فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أوفى الأقوال لصحة إسناده وأن مثله لا يؤخذ بالرأي [٣/ ٢٦٨] بتصرف
(٢٧٩) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكًا إذ آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [النمل: ٦٤]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: ٦٨] أي: من حجة وقد وصف خصومة إبراهيم ﵇ قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها وقال في قصة نوح ﵇: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] الآيات إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ [هود: ٣٥] وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي فهو كله تعليم من الله السؤال والجواب والمجادلة في الدين لأنه لا يظهر الفرق بين الحق
стр. 142
والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وجادل رسول الله ﷺ أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في آل عمران وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة وتجادل أصحاب رسول الله ﷺ يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة إلى غير ذلك مما يكثر إيراده وفي قول الله : ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر قال المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله وأن يقبل منها ما تبين وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف وإلا فهو مِراءٌ ومكابرة. [٣/ ٢٧٣]
(٢٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وأما قول النبي ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمعناه أن لو كان شاكًا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم والذي روي فيه عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلك محض الإيمان» إنما هو في الخواطر التي لا تثبت وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك
стр. 143
هو المنفي عن الخليل ﵇ وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون عن الكبائر وعن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا. [٣/ ٢٨٤]
(٢٨١) من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك وفي الكلام حذف مضاف تقديره: مثلُ نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، وطريق آخر: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت سبع سنابل يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل الزارع إن كان حاذقًا في عمله ويكون البذر جيدًا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر فكذلك المتصدق إذا كان صالحًا والمال طيبًا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر. خلافًا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة [٣/ ٢٨٨]
стр. 144
(٢٨٢) وفي هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ولذلك ضرب الله به المثل فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة».
والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار، ولقي عبد الله بن عبدالملك ابن شهاب الزهري فقال: دلني على مال أعالجه فأنشأ ابن شهاب يقول:
أقول لعبد الله يوم لقيته … وقد شد أحلاس المطي مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها … لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
فيؤتيك مالًا واسعًا ذا مثابة … إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا
وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في المنام يناولني مسحاة وقال خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. [٣/ ٣٩٠، ٣٩١] بتصرف
(٢٨٣) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]
المنُّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها .. والأذى: السب
стр. 145
والتشكي وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه وقال ابن زيد: لئن ظننتَ أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقًا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه (١) فإن عندي أسهمًا وجعبة فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. [٣/ ٢٩٣] بتصرف
(٢٨٤) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمن أنفق في سبيل الله ولم يُتبعه مَنًّا ولا أذى كقوله: ما أشد إلحاحك! وخلصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمن الله له بالأجر والأجر الجنة ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته فقال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤] وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة على فضل الغني على الفقير. [٣/ ٢٩٣]
(٢٨٥) من قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣].
القول المعروف: هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذكر القول المعروف فيه
стр. 146
أجر وهذه لا أجر فيها قال ﷺ : «الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» أخرجه مسلم فيتلقى السائل بالبشر والترحيب ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورًا إن أعطى ومعذورًا إن منع وقد قال بعض الحكماء: اِلقَ صاحب الحاجة بالبشر فإن عَدِمتَ شكره لم تَعدِم عُذره.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ المغفرة هنا: الستر للخَلة وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي وقد سأل قومًا بكلام فصيح فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال له: اللهم غفرًا! سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل المعنى: تجاوزٌ عن السائل إذ ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه مع المن والأذى .... وقال النحاس .... والمعنى والله أعلم. وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وتقديره في العربية: وفعل مغفرة ويجوز أن يكون مثل قولك. تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها. [٣/ ٢٩٤، ٢٩٥] بتصرف
(٢٨٦)
قد كنت ميتًا فصرت حيًا … وعن قليل تصير ميتًا
فاخرب بدار الفناء بيتًا … وابن بدار البقاء بيتًا
[٣/ ٢٩٥]
стр. 147
(٢٨٧) العرب تقول لما يُمَنُّ به يدٌ سوداء ولما يُعطى عن غير مسألة: يد بيضاء ولما يُعطى عن مسألة: يد خضراء وقال بعض البلغاء: من مَنَّ بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره.
