بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فقد مَنَّ الله عليَّ بالتقاط واختيار درر ثمينة من سفر عظيم من أسفار الإسلام ومراجعه العظام في التفسير ألا وهو تفسير الإمام القرطبي ﵀ الموسوم بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان».
وقمت بتدوينها مذيلًا كل فائدة بذكر رقم الجزء والصفحة، وأحيانًا أنقل الفائدة كاملة وأحيانًا أقوم باختصارها، واكتب بعدها «بتصرف»، وقد بلغ عدد هذه الدرر المختارة ألف وأربعمائة وإحدى عشرة فائدة، والطبعة التي التقطت منها تلك
стр. 2
الدرر والفوائد هي الطبعة الرابعة الصادرة عن دار الكتاب العربي ببيروت والتي قام بتحقيقها الأستاذ عبد الرزاق المهدي وتاريخها ١٤٢٢ هـ، وقد منَّ الله عليّ بتقديم هذه الدرر في برنامج أسبوعي أذيع عبر أثير إذاعة القرآن الكريم خلال ثلاث دورات إذاعية في الأعوام ١٤٤٢ - ١٤٤٣ - ١٤٤٤ هـ.
وقبل البدء في عرض تلك الدرر الثمينة يحسن أن أقف بك أيها القارئ الكريم وقفات موجزة تعريفًا بالكتاب ومؤلفه، وهذه الوقفات من تقريرات عالم كبير وشيخ فاضل سبر أغوار هذا الكتاب وصحبه زمنًا طويلًا وتوج هذه الصحبة بإقامة درس علمي في تفسير القرطبي استمر فيه اثنان وعشرون عامًا حيث ابتدأ في عام ١٤١١ هـ وختمه في عام ١٤٣٣ هـ بفضل الله وتوفيقه وهو فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير حفظه الله تعالى، وقد جمعت هذه الوقفات من خلال اللقاء الذي نظمه مركز تفسير للدراسات القرآنية بعنوان: (تجربتي في تدريس تفسير الإمام القرطبي خلال ٢٢ سنة والتي كانت بتاريخ ٢٨/ ٢/ ١٤٣٥ هـ)، وكذلك من خلال الدرس الأول من التعليق الثاني على تفسير القرطبي بتاريخ ٨/ ٥/ ١٤٤٣ هـ.
فإلى أولى هذه الوقفات:
١ - هذا التفسير من أعظم التفاسير إذا استثنينا التفسير بالمأثور للطبري وابن كثير والبغوي وغيرهم مما يعنى بالأثر والرواية وتفسير كلام الله تعالى بأقوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وقد اشتمل على بيان
стр. 3
الأحكام المستنبطة من كتاب الله تعالى، وفيه بيان اللغات والقراءات وفيه فوائد عظيمة لا توجد في غيره فهو أعظم كتاب تفسير في آيات الأحكام وهو يستنبط من الآيات ما قرب وما بعد ويفرع على الآية ويستنبط من الآية مسائل كثيرة جدًا، ويستوعب الأقوال في المسألة ويذكر النوازل والفتاوى الغريبة والقصص المحتفة بهذه المسائل فهو يحشد كل ما يستطيع حشده.
٢ - ومع تعدد وتنوع مشارب المفسرين نرى أن هذا التفسير من أهمها ومن أكثرها فائدة لطلاب العلم مع أنه لم يهمل جانب الأثر ففيه ما يزيد على عشرة آلاف حديث.
٣ - وهذا التفسير في منظومة تفسير آيات الأحكام، وآيات الأحكام صنف فيها على مختلف المذاهب الفقهية، وتفسير القرطبي أوسع هذه التفاسير وأشملها لأن كتب أحكام القرآن لا تفسر جميع الآيات وإنما تفسر ما يشتمل على حكم من أحكام القرآن؛ حكم عملي فقهي.
ومما أولاه القرطبي عناية فائقة الأحكام والمباحث الفقهية حتى كأنك تقرأ في كتاب فقه ومن أوسع كتب الفقه، ويذكر في الآية الواحدة من المسائل العشرات، ذكر في آية الدين ستين مسألة، وذكر في غيرها كثير.
