أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه فأبطل النبي ﷺ ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن. [٢/ ٣٤٤]
(٢١٩) من قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].
الحرمات جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة وإنما جمعت لأنه أراد حُرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام وحرمة الإحرام والحرمة: ما مُنِعْتَ من انتهاكه … والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع ف ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ على هذا متصل بما قبله ومتعلق به. [٢/ ٣٥٢]
(٢٢٠) من قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].
لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قَتَل بشيء قُتِلَ بمثل ما قَتَل به وهو قول الجمهور. [٢/ ٣٥٥]
(٢٢١) من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
الاعتداء هو التجاوز قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أي: يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ومن شتمك فرد
стр. 107
عليه مثل قوله ومن أخذ عرضك فخذ عرضه لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك فإن المعصية لا تقابل بالمعصية … وإن قال: يا زان فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور ولو قلت له يا زان كنت كاذبًا وأثمت في الكذب وإن مطلك وهو غني دون عذر فقل يا ظالم يا آكل أموال الناس قال النبي ﷺ : «لَيّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته» أما عرضه فبما فسرناه وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه. [٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩] بتصرف
(٢٢٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
المعنى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل ليس عندي ما أنفقه وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره والله أعلم.
قال ابن عباس أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم لا أجد شيئًا ونحوه عن السدي: أنفق ولو عقالًا ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول ليس عندي شيء. [٢/ ٣٦٠] بتصرف
- اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة وقيل: إذا طلب الشهادة
стр. 108
وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يُقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا. وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة فعمد رجل منهم فصنع فيلاً من طين وأنس به فرسه حتى ألفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه قاتلك فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين.
وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة قال رجل من المسلمين ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب.
قلت: ومن هذا ما روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا
قال: فلك الجنة فانغمس في العدو حتى قتل .. ٢/ ٣٦١، ٣٦٢ بتصرف.
(٢٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله فقيل: أداؤهما والإتيان بهما وقيل: المراد تمامهما بعد الشروع فيهما … [٢/ ٢٦٣]
стр. 109
(٢٢٤) لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز خلافًا لمن قال إنه مُثلة، ولو كان مُثلة ما جاز في الحج ولا غيره لأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم وكان علي بن أبي طالب ﵁ يحلق رأسه قال ابن عبدالبر: وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق. [٢/ ٣٨٠]
(٢٢٥) اختلف العلماء لم سمي المتمتع متمتعًا فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره سمي متمتعًا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد والوجه الأول أعم فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله وسقط عنه السفر لحجه من بلده وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وابن مسعود وقالا أو قال أحدهما: يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيًا. وقد أجمع المسلمون على جواز هذا وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين مرة في الحج ومرة في العمرة ورأى الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابًا ولذلك قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. [٢/ ٣٩٣]
стр. 110
(٢٢٦) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
واختلفوا في معنى قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج: لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلًا منها لأنه لم يقل وسبعة أخرى- أزيل ذلك بالجملة من قوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ ثم قال ﴿كَامِلَةٌ﴾.
وقال الحسن: كاملة في الثواب كمن أهدى وقيل: كاملة في البدل عن الهدي يعني العشرة كلها بدل عن الهدي وقيل: كاملة في الثواب كمن لم يتمتع وقيل: لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقال المبرد: عشرة دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة وقيل هو توكيد كما تقول: كتبت بيدي.
ومنه قول الشاعر:
ثلاث واثنتان فهن خمس … وسادسة تميل إلى شمامي
فقوله خمس تأكيد
ومثله قول الآخر:
ثلاث بالغداة فذاك حسبي … وست حين يدركني العشاء
فذلك تسعة في اليوم ريي … وشرب المرء فوق الري داء
وقوله: كاملة: تأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: الله الله لا تقصر. [٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠]
стр. 111
(٢٢٧) من قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
اختلف في الأشهر المعلومات فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة … وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دمًا فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته …
لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه لأنها كانت معلومة عندهم ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعله إنما رآه في ساعة منها فالوقت يذكر بعضه بكله كما قال النبي ﷺ : «أيام منى ثلاثة» وإنما هي يومان وبعض الثالث ويقولون: رأيتك اليوم وجئتك العام وقيل لما كان الاثنان وما فوقهما جمع قال أشهر والله أعلم. [٢/ ٤٠١ - ٤٠٢]
(٢٢٨) قال الفقهاء: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه وقال الفراء: هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ذكر القولين ابن العربي ﵀. قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة. [٢/ ٤٠٥]
стр. 112
(٢٢٩) وقال آخر:
الموت بحر طامح موجه … تذهب فيه حيلة السابح
يا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح
لا يصحب الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح
[٢/ ٤٠٨]
(٢٣٠) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قيل: سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها وقيل: لأن آدم لما هبط وقع بالهند وحواء بجدة فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم عرفة.