أفسدت بالمن ما أسديت من حَسَنٍ … ليس الكريم إذا أسدى بمنان
وقال أبو بكر الوراق فأحسن:
أَحسنُ من كل حَسَن … في كل وقت وزمن
صنيعةٌ مربوبةٌ … خالية من المنن
وسمع ابن سيرين رجلًا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت! فقال له: اسكت فلا خير في المعروف إذا أُحصي ٣/ ٢٩٦
(٢٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
﴿وَتَثْبِيتًا﴾ معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم قاله مجاهد والحسن.
قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك وقيل: معناه: تصديقًا ويقينًا قاله ابن عباس: وقال ابن عباس أيضًا وقتادة: معناه واحتسابًا من أنفسهم وقال الشعبي … ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ معناه: وتيقنًا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتًا وهذه الأقوال الثلاثة أصوب من قول الحسن ومجاهد. [٣/ ٢٩٨]
стр. 148
(٢٨٩) من قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
والربوة: المكان المرتفع ارتفاعًا يسيرًا معه في الأغلب كثافة تراب وما كان كذلك فنباته أحسن ولذلك خص الربوة بالذكر. قال ابن عطية: ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق ونجد يقال لها حزن وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل. ولذلك قالت الأعرابية: زوجي كليل تهامة. [٣/ ٢٩٩]
(٢٩٠) … فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة بخلاف الصفوان الذي انكشف عن ترابه فبقي صلدًا وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم» خرجه الموطأ أيضًا. [٣/ ٣٠١]
(٢٩١) من قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦]
قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب رسول الله ﷺ : فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس:
стр. 149
في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله.
في رواية: فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء فرضي ذلك عمر وروى ابن أبي مليكة: أن عمر تلا هذه الآية وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء.
قال ابن عطية: فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. [٣/ ٣٠٢]
(٢٩٢) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
قال ابن عطية: والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوع ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد والآية تعم الوجهين.
لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر ودرهم خير من تمرة.
стр. 150
تمسك أصحاب الندب بأن لفظة أفعل صالح للندب صلاحيته للفرض والرديء منهي عنه في النفل كما هو منهي عنه في الفرض والله أحق من اختير له.
قال ابن خويز منداد: ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده وذلك أن النبي ﷺ قال: «أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئًا». [٣/ ٣٠٤] بتصرف
(٢٩٣) من قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]
﴿يَعِدُكُمُ﴾ معناه: يخوفكم ﴿الْفَقْرَ﴾ أي بالفقر لئلا تنفقوا … قال ابن عباس في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لمة وللملك لمة فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان - ثم قرأ - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]»، قال: «هذا حديث حسن صحيح». [٣/ ٣١١ - ٣١٢] بتصرف
(٢٩٤) من قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو
стр. 151
فعل فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس فكتاب الله حكمة وسنة نبيه ﷺ حكمة وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة.
وأصل الحكمة ما يُمتنع به من السَفة فقيل للعلم حكمة لأنه يُمتنع به وبه يعلم الامتناع من السفة وهو كل فعل قبيح …
وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده … أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاري قال: كان يقال إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم قال مروان: يعني بالحكمة القرآن. [٣/ ٣١٣] بتصرف
(٢٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]
يقال: إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها لأنه قال لأولئك ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] وسمي هذا خيرًا كثيرًا لأن هذا هو جوامع الكلم وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعًا قليلًا فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] وسمى العلم والقرآن ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. [٣/ ٣١٣ - ٣١٤]
стр. 152
(٢٩٦) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها وليس كذلك الواجبات قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن وإخفاء التطوع أفضل لأنه أدل على أنه يراد الله به وحده قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفًا وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفًا. قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ٣/ ٣١٥
قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثناء على إبداء الصدقة ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره
قال دعبل الخزاعي:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم … وإن أنعموا أنعموا باكتتام
وقال سهل بن هارون:
خِلٌ إذا جئته يومًا لتسأله … أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يُخفي صنائعه والله يظهرها … إن الجميل إذا أَخفيته ظَهرا
وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: لا يتم المعروف إلا بثلاث
стр. 153
خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا أعجلته هنيته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتممته.
وقال بعض الشعراء فأحسن
زاد معروفك عندي عِظَمًا … أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته … وهو عند الناس مشهور حقير
[٣/ ٣١٧]
(٢٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
وحكي عن بعض العلماء كان يصنع كثيرًا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرًا فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي ويتلو ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. [٣/ ٣٢١]
(٢٩٨) من قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله ﷺ غير مرضى ولا عميان. [٣/ ٣٢٣].
