Полный текст (667 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وما أنت أعلم به مني … » وذكر الحديث، فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه ولا يقول أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار لنبيه ﷺ وأوليائه وعلمهم كيف يدعون. [٤/ ٢٢٦]
(٤١١) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ معناه تقتلونهم وتستأصلونهم.
قال الشاعر:
حسسناهم بالسيف حسًا فأصبحت فأصبحت … بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وأصله من الحِسّ الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حَسه أذهب حِسَّه بالقتل. [٤/ ٢٣٠]
(٤١٢) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم ﵃ ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهزام ثم بين سبب التنازع فقال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني الغنيمة.
قال ابن مسعود: «ما شعرنا أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد».
стр. 212
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وهم الذين ثبتوا في مركزهم ولم يخالفوا أمر نبيهم ﷺ مع أميرهم عبد الله بن جبير فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي ﵏ والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت فإن من ثبت فاز بالثواب وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون ولكن لا يكون ما حل بهم عقوبة بل هو سبب المثوبة والله أعلم. [٤/ ٢٣١]
(٤١٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه» ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعني المنافقين معتب بن قشير وأصحابه وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ويقولون الأقاويل ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي: من أمر الخروج وإنما خرجنا كرهًا يدل عليه قوله إخبارًا عنهم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. [٤/ ٢٣٦]
стр. 213
(٤١٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ استدعى زللهم بأن ذكرهم خطايا سلفت منهم فكرهوا الثبوت لئلا يُقتلوا وهو معنى ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، وقيل: استزلهم: حملهم على الزلل.
ثم قيل: كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة فإنما تولوا لهذا وهذا على القول الأول وعلى الثاني: بمعصيتهم النبي ﷺ في تركهم المركز وميلهم إلى الغنيمة وقال الحسن: ﴿مَا كَسَبُوا﴾ قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم.
وعلى الجملة فإن حُمِلَ الأمر على ذنب محقق فقد عفا الله عنه وإن حُمِلَ على انهزام مسوغ فالآية فيمن أبعد في الهزيمة وزاد على القدر المسوغ. [٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨] بتصرف
(٤١٥) من قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
يعني: ظنهم وقولهم: أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا ﴿حَسْرَةً﴾ أي: ندامة ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ والحسرة الاهتمام على فائت لم يُقدر بلوغه.
وقيل: لا تكونوا مثلهم ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ القول: ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل المعنى: لا تصدقوهم ولا تلتفتوا إليهم فكان ذلك حسرة في قلوبهم وقيل: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يوم القيامة لما هم
стр. 214
فيه من الخزي والندامة ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة. [٤/ ٢٤٠]
(٤١٦) من قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومعنى الآية: أنه ﵊ لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه.
والفظ: الغليظ الجافي. وغِلَظُ القلب: عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة.
ومن ذلك قول الشاعر:
يُبكى علينا ولا نبكي على أحد … لنحن أغلظ أكباداً من الإبل
والمعنى: يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم. [٤/ ٢٤١]
(٤١٧) من قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال العلماء: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بهذه الأوامر التي هي بتدريجٍ بليغ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم مَالَهُ في خاصته عليهم من تبعة.
فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضًا.
فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور. [٤٠/ ٢٤١]
(٤١٨) من قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
روي عن الحسن البصري والضحاك قالا: «ما أمر الله تعالى نبيه
стр. 215
بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده». [٤/ ٢٤٢]
(٤١٩) ولقد أحسن القائل:
شاور صديقك في الخفي المشكل … واقبل نصيحة ناصح متفضل
فالله قد أوصى بذاك نبيه … في قوله: شاورهم وتوكل
وجاء في «مصنف أبي داوود» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المستشار مؤتمن» قال العلماء: وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالمًا دينا وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. قال الحسن: ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه قاله الخطابي وغيره.
وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا وادًّا في المستشير قال:
وإن باب أمر عليك التوى … فشاور لبيبًا ولا تعصه
وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غاليًا وأنت تأخذه مجانًا وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة وهي أعظم النوازل شورى.
قال البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.
стр. 216
وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخش الله تعالى.
وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم.
والشورى مبنية على اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولًا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلًا عليه إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب وبهذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية. [٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤] بتصرف.
