطباخين ووضعوا على رأسه خوانجه فيها طعام وأخرجوه من الدار والقلعة في جماعة من الصبيان قد حملوا طعاما الى بعض الدور. فلما خرج اركبوه فرسا وساروا به حتى اوصلوه الى قيسارية وانضم اليه هناك جماعة من الأمراء وجيشوا وتوجهوا نحو قونية ليحاربوا عزّ الدين. فبرز إليهم عزّ الدين بمن معه من العسكر فكسرهم وهزمهم وأسر ركن الدين أخاه واعتقله بقلعة دوالوا. وفي سنة ثلث وخمسين وستمائة وصل رسول بايجو نوين الى السلطان عزّ الدين يطلب منه مكانا يشتي به لان بلد موغان الذي كان يشتو به صار مشتى لهولاكو. فأبى السلطان ان يجيبه الى ذلك وطمع فيه وظنّه منهزما بين يدي هولاكو وجيّش وحاربه عند خان السلطان بين قونية واقسروا وانكسر عزّ الدين وهرب متوغلا في بلاده الداخلة. فأخرج بايجو أخاه ركن الدين من الحبس وملكه على جميع بلاد الروم.
وفيها وصل الملك حاتم ودخل بلده أول أيلول وكان مجيئه صحبة بايجو نوين. وفيها في شهر شعبان نزل هولاكو بمروج مدينة سمرقند واقام بها أربعين يوما. وهناك أدرك أخاه سنتاي اغول اجله وأخبر بوفاة أخيه الآخر في طرف بالدر فتكدر خاطره لهاتين الوقعتين فوصل اليه الأمير ارغون واكثر أكابر خراسان وقوّوا عزمهم فعبروا ماء جيحون وكان الوقت شتاء شديد البرد لا يقشع الغيم ولا ينقطع وقوع الثلج من تلك البقاع الى وقت حلول الشمس برج الحمل. فأمر الأمراء ان يقصدوا في عساكرهم قلاع الملاحدة وكان مقدم الإسماعيلية يومئذ ركن الدين خوزشاه بن علاء الدين فأخرب خمس قلاع من قلاعه التي لم يكن فيها ذخائر للحصار. واقبل رسول هولاكو الى حدّ قصران.
وكان كيدبوقا قد سبق ففتح قلعة شاهديز [٢] وثلثا أخر من قلاعهم. ولما وصل ايلخان الى عباساباذ سيّر ركن الدين الى العبودية صبيا عمره نحو سبع او ثماني سنين وذكر انه ولده. فلم يخف صنيعه على هولاكو ولكن لم يكاشفه في ذلك بل اعزّ الصبي وأكرمه
стр. 271
ثم اعاده اليه. وبعد وصول هذا الابن المزوّر الى ركن الدين سيّر أخاه شيران شاه في ثلاثمائة رجل على سبيل الحشر. فسيّر هولاكو الثلاثمائة الى جمالاباذ من بلد قزوين وأعاد أخاه محملا رسالة اليه وهي انه الى خمسة ايام ان لم يصل بنفسه الى الخدمة يحكم قلعته ويستعد للحرب. فأرسل رسول يقول: انه لا يتجاسر على الخروج خوفا من حشمه الذين معه داخل القلعة لئلا يثبوا به فإذا وجد فرصة جاء. فعرف هولاكو انه مماطل مدافع من وقت الى آخر فرحل رابع عشر شوال من سنة اربع وخمسين وستمائة من بيشكام [١] ونزل على القلعة المحاذية لميمون دره وتقدم بقتل الثلاثمائة رجل من الملاحدة الذين كانوا بجمالاباذ قزوين سرّا وصار اهل قزوين يضربون بذلك مثلا لمن يقتل فيقولون: انبعث الى جمالاباذ. ولما عاين ركن الدين نزول هولاكو بالقرب سيّر رسولا يقول: ان سبب تماطلي لم يكن غير انني ما كنت احقق وصوله المبارك والآن انا نازل اليوم او غدا. وكان تلك الليلة ليلة الميلاد. فلما عزم على الخروج ثاوره العلاة [٢] من الملاحدة وواثبه الفدائيون ولم يمكّنوه من الخروج. فسيّر الى هولاكو واعلمه ما هم عليه من التمرّد. فأمره ان يداري الوقت معهم محافظا نفسه منهم وكيف ما كان يحتال للنزول ولو متنكرا. وتقدم الى الأمراء ليحتفّوا بالقلعة وينصبوا المنجنيقات ويقاتل كل منهم من يقاتله من الإسماعيلية. فلما اشتغل الملاحدة بقتال المغول نزل ركن الدين ومعه ولده وخواصه الى عبودية هولاكو واظهر الخجلة بل الندامة معترفا بما اقترفه في الأيام الماضية من الجرائم والآثام. فشملته لطائف عواطف ايلخان وبدل ما عند ركن الدين من الاستيحاش والاستنفار بالاستيناس والاستبشار. ولما تحقق من بالقلعة ما نال صاحبهم من الطمأنينة والكرامة سلموا القلعة ونزلوا عنها فحاول المغول هدمها وفتحوا ايضا جميع القلاع التي في ذلك الوادي. وتوجّه ايلجي الى متولّي قلعة ألموت ليتبع مولاه ركن الدين في توخي الايلية وتسليم القلعة. فأبى الّا العصيان الى ان نازله بلغاي اغول في عساكر جمة فطلب الامان وسلمها وخرج عنها في أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة. وفي تلك الأيام وصل شمس الدين محتشم قلاع قهستان وأخذ يرليغا وسار معه اصحاب ركن الدين الى قهستان ليخرب جميع القلاع التي هناك وهي تزيد على خمسين حصنا حصينا وتسلموها وفتحوها الّا قلعتين منها هما كرذكوه وكمشير [٣] فإنهم
стр. 272