стр. 154
(٢٩٩) من قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
فيه دليل على أن للسيما أثرًا في اعتبار من يظهر عليه ذلك حتى إذا رأينا ميتًا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي في التجمل. واتفق العلماء على ذلك وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة والشافعي اعتبر قوت سنة ومالك اعتبر أربعين درهمًا والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب ٣/ ٣٢٤].
(٣٠٠) من قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
اختلف العلماء في معنى قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ على قولين فقال قوم منهم الطبري والزجاج إن المعنى لا يسألون البتة وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى هذا جمهور المفسرين ويكون التعفف صفة ثابتة لهم أي لا يسألون الناس إلحاحًا ولا غير إلحاح وقال قوم: إن المراد نفي الإلحاف أي إنهم يسألون غير إلحاف وهذا هو السابق للفهم أي يسألون غير ملحفين وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافًا. [٣/ ٣٢٥]
стр. 155
(٣٠١) قال ابن عبدالبر: من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه. قيل لأبي عبدالله: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر قيل له: فإن تعفف؛ قال ذلك خير له ثم قال: ما أظن أحدًا يموت من الجوع الله يأتيه برزقه ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من استعف أعفه الله .... ».
فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده إذ هو رزق رزقه الله .... خرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول كان النبي ﷺ يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني حتى إذا أعطاني مرة مالًا فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله ﷺ : «خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك» زاد النسائي بعد قوله: «خذه- فتموله أو تصدق به» …
قال الأثرم سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يُسأل عن قول النبي ﷺ : «ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف» أي الإشراف أراد؟ فقال أن تستشرفه وتقول: لعله يُبعثُ إليَّ بقلبك قيل له وإن لم يتعرض؟ قال نعم إنما هو بالقلب قيل له: هذا شديد قال: وإن كان شديدًا فهو هكذا. قيل له: فإن كان الرجل لم يُعودني في أن يرسل إلي شيئًا إلا أنه قد عرض بقلبي فقلت: عسى أن يبعث إلي قال: هذا إشراف فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر
стр. 156
على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف قال أبو عمر: الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه وأن يهش الإنسان ويتعرض وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد؛ لأن الله تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة وأما ما اعتقده القلب من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع. [٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨] بتصرف
(٣٠٢) فإن كان محتاجًا إلى ما يُقيم به سُنَّة كالتجمل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربي: سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلًا يقول: هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابًا أخر فقيل لي: كساها إياها أبو الطاهر البرسني. [٣/ ٣٢٩]
(٣٠٣) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال: كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا
стр. 157
وأعوذ بك أن أموت لديغًا» و … عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام» والمس: الجنون يقال: مُس الرجل وأَلِسِ فهو ممسوس ومألوس إذا كان مجنونًا وذلك علامة الربا في الآخرة. [٣/ ٣٣٧]
(٣٠٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
أي: إنما الزيادة عند حلول الأجل آخِرًا كمثل أصل الثمن في أول العقد وذلك أن العرب كانت لا تعرف رِبًا إلا ذلك فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تربي أي تزيد في الدين فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أُنظر إلى الميسرة، وهذا الربا هو الذي نسخه النبي ﷺ بقوله يوم عرفة لما قال: «ألا إن كل ربًا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»؛ فبدأ ﷺ بعمه وأخص الناس به وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس. [٣/ ٣٣٩].
(٣٠٥) البيع في اللغة: مصدر باع كذا بكذا أي دفع عوضًا وأخذ معوضًا وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته ومبتاعًا وهو الذي يبذل الثمن ومبيعًا وهو المثمون وهو الذي يبذل في مقابلته الثمن وعلى هذا فأركان البيع أربعة البائع والمبتاع والثمن والمثمن. ثم المعاوضة عند
стр. 158
العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه فإن كان أحد المعوضين في مقابلة الرقبة سمي بيعًا، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة: فإن كانت منفعة بضع سمي نكاحًا، وإن كانت منفعة غيرها سمي إجارة وإن كان عينًا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف وإن كان بدين مؤجل فهو السلم. [٣/ ٣٣٩]
(٣٠٦) ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال يا أبا عبدالله، إني رأيت رجلا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى انظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له امرأتك طالق إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فلم أر شيئًا أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب. [٣/ ٣٤٦]
(٣٠٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مع قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالمًا فإن الله تعالى يقول ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فجعل له المطالبة برأس ماله فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. [٣/ ٣٥٣].
