← Тафсир

Тафсир · id 1234

درر من تفسير القرطبي

أحمد مرشد

Полный текст (667 стр.). Показаны 631–667 · переход к 636.

стр. 631

وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن. ويكابد محنًا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار. [٢٠/ ٥٦ - ٥٧] (بتصرف). (١٣٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١]. قال الحسن: «هي والله عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان». وأنشد بعضهم: إني بليت بأربع يرمينني … بالنبل قد نصبوا علي شراكا إبليس والدنيا ونفسي والهوى … من أين أرجو بينهن فكاكا يا رب ساعدني بعفو إنني … أصبحت لا أرجو لهن سواكا [٢٠/ ٦١] (١٣٤٠) من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨]. في «صحيح مسلم» عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن

стр. 632

حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ومضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظُلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا. وقلت: كل شيء خَلْق الله ومِلك يده فلا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، فقال لي: يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم، ومضى فيهم من قَدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيءقضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾. [٢٠/ ٦٩]. (١٣٤١) من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ أي: من زكى نفسه بالطاعة، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ أي: خسرت نفس دسها الله بالمعصية. وقال ابن عباس: «خابت نفس أضلها وأغواها». وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال وخاب من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة وغيره. فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر شَهَر نفسه ورفعها وكانت

стр. 633

أجواد العرب تنزل الرُّبا وارتفاع الأرض ليشتهر مكانها للمعتفين -أي طالبي الفضل والرزق- وتوقد النار في الليل للطارقين، وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام ليخفى مكانها عن الطالبين. فأولئك عَلَّوا أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها وكذا الفاجر أبداً خفي المكان، زَمِرُ المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. [٢٠/ ٧٠] بتصرف (١٣٤٢) من قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]. أي: عقرها الأشقى، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رَضوا بفعله. وقال قتادة: «ذُكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم». [٢٠/ ٧١] (١٣٤٣) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥]. قال ابن مسعود: «يعني أبا بكر ﵁». وقاله عامة المفسرين، فروي عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال: «كان أبو بكر يُعتق على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بني! لو أنك أعتقت رجالًا جُلدًا يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد». وعن ابن عباس في قوله تعالى: «﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: بذل، ﴿وَاتَّقَى (٥)﴾ أي: محارم الله التي نهى عنها، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾». [٢٠/ ٧٥]

стр. 634

(١٣٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ١٠]. قال الفراء: «يقول القائل: كيف قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾؟ وهل في العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ [آل عمران: ٢١]، والبشارة في الأصل على المفرح والسارّ، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما، وكذلك التيسير في الأصل على المفرح؛ فإذا جمع في كلامِه هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعًا». [٢٠/ ٧٧] (١٣٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤]. ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾، أي: حذرتكم وخوفتكم، ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾، أي: تلهب وتتوقد. وأصله: تتلظى. ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾، أي: لا يجد صَلَاها وهو حرها، ﴿إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾، أي: الشقي، ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ نبي الله محمدًا ﷺ ، ﴿وَتَوَلَّى (١٦)﴾ أي: أعرض عن الإيمان. وروى مكحول عن أبي هريرة قال: «كل يدخل الجنة إلا من أباها، قال: يا أبا هريرة! ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: الذي كذب وتولى». وقال مالك: «صلى بنا عمر بن عبدالعزيز المغرب، فقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ فلما بلغ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ وقع عليه البكاء، فلم يقدر يتعداها من البكاء، فتركها، وقرأ سورة أخرى». [٢٠/ ٧٨]

стр. 635

(١٣٤٦) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦]. عدد سبحانه على نبيه محمد ﷺ فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ لا أب لك قد مات أبوك، ﴿فَآوَى (٦)﴾ أي: جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب فكفلك، وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي ﷺ من أبويه؟ فقال: «لئلا يكون لمخلوق عليه حق». وعن مجاهد: «هو من قول العرب: درة يتيمة؛ إذا لم يكن لها مثل». [٢٠/ ٨٢] (١٣٤٧) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. أي لا تَسَلَّط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يُتمك. قاله الأخفش. وعن مجاهد: «﴿فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾: فلا تحتقر … ». وخص اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تعالى؛ فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه. ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره، والإحسان إليه حتى قال قتادة: «كن لليتيم كالأب الرحيم». [٢٠/ ٩١] (١٣٤٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى: ١٠]. أي: لا تزجره فهو نهي عن إغلاظ القول، ولكن رُدَّه ببذل يسير أو رد جميل، واذكر فقرك. قاله قتادة وغيره. وقال إبراهيم بن أدهم: «نعم القوم السُّؤَال يحملون زادنا إلى الآخرة».