لم يطيقوا فتحها في الحال الّا بعد سنتين. ووصل أكابر الديلم وصالحوا المغول على تخريب قلاعهم. وفي أواسط ذي الحجة عاد هولاكو الى الاردو بناحية همذان وسيّر ركن الدين وبنيه وبناته وأزواجه الى قزوين. وفي سنة خمس وخمسين وستمائة التمس ركن الدين خوزشاه من هولاكو ان يسيّره الى عبودية مونككا قاان. فأعجبه ذلك وأرسله ومعه تسعة نفر من أصحابه صحبة الايلجية. فلما وصلوا الى مدينة بخارا خاصم الايلجية وتسافه عليهم فحقدوا عليه. فلما وصلوا الى قراقورم لم يؤذن لركن الدين ان يحضر وبرز مرسوم مونككا قاان اليه ان: يجب عليك العود الى بلدك والتقدم الى نوابك ليسلموا قلعتي كرذكوه وكمشير فإذا سلموهما واخربتهما تحضر مرة اخرى ويكون لك التليشميشي اي الإكرام والقبول. فنكص ركن الدين بهذا الرجاء على عقبه. وفي الطريق أهلك مع من كان معه من أصحابه. ووصل يرليغ مونككا قاان الى هولاكو ليقتل الملاحدة باسرهم ولا يبقى منهم اثر. فأرسل قراقاي اليبتكتجي الى قزوين وقتل بني ركن الدين وبناته واخوته وأخواته مع جميع عساكر الملاحدة واوتكوحنا نوين [١] ايضا أخرج من رعايا الإسماعيلية بحجة الحشر اثني عشر ألف رجل وقتلهم كلهم واخلى الأرض من كل من ألحد في دينه.
وفيها سيّر السلطان عزّ الدين رسولا الى خدمة هولاكو شاكيا على بايجو نوين انه ازاحه عن ملكه. فأمر هولاكو ان يتقاسما الممالك هو واخوه ركن الدين. فظهر عزّ الدين فأتى الى قونية ومضى ركن الدين مع بايجو نوين الى مخيّمه. ولخوف عزّ الدين من بايجو نوين وجّه مملوكه طفلا [٢] الى نواحي ملطية وخرتبرت ليستخدم له عسكرا من الأكراد والتركمان والعرب. فوصل هذا المملوك وسيّر في طلب شرف الدين احمد ابن بلاس من بلد الهكار وشرف الدين محمد بن الشيخ عدي من بلد الموصل الكرديّين فاتياه. فاقطع ابن بلاس ملطية وابن الشيخ عدي خرتبرت. اما ابن بلاس فلم يقبله اهل ملطية لأنهم كانوا مستحلفين لركن الدين فكان يضطهدهم ويجور عليهم. فما احتملوه وآل أمرهم معه الى ان وثبوا بأصحابه وقتلوا منهم نحو ثلاثمائة رجل وهرب هو مع من تبعه من أصحابه واجتازوا ببلد قلوذيا واحرقوا دير ماذيق [٣] يوم الشعانين وعبروا الى بلد آمد وهناك أدركهم صاحب ميافارقين وقتل ابن بلاس وأسر أصحابه. واما ابن
стр. 273
الشيخ عدي فرحل من خرتبرت ليتصل بالسلطان عزّ الدين فأدركه انكورك نوين وقتله ومن معه. ثم ولّى السلطان عزّ الدين ملطية رجلا بطلا شجاعا يقال له عليّ بهادر فقبله اهل ملطية خوفا من صرامته. وهذا عليّ حارب الاعجزية [١] وهم قوم مفسدون من التركمان كانوا يغيرون على البلاد ويقتلون أهلها ويسبون الذراري فأسر مقدمهم المسمى جوتي بك وسجنه بقلعة المنشار وهزم جيوشهم. فأمن الناس شرّهم وانفتحت السبل وامتار الناس الطعام وفرج الله عنهم غمهم قليلا. وبينما هم فرحون بذلك إذ وافاهم بايجو نوين في عساكره وصاروا يقاتلون متسلمي القلاع ليسلموها الى ركن الدين. ونزلوا على مدينة ابلستين وقتلوا من أهلها نحو ستة آلاف رجل وأسروا النساء والبنين والبنات.
وجاءوا الى ملطية فهرب عليّ بهادر الى كاختة. وخرج اهل ملطية الى خدمة بايجو نوين بأنواع بالترغو [٢] والتحف. وكان ذلك في منتصف أيلول سنة ألف وخمسمائة وثماني وستين للإسكندر. فحلّفهم لركن الدين ورحل عنهم بعد ان أخذ أموالا وولّى ركن الدين على ملطية مملوكا له اسمه فخر الدين أياز [٣] . ولما خرج بايجو من حدود الروم طالبا للعراق عاد عليّ بهادر الى ملطية فأغلق أهلها الأبواب ولم يمكنوه من الدخول خوفا من بايجو. فحصرها أياما واشتد الغلاء بها وبلغ المكوك من الملح الى أربعين [٤] درهما والحنطة المكوك بسبعين درهما. فضجر الناس وضاقت بهم الحيلة ففتح العامة الحاكة وغيرهم بابا من أبواب المدينة في بعض الليالي فدخلها عليّ بهادر وأصحابه التركمانيون عنوة واصعد الى المنابر [٥] جماعة ينادون ويقولون: ان الأمير قد امّن الرعية النصارى منهم والمسلمين فليخرج كل واحد الى عمله ودكانه وليشتغل ببيعه وشرائه فإنما كلامه مع الحكام. فلما أصبحوا قبض على فخر الدين أياز مملوك السلطان ركن الدين وسجنه واركب شهاب الدين العارض على بهيم حقير وطوّفه بملطية ثم قتله وشدّ احد طرفي رسن في رقبة المعين الايكد بشاسي [٦] والطرف الآخر في رقبة كلب ومشّاه بالأسواق ثم ضرب عنقه. وعاقب المستوفي الروميّ القسيس قالويان وولده كيريوري [٧] وأخويه
стр. 274
باسيل ومانويل واستصفى أموالهم ثم قتلهم. وقتل ايضا الأمراء الثلاثة أولاد الأمير شهاب الدين ايسو [١] الكردي. واشتد الجوع بملطية وبلدها حتى أكل الناس الكلاب والسنانير وكانوا ينقعون الجلود اليابسة التي لدم بها النعال فيأكلونها مطبوخة. واجتاز جماعة من أصحابنا بقرية اسمها با عبدون ببلد جوباس من اعمال ملطية فرأوا جماعة من النساء قد اجتمعن في بيت وقدامهنّ ميت ممدود وبأيديهنّ السكاكين وهنّ يشرحن لحمه ويشوينه ويأكلن. وامرأة اخرى شوت ابنها الصغير في تنور لها ولما كبسها مجاوروها حلفت انها لم تقتله وانما مات ففعلت به ذلك زاعمة انها به اولى من الديدان.
