Полный текст (667 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. [١/ ٣٦٦]
(٦٣) من قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨].
فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا وقيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله ﷺ من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا والله أعلم. [١/ ٣٧٠]
(٦٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١].
اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان في معناها … وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله ﷺ في حديث ابن عباس- حديث الرقية-: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانًا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. [١/ ٣٧٤ - ٣٧٥] بتصرف
стр. 37
(٦٥) روى الدارمي في مسنده … أخبرنا الضحاك بن موسى قال: مر سليمان بن عبدالملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أيامًا فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه ..... قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها قال: فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان قط! قال أبو حازم: قد أوجزتُ وأكثرتُ إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال له سليمان: أوصني قال: سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال: فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلًا وما أرضاها لك فيكف أرضاها لنفسي … فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا لما حدثتُ فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه وإن كانت لِحقٍ في بيت المال فلي فيها نظراء فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة.
قلت: هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضًا ولا على وصيته بدلا
стр. 38
ولا على نصيحته صفدًا بل بَيَّنَ الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان»، وفي التنزيل: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. [١/ ٣٧٨ - ٣٨٠] بتصرف
(٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢].
اللبس: الخلط لبست عليه الأمر ألبسه إذا مزجت بَيِّنَه بمشكله وَحَقَّه بباطله. قال تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩] وفي الأمر لُبْسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي ﵁ للحارث بن حوط: يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله.
وقالت الخنساء:
ترى الجليس يقول الحق تحسبه … رشدًا وهيهات فانظر ما به التبسا
صَدِّق مقالته واحذر عداوته … والبس عليه أمورًا مثل ما لبسا
وقال العجاج:
لما لَبَسن الحق بالتجني … غنين واستبدلن زيدًا مني
[١/ ٣٨٠]
(٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد … وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي.
стр. 39
وقيل: أصلها الثناء الجميل؛ ومنه زَكَّى القاضي الشاهد. فكأن من يُخرج الزكاة يُحَصِّل لنفسه الثناء الجميل وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ألا ترى أن النبي ﷺ سمَّى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد قال تعالى: «﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]». [١/ ٣٨٢ - ٣٨٣] بتصرف
(٦٨)
ولا تعاد الضعيف عَلَّك أن … تركع يومًا والدهر قد رفعه
[١/ ٣٨٤]
(٦٩) الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعًا يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا وذلك أدناه. [١/ ٣٨٥]
(٧٠) روى البخاري عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: ما صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ . [١/ ٣٨٨]
(٧١) من قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون
стр. 40
بها وبخهم به توبيخًا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية.
وقال منصور الفقيه فأحسن:
إن قومًا يأمرونا … بالذي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم … لم يكونوا يُصرعونا
وقال أبو العتاهية:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابك تسطع
وقال أبو عمرو بن مطر: حضرت مجلس أبي عثمان الحِيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل كان يُعرف بأبي العباس ترى أن تقول في سكوتك شيئًا؟ فأنشأ يقول:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي والطبيب مريض
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.
قال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
وقال مسلم بن عمرو:
ما أقبح التزهيد من واعظ … يزهد الناس ولا يزهد
стр. 41
لو كان في تزهيده صادقًا … أضحى وأمسى بيته المسجد
إن رفض الدنيا فما باله … يستمنح الناس ويسترفد
والرزق مقسوم على من ترى … يناله الأبيض والأسود
وقال الحسن لمطرف بن عبدالله: عظ أصحابك، فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل قال يرحمك الله: وأينا يفعل ما يقول! يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء! [١/ ٤١٠ - ٤١١] بتصرف
(٧٢) من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
أي: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم، والعقل: المنع ومنه عقال البعير؛ لأنه يمنع عن الحركة ومنه العقل للدية؛ لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني ومنه اعتقال البطن واللسان، ومنه يقال للحصن: مَعقِل. والعقل: نقيض الجهل. [١/ ٤١٢].
(٧٣) من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] يقال فلان صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة هذا أصح ما قيل قال النحاس: ولا يقال لمن صبر
стр. 42
على المصيبة صابر إنما يقال صابر على كذا فإذا قلت صابر مطلقًا فهو على ما ذكرنا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وخص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهًا بذكرها وكان ﵊ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سفر فاسترجع وقال عورة سترها الله ومؤونة كفاها الله وأجر ساقه الله ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
والصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان: الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك.