стр. 159
(٣٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرًا من إنظاره.
روى أبو جعفر الطحاوي عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنظر معسرًا كان له بكل يوم صدقة» ثم قلت: بكل يوم صدقة قال: فقال: بكل يوم صدقة ما لم يحل الدين فإذا أنظره بعد الحل فله بكل يوم مثله صدقة. وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال: قال الله : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه. وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر فقال: آلله؟ قال: آلله قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن مُعْسرٍ أو يضع عنه».
وفي حديث أبي اليسر الطويل واسمه كعب بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله» ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علم عسرة غريمه أو ظنها حرمت عليه مطالبته وإن لم
стр. 160
تثبت عُسرته عند الحاكم وإنظار المعسر تأخيره إلى أن يوسر والوضع عنه إسقاط الدين عن ذمته وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له: إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل. [٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧] بتصرف
(٣٠٩) من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبي ﷺ بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء .... والآية وعظ لجميع الناس وأمرٌ يخص كل إنسان .. قال ابن جني: كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقًا بهم. وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية. [٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨] بتصرف
(٣١٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ذهب بعض الناس إلى أن كَتْبَ الديون واجب على أربابها فرض بهذه الآية بيعًا كان أو قرضًا لئلا يقع فيه نسيان أو جحود وهو اختيار الطبري وقال ابن جريج: من أدان فليكتب ومن باع فليشهد … وقال الجمهور: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب. وإذا كان الغريم تقيًا فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق.
стр. 161
قال بعضهم: إن أشهدت فحزم وإن أئتمنت ففي حل وسعة. ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح. [٣/ ٣٦٤]
(٣١١) قوله تعالى: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالحق والمعدلة أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل … قال مالك -رحمه الله تعالى-: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. [٣/ ٣٦٥]
(٣١٢) قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وهو المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه. والإملاء والإملال لغتان أملّ وأملَى فأملّ لغة أهل الحجاز وبني أسد وتميم تقول: أمليت وجاء القرآن باللغتين قال : ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]، والأصل أمللت أبدل من اللام ياء لأنه أخف فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره وأمره تعالى بالتقوى فيما يُملّ ونهى عن أن يبخس شيئًا من الحق والبخس النقص. [٣/ ٣٦٦]
(٣١٣) قوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في الزنا … وشهيد بناء مبالغة وفي ذلك دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه فكأنه إشارة إلى العدالة والله أعلم. [٣/ ٣٧٠]
стр. 162
(٣١٤) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أي: إن لم يكن المستشهد رجلين أي: إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما فليستشهد رجلًا وامرأتين فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية ولم يذكرها في غيرها فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور بشرط أن يكون معهما رجل وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها فجعل فيها التوثق تارة بالكتبة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. [٣/ ٣٧٢]
(٣١٥) قال علماؤنا: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية وذلك يتم بأن يكون مجتنبًا للكبائر محافظًا على مروءته وعلى ترك الصغائر ظاهر الأمانة غير مغفل. وقيل: صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل والمعنى متقارب. [٣/ ٣٧٦]
(٣١٦) لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة وهي قبول قول الغير على الغير شرط تعالى فيها الرضا والعدالة فمن حِكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات
стр. 163
والعلامات عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام. [٣/ ٣٧٦].
(٣١٧) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
﴿تَسْأَمُوا﴾ معناه: تملوا ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان من الضمير في ﴿تَكْتُبُوهُ﴾، وقدم الصغير اهتمامًا به وهذا النهي عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا الكَتْب ويقول أحدهم: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه فأكد تعالى التحضيض في القليل والكثير قال علماؤنا: إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارًا وإنكارًا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ معناه أعدل يعني أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أي أصح وأحفظ (وأدنى) معناه أقرب و ﴿تَرْتَابُوا﴾ تشكوا. [٣/ ٣٨١] بتصرف.
