← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عباس فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا إلا النار قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة؛ قال: إني لأحسبه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح وأن هذه الآية مخصوصة ودليل التخصيص آيات وأخبار. [٥/ ٣١٦] (٤٨١) من قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]. ويسمى متاع الدنيا عرضًا لأنه عارض زائل غير ثابت … وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس» وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه: تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال إنما … يكون الغنى والفقر من قبل النفس [٥/ ٣٢٣] (٤٨٢) من قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد وصح وثبت في الخبر أنه ﵊ قال وقد قفل من بعض غزواته: «إن بالمدينة رجالًا ما قطعتم واديًا ولا سرتم مسيرًا إلا كانوا معكم

стр. 247

أولئك قوم حبسهم العذر» فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل يحتمل أن يكون أجره مساويًا وفي فضل الله متسع وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك: «إن بالمدينة … » ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله ﵊: «إنما الدنيا لأربعة نفر … الحديث» … ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: إذا مرض العبد قال الله تعالى: «اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي». [٥/ ٣٢٦] (٤٨٣) وقد اختلف الناس في هذه المسألة- الغنى أفضل أم الفقر- مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه وما أبطر من الغنى مذموم فذهب قوم إلى تفضيل الغنى لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز. وقال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر لأن الفقير تارك والغني مُلابس وترك الدنيا أفضل من مُلابستها. قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن (خير

стр. 248

الأمور أوسطها) ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال: ألا عائذًا بالله من عدم الغنى … ومن رغبة يومًا إلى غير مرغب [٥/ ٣٢٦] (٤٨٤) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] المدينة؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. [٥/ ٣٢٩] (٤٨٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية. قال عكرمة مولى ابن عباس: «طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديمًا وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل ونحو منه قول ابن عباس: «مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ما يمنعني إلا مهابته» والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع. [٥/ ٣٣١] (٤٨٦) قال ابن العربي: قسم العلماء ﵃ الذهاب في الأرض قسمين هربًا وطلبًا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:

стр. 249

الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام. الثاني: الخروج من أرض البدعة. الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام. الرابع: الفرار من الأذية في البدن. الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة. السادس: الفرار خوف الأذية في المال. وأما قسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دِيْن وطلب دُنيا فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام: الأول: سفر العبرة. الثاني: سفر الحج. الثالث: سفر الجهاد. الرابع: سفر المعاش. الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت. السادس: في طلب العلم. السابع: قصد البقاع. الثامن: الثغور للرباط. التاسع: زيارة الإخوان في الله. [٥/ ٣٣٣] بتصرف

стр. 250

(٤٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. اختلف العلماء في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم. فقال مالك والشافعي والليث بن سعد والطبري وأبو ثور: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم وروي عن سعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم وإن كان أقل قصر وهو قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي وروي عن سعيد أيضًا. وقال أحمد: إذا جمع المسافر مَقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر وإن زاد على ذلك أتم وبه قال داود والصحيح ما قاله مالك لحديث ابن الحضرمي عن النبي ﷺ أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يُصدر أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما. ومعلوم أن الهجرة إذ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز فجعل النبي ﷺ للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيز الإقامة وأبقى عليه فيها حكم المسافر ومنعه من مقام الرابع فحكم له بحكم الحاضر القاطن فكان ذلك أصلًا معتمدًا عليه. [٥/ ٣٣٩، ٣٤٠]

стр. 251

(٤٨٨) من قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]. قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ خرج الكلام على الغالب إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار ولهذا قال يعلى بن أمية قلت لعمر: ما لنا نقصر وقد أَمِنّا. قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». [٥/ ٣٤٤] (٤٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. أي تمنى وأحب الكافرون غفلتكم عن أخذ السلاح ليصلوا إلى مقصودهم فبين الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أولى بأخذ الحِذْر لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة وأيضًا يقول العدو قد أثقلتهم السلاح وكَلّوا. وفي هذه الآية دليل على تعاطي الأسباب واتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب ويوصل إلى السلامة ويبلغ دار الكرامة. [٥/ ٣٥٤] (٤٩٠) من قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. أي كونوا متيقظين وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد

стр. 252

التأهب والحذر من العدو في كل الأحوال وترك الاستسلام فإن الجيش ما جاءه مصاب قط إلا من تفريط في حذر وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يعني تقلدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة. [٥/ ٣٥٥] (٤٩١) من قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤]. وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. وقال بعض الشعراء: إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدري السكون متى يكون وقال العباس ﵁: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتممته وقال بعض الشعراء: زاد معروفك عندي عظمًا … إنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته … وهو عند الناس مشهور خطير ومن شرط المعروف: ترك الامتنان به وترك الإعجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر. [٥/ ٣٦٥] بتصرف.