وبعد ما فعل عليّ بهادر تلك الرزايا بأعيان ملطية ومثّل بأماثلها لم يهنأ له بها عيش لما كان أهلها عليه من البلاء والجلاء والجدب. فخرج عنها ملمّا بالسلطان عزّ الدين.
وفيها مرض ثاوذوروس ملك الروم بمدينة نيقية [٢] وكان في خدمته بطريق يقال له ميخائيل ويلقب بباليولوغس اي الكلام المتقدم [٣] . وذلك ان العلماء من الروم بعد تغلب الافرنج على القسطنطينية تقدموا فقالوا ان ملكا في اسمه الميم والخاء من حروف اليونانيين ينزع الفرنج عنها ويعيدها الى الروم. فكان الملك ثاوذوروس يخاف هذا ميخائيل لئلّا يتغلب على الملك. ولما اشتدّ خوفه منه سجنه واعتقله ببعض قلاع بلد تسالونيقي ولم يمكنه إهلاكه بغير جريمة تظهر منه. وفي مرضه هذا أرسل بطريقا يقال له غاذينوس ليأتيه به. فلما وصل غاذينوس هذا الى ميخائيل قال له سرا: أنت الملك فكن لبيبا وأسلم نفسك اليّ ولا تظهر كراهية أصلا ورأسا ليزول بذلك ما حصل عند الملك من الخيالات في شأنك. فأجاب ميخائيل الى ذلك وحمله مقيدا الى الملك. ولما مثل بين يديه بكى واظهر الكآبة العظيمة. فرقّ له الملك وحنّ اليه واقبل عليه واوصى اليه في تربية قالويان ابنه وتدبيره وكان الابن وقتئذ طفلا وأشرك معه في ذلك البطريرك ارسانيوس.
وبعد مدة مديدة توفي ثاوذوروس ودفن في دير مغنيسيا. وكان له اخت تسمّى كيرايلونيا ولها ختن على ابنتها يقال له موزالون فخرجت معه الى الدير بحجة زيارة قبر الملك وأقاما به أياما يتشاوران في امر الملك واتفقا على ان يقبضا على ميخائيل ومن يرى رأيه ويتولّى تدبير الطفل موزالون. فشعر ميخائيل بدسيستهما وسيّر عليهما جماعة من جند الفرنج الذين كانوا في خدمته وأمرهم ان يقتلوهما معا حيث وجدوهما. فدخل الفرنج
стр. 275
الدير ولقوهما في البيعة وقت صلاة العشاء فقطعوهما موضعهما ونادوا بشعار ميخائيل بمدينة نيقيا قائلين: ميخائيل يا منصور ميخائيل ملك يونان باليولوغس اوطوقراطور رومانيا.
ومن هناك سار ميخائيل الى مدينة نيقية وخطب له بالمملكة بجميع تلك البلاد واعتقل الطفل قالويان ابن الملك ببعض القلاع ونفى البطريرك ارسانيوس الذي وبخه على فعله هذا. ولما تمكن من الملك لم يكن له اهتمام الّا بأخذ قسطنطينية فسار إليها مرة ولم يقدر على فتحها فصبر الى ان ثارت الفتنة بين البنادقة والجنوية بمدينة عكا فسار البنادقة أجمعين عن القسطنطينية الى عكا لنصرة أصحابهم وكانوا هم الحفظة لها. واحتال حيلة اخرى بأن أشار الى متوّلي بعض قلاع الروم ليكاتب بغدوين الفرنجي صاحب القسطنطينية ويقول له: ان هذا ميخائيل قد تغلب على مملكة الروم بغير استحقاق وهو ظالم معتدّ على بيت أستاذه وانا كاره له وأنت اولى بهذه القلعة منه لأنك ملك ابن ملك وميخائيل خارجيّ. فابعث لي عسكرا وانا أسلمها إليهم ولا بدّ من منجنيقات تكون معهم فينصبونها ويظهرون القتال والزحف ليكون لي عذر عند الناس إذا سلّمتها.