стр. 636

وقيل: المراد بالسائل هنا: الذي يسأل عن الدين، أي: فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين. قاله سفيان. قال ابن العربي: «وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية؛ كإعطاء سائل البِرّ سواء». [٢٠/ ٩٢] (١٣٤٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. أي: انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر … وعن الحسن بن علي ﵄ قال: «إذا أصبت خيرًا، أو عملت خيرًا، فحدث به الثقة من إخوانك». وكان أبو فراس عبدالله بن غالب إذا أصبح يقول: «لقد رزقني الله البارحة كذا، قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت الله كذا، وفعلت كذا. فقلنا له: يا أبا فراس، إن مثلك لا يقول هذا!! قال يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ وتقولون أنتم: لا تحدث بنعمة الله». وروى النسائي عن مالك بن نضلة الجشمي قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا، فرآني رث الثياب فقال: «ألك مال؟»، قلت: نعم يا رسول الله، من كل المال. قال: «إذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك». [٢٠/ ٩٣] (١٣٥٠) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]. معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾: قد شرحنا. الدليل على ذلك قوله في النسق عليه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشرح: ٢]؛ فهذا عطف على التأويل لا على

стр. 637

التنزيل؛ لأنه لو كان على التنزيل لقال: ونضع عنك وزرك؛ فدل هذا على أن معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾: قد شرحنا. [٢٠/ ٩٧]. (١٣٥١) من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]. قال مجاهد: «يعني بالتأذين». وفيه يقول حسان بن ثابت: أغرُّ عليه للنبوة خاتم … من الله مشهور يلوح ويُشْهدُ وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ وروي عن الضحاك عن ابن عباس قال: «يقول له: لا ذُكرتُ إلا ذُكرتَ معي في الأذان والإقامة والتشهد ويوم الجمعة على المنابر ويوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق ويوم عرفة وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلًا عَبَدَ الله جل ثناؤه وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرًا». وقيل: أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات. [٢٠/ ٩٨].

стр. 638

(١٣٥٢) من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥ - ٦]. قال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسمًا معرفًا ثم كرروه فهو هو، وإذا نكَّروه ثم كرروه فهو غيره. وهما اثنان ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. قاله ثعلب. وقال ابن عباس: «يقول الله تعالى خلقت عسرًا واحدًا، وخلفت يُسرين ولن يغلب عُسر يسيرين». [٢٠/ ٩٩]. (١٣٥٣) من قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١]. إنما أقسم الله بالتين؛ ليبين وجه المنة العظمى فيه فإنه جميل المنظر، طيب المخبر، نشر الرائحة، سهل الجني، على قدر المضغة. وقد أحسن القائل فيه: انظر إلى التين في الغصون ضحى … ممزق الجلد مائل العنق كأنه رب نعمة سلبت … فعاد بعد الجديد في الخَلَقِ أصغر ما في النهود أكبره … لكن ينادى عليه في الطرق وقال آخر: التين يعدل عندي كل فاكهة … إذا انثنى مائلاً في غصنه الزاهي مخمش الوجه قد سالت حلاوته … كأنه راكع من خشية الله قال ابن العربي: «ولامتنان البارئ سبحانه، وتعظيم المنة في التين، وأنه مقتات مدخر؛ فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه». [٢٠/ ١٠٣ - ١٠٤].

стр. 639

(١٣٥٤) من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. هو اعتداله واستواء شبابه. كذا قال عامة المفسرين. وهو أحسن ما يكون؛ لأنه خلق كل شيء منكبًا على وجهه، وخلقه هو مستويًا، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها. وقال أبو بكر بن طاهر: «مزينًا بالعقل، مؤديًا للأمر، مهديًا بالتمييز، مديد القامة يتناول مأكوله بيده». وقال ابن العربي: «ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيًا عالمًا، قادرًا مريدًا متكلمًا، سميعًا بصيرًا، مدبرًا، حكيمًا. وهذه صفات الرب سبحانه». [٢٠/ ١٠٥] (بتصرف). (١٣٥٥) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ [العلق: ٤]. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ يعني: الخط والكتابة؛ أي: علم الإنسان الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة قال: «القلم نعمة من الله عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه سبحانه بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو». وما دُونت العلوم، ولا قُيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا، وسمي قلمًا؛ لأنه يُقْلَم أي: يقطع، ومنه: تقليم الظفر.

