ومنهم بدر الدين المعروف بابن قاضي بعلبك كان فاضلا خبيرا بالمباشرة والمعالجة جميل التحيّل للبرء وصنّف كتابا لطيف الحجم سمّاه مفرّح النفس جمع فيه جملة ما يتعلّق بالحواسّ الخمسة من المفرحات وأضاف اليه [١] الادوية المفردة القلبية ومركبات ايضا حارّة وباردة ومعتدلة للملوك والفقراء واوساط الناس وأخذ فيه على الرئيس في جعله الكسفرة عديدة المفرحات.
ومنهم نفيس الدولة الدمشقي النصراني الملكي المعروف بابن طليب وسيأتي ذكره في جملة أطباء هولاكو إذ هو أكبرهم.
ومنهم الموفق يعقوب الدمشقيّ السامريّ كان طبيبا حاذقا مصيبا في علاجه مستحضرا للشروح وكان ضنينا بما يحسنه يشارط من قصده من سائر البلاد للاستفادة على إسماعه اي كتاب أراد قراءته دراهم معلومة. وهذه خساسة مباينة للأنفس الفاضلة.
ومن فضلاء هذا الزمان في علوم الأوائل وجميع الفضائل نجم الدين الدمشقي المعروف بابن اللبودي تولّى امور الديوان وقلّد الوزارة والغالب عليه الهندسة والعدد.
ومنهم عزّ الدين الضرير كان من الأفاضل والأعيان المعدودين من حسنات الزمان.
وله مشاركة حسنة في سائر الأنواع الفلسفية والآداب العربية. وكان قويّ الذكر والتخيّل بحيث انه كان يقرأ عليه وهو مكفوف ستّ مقالات من كتاب اوقليذس وكان يحفظ الأشكال بحروفها ويتكلم في حلّها.
стр. 282
الدولة العاشرة المنتقلة من ملوك العرب المسلمين الى ملوك المغول
(هولاكو بن تولي خان [١]
ولما ملك هولاكو بغداد ورتّب بها الشحاني والولاة انفذ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل اليه ابنه الملك الصالح اسماعيل ومعه جماعة من عسكره نجدة له. فأظهر له هولاكو عبسة وقال: أنتم بعد في شكّ من أمرنا ومطلتم نفوسكم يوما بعد يوم وقدّمتم رجلا واخّرتم اخرى لتنظروا من الظافر بصاحبه فلو انتصر الخليفة وخذلنا لكان مجيئكم اليه لا إلينا. قل لأبيك: لقد عجبنا منك تعجبا كيف ذهب عليك الصواب وعدل بك ذهنك عن سواء السبيل واتخذت اليقين ظنا وقد لاح لك الصبح فلم تستصبح. فلما عاد الصالح الى الموصل وبلّغ أباه ما حمل من الرسالة الزاجرة أيقن بدر الدين ان المنايا قد كثّرت له عن أنيابها وذلّت نفسه وهلع هلعا شديدا وكاد يخسف بدره ويكسف نوره. فانتبه من غفلته واخرج جميع ما في خزائنه من الأموال واللآلي والجواهر والمحرمات من الثياب وصادر ذوي الثروة من رعاياه وأخذ حتى حليّ حظاياه والدرر من حلق أولاده وسار الى طاعة هولاكو بجبال همذان. فأحسن هولاكو قبوله واحترمه لكبر سنّه ورقّ له وجبر قلبه بالمواعيد
стр. 283
الجميلة واستأمن اليه وداعبه وقدّمه الى ان أصعده اليه على التخت واذن له ان يضع بيده في أذنيه حلقتين كانتا معه فيهما درّتان يتيمتان [١] . واقام في خدمته أياما ثم عاد الى الموصل مسرورا مبرورا بل مذعورا مما شاهد من عظمة هولاكو وهيبته ودهائه.
وفيها توجه الأشرف بن الملك الغازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين الى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه نجدة ليمنع المغول من الدخول الى الشام. فاستخف برأيه ولم يسمع مشورته بل سوّفه بكلام وسرّحه من عنده بالأمان. ولما وصل الى ميافارقين مدينته طرد شحاني المغول منها وصلب رجلا قسيسا كان قد وصل اليه من خدمة قاان باليراليغ والبوايز [٢] . وبينما هو كذلك أدركته عساكر المغول وأحاطت بمدينته وفي رأس العسكر يشموت [٣] بن هولاكو. وفي يوم وليلة بنى المغول حول مدينته سورا وحفروا خندقا عميقا ثم نصبوا عليها المنجنيقات وابتدأوا بالقتال وقاتلوا قتالا شديدا من الجانبين. ولما رأى المغول ان المدينة لم يمكنهم أخذها بالقتال أبطلوا القتال وحاصروها ومنعوا الناس من الدخول إليها والخروج عنها.
وفي سنة سبع وخمسين وستمائة أرسل هولاكو ايلجية الى الملك الناصر صاحب حلب برسالة يقول فيها: يعلم الملك الناصر اننا نزلنا بغداد في سنة ستّ [٤] وخمسين وستمائة وفتحناها بسيف الله تعالى وأحضرنا مالكها وسألناه مسئلتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منّا العذاب كما قال في قرآنكم إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. ١٣: ١١ وصان المال. فآل الدهر به الى ما آل. واستبدل النفوس النفيسة.
ينقوش معدنية خسيسة. وكان ذلك ظاهر قوله تعالى: وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً. ١٨: ٤٩ لاننا قد بلغنا بقوة الله الارادة. ونحن بمعونة الله تعالى في الزيادة. ولا شك ان نحن جند الله في ارضه خلقنا وسلّطنا على من حلّ عليه غضبه. فليكن لكم في ما مضى معتبر.
وبما ذكرناه وقلناه مزدجر. فالحصون بين أيدينا لا تمنع. والعساكر للقائنا لا تضرّ ولا تنفع. ودعاؤكم علينا لا يستجاب ولا يسمع. فاتّعظوا بغيركم. وسلّموا إلينا أموركم.
قبل ان ينكشف الغطا. ويحلّ عليكم الخطا. فنحن لا نرحم من شكا. ولا نرقّ لمن
стр. 284
بكا قد اخربنا البلاد. وأفنينا العباد. وايتمنا الأولاد. وتركنا [١] في الأرض الفساد.
فعليكم بالهرب. وعلينا بالطلب. فما لكم من سيوفنا خلاص. ولا من سهامنا مناص.
فخيولنا سوابق. وسهامنا خوارق. وسيوفنا صواعق [٢] . وعقولنا كالجبال. وعددنا كالرمال. فمن طلب منّا الامان سلم.. ومن طلب الحرب ندم. فان أنتم أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا. وان أنتم خالفتم أمرنا وفي غيكم تماديتم فلا تلومونا ولوموا أنفسكم. فالله عليكم يا ظالمين فهيئوا للبلايا جلبابا. وللرزايا اترابا.
فقد اعذر من انذر. وأنصف من حذّر. لأنكم أكلتم الحرام وخنتم بالايمان. وأظهرتم البدع واستحسنتم الفسق بالصبيان. فابشروا بالذلّ والهوان. فاليوم تجدون ما كنتم تعلمون. سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. ٢٦: ٢٢٧ فقد ثبت عندكم اننا كفرة. وثبت عندنا انكم فجرة. وسلّطنا عليكم من بيده الأمور مقدّرة. والأحكام مدبّرة.
فعزيزكم عندنا ذليل. وغنيكم لدينا فقير. ونحن مالكون الأرض شرقا وغربا. واصحاب الأموال نهبا وسلبا. وأخذنا كل سفينة غصبا. فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل ان تضرم الكفرة نارها. وترمي بشرارها. فلا تبقي منكم باقية. وتبقى الأرض منكم خالية.
فقد ايقظناكم. حين راسلناكم. فسارعوا إلينا بردّ الجواب بتّة. قبل ان يأتيكم العذاب بغتة. وأنتم تعلمون. فطلبه ليحضر عنده. ولما شاور الأمراء لم يمكّنوه من المشي الى هولاكو وبقي متحيرا خائفا مذعورا لم يدر ما يصنع. غير انه استجار [٣] الله وسيّر ولده الملك العزيز وصحبته الأموال الكثيرة والهدايا والتحف. وبقي هناك من أوائل الشتاء الى الربيع ثم عاد الى أبيه قائلا: قد قال ملك الأرض: نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده فالآن ان كان قلبه صحيحا معنا يجيء إلينا والّا فنحن نمشي اليه. فلما سمع الملك الناصر ذلك بقي مترددا في رأيه لان الأمراء لم يمكّنوه من المشي اليه وهو فقد وقع عنده الخوف والجزع ولم يطمئن على القعود. ثم سيّر هولاكو في طلب سلطان الروم عزّ الدين وأخيه ركن الدين فأطاعاه ومشيا اليه واحسن قبولهما والتقاهما مرحّبا بهما فرحانا وتقدّم إليهما بان عزّ الدين يتملّك على قيسارية الى تخوم ارمينية الكبرى وركن الدين يتملّك من اقسرا والى ساحل البحر حدود الافرنج. ثم انه بعد ذلك توجه الى الشام وتوجّها في خدمته الى قريب الفرات وعادا الى بلادهما مسرورين مغبوطين.