قال ابن عطية: والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع وعرفة هي نَعمان الأراك وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطيب قال الله تعالى: «عرفها لكم» أي طيبها فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث والدماء فلذلك سميت عرفات. ويوم الوقوف يوم عرفة وقال بعضهم أصل هذين الاسمين من الصبر يقال رجل عارف إذا كان صابرًا خاشعًا ويقال في المثل: النفس عروف وما حملتها تتحمل. [٢/ ٤١٠ - ٤١١]
(٢٣١) من قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
стр. 113
كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة فتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك حتى إن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين.
وقال ابن عباس: معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آبائهم وأمهاتهم: أبه أمه أي فاستغيثوا والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم.
وقالت طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حُرَمَهِ وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم وقال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل اليوم لا يذكر أباه فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عُصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما. [٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨]
(٢٣٢) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة. وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله فإن ﴿حَسَنَةً﴾ نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع.
وقيل: لم يرد حسنة واحدة بل أراد أعطنا في الدنيا عطية حسنة فحذف الاسم. [٢/ ٤٢٩]
стр. 114
هذه الآية من جوامع الدعاء التي عمت الدنيا والآخرة قيل لأنس: ادع الله لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: زدنا قال: ما تريدون قد سألت الدنيا والآخرة وفي الصحيحين عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ يقول: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، قال: «فكان أنس إذا أرد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه»، وفيه حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» ماله هجيرى غيرها. [٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠]
(٢٣٣) قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم. [٢/ ٤٣٢]
(٢٣٤) قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] هو الرجل يأخذ مالًا يحج به عن غيره فيكون له ثواب وروي عنه في هذه الآية: أن رجلًا قال يا رسول الله مات أبي ولم يحج أفأحج عنه؟ فقال النبي ﷺ : «لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي» قال: نعم قال: فدين الله أحق أن يقضى قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢]» يعني من حجّ عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت. [٢/ ٤٣٣]
стр. 115
(٢٣٥) من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها وهي أيام رمي الجمار وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر فقف على ذلك. [٣/ ٥]
(٢٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]
.. والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه لقول عمر بن الخطاب ﵁ في صحيح البخاري (أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة. [٣/ ٢٠]
(٢٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]
والمعنى أشد المخاصمين خصومة أي هو ذو جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنة باطل وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». [٣/ ٢٠]
стр. 116
(٢٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]
قال العباس بن الفضل: الفساد هو الخراب وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض وقال عطاء: إن رجلًا كان يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي ﷺ أن ينزعها قال قتادة قلت لعطاء: إنا كنا نسمع أن يشقها فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد قلت فالآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. [٣/ ٢٢]
(٢٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوًا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا وقال عبد الله: كفى بالمرء إثمًا أن يقول له أخوه: اتق الله فيقول: عليك بنفسك مثلك يوصيني! [٣/ ٢٣]
(٢٤٠) ذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد فاختلف إلى بابه سنة فلم يقض حاجته فوقف يومًا على الباب فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فنزل هارون عن دابته وخر ساجدًا فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت فلما رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي قال: لا ولكن تذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ [البقرة: ٢٠٦]
стр. 117
حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك: وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل، والمهاد جمع المهد وهو الموضع المهيأ للنوم ومنه مهد الصبي. [٣/ ٢٣]
(٢٤١) من قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وعسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ [التحريم: ٥] وقال أبو عبيدة: ﴿عَسَى﴾ من الله إيجاب والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات مات شهيدًا وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم.
قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأيّ بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته.
وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك
رب أمر تتقيه … جر أمرًا ترتضيه
خفي المحبوب منه … وبدا المكروه فيه
[٣/ ٤٠]
стр. 118
(٢٤٢) عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم قال ابن عبدالبر: «ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث». [٣/ ٤٠]
(٢٤٣) من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه كما فعلتم برسول الله ﷺ وأصحابه أكبر جرمًا عند الله وقال عبد الله بن جحش ﵁:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم عن مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غلٌّ من القد عاند
[٣/ ٤٥]
стр. 119
(٢٤٤) من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨].
﴿يَرْجُونَ﴾ معناه يطمعون ويستقربون وإنما قال ﴿يَرْجُونَ﴾ وقد مدحهم؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين أحدهما لا يدري بما يختم له والثاني: لئلا يتكل على عمله. [٣/ ٤٩]
(٢٤٥) من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئًا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة فكذلك تحريم الخمر وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر ثم بعده ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]، ثم قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. [٣/ ٥١]
(٢٤٦) روي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدًا ﷺ فقالوا: لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة فقال: إن خدمة الرب واجبة. فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء فقال اصطناع المعروف واجب فقيل له: إنه ينهى عن الزنى فقال: هو فحش وقبيح في العقل وقد
стр. 120
صرت شيخًا فلا أحتاج إليه فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. [٣/ ٥٤]
(٢٤٧) ثم إن الشارب (شارب الخمر) يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح وجهه حتى رؤي بعضهم يمسح بوجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله. [٣/ ٥٥]
(٢٤٨) من قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال العلماء: لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]- سؤالًا عن النفقة إلى من تصرف كما بيناه ودل عليه الجواب والجواب خرج على وفق السؤال كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الإنفاق وهو في شأن عمرو بن الجموح كما تقدم- فإنه لما نزل ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قال كم أنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعفو: ما سهل وتيسر وفضل ولم يشق على القلب إخراجه ومن قول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودتي … ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فالمعنى: أنفقوا ما فضل من حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة هذا أولى ما قيل في تأويل الآية. [٣/ ٩]
стр. 121
(٢٤٩) من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال المفضل بن سلمة: أي في أمر النفقة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها. [٣/ ٦٠]
(٢٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قال أبو عبيد: وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضيل على رفيقه فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس. [٣/ ٦٣]
(٢٥١) من قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم و ﴿حَرْثٌ﴾ تشبيه؛ لأنهم مزروع الذرية فلفظ «الحرث» يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزروع وأنشد ثعلب:
إنما الأرحام أر … ضون لنا محترثات
стр. 122
فعلينا الزرع فيها … وعلى الله النبات
ففرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات فالحرث بمعنى المحترث. [٣/ ٩٠]
(٢٥٢) وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة.
وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا عليَّ كذبوا عليَّ كذبوا عليَّ! ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا موضع المنبت! [وما استدل به المخالف من أن قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها إذ هي مخصصة بما ذكرناه وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيًا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار. قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه وقد حذرنا من زلة العالم. [٣/ ٩١ - ٩٢] بتصرف
(٢٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
قال العلماء: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللًا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا
стр. 123
قال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس فيقال له: بر فيقول: قد حلفت. [٣/ ٩٤]
(٢٥٤) من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
التربص: التأني والتأخر مقلوب التصبر قال الشاعر:
تربص بها ريب المنون لعلها … تطلق يومًا أو يموت حليلها
وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهرًا تأديبًا لهن وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره … لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها أين زوجك؟ قالت: بعثت به إلى العراق فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن شهرين ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفذ صبرها في أربعة أشهر فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر
стр. 124
استرد الغازين ووجه بقوم آخرين وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر. [٣/ ١٠٤]
(٢٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
﴿وَلَهُنَّ﴾ أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن ولهذا قال ابن عباس «إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾».
قول ابن عباس: «إني لأتزين لامرأتي» قال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حفّ شاربه ليق به ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ذلك سمج ومقت لأن اللحية لم توفر بعد فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك … وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق فإنما يعمل على اللبق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من
стр. 125
الشباب والشيوخ زينة وهو حلي الرجال ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره وإن رأى الرجل من نفسه عجزًا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التي تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها. [٣/ ١١٨] بتصرف
(٢٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته وبالإنفاق وبالدية والميراث والجهاد وقال حميد: الدرجة اللحية وهذا إن صح عنه فهو ضعيف ولا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها.