وقال الشعبي: «قال علي ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد».
قال الطبري: «وصدق علي ﵁ وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به». [١/ ٤١٤ - ٤١٥] بتصرف
(٧٤) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
اختلف المتأولون في عود الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ فقيل: على الصلاة
стр. 43
وحدها خاصة لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم والصبر هنا الصوم.
وقيل: عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة.
وقيل: إن الصبر لما كان داخلًا في الصلاة أعاد عليهما.
وقيل: على العبادة التي يقتضيها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة.
وقيل: على المصدر وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾.
وقيل: على إجابة محمد ﵊؛ لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه … و ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ معناه: ثقيلة شاقة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ فإنها خفيفة عليهم.
(٧٥) من قوله تعالى: ﴿الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع.
وقال قتادة: «الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة».
قال سفيان الثوري: «سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوري أنت تريد أن تكون إمامًا للناس ولا تعرف الخشوع! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع؛ فقال: أعيمش تريد أن تكون إمامًا للناس ولا تعرف الخشوع! ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك».
ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال: «يا هذا! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب».
стр. 44
وقال علي بن أبي طالب: «الخشوع في القلب وأن تُلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في صلاتك». ا. هـ.
فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقًا على نفاق.
قال سهل بن عبدالله: «لا يكون خاشعًا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله ﵎: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]».
قلت: وهذا هو الخشوع المحمود لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقًا متأدّبًا متذللًا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلّفه والتباهي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال لِيُرَوا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان.
روى الحسن أن رجلًا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه وكان عمر ﵁ إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكًا صادقًا وخاشعًا حقًا.
وروى ابن أبي نجيم عن مجاهد قال: «الخاشعون هم المؤمنون حقًا». [١/ ٤١٧ - ٤١٨] بتصرف
(٧٦) إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ﷺ ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف
стр. 45
العقاب ويرجو النجاة، وقال ﷺ : «لا ينجو أحد إلا برحمة الله»، فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». [١/ ٤٢٣]
(٧٧) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٨].
وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأن يُشفع له أو يُنصر أو يُفتدى. [١/ ٤٢٤]
(٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩].
﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾: ألقيناكم على نجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، هذا هو الأصل، ثم سمي كل فائز ناجيًا، فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة.
(٧٩) من قوله تعالى: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٤٦].
﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قومه وأتباعه وأهل دينه وكذلك آل الرسول ﷺ : من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبًا له أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافًا للرافضة حيث قالت: إن آل رسول الله ﷺ فاطمة والحسن والحسين فقط دليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، أي آل دينه إذ لم
стр. 46
يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبًا له ولأجل هذا يقال: إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي ﷺ قرابة. [١/ ٤٢٤]
(٨٠) من قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩].
قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنًا ويكون سيئًا وأصله المحنة والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره. [١/ ٤٢٨]
(٨١) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠].
البحر معروف سمي بذلك لاتساعه ويقال: فرس بحر إذا كان واسع الجري أي كثيره ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في مندوب فرس أبي طلحة «وإن وجدناه لبحرًا». [١/ ٤٢٩]
(٨٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١].
إن قيل: لم خص الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة؛ ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها. [١/ ٤٣٧]
(٨٣) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢].
العفو: عفو الله عن خلقه وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف
стр. 47
الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه فالعفو محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك: عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء كثر فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]. [١/ ٤٣٨]
(٨٤) من قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥٢].
وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قوله: دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه … وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
قال الخطابي: «هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما: أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله وترك الشكر له. والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر». [١/ ٤٣٨] بتصرف
(٨٥) من قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا والقتل إماتة الحركة وقتلت الخمر: كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل
стр. 48
وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال الزهري: لما قيل لهم ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم: كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي. [١/ ٤٤١ - ٤٤٢] بتصرف
(٨٦) وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم- على القول الأول- لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب» أخرجه ابن ماجه في سننه … فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي ﵁ وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة. [١/ ٤٤٢]
(٨٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧].