стр. 640

وقال بعض الشعراء المُحدَثين يصف القلم: فكأنه والحِبر يَخضبُ رأسه … شيخٌ لوصل خَريدةٍ يَتصنَّعُ لِمَ لا ألاحظه بعين جَلالة … وبه إلى الله الصحائف ترفعُ [٢٠/ ١١١]. (١٣٥٦) من قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩)﴾ إلى ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق: ٩ - ١٥]. فالآية -وإن كانت في أبي جهل- فهي عِظة للناس وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة. وأهل اللغة يقولون: سفعتَ بالشيء إذا قبضت عليه وجذبته جذبًا شديدًا. والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر عنها عن جملة الإنسان، كما يقال: هذه ناصية مباركة؛ إشارة إلى جميع الإنسان. وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته. [٢٠/ ١١٥] بتصرف. (١٣٥٧) من قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩]. في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فإنه قمن أن يستجاب لكم».

стр. 641

ولقد أحسن من قال: وإذا تذللتِ الرقابُ تواضعًا … منا إليك فَعِزُّها في ذُلّها [٢٠/ ١١٨]. (١٣٥٨) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]. يعني: القرآن وإن لم يجر له ذِكر في هذه السورة؛ لأن المعنى معلوم، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقد قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ١]. يريد ليلة القدر. وقال الشعبي: «المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر». وقيل: بل نزل به جبريل ﵇ جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان جبريل ينزله على النبي ﷺ نجومًا، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. قاله ابن عباس. [٢٠/ ١٢٠]. (١٣٥٩) من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ [القدر: ٢]. قال الفراء: «كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أدراه، وما كان من قوله ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يُدرِه». وقاله سفيان. [٢٠/ ١٢٠]. (١٣٦٠) من قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ٣]. بين فضلها وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل،

стр. 642

وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. وقال كثير من المفسرين: أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وقال أبو العالية: «ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر». وقيل: عنى بألف شهر جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء، كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، يعني: جميع الدهر. وقيل: إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدًا حتى يعبد الله ألف شهر ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فجعل الله تعالى لأمة محمد ﷺ عبادة ليلة خيرًا من ألف شهر كانوا يعبدونها. [٢٠/ ١٢١]. (١٣٦١) من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة، الآيات: ١ - ٨]. عن أنس أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: وسماني لك؟! قال: نعم؛ فبكى». قلت: خرجه البخاري ومسلم، وفيه من الفقه: قراءة العالم على المتعلم. قال بعضهم: إنما قرأ النبي ﷺ على أُبي؛ ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة. وقيل: لأن أُبيًّا كان أسرع أخذًا لألفاظ رسول الله ﷺ ، فأراد

стр. 643

بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره، وفيه فضيلة عظيمة لأبي إذا أمر الله رسوله ﷺ أن يقرأ عليه. [٢٠/ ١٣٠]. (١٣٦٢) من قوله تعالى: ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة: ١]. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾، أي: منتهين عن كفرهم مائلين عنه، ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ﴾، أي: أتتهم البينة، أي محمدًا ﷺ . وقيل: الانتهاء: بلوغ الغاية، أي: لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة، فالانفكاك على هذا بمعنى: الانتهاء. وقيل ﴿مُنْفَكِّينَ﴾: زائلين، أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول. وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾: بارحين، أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: «أي: لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد ﷺ في كتابهم حتى بُعث فلما بُعث حسدوه وجحدوه وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]». [٢٠/ ١٣١]. (١٣٦٣) من قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة: ٣]. أي: مستقيمة مستوية محكمة، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى وصح، وقال بعض أهل العلم: الصحف هي الكتب، فكيف قال في صحف فيها كتب؟ فالجواب: أن الكتب هنا بمعنى: الأحكام. قال الله : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١]، بمعنى: حكم.