٤ - هذا التفسير لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح القرطبي المالكي الأنصاري الخزرجي رحل إلى المشرق واستوطن ببنية ابن خُصَيب في مصر، وعاش ﵀ عالمًا معلمًا زاهدًا ورعًا مستقلًا عن الدنيا، وأثر الزهد
стр. 4
ظاهر في كتابه، ففيه نفس الوعظ والاهتمام بالرقائق فما تمر مناسبة إلا ويأتي بكلام يلامس القلوب وله في هذا الباب مؤلفات، توفي ﵀ سنة إحدى وسبعين وستمائة قبل ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية بعشر سنوات، له من المصنفات: هذا التفسير العظيم الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان، وله: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، وله أيضًا: التذكار في أفضل الأذكار، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، وله كتب أخرى منها المطبوع وبعضها غير مطبوع.
٥ - وهذا الكتاب أعني تفسير القرطبي على جلالة قدره وعظيم فائدته ينقصه تحقيق مسائل الاعتقاد ولاسيما مسائل الصفات فهو على طريقة الأشعرية وأيضًا فيه ضعف من الناحية الحديثية فهو يشتمل على أكثر من عشرة آلاف حديث لكنه لا يميز بين الصحيح والسقيم وقد يكون الحديث في البخاري ويخرجه من ابن ماجه، وقد يكون في مسلم ويخرجه من نوادر الأصول للحكيم الترمذي، وفيه شيء من الإسرائيليات ولكنها قليلة بالنسبة لغيره من التفاسير.
٦ - والكتاب مليء بالعلم وخفيف في القراءة للتنوع الذي فيه ولهذا كله عنيت بطبعه دار الكتب المصرية وريثة مطبعة بولاق وعنايتها في اللغة والأدب والتواريخ ويندر أن تطبع كتابًا شرعيًا، لكن لكثرة مباحثه اللغوية وكثرة الأشعار كأنك تقرأ في ديوان من دواوين العرب، وينقل عن أئمة اللغة نُقُولٌ، طالب العلم بأمس الحاجة إليها.
стр. 5
٧ - والكتاب حظي بطبعات نفيسة فكان هذا من أسباب تقديمه على غيره، ومن أفضل الطبعات الحديثة طبعة مؤسسة الرسالة بإشراف د/ عبد الله التركي، وهي طبعة جيدة ولا أقول إنها مئة بالمئة، لكن أنا -الشيخ الخضير- ما زلت متعلقًا بالطبعات القديمة فالكتاب مخدوم خدمة تامة.
الأمر الثاني: فيه من العلم أنواع الفنون والعلوم وفيه من الطرائف وأشياء مخبر الكتاب أعظم مما نذكره أو نقوله، وترتيب المسائل فيه يجذب طالب العلم وطباعته في دار الكتب المصرية أيضًا مغرية للقراءة.
وعلى كل حال: الكتاب يحتاج إلى الاهتمام وعناية من طالب العلم وينتقي له نسخة من النسخ التي فيها الإحالات وفيها التعليقات.
وبعد استعراض هذه الوقفات، ندلف بك أيها القارئ الكريم إلى تلك الدرر من تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-.
أسأل الله تعالى أن يجعل عملنا صالحًا ولوجهه خالصًا وأن يجعله حجة لنا لا علينا. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أحمد بن صالح بن عمر بن مرشد
في مدينة الرياض
٤/ ٤/ ١٤٤٤ هـ
ahmd577@gmail.com
стр. 6
(١) الحمد لله المبتدئ بحمد نفسه قبل أن يحمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرب الصمد الواحد الحي القيوم الذي لا يموت ذو الجلال والإكرام والمواهب العظام والمتكلم بالقرآن والخالق للإنسان والمنعم عليه بالإيمان والمرسل رسوله بالبيان محمدًا ﷺ ما اختلف الملوان وتعاقب الجديدان. [١/ ٢٧]
(٢) فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه ويتذكر ما شرح له فيه ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحييه فإنه قد حُمل أعباء الرسل وصار شهيدًا في القيامة على من خالف من أهل الملل. [١/ ٢٨]
(٣) فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته ويتدبر حقائق عبارته ويتفهم عجائبه ويتبين غرائبه قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ويتدبره حق تدبره. [١/ ٢٨]
(٤) وبعد: فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقل بالسنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض رأيت أن اشتغل به مدى عمري واستفرغ فيه مُنَتي -أي قوتي- بأن أكتب فيه تعليقًا وجيزًا يتضمن نكتًا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام
стр. 7
ونزول الآيات جامعًا بين معانيهما ومبينًا ما أشكل منهما بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف وعملته تذكرة لنفسي وذخيرة ليوم رَمْسِي وعملًا صالحًا بعد موتي … وسميته بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان». جعله الله خالصًا لوجهه وأن ينفعني به ووالديّ ومن أراد بمنه إنه سميع الدعاء قريب مجيب آمين. [١/ ٢٩ - ٣٠] بتصرف
(٥) وينبغي له -حامل القرآن- أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو فما أقبح لحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا. [١/ ٥٤]