стр. 285
وفي هذه السنة توفي السلطان الملك الرحيم بدر الدين ابو الفضائل لؤلؤ صاحب الموصل في عشرين يوما مضت من شهر تموز وتولّى ولده الملك الصالح إسماعيل الموصل وولده علاء الدين سنجار وولده سيف الدين الجزيرة.
وفي سنة ثماني وخمسين وستمائة دخل هولاكو ايلخان الشام ومعه من العساكر اربعمائة ألف ونزل بنفسه على حرّان وتسلمها بالأمان وكذلك الرها ولم يدن لأحد فيهما سوء. واما اهل سروج فإنهم أهملوا امر المغول فقتلوا عن أقصاهم. وتقدم هولاكو فنصب جسرا على الفرات قريبا من مدينة ملطية وآخر عند قلعة الروم وآخر عند قرقيسياء وعبرت العساكر جملتها وقتلوا عند منبج مقتلة عظيمة. ثم تفرّقت العساكر على القلاع والمدن. ونفر قليل من العسكر طلب حلب فخرج إليهم الملك المعظم ابن صلاح الدين الكبير فالتقاهم وانكسر قدّام المغول ودخل المدينة منهزما. وطرف منهم وصل الى المعرّة وخربوها. وتسلّموا حماة بالأمان وحمص ايضا. فلما بلغ ذلك الملك الناصر أخذ أولاده ونساءه وجميع ما يعزّ عليه وتوجه منهزما الى بريّة الكرك والشوبك.
وعند ما وصلت المغول الى دمشق خرج أعيانها إليهم وسلموها لهم بالأمان ولم يلحق بأحد منهم أذى. واما هولاكو فانه بنفسه نزل على حلب وبنى عليها سيبا ونصب المنجنيقات واستضعف في سورها موضعا عند باب العراق واكثر القتال والزحف عليه. وفي ايام قلائل ملكوها ودخلوها يوم الأحد الثالث والعشرين [١] من كانون الثاني من هذه السنة وقتل فيها اكثر من الذي قتل ببغداد. وبعد ذلك أخذوا القلعة في اسرع ما يكون وقتا.
ثم ان هولاكو رحل عنها وأحاط بقلعة الحارم [٢] واختار ان يسلموها اليه ويؤمّنهم على أنفسهم فلم يطمئنوا الى قوله وانما طلبوا منه رجلا مسلما يحلف لهم ويكون صاحب شريعة يطمأن اليه حيث يحلف لهم بالطلاق والمصحف ان لا يدنو لأحد منهم سوء وينزلوا ويسلّموا إليهم القلعة. فسألهم هولاكو: من تريدون ان يحلف لكم. قالوا:
فخر الدين الوالي بقلعة حلب فانه رجل صادق مؤمن خيّر. فتقدّم هولاكو اليه فدخل إليهم وحلف لهم على جميع ما يريدون. فحينئذ فتحوا الأبواب ونزل الناس خلائق كثيرة وتسلّم المغول القلعة. ثم ان هولاكو تقدم بقتل فخر الدين الوالي أولا ثم بقتل جميع من كان في القلعة من الصغار والكبار الرجال منهم والنساء حتى الطفل الصغير في المهد. ورحل هولاكو من هناك عائدا الى البلاد الشرقية. ورتّب في الشام أميرا
стр. 286
كبيرا يسمّى كتبوغا ومعه عشرة آلاف فارس من العسكر. ولما وصل الى تلّ باشر وصلت العساكر التي حاصرت ميّافارقين ومعهم الأشرف صاحبها وأنهوا انهم أخذوها وقتلوا كل من فيها ولم يتخلّف فيها الّا انفار قليلة لأنهم هلكوا جوعا وماتوا. ولولا ذلك لم يتمكن المغول من أخذها. وقتل الأشرف صاحبها وبعد ذلك ندم هولاكو على قتله.
ثم انه ولّى عليها رجلا أميرا من أمراء الأشرف يسمّى عبد الله. ولما وصل هولاكو قريب ماردين سيّر يطلب صاحب ماردين اليه. فأبى ولم ينزل اليه [١] . بل سيّر ولده مظفّر الدين لأنه كان في خدمة هولاكو هو والملك الصالح ابن السلطان بدر الدين لما كان بالشام. قال له هولاكو: تصعد الى أبيك وتقول له ينزل إلينا ولا يعصي وان عصى لم يصب خيرا. ولما صعد الى أبيه وخاطبه لم يقنع بانه لم يسمع مشورته بل قيّده وحبسه عنده. فعند ذلك أحاطت المغول بماردين وابتدأوا بالقتال ولولا ان وقع فيها الوباء والموت ومات السلطان واكثر أهلها لما أخذوها لا في سنتين ولا في ثلثة. ولما مات السلطان.
نزل ابنه الملك المظفر وسلّم إليهم القلعة والخزائن والأموال. وتحقق عند ملك الأرض هولاكو ما جرى عليه من أبيه فلأجل ذلك أكرمه واحسن اليه وملّكه موضع أبيه.
وكتبوغا كبير عسكر المغول الذي نزل بالشام لم يزل يستفحص عن اخبار الملك الناصر المنهزم في البراري حتى عرف موضعه وسيّر عليه بعض العسكر فلزموه وسيّروه الى هولاكو. ولما مثل بين يديه فرح به ووعده بكل خير وجميل وانه يعيده الى ملكه وهو يومئذ نازل بجبال الطاق. فبينما هم في ذلك وصل خبر ان قوتوز التركماني الذي تولّى مصر لما بلغه ان هولاكو رجع الى المشرق وكتبوغا بعشرة آلاف فارس في الشام استضعفه وجمع عسكرا كثيرا وخرج التقى به وكسره وقتله واستأسر أولاده وكان ذلك في السابع والعشرين من رمضان من سنة ثماني وخمسين وستمائة. فغضب هولاكو لذلك وتقدّم بقتل الملك الناصر وقتل أخيه الملك الظاهر وجميع من معهم. ولم يخلص منهم غير محيي الدين المغربيّ بسبب انه كان يقول انني رجل اعرف بعلم السماء والكواكب والتنجيم ولي كلام أقوله لملك الأرض. قال محيي الدين المذكور لما اجتمعنا به في مدينة مراغة: انني لما قلت لهم هذا الكلام أخذوني وأحضروني بين يدي هولاكو فتقدّم ان يسلّموني الى خواجا نصير الدين. وحكى لنا صورة ما جرى للملك الناصر قال:
كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين شوّال وهو يسألني عن مولده إذ وصل امير
стр. 287
من المغول ومعه نحو خمسين فارسا. فخرج الملك الناصر من الخيمة والتقاه وعرض عليه النزول. فامتنع قائلا: ان هولاكو سيّرني ويقول: هذا اليوم لنا فرحة وقد عملنا دعوة وحضر الأمراء كلّهم فتحضر أنت وأخوك وأولادك للامر الذي لك عندنا. فجمع الملك الناصر جماعته مقاربة عشرين نفرا وركبوا وساروا صحبة ذلك الأمير. وبعد ساعة وصل ايضا عشرون فارسا آخر وقالوا: يحضر الجماعة كلهم ولا يبقى في الخيم غير الفراشين والمماليك الصغار والطباخين والغلمان. وباقي الجماعة الخيّالة والكتّاب يحضرون في الدعوة. (قال) فاخذونا الى مواضع اودية عميقة بين حجارة عالية ونزلنا عن الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منّا وكتفونا. فلما عاينت ذلك بقيت أقول بصوت عال:
انني رجل منجّم واعرف بحركات الكواكب ومعي كلام أقوله في خدمة السلطان ملك الأرض. فأخذوني وأقعدوني وراءهم مع جملة اتباعهم وشرعوا بقتل الجماعة ولم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر فاستأسروهما. ثم ركبوا وعادوا الى البيوت التي للملك الناصر ونهبوها وقتلوا باقي الجماعة التي تخلّفت هناك. ثم عرضوا الأمر على هولاكو وانا صرت في خدمة خواجا نصير الدين في الرصد بمراغة وابنا الملك الناصر في خدمته.