стр. 644

وقيل: الكتب القيمة: القرآن؛ فجعله كتبًا؛ لأنه يشتمل على أنواع من البيان. [٢٠/ ١٣٣]. (١٣٦٤) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤]. أي: تخبر الأرض بما عُمل عليها من خير أو شر يومئذ، ثم قيل هو من قول الله تعالى. وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان ما لها تحدث أخبارها؛ متعجبًا. [٢٠/ ١٣٨]. (١٣٦٥) من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. قال ابن مسعود: «هذه أحكم آية في القرآن»، وصَدَق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية؛ القائلون بالعموم ومن لم يقل به. وروى كعب الأحبار أنه قال: «لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى: «﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ قال: في الحال قبل المآل». وكان النبي ﷺ يُسمي هذه الآية الجامعة الفاذة كما في الصحيح؛ لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل

стр. 645

والحمار لا كرَّ فيها ولا فَرَّ؛ فلما ذكر النبي ﷺ ما في الخيل من الأجر الدائم والثواب المستمر سأل السائل عن الحُمُر؛ لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي ﷺ «الدلدل» التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة. قاله ابن العربي. وفي «الموطأ» أن مسكينًا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت: أتعجب! كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة. [٢٠/ ١٤٢]. (١٣٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ [العاديات: ١]. أي: الأفراس تعدو. كذا قال عامة المفسرين وأهل اللغة أي: تعدو في سبيل الله فتضبح. قال قتادة: «تضبح إذا عدت، أي: تحمحم». وقال الفراء: «الضبح: صوت أنفاس الخيل إذا عَدَوْن». قال ابن عباس: «ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب».

стр. 646

وقيل: كانت تُكعم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة. وقال أهل اللغة: وأصل الضبح والضُّباح للثعالب، فاستعير للخيل، وهو من قول العرب: ضبحته النار إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه … وانضبح لونه: إذا تغير إلى السواد .. وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيرت حالها من فزع وتعب أو طمع. [٢٠/ ١٤٤] بتصرف. (١٣٦٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦]. قال ابن عباس: «لكفور جحود لنعم الله». وكذلك قال الحسن. وقال: يذكر المصائب وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه: يا أيها الظالم في فعله … والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى … تشكو المصيبات وتنسى النعم! [٢٠/ ١٤٩]. (١٣٦٨) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: ٧]. أي: وإن الله ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد. كذا روى منصور عن مجاهد، وهو قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس. وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: «﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن الإنسان لشاهد على نفسه بما يصنع»، وروي عن مجاهد أيضًا. [٢٠/ ١٥١]. (١٣٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الإنسان من غير خلاف، ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي: المال، ومنه

стр. 647

قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، ﴿لَشَدِيدٌ (٨)﴾ أي: لقوي في حبه للمال. وقيل: لشديد: لبخيل. قال ابن زيد: «سمى الله المال خيرًا، وعسى أن يكون شرًّا وحرامًا، ولكن الناس يعدونه خيرًا فسماه خيرًا لذلك، وسمى الجهاد سوءًا، فقال: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، على ما يسميه الناس». [٢٠/ ١٥١]. (١٣٧٠) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ [القارعة: ٤]. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرف، تقديره: تكون القارعة يوم يكون الناس. ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾. قال قتادة: «الطير الذي يتساقط في النار، والسراج الواحدة: فراشة». وقال أبو عبيدة، وقال الفراء: «إنه الهمج الطائر من بعوض وغيره»، ومنه الجراد، ويقال هو أطيش من فراشه. وفي «صحيح مسلم» عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقدَ نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذهبهن عنها، وأنا آخذ بِحُجَزِكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي»، وفي الباب عن أبي هريرة. والمبثوث المتفرق، وقال في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾ [القمر:

стр. 648

٧]، فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه ثم يكونون كالجراد؛ لأن لها وجهًا تقصده. وقال ابن عباس والفراء: «﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ كغوغاء الجراد يركب بعضها بعضًا كذلك الناس يجول بعضهم في بعض إذا بُعثوا». [٢٠/ ١٥٣]. (١٣٧١) من قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩]. ومعنى ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ يعني: جهنم، وسماها أمًّا؛ لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه. قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: فالأرض معقلنا وكانت أُمَّنا … فيها مقابرنا وفيها نولد وسميت النار هاوية؛ لأنه يهوي فيها مع بُعد قعرها، ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار، وقال قتادة: «معنى ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾: فمصيره إلى النار». وقال عكرمة: «لأنه يهوي فيها على أم رأسه». وقال الأخفش: «أمه: مُسْتَقَرُّه»، والمعنى متقارب. قال الشاعر: يا عمرو لو نالتك أرماحنا … كنتَ كمن تهوي به الهاوية [٢٠/ ١٥٤].