(٤٢٠) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه ﷺ إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم. والعزم: هو الأمر المُرَوَّى المنقح وليس ركوب الرأي دون تروية عزمًا إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب كما قال:
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه … ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه … ولم يرض إلا قاثم السيف صاحبا صاحبا
وقال ابن عطية: … الحزم: جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه والعزم قصد الإمضاء .. فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم. والعرب تقول قد أَحْزِمُ لو أَعْزِم. [٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥] بتصرف
стр. 217
(٤٢١) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
أي: يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته معذبًا بحمله وثقله ومرعوبًا بصوته وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد … وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر في أن ينصب له لواء عند استه بقدر غدرته وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه ألا ترى إلى قول الشاعر:
أَسُمَيَّ ويحكِ هل سمعتِ بغدرة … رُفع اللواء لنا بها في المجمع
وكانت العرب ترفع للغادر لواء وكذلك يُطاف بالجاني مع جنايته. [٤/ ٢٤٩]
(٤٢٢) ومن الغلول حبس الكتب عن أصحابها ويدخل غيرها في معناها قال الزهري: «إياك وغلول الكتب فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها». [٤/ ٢٥٥]
(٤٢٣) من قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣].
فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة ثم المؤمنون يختلفون أيضًا فبعضهم أرفع درجة من بعض وكذلك الكفار والدرجة الرتبة ومنه الدرج لأنه يُطوى رتبة بعد رتبة والأشهر في منازل جهنم دركات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، فلمن لم يغل
стр. 218
درجات في الجنة ولمن غل دركات في النار. قال أبو عبيدة: «جهنم أدراك أي منازل يقال لكل منزل منها: دَرَك ودَرْك. والدرَك إلى أسفل والدرج إلى أعلى». [٤/ ٢٥٦]
(٤٢٤) من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥].
﴿مُصِيبَةٌ﴾ أي: غلبة ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد أي فهزمتوهم يوم بدر ويوم أحد أيضًا في الابتداء وقتلتم فيه قريبًا من عشرين قتلتم منهم في يومين ونالوا منكم في يوم أحد ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، يعني: مخالفة الرماة. وما من قوم أطاعوا نبيهم في حرب إلا نُصروا لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون. [٤/ ٢٥٧] بتصرف
(٤٢٥) من قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧].
واختلف الناس في معنى قوله: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ فقال السدي وابن جريج وغيرهما. كثروا سوادنا وإن لم تقاتلوا معنا فيكون ذلك دفعًا وقمعًا للعدو فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو.
وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبدالله بن أم مكتوم الأعمى
стр. 219
وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي وروي عنه أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله.
وقال أبو عون الأنصاري: معنى ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ رابطوا وهذا قريب من الأول ولا محالة أن المرابط مدافع لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو.
وذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ إنما هو استدعاء إلى القتال حمية لأنه استدعاهم إلى القتال في سبيل الله وهي أن تكون كلمة الله هي العليا فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة أي: أو قاتلوا دفاعًا عن الحوزة ألا ترى أن قُزمان قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم أحد لما رأى قريشًا قد أرسلت الظهر في زروع قناة أتُرعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ المعنى: إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دفعًا عن أنفسكم وحريمكم. [٤/ ٢٥٩]
(٤٢٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩].
روى بقي بن مخلد عن جابر قال لقيني رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر ما لي أراك منكسًا مهتمًا»، قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً
стр. 220
وعليه دين، فقال: «ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: «إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحاً وما كلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي تمن أعطك، قال: يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﵎: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي»؛ فأنزل الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية» أخرجه ابن ماجه في «سننه»، والترمذي في «جامعه»، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٤/ ٢٦١]
(٤٢٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
أخبر الله تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم.
وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون وهذا هو الصحيح من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع. [٤/ ٢٦٢] بتصرف
(٤٢٨) يقال: ما مات فلان أي ذكره حي كما قيل
موت التقي حياة لا فناء لها … قد مات قوم وهم في الناس أحياء
[٤/ ٢٦٢]
стр. 221
(٤٢٩) العدو إذا صبح قومًا في منزلهم ولم يعلموا به فقتل منهم فهل يكون حكمه حكم قتيل المعترك أو حكم سائر الموتى.