стр. 253

(٤٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] والخلة بين الآدميين الصداقة مشتقة من تخلل الأسرار بين المتخالّين وقيل: هي من الخَلَّة فكل واحد من الخليلين يسد خَلَّة صاحبه وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ولقد أحسن من قال: من لم تكن في الله خلته … فخليله منه على خطر آخر: إذا ما كنت متخذًا خليلًا … فلا تثقن بكل أخي إخاء فإن خيرت بينهم فألصق … بأهل العقل منهم والحياء فإن العقل ليس له إذا ما … تفاضلت الفضائل من كفاء وقال حسان بن ثابت ﵁: أخلاء الرجال هم كثير … ولكن في البلاء هم قليل فلا تغررك خلة من تؤاخي … فما لك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنا وفيٌّ … ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خل له حسب ودين … فذاك لما يقول هو الفعول [٥/ ٣٨٢] (٤٩٣) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]. روي عن جعفر بن محمد أن رجلًا شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر فأمره بالطلاق فسئل عن هذه

стр. 254

الآية فقال: أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت لعله من أهل هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. [٥/ ٣٨٩] (٤٩٤) من قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]. وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته أو كان عالمًا فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس أن يذهبه ويأتي بغيره. [٥/ ٣٩٠] (٤٩٥) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥]. لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأم ماضية ولا يمنع ذلك من برهما بل من برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. [٥/ ٣٩١] (٤٩٦) من قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. في الكلام إضمار وهو اسم كان أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنياً فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه وإن يكن فقيرًا فلا يُراعى إشفاقًا ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي فيما اختار لهما من فقر وغنى. [٥/ ٣٩٣]

стр. 255

(٤٩٧) من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]. ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: غير الكفر ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله : ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية وقد روي عن عمر بن عبدالعزيز ﵁ أنه أخذ قومًا يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين إنه صائم فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي إن الرضا بالمعصية معصية ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شُبِّه بحكم الظاهر من المقارنة كما قال: فكل قرين بالمقارن يقتدي. [٥/ ٣٩٧]. (٤٩٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. للعلماء فيه تأويلات خمسة: أحدها: … فقال علي ﵁: معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم.

стр. 256

الثاني: إن الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم. الثالث: إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلهم قال ابن العربي وهذا نفيس جدًا. الرابع: إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا شرعًا فإن وجد فبخلاف الشرع. الخامس: أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت. [٥/ ٣٩٨، ٣٩٩] بتصرف (٤٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. أي يُصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابًا ولا يعتقدون على تركها عقابًا وفي صحيح الحديث: «إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح»، فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به ولولا السيف ما قاموا [٥/ ٤٠٠]. (٥٠٠) قال ابن عمر: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون تصديق ذلك في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال

стр. 257

تعالى عن أصحاب المائدة: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٥]، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦] [٥/ ٤٠٣]. (٥٠١) من قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]. قال مكحول: أربع من كن فيه كن له وثلاث من كن فيه كن عليه. فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار. قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي والنكث، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. [٥/ ٤٠٤] (٥٠٢) من قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك. فقال الحسن: هو الرجل يَظلم الرجل فلا يَدْعُ عليه ولكن ليقل: اللهم

стр. 258

أعني عليه اللهم استخرج حقي اللهم حُل بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء. وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه وإن صبر فهو خير له فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم. وقال هو أيضًا والسدي: لا بأس لمن ظُلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقال ابن المستنير: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ معناه: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفرٍ أو نحوه فذلك مباح. والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ولكن مع اقتصاد إن كان مؤمنًا كما قال الحسن فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا … وإن كان كافرًا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبي ﷺ . [٦/ ٥ - ٦] (٥٠٣) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩]. روى ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا؟ يصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. [٦/ ٨]