(جلوس قوبلاي قاان على كرسي المملكة) :
فمن [١] هذا التاريخ بعض ملوك الخطا تمرّد وعصى على المغول لكونه قويّ البأس متمكنا في امره كثير العساكر يحكم على اربعمائة مدينة. وأوجب ذلك ان مونككا قاان بنفسه تهيّر لملتقى هذا المتمرّد فترك أخاه الصغير وهو اريغبوكا مكانه واستصحب أخاه قوبلاي ودخل الى بلاد الصين. وأول الملتقى اتفق ان اصابه نشابة ومات. فأخذ اخوه قوبلاي العساكر وخرج من بلاد الخطا.
ثم وصل الى خان باليق وأقام هناك. واتفق عظماؤه والأكثرون من المغول ان يكون هو موضع أخيه قاان. واما الأخ الصغير وهو اريغبوكا فقال: ان عند توجّه قاان الى الخطا سلّم اليه الملك فهو الأولى ان يكون موضع أخيه بمقتضى الياسا الذي لهم. وحصلت المنازعة والمقاومة بين الأخوين لأجل ذلك مدّة سبع عشرة سنة الى ان عجز الأخ الصغير وبطل عزمه وقوي امر قوبلاي قاان وظهر منه العدل الحسن والدراية والتدبير والكفاية.
وانه كان يحبّ الحكماء والعلماء والمتديّنين من سائر المذاهب والأمم. وقيل عنه انه كان قليل المباشرة للنساء بل باعتدال ومتوسط التدبير بالشهوات والشراب واللذّات واللهو ولم يتناول من اللحوم الّا ألطفها بخلاف باقي الطوائف من المغول.
واما قوتوز التركماني صاحب مصر بعد ما كسر كتبوغا وتمكّن من الشام أقام
стр. 288
الشحاني والنّواب في حلب ودمشق وسائر بلاد الشام وعاد الى ديار مصر بحيث ان هناك يجمع العساكر ويشتدّ ويقوى على ملتقى المغول. ولما وصل قريبا من غزّة نهض عليه بيبرز [١] المعروف بالبندقدار الصغير وهو مملوك البندقدار الكبير وقتله وأخذ جماعة ودخل الى مصر وتسلمها وتمكّن وقوي ولقّبوه ركن الدين الملك الظاهر واشتدّ بأسه وتسلّط على جميع المدن والقلاع التي على ساحل البحر للافرنج. وفي سنة تسع وخمسين وستمائة عاد دخل المغول الى الشام وفي رأس العسكر امير يسمّى كوكالكي ودخلوا الى قريب حمص ونهبوا وسبوا وقتلوا خلقا كثيرا وعادوا الى حلب وكان قد انهزم جميع اهل القرايا الى حلب فتقدّم كوكالكي ان يخرج اهل القرايا والمدن الى ظاهر البلد وينعزل اهل كل مدينة وقرية بمعزل بحيث يعدّونهم ويسيّرون كل قوم الى مكانهم ووطنهم.
وتسلّمهم المغول كأنهم يسيّرونهم الى ضياعهم وعند ما يبعدون يقولون: أنتم لو كانت قلوبكم معنا صافية لما انهزمتم من قدّامنا. فقتلوهم عن أقصاهم ولم يفلت منهم غير اهل حلب بحيث انهم لم ينتقلوا عن حلب. وعاد المغول خرجوا من الشام ثم عاد المصريّون تملكوا الشام.
وفيها هرب علاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ صاحب سنجار الى مصر. ولما اقام هناك مدّة يسيرة كتب الى أخيه الملك الصالح إسماعيل صاحب الموصل يعرّفه قوّة البندقدار وعظمته وأشار عليه بترك الموصل وقصده خدمة البندقدار بحيث انه إذا استولى البندقدار على قهر المغول وأخذ البلاد منهم يكون له اليد البيضاء عنده ويملكه مع الموصل بلادا اخرى من المشرق. ولما وصل الكتاب الى الملك الصالح ووقف عليه وضعه تحت طراحته وكان عنده في ذلك الوقت من الأمراء شمس الدين محمد بن يونس الباعشيقي من جملة أمراء أبيه النوّاب ببلد نينوى. فغافله وأخذ الكتاب من تحت الطرّاحة وخرج من عنده ولم يلبث حتى وصل الى قريته باعشيقا. بعد ذلك مدّ يده ليأخذ الكتاب فلم يجده فوقع عنده ان شمس الدين بن يونس قد أخذ الكتاب وصار عنده القلق العظيم لأجل ذلك وسيّر القصّاد في الحال في طلبه وقد عزم على قتله. وعند ما وصل المماليك اليه اشغلهم بالأكل والشرب وقال لهم: ان هذه الليلة كلوا واشربوا وعند الصباح نركب الى خدمة السلطان. وأوصى غلمانه فأكثروا عليهم الشراب واسكروهم وناموا. فأخذ شمس الدين بن يونس أولاده وما يعزّ عليه وركب من أول الليل وتوجه يقصد اربل وكان له مشورة مع الرؤساء النصارى بناحية برطلي فعبر عليهم وعرّفهم
стр. 289
ان الملك الصالح قد عزم على قتل جميع أكابر النصارى ببلد نينوى وانه بعد ذلك يتوجه الى الشام. وكان قد حصل لهم الشعور بذلك من قبل فصدقوه وتهيّروا هم وما يعزّ عليهم من أولادهم. وشاع الخبر في جميع النصارى ببلد نينوى فكل من امكنه العبور الى اربل سارع بالعبور فعبر اكثر اهل البلد من النصارى وكان ذلك ليلة يوم الخميس.
اما المماليك الذين كانوا قد وصلوا الى شمس الدين بن يونس فلما أصبحوا وصحوا من سكرهم فلم يجدوه فظنّوا انه قد سبقهم بالدخول الى الموصل الى الملك الصالح. ولما دخلوا وعرّفوا الملك الصالح بما جرى وقع في الجزع والخوف وقال: لا نأمن ان ابن يونس يمشي يعرّف بالقضية المغول ويجيب علينا العساكر ويجيء. فتهيّر هو وجماعة من الأمراء والأولاد وأخذوا ما يقدرون عليه مما يمكنهم حمله وخرج من المدينة يوم الجمعة ثاني يوم عبور ابن يونس والنصارى الى اربل صلّى الجمعة وخرج متوجها الى الشام وبطلت عزيمته انه يخرج هو والعسكر الى بلد نينوى ويلزم أكابر النصارى ويأخذ أموالهم ويقتلهم ثم يمشي الى الشام. ثم انه لما خرج من الموصل وقع الخلف بين أمرائه فمنهم من تبعه ومنهم من عاد الى الموصل. والذين عادوا الى الموصل كان كبيرهم الأمير علم الدين سنجر. فلما وصلوا الى الموصل وكانت زوجة الملك الصالح تركان الخوارزميّة في المدينة لم تتوجه معه ولا تبعته وكان في الموصل سحنة اسمه ياسان فاتفقوا هم واتباعهم وغلّقوا أبواب الموصل في وجوههم ولم يمكنوهم من الدخول. فنزلوا خارج المدينة وشرعوا يقاتلون أياما يسيرة. فعند ذلك كان في المدينة رجل اسمه محي الدين بن زبلاق من كتّاب الإنشاء الذين كانوا للسلطان بدر الدين فاتفق هو وجماعة من اهل المدينة وخامروا على تركان خاتون وعلى الشحاني وفتحوا الأبواب. ولما دخل علم الدين وجماعته هرب الشحنة ياسان وتركان واتباعهم وتحصنوا في قلعة الموصل. وثار اهل الموصل على النصارى من الأعوام ونهبوهم وقتلوا كل من وقع بأيديهم وسلم من دخل في دين الإسلام.