وهذه المسألة نزلت عندنا بقرطبة أعاذها الله.
أغار العدو -قصمه الله- صبيحة الثالث من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجرانهم على غفلة فقتل وأسر وكان من جملة من قُتل والدي ﵀ فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال: غسله وصل عليه فإن أباك لم يقتل في المعترك بين الصفين ثم سألت شيخنا ربيع بن عبدالرحمن بن أحمد بن ربيع بن أُبي فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسله وكفنه وصل عليه ففعلت ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في التبصرة لأبي الحسن اللخمي وغيرها. ولو كان ذلك قبل ذلك ما غسلته وكنت دفنته بدمه في ثيابه. [٤/ ٢٦٤]
(٤٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى إنه يكفر الذنوب كما قال ﷺ : «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين كذلك قال لي جبريل ﵇ آنفًا».
قال علماؤنا: ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة
стр. 222
بالذمم كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من التبعات فإن كل هذا أولى ألا يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنة الثابتة. [٤/ ٢٦٥]
(٤٣١) الدَّين الذي يُحبس به صاحبه عن الجنة -والله أعلم- هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوصِ به أو قدر على الأداء فلم يؤده أو ادّانه في سرف أو سفه ومات ولم يوفّه وأما من أدّان في حق واجب لِفَاقَةٍ وعُسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدي عنه دينه إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين أو من الفيء الراجع على المسلمين قال ﷺ : «من ترك دينًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالًا فلورثته». [٤/ ٢٦٧]
(٤٣٢) من قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤].
قال علماؤنا: لما فوضوا أمورهم إليه واعتمدوا بقلوبهم عليه أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة والفضل وصرف السوء واتباع الرضا فرضاهم عنه ورضي عنهم. [٤/ ٢٧٥]
(٤٣٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يُعَذَّب عليه قال الأستاذ أبو علي الدقاق: دخلت على أبي بكر بن فُورَك
стр. 223
﵀ عائدًا فلما رآني دمعت عيناه فقلت له: إن الله يعافيك ويشفيك فقال لي: أترى أني أخاف الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت. [٤/ ٢٧٦].
(٤٣٤) روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له لأنه إن كان برًا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وإن كان فاجرًا فقد قال الله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]». [٤/ ٢٧٨].
(٤٣٥) من قوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١].
أي: ونكتب قتلهم الأنبياء أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم.
وَحَسَّنَ رجل عند الشعبي قتل عثمان ﵁ فقال له الشعبي: شَرِكْتَ في دمه فجعل الرضا بالقتل قتلًا ﵁.
قلت: وهذه مسألة عظمى حيث يكون الرضا بالمعصية معصية. [٤/ ٢٨٦]
(٤٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
أي: تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية والمتاع ما يتمتع به وينتفع كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه قاله أكثر المفسرين.
قال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له. وقال قتادة:
стр. 224
هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع ولقد أحسن من قال:
هي الدار دار الأذى والقذى … ودار الفناء ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها … لمت ولم تقضِ منها الوطر
أيا من يؤمل طول الخلود … وطول الخلود عليه ضرر
إذا أنت شبت وبان الشباب … فلا خير في العيش بعد الكبر
والغَرور بفتح الغين الشيطان يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة.
قال ابن عرفة: الغُرُور ما رأيتَ له ظاهرًا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول والشيطان غَرور لأنه يعمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء، قال: ومن هذا بيع الغرر وهو ما كان له ظاهر بيعٍ يَغر وباطنٌ مجهول. [٤/ ٢٩٥].
(٤٣٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال الحسن وقتادة: «هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب فمن علم شيئًا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم؛ فإنه هلكة».
وقال محمد بن كعب: «لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا للجاهل أن يسكت على جهله. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه
стр. 225
الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك قال حدثني. قلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يُعلموا. قال: فحدثني أربعين حديثًا». [٤/ ٢٩٧]
(٤٣٨) وفي «الصحيحين»: عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة وفيه: فقام رسول الله ﷺ فمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران وقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم صلى ثلاث عشرة ركعة. الحديث.
فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات، ثم إقباله على صلاته بعده وهذه السنة هي التي يعتمد عليها فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يومًا وليلة وشهرًا مفكرًا لا يفتر فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر ولا مستمرة على السنن. [٤/ ٣٠٦]
(٤٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
أي: أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم، وقال جعفر الصادق: من حزبه أمر؛ فقال: خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤوا إن شئتم ﴿الَّذِينَ
стр. 226
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. [٤/ ٣٠٩]
(٤٤٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
في «الموطأ»: عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن: «هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه». رواه الحاكم أبو عبدالله في «صحيحه».
واحتج أبو سلمة بقوله ﵊: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط (ثلاثًا)». رواه مالك.
قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الرباط الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا
стр. 227
فارسًا كان أو راجلًا واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي ﷺ : «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله. [٤/ ٣١٤]
(٤٤١) من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع كما قاله من بَعُدَ فهمه للكتاب والسنة وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي ﷺ نكح تسعًا وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع. وذهب بعض أهل الظاهر أيضًا إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكًا منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع، وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع وأخرج مالك في موطئه والنسائي والدارقطني في «سننهما» أن النبي ﷺ قال لغيلان بن أمية الثقفي، وقد أسلم وتحته عشر نسوة «اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن». [٥/ ٢٠]
(٤٤٢) ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: يا أمير
стр. 228
المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله فقال لها: نعم الزوج زوجك فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب فقال له كعب الأسدي: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما فقال كعب عليَّ بزوجها فَأُتي به فقال له إن امرأتك هذه تشكوك قال أفي طعام أم شراب؟ قال: لا فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم رشده … ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده … فاقض القضا كعب ولا تردده
نهاره وليله ما يرقده … فلست في أمر النساء أحمده
فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفي الحجل … أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع الطول … وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
إن لها عليك حقًا يا رجل … نصيبها في أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل
ثم قال: إن الله قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن لربك فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة. [٥/ ٢١]
стр. 229
(٤٤٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
قال الضحاك وغيره: في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين ﴿فَوَاحِدَةً﴾ فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة وذلك دليل على وجوب ذلك والله أعلم. [٥/ ٢٢]
(٤٤٤) من قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها ألا ترى أنها المُنْفِقَة كما قال ﵊: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وهي المعاهدة المبايعة وبها سميت الألية يمينًا وهي المتلقية لرايات المجد كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عَرَابةُ باليمين
[٥/ ٢٣]
(٤٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
دخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئًا وهبته امرأته من مهرها فقال له: كل من الهنيء المريء وقيل: الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة ولا في الآخرة تبعة. [٥/ ٢٩]
стр. 230
(٤٤٦) روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته درهمًا من صداقها ثم ليشتر به عسلًا فليشربه بماء السماء فيجمع الله له الهنيء والمريء والماء المبارك. [٥/ ٢٦]
(٤٤٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة. [٥/ ٣٠]
(٤٤٨) روي عن عمر أنه قال: «من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا». [٥/ ٣٠]
(٤٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩].
قوله ﵊ لسعد: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»؛ فإن لم يكن للإنسان ولد أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح فيكون وزره عليه. [٥/ ٥٢]
(٤٥٠) قال ابن العربي: «كان أصل النفي أن بني إسماعيل أجمع رأيهم على أن من أَحْدَث حدثًا في الحرم غُرب عن بلده وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة». [٥/ ٨٦]
(٤٥١) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]
قال ابن عباس والسدي: معناه قبل المرض والموت. وروي عن
стр. 231
الضحاك أنه قال: «كل ما كان قبل الموت فهو قريب». وقال أبو مجلز والضحاك أيضًا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسوق وأن يغلب المرء على نفسه ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال:
قدم لنفسك توبة مرجوة … قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها … ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا ﵏: وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت لأن الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قاله الهروي: وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. والمبادر في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح والبعد كل البعد الموت.
وروى صالح المري عن الحسن قال: «من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به». [٥/ ٨٩]
(٤٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
أي: على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذا لكل أَحَدٍ عِشْرة زوجًا كان أو وليًا ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقًا في القول
стр. 232
لافظًا ولا غليظًا ولا مظهرًا ميلًا إلى غيرها، والعشرة: المخالطة والممازجة … وقال بعضهم: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. قال يحيى الحنظلي: أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية فقلت: ما هذا! قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن وقال ابن عباس ﵄ إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي. [٥/ ٩٣]
(٤٥٣) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].