(٦) ذكر ابن أبي الحواري قال: «أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول فقال بعض القوم: إن كان خارجًا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن فأمرنا قارئًا فقرأ فاطلع علينا من كوة فقلنا: السلام عليك ورحمة الله؛ فقال: وعليكم السلام؛ فقلنا: كيف أنت يا أبا علي وكيف حالك فقال: أنا من الله في عافية ومنكم في أذى وإن ما أنتم فيه حدث في الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون! ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلًا للجلوس معهم فنجلس دونهم ونسترق السمع فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه
стр. 8
وأنتم تطلبون العلم بالجهل وقد ضيعتم كتاب الله ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون قال: قلنا قد تعلمنا القرآن قال: إن في تعلمكم شغلًا لأعماركم، وأعمار أولادكم قلنا كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه من متشابهه وناسخه من منسوخه إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨]». [١/ ٥٥]
(٧) قال إياس بن معاوية: «مثل الذين يقرأون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلًا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب». [١/ ١٠]
(٨) قال أبو عمر: روي من وجوه فيها لين عن النبي ﷺ أنه قال: «من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه»، وقال أبو عمر: «وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه». [١/ ٦٠]
(٩) ولقد أحسن القائل في نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة الغراء:
стр. 9
إن العلوم وإن جلت محاسنها … فتاجها ما به الإيمان قد وجبا
هو الكتاب العزيز الله يحفظه … وبعد ذلك علم فرج الكربا
فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه … نور النبوة سن الشرع والأدبا
وبعد هذا علوم لا انتهاء لها … فاختر لنفسك يا من آثر الطلبا
والعلم كنز تجده في معادنه … يا أيها الطالب ابحث وانظر الكتبا
واتل بفهم كتاب الله فيه أتت … كل العلوم تدبره تر العجبا
واقرأ هديت حديث المصطفى وسلن … مولاك ما تشتهي يقضي لك الأربا
من ذاق طعمًا لعلم الدين سُرَّ به … إذا تَزَيَّد منه قال واطربا
[١/ ٧٦]
(١٠) وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال:
الأول: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم … قال الطحاوي: «إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى مشتقًا فكانوا كذلك حتى كثر
стр. 10
منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرأوا بخلافها».
قال ابن عبدالبر: «فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد». [١/ ٧٧ - ٧٨] (بتصرف)
(١١) الصحيح من هذه الأقوال قول مالك -في البسملة أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها- لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه قال ابن العربي: «ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه». والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليس بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. [١/ ١٣٠]
(١٢) وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل: إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده. [١/ ١٤٩]
(١٣) في أسمائها- أي الفاتحة- وهي اثنا عشر اسمًا:
الأول: الصلاة قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … » الحديث. الثاني: سورة الحمد. الثالث: فاتحة الكتاب. الرابع: أم
стр. 11
الكتاب. الخامس: أم القرآن. السادس: المثاني. السابع: القرآن العظيم. الثامن: الشفاء. التاسع: الرقية. العاشر: الأساس. الحادي عشر: الوافية. الثاني عشر: الكافية. [١/ ١٤٩ - ١٥٢] بتصرف
(١٤) قال المهلب: «إن موضع الرقية منها إنما هو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]»، وقيل: السورة كلها رقية لقوله ﵊ للرجل لما أخبره: «وما أدراك أنها رقية؟»، ولم يقل أن فيها رقية؛ فدل على أن السورة بأجمعها رقية؛ لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ومتضمنة لجميع علومه. [١/ ١٥٢]
(١٥) اختلفوا أهي مكية أم مدنية … والأول أصح لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]، والحِجر مكية بإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. [١/ ١٥٤] بتصرف
(١٦) والصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم. [١/ ١٦٠]
(١٧) من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شيء من القرآن ولا علق منه بشيء لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الإمام فقد روى أبو داود وغيره
стр. 12
عن عبدالله بن أبي أوفى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: «قل اللهم ارحمني وعافني وأهدني وارزقني».