فاغترّ بغدوين الفرنجي بكلامه وقدره صادقا بما قال فأرسل من كان عنده من المقاتلين الى تلك القلعة ونازلوها واشتغلوا بنصب المنجنيقات والاستعداد للقتال. وحينئذ عبر ميخائيل في عساكره خليج القسطنطينية ونزل عليها وهي خالية عن رجال الحرب وحال بينها وبين العسكر الذي كان على القلعة المذكورة. فدلّه بعض الرعاة على باب عتيق للمدينة قد عفا اثره ولم يفتح من عهد قسطنطينوس فنبشوه ودخلوا المدينة وملكوها ليلا وتغافلوا عن بغدوين صاحبها عمدا حتى خرج في اهل بيته وصار الى بلاد الفرنج في البحر. وكان مدة بقاء القسطنطينية بيد الفرنج نحو ثلث وخمسين سنة ثم عادت الى الروم كما كانت أولا.
وفيها في شهر شوال رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد. وكان في ايام محاصرته قلاع الملاحدة قد سيّر رسولا الى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة فأراد ان يسيّر ولم يقدر ولم يمكّنه الوزراء والأمراء وقالوا: ان هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة وليس محتاجا الى نجدتنا وانما غرضه أخلاء بغداد عن الرجال فيملكها بسهولة.
فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال. ولما فتح هولاكو تلك القلاع أرسل رسولا آخر الى الخليفة وعاتبه على إهماله تسيير النجدة. فشاوروا [١] الوزير فيما يجب ان يفعلوه فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ببذل الأموال والهدايا والتحف له
стр. 276
ولخواصّه. وعند ما أخذوا في تجهيز ما يسيّرونه من الجواهر والمرصعات والثياب والذهب والفضة والمماليك والجواري والخيل والبغال والجمال قال الدويدار الصغير وأصحابه: ان الوزير انما يدبّر شأن نفسه مع التاتار وهو يروم تسليمنا إليهم فلا نمكنه من ذلك.
فبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة واقتصر على شيء نزر لا قدر له.
فغضب هولاكو وقال: لا بدّ من مجيئه هو بنفسه او يسيّر احد ثلثة نفر اما الوزير واما الدويدار واما سليمانشاه. فتقدم الخليفة إليهم بالمضيّ فلم يركنوا الى قوله فسيّر غيرهم مثل ابن الجوزي وابن محيي الدين فلم يجديا عنه. وأمر هولاكو بايجو نوين وسونجاق نوين ليتوجّها في مقدمته على طريق اربل وتوجه هو على طريق حلوان.
وخرج الدويدار من بغداد ونزل بجانب يا عقوبا [١] . ولما بلغه ان بايجو نوين عبر دجلة ونزل بالجانب الغربي ظن ان هولاكو قد نزل هناك فرحل عن يا عقوبا ونزل بحيال بايجو ولقي يزك [٢] المغول أميرا من أمراء الخليفة يقال له ايبك الحلبي فحملوه الى هولاكو فأمّنه ان تكلّم بالصحيح وطيّب قلبه فصار يسير امام العسكر ويهديهم.
وكتب كتابا الى بعض أصحابه يقول لهم: ارحموا أرواحكم واطلبوا الامان لان لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة. فأجابوه بكتاب يقولون فيه: من يكون هولاكو وما قدرته ببيت عباس من الله ملكهم ولا يفلح من يعاندهم ولو أراد هولاكو الصلح لما داس ارض الخليفة ولما أفسد فيها. والآن ان كان يختار المصالحة فليعد الى همذان ونحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير المؤمنين متخشعا في هذا الأمر لعلّه يعفو عن هفوة هولاكو. فلما عرض ايبك الكتاب على هولاكو ضحك واستدلّ به على غباوتهم.
ثم سمع الدويدار ان التاتار قد توجهوا نحو الأنبار. فسار إليهم ولقي عسكر سونجاق نوين وكسرهم وهزمهم وفي هزيمتهم التقاهم بايجو نوين فردّهم وهجموا جميعا على عسكر الدويدار فاقتتلوا قتالا شديدا وانجلت الحرب عن كسرة الدويدار فقتل اكثر عسكره ونجا هو في نفر قليل من أصحابه ودخل بغداد.
وفي منتصف شهر المحرّم من سنة ست وخمسين وستمائة نزل هولاكو بنفسه على باب بغداد وفي يوم وليلة بنى المغول بالجانب الشرقي سيبا اعني سوريا عاليا وبنى بوقا تيمور وسونجاق نوين وبايجو نوين بالجانب الغربي كذلك وحفروا خندقا عميقا
стр. 277
داخل السيبا [١] ونصبوا المنجنيقات بازاء سور بغداد من جميع الجوانب ورتبوا العرّادات وآلات النفط. وكان بدء القتال ثاني وعشرين محرّم. فلما عاين الخليفة العجز في نفسه والخذلان من أصحابه أرسل صاحب ديوانه وابن درنوش [٢] الى خدمة هولاكو ومعهم تحف نزرة. قالوا: ان سيّرنا الكثير يقول: قد هلعوا وجزعوا كثيرا. فقال هولاكو:
لم ما جاء الدويدار وسليمانشاه. فسيّر الخليفة الوزير العلقمي وقال: أنت طلبت احد الثلاثة وها انا قد سيّرت إليك الوزير وهو أكبرهم. فأجاب هولاكو: انني لما كنت مقيما بنواحي همذان طلبت احد الثلاثة والآن لم اقنع بواحد. وجدّ المغول بالقتال بازاء برج المعجمي وبوقا تيمور من الجانب الغربي حيث المبقلة وسونجاق نوين وبايجو نوين من جانب البيمارستان العضدي. وامر هولاكو البتيكتجية ليكتبوا على السهام بالعربية:
ان الاركاونية [٣] والعلويين والداذنشمدية [٤] وبالجملة كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله. وكانوا يرمونها الى المدينة. واشتدّ القتال على بغداد من جميع الجوانب الى اليوم السادس والعشرين من محرم. ثم ملك المغول الأسوار وكان الابتداء من برج العجمي. واحتفظ المغول الشط ليلا ونهارا مستيقظين لئلا ينحدر فيه احد.