(٣١٨) قوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدين فكان الكتاب توثقًا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب فأما إذا تفاضلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاعه من صاحبه فيقل في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة. [٣/ ٣٨٢]
(٣١٩) قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه أي يجعل في قلبه نورًا يفهم به ما يلقى إليه وقد يجعل الله
стр. 164
في قلبه ابتداء فرقانًا أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] والله أعلم. [٣/ ٣٨٦]
(٣٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
اعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البين ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين لئلا يسول الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حد له الشرع أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق ولأجله حرم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدي إلى الاختلاف وفساد ذات البين وإيقاع التضاغن والتباين فمن ذلك ما حرمه الله من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدين قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] الآية. [٣/ ٣٩٥]
(٣٢١) روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». وروى النسائي عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها استدانت فقيل: يا أم المؤمنين تستدينين وليس عندك وفاء!
стр. 165
قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ دينًا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عليه» وروى الطحاوي وأبو جعفر الطبري والحارث بن أبي أسامة في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تخيفوا الأنفس بعد أمنها» قالوا يا رسول الله وما ذاك؟ قال: «الدين» وروى البخاري عن أنس عن النبي ﷺ في دعاء ذكره: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال».
قال العلماء: ضلع الدين هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه وهو مأخوذ من قول العرب حِمْل مُضْلِع أي ثقيل ودابة مُضْلِع لا تقوى على الحمل قاله صاحب العين.
قال علماؤنا: وإنما كان -الدين- شينًا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم اللازم في قضائه والتذلل للغريم عند لقائه وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف أو يحدث الغريم بسببه فيكذب أو يحلف له فيحنث إلى غير ذلك ولهذا كان ﵊ يتعوذ من المأثم والمغرم وهو الدين فقيل له يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟ فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» وأيضًا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به كما قال ﵊: «نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يُقضى عنه» وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله والله أعلم. [٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧] بتصرف
стр. 166
(٣٢٢) ومتى صح القصد فجمعه - أي المال - أفضل بلا خلاف عند العلماء وكان سعيد بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه فإن مات تركه ميراثًا لمن بعده. وخلّف ابن المسيب أربعمائة دينار وخلف سفيان الثوري مائتين وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء وإنما تحاماه قوم منهم إيثارًا للتشاغل بالعبادات وجمع الهم فقنعوا باليسير فلو قال هذا القائل: إن التقليل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم قلت: ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها. قال ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد». [٣/ ٤٠٠ - ٤٠١].
(٣٢٣) من قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
التكليف هو الأمر بما يشق عليه وتكلفت الأمر تجشمته حكاه الجوهري.
والوسع: الطاقة والجِدة وهذا خبر جزم نص الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر وفي معنى الآية ما حكاه أبو هريرة ﵁ قال: ما وددت أن أحدًا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب فإني تبعته يومًا وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثاره فشقه بين أيدينا فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرُّبِّ وهو يقول:
стр. 167
ما كلف الله نفسًا فوق طاقتها … ولا تجود يد إلا بما تجد
[٣/ ٤٠٩]
(٣٢٤) من قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يريد من الحسنات والسيئات … وهو مثل قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان.
وجاءت العبارة في الحسنات ب ﴿لَهَا﴾ من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه وجاءت في السيئات ب ﴿وَعَلَيْهَا﴾ من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة وهذا كما نقول لي مال وعلي دين، وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنًا لنمط الكلام كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧]. قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازًا لهذا المعنى. [٣/ ٤١٠] بتصرف
(٣٢٥) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
المعنى: اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما كقوله
стр. 168
﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أي إثم ذلك وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانًا ويعرف ذلك في الفروع. [٣/ ٤١١]
(٣٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي عن ذنوبنا، عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: استر على ذنوبنا، والغفر: الستر ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي: تفضل برحمة مبتدئًا منك علينا ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي ولينا وناصرنا- وخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون روي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة أي سورة البقرة قال آمين. قال ابن عطية: هذا يظن به أنه رواه عن النبي ﷺ فإن كان ذلك فكمال وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن. [٣/ ٤١٢ - ٤١٣]
(٣٢٧) الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة [٢٨٥ - ٢٨٦] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ
стр. 169
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.
قال علي بن أبي طالب: «ما أظن أن أحدًا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما».
قلت: قد روى مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» قيل: من قيام الليل. وقيل: كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان.
وأسند أبو عمرو الداني عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال».