стр. 649

(١٣٧٢) من قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١]. أي: شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله حتى متم ودفنتم في المقابر … وفي «صحيح مسلم» عن مطرف عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ قال: «يقول ابن آدم مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك ذاهب، وتاركه للناس»، وروى البخاري عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك أن رسول ﷺ قال: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»، قال ثابت عن أنس عن أبي: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ قال ابن العربي: «وهذا نص صحيح مليح غاب عن أهل التفسير فجَهِلوا وجهَّلوا والحمد لله على المعرفة». [٢٠/ ١٥٦]. (١٣٧٣) من قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢]. قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه،

стр. 650

واستحكمت فيه دواعي الذنب؛ فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبلغ من الأول. [٢٠/ ١٥٩]. (١٣٧٤) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]. قال الحسن: «لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار». وقال القشيري: «والجمع بين الأخبار: أن الكل يُسألون ولكن سؤال الكفار توبيخ؛ لأنه قد ترك الشكر وسؤال المؤمن تشريف؛ لأنه شكر، وهذا النعيم في كل نعمة». قلت: هذا القول حسن؛ لأن اللفظ يعم. [٢٠/ ١٦٥]. (١٣٧٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]. قال إبراهيم: «إن الإنسان إذا عُمِّر في الدنيا وهرم، لفي نقص وضعف وتراجع إلا المؤمنين فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ [التين: ٤ - ٥]». [٢٠/ ١٦٨]. (١٣٧٦) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾ [الهمزة: ٢]. أي: أعدّه -زعم- لنوائب الدهر مثل كرُم وأكرم، وقيل: أحصى عدده.

стр. 651

قال السدي، وقال الضحاك: «أي: أعد ماله لمن يرثه من أولاده». وقيل: فاخر بعدده وكثرته، والمقصود: الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة، كما قال: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢]، وقال: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ [المعارج: ١٨]. وقراءة الجماعة ﴿جَمعَ﴾ مخفف الميم، وشددها ابن عامر وحمزة والكسائي على التكثير، واختاره أبو عبيد لقوله: ﴿وَعَدَّدَهُ (٢)﴾. [٢٠/ ١٧١] (١٣٧٧) من قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ [الهمزة: ٣]. ﴿يَحْسَبُ﴾ أي: يظن، ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ أي: يبقيه حيًّا لا يموت. قاله السدي. وقال عكرمة: «أي: يزيد في عمره». ﴿كَلَّا﴾ رد لما توهمه الكافر، أي: لا يخلد ولا يبقى له مال. [٢٠/ ١٧١] (١٣٧٨) من قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ [الهمزة: ٤]. ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾، أي: ليطرحن وليلقين، ﴿فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ وهي نار الله سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه. قال الراجز: إنا حطمنا بالقضيب مصعبًا … يوم كسرنا أنفه ليغضبا [٢٠/ ١٧١]

стр. 652

(١٣٧٩) من قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٧]. وخص الأفئدة؛ لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه، أي: إنه في حال من يموت وهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى: ١٣]؛ فهم إذًا أحياء في معنى الأموات. [٢٠/ ١٧٢] (١٣٨٠) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]. قال علماؤنا: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي ﷺ وإن كانت قبله وقبل التحدي؛ لأنها كانت توكيدًا لأمره وتمهيدًا لشأنه. ولما تلا عليهم رسول الله ﷺ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة؛ ولهذا قال ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس. وقال أبو صالح: «رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوًا من قفيزين من تلك الحجارة سودًا مخططة بحمرة». [٢٠/ ١٨١] (١٣٨١) قال ابن العربي: «قال ابن وهب عن مالك: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وقال قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، وقد روى الناس عن مالك أنه قال: من مروءة الرجل ألا يُخبر بسنه لأنه إن كان صغيرًا استحقروه، وإن كان كبيرًا استهرموه، وهذا قول ضعيف؛ لأن مالكًا لا يخبر بسن رسول الله ويكتم سنه، وهو من أعظم العلماء قدوة به. فلا بأس أن يخبر الرجل بسنه كان كبيرًا أو صغيرًا.