فإن عجز عن إصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله وعليه أبدًا أن يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله. [١/ ١٦٨]
(١٨) ويسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] آمين ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن.
- ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمن الإمام فأمّنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث الأول: تأمين الإمام. الثانية: تأمين من خلفه. الثالثة: تأمين الملائكة. الرابعة: موافقة التأمين. قيل في الإجابة وقيل: في الزمن وقيل: في الصفة من إخلاص الدعاء لقوله ﵊: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ». [١/ ١٦٩]
стр. 13
(١٩) روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين» قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما حسدنا أهل الكتاب لأن أولها حمدٌ لله وثناء عليه ثم خضوع له واستكانة ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين. [١/ ١٧٥] بتصرف
(٢٠) من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢].
الحمد في كلام العرب معناه: الثناء الكامل والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلى والحمد أعم من الشكر والمُحمد الذي كثرت خصاله المحمودة.
قال الشاعر:
إلى الماجد القرم الجواد المحمد
وبذلك سمي رسول الله ﷺ .
وقال الشاعر:
فشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال بعض العلماء: إن الشكر أعم من الحمد؛ لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة.
وقيل: الحمد أعم؛ لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح وهو أعم من
стр. 14
الشكر؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن آدم ﵇ قال حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح ﵇: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾ [المؤمنون: ٢٨]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. وقال في قصة داود وسليمان ﵉: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] وقال أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. ﴿دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠] فهي كلمة كل شاكر.
قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفًا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. [١/ ١٧٧ - ١٧٩]
(٢١) قال شقيق بن إبراهيم في تفسير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال هو على ثلاثة أوجه: أولهما: إذا أعطاك الله شيئًا تعرف من أعطاك. والثاني: أن ترضى بما أعطاك. والثالث: ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه فهذه شرائط الحمد. [١/ ١٧٩]
стр. 15
(٢٢) فمعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، أي سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة وحمدي الخلق مشوب بالعلل قال علماؤنا: فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو محل العجز عن حمده ألا ترى سيد المرسلين ﷺ كيف أظهر العجز بقوله: «لا أحصي ثناء عليك».
وأنشدوا:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح … فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وقيل: حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم لتكون النعمة أهنأ لديهم حيث أسقط عنهم به ثقل المنة. وقيل إن مدحه لنفسه وثناءه عليها لِيُعَلِّمَ ذلك عباده فالمعنى على هذا قولوا: الحمد لله قال الطبري: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله. [١/ ١٧٩ - ١٨١] بتصرف
(٢٣) قال بعض العلماء: إن هذا الاسم (الرب) هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر آل عمران وسورة إبراهيم وغيرها.
стр. 16
ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال. [١/ ١٨٢]
(٢٤) متى أُدخلت الألف واللام على (رب) اختص الله تعالى به لأنها للعهد وإن حذفتا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده فيقال: الله رب العباد وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك المالك والمملوك وهو خالق ذلك ورازقه وكل رب سواه غير خالق ولا رازق وكل مملوك فمملك بعد أن لم يكن ومنتزع ذلك من يده وإنما يملك شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين. [١/ ١٨٢].
(٢٥) قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣].
وصف نفسه تعالى بعد ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ بأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾؛ لأنه لما كان في اتصافه ب ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ ترهيب قرنه ب: الله ﴿الرَّحْمَنِ﴾ لما تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد». [١/ ١٨٤]
стр. 17
(٢٦) من قوله تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤].
اليوم: عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما وقد يطلق اليوم على الساعة منه قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم؛ وربما عبروا عن الشدة باليوم يقال: يوم أيوم وليلة ليلاء … ﴿الدِّينِ (٤)﴾ الجزاء على الأعمال والحساب بها ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي حسابهم وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] و ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ [الصافات: ٥٣] أي مجزيون محاسبون.