стр. 259

(٥٠٤) من قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١]. فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرم الله سبحانه عليهم فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنًا وسنة. قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذا نص وقد عامل النبي ﷺ اليهود ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأمة على جواز التجارة مع أهل الحرب وقد سافر النبي ﷺ إليهم تاجرًا وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم فإن قيل: كان ذلك قبل النبوة قلنا: إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام- ثبت ذلك تواترًا- ولا اعتذر عنه إذ بُعث ولا مَنع منه إذ نُباء ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته ولا أحد من المسلمين بعد وفاته فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره، وقد يجب وقد يكون ندبًا فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فمباح. [٦/ ١٤] (٥٠٥) من قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٢]. وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة (والمقيمون) على العطف وكذا

стр. 260

هو في حرف عبد الله وأما حرف أبي فهو فيه ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ كما في المصاحف واختلف في نصبه على أقوال ستة أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح أي وأعني المقيمين قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم ومن ذلك ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ وأنشد: وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم … إلا نميراً أطاعت أمر غاويها [٦/ ١٥] (٥٠٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. ﴿إِلَى نُوحٍ﴾ قدمه لأنه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع … ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا يتناول جميع الأنبياء ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٦٣]، فخص أقوامًا بالذكر تشريفًا لهم كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ثم قال: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ [النساء: ١٦٣] قدم عيسى على قوم كانوا قبله لأن الواو لا تقتضي الترتيب وأيضًا فيه تخصيص عيسى ردًا على اليهود وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا ﷺ وشرفه حيث قدمه في الذكر على أنبيائه ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية. [٦/ ١٧] (٥٠٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]. الزبور كتاب داود وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال

стр. 261

ولا حرام وإنما هي حكم ومواعظ. والزَّبر الكتابة والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب … والأصل في الكلمة التوثيق يقال بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة والكتاب يسمى زبورًا لقوة الوثيقة به وكان داود ﵇ حسن الصوت فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجن والطير والوحش لحسن صوته وكان متواضعًا يأكل من عمل يده. [٦/ ١٨] (٥٠٨) من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. نهى عن الغلو. والغلو التجاوز في الحد ومنه غلا السعر يغلو غلاء وغلا الرجل في الأمر غلواً وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها. ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم وغلو النصارى فيه حتى جعلوه رَباً فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ولذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين وقال الشاعر: وأوف ولا تستوف حقك كله … وصافح فلم يستوف قط كريم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقال آخر: عليك بأوساط الأمور فإنها … نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وفي «صحيح البخاري» عنه ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله». [٦/ ٢١]

стр. 262

(٥٠٩) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧١]. لم يذكر الله امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعًا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ ولا يبتذلون أسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالعِرس والأهل والعيال ونحو ذلك فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى في مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله باسمها ولم يُكَنِّ عنها بالأُمُوّة والعبودية التي هي صفة لها وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها. [٦/ ٢٢] (٥١٠) اعتقاد أن عيسى ﵇ لا أب له واجب فإذا تكرر اسمه منسوبًا للأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله. والله أعلم. [٦/ ٢٢] (٥١١) من قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. هذه الآية تسمى بآية الصيف لأنها نزلت في زمن الصيف قال عمر: إني والله لا أدع شيئًا أهم إلي من أمر الكلالة وقد سألت رسول الله ﷺ عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في

стр. 263

صدري ثم قال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء. [٦/ ٢٨] (٥١٢) من قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له لأن في التقوى رضا الله تعالى وفي البر رضا الناس ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته وقال ابن خويز منداد في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ويعينهم الغني بماله والشجاع بشجاعته في سبيل الله وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة. [٦/ ٤٥] (٥١٣) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]. والأزلام للعرب ثلاثة أنواع منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها أفعل وعلى الثاني لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه فإذا أراد فعل شيء أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب .. وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون. والنوع الثاني: سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل من أمر

стр. 264

الديات وفي آخر (منكم) وفي آخر (من غيركم) وفي آخر (ملصق) (١) وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بنيه … والنوع الثالث: هو قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها فيها حظوظ وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة لهوًا ولعبًا وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم. عن سعيد بن جبير: أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. [٦/ ٥٧] (٥١٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: ٤]. وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس لاسيما إذا عمل بما علم وهذا كما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه». [٦/ ٧٣]