стр. 653

وقال عبدالملك بن مروان لعتاب بن أسيد: «أنت أكبر أم النبي ﷺ ؛ فقال: النبي ﷺ أكبر مني وأنا أسن منه؛ ولد النبي ﷺ وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس». وقيل لبعض القضاة: كم سنك؟ قال: سن عتاب بن أسيد حين ولاه النبي ﷺ مكة، وكان سنه يومئذ دون العشرين. [٢٠/ ١٨٠] (١٣٨٢) من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥]. أي: جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه، ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة. [٢٠/ ١٨٤] (١٣٨٣) من قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١]. قال الفراء: «هذه السورة متصلة بالسورة الأولى -الفيل- لأنه ذَكَّرَ أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش. وذلك أن قريشًا كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها ولا تقرب في الجاهلية. يقولون: هم أهل بيت الله جل وعز؛ حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة، ويأخذ حجارتها، فيبني بها بيتًا في اليمن يحج الناس إليه، فأهلكهم الله ، فذكرهم نعمته. أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش، أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم». [٢٠/ ١٨٥]

стр. 654

(١٣٨٤) وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر؛ فكل من كان من ولد النضر، فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه، وربما قالوا: قُريشي وهو القياس. قال الشاعر: بكل قريشي عليه مهابة فإن أردت بقريش الحي صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه. قال الشاعر: وكفى قريشَ المعضلاتِ وسادها والتقريش الاكتساب، وتقرشوا أي: تجمعوا، وقد كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوه مسكنًا. قال الشاعر: أبونا قصي كان يُدعى مُجمعًا … به جمع الله القبائل من فهر وقد قيل إن قريشًا بنو فهر بن مالك بن النضر، فكل من لم يلده فهر فليس بقرشي، والأول أصح وأثبت، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، ولا ننتفي من أبينا». وقال واثلة بن الأسقع قال النبي ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، صحيح ثابت خرجه البخاري ومسلم، واختلف في تسميتهم قريشًا على أقوال: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق،

стр. 655

والتقرش التجمع والالتئام، الثاني: لأنهم كانوا تجارًا يأكلون من مكاسبهم، والتقرش التكسب، الثالث: لأنهم كانوا يفتشون الحاج من ذوي الخَلّة فيسدون خَلْته، والقَرْش: التفتيش، الرابع: ما روي عن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريشٌ قريشًا؟ فقال: لدابة في البحر من أقوى دوابه يقال لها: القِرش تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، وأنشد قول تُبع: وقريش هي التي تسكن البحر … بها سميت قريش قريشًا تأكل الرث والسمِين ولا … تترك فيها لذي جناحين ريشًا هكذا في البلاد حي قريشٍ … تأكلون البلاد أكلًا كميشًا ولهم آخر الزمان نبيٌّ … يَكْثُرُ القتل فيهم والخموشا [٢٠/ ١٨٦] (١٣٨٥) من قوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢]. كانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء؛ لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى الشام؛ لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس أيضًا قال: «كانوا يشتون بمكة لدفئها، ويصيفون بالطائف لهوائها. وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف؛ فذكرهم الله تعالى هذه النعمة». وقال الشاعر: تشتي بمكة نَعْمَةٌ … ومصيفها بالطائف [٢٠/ ١٨٩ - ١٩٠] (بتصرف)

стр. 656

(١٣٨٦) قال مالك: «الشتاء نصف السنة، والصيف نصفها، ولم أزل أرى ربيعة بن أبي عبدالرحمن ومن معه، لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا»، وأراد بطلوع الثريا أن يخرج السعاة، ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم، وأن طلوع الثريا أول الصيف ودُبر الشتاء. وهذا مما لا خلاف فيه بين أصحابه عنه … قال قوم: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقال قوم: هو شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. والذي قاله مالك أصح؛ لأن الله قسم الزمان قسمين ولم يجعل لهما ثالثًا. [٢٠/ ١٩٠ - ١٩١] (١٣٨٧) لما امتن الله تعالى على قريش برحلتين، شتاءً وصيفًا، كان فيه دليل على جواز تصرف الرجل في الزمانين بين محلين، يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر؛ كالجلوس في المجلس البحري في الصيف، وفي القبلي في الشتاء. [٢٠/ ١٩١] (١٣٨٨) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣]. أمرهم الله تعالى بعبادته وتوحيده، … والبيت: الكعبة، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان؛ أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان فميز نفسه عنها. الثاني: لأنهم بالبيت شُرفوا على سائر العرب فذكر لهم ذلك تذكيرًا لنعمته. وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾، أي: ليألفوا عبادة رب الكعبة كما كانوا يألفون الرحلتين.