وقال لبيد:
حصادك يومًا ما زرعت وإنما … يُدان الفتى يومًا كما هو دائن
وقال آخر:
واعلم يقينا أن ملكك زائل … واعلم بأن كما تدين تدان
[١/ ١٨٨ - ١٨٩] بتصرف
(٢٧) من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
إن قيل: لم قدم المفعول على الفعل؟ قيل له: قُدم اهتماما وشأن العرب تقديم الأهم.
стр. 18
يذكر أن أعرابيا سبّ آخر فأعرض المسبوب عنه؛ فقال له الساب: إياك أعني، فقال له الآخر: وعنك أعرض فقدّما الأهم. [١/ ١٩٠]
(٢٨) من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
﴿اهْدِنَا﴾ دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك.
قال بعض العلماء: فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعًا في هذه السورة نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به وفي الحديث: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». [١/ ١٩١]
(٢٩) سورة البقرة فضلها عظيم وثوابها جسيم ويقال لها فسطاط القرآن. قاله خالد بن معدان. وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها. وتعلمها عمر ﵁ بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة وابنه عبد الله في ثمان سنين.
قال ابن العربي: «سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر وبعث رسول الله ﷺ بعثًا وهم ذوو عدد وقدّم عليهم أحدثهم سنًا لحفظه سورة البقرة». وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا سورة البقرة فإن
стр. 19
أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» قال معاوية بلغني أن البطلة: السحرة. وروي أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» وروى الدارمي عن عبد الله قال: «ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط» وقال: «إن لكل شيء سنامًا وإن سنام القرآن سورة البقرة وإن لكل شيء لُبابًا وإن لباب القرآن المفصل» وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء سنامًا وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام». قال أبو حاتم البستي قوله ﷺ : «لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام»: «أراد: مردة الشياطين». وروى الدارمي في مسنده عن الشعبي قال: قال عبدالله: «من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يُصبح أربعًا من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاثًا خواتيمها أولها «لله ما في السموات» وعن الشعبي عنه: «لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يُقرآن على مجنون إلا أفاق» وقال المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبدالله: «لم ينس القرآن». وقال إسحاق بن عيسى: «لم ينس ما قد حفظ» … وفي كتاب الاستيعاب لابن عبدالبر «وكان لبيد بن ربيعة من شعراء الجاهلية أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في
стр. 20
الإسلام وسأله عمر في خلافته من شعره واستنشده فقرأ سورة البقرة فقال: إنما سألتك عن شعرك فقال: ما كنت لأقول بيتًا من الشعر بعد إذا علمني الله البقرة وآل عمران». [١/ ١٩٧ - ١٩٩] بتصرف
(٣٠) من قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
سأل عمر بن الخطاب ﵁ أُبيًا عن التقوى فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت قال: فذاك التقوى وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:
خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى
التقوى فيها جماع الخير كله وهي وصية الله في الأولين والآخرين وهي خير ما يستفيده الإنسان كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حُفظ عنك شيء فقال:
يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا
وروى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله». [١/ ٢٠٨]
стр. 21
(٣١) وروى حجاج بن حجاج الأحول ويلقب بِزِقِّ العسل قال سمعت قتادة يقول: «يا بن آدم إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة ولكن المؤمن هو المتحامل والمؤمن هو المتقوِّي والمؤمن هو المتشدد وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله الليل والنهار والله ما يزال المؤمن يقول: ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية». [١٢/ ٢٠٨]
(٣٢) من قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣].
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله». قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة: وأيُّ رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. [١/ ٢٢٦]
(٣٣) قيل: الإيمان بالغيب حظ القلب وإقام الصلاة حظ البدن ومما رزقناهم ينفقون حظ المال وهذا ظاهر. [١/ ٢٢٦]
(٣٤) من قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحَمَيَّة والإنكار. [١/ ٢٣٢]
стр. 22
(٣٥) الختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه- مفهوم مخاطباته والفكر في آياته وعلى السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دُعوا إلى وحدانيته وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. [١/ ٢٣٣]
(٣٦) من قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح والقلب للإنسان وغيره، وخالص كل شيء وأشرفه قلبه فالقلب موضع الفكر وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبًا إذا رددته على بداءته وقلبت الإناء: رددته على وجهه ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل:
ما سمي القلب إلا من تقلبه … فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويل
ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه تفريقًا بينه وبين أصله روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة» ولهذا المعنى كان ﵊ يقول: «اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك»، فإذا كان النبي ﷺ يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به. [١/ ٢٣٤]
стр. 23
(٣٧) قال الشاعر:
نهارك هائم وليلك نائم … كذلك في الدنيا تعيش البهائم
[١/ ٢٥٦]
(٣٨) قال الشاعر:
وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعة … والواحد اثنين لما هدني الكبر
[١/ ٢٧١]
(٣٩) من قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥].
أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم وقال عكرمة يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات. وقال ابن عباس: هذا على وجه التعجب وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها. وقال قتادة: «خيارًا لا رذل». [١/ ٢٨٢]
(٤٠) القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] وقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] يعني في الموضعين (قلبك) وقد يعبر عنه عن الفعل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [سورة ق: ٣٧] أي عقل لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين والفؤاد محل القلب والصدر محل الفؤاد والله أعلم. [١/ ٢٣٦]
стр. 24
(٤١) قال ابن عباس ﵄: «نسي آدم عهد الله فسمي إنسانًا». وقال ﵊: «نسي آدم فنسيت ذريته»، وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وعلى هذا فالهمزة زائدة قال الشاعر:
لا تنسين تلك العهود فإنما … سميت إنسانًا لأنك ناسي
وقيل: سمي إنسانًا لأنسه بحواء.
وقيل: لأنسه بربه فالهمزة أصلية.
قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه … ولا القلب إلا أنه يتقلب
[١/ ٢٣٩]
(٤٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١].
والمعنى في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. [١/ ٢٤٨]
(٤٣) قال بعضهم:
إذا ما علا المرء رام العلا … ويقنع بالدون من كان دونا
[١/ ٢٧٥]
(٤٤) الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان. [١/ ٢٨٧]
(٤٥) من قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧].
واختلف ما الشيء الذي أَمَر بوصله؟ فقيل: صلة الأرحام وقيل: أمر أن
стр. 25
يوصل القول بالعمل فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم وقيل: الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل هذا قول الجمهور. [١/ ٢٨٨]
(٤٦) من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد. [١/ ٢٩٣]
(٤٧) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوف الإقلال من سوء الظن بالله لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم وقال في تنزيله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعًا لعذره وحجة عليه ليكون له عبدًا كما خلقه عبدًا فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩] وقال: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠] وقال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي يا بن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيءٌ الليل والنهار» وقال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان
стр. 26
فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفًا». وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضًا وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله فمن استنار صدره وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته وانقطعت مشيئته لنفسه فهذا يُعطي من يُسره وعُسره ولا يخاف إقلالًا وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أَعطى اليوم وله غدًا مشيئته في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله ﷺ : «انفحي أو أنضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك» وروى النسائي عن عائشة قالت: «دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله ﷺ فأمرتُ له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله ﷺ : أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك قلت نعم قال مهلا يا عائشة: لا تحصي فيحصي الله عليك». [١/ ٢٩٣ - ٢٩٤]
(٤٨) ذكر عبدالرزاق عن عمر بن حبيب بن عمرو بن المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال: «جاء رجل إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فسأله: مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل: فمم خلق هؤلاء! قال: لا أدري قال: ثم أتى الرجل عبدالله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو قال: فأتى الرجل عبدالله بن عباس
стр. 27
فسأله فقال: مم خلق الخلق؟ قال من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بن عباس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي ﷺ قال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه أي من خلقه وإبداعه واختراعه خلق الماء أولًا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلًا لما خلق بعد فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه سبحانه جل وعز». [١/ ٢٩٨ - ٢٩٩]
(٤٩) روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن الخبيث والطيب». قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح».
أديم: جمع أَدَم.
قال الشاعر:
الناس أخياف وشتى في الشيم … وكلهم يجمعهم وجه الأدم
[١/ ٣٢٢]
(٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
في البخاري من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون
стр. 28
يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء» الحديث.