стр. 265

(٥١٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]. ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق وأن المُثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدًا لإيصال الغم والحزن إليهم. [٦/ ١٠٨] (٥١٦) من قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]. النقيب: كبير القوم القائم بأمورهم الذي يُنَقِّبُ عنها وعن مصالحهم فيها والنَّقَّاب: الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ومنه قيل في عمر ﵁: إنه كان لنقّاباً. فالنقباء الضُّمان واحدهم نقيب وهو شاهد القوم وضمينهم يقال: نقب عليهم وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة والنَّقب والنُّقَبَ الطريق في الجبل وإنما قيل نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم وقال قوم: النقباء الأمناء على قومهم وهذا كله قريب بعضه من بعض. [٦/ ١١٠]. (٥١٧) … واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال … ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال أن موسى ﵊ عرف ملك الموت وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير وعند موسى ما قد نص عليه

стр. 266

نبينا محمدًا ﷺ من: «أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره» فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه فلطمه ففقأ عينه امتحانًا لملك الموت إذ لم يصرح له بالتخيير ومما يدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم والله بغيبه أحكم وأعلم هذا أصح ما قيل في وفاة موسى ﵇ وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصًا وأخبارًا الله أعلم بصحتها وفي الصحيح غنية عنها. [٦/ ١٢٧] (٥١٨) من قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠]. تضمنت هذه الآية البيان عن حال الحاسد حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة وأمسه به رحمًا وأولاهم بالحنو عليه ودفع الأذية عنه. [٦/ ١٣٥]. (٥١٩) من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]. قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبدالله إنكم يا أصحاب محمد تقولون إن قومًا يخرجون من النار، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] فقال جابر: إنكم تجعلون العام خاصًا والخاص عامًا إنما هذا في الكفار خاصةً فقرأتُ الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار

стр. 267

خاصةً و ﴿مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٧]، معناه: دائم ثابت لا يزول ولا يحول. قال الشاعر: فإن لكم بيوم الشَّعب مني … عذابًا دائمًا لكم مقيمًا [٦/ ١٥٢] (٥٢٠) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وقد قطع السارق في الجاهلية وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأمر الله بقطعه في الإسلام فكان أول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن مناف ومن النساء مُرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخروم وقطع أبو بكر اليمني الذي سرق العقد وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبدالرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه. [٦/ ١٥٢] (٥٢١) يقال: بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك؟ فالجواب أن يقال: لما كان حب المال على الرجال أغلب وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في الموضعين هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه في سورة النور من البداية بها على الزاني إن شاء الله ثم جعل الله حد السرقة قطع اليد لتناول المال ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به لثلاثة معان:

стр. 268

أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه الثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره وقطع اليد في السرقة ظاهر: وقطع الذكر في الزنى باطن. الثالث: أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطاله، والله أعلم. [٦/ ١٦٧] (٥٢٢) من قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وسمي المال الحرام سحتًا؛ لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وقال الفراء أصله: كَلَب الجوع يقال رجل مسحوت المعدة أي أكول فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يُعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم. وقيل: سمي الحرام سحتًا لأنه يسحت مروءة الإنسان. [٦/ ١٧٤] (٥٢٣) وعن ابن مسعود أيضًا أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها وقال ابن خويز منداد: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة، فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سُحت حرام وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل وبطل كل حكم حَكَم به بعد ذلك. قلت: وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله لأن أخذ الرشوة منه فسق والفاسق لا يجوز حكمه، والله أعلم. [٦/ ١٧٤]

стр. 269

(٥٢٤) قلت: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب ومن أخذ طيبًا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته، وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال: احتجم رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه قال ابن عبدالبر: هذا يدل على أن كسب الحجام طيب لأن رسول الله ﷺ لا يجعل ثمنًا ولا جُعلا ولا عوضا لشيء من الباطل وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي ﷺ من ثمن الدم وناسخ لما كرهه من إجازة الحجام. [٦/ ١٧٥] (٥٢٥) … وقال الحسن أيضًا: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى وألا يخشوا الناس ويخشوه وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا. [٦/ ١٨١] (٥٢٦) من قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض فإن فعل لم ينفذ وفسخ. [٦/ ٢٠٢] (٥٢٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤]. وهذا من إعجاز القرآن والنبي ﷺ إذ أخبر عن ارتدادهم ولم