واما أكراد الجبال فكان قد قرّر معهم الملك الصالح ان يتهيّروا ويجمعوا جموعهم وينزلوا الى نينوى. ويوم السبت ثاني الجمعة التي خرج الملك الصالح من المدينة نزلوا الى بلد نينوى ونهبوا النصارى المتخلّفين وسبوا وقتلوا. وبينما هم كذلك وذلك في ايام يسيرة من أيار تلك السنة وقع الخبر ان عسكر المغول قد اقبل من صوب الجزيرة فخرج الأمير علم الدين سنجر وجماعته من الموصل واجتمع اليه أمراء الأكراد. فلما صادف العسكر قاتلوهم وقاتلوه. وكان في رأس العسكر تورين [١] شحنة الموصل فأحاطوا بعلم الدين سنجر
стр. 290
وجميع من معه وقتلوهم عن أقصاهم ولم يفلت منهم الّا الطويل العمر. وبعد ذلك بقي امر بلد الموصل والموصل مدّة مديدة في حيرة. وعند أواخر الصيف تواترت الاخبار بوصول عساكر المغول. وقريب من كانون الاول وصل العسكر وأحاط بالموصل وفي رأس العسكر امير كبير اسمه سمدغو [١] محبّ للنصارى. وبينما هم قد نزلوا على الموصل وصل الخبر برجوع الملك الصالح من الشام. ولما سمع المغول ذلك تأخروا عن المدينة الى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها وبنوا السيبا حولها في ليلة واحدة وابتدأوا بالقتال من داخل ومن خارج وكان ذلك من كانون الاول الى الربيع وقلّ القوت على اهل المدينة. وسيّر الأمير سمدغو يخدع الملك الصالح ويعده بالمواعيد الحسنة وبطل القتال وقعدوا قعدوا. وكان في وسط هذه المدّة المذكورة وصل عسكر من الشام ومقدّمهم امير اسمه برلوا نجدة للملك الصالح الذي وعد به. فسارع المغول والتقوه عند سنجار وأحاطوا بهم وقتلوهم جميعهم وكسبوا ما معهم من الخليل والسلاح وغير ذلك. بعد ذاك لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح ويطايبه انخدع وفتح أبواب المدينة وخرج إليهم بالمطربين والاغاني والماخرة بين يديه. وحينما مثل بين يدي سمدغو احتاط المغول به ودخل العسكر الموصل وسبوا ونهبوا وقتلوا مدّة ثمانية ايام وقتل فيها عالم لا يحصي عددهم الّا الله تعالى. وبعد ذلك قرّر الأمير سمدغو في الموصل حاكما الأمير شمس الدين بن يونس ورحل عنها. وكان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك [٢] صبي حدث اسقوه خمرا كثيرا ثم شدّوه وقطعوه وترين في المدينة عند القلعة وصحبوا الملك الصالح الى هولاكو وقتل هناك.
وفي سنة احدى وستين وستمائة شخص اسمه زكي الاربلي مناد في سوق البهائم قد كان من اجناد الموصل سعى في الأمير شمس الدين بن يونس وقال انه قد جمع الأموال والجواهر من خزائن بيت بدر الدين. وذكر عنه انه سقاه سما ليموت وانه استعان بحكيم نصراني اسمه الموفق النصيبي حتى داواه. ولما سألوا لابن يونس ذلك أنكره فضربوه اشدّ ضرب ليقرّ. وبينما هم في ذلك وقع من ثيابه ورقة فيها آية من القرآن.
فالساعي فيه وهو الزكي الاربلي قال انها سحر لأجل المغول. فرسم بقتله. وتولّى الموصل الزكي الاربلي موضعه. وفي سنة اربع وستين وستمائة توفي هولاكو وكان حكيما حليما
стр. 291
ذا فهم ومعرفة يحبّ الحكماء والعلماء. وبعده بقليل اندرجت طقز خاتون زوجته وكانت ايضا عظيمة في رأيها وخبرتها.
(اباقا ايلخان)
بعد ذلك اجتمعت الأولاد والأمراء والخواتين واتفقوا على ان اباقا ابن هولاكو يقعد على كرسي المملكة لان عنده العقل والكفاية والعلم والداراية. ولما جلس وتمكن كان سعيدا منصورا في جميع حركاته وسكناته محبوبا من جميع الخلق.
وكان قد سيّر هولاكو طلب ابنة ملك القسطنطينية خطبها لنفسه. فلما أخذها الرسل وخرجوا بها ووصلوا الى القيساريّة بلغهم الخبر بموت هولاكو ولم تتمكن من الرجوع الى بلادها فوصلت اليه ودخل عليها. وفيها وصل اليراليغ من اباقا الى بغداد ان علاء الدين صاحب الديوان يكون حاكما مطلقا لا يكون فوق يده يد. وكان شحنة بغداد قرابوغا ونائبه اسحق الارمنيّ يرومان اذيّته فانكفئا عنه وصارا يتحيّلان له بأذى فحصّلا شخصا أعرابيا وعلّماه ان يقول عنه انه سيّر جاء به من البادية بحيث يكون له دليلا عند ما يريد ان يأخذ ماله وأولاده وما يتعلّق به ويمشي الى الشام. وأوثقا مع البدويّ هذا الكلام. حينئذ سيّرا احتاطا بدار صاحب الديوان والبدويّ يحملانه الى الاردو.
وعند ما ضرب البدويّ وقرّر اقرّ ان اسحق الارمني علّمه ذلك فقتل البدويّ واسحق.
وفيها سيّر البندقدار صاحب مصر الى حاتم ملك الأرمن بحيث يدخل في طاعته ويحمل الجزية ويمكّن الناس من مشترى الخيل والبغال والحنطة والشعير والحديد من بلده وهم ايضا يخرجون الى الشام ويتاجرون ويبيعون ويشترون. وملك الأرمن خوفا من المغول لم يجب الى ذلك. فلم يتأخر البندقدار عن إنفاذ العسكر والركب الى بلد الأرمن.
وحاتم الذي هو ملك الأرمن لما تحقق ذلك خرج الى بلد الروم يطلب النجدة من امير المغول هناك يسمّى نفجي. فقال له: نحن بلا امير السلطان اباقا لا يمكن ان نفعل ذلك. وهجم المصريون على بلد الأرمن. ولما لم يكن ملكهم حاضرا اجتمعت اخوته وأولاده وامراؤه وجمعوا اتباعهم [١] وخرجوا ليمنعوا المصريّين من الدخول الى البلد.
ولما التقوهم عند موضع يقال له حجر سروند انكسرت الأرمن واستؤسر ولد الملك حاتم وقتل ولده توروس وانهزم الأمراء والعسكر. ونهبوا واخربوا بيعة سيس الكبيرة وكان الخراب العظيم في سيس وإياس وأقاموا هناك مدّة عشرين يوما ينهبون ويحرقون ويسبون.
وبعد خروجهم من البلد وصل الملك حاتم وقد صحب معه عسكرا من المغول والروم فما وجدوا أحدا بل البلد خرابا واشتغلوا بالأكل والشرب ومدّوا أيديهم وجمعوا جميع ما كان
стр. 292
قد تخلّف من المصريّين تمموه هم والملك مشتغل بالهمّ والغمّ على ما جرى على ولديه وأصحابه وبلده. وكانت المضرّة منهم اشدّ وأصعب. واما حاتم ملك الأرمن فانه شرع يخاطب البندقدار في خلاص ولده ويعده بالأموال والمدن والقلاع الى غير ذلك.
فجاويه: ان نحن ما لنا رغبة في الأموال والمدن وغيرها. وانما لنا شخص صديق أسير عند المغول يسمّى سنقر الأشقر تخلّصه وتسيّره وتأخذ ولدك. ففعل ذلك وخلّص ولده. وذلك انه في سنة ثماني وستين وستمائة قصد الملك حاتم خدمة ملك الأرض اباقا وبكى لديه وطلب منه سنقر الأشقر ليخلّص به ولده. فرحمه ورقّ لبكائه وقاله له:
تمشي الى بلدك تستريح ونحن نطلب هذا سنقر من ايّ مكان هو فيه ونسيّره إليك.
فعاد حاتم من خدمة اباقا. وكان امير من أمرائه سبقه الى بلده في مهمّ له فاجتاز به بروانة فاستشار به انه يريد يخطب لنفسه ابنة الملك حاتم. فأجابه بان الملك حاتم واصل عقيبنا إليكم فأنتم التقوه وأحسنوا اليه وهو يجيبكم الى ذلك. ولما وصل الملك حاتم الى بروانة وقد جمع بروانة اكابره والتقاه احسن ملتقى وأكرمه وقدّمه له تقدمات نفيسة الى ان خجل الملك حاتم بحيث لم يعلم ما الذي أوجب هذا الإسراف في خدمته. فلما اظهر بروانة ما في قلبه اجابه بالسمع والطاعة واظهر له الفرح والبشاشة والغبطة وقرّر معه انه لا يمكن التعريس قبل خلاص اخي البنت فإذا خلّص نفعل ذلك ان شاء الله تعالى.
وفي سنة تسع وستين وستمائة وصل سنقر الأشقر من بلاد سمرقند الى الملك حاتم وهو سيّره الى البندقدار مكرّما وأوهبه وأعطاه. ثم ان البندقدار سيّر له ولده ايضا بحرمة عظيمة وخيّالة كثيرة. وفي هذه السنة حاصر البندقدار مدينة انطاكية وأخذها وقتل فيها وسبى واحرق كنائسها المشهورة في العالم. وفيها توجه الملك حاتم الى اباقا وشكر ودعا له على خلاص ولده من الأسر واستقال من السلطنة وطلب ان يكون ولده موضعه وانه شيخ عاجز. فقال له: انه إذا حضر عندنا نحن نملّكه. فتوجّه الى بلده وسيّر ولده الى عبودية اباقا.