اختلف في المن ما هو وتعيينه على أقوال: فقيل: الترنجبين بتشديد الراء وتسكين النون ويقال الطرنجبين وعلى هذا أكثر المفسرين وقيل: صمغة حلوة وقيل عسل وقيل شراب حلو وقيل: خبز الرقاق. وقيل: المن مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قول رسول الله
стр. 49
ﷺ في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين» في رواية له «من المن الذي أنزل الله على موسى» رواه مسلم قال أبو عبيد: إنما شبهها بالمن لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج فهي مِنَّة أي من جنس مَنّ بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف …
لما نص ﵊ على أن «ماء الكمأة شفاء للعين» قال بعض أهل العلم بالطب إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها وذهب أبو هريرة ﵁ إلى استعمالها بحتًا في جميع مرض العين.
﴿وَالسَّلْوَى﴾ اختلف في السلوى فقيل هو السُّماني بعينه وقيل: العسل وقال بعضهم السلوان: دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المُفَرِّح. [١/ ٤٤٦، ٤٤٧] بتصرف
(٨٨) من قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨].
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديل بما يخرج عنه. [١/ ٤٥١]
стр. 50
(٨٩) من قوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨].
والمحسن من صحح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره. [١/ ٤٥٤].
(٩٠) من قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وذلك أنهم قيل لهم: قولوا حطة فقالوا حنطة … فزادوا حرفًا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر هذا في تغيير كلمة هي عبارة التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود! هذا والقول أنقص من العمل فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل. [١/ ٤٥٥]
(٩١) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
وقد كان تعالى قادرًا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمةً منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد. [١/ ٤٥٩]
(٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ [البقرة: ٦١].
روى ابن ماجه … عن عائشة قالت: «كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ فما استقام لها ذلك حتى أكلت
стр. 51
القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة»، وهذا إسناد صحيح. [١/ ٤٦٣].
(٩٣) من قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١].
اختلف في الفوم فقيل هو الثوم وقيل الفوم الحنطة رُوي عن ابن عباس وأكثر المفسرين.
قال الحليمي: «والعدس والزيت طعام الصالحين ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم ﵇ في مدينة لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم، والحنطة من جملة الحبوب وهي الفوم على الصحيح والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة، كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم ﵇ فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين ﵉ فضيلة، وقد روي أن النبي ﷺ : «لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله ». [١/ ٤٦٣ - ٤٦٦] بتصرف
(٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١].
والذلة: الذل والصغار، والمسكنة: الفقر فلا يوجد يهودي وإن كان غنيًا خاليًا من زي الفقر وخضوعه ومهانته. [١/ ٤٦٨]
(٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥].
﴿فِي السَّبْتِ﴾ معناه: في يوم السبت ويحتمل أن يريد في حكم السبت والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال … والسبت
стр. 52
مأخوذ من السبت وهو القطع فقيل: إن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها وقيل مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة. [١/ ٤٧٨] بتصرف
(٩٦) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥].
قال قتادة: «صار الشبان قردة والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذي نَهوا، وهلك سائرهم». وسيأتي في الأعراف قول من قال إنهم كانوا ثلاث فرق وهو أصح من قول من قال: «إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين». والله أعلم.
وقال الجمهور: الممسوخ لا يَنْسُل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك؛ والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل لأنهم قد أصابهم السخط والعذاب فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام … قلت: هذا الصحيح من القولين. [١/ ٤٧٩]
(٩٧) من قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦].
قال الخليل: «الوعظ التذكير بالخير فما يرق له القلب».
قال الماوردي: «وخص المتقين وإن كانت موعظة للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين».
قال ابن عطية: «واللفظ يعم كل متق من كل أمة».
وقال الزجاج: «﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ لأمة محمد ﷺ أن ينتهكوا من حُرَمِ الله جل وعز ما نهاهم عنه فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم. [١/ ٤٨٢]
стр. 53
(٩٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
قال الماوردي: وإنما أمروا -والله أعلم- بذبح بقرة دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه من تعظيمه وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته. وهذا المعنى علة في ذبح البقرة وليس بعلة في جواب السائل ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حي فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. [١/ ٤٨٣]
(٩٩) وعن ابن مسعود ﵁: «من أراد العلم فليثور القرآن». قال شمر: تثوير القرآن قراءته ومناقشة العلماء به. [١/ ٤٨٤]
(١٠٠) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧].