стр. 270

يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبًا فكان على ما أخبر بعد مدة وأهل الردة كانوا بعد موته ﷺ قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جؤاثى وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي فقاتل الصديق جميعهم وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم على ما هو مشهور من أخبارهم … [٦/ ٢٠٦] (٥٢٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية أما أنه ذكر في الجمعة على الاختصاص. قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة وإنما كانوا ينادون (الصلاة جامعة) فلما هاجر النبي ﷺ وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان وبقي: (الصلاة جامعة) للأمر يعرض. [٦/ ٨] (٥٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]. لما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم- أي لليهود- يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحًا. وفيهم يقول الشاعر: فلعنة الله على اليهود … إن اليهود إخوة القرود [٦/ ٢٢٣]

стр. 271

(٥٣٠) من قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: ٦٣]. دلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد روى سفيان بن عيينه قال حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال: بلغني أن مَلكًا أُمر أن يَخسف بقرية فقال: يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه: «أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ ساعة قط» وفي صحيح الترمذي «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». [٦/ ٢٢٤] (٥٣١) من قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. هذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره خوفًا من المشركين وفتنتهم .. وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد ﷺ دون من أصر على كفره ولهذا قال: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]، أي: عن الانقياد إلى الحق. [٦/ ٢٣٩ - ٢٤١] بتصرف (٥٣٢) جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال يقول: لا يؤدي شكره فقال الحسن: أفيشرب الماء

стр. 272

البارد؟ فقال: نعم فقال: إن جارك جاهل فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج. [٦/ ٢٤٥]. (٥٣٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]. هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارًا أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخمر بالمعنى الذي فيها فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] الآية فكل لهو دعا قليله إلى كثيره وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حرامًا مثله. [٦/ ٢٧١]. (٥٣٤) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعًا وهات، وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال». قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وكثرة السؤال» التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعًا وتكلفًا فيما لم يتنزل والأغلوطات وتشقيق المولدات وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف ويقولون إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها. قال مالك:

стр. 273

أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله ﷺ . وقيل المراد بكثرة السؤال كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحًا واستكثارًا؛ وقاله أيضًا مالك، وقيل: المراد بكثرة السؤال: السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والإطلاع على مساوئهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] قال ابن خويز منداد: ولذلك قال بعض أصحابنا متى قُدِّم إليه طعام لم يسأل من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو وحَمَلَ أمور المسلمين على السلامة والصحة قلت: والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها والله أعلم. [٦/ ٣٠٨] (٥٣٥) قال ابن عبدالبر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله فمن سأل مستفهما راغبًا في العلم ونفي الجهل عن نفسه باحثًا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به فشفاء العي السؤال ومن سأل متعنتًا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة وإيضاح سبل النظر وتحصيل مقدمات الاجتهاد وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد فإذا عرضت نازلة أُتِيَتْ من بابها ونُشِدَتْ في مظانها والله يفتح صوابها. [٦/ ٣٠٩]

стр. 274

(٥٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. فالمعنى: وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم أو مَسَّتْ حاجتكم إلى التفسير فإذا سألتم فحينئذٍ تبد لكم فقد أباح هذا النوع من السؤال. ومثاله: أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ولم يجر ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل فسألوه فنزل ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] فالنهي إذًا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه فأما ما مست الحاجة إليه فلا. [٦/ ٣١٠]. (٥٣٧) من قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال سعيد بن المسيب: «معنى الآية: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». [٦/ ٣١٩] (٥٣٨) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رُجي القبول أو رُجي ردّ الظالم ولو بعنف ما لم يخف الآمر ضررًا يلحقه في خاصته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا ف ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] محكم واجب أن يوقف عنده ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلًا كما تقدم وعلى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه. [٦/ ٣٢٠]