وفي سنة سبعين وستمائة في شهر نيسان تزلزلت الأرض في بلاد الأرمن وخربت قلاع كثيرة ومات فيها مائة ألف نفر من الناس غير الدوابّ. وفي سنة خمس وسبعين وستمائة نزل اباقا الى بغداد ليشتّي بها وصار غلاء عظيم ومجاعة وعزّت الأسعار.
وفي هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة. واجتمع اليه في الرصد جماعة
стр. 293
من الفضلاء المهندسين. وكان تحت حكمه جميع الأوقاف في جميع البلاد التي تحت حكم المغول. وله تصانيف كثيرة منطقيّات وطبيعيّات والاهيّات واوقليدس ومجسطى.
وله كتاب أخلاق فارسيّ في غاية ما يكون من الحسن جمع فيه جميع نصوص أفلاطون وأرسطو في الحكمة العمليّة. وكان يقوّي آراء المتقدّمين ويحلّ شكوك المتأخرين والمؤاخذات التي قد أوردوا في مصنفاتهم. وكان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزوينيّ [١] منطقيّ عظيم صاحب كتاب العين. ومؤيّد الدين العرضيّ وفخر الدين المراغيّ وقطب الدين الشيرازيّ ومحيي الدين المغربيّ. ومن الأطباء المشهورين فخر الدين الاخلاطيّ وتقيّ الدين الحشائشيّ. واشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة وان لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين وبسفاهته استظهر على باقي الأطباء في هذا الزمان. ومنهم نفيس الدين بن طليب [٢]- الدمشقيّ وولده صفيّ الدين النصرانيّ الملكيّ.
وفي هذا التاريخ وهو سنة خمس وسبعين وستمائة وهي سنة سبع وثمانين وخمسمائة وألف للإسكندر عزم بندقدار ان يدخل بنفسه الى بلد الروم لان كان عنده أقوام قد هربوا من بلد الروم الذين هربوا الى الشام قد قوّوا عزمه على ذلك. ولما احسّ الملك لاون ابن ملك الأرمن سيّر الى أمراء المغول الذين في بلد الروم وعرّفهم ذلك وحذّرهم.
واما بروانة فانه بوجهين كان يكذّب ملك الأرمن في هذا قوله الاول انه كان يختار ورود البندقدار إذ له معه وعد. والثاني لأنه كان يبغض ملك الأرمن وكان يختار ان يزيّف قوله. ولما ان الأمراء المغول أهملوا الأمر إذ هاجمهم المصريون وهم سكارى فلم يلحق أحدهم ان يركب فرسه. وان الياسا الذي لهم انهم لا يهربون قبل ان يلتقوا العدوّ.
ولما التقوا وقعت الكسرة فيهم وقتل جميع أكابر المغول أحدهم طوغو والآخر توذان بهادر.
وكان مع المغول ثلثة ألف كرج فوقفوا وبذلوا المجهود فقتل منهم الفان وتخلف ألف واحد. وقتل ايضا من عسكر المصريّين خلق كثير. ولما حقّق بروانة كسرة المغول هرب وتحصّن في بعض القلاع. واما البندقدار فانه نزل عند القيسارية في موضع سمّي كيقوباد وبقي هناك خمسة عشر يوما ودخل الى القيسارية مرّة واحدة ولم يدن منه لأحد من الرعايا شرّ ولا كلّفهم شيئا أصلا وانما جميع ما يحتاجون اليه كانوا يشترونه مشترى.
وكان يقول: اني ما جئت الى ههنا لأخرب البلد لكن لافكّ صاحبه من الأسر. واما اباقا ايلخان فحين وصلت اليه الاخبار بذلك غضب غضبا شديدا وجمع العساكر
стр. 294
وقصد بنفسه الروم. ولما عرف البندقدار انه لا يمكنه مقاومته رحل عن بلد الروم وتوجه الى الشام. ولما وصل اباقا الى بلد الروم لم يجد أحدا من المصريّين وفي الحال نزل البروانة اليه ولم يره اباقا شيئا من الغضب وانما احسن اليه وأكرمه واخذه صحبته الى الطاق لما عاد حيث يستشيره كم يقدّر ان يكون في الروم عسكر يقاوم المصريّين.
وعمل دعوة عظيمة وسقاه من لبن الخيل شيئا كثيرا لأنه ما كان يشرب خمرا. وفيما هو قد خرج البروانة ليريق ماءه أشار اباقا الى أناس من حوله ليقتلوه فقتلوه وقطعوه قطعا قطعا وكان ذلك في ثاني يوم من شهر آب لتلك السنة. واما البندقدار فلما قرب من حمص أدركه اجله ومات يقولون اصابه في الحرب مع المغول نشابة في وركه ولم يمكن إخراج النصل منه وبقي أياما كثيرة ولما اذن للجرائحي ان يخرجه وجاهد في إخراجه مع خروج النصل فارق الدنيا. وآخرون قالوا ان أناسا من جماعته سقوه في لبن الخيل سمّا ولما احسّ عاد سقى لمن أسقاه منه فماتا اثناهما.
وفي سنة تسع وسبعين وستمائة لما قام الالفي ليتملك على الديار المصرية والشام لم يوافق في ذلك سنقر الأشقر. ولما تمكن الالفي وقوي جانبه هرب منه سنقر الأشقر ووصل الى الرحبة واتفق هو وامير بدويّ اسمه عيسى بن مهنا وسيّرا رسولا الى اباقا ايلخان يستدعيانه ليركب الى الشام ويسلّما اليه البلاد الشامية والديار المصرية. ولما وصلت عساكر المغول الى الشام خاف سنقر الأشقر منهم على نفسه ولم يلتق بهم بل هرب وتحصن في قلعة صهيون. فوصل المغول الى حلب واي موضع صادفوه خرّبوه.
وكان وصولهم الى الشام في وقت الشتاء من سنة ثمانين وستمائة وكان مقدّمهم قونغرتاي أخو اباقا الصغير وعاد المغول الى البلاد. وفي سنة احدى وثمانين وستمائة دخل المغول الى الشام في خمسين ألفا وفي رأسهم مونكاتمور الأخ الأصغر لاباقا وأخذوا معهم ملك الأرمن بعساكره. واجتمع عسكر الشام وفي رأسهم الالفي وسنقر الأشقر فإنهما اصطلحا في ذلك الوقت على محاربة المغول. والتقى العسكران بين حماة وحمص في يوم الخميس سلخ تشرين الاول لتلك السنة وقوي جانب المغول على جانب الشاميّين. ولما قاربوا لينتصروا عليهم نصرة ويهزموهم إذ خرج على المغول كمين العرب من بني تغلب من ميسرتهم فتوهّم المغول ان عساكر كثيرة قد أحاطت بهم من قدّامهم ومن خلفهم ولم يلحق الهرب [١] اصحاب الميسرة مع اهل القلب. واصحاب الميمنة وفيهم ملك الأرمن
стр. 295
مع خمسة آلاف كرج لم يشعروا بالكمين وانما كسروا المصريّين الذين في مقابلتهم وساقوا خلفهم الى باب مدينة حمص وقتلوا فيهم خلقا كثيرا ولم يزالوا الى ان وصل إليهم الخبر بهرب أصحابهم. فعند ذلك رجعوا وفي الرجعة صادفوا جماعة من عسكر المصريّين الذين ساقوا خلف أصحابهم الهاربين وعاد بينهم القتال وقتل من الجانبين خلق كثير.
ورجعوا وقد حملوا شيئا كثيرا من الأموال والخيل والسلاح الذي نهبوا. ولما وصل مونكاتمور الى الجزيرة وهو قد خرج يومئذ من الحمّام عملوا سرّا مع بعض الشرابداريّة وسقوه سمّا.
ولما احسّ بتغيّر مزاجه توجّه نحو نصيبين وقضى نحبه. واما اهل الجزيرة فإنهم لما شعروا بذلك أدركهم الخوف العظيم ولزموا للصفيّ القرقوبيّ وكتفوه وداروا به في أسواق الجزيرة ثم قتلوه.