أي: لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين.
قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» أو قال: «غيره» المعنى: لا يبغضها بغضًا كليًا يحمله على فراقها أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب.
وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له فيسخط على ربه فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وذكر ابن العربي … عن أبي بكر بن عبدالرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها فيقال له في أمرها ويعذل
стр. 233
بالصبر عليها فكان يقول أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. [٥/ ١٤]
(٤٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣].
الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. [٥/ ١٠٩]
(٤٥٥) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي ﷺ عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ فقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ : «يستبرؤن المسبية بحيضة» وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض». [٥/ ١٨٧]
стр. 234
(٤٥٦) من قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]
روي عن ابن عباس أنه قرأ (وخَلَقَ الإنسان ضعيفًا) أي وخلق الله الإنسان ضعيفًا أي لا يصبر عن النساء. قال ابن المسيب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وصاحبي أعمى أصم - يعني ذكره - وإني أخاف من فتنة النساء ونحوه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال عبادة: ألا تروني لا أقوم إلا رفدًا ولا آكل إلا ما لُوِّق لي. قال يحيى يعني: لُيِّن وسُخِّن- وقد مات صاحبي منذ زمان قال يحيى -يعني ذكره- وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي إنه لا سمع له ولا بصر. [٥/ ١٤٣]
(٤٥٧) وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال سمعت شعيبًا يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت النبي ﷺ يقول: «أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله» … وفي قول عمرو بن شعيب: «سمعت أبي يقول» دليل على صحة حديثه فإن الدارقطني قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن علي الوراق قال: قلت لأحمد بن حنبل: شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ قال يقول حدثني أبي قال: فقلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قل: نعم أراه قد سمع منه. قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هو
стр. 235
عمرو بن شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص وقد صح سماع عمرو بن شعيب وسماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. [٥/ ١٤٨ - ١٤٩] بتصرف.
(٤٥٨) وقال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت أبا داود السجستاني يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة فقلت له: وكيف؟ قال يقول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] يعني الجنة.
وقال النبي ﷺ : «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإذا كان الله يغفر ما دون الكبائر والنبي ﷺ يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. [٥/ ١٥٤]
(٤٥٩) وروي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعًا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢]. [٥/ ١٥٤]
стр. 236
(٤٦٠) وقال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] ن ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]. [٥/ ١٥٥]
(٤٦١) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢].
التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله والجمهور على إجازة ذلك. مالك وغيره وهي المراد عند بعضهم في قوله ﵊: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» فمعنى قوله: لا حسد: أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث: باب الاغتباط في العلم والحكمة. [٥/ ١٥٥]
стр. 237
(٤٦٢) من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]
روى الترمذي عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يُسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج» وخرج أيضًا ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه» وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله … وبُنَيَّ آدم حين يُسأل يَغضب
وقال سعيد بن جبير ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] العبادة ليس من أمر الدنيا وقيل: سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه. وعن عائشة ﵄ أنها قالت: سلوا ربكم حتى الشبع فإنه إن لم ييسره الله لم يتيسر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. وقرأ الكسائي وابن كثير (وسلوا الله من فضله) بغير همز في جميع القرآن. [٥/ ١٥٨]
(٤٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]
وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحًا إلا هنا وفي الحدود العظام فساوى معصيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر وولى الأزواج ذلك دون الأئمة وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانًا من الله تعالى للأزواج على النساء ٥/ ١٦٦
стр. 238
(٤٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا وهو الصحيح والإحسان قد يكون بمعنى المواساة وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقد أكد ﵇ ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل مَنْ آذى جاره فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه». [٥/ ١٧٦]
(٤٦٥) من قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]
أي الرفيق في السفر … وقال ربيعة بن أبي عبدالرحمن: للسفر مروءة وللحضر مروءة فأما المروءة في السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله . [٥/ ١٨١]
(٤٦٦) من قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وقال الحسن: «ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَس دائم وحزن لازم وعبرة لا تنفد». وقال عبد الله بن مسعود: «لا تعادوا نعم الله قيل
стр. 239
له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» يقول الله تعالى في بعض الكتب: «الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي». ولمنصور الفقيه:
ألا قل لمن ظل لي حاسدًا … أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه … إذا أنت لم ترض لي ما وهب
وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك
ولرجل من قريش:
حسدوا النعمة لما ظهرت … فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة … لم يضرها قول أعداء النعم
[٥/ ٢٤٢]
(٤٦٧) يقال إن كل من كان أتقى فشهوته أشد لأن الذي لا يكون تقيًا فإنما يتفرج بالنظر والمس ألا ترى ما روي في الخبر: «العينان تزنيان واليدان تزنيان» فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع والمتقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعًا وقال أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك. [٥/ ٢٤٣]
(٤٦٨) من قوله تعالى: ﴿ … وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ … ﴾ [النساء: ٥٩].