стр. 275

(٥٣٩) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ١٠٦]. الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين فَلْيُشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدّلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة وحُكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما. [٦/ ٣٢٤] (٥٤٠) من قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى ورزية كبرى فأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وترك التفكر فيه وترك العمل له وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر .. ويروى أن أعرابيًا كان يسير على جمل له فخر الجمل ميتًا فنزل الأعرابي عنه وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول مالك لا تقوم مالك لا تنبعث هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة ما شأنك ما الذي كان يحملك ما الذي كان يبعثك ما الذي صرعك ما الذي عن الحركة منعك ثم تركه وانصرف متفكرًا في شأنه متعجبًا من أمره. [٦/ ٣٢٦]

стр. 276

(٥٤١) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩]. قال الماوردي: فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان أحدهما: أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد ليكون ذلك نوعًا من العقوبة لهم. [٦/ ٣٣٥] (٥٤٢) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]. ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره والتفويض لحكمه ولو قال فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه وذلك مستحيل فالتقدير إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك وإن تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء. [٦/ ٣٤٩] (٥٤٣) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]. والقرن: الأمة من الناس والجمع القرون قال الشاعر: إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم … وخلفت في قرن فأنت غريب فالقرن: كل عَالَم في عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن بعضهم

стр. 277

إلى بعض وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني -يعني أصحابي- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» هذا أصح ما قيل فيه. وقيل المعنى: من أهل قرن فحذف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فالقرن على هذا مدة من الزمان قيل ستون عامًا وقيل سبعون وقيل ثمانون وقيل: مائة وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة واحتجوا بأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن بسر: «تعيش قرنًا»، فعاش مائة سنة ذكره النحاس. وأصل القرن الشيء الطالع كَقَرِنِ مَالَهُ قَرْن من الحيوان. [٦/ ٣٦٠] (٥٤٤) من قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١]. أي: قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين المستسخرين المكذبين: سافروا في الأرض فانظروا واستخبروا لتعرفوا ما حل بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب وهذا السفر مندوب إليه إذا كان على سبيل الاعتبار بآثار من خلا من الأمم وأهل الديار والعاقبة آخر الأمر والمكذبون هنا من كذّب الحق وأهله لا من كذّب بالباطل. [٧/ ٣٦٣] (٥٤٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣]. ﴿سَكَنَ﴾: معناه هدأ واستقر والمراد ما سكن وما تحرك فحذف لعلم السامع. وقيل: خص الساكن بالذكر؛ لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة وقيل المعنى: ما خلق فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها فإنه

стр. 278

يجري عليه الليل والنهار وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال. [٦/ ٣٦٥] (٥٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]. روى ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فقال لي: «يا غلام -أو يا بني- ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى فقال: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه واعمل لله بالشكر واليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا» أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب الفصل والوصل وهو حديث صحيح وقد خرجه الترمذي وهذا أتم. [٦/ ٣٦٦] (٥٤٧) من قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ أي والقرآن شاهد بنبوتي ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يا أهل مكة ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي ومن بلغه القرآن فحذف الهاء لطول الكلام وقيل: ومن بلغ الحلم ودل هذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد وتبليغ

стр. 279

القرآن والسنة مأمور بهما كما أمر النبي ﷺ بتبليغهما فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وفي «صحيح البخاري» عن عبدالله بن عمرو عن النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». [٦/ ٣٦٧] (٥٤٨) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق وارتفعت الدواعي ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. [٧/ ٣٦٩]. (٥٤٩) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. مجادلتهم قولهم: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله عن ابن عباس. [٦/ ٣٧١] (٥٥٠) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]. وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ولكنه يدل على كثرة التحسر ومثله يا للعجب ويا للرخا وليسا بمنادين في الحقيقة ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء قال سيبويه: كأنه قال: يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك؛ وكذلك قولك: يا حسرتي أي يا حسرتا تعالي فهذا وقتك

стр. 280

وكذلك ما لا يصح نداؤه يجري هذا المجرى فهذا أبلغ من قولك تعجبت ومنه قول الشاعر: فيا عجبًا من رحلها المتحمل وقيل: هو تنبيه للناس على عظيم ما يحمل بهم من الحسرة أي يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة فوقع النداء على غير المنادى حقيقة كقولك: لا أرينك هاهنا فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة. [٦/ ٣٧٨]. (٥٥١) من قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]. أي: لقصر مدتها كما قال أحدهم: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم … وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة … فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وقال آخر: فاعمل على مهل فإنك ميت … واكدح لنفسك أيها الإنسان فكأنَّ ما قد كان لم يك إذ مضى … وكأن ما هو كائن قد كانا وقيل: المعنى: متاع الحياة الدنيا لعب ولهو أي الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له فهو بمنزلة اللعب واللهو، ونظر سليمان بن عبدالملك في المرآة فقال: أنا الملك الشاب فقالت له جارية له: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما بدا لنا منك عيب … كان في الناس غير أنك فاني [٦/ ٣٧٩]