في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح والأئمة بعده قال ابن خويز منداد: وقد بلغنا أن رجلًا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد الله فقال: جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش؟ فقال له: لا تجهل أيها القاضي! فقال له عبيد الله: وأين وجدت المزاح جهلًا! فتلا عليه هذه الآية؛ فأعرض عنه عبيد الله لأنه رآه جاهلًا لا يعرف المزح من الاستهزاء وليس أحدهما من الآخر بسبيل. [١/ ٤٨٥]
стр. 54
(١٠١) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
واللون واحد الألوان وهو هيئة كالسواد والبياض والحمرة. واللون: النوع وفلان متلون. إذا كان لا يثبت على خلق واحد وحال واحد، قال الشاعر:
كل يوم تتلون … غير هذا بك أجمل
ولَوَّن البسر تلوينا: إذا بدا فيه أثر النضج. واللون: الدَّقَل وهو ضرب من النخل. [١/ ٤٨٧]
(١٠٢) من قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾ [البقرة: ٦٩].
قال وهب: كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها ولهذا قال ابن عباس: الصفرة تسر النفس وحَض على لباس النعال الصفر حكاه عنه النقاش.
(١٠٣) وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم نسأل الله العافية. [١/ ٤٩١]
(١٠٤) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤].
القسوة: الصلابة والشدة واليُبس. وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.
روى الترمذي عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي». [١/ ٥٠٠]
стр. 55
(١٠٥) من قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤].
﴿أَوْ﴾ قيل: هي بمعنى الواو وقيل هي بمعنى بل وقيل: معناها الإبهام على المخاطب ومنه قول أبي الأسود الدؤلي:
أحب محمدًا حبًا شديدًا … وعباسًا وحمزة أو عليا
فإن يك حبهم رشدًا أصبه … ولست بمخطئ إن كان غيا
ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر وإنما قصد الإبهام وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك شككت! قال: كلا ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ [سبأ: ٢٤]، وقال: أو كان شاكًا من أخبر بهذا! وقيل معناها التخيير أي شبهوها بالحجارة تصيبوا أو بأشد من الحجارة تصيبوا وهذا كقول القائل: جالس الحسن أو ابن سيرين وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو وقيل: بل هي على بابها من الشك ومعناها: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم: أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة؟ وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر وفيهم من قلبه أشد من الحجر فالمعنى: هم فرقتان. [١/ ٥٠١] بتصرف
(١٠٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤].
قال مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله نزل بذلك القرآن الكريم ومثله عن ابن جريج. [١/ ٥٠٢]
стр. 56
(١٠٧) من قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].
الأماني: جمع أمنية وهي التلاوة ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. وقال كعب بن مالك:
تمنى كتاب الله أول ليله … وآخره لاقى حمام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله آخر ليله … تمني داود الزبور على رسل
والأماني أيضًا الأكاذيب ومنه قول عثمان ﵁: ما تمنيت منذ أسلمت أي ما كذبت- الأماني أيضًا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه … [٢/ ٩]
(١٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨].
﴿وَإِنْ﴾ بمعنى ما النافية ﴿يَظُنُّونَ﴾ يكذبون ويحدثون لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرأون به.
قال أبو بكر بن الأنباري: وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكاً وكذبًا وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب قال الله : ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أراد إلا يكذبون. [٢/ ١٠] بتصرف
стр. 57
(١٠٩) من قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
وقيل فائدة: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيًا له وقال ابن السراج ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم. [٢/ ١٢] بتصرف
(١١٠) من قوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].
وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته وإما لكونه حرامًا؛ لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله.
قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم ربعة أسمر فجعلوه آدم سبطًا طويلا. وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي ﷺ الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم فمن ثَمَّ غيروا. [٢/ ١٣]
(١١١) من قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١].
﴿بَلَى﴾ أي: ليس الأمر كما ذكرتم … وهي رد لقولهم: لن تمسنا النار. وقال الكوفيون: أصلها بل التي للإضراب عن الأول زيدت عليها الياء ليحسن الوقف وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام.
стр. 58
ف (بل) تدل على رد الجحد و (الياء) تدل على الإيجاب لما بعد وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولو قالوا نعم لكفروا. [٢/ ١٥] بتصرف
(١١٢) من قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
أي: وأمرناهم بالوالدين إحسانًا وقرن الله في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد لأن النشأة الأولى من عند الله والنشء الثاني -وهو التربية- من جهة الوالدين ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. [٢/ ١٧]
(١١٣) اليتم في بني آدم بفقد الأب. وفي البهائم: بفقد الأم وحكى الماوردي: أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم والأول المعروف وأصله الانفراد يقال صبي يتيم منفرد عن أبيه وبيت يتيم أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر ودرة يتيمة: ليس لها نظير وقيل أصله الإبطاء فسمي به اليتيم لأن البر يبطئ عنه. [٢/ ١٧]
(١١٤) السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد.