قال سهل بن عبدالله التستري: «أطيعوا السلطان في سبعة ضرب
стр. 240
الدراهم والدنانير والمكاييل والأوزان والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد».
قال سهل: إذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميراً جائراً، وقال ابن خويز منداد وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة وإقامة ذلك على وجه الشريعة وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاني جازت الصلاة معهم وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يُخافوا فيصلى معهم تقية وتعاد الصلاة. [٥/ ٢٤٩]
(٤٦٩) من قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر ﵁ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق ﵁ صديقًا كما أجمعوا على تسمية محمد ﵊ رسولًا وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله ﷺ لم يجز أن يتقدم بعده أحد والله أعلم. [٥/ ٢٦٢]
стр. 241
(٤٧٠) من قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ [النساء: ٧٧].
.. وقيل هو وصف للمنافقين والمعنى: يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي عندهم وفي اعتقادهم.
قلت: وهذا أشبه بسياق الآية لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] أي هلا ولا يليها إلا الفعل ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة على ما هو معروف من سيرتهم ﵃ اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه ولا انشرح بالإسلام جنانه فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه المشقة وتدركه الشدة والله أعلم. [٥/ ٢٧٠]
(٤٧١) من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢].
ودلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه فكان في هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي ﷺ ومنع أن يُتأول على ما يسوغه لسان العرب وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد وفيه دليل على إثبات القياس. [٥/ ٢٧٧]
стр. 242
(٤٧٢) من قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤].
إن قال قائل: نحن نرى الكفار في بأس وشدة وقلتم: إنَّ عسى بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وُجد ولو لحظة مثلًا فقد صدق الوعد فكف الله بأس المشركين ببدر الصغرى وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] وبالحديبية أيضًا عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] على ما يأتي وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين وتركوا المحاربة داخرين فكف الله بأسهم عن المؤمنين والحمد لله رب العالمين. [٥/ ٢٨١]
(٤٧٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩].
والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال ﵊: «لا هجرة بعد
стр. 243
الفتح» وكذلك هجرة المنافقين مع النبي ﷺ في الغزوات وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة وهجرة المسلم ما حرم الله عليه كما قال ﷺ : «والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه» وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبًا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي ﷺ مع كعب وصاحبيه ﵃. [٥/ ٢٩٤]
(٤٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠].
تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارًا كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]، وإما تمحيصًا للذنوب كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١] ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. [٥/ ٩٦]
(٤٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]
الدية: ما يعطى عوضًا عن دم القتيل إلى وليه ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مدفوعة مؤداة ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقًا وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل وإنما أخذ ذلك من السنة ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات
стр. 244
وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظًا ولا أن وزر القاتل عليهم ولكن مواساة محضة. [٥/ ٣٠٠]
(٤٧٦) ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأن الدية مائة من الإبل ووداها ﷺ في عبد الله بن سهل المقتول فكان ذلك بيانًا على لسان نبيه ﵇ لمجمل كتابه وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل فقالت طائفة: على أهل الذهب ١٠٠٠ دينار وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم.