قال المحقق: تنبيه: وقع عند المصنف (القرطبي) فأنزل منه هذه الثلاث آيات والذي عند الترمذي وغيره وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة) … وروي أن النبي ﷺ قال: «أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي» وهذا صحيح. [٣/ ٤١١ - ٤١٢] بتصرف
стр. 170
(٣٢٨) للعلماء في تسمية (البقرة وآل عمران) بالزهراوين ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما النيرتان مأخوذ من الزهر والزهرة فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما أي من معانيهما وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة وهو القول الثاني.
الثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين» «﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] والتي في آل عمران ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]» أخرجه ابن ماجه أيضًا. والغمام السحاب الملتف، وهو الغياية إذا كانت قريبًا من الرأس وهي الظلة أيضًا والمعنى: أن قارئهما في ظل ثوابهما. [٤/ ٧]
(٣٢٩) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يعني: من حُسن وقُبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذكر عن إبراهيم بن أدهم: أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء فلا أتفرغ لرواية الحديث. فقيل له: وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها: أني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال: هؤلاء في الجنة
стр. 171
ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت. والثاني: حيث صُوِّرتُ في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام. يا رب شقي هو أم سعيد. فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت، والثالث: حين يقبض ملك الموت روحي، فيقول: يا رب مع الكفر أم مع الإيمان، فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع: حيث يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩] فلا أدري في أي الفريقين أكون. [٤/ ١٢]
(٣٣٠) من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة فقال جابر بن عبدالله وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: «المحكمات من آي القرآن ما عُرف تأويله وفُهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه».
قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور.
قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. [٤/ ١٣].
(٣٣١) ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وأن ما بعده استئناف
стр. 172
كلام آخر وهو قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة. [٤/ ١٩]
(٣٣٢) فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فكيف لم يجعله كله واضحًا؟ قيل له: الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن يظهر فضل العلماء لأنه لو كان واضحًا لم يظهر فضل بعضهم على بعض، وهكذا يفعل من يصنف تصنيفًا يجعل بعضه واضحًا وبعضه مشكلًا ويترك للجثوة (١) موضعًا لأن ما هان وجوده قل بهاؤه والله أعلم. [٤/ ٢٢].
(٣٣٣) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
أي: ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ قلوبنا.
وقيل: هو منقطع مما قبل وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت، وهي أهل الزيغ وفي الموطأ عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب؛ فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن، وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا … ﴾ الآية [آل عمران: ٨] قال العلماء: قراءته بهذه
стр. 173
الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم وفي كل صلاة أيضًا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم، وروى الترمذي من حديث شهر بن حوشب قال قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك قالت: «كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»! فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: «يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ»، فتلا معاذ: «﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]». قال: «حديث حسن». [٤/ ٢٢ - ٢٣]
(٣٣٤) من قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣].
اختلف من المخاطب بها فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار. ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة وبكل احتمال منها قد قال قوم وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع. [٤/ ٢٧]
(٣٣٥) من قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤].
بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال
стр. 174
قال رسول الله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء» أخرجه البخاري ومسلم.
ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء ويقال: في النساء فتنتان وفي الأولاد فتنة واحدة فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. [٤/ ٣٠]
(٣٣٦) ومن أحسن ما قيل:
النار آخر دينار نطقت به … والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن كان ذا ورع … معذب القلب بين الهم والنار
[٤/ ٣٣]
(٣٣٧) في «سنن ابن ماجه» عن عروة البارقي يرفعه قال: «الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» … وفيه عن أم هانئ أن النبي ﷺ قال لها: «اتخذي غنمًا فإن فيها بركة». [٤/ ٣٦].
(٣٣٨) وفي حديث عبدالله: «احرثوا هذا القرآن» أي: فتشوه.