واما اباقا ايلخان فانه توجه نحو بغداد ومنها الى همذان. وفي يوم عيد النصارى الكبير لتلك السنة دخل الى البيعة في تلك المدينة وعيّد مع النصارى. ويوم الاثنين ثاني العيد عمل له شخص فارسي اسمه بهنام دعوة عظيمة في داره. وليلة الثلثاء تغيّر مزاجه وصار يرى خيالات في الهواء. ويوم الأربعاء وهو اوّل يوم من نيسان لتلك السنة وهو العشرون في ذي القعدة انتقل من هذا العالم. ومونكاتمور انتقل يوم الأحد سادس عشر المحرّم في بلد الجزيرة.
(السلطان احمد)
ولما توفي اباقا ايلخان اجتمع الأولاد والأمراء وحصل الاتفاق بينهم ان احمد بن هولاكو من قوتاي خاتون يصلح للتدبير والمملكة وانه مستحقّ لهذا الملك وهو اولى به والطريق له بعد اباقا. ولما جلس على كرسي المملكة يوم الأحد الحادي والعشرين من حزيران لتلك السنة سنة احدى وثمانين وستمائة وعنده الكفاية والدراية والكرم أخرج من الخزائن والأموال شيئا كثيرا وقسم على الأولاد والأمراء والعساكر واظهر الإحسان والشفقة الى جميع المغول والى الأمم الباقية وخصوصا الى أكابر النصارى. وأرسل الرسل الى سلطان مصر بسبب الصلح وكتب اليه رسالة هذه نسختها:
بقوة الله تعالى بإقبال قاان فرمان احمد. اما بعد فان الله تعالى بسابق عنايته وبنور هدايته قد كان أرشدنا في عنفوان الصبا وريعان الحداثة الى الإقرار بربويّته والاعتراف بوحدانيّته. والشهادة لمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام بصدق نبوّته. وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من عباده في بريّته. فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام.
فلم نزل نميل الى إعلاء كلمة الدين. وإصلاح امور الإسلام والمسلمين. الى ان افضى بعد أبينا الجيّد وأخينا الكبير نوبة الملك إلينا فأفاض علينا من جلابيب ألطافه ولطائفه.
ابن العبري- ١٩
стр. 296
ما تحقق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه. وجلا هذه المملكة علينا. واهدى عقيلتها إلينا. فاجتمع عندنا في قوريلتاي المبارك وهو المجمع الذي ينقدح فيه آراء جميع الاخوان والاخوة والأولاد والأمراء الكبار ومقدّمي العساكر وزعماء البلاد واتفقت كلمتهم على ان ينفذ ما سبق به حكم أخينا الكبير في إنفاذ الجمّ الغفير من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتهم وامتلأت القلوب رعبا لعظم صولتهم وشديد بطشهم الى تلك الجهة بهمّة تخضع لها شمّ الأطواد. وعزيمة تلين لها الصمّ الصلاد. ففكرنا فيما مخضت زبدة عزائمهم عنه واجتمعت اهواؤهم وآراؤهم عليه فوجدناه مخالفا لما كان في ضميرنا من إنشاء الخير العامّ. الذي يقوم بقوّته شعار الإسلام. وان لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا الّا ما يوجب حقن الدماء. وتسكين الدهماء. ويجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن والامان. ويستريح المسلمون في سائر الأمصار في مهاد الشفقة والإحسان. تعظيما لأمر الله وشفقة على خلق الله. فألهمنا الله إطفاء تلك النائرة.
وتسكين الفتن الثائرة. وإعلام من أشار بذلك الرأي ما أرشدنا الله اليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم من الأدواء. وتأخير ما يجب ان يكون آخر الدواء. واننا لا نحبّ المسارعة الى هزّ النصال للنضال الّا بعد إيضاح المحجة. ولا نأذن لها الّا بعد تبيين الحقّ وتركيب الحجّة. وقوّى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصلاح. وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه الإصلاح. اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن فهو نعم العون في امور الدين. فأصدرناه رحمة من الله لمن دعاه. ونقمة على من اعرض عنه وعصاه. وأنفذنا اقضى القضاة قطب الدين والاتابك بهاء الدين وهما من ثقات هذه الدولة القاهرة ليعرّفاهم طريقتنا. ويتحقق عندهم ما ينطوي عليه لعموم المسلمين جميل سنّتنا. وبيّنّا لهم اننا من الله على بصيرة وان الإسلام يجبّ ما قبله. وانه تعالى القى في قلبنا ان نتبع الحقّ واهله. ويشاهدون عظيم نعم الله على الكافة بما دعانا اليه من تقديم اسباب الإحسان. ولا يحرمونها بالنظر الى سالف الأحوال. وكُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ. ٥٥: ٢٩ فان تطلّعت نفوسهم الى دليل يستحكم به دواعي الاعتماد. وحجّة يثقون بها من بلوغ المراد. فلينظر الى ما قد ظهر من مآثرنا مما اشتهر خبره وعمّ اثره [١] . فانّا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى بإعلاء أعلام الدين وإظهاره في إيراد كل امر وإصداره تقديما.
واقامة نواميس الشرع المحمديّ على قانون العدل الاحمديّ إجلالا وتعظيما. وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور وعفونا عن كل من اخترع سيّئة واقترف. وقابلناه بالصفح
стр. 297
وقلنا عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ. ٥: ٩٥ وتقدمنا بإصلاح امور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس. وعمارة بقاع البرّ والربط الدوارس. وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة الى مستحقها بشروط واقفها. ومنعنا ان يلتمس شيء مما استحدث عليها وان لا يغيّر احد شيئا مما قرّر [١] أولا فيها. وأمرنا بتعظيم امر الحجّ وتجهيز وفدها وتأسيس سبيلها وتسيير قوافلها. وأطلقنا سبيل التجار والمتردّدين الى البلاد وليسافروا بحسب اختيارهم على احسن قواعدهم. وحرمنا على العساكر والشحاني في الأطراف التعرّض لهم في مصادرهم ومواردهم. وقد كان صادف قراغولنا جاسوسا في زيّ الفقراء كان سبيل مثله ان يهلك فلم نر اهراق دمه صيانة لحرمة ما حرّمه الله تعالى وانفذناه إليهم. ولا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين. فان عساكرنا طال ما رأوهم في زيّ الفقراء والنسّاك واهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم من قتلوا. وفعلوا بهم ما فعلوا. ورفعت الحاجة بحمد الله تعالى الى ذلك بما صدر اذننا به من فتح الطريق وتردّد التجّار وغيرهم. فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها فلا يخفى عنهم انها أخلاق جبلّيّة طبيعية وعن شوائب التكلّف والتصنّع عريّة. وإذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجبة للمخالفة. فإنها ان كانت بطريق الدين. والذبّ عن حوذة المسلمين. فقد ظهر بفضل الله ويمن دولتنا النور المبين. وان كان لما سبق من الأسباب. فمن يجري الآن طريق الصواب. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ. ٣٨: ٤٠ وقد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب وعرّفناكم ما عزمنا عليه من نيّة خالصة لله تعالى وأتينا باستيفائها [٢] . وحرّمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها. ليرضى الله والرسول. وتلوح على صفائحها آثار الإقبال والقبول. وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الامّة. وتنجلي بنور الائتلاف واللمّة ظلمة الاختلاف والغمّة. فيسكن في سابغ ظلّها البوادي والحواضر. وتقوى القلوب التي بلغت من الجهد الى الحناجر. ويعفى عن سائر الهفوات والجرائر. فان وفّق الله تعالى سلطان مصر لما فيه صلاح العالم. وانتظام امور بني آدم. فقد وجب عليه التمسّك بالعروة الوثقى. وسلوك الطريقة المثلى. بفتح أبواب الطاعة والاتحاد [٣] . وبذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك والبلاد. وتسكن الفتن الثائرة. وتغمد السيوف
стр. 298
الباترة. وتحلّ الكافّة ارض الهوينا وروض الهدون. وتخلص ارقاب المسلمين من اغلال [١] الذلّ والهون. وان غلب سوء الظنّ بما تفضّل به واهب الرحمة. ومنع عن معرفة قدر هذه النعمة. شكر الله مساعينا وأبلى عذرنا [٢] وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. ١٧: ١٥ والله الموفّق للرشاد والسداد. وهو المهيمن على جميع البلاد والعباد. وحسبنا الله وحده.
وكتب في أواسط جمادى الاولى سنة احدى [٣] وثمانين وستمائة بمقام الطاق.
ثم ان ملك مصر كتب الى السلطان احمد جواب هذه الرسالة: من سلطان مصر سيف الدين ابي مظفر قلاوون. اما بعد حمد الله الذي أوضح لنا نبأ [٤] الحق منهاجا.