стр. 657

قال عكرمة: «كانت قريش قد ألفوا رحلة إلى بُصرى ورحلة إلى اليمن». [٢٠/ ١٩١] (١٣٨٩) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٤]. ﴿مِنْ جُوعٍ﴾، أي: بعد جوع، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾. قال ابن عباس: «وذلك بدعوة إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]». وقال ابن زيد: «كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم، وقرأ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]». [٢٠/ ١٩٩] (١٣٩٠) من قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ [الماعون: ٢]. أي: يدفعه عن حقه. قال قتادة: «يقهره ويظلمه»، والمعنى متقارب. وقد تقدم في سورة النساء أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار، ويقولون: إنما يحوز المال من يَطعنُ بالسنان، ويضرب بالحسام. [٢٠/ ١٩٣] (١٣٩١) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ٣]. ليس الذم عامًا حتى يتناول من تركه عجزًا، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]؛ فنزلت هذه

стр. 658

الآية فيهم، وتوجه الذم إليهم، فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إن قدروا ولا يحثون عليه إن عسِروا. [٢٠/ ١٩٤] (١٣٩٢) من قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]. قال عطاء: «الحمد لله الذي قال ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ ولم يقل في صلاتهم». قال الزمخشري: «فإن قلت: أي فرق بين قوله: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾، وبين قولك: في صلاتهم؟ قلت: معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، أو الفسقة الشُّطار من المسلمين». ومعنى (في) أنَّ السهو يعتريهم فيها، بوسوسة شيطان، أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. [٢٠/ ١٩٤ - ١٩٥] (بتصرف) (١٣٩٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]. قراءة العامة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ بالعين، وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف ﴿أَنْطَينَاكَ﴾ بالنون. وهي لغة في العطاء؛ أنطيته: أعطيته. والكوثر: فوعل من الكثرة، مثل: النوفل من النفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرًا. قال سفيان: «قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثرأي بمال كثير، والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير.

стр. 659

قال الكميت: وأنت كثير يابن مروان طيب … وكان أبوك ابنُ العقائِل كوثرا والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع، والكوثر من الغبار الكثير. [٢٠/ ١٩٨] (١٣٩٤) اختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ على ستة عشر قولًا: الأول: أنه نهر في الجنة. الثاني: أنه حوض النبي ﷺ في الموقف. قاله عطاء. وفي «صحيح مسلم» عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت عليَّ أنفًا سورة»؛ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيُختلج العبد منهم، فأقول إنه من أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك». والأخبار في حوضه في الموقف كثيرة ذكرناها في كتاب «التذكرة» … ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرًا؛ لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد ﷺ هناك، ويسمى لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير.

стр. 660

ثم قال القرطبي بعد أن ساق الأقوال في المراد بالكوثر: قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ نص في الكوثر، وسمع أنس قومًا يتذاكرون الحوض فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي ﷺ . [٢٠/ ٢٠٠] (١٣٩٥) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣]. ﴿شَانِئَكَ﴾، أي: مبغضك، وهو العاص بن وائل، وكانت العرب تسمي من كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقي البنات: أبتر، فيقال: إن العاص وقف مع النبي ﷺ يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفًا؟ فقال: مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبدالله ابن رسول الله ﷺ ، وكان من خديجة؛ فأنزل الله جل شأنه، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، أي: المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. [٢٠/ ٢٠٤] (١٣٩٦) من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٥]. قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار

стр. 661

إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد. [٢٠/ ٢٠٨]. (١٣٩٧) من قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. قال ابن عمر: «نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع؛ ثم نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدها النبي ﷺ ثمانين يومًا. ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يومًا. ثم نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا. ثم نزل ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها إحدى وعشرين يومًا، وقال مقاتل: «سبعة أيام». [٢٠/ ٣١٥] (١٣٩٨) من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]. روى الأئمة واللفظ للبخاري عن عائشة ﵂ قالت: «ما صلى رسول الله ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلا يقول: «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن. [٢٠/ ٢١٣]

стр. 662

(١٣٩٩) فإن قيل: فماذا يغفر للنبي ﷺ حتى يؤمر بالاستغفار؟ قيل له: كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير». فكان ﷺ يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبًا -وقيل غير ذلك- … وإذا كان ﷺ وهو معصوم يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره. [٢٠/ ٢١٤ - ٢١٥] بتصرف (١٤٠٠) من قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١]. معنى ﴿تَبَّتْ﴾: خسرت. قاله قتادة. وقيل: خابت. قاله ابن عباس. وقيل: ضلت. قاله عطاء. وقيل: هلكت. قاله ابن جبير. وقال يمان بن رئاب: «صفرت من كل خير»، … وخصت اليدين بالتباب؛ لأن العمل أكثر ما يكون بهما، أي خسرتا وخسر، وقيل: المراد باليدين نفسه، وقد يعبر عن النفس باليد؛ ﴿وَتَبَّ (١)﴾. قال الفراء: «التب الأول دعاء والثاني خبر كما يقال: أهلكه الله وقد هلك». [٢٠/ ٢١٧].