قال ابن خويز منداد: «في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفًا وأن الله تعالى علمها آدم ﵇ جملة وتفصيلًا». وكذلك قال ابن عباس: «علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب». [١/ ٣٢٣]
(٥١) من قوله قال: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
الواجب على من سُئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري؛ اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضِلون ويُضلون … وقال الصديق للجدة: «ارجعي حتى أسأل الناس». وكان علي يقول: «وأبردها على الكبد» ثلاث مرات، قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين! قال: «أن يُسأل الرجل عما لا يعلم»، فيقول: الله أعلم. وسأل ابن عمر رجل عن مسألة فقال: «لا علم لي بها»، فلما أدبر الرجل قال ابن عمر: «نِعْمَ ما قال ابن عمر، سُئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به». ذكره الدارمي في مسنده.
وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهيّة قال: «كنت جالسًا عند القاسم بن عبيدالله ويحيى بن سعيد فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يُسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا
стр. 29
يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج، فقال له القاسم: وعمّ ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هُدى: ابن أبي بكر وعمر، قال يقول: أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ من غير ثقة فسكت فما أجابه، وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلًا في أيديهم فإذا سُئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري.
وذكر الهيثم بن جميل قال: «شهدت مالك بن أنس سُئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري». [١/ ٣٢٦ - ٣٢٧]
(٥٢) روى يونس بن عبدالأعلى قال سمعت ابن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول: «ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف».
قلت: هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عمّ فينا الفساد وكثر فيه الطَّغَام! وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى.
وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال: «لما رحلت إلى المشرق ونزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يومًا حديث النبي ﷺ : «أنه قدم عليه قوم من مضر من
стр. 30
مجتابي النمار» فقال: «إنما هو مجتابي الثمار»، فقلت: إنما مجتابي النمار هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق؛ فقال لي: «بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا ثم قال لي قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان في المسجد- فإن له بمثل هذا علمًا فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال: إنما هو مجتابي النمار» كما قلت وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم والنمار جمع نمرة فقال بكر بن حماد: وأخذ بأنفه رغم أنفي للحق رغم أنفي للحق وانصرف. وقال يزيد بن الوليد بن عبدالملك فأحسن».
إذا ما تحدثت في مجلس … تناهى حديثي إلى ما علمت
ولم أعد علمي إلى غيره … وكان إذا ما تناهى سكت
[١/ ٣٢٨]
(٥٣) وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [سورة ص: ٧٦]، ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١]، ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ [الحجر: ٣٣] فكفره الله بذلك. فكل من سفه شيئًا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ كان حكُمه حكَمه وهذا ما لا خلاف فيه. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: «بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر حسد إبليس آدم وشح آدم في أكله من الشجرة».
стр. 31
وقال قتادة: حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناريٌّ وهذا طيني وكان بدء الذنوب الكبر ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه. [١/ ٣٣٨]
(٥٤) قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالًا على ولايته خلافًا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا: إن ذلك يدل على أنه وليّ إذ لو لم يكن وليًا ما أظهر الله على يديه ما أظهر ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا وإذا لم يُعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى مَنْ عَلم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان عُلم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله. [١/ ٣٣٩]
(٥٥) قال ابن مسعود وابن عباس: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشًا فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها فلما انتبه رآها فقال من أنت؟! قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] قال العلماء ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع وفي صحيح مسلم عن أبي
стр. 32
هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المرأة خلقت من ضلع- في رواية- وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه- لن يستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها».
وقال الشاعر:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها … ألا إن تقويم الضلوع إنكسارها
أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى … أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
[١/ ٣٤٣]
(٥٦) من قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦].
قرأ الجماعة ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ بغير ألف من الزلة وهي الخطيئة، أي: استزلهما وأوقعهما فيها.
وقرأ حمزة ﴿فَأَزَالَهُمَا﴾ بألف من التنحية أي نحاهما، يقال: أزلته فزال. قال ابن كيسان: «فأزالهما من الزوال أي حرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية».
قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه: أزللته فزل ودل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]. والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان
стр. 33
إنما قدرته على إدخاله في الزلل؛ فيكون ذلك سببًا إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه. [١/ ٣٥٢]
(٥٧) الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله لقوله: «اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل» فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ولأن نوع الحيات غالبه الضرر فيستصحب ذلك فيه ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس والنفرة عنه.
ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله ﵊: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام» وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها قالوا ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أولا، قاله ابن نافع، وقال مالك: «نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد وهو الصحيح» … وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يُحَرَّج عليه وينذر … قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارًا ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام وقيل: يكفي ثلاث مرار … قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول:
стр. 34
أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا. [١/ ٣٥٦ - ٣٥٨] بتصرف.