وقال الشافعي: الدية الإبل فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قومها عمر وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: الدية من الورق عشرة آلاف درهم … بتصرف. [٥/ ٣٠٠]
(٤٧٧) ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة وأجمع أهل العلم على القول به وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبي ﷺ لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه ابنه «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» العمد دون الخطأ. وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة واختلفوا في الثلث والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدًا ولا اعترافًا ولا صلحًا ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث وما دون الثلث في مال الجاني وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني قَلَّتْ
стр. 245
الجناية أو كثرت لأن من غرم الأكثر غرم الأقل كما عُقل العمد في مال الجاني قَلَّ أو كثر هذا قول الشافعي. [٥/ ٣٠٤]
(٤٧٨) وقال أبو عمر: أجمع العلماء قديمًا وحديثًا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقود به. [٥/ ٣٠٥]
(٤٧٩) وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قال أبو عمر: إنما صارت ديتها- والله أعلم- على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] و ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]. [٥/ ٣٠٩]
(٤٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].
وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر وهو أيضًا مروي عن زيد وابن عباس إلى أن له- القاتل العمد- توبة. روى يزيد بن هارون قال أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال جاء رجل إلى ابن
стр. 246
عباس فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا إلا النار قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة؛ قال: إني لأحسبه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح وأن هذه الآية مخصوصة ودليل التخصيص آيات وأخبار. [٥/ ٣١٦]
(٤٨١) من قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤].
ويسمى متاع الدنيا عرضًا لأنه عارض زائل غير ثابت … وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس» وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه:
تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنما … يكون الغنى والفقر من قبل النفس
[٥/ ٣٢٣]
(٤٨٢) من قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد وصح وثبت في الخبر أنه ﵊ قال وقد قفل من بعض غزواته: «إن بالمدينة رجالًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم مسيرًا إلا كانوا معكم
стр. 247
أولئك قوم حبسهم العذر» فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل يحتمل أن يكون أجره مساويًا وفي فضل الله متسع وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك: «إن بالمدينة … » ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله ﵊: «إنما الدنيا لأربعة نفر … الحديث» … ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: إذا مرض العبد قال الله تعالى: «اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي». [٥/ ٣٢٦]
(٤٨٣) وقد اختلف الناس في هذه المسألة- الغنى أفضل أم الفقر- مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم فذهب قوم إلى تفضيل الغنى لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز. وقال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.
وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر لأن الفقير تارك والغني مُلابس وترك الدنيا أفضل من مُلابستها. قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن (خير
стр. 248
الأمور أوسطها) ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال:
ألا عائذًا بالله من عدم الغنى … ومن رغبة يومًا إلى غير مرغب
[٥/ ٣٢٦]
(٤٨٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧]
المدينة؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. [٥/ ٣٢٩]
(٤٨٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية.
قال عكرمة مولى ابن عباس: «طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديمًا وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل ونحو منه قول ابن عباس: «مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ما يمنعني إلا مهابته» والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع. [٥/ ٣٣١]
(٤٨٦) قال ابن العربي: قسم العلماء ﵃ الذهاب في الأرض قسمين هربًا وطلبًا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
стр. 249
الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام.
الثاني: الخروج من أرض البدعة.
الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام.
الرابع: الفرار من الأذية في البدن.
الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة.
السادس: الفرار خوف الأذية في المال.
وأما قسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دِيْن وطلب دُنيا فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام:
الأول: سفر العبرة.
الثاني: سفر الحج.
الثالث: سفر الجهاد.
الرابع: سفر المعاش.
الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت.
السادس: في طلب العلم.
السابع: قصد البقاع.
الثامن: الثغور للرباط.
التاسع: زيارة الإخوان في الله. [٥/ ٣٣٣] بتصرف
стр. 250
(٤٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
اختلف العلماء في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم.
فقال مالك والشافعي والليث بن سعد والطبري وأبو ثور: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم وروي عن سعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم وإن كان أقل قصر وهو قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي وروي عن سعيد أيضًا.
وقال أحمد: إذا جمع المسافر مَقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر وإن زاد على ذلك أتم وبه قال داود والصحيح ما قاله مالك لحديث ابن الحضرمي عن النبي ﷺ أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يُصدر أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما.
ومعلوم أن الهجرة إذ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز فجعل النبي ﷺ للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيز الإقامة وأبقى عليه فيها حكم المسافر ومنعه من مقام الرابع فحكم له بحكم الحاضر القاطن فكان ذلك أصلًا معتمدًا عليه. [٥/ ٣٣٩، ٣٤٠]
следующие страницы →