قال ابن العربي: فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم وخصوصًا في كتاب الله تعالى ولا يخفى على لبيبٍ فضلُ الرجالِ على النساء ولو لم يكن إلا أن المرأة خُلقت من الرجل فهو أصلها وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه وقيل الدرجة الصداق قاله الشعبي، وقيل: جواز الأدب وعلى الجملة (فدرجة) تقتضي التفضيل وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه ولهذا قال ﵊: «ولو أمرت أحدًا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وقال ابن عباس: الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخُلق أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارع قال الماوردي: يحتمل أنها في حقوق النكاح له رفع العقد دونها ويلزمها
стр. 126
إجابته إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها قلت- ومن هذا قوله ﵊: «أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح». [٣/ ١١٩]
(٢٥٧) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الطلقة الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه واختلفوا فيما يكفي من النكاح وما الذي يبيح التحليل فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه: مجرد العقد كافي وقال الحسن بن أبي الحسن: لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل ويفسد الصوم ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق.
قال ابن العربي: ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها. فإن قلنا إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب وإن قلنا إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء وعلى هذا جماعة من العلماء إلا سعيد بن
стр. 127
المسيب فقال أما الناس فيقولون: لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني وأنا أقول: إذا تزوجها تزوجًا صحيحًا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول وهذا قول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، والسنة مستغنى بها عما سواها قلت: وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير ذكره النحاس في كتاب (معاني القرآن) له قال: وأهل العلم على أن النكاح هاهنا الجماع لأنه قال: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع إلا سعيد بن جبير فإنه قال: النكاح هاهنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها. قلت: وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والله أعلم. [٣/ ١٤٠، ١٤١]
(٢٥٨) قال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا؟ فقال بعض أصحابنا ليس على الزوجة خدمة وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة وإنما عقد على الاستمتاع والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره فلا تطالب بأكثر منه ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] وقال بعض أصحابنا: عليها خدمة مثلها فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك وإن كانت دون ذلك
стр. 128
فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ألا ترى أن أزواج النبي ﷺ وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ولا يسوغ لها الامتناع بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ويأخذونهن بالخدمة فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك. [٣/ ١٤٦، ١٤٧]
(٢٥٩) من قوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ﴾ أي سنتين، من حال الشيء إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني وقيل: سمي العام حولًا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب.
﴿كَامِلَيْنِ﴾ قيد بالكمال لأن القائل قد يقول: أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولًا وبعض حول آخر قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتمًا فإنه يجوز الفطام قبل الحولين ولكنه تحديد
стр. 129
لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين. [٣/ ١٥٣، ١٥٤]
(٢٦٠) من قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
المعنى: لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارًا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع هذا قول جمهور المفسرين. [٣/ ١٥٩]
(٢٦١) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين. [٣/ ١٦٣]
(٢٦٢) من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها تنبيه عليه لا يجوز وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما
стр. 130
هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وَجُوِّزَ ما عدا ذلك ومن أعظمه قربًا إلى التصريح قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: «كوني عند أم شريك ولا تسبقيني نفسك» ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعًا لأنها كالزوجة وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم. وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين: الأول: أن يذكر لوليها يقول له لا تسبقني بها والثاني: أن يشير بذلك إليها دون واسطة فيقول لها. إني أريد التزويج أو إنك لجميلة إنك لصالحة إن الله لسائق إليك خيرًا إني فيك لراغب ومن يرغب عنك إنك لنافقة وإن حاجتي في النساء وإن يقدر الله أمرًا يكن، هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب وقال ابن عباس لا بأس أن يقول: لا تسبقيني بنفسك ولا بأس أن يهدي إليها وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه قاله إبراهيم. وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريف بالزواج وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين قالت سكينة بنت حنظلة استأذن عليَّ محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله ﷺ وقرابتي من علي وموضعي في العرب. قلت: غفر الله لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك تخطبني في عدتي! قال إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومِنْ عَلي وقد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: لقد علمت
стр. 131
أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي» كانت تلك خطبة أخرجه الدارقطني. والهدية إلى المعتدة جائزة وهي من التعريض قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم. [٣/ ١٧٨، ١٧٩].