وامر هولاكو ان يخرج اليه الدويدار وسليمانشاه واما الخليفة ان اختار الخروج فليخرج والّا فليلزم مكانه. فخرج الدويدار وسليمانشاه ومعهما جماعة من الأكابر. ثم عاد الدويدار من الطريق بحجة انه يرجع ويمنع المقاتلين الكامنين بالدروب والازقّة لئلا يقتلوا أحدا من المغول فرجع وخرج من الغد وقتل. وعامة اهل بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني ليأخذ لهم الامان. ولما رأى الخليفة ان لا بد من الخروج أراد او لم يرد استأذن هولاكو بأن يحضر بين يديه فأذن له وخرج رابع صفر ومعه أولاده واهله. فتقدم هولاكو ان ينزلوه بباب كلواذ [٥] وشرع العساكر في نهب بغداد ودخل بنفسه الى بغداد ليشاهد دار الخليفة وتقدّم بإحضار الخليفة فاحضروه ومثل بين يديه وقدم جواهر نفيسة ولآلئ ودررا معبّاة في أطباق ففرّق هولاكو جميعها على الأمراء وعند المساء خرج الى منزله وامر الخليفة ان يفرز جميع النساء التي باشرهن هو وبنوه ويعزلهنّ عن غيرهنّ ففعل فكنّ سبعمائة امرأة فاخرجهن ومعهنّ ثلاثمائة خادم
стр. 278
خصيّ. وبقي النهب يعمل الى سبعة ايام ثم رفعوا السيف وبطلوا السبي. وفي رابع عشر صفر رحل هولاكو من بغداد وفي أول مرحلة قتل الخليفة المستعصم [١] وابنه الأوسط مع ستة نفر من الخصيان بالليل وقتل ابنه الكبير ومعه جماعة من الخواص على باب كلواذ وفوّض عمارة بغداد الى صاحب الديوان والوزير وابن درنوش. وأرسل بوقا تيمور الى الحلّة ليمتحن أهلها هل هم على الطاعة ام لا. فتوجّه نحوها ورحل عنها الى مدينة واسط وقتل بها خلقا كثيرا أسبوعا. ثم عاد الى هولاكو وهو بمقام سياكوه [٢] .
وكان من الفضلاء المعتبرين في هذه السنين القاضي الأكرم جمال الدين بن القفطي مصنف كتاب تاريخ الحكماء مولده بقفط من اعمال صعيد مصر سنة ثماني وستين وخمسمائة رحل به أبوه طفلا واسكنه القاهرة المعزّية وبها قرأ وكتب وشدا شيئا من الأدب.
ثم خرج الى الشام فأقام بحلب وصحب بها الأمير المعروف بالميمون القصري. واجتمع في هذه المدة بجماعة من العلماء واستفاد بمحاضرتهم وفقه بمناظرتهم. ثم لازم منزله بعد وفاة الأمير المذكور الى ان ألزم بالخدمة في امور الديوان في ايام الملك الظاهر فتولّى ذلك وهو كاره للولاية متبرّم بها. فلما مات الملك الظاهر عاد فانقطع في منزله مستريحا من معاناة الديوان مجتمع الخاطر على شأنه من المطالعة والفكرة منقبضا عن الناس محبا للتفرد والخلوة لا يكاد يظهر لمخلوق حتى قلّده الملك العزيز وزارته سنة ثلث وثلاثين وستمائة. فلم يزل في هذا المنصب مدة ايام الملك العزيز والملك الناصر ابنه حتى توفي ثالث عشر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة.
ومن حكماء هذا الزمان نجم الدين النخجواني كان ذا يد قويّة في الفضائل وعارضة عريضة في علوم الأوائل تفلسف ببلاده وسار في الآفاق وطوّف ودخل الروم وولي المناصب الكبار ثم كره كدر الولاية ونصبها فارتحل الى الشام واقام بحلب منقطعا في دار اتخذها لسكناه لا يمشي الى مخلوق ولكن يمشى اليه الى ان مات بها. وكان شديد الميل الى مذهب التناسخ وله مؤاخذات على منطق الإشارات وشرحها ايضا وتناول [٣]
стр. 279
الأفضل الخونجي بالاستنقاص وزيّف أقواله في كتاب الكشف فيما يتعلق بعكس النقيض والموضوع الخارجي والحقيقي ومنعه انتاج الصغرى الممكنة في الشكل الاول وانعكاس السالبة الكلية الضرورية كنفسها الى غير ذلك.
ومنهم الحكيم ثاذري الانطاكي اليعقوبي النحلة احكم اللغة السريانية واللاطينية بأنطاكية وشدا بها شيئا من علوم الأوائل. ثم هاجر الى الموصل وقرأ على كمال الدين ابن يونس مصنفات الفارابي وابن سينا وحلّ اوقليذس والمجسطي. ثم عاد الى انطاكية ولم يطل المكث بها لما رأى في نفسه من التقصير في التحصيل فعاد مرة ثانية الى ابن يونس وانضج ما استنهأ من علمه وانحدر الى بغداد واتقن علم الطب وقيّد أوابده وتصيّد شوارده وقصد السلطان علاء الدين ليخدمه فاستغربه [١] ولم يقبل عليه فرحل الى الأرمن وخدم قسطنطين أبا الملك حاتم ولم يستطب عشرتهم فسار مع رسول كان هناك للامبرور ملك الفرنج [٢] فنال منه إفضالا ووجد له به نوالا واقطعه بمدينة كما هي باعمالها. فلما صلح حاله وكثر ماله اشتاق الى بلده واهله ولم يؤذن له بالتوجه فأقام الى ان أمكنته الفرصة بخروج الملك في بعض غزواته الى بلاد المغرب فضمّ أطرافه وجمع أمواله وركب سفينة كان قد اعدّها لهربه وسار في البحر مع من معه من خدمه يطلبون برّ عكا. فبينما هم سائرون. ذهبت عليهم ريح رمت بهم الى مدينة كان الملك قد ارسى بها فلما أخبر ثاذري بذلك تناول شيئا من سمّ كان معه ومات خجلا لا وجلا لان الملك لم يكن يسمح بإهلاك مثله.