стр. 281

(٥٥٢) ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة فإن حقيقة اللعب مالا ينتفع به واللهو ما يلتهى به وما كان مرادًا للآخرة خارج عنهما، وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب ﵁ فقال علي: الدنيا دار صِدق لمن صَدَقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها وقال محمود الوراق: لا تُتْبِعِ الدنيا وأيامها … ذمًا وإن دارت بك الدائرة مِنْ شرف الدنيا ومِنْ فضلها … أنَّ بها تستدرك الآخرة [٦/ ٣٨٠] (٥٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. قال سفيان بن عيينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو كالأسد ومنهم يشره كالخنزير ومنهم من يعوي كالكلب ومنهم من يزهو كالطاووس فهذا معنى المماثلة واستحسن الخطابي هذا وقال: فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك. [٦/ ٣٨٤] (٥٥٤) من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. أي: في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث وقيل: أي: في القرآن أي ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن إما دلالة مبينة شروحه وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊ أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ

стр. 282

الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلًا وإما تأصيلًا وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. [٦/ ٣٨٥] (٥٥٥) من قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢] ومعنى ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ بالمصائب في الأموال ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ في الأبدان وهذا قول الأكثر وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. [٦/ ٣٨٨] (٥٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خيرٌ له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه. [٦/ ٣٩٠] (٥٥٧) من قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وخص الغداة والعشي بالذكر لأن الشغل غالب فيهما على الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلًا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. [٦/ ٣٩٥]

стр. 283

(٥٥٨) من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم أي جزاؤهم ورزقهم على الله وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره. ﴿مِنْ﴾ الأولى للتبعيض والثانية زائدة للتوكيد وكذا ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل فإن فعلت كنت ظالمًا. وحاشاه من وقوع ذلك منه وإنما هذا بيان للأحكام ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام وهذا مثل قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله. [٦/ ٣٩٦] (٥٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يُعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه. [٧/ ١٥] (٥٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: ٦٨]. واختلفوا بعد جواز النسيان عليه -أي النبي ﷺ هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا؟ فذهب إلى الأول فيما

стр. 284

ذكره القاضي عياض- عامة العلماء والأئمة النظار كما هو ظاهر القرآن والأحاديث لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء. [٧/ ١٧] (٥٦١) من قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠]. وجاء اللعب مقدمًا في أربعة مواضع وقد نظمت: إذا أتى لعب ولهو … وكم من موضع هو في القرآن فحرف في الحديد وفي القتال … وفي الأنعام منها موضعان [٧/ ١٨] (٥٦٢) يقال إنه لم يدرك النبي ﷺ أربعة ولاءً أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبدالرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبدالرحمن، والله أعلم. [٧/ ٢١]. (٥٦٣) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: منفردين كما خلقتم. وقيل: عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلًا بهما ليس معهم شيء. وقال العلماء: يحشر العبد غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم وُلد؛ فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه وهذا معنى قوله: غرلا أي غير مختونين أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان. [٧/ ٤٠].

стр. 285

(٥٦٤) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]. عَدَّ من عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شيء منه آلهتهم. والفلق: الشق؛ أي يشق النواة الميتة فيخرج منها ورقًا أخضر وكذلك الحبة ويخرج من الورق الأخضر نواة ميتة وحبة وهذا معنى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي عن الحسن وقتادة. وقال ابن عباس والضحاك معنى فالق: خالق وقال مجاهد: عنى بالفلق الشق الذي في الحب وفي النوى والنوى جمع نواة ويجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ. [٧/ ٤١]. (٥٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانًا اقض عني الدين واغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك». [٧/ ٤٢] (٥٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم والمستودع ما كان في الصلب … قال سعيد بن جبير قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا. فقال: إن الله يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه. [٧/ ٤٤].
следующие страницы →