(٥٨) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من قتل وزعْة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك»، وفي رواية أنه قال: «في أول ضربة سبعون حسنة». [١/ ٣٦٠]
(٥٩) وسجستان أكثر بلاد الله حيات ولولا العربد (١) الذي يأكلها ويفنى كثيرًا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ذكره أبو الحسن المسعودي. [١/ ٣٦٢]
(٦٠) من قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦].
لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وَقَبِلَ توبته وإنما أهبطه إما تأديبًا وإما تغليظًا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت
стр. 35
الإشارة إليها مع أنه خلق من الأرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾. [١/ ٣٦٢]
(٦١) سئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال: يقول ما قاله أبواه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقال يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]. [١/ ٣٦٦]
(٦٢) من قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧].
إن قيل لم قال ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] و ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] فالجواب أن آدم ﵇ لما خوطب في أول القصة بقوله: ﴿اسْكُنْ﴾ خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضًا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١] وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥] وقيل: إنه دلّ بذكر التوبة عليه أن تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن وقيل: إنه مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] أي التجارة؛
стр. 36
لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. [١/ ٣٦٦]
(٦٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨].
فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا وقيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله ﷺ من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا والله أعلم. [١/ ٣٧٠]
(٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١].
اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان في معناها … وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله ﷺ في حديث ابن عباس- حديث الرقية-: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانًا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. [١/ ٣٧٤ - ٣٧٥] بتصرف
стр. 37
(٦٥) روى الدارمي في مسنده … أخبرنا الضحاك بن موسى قال: مر سليمان بن عبدالملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أيامًا فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه ..... قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها قال: فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان قط! قال أبو حازم: قد أوجزتُ وأكثرتُ إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال له سليمان: أوصني قال: سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال: فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلًا وما أرضاها لك فيكف أرضاها لنفسي … فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا لما حدثتُ فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه وإن كانت لِحقٍ في بيت المال فلي فيها نظراء فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة.
قلت: هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضًا ولا على وصيته بدلا
стр. 38
ولا على نصيحته صفدًا بل بَيَّنَ الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان»، وفي التنزيل: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. [١/ ٣٧٨ - ٣٨٠] بتصرف
(٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢].
اللبس: الخلط لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بَيِّنَه بمشكله وَحَقَّه بباطله. قال تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩] وفي الأمر لُبْسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي ﵁ للحارث بن حوط: يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله.
وقالت الخنساء:
ترى الجليس يقول الحق تحسبه … رشدًا وهيهات فانظر ما به التبسا
صَدِّق مقالته واحذر عداوته … والبس عليه أمورًا مثل ما لبسا
وقال العجاج:
لما لَبَسن الحق بالتجني … غنين واستبدلن زيدًا مني
[١/ ٣٨٠]
(٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد … وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي.
стр. 39
وقيل: أصلها الثناء الجميل؛ ومنه زَكَّى القاضي الشاهد. فكأن من يُخرج الزكاة يُحَصِّل لنفسه الثناء الجميل وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ألا ترى أن النبي ﷺ سمَّى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد قال تعالى: «﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]». [١/ ٣٨٢ - ٣٨٣] بتصرف
(٦٨)
ولا تعاد الضعيف عَلَّك أن … تركع يومًا والدهر قد رفعه
[١/ ٣٨٤]
(٦٩) الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعًا يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا وذلك أدناه. [١/ ٣٨٥]
(٧٠) روى البخاري عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: ما صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ . [١/ ٣٨٨]
(٧١) من قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون
стр. 40
بها وبخهم به توبيخًا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية.
وقال منصور الفقيه فأحسن:
إن قومًا يأمرونا … بالذي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم … لم يكونوا يُصرعونا
وقال أبو العتاهية:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابك تسطع
وقال أبو عمرو بن مطر: حضرت مجلس أبي عثمان الحِيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل كان يُعرف بأبي العباس ترى أن تقول في سكوتك شيئًا؟ فأنشأ يقول:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي والطبيب مريض
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.
قال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
وقال مسلم بن عمرو:
ما أقبح التزهيد من واعظ … يزهد الناس ولا يزهد