ومن الأطباء المشاهير في هذا الزمان الحكيم مسعود البغدادي المعروف بابن القسّ طبيب حاذق نبيل خدم الخليفة المستعصم واختصّ به وطبّ حرمه وأولاده وخواصه وارتفعت منزلته لديه. ولما جرى ببغداد ما جرى انقطع عن الناس ولزم منزله الى ان مات. وخلف ولده غرس النعمة أبا نصر [٣] وكان ابو نصر فاضلا عاقلا ذا فنون خبيرا بأصول الهندسة فاكّا مشكلاتها وكان ضئيلا مسقاما لا يقطع استعمال ماء الشعير صيفا وشتاء وكان غذاؤه دوائيا نزرا ومات كهلا.
ومنهم الحكيم عيسى البغدادي المعروف بابن القسيس الحظيري [٤] كان أبوه طبيبا
стр. 280
فاضلا يقرأ عليه ويؤخذ منه. وكان حادّ المزاج يسرع اليه الغضب. جرى لي معه مفاوضة في امر تقديم السريان الليل على النهار مستدلّين التوراة وهو قوله تعالى: وصار مساء وصار صباح يوما واحدا. قلت: هذه الحجة عليهم لا لهم لأنها تنبئ عن تقدّم نهار آخره مساء وتأخّر ليل آخره صباح ليتمّ بمجموعهما يوم واحد لانّ الحاصل من المساء الى الصباح انما هو ليلة واحدة وهي نصف يوم لا يوم تام. فلم ينصفني في هذا ولا أجاب عنه بشيء اكثر من قوله: هذا مذهب اهل ملّتك فكيف يسعك تكذيبهم.
فقلت: انا تابع فيه لليونانيين وأقيم عذر السريانيين وهو ان شهورهم قمريّة والقمر انما يرى استهلاله مساء لا صباحا فجعلوا مبادئ تواريخهم أوائل الليل ومثلهم العبرانيون والعرب لان الليل مقدّم على النهار في نفس الأمر. ومما يستدلّ به على علوّ همّته الحكيم عيسى ابن القسيس انه نسخ كتاب القانون بخطّه في شبيبته ثم خرجت النسخة عن ملكه بحكم شرعيّ وحصلت في خزانة المدرسة المستنصرية. فلما اسنّ طلب النسخة وقابلها وصححها وأعادها الى مكانها. فنسبه باغضوه الى فضول ومحبّوه الى مثوبة يتوخّاها. فقال: كلا الفريقين مخطئ وانما فعلت ذلك لئلا يزرى عليّ بعد موتي. وعمّر طويلا ومات شيخا كبيرا.
ومنهم تقيّ الدين الرأس عينيّ [١] المعروف بابن الخطّاب [٢] طبيب مشهور الذكر متقن لصناعة الطب علمها وعملها غاية الإتقان خدم السلطان غياث الدين وبعده ابنه عزّ الدين وصار له منزلة عظيمة منهما ورفعاه من حدّ الطب الى المعاشرة والمسامرة واقطعاه إقطاعات جزيلة وكان في خدمتهما بزيّ جميل وامر صالح وغلمان وخدم وصادف من دولتهما كل ما سرّه.
ومنهم شرف الدين بن الرحبي واخوه جمال الدين الدمشقيّان. اما شرف الدين فكان بارعا بالجزء النظري من الطب له معرفة تامة به واطلاع على أصوله تصدّر لافادة هذا الشأن وأخذ عنه جماعة من الطلبة وكان قليل التعرّض لمباشرة المرضى. وسمعت وقت تحصيلي بدمشق ان له تعاليق وحواشي على القانون ولم ارها. واما جمال الدين اخوه فكان له عناية تامة في الحزء العمليّ من الطبّ وتجارب فاضلة فيه ونفوذ مشهور في المعالجة. صحبته مدة أباشر معه المرضى بالبيمارستان النوري بدمشق وكان حسن الأخلاق لم ار في الجماعات احسن منه زيا وصمتا ونطقا ومبسما.
стр. 281
ومنهم بدر الدين المعروف بابن قاضي بعلبك كان فاضلا خبيرا بالمباشرة والمعالجة جميل التحيّل للبرء وصنّف كتابا لطيف الحجم سمّاه مفرّح النفس جمع فيه جملة ما يتعلّق بالحواسّ الخمسة من المفرحات وأضاف اليه [١] الادوية المفردة القلبية ومركبات ايضا حارّة وباردة ومعتدلة للملوك والفقراء واوساط الناس وأخذ فيه على الرئيس في جعله الكسفرة عديدة المفرحات.
ومنهم نفيس الدولة الدمشقي النصراني الملكي المعروف بابن طليب وسيأتي ذكره في جملة أطباء هولاكو إذ هو أكبرهم.
ومنهم الموفق يعقوب الدمشقيّ السامريّ كان طبيبا حاذقا مصيبا في علاجه مستحضرا للشروح وكان ضنينا بما يحسنه يشارط من قصده من سائر البلاد للاستفادة على إسماعه اي كتاب أراد قراءته دراهم معلومة. وهذه خساسة مباينة للأنفس الفاضلة.