وجاء بنا فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا. والصلاة على سيّدنا ونبيّنا محمد الذي فضله على كل شيء نحي أسّه وكل نبيّ ناجي. وعلى آله وصحبه صلاة تثير ما دحي وتنير من داجي [٥] . والرضى عن الامام الحاكم بأمر الله امير المؤمنين وسليل الخلفاء المهتدين [٦] . وابن عمّ سيّد المرسلين الخليفة الذي تتمسّك ببيعته اهل هذا الدين. انه ورد الكتاب الكريم. الملتقى بالتكريم. والمشتمل على النبإ العظيم.
من دخوله في الدين. وخروجه عمّن خالف من العشيرة والأقربين. ولما فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم. والحديث الذي صحّ [٧] عند اهل الإسلام إسلامه واصحّ الحديث ما روي عن مسلم. وتوجهت الوجوه بالدعاء الى الله في ان يثبته على ذلك بالقول والعمل الثابت. وان ينبت حبّ حبّ هذا الدين في قلبه كما أنبته في احسن المنابت. وحصل التأمل للفضل المبتدإ بذكره من حديث إخلاصه النيّة في اوّل العمر وعنفوان الصبا والإقرار بالوحدانية. ودخوله في الملّة المحمديّة بالقول والعمل والنية. والحمد لله على ان شرح صدره للإسلام. وألهمه شريف هذا الإلهام.
فحمدنا الله على ان يجعلنا [٨] من السابقين الأولين الى هذا والمقال المقام. ويثبت أقدامنا في كل موقف اجتهاد [٩] وجهاد تتزلزل دونه الاقدام. واما إفضاء النوبة في الملك
стр. 299
وميراثه بعد والده وأخيه الكبير اليه. وافاضة هذه المواهب العظيمة عليه. وتوقّله الاسرّة التي طهّرها [١] إيمانه وأظهرها سلطانه فقد أورثه الله من اصطفاه من عباده [٢] .
وصدق المبشرات له من كرامة أوليائه وعبّاده. واما حكاية اجتماع الاخوان والأولاد والأمراء الكبار في قوريلتاي الذي ينقدح فيه زند الآراء وان كلمتهم اتفقت على ما سبق به حكم أخيه الكبير في إنفاذ العساكر الى هذا الجانب وانه فكر فيما اجتمعت عليه آراؤهم وانتهت اليه اهواؤهم فوجده مخالفا لما في ضميره إذا قصده الصلاح ودأبه [٣] الإصلاح. وانه اطفأ تلك النائرة. وسكّن تلك الثائرة. فهذا فعل الملك التقيّ المشفق على قومه. ومن يفي الفكر في العواقب. بالرأي الثاقب. وإلّا فلو تركوا آراءهم حتى يحملهم الهوى لكانت تكون هذه الكرّة هي الكرّة [٤] . لكن هو كمن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى. ولم يوافق قول من ضلّ ولا فعل من غوى. واما القول انه لا يحبّ المسارعة للمقارعة الّا بعد إيضاح المحجّة وتركيب الحجّة. فانتظامه [٥] في سلك [٦] الايمان صارت حجّتنا وحجّته المتركبة على من عدت طواغيه عن سلوك هذه المحجة مسكتة. وان الله سبحانه والناس كافة قد عملوا ان قيامنا انما هو لنصر هذه الملّة وجهادنا واجتهادنا انما هو لله. وحيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول.
فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذحول. وبارتفاع المنافرة. تحصل المناصرة. فالايمان كالبنيان يشدّ [٧] بعضه من بعض. ومن اقام مناره فله اهل بأهل في كل مكان وجيران بجيران في كل ارض. واما تركيب هذه الفوائد الجمّة على اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن أعاد الله من بركاته فلم ير وليّ من قبل كرامة كهذه الكرامة. والرجاء ببركة الصالحين ان تصبح كل دار للإسلام دار اقامة [٨] حتى تتمّ شرائط الايمان. ويعود شمل الإسلام كأحسن ما كان. ولا ينكر بمن بكرامته ابتدأ هذا التمكن في الوجود. ان كل حقّ ببركته الى مصابه [٩] يعود. واما إنفاذ
стр. 300
اقضى القضاة قطب الدين والاتابك شهاب الدين [١] الموثوق بنقلهما في ابداع رسائل هذه البلاغة. فقد حضرا وأعادا كل قول حسن من حوال أحواله وخطرات خاطره ومناظرات منظره. ومن كل ما يشكر ويحمد. ويفيض حديثهما فيه عن مسند احمد.
واما الاشارة الى ان النفوس كانت تتطلع الى اقامة دليل تستحكم بسببه دواعي الأمر ومصادره من العدل والإحسان. بالقلب واللسان. والتقدّم بإصلاح الأوقاف فهذه صفات من يريد لملكه دواما. فلما ملك عدل. ولم يلتفت الى لوم من عذل [٢] .
على انها لو كانت من الأفعال الحسنة. والمثوبات التي تستنطق بالدعاء الالسنة.
فهي واجبات كليّة تؤدّى وهي اكبر من انه يأجر اجر [٣] غيره يفتخر او عليه يقتصر او له يدّخر. وانما يفتخر الملك العظيم بان يعطي ممالك وأقاليم وحصونا [٤] .
وان يبذل في تشييد ملكه عن مصون. واما تحريمه على العساكر والقراغولات والشحاني بالاطراف التعرّض الى احد بالاذى. واصفاء موارد الواردين والصادرين من شوائب القذى. فمن حين بلغنا تقدّمه بذلك تقدّمنا [٥] مثله ايضا الى سائر النوّاب بالرحبة والبيرة وحلب وعين تاب وتقدّمنا الى مقدّمي العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك.
وإذا اتخذ الامان وانعقد الايمان بختم هذه الأحكام ترتّبت عليه جميع الحكّام [٦] .
واما الجاسوس الفقير الذي أمسك ثم أطلق وان بسبب من يتزيّا من الجواسيس بزي الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصلحاء رجما بالظن فهذا باب من تلك الأبواب [٧] كان فتحه. وزند منه كان قدحه. وكم متزيّ بالفقر من ذلك الجانب سيّروه. والى الاطّلاع على الأمور سوّروه. وظفر النوّاب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف. ولم يكشف ما غطّته خرقة الفقر [٨] بلم ولا كيف. واما الاشارة الى ان في اتفاق [٩]
стр. 301
الكلمة يكون صلاح العالم. وينتظم شمل بني آدم. فلا ريب لمن طرق باب الاتحاد ومن جنح السلم فما حاد [١] . ومن ثنى عنانه عن المكافحة. كمن مدّ يد المصالحة للمصافحة. والصلح وان كان سيّد الأحكام فلا بدّ من امور تبنى عليها قواعده.
ويعلم من مدلولها فوائده. فان الأمور المسطورة في كتابه كليّات لازمة يفهم [٢] بها كل معنى ويعلم ان يتهيأ صلح او لم [٣] . وثمّ امور لا بدّ وان يحكم في سلكها عقودا لعهود تنظم قد يحملها لسان المشافهة التي إذا أفردت أقبلت ان شاء الله عليها النفوس. واحرزتها [٤] صدور الرسل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس. واما الاستشهاد بقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. ١٧: ١٥ فما على السبق من الودّ بنسج ولا على السبيل بنهج [٥] . بل الفضل لمن تقدّم. في الدين حقوق ترعى. وافادات تستدعى. وعند الانتهاء الى جواب ما لعلّه يجب عنه [٦] الجواب من فصول الكتاب.
وسمعنا المشافهة التي على لسان اقضى القضاة قطب الملّة والدين. وانتظام عقده بسلك المؤمنين. وما بسطه من عدل واحسان. وسيرة مشكورة يكلّ عن وصفها اللسان.
فقد انزل الله على رسوله في حقّ من امتنّ بإسلامه: قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ. ٤٩: ١٧ ومن المشافهة انه قد أعطاه الله من العطايا ما أغناه عن امتداد الطرف الى ما في يد غيره من ارض وماء. فان حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل. فالجواب ان ثمّ أمورا متى حصلت عليها الموافقة.
تمّت المصادقة. ورأى الله تعالى والناس كيف يكون مصافينا. وإدلال معارفينا عند تصافينا [٧] . وكم من صاحب وجد حيث لا يوجد [٨] الأب والأخ والقرابة. وما تمّ امر الدين المحمديّ واستحكم في صدور الإسلام الّا بمظاهرة أصحابه [٩] . فان كانت
стр. 302
له رغبة مصروفة الى الاتحاد. وحسن الوداد. وجميل الاعتقاد. وكبت الأعداء والاضداد. والاستناد الى من يشتدّ به الازرعن [١] الاستناد. فقد فهم المراد. ومن المشافهة إذ [٢] كانت عزيمتنا غير ممتدّة الى ما في يده من ارض وماء فلا حاجة الى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود. فالجواب لو كفّ كفّ العدوان من هنالك. وخلا للملوك المسلمين ما لهم من ممالك. سكنت الدهماء. وحقنت الدماء.