وتسمى أيضًا بالسباحة جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. [١/ ١٨]
стр. 59
(١١٥) من قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
قال أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به وهذا كله حض على مكارم الأخلاق فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم منه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه لأن الله تعالى قال لموسى وهارون ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد أمرهما الله تعالى باللين معه وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي. [٢/ ٢٠]
(١١٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].
قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم قال ابن خويز منداد تضمنت الآية وجوب فك الأسرى وبذلك وردت الآثار عن النبي ﷺ أنه فك الأسارى وأمر بفكهم وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع ويجب فك الأسارى من بيت المال فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. [٢/ ٢٦]
стр. 60
(١١٧) كل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى ﵇. [٢/ ٢٧]
(١١٨) من قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧].
وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه وهذه الآية من ذلك وقد يستعمل في الحق ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر: «فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث «والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك». أخرجها مسلم. [٢/ ٢٨]
(١١٩) من قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩].
الاستفتاح الاستنصار. استفتحت استنصرت روى النسائي عن سعد ابن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم». [٢/ ٢٩]
(١٢٠) من قوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٩٠].
بغيًا: معناه حسدًا قاله قتادة والسدي وهو مفعول من أجله وهو على
стр. 61
الحقيقة مصدر وهو مأخوذ من قولهم: قد بغى الجرح إذا فسد قاله الأصمعي. وقيل: أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغيًّا. [٢/ ٣١] بتصرف
(١٢١) من قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣].
معنى ﴿وَاسْمَعُوا﴾: أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب. [٢/ ٣٣]
(١٢٢) من قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]
اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقاً أو يكونوا فعلوا فعلًا قام مقام القول فيكون مجازًا كما قال:
امتلأ الحوض وقال قطني … مهلا رويدًا قد ملأت بطني
[٢/ ٣٣]
(١٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]
وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبًا لها:
تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير
стр. 62
تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور
أكاد إذا ذكرت العهد منها … أطير لو أن إنسانًا يطير
[٢/ ٣٣]
(١٢٤) من قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١].
قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به. وقال سفيان بن عيينة أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه فذلك النبذ. [٢/ ٤١]
(١٢٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال محمد بن إسحاق: لما ذكر رسول الله ﷺ سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم: يزعم محمدًا أن ابن داود كان نبيًا! والله ما كان إلا ساحرًا فأنزل الله : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرًا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدًا نسبه إلى الكفر ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ثم قال:
стр. 63
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] فأثبت كفرهم بتعليم السحر. [٢/ ٤٢، ٤٣] بتصرف
(١٢٦) سمى رسول الله ﷺ الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا فقال: «إن من البيان لسحرا» أخرجه مالك وغيره وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق فعلى هذا يكون قوله ﵇ «إن من البيان لسحرا» … خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة إذ شبهها بالسحر، وقيل: خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان قاله جماعة من أهل العلم والأول أصح والدليل عليه قوله ﵊: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» وقوله: «إن أبغضكم إليَّ الثرثارون المتفيقهون» … أما قوله ﷺ : «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب وتصوير الباطل في صورة الحق وهذا بين والحمد لله. [٢/ ٤٤، ٤٥] بتصرف
(١٢٧) عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ يهوديّ من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم … الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال -لما حُلَّ السحر- «إن الله شفاني» والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض فدل على أن له حقًا وحقيقة فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله
стр. 64
على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال: عُلِّمَ السحر في قرية من قرى مصر يقال لها الفَرَما فمن كذب به فهو كافر مكذب لله ورسوله منكر لما علم مشاهدة وعيانا. [٢/ ٤٦]
(١٢٨) قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد قالوا: ولا يبعد من السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة والجري على خيط مستدق والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك ومع ذلك فلا يكون السحر موجبًا لذلك ولا علة لوقوعه ولا سببًا مولدًا ولا يكون الساحر مستقلا به وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر كما يخلق الشبع عن الأكل والري عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار الدهني أن ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في أست الحمار ويخرج من فيه فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب- هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي. [٢/ ٤٦]
стр. 65
(١٢٩) قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. [٢/ ٤٩]
(١٣٠) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
﴿وَمَا﴾ نفي والواو للعطف على قوله ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وذلك أن اليهود قالوا إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك وفي الكلام تقديم وتأخير التقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهن قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤].