ومن فضلاء هذا الزمان في علوم الأوائل وجميع الفضائل نجم الدين الدمشقي المعروف بابن اللبودي تولّى امور الديوان وقلّد الوزارة والغالب عليه الهندسة والعدد.
ومنهم عزّ الدين الضرير كان من الأفاضل والأعيان المعدودين من حسنات الزمان.
وله مشاركة حسنة في سائر الأنواع الفلسفية والآداب العربية. وكان قويّ الذكر والتخيّل بحيث انه كان يقرأ عليه وهو مكفوف ستّ مقالات من كتاب اوقليذس وكان يحفظ الأشكال بحروفها ويتكلم في حلّها.
стр. 282
الدولة العاشرة المنتقلة من ملوك العرب المسلمين الى ملوك المغول
(هولاكو بن تولي خان [١]
ولما ملك هولاكو بغداد ورتّب بها الشحاني والولاة انفذ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل اليه ابنه الملك الصالح اسماعيل ومعه جماعة من عسكره نجدة له. فأظهر له هولاكو عبسة وقال: أنتم بعد في شكّ من أمرنا ومطلتم نفوسكم يوما بعد يوم وقدّمتم رجلا واخّرتم اخرى لتنظروا من الظافر بصاحبه فلو انتصر الخليفة وخذلنا لكان مجيئكم اليه لا إلينا. قل لأبيك: لقد عجبنا منك تعجبا كيف ذهب عليك الصواب وعدل بك ذهنك عن سواء السبيل واتخذت اليقين ظنا وقد لاح لك الصبح فلم تستصبح. فلما عاد الصالح الى الموصل وبلّغ أباه ما حمل من الرسالة الزاجرة أيقن بدر الدين ان المنايا قد كثّرت له عن أنيابها وذلّت نفسه وهلع هلعا شديدا وكاد يخسف بدره ويكسف نوره. فانتبه من غفلته واخرج جميع ما في خزائنه من الأموال واللآلي والجواهر والمحرمات من الثياب وصادر ذوي الثروة من رعاياه وأخذ حتى حليّ حظاياه والدرر من حلق أولاده وسار الى طاعة هولاكو بجبال همذان. فأحسن هولاكو قبوله واحترمه لكبر سنّه ورقّ له وجبر قلبه بالمواعيد
стр. 283
الجميلة واستأمن اليه وداعبه وقدّمه الى ان أصعده اليه على التخت واذن له ان يضع بيده في أذنيه حلقتين كانتا معه فيهما درّتان يتيمتان [١] . واقام في خدمته أياما ثم عاد الى الموصل مسرورا مبرورا بل مذعورا مما شاهد من عظمة هولاكو وهيبته ودهائه.
وفيها توجه الأشرف بن الملك الغازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين الى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه نجدة ليمنع المغول من الدخول الى الشام. فاستخف برأيه ولم يسمع مشورته بل سوّفه بكلام وسرّحه من عنده بالأمان. ولما وصل الى ميافارقين مدينته طرد شحاني المغول منها وصلب رجلا قسيسا كان قد وصل اليه من خدمة قاان باليراليغ والبوايز [٢] . وبينما هو كذلك أدركته عساكر المغول وأحاطت بمدينته وفي رأس العسكر يشموت [٣] بن هولاكو. وفي يوم وليلة بنى المغول حول مدينته سورا وحفروا خندقا عميقا ثم نصبوا عليها المنجنيقات وابتدأوا بالقتال وقاتلوا قتالا شديدا من الجانبين. ولما رأى المغول ان المدينة لم يمكنهم أخذها بالقتال أبطلوا القتال وحاصروها ومنعوا الناس من الدخول إليها والخروج عنها.
وفي سنة سبع وخمسين وستمائة أرسل هولاكو ايلجية الى الملك الناصر صاحب حلب برسالة يقول فيها: يعلم الملك الناصر اننا نزلنا بغداد في سنة ستّ [٤] وخمسين وستمائة وفتحناها بسيف الله تعالى وأحضرنا مالكها وسألناه مسئلتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منّا العذاب كما قال في قرآنكم إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. ١٣: ١١ وصان المال. فآل الدهر به الى ما آل. واستبدل النفوس النفيسة.
ينقوش معدنية خسيسة. وكان ذلك ظاهر قوله تعالى: وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً. ١٨: ٤٩ لاننا قد بلغنا بقوة الله الارادة. ونحن بمعونة الله تعالى في الزيادة. ولا شك ان نحن جند الله في ارضه خلقنا وسلّطنا على من حلّ عليه غضبه. فليكن لكم في ما مضى معتبر.
وبما ذكرناه وقلناه مزدجر. فالحصون بين أيدينا لا تمنع. والعساكر للقائنا لا تضرّ ولا تنفع. ودعاؤكم علينا لا يستجاب ولا يسمع. فاتّعظوا بغيركم. وسلّموا إلينا أموركم.
قبل ان ينكشف الغطا. ويحلّ عليكم الخطا. فنحن لا نرحم من شكا. ولا نرقّ لمن
стр. 284
بكا قد اخربنا البلاد. وأفنينا العباد. وايتمنا الأولاد. وتركنا [١] في الأرض الفساد.
فعليكم بالهرب. وعلينا بالطلب. فما لكم من سيوفنا خلاص. ولا من سهامنا مناص.
فخيولنا سوابق. وسهامنا خوارق. وسيوفنا صواعق [٢] . وعقولنا كالجبال. وعددنا كالرمال. فمن طلب منّا الامان سلم.. ومن طلب الحرب ندم. فان أنتم أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا. وان أنتم خالفتم أمرنا وفي غيكم تماديتم فلا تلومونا ولوموا أنفسكم. فالله عليكم يا ظالمين فهيئوا للبلايا جلبابا. وللرزايا اترابا.