قال ابن الأعرابي: الحرث التفتيش. قال المحقق في الحاشية: «ورد عن ابن مسعود موقوفًا أخرجه الطبراني في الكبير ولفظه: «من أراد العلم فليثور بالقرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين». [٤/ ٣٧]
стр. 175
(٣٣٩) وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سِكةً -وهي الحديدة التي تحرث بها الأرض- وشيئًا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل» قيل: إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم: الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات وذلك لما خشي النبي ﷺ على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم. الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة ألا ترى أن عمر قال: تمعدووا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل فأمرهم بملازمة الخيل ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها. [٤/ ٣٨]
(٣٤٠) قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق- السواد والقرى- فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول فأما النساء والبنون ففتنة للجميع. [٤/ ٣٨]
стр. 176
(٣٤١) قال ﷺ : «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء» أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن عفان. وسئل سهل بن عبدالله: بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: «بتشاغله بما أمر به». [٤/ ٣٩]
(٣٤٢) وقال لقمان لابنه: يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم. [٤/ ٤٣]
(٣٤٣) من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء وقال في شرف العلم لنبيه ﷺ : «وقل رب زدني علمًا» فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يسأل المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم، وقال ﷺ : «إن العلماء ورثة الأنبياء». [٤/ ٤٤]
(٣٤٤) من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
كرر لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم وقال جعفر الصادق: «الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم يعني قولوا: لا إله إلا الله العزيز الحكيم». [٤/ ٤٧]
стр. 177
(٣٤٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ٢١].
دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبًا في الأمم المتقدمة وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة … وليس من شرط الناهي أن يكون عدلًا عند أهل السنة خلافًا للمبتدعة حيث تقول لا يغيره إلا عدل وهذا ساقط فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس فإن تشبثوا بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣] ونحوه قيل لهم: إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى. [٤/ ٥٠ - ٥١]
(٣٤٦) أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك قال: والأحاديث عن النبي ﷺ في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا ولكنها مقيدة بالاستطاعة قال
стр. 178
الحسن: إنما يُكَلَّمُ مؤمن يرجى أو جاهل يُعَلَّم فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال اتقني اتقني فما لك وله. وقال ابن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرًا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. [٤/ ٥١]
(٣٤٧) وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم وعالم على سبيل الهدى ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى. [٤/ ٥٣]
(٣٤٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣].
﴿وَنُوحًا﴾ … وهو شيخ المرسلين وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇ بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم. [٤/ ٦٤].
وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء بقضهم وقضيضهم من نسلهم. [٤/ ٦٥]
(٣٤٩) من قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥].
قيل: إن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد وكانوا أهل بيت من الله بمكان وأنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يزق فرخا أي: -يطعمه بمنقاره- فتحركت نفسها لذلك ودعت ربها أن يهب لها ولدًا
стр. 179
ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررًا أي عتيقًا خالصًا لله تعالى خادمًا للكنيسة حَبيسًا عليها مفرغا لعبادة الله تعالى وكان ذلك جائزًا في شريعتهم وكان على أولادهم أن يطيعوهم فلما وضعت مريم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، يعني: أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة قيل لما يصيبها من الحيض والأذى وقيل لا تصلح لمخالطة الرجال وكانت ترجو أن يكون ذكرًا فلذلك حررت. [٤/ ٦٨]
(٣٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦].
هو على قراءة من قرأ وضعتُ بضم التاء من جملة كلامها فالكلام متصل وهي قراءة أبي بكر وابن عامر وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى عليه شيء ولم تقله على طريق الإخبار؛ لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في نفس المؤمن وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور: ﴿وَضَعَتْ﴾ هو من كلام الله قُدم وتقديره أن يكون مؤخرًا بعد ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦]، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قاله المهدوي. [٤/ ١٩]
(٣٥١) من قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨].
.. فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية
стр. 180
ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما أولاه وأخراه ألا ترى قول زكريا: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦] وقال: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، وقال: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، ودعا رسول الله ﷺ لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه» خرجه البخاري ومسلم وحسبك. [٤/ ٧٥]
(٣٥٢) قال قتادة: سمي بيحيى؛ لأن الله أحياه بالإيمان والنبوة، وقال بعضهم سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهدى. وقال مقاتل: «اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى وقيل لأنه أحيا به رحم أمه». [٤/ ٧٧]
(٣٥٣) من قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
يعني: عيسى في قول أكثر المفسرين وسمي عيسى كلمة؛ لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٤٧] فكان من غير أب- وقيل غير ذلك- والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. [٤/ ٧٧]
(٣٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩].
السيد: الذي يسود قومه ويُنتهى إلى قوله … ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدًا كما يجوز أن يسمى عزيزًا أو كريمًا وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال لبني قريظة: «قوموا إلى سيدكم» وفي البخاري ومسلم