(٢٦٣) من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا﴾ خطاب لجمع الأمة والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وعدله .... واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال ثم سردها … الثاني: أنها العصر؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل … وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول أي -ابن عطية- واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره وأنصها حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة الوسطى صلاة العصر» خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. [٣/ ١٩٦ - ١٩٨] بتصرف
(٢٦٤) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة
стр. 132
الخوف الطارئة أحيانًا وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ورخص لعبيده في الصلاة رجالًا على الأقدام وركبانًا على الخيل والإبل ونحوها إيماءً وإشارة بالرأس حيثما توجه هذا قول العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية. [٣/ ٢١٣]
(٢٦٥) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
أصح الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارًا من الوباء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرجوا فرارًا من الطاعون فماتوا فدعا الله نبيٌ من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله. [٣/ ٢٢٠]
(٢٦٦) روى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدًا أن رسول الله ﷺ ذكر الوجع فقال: رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارًا منه.
قال الطبري في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها وأن عليه الصبر وترك
стр. 133
الجزع بعد نزولها وذلك أنه ﵊ نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارًا منه فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها سبيله في ذلك سبيل الطاعون وهذا المعنى نظير قوله ﵊: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا» قلت وهذا هو الصحيح في الباب وهو مقتضى قول الرسول ﵊ وعليه عمل أصحابه البررة الكرام ﵃ وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجًا عليه لما قال له: أفرارًا من قدر الله: فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى مجدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. [٣/ ٢٢١، ٢٢٢]
(٢٦٧) يروى من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «فناء أمتي بالطعن والطاعون» قالت: «الطعن قد عرفنا فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط» قال العلماء: وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم وقد
стр. 134
يرسله شهادة ورحمة للصالحين كما قال معاذ في طاعون عمواس: إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم، اللهم أعط معاذًا وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه ﵁. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف دعوة نبيكم؟ فسألت عنها فقيل: دعا ﵊ أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا. [٣/ ٢٢٣، ٢٢٤]
(٢٦٨) ذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارًا له ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديًا يحدو خلفه
لن يُسبق الله على حمار … ولا على ذي منعة طيار
أو يأتي الحتف على مقدار … قد يصبح الله أمام الساري
وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبدالعزيز بن مروان فخرج هاربًا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر فقدم عليه حين نزلها رسول لعبدالملك بن مروان فقال له عبدالعزيز ما اسمك؟ فقال له: طالب بن مدرك فقال: أوه ما أراني راجعًا إلى الفسطاط فمات في تلك القرية. [٣/ ٢٢٥]
(٢٦٩) من قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].
عن عبدالله بن مسعود قال «لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا
стр. 135
أبا الدحداح» قال: أرني يدك، قال: فناوله، قال: فإني أقرضت الله حائطًا فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي قد أقرضت ربي حائطًا فيه ستمائة نخلة» … قال ابن العربي: انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقسامًا فتفرقوا فرقًا ثلاثة: الفرقة الأولى الرذلى قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب فرد الله عليهم بقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرًا ولا أعانت أحدًا تكاسلا عن الطاعة وركونًا إلى هذه الدار.
الفرقة الثالثة: لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح ﵁ وغيره والله أعلم ٢٢٦، ٢٢٧ - ٢٢٨ بتصرف.
(٢٧٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]
استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ولهذه المبالغة لم يأت الكلام «ومن لم يشرب منه». ٣/ ٢٤٠]
стр. 136
(٢٧١) من قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وفي قولهم ﵃ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم) وفيه مُسْندٌ أن النبي ﷺ قال: «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة قال الله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥] فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقًا وغربًا برًا وبحرًا وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم. [٣/ ٢٤٣، ٢٤٤]
стр. 137
(٢٧٢)
لولا عباد للإله ركع … وصبية من اليتامى رضع
ومهملات في الفلاة رتع … صب عليكم العذاب الأوجع
[٣/ ٢٤٩]
(٢٧٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
قيل هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا وهذا قول حسن فإنه عمومٌ في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة. [٣/ ٢٤٩]
(٢٧٤) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولو عزم ومنهم من اتخذ خليلا ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥] وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
стр. 138
قلت: وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما مُنح من الفضائل وأعطي من الوسائل وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدًا على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩] وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١، ٢] قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده.
قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم وحسبك بقوله الحق: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة وقال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦].