فقد اعذر من انذر. وأنصف من حذّر. لأنكم أكلتم الحرام وخنتم بالايمان. وأظهرتم البدع واستحسنتم الفسق بالصبيان. فابشروا بالذلّ والهوان. فاليوم تجدون ما كنتم تعلمون. سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. ٢٦: ٢٢٧ فقد ثبت عندكم اننا كفرة. وثبت عندنا انكم فجرة. وسلّطنا عليكم من بيده الأمور مقدّرة. والأحكام مدبّرة.
فعزيزكم عندنا ذليل. وغنيكم لدينا فقير. ونحن مالكون الأرض شرقا وغربا. واصحاب الأموال نهبا وسلبا. وأخذنا كل سفينة غصبا. فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل ان تضرم الكفرة نارها. وترمي بشرارها. فلا تبقي منكم باقية. وتبقى الأرض منكم خالية.
فقد ايقظناكم. حين راسلناكم. فسارعوا إلينا بردّ الجواب بتّة. قبل ان يأتيكم العذاب بغتة. وأنتم تعلمون. فطلبه ليحضر عنده. ولما شاور الأمراء لم يمكّنوه من المشي الى هولاكو وبقي متحيرا خائفا مذعورا لم يدر ما يصنع. غير انه استجار [٣] الله وسيّر ولده الملك العزيز وصحبته الأموال الكثيرة والهدايا والتحف. وبقي هناك من أوائل الشتاء الى الربيع ثم عاد الى أبيه قائلا: قد قال ملك الأرض: نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده فالآن ان كان قلبه صحيحا معنا يجيء إلينا والّا فنحن نمشي اليه. فلما سمع الملك الناصر ذلك بقي مترددا في رأيه لان الأمراء لم يمكّنوه من المشي اليه وهو فقد وقع عنده الخوف والجزع ولم يطمئن على القعود. ثم سيّر هولاكو في طلب سلطان الروم عزّ الدين وأخيه ركن الدين فأطاعاه ومشيا اليه واحسن قبولهما والتقاهما مرحّبا بهما فرحانا وتقدّم إليهما بان عزّ الدين يتملّك على قيسارية الى تخوم ارمينية الكبرى وركن الدين يتملّك من اقسرا والى ساحل البحر حدود الافرنج. ثم انه بعد ذلك توجه الى الشام وتوجّها في خدمته الى قريب الفرات وعادا الى بلادهما مسرورين مغبوطين.
стр. 285
وفي هذه السنة توفي السلطان الملك الرحيم بدر الدين ابو الفضائل لؤلؤ صاحب الموصل في عشرين يوما مضت من شهر تموز وتولّى ولده الملك الصالح إسماعيل الموصل وولده علاء الدين سنجار وولده سيف الدين الجزيرة.
وفي سنة ثماني وخمسين وستمائة دخل هولاكو ايلخان الشام ومعه من العساكر اربعمائة ألف ونزل بنفسه على حرّان وتسلمها بالأمان وكذلك الرها ولم يدن لأحد فيهما سوء. واما اهل سروج فإنهم أهملوا امر المغول فقتلوا عن أقصاهم. وتقدم هولاكو فنصب جسرا على الفرات قريبا من مدينة ملطية وآخر عند قلعة الروم وآخر عند قرقيسياء وعبرت العساكر جملتها وقتلوا عند منبج مقتلة عظيمة. ثم تفرّقت العساكر على القلاع والمدن. ونفر قليل من العسكر طلب حلب فخرج إليهم الملك المعظم ابن صلاح الدين الكبير فالتقاهم وانكسر قدّام المغول ودخل المدينة منهزما. وطرف منهم وصل الى المعرّة وخربوها. وتسلّموا حماة بالأمان وحمص ايضا. فلما بلغ ذلك الملك الناصر أخذ أولاده ونساءه وجميع ما يعزّ عليه وتوجه منهزما الى بريّة الكرك والشوبك.
وعند ما وصلت المغول الى دمشق خرج أعيانها إليهم وسلموها لهم بالأمان ولم يلحق بأحد منهم أذى. واما هولاكو فانه بنفسه نزل على حلب وبنى عليها سيبا ونصب المنجنيقات واستضعف في سورها موضعا عند باب العراق واكثر القتال والزحف عليه. وفي ايام قلائل ملكوها ودخلوها يوم الأحد الثالث والعشرين [١] من كانون الثاني من هذه السنة وقتل فيها اكثر من الذي قتل ببغداد. وبعد ذلك أخذوا القلعة في اسرع ما يكون وقتا.
ثم ان هولاكو رحل عنها وأحاط بقلعة الحارم [٢] واختار ان يسلموها اليه ويؤمّنهم على أنفسهم فلم يطمئنوا الى قوله وانما طلبوا منه رجلا مسلما يحلف لهم ويكون صاحب شريعة يطمأن اليه حيث يحلف لهم بالطلاق والمصحف ان لا يدنو لأحد منهم سوء وينزلوا ويسلّموا إليهم القلعة. فسألهم هولاكو: من تريدون ان يحلف لكم. قالوا:
فخر الدين الوالي بقلعة حلب فانه رجل صادق مؤمن خيّر. فتقدّم هولاكو اليه فدخل إليهم وحلف لهم على جميع ما يريدون. فحينئذ فتحوا الأبواب ونزل الناس خلائق كثيرة وتسلّم المغول القلعة. ثم ان هولاكو تقدم بقتل فخر الدين الوالي أولا ثم بقتل جميع من كان في القلعة من الصغار والكبار الرجال منهم والنساء حتى الطفل الصغير في المهد. ورحل هولاكو من هناك عائدا الى البلاد الشرقية. ورتّب في الشام أميرا