стр. 663

(١٤٠١) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢]. قلت: قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصمد في كتاب «الأسنى»، وأن الصحيح منها ما شهد له الاشتقاق، وهو القول الأول. ذكره الخطابي. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ أي: الذي يُصمد إليه في الحاجات. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. وقال أبو هريرة: «إنه المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد». [٢٠/ ٢٢٥ - ٢٢٦] بتصرف. (١٤٠٢) من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص: ٣]. قال ابن عباس: «﴿لَمْ يَلِدْ﴾ كما ولدت مريم، ﴿وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ كما ولد عيسى وعزير وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله». [٢٠/ ٢٢٧] (١٤٠٣) ثبت في «صحيح البخاري» عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى البني ﷺ فذكر ذلك له، وكان الرجال يتقالها، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن». قال بعض العلماء: إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم الذي هو ﴿الصَّمَدُ (٢)﴾؛ فإنه لا يوجد في غيرها من السور، وكذلك ﴿أَحَدٌ (١)﴾. وقيل: إن القرآن أنزل أثلاثًا، ثلثًا منه أحكام، وثلثًا منه وعد ووعيد، وثلثًا

стр. 664

منه أسماء وصفات، وقد جمعت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ أحد الأثلاث وهو الأسماء والصفات. ودل على هذا التأويل ما في «صحيح مسلم» من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء؛ فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءًا من أجزاء القرآن»، وهذا نص، وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص. [٢٠/ ٢٢٨]. (١٤٠٤) روى مسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك»، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه». [٢٠/ ٢٢٨] (١٤٠٥) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١]. روى النسائي عن عقبة بن عامر، قال: «أتيت النبي ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني سورة (هود) أقرئني سورة يوسف. فقال لي: «لن تقرأ شيئًا أبلغ عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾». وعنه قال: بينا أسير مع النبي ﷺ بين الجحفة والأبواء إذ غشتنا ريح مظلمة شديدة، فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ ب ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ويقول: «يا عقبة تعوذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما»، قال: وسمعته يقرأ بهما في الصلاة. [٢٠/ ٢٣٤]

стр. 665

(١٤٠٦) وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها». النفث: النفخ ليس معه ريق. (١٤٠٧) من قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق: ٢]. قيل: هو إبليس وذريته، وقيل: جهنم، وقيل: هو عام، أي من شر كل ذي شر خلقه . [٢٠/ ٢٣٧] (١٤٠٨) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ [الفلق: ٣]. قيل: هو الليل والغسق أول ظلمة الليل، ﴿وَقَبَ﴾ أظلم. وقيل: دخل. وقال الزجاج: «قيل لليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار، ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على العيث والفساد». [٢٠/ ٢٣٧]. (١٤٠٩) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤]. يعني: الساحرات اللاتي ينفثن في عُقد الخيط حين يرقين عليها. [٢٠/ ٢٣٨] (١٤١٠) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ٥]. قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه، ويطلب عثراته .. والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل. والحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون.

стр. 666

ولقد أحسن من قال: قل للحسود إذا تنفس طعنة … يا ظالمًا وكأنه مظلوم قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟ وثالثها: أنه ضادَّ فعل الله، أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله. ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم. وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس. وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزنًا واحتراقًا، ولا ينال من الله إلا بعدًا ومقتًا. [٢٠/ ٢٤١]. (١٤١١) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥]. روى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني قال: سألت الله أن يريني الشيطان ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده؛ غير أن له خطمًا كخطم الكلب، فإذا ذكر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه.

стр. 667

فعلى ما وصف أبو ثعلبة أنه متشعب في الجسد؛ أي في كل عضو منه شعبة. [٢٠/ ٢٤٤] وبهذا ينتهي ما تم اختياره والتقاطه من الدرر والفوائد من هذا السفر العظيم من أسفار الإسلام وهو تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-. أسأل الله تعالى أن يجعل عملنا كله صالحًا ولوجهه خالصًا والحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أحمد بن صالح بن عمر بن مرشد في مدينة الرياض ١١/ ٧/ ١٤٤٤ هـ ahmd577@gmail.com