قال الزجاج: وروي عن علي ﵁ أنه قال: أي والذي أنزل على الملكين وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه قال الزجاج: وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلّمان الناس على النهي فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا ولا تحتالوا بكذا
стр. 66
لتفرقوا بين المرء وزوجه والذي أنزل عليهما هو النهي كأنه قولا للناس: لا تعملوا كذا ف ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ بمعنى يُعْلِمان كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أي أكرمنا. [٢/ ٥٠ - ٥٣] بتصرف
(١٣١) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤].
قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ : راعنا على جهة الطلب والرغبة- من المراعاة- أي التفت إلينا وكان هذا بلسان اليهود سبًا أي اسمع لا سمعت فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرًا فالآن نسبه جهرًا فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: عليكم لعنة الله لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي ﷺ لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. [٢/ ٥٦]
(١٣٢) التمسك بسد الذرائع وحمايتها دل على هذا الأصل الكتاب والسنة.
والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع أما الكتاب فهذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب في
стр. 67
لغتهم فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب … وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة منها حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» أخرجه البخاري ومسلم.
قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم فمضت لهم بذلك أزمان ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد». [٢/ ٥٧]
(١٣٣) من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لفظة ﴿بِخَيْرٍ﴾ هنا صفة تفضيل والمعنى: بأنفع لكم أيها الناس في عاجلٍ: إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت
стр. 68
أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية، وقال مالك: محكمة مكان منسوخة، وقيل: ليس المراد بأخير التفضيل لأن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] أي فله منها خير أي نفع وأجر لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ويدل على القول الأول قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾. [٢/ ٦٧]
(١٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠].
جاء في الحديث … قال النبي ﷺ : «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله»، قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر» … ولقد أحسن القائل:
قدم لنفسك قبل موتك صالحا … واعمل فليس إلى الخلود سبيل
وقال آخر:
قدم لنفسك توبة مرجوة … قبل الممات وقبل حبس الألسن
وقال آخر:
سابق إلى الخير وبادر به … فإنما خلفك ما تعلم
وقدم الخير فكل امرئ … على الذي قدّمه يقدم
وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية:
أسعد بمالك في حياتك إنما … يبقى وراءك مصلح أو مفسد
وإذا تركت لمفسد لم يبقه … وأخو الصلاح قليله يتزيد
стр. 69
وإن استطعت فكن لنفسك وارثا … إن المورث نفسه لمسدد
[٢/ ٧٢، ٧٣] بتصرف
(١٣٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
أي يوسع على عباده في دينهم ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم وقيل ﴿وَاسِعٌ﴾ بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] وقال الفراء: الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء دليله قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقيل: واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب وقيل متفضل على العباد وغني عن أعمالهم يقال فلان يسع ما يسئل أي لا يبخل قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي لينفق الغني مما أعطاه الله. [٢/ ٨٢]
(١٣٦) من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ سئل أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق فقال: كافر قيل: بم كفرته؟ قال: بآيات من كتاب الله ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والقرآن من علم الله. فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر. [٢/ ٩٢]
(١٣٧) من قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
اختلف في معنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ فقيل: يتبعونه حق اتباعه باتباع الأمر
стр. 70
والنهي فيحللون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بما تضمنه قاله عكرمة.
وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها. وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ : «كان إذا مرّ بآية رحمة سأل وإذا مر بآية عذاب تعوذ». وقال الحسن: هم الذين يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه وقيل: يقرأونه حق قراءته. قلت: وهذا فيه بعد إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه ويفهمون معانيه فإنه بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق. [٢/ ٩٣]
(١٣٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ تفسيره بالسيريانية فيما ذكر الماوردي وبالعربية فيما ذكر ابن عطية: أب رحيم قال السهيلي: وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم لرحمته بالأطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارًا إلى يوم القيامة
قلت: ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة وفيه أن النبي ﷺ رأى في الروضة إبراهيم ﵇ وحوله أولاد الناس. [٢/ ٩٤]
стр. 71
(١٣٩) اختلف العلماء في المراد بالكلمات في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] على أقوال وأصح من هذا ما ذكره عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر، وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والاختتان ونتف الإبط وغسل (مكان الغائط والبول) بالماء- وعلى هذا القول: فالذي أتم هو إبراهيم وهو ظاهر القرآن وروى مطر عن أبي الجلد أنها عشر أيضا إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم وموضع الاستنجاء الاستحداد. [٢/ ٩٥]
(١٤٠) قال الميموني قال لي أحمد: إن هاهنا رجلًا وُلد له ولد مختون فاغتم لذلك غمًا شديدا فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا. [٢/ ٩٨]
(١٤١) قص الشارب: الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل نفسه قاله مالك. وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وأرى أن يؤدب من حلق شاربه. وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب: هذه بدع وأرى أن يوجع ضربًا من فعله. وقال ابن خويز منداد قال مالك: أرى أن يوجع من حلقه ضربًا كأنه يراه ممثلًا بنفسه وكذلك بنتفه الشعر، وتقصيره عنده أولى من حلقه. [٢/ ١٠٣]
стр. 72
(١٤٢) الثريد أزكى الطعام وأكثره بركة وهو طعام العرب وقد شهد له النبي ﷺ بالفضل على سائر الطعام فقال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». [٢/ ١٠٦]
(١٤٣) خرج مسلم عن أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة».
قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر المدة والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة. [٢/ ١٠٧]
(١٤٤) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]
المعنى: جعلناك للناس إمامًا يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون. فجعله الله تعالى إمامًا لأهل طاعته. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ دعاء على جهة الرغباء إلى الله تعالى أي من ذريتي يا رب فاجعل وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيًا وظالمًا لا يستحق الإمامة قال ابن عباس. سأل إبراهيم ﵇ أن يُجعل من ذريته إمام فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي؛ فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. [٢/ ١٠٧]
(١٤٥) والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن
стр. 73
بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض. [٢/ ١٠٩]
(١٤٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
مثابة: أي مرجعًا … قال ورقة بن نوفل في الكعبة:
مثابًا لأفناء القبائل كلها … تخب إليها اليعملات الذوامل
وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرًا قال الشاعر:
جُعِلَ البيت مثابًا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوطر
[٢/ ١١٠]
(١٤٧) لما قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها أو لكونها أعظم حرمة والأول أظهر والله أعلم، وفي التنزيل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. [النور: ٣٦] [٢/ ١١٤]
(١٤٨) واختلفوا أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟
فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والجمهور على أن الصلاة أفضل … والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور والله أعلم. [٢/ ١١٦] بتصرف
стр. 74
(١٤٩) روي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده على بناء ابن الزبير لِما جاء عن النبي ﷺ وامتثله ابن الزبير فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس. [٢/ ١٢٤]
(١٥٠) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
أي من ذريتنا فاجعل فيقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة و ﴿وَمِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ للتبعيض لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين. [٢/ ١٢٦]
(١٥١) من قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
﴿وَأَرِنَا﴾ من رؤية البصر وقيل من رؤية القلب.
قال حطائط بن يعفر:
أريني جوادًا مات هزلًا لأنني … أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا
وقرأ بعض القراء: (أرْنا) بسكون الراء واستدل بقول الشاعر:
أَرْنا إداواة عبد الله نملؤها … من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا
[٢/ ١٢٦، ١٢٧] بتصرف
(١٥٢) من قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ وهم
стр. 75
أنبياء معصومون فقالت طائفة طلبا التثبيت والدوام لا أنهما كان لهما ذنب قلت: وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبيّنا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة وقيل: المعنى وتب على الظلمة منا. [٢/ ١٢٩]
(١٥٣) من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].
يعني محمدًا ﷺ وفي قراءة أُبي «وابعث في آخرهم رسولًا منهم». وقد روى خالد بن معدان: «أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى». [٢/ ١٢٩]
(١٥٤) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]
تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي أي وما يرغب قاله النحاس والمعنى: يزهد فيها وينأى نفسه عنها أي عن الملة وهي الدين والشرع. [٢/ ١٣٠] بتصرف
(١٥٥) من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قال ابن بحر: معناه: جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعًا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد الله وقدرته.
قلت: وهذا هو معنى قول الزجاج فيفكر في نفسه مِنْ يدين يبطش بهما ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها وأُذن يسمع بها ولسان ينطق به وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ومعدة
следующие страницы →