ثم قال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] فعمَّ
стр. 139
وخص ونفى عنهم الشين والنقص ﵃ أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. [٣/ ٢٥١ - ٢٥٣] بتصرف
(٢٧٥) من قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]
المكلم: موسى ﵇ وقد سئل رسول الله ﷺ عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: «نعم نبي مكلم» قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة فعلى هذا تبقى خاصية موسى وحذفت الهاء لطول الاسم والمعنى من كلمه الله. [٣/ ٢٥٣]
(٢٧٦) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية … روى الأئمة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم». قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال: قلت: «﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾» فضرب في صدري وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر».
وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا وهي خمسون كلمة … وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرة. [٣/ ٢٥٦ - ٢٥٩] بتصرف
(٢٧٧) قال ابن عطية في قول أبي موسى «الكرسي موضع القدمين» يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك فهو مخلوق
стр. 140
عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش نفسه وهذا ليس بمرضي والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه.
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أيّ ما أنزل الله عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي ثم قال: يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح وقال مجاهد: ما السموات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر العظيم. [٣/ ٢٦٦]
(٢٧٨) من قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أقوال … ثم ذكر الأول والثاني ثم قال: الثالث: ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بني النضر كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قال أبو داود: والمقلات التي لا يعيش لها ولد. في رواية إنما فعلنا ما
стр. 141
فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أوفى الأقوال لصحة إسناده وأن مثله لا يؤخذ بالرأي [٣/ ٢٦٨] بتصرف
(٢٧٩) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكًا إذ آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [النمل: ٦٤]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: ٦٨] أي: من حجة وقد وصف خصومة إبراهيم ﵇ قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها وقال في قصة نوح ﵇: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] الآيات إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ [هود: ٣٥] وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي فهو كله تعليم من الله السؤال والجواب والمجادلة في الدين لأنه لا يظهر الفرق بين الحق
стр. 142
والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وجادل رسول الله ﷺ أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في آل عمران وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة وتجادل أصحاب رسول الله ﷺ يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة إلى غير ذلك مما يكثر إيراده وفي قول الله : ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر قال المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله وأن يقبل منها ما تبين وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف وإلا فهو مِراءٌ ومكابرة. [٣/ ٢٧٣]
(٢٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وأما قول النبي ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمعناه أن لو كان شاكًا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم والذي روي فيه عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلك محض الإيمان» إنما هو في الخواطر التي لا تثبت وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك
стр. 143
هو المنفي عن الخليل ﵇ وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم ﵇ أعلم به يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون عن الكبائر وعن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا. [٣/ ٢٨٤]
(٢٨١) من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك وفي الكلام حذف مضاف تقديره: مثلُ نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، وطريق آخر: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت سبع سنابل يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل الزارع إن كان حاذقًا في عمله ويكون البذر جيدًا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر فكذلك المتصدق إذا كان صالحًا والمال طيبًا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر. خلافًا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة [٣/ ٢٨٨]
стр. 144
(٢٨٢) وفي هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ولذلك ضرب الله به المثل فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة».
والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار، ولقي عبد الله بن عبدالملك ابن شهاب الزهري فقال: دلني على مال أعالجه فأنشأ ابن شهاب يقول:
أقول لعبد الله يوم لقيته … وقد شد أحلاس المطي مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها … لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
فيؤتيك مالًا واسعًا ذا مثابة … إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا
وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في المنام يناولني مسحاة وقال خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. [٣/ ٣٩٠، ٣٩١] بتصرف
(٢٨٣) من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]
المنُّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها .. والأذى: السب
стр. 145
والتشكي وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه وقال ابن زيد: لئن ظننتَ أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقًا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه (١) فإن عندي أسهمًا وجعبة فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. [٣/ ٢٩٣] بتصرف
(٢٨٤) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمن أنفق في سبيل الله ولم يُتبعه مَنًّا ولا أذى كقوله: ما أشد إلحاحك! وخلصنا الله منك! وأمثال هذا فقد تضمن الله له بالأجر والأجر الجنة ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته فقال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤] وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة على فضل الغني على الفقير. [٣/ ٢٩٣]
(٢٨٥) من قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣].
القول المعروف: هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذكر القول المعروف فيه