وما حقّه ان ينهى عن خلق ويأتي بمثله. ولا يأمر بشيء وينسى فعله. وقونغرتاي [٣] بالروم الآن وهي بلاد في أيديكم. وخراجها يجبى [٤] إليكم. قد سفك فيها الدماء وقتل وسبى وهتك وباع الأحرار. وأبى الّا التمادي على ذلك الإضرار [٥] . ومن المشافهة انه حصل التصميم على ان يبطل [٦] هذه الاغارات. ولا يفتر عن هذه الاثارات [٧] .
فيعيّن مكانا يكون فيه اللقاء. ويعطي الله النصر لمن يشاء. فالجواب عن ذلك الآن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرّة ومرّة ومرّة قد عاف [٨] مواردها من سلم من أولئك القوم. وخاف ان لا يعاودها [٩] فيغادره مصرع ذلك اليوم. ووقت اللقاء علمه عند الله لا يقدّر. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا من عِنْدِ الله ٣: ١٢٦ لمن اقدر لا لمن قدّر [١٠] . وما نحن ممن ينتظر فلتة. ولا له الى غير ذلك لفتة [١١] . وما امر ساعة النصر الّا كالساعة التي لا تأتي الّا بغتة. والله الموفّق لما فيه صلاح هذه الامّة. والقادر على إتمام كل خير ونعمة. ان شاء الله تعالى. كتب في مستهلّ شهر رمضان المعظم سنة احدى [١٢] وثمانين وستمائة.
стр. 303
وفي هذا التاريخ نقل الى السلطان احمد ان أخاه قونغرتاي له كلام مع ارغون ابن اباقا وانهم يريدون قتله فخاف وسارع الى قونغرتاي وقتله [١] . ولما بلغ الخبر الى ارغون بقتل عمّه حزن لذلك وصعب عليه واظهر تغيير قلبه على احمد [٢] . فلما شعر احمد بتغيير قلب ارغون عليه سيّر عسكرا عظيما وكبيرهم امير من المغول اسمه اليناخ فتوجهوا اليه وهو بخراسان [٣] . فلما وصل العسكر اليه انهزم ارغون من قدّامه. فأهمل اليناخ امره واشتغل بالأكل والشرب والسكر. وفي بعض الليالي هجم ارغون على عسكر اليناخ وبعض العسكر معه. ولما سمع السلطان احمد بذلك غضب وانزعج عظيما ثم سيّر الى جميع البلاد وجمع العساكر العظيمة وقصد ارغون. فلما رأى ارغون انه عاجز عن مقاومته صعد الى حصن هناك ومعه ثلاثمائة نفر من الفرسان البهادورية اتباعه وتحصّن هناك من غير ان يحبس نفسه في مكان لكنه منتقل من موضع الى موضع لأنه كان يفكر بقوله: كل محاصر مأخوذ ولم تطعه نفسه بالرجوع الى طاعة السلطان احمد.
فبينما هو في هذه الأفكار وامير واحد [٤] من أمراء أبيه اباقا كان محبوبا عند والده اسمه بوغا تقدّم الى السلطان احمد قائلا له: ان اعطيتني عهدا بأن لا تؤذي ارغون ولا يدّنيه السوء فاني امضي اليه وأحضره بين يديك. فسمع كلامه واستصوب مشورته ووقع الاتفاق على هذا. وحينئذ صعد بوغا في الحال الى ارغون وخاطبه وجاء به الى احمد وفرح السلطان احمد بذلك وعمل الدعوات والأفراح ثلاثة ايام. وفي اليوم الثالث تغيّر قلب السلطان احمد على ارغون وجالت الأفكار في خاطره طالبا قتله. فدعى الأمير اليناخ وجماعة اخرى معه ووكل على ارغون وأوصاهم على الاحتياط به لئلّا يهرب وانه [٥] متوجّه الى بلاد اذربيجان الى امّه قوتاي خاتون وأمرهم ان يصحبوه اليه.
ولما جاء الليل عزم على الرحيل وكشف سرّه الى بعض الأكابر حيث يقول: ان لم
стр. 304
أهلك ارغون وسائر الأولاد لم استرح ولا تنتظم السلطنة لي. وعند الصباح رحل واوصى ان يصحبوا اليه ارغون قليلا قليلا. فاما الأمير بوغا فلما تحقّق هذا الأمر وعرف ما في ضمير احمد ما تبعه وابطأ معتاقا الى الليل. وفي الليل دار على جميع الأولاد وعرّفهم ضمير احمد وما قد عوّل عليه ان يفعله بهم. فأخذتهم الغيرة ونهضوا في تلك الليلة بأجمعهم وقصدوا ارغون مكان كان موكل عليه وأخرجوه وألبسوه السلاح واركبوه الفرس وركبوا جميعهم في خدمته الى الموضع الذي كان فيه اليناخ وهجموا عليه ودخلوا قتلوه وقتلوه معه جميع الأكابر أصحابه في الخيمة ونادوا في العسكر انّ أبناء الملوك قد قتلوا اليناخ وأصحابه فكل من هو في موضع يلزم مكانه ولا يتحرّك ولا يخف. وعند الصباح سيّروا في طلب عسكر ارغون احضروهم وركبوا في جمع عظيم وساقوا في أعقاب احمد وأدركوه عند امّه فلزموه وكتفوه واستحفظوا به ونهبوا الاردو الذي له جميعها. ولما وصل ارغون وجماعة الأولاد اتفقوا على ان يملكوا عليهم ارغون ويكون الملك له موضع والده اباقا واحمد ينعزل لأنه ما يصلح ان يدبّرهم. وانتهت سلطنة احمد الى هذه الحالة وذلك يوم الأربعاء حادي عشر من جمادى الاولى سنة ثلث وثمانين وستمائة.
(ارغون ايلخان)
ولما جلس ارغون على كرسي المملكة اتّفق الأكثرون من أمراء المغول وأكابرهم ان يقتلوا احمد. فكان يقول ارغون: لا اوافق على قتله بل امّ قونغرتاي وأولادها هم يعرفون به والذي يختارون ان يفعلوا به فليفعلوا. حينئذ بقي تحت التوكّل أياما وبعد ذلك قتله أولاد قونغرتاي وانتقموا منه وأخذوا دم والدهم. وكان ذلك يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة. ثم ان ارغون لما استقام له الأمر [١] رتّب كل واحد من الأولاد في رأس عسكر من عساكر مملكته. ثم قيل لارغون ان صاحب الديوان هو قتل اباقا والدك بسمّ سقاه. ولما كان يسيّر يطلبه من السلطان احمد فما كان يسمح له به ولا كان يسلّمه اليه. فتحقق ارغون ان احمد اختار موت والده. فلما استقرّ ارغون في الملك هرب شمس الدين صاحب الديوان الى الجبال التي في الأهواز [٢] واحتمى بطائفة من الأكراد يسمّون باللور وكان كبيرهم شخص اسمه يوسف شاه. ولما وصل الى طاعة ارغون قبله قبولا حسنا وأكرمه لأنه قبل عليه ان يلزم صاحب الديوان ويحمله الى عبوديته. وفعل ذلك ولزمه وحمله الى ارغون. ولما قدم قدّم أموالا كثيرة نحو مائة
стр. 305
تومان من ذهب. ثم انهم عرضوا عليه. ان يشتري نفسه بحيث لا يهرق دمه فطلب المهلة ليبيع املاكه وما تخلّف له ويقرض ويوصل ذلك. [١] . حينئذ حصّل بطريق القرض من أصحابه واهله وانسبائه وأحبائه واصدقائه قريبا من أربعين تومانا آخر من الذهب وقال: هذا الذي قد حصل ولا يمكن ان يحصل غيره فأنتم الذي تختارون فعله فافعلوه.
فبرز الأمر من الملك ارغون بقتله وقتل يوم الثلثاء خامس شهر شعبان لهذه السنة وافق ذلك سابع [١] شهر تشرين الاول سنة ستّ وتسعين وخمسمائة وألف للإسكندر. وكانت هذه آخرة مثل ذلك الرجل العظيم الهيوب الحكيم الذي كانت الدولة بأسرها معلقة بخنصره. وكان عنده العقل والخبرة وكان كاملا بجميع السياسات والتدابير والتواضع الحسن. ويقولون عنه انه ما سبقه احد بالسلام بل هو كان يبتدئ من تقدّم اليه.