Полный текст (667 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
يبعث الله قط رسولًا إلى الجن، ولا من أهل البادية ولا من النساء وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]». [١٩/ ١٧]
(١٢٦٦) من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤].
أي: وأنا بعد استماع القرآن مختلفون فمنا من أسلم ومنا من كفر والقاسط الجائر؛ لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، يقال: قسط أي: جار، وأقسط إذا عدل.
قال الشاعر:
قوم هم قتلوا ابن هند عنوةً … عَمْرًا وهم قسطوا على النعمانِ
[١٩٩/ ١٨]
(١٢٦٧) من قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦].
طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ أي: كثيرًا، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
وقال عمر في هذه الآية: «أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة»، فمعنى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾: لوسعنا عليهم في الدنيا وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلًا؛ لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون فأقيم مقامه. [١٩/ ١٩]
стр. 597
(١٢٦٨) من قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ … ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. [١٩/ ٢٨]
(١٢٦٩) من قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٨].
أي: أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء و ﴿عَدَدًا (٢٨)﴾ نصب على الحال، أي: أحصى كل شيء في حال العدد، وإن شئت على المصدر أي: أحصى وعد كل شيء عددًا، فيكون مصدر الفعل المحذوف فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء، وقد بينا جميعه في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، والحمد لله وحده. [١٩/ ٣٠]
(١٢٧٠) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
قال السهيلي: «ليس المزمل باسم من أسماء النبي ﷺ »، ولم
стр. 598
يُعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه ﵇، وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب وكذلك المدثر، وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها؛ كقول النبي ﷺ لعلي حين غاضب فاطمة ﵂ فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: «قُم يا أبا تراب»؛ إشعارًا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له، وكذلك قوله ﵇ لحذيفة «قم يا نومان» وكان نائماً ملاطفة له وإشعارًا لترك العتب والتأنيب؛ فقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ﴾، فيه تأنيس وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
الفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة. [١٩/ ٣٢]
(١٢٧١) من قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤].
أي: لا تعجل بقراءة القرآن بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني.
وقال الضحاك: «اقرأه حرفًا حرفًا». وقال مجاهد: «أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه»، والترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه: ثغر رتِل ورَتَّل إذا كان حسن التنضيد … وسمع علقمة رجلًا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتل القرآن فداه أبي وأمي، وقال أبو بكر بن طاهر: «تدبر في
стр. 599
لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه». [١٩/ ٣٦]
(١٢٧٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١٦].
بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب، واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل، فقال ابن عمر وأنس بن مالك: «هو ما بين المغرب والعشاء؛ تمسكًا بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء، فكان بالأولية أحق، وكان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء، ويقول: «هذا ناشئة الليل».
وقال عطاء وعكرمة: «إنه بدء الليل».
وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: «هي الليل كله؛ لأنه ينشأ بعد النهار وهو الذي اختاره مالك بن أنس».
قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة».
﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان؛ لانقطاع الأصوات والحركات. قاله مجاهد وابن أبي مليكة وغيرهما.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي أشد استقامة واستمرارًا على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. [١٩/ ٣٩]
стр. 600
(١٢٧٣) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ … ﴾ [المزمل: ١٥].
يريد النبي ﷺ أرسله إلى قريش: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾، وهو موسى؛ ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أي: كذب به ولم يؤمن، قال مقاتل: «ذكر موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ازدروا محمدًا ﷺ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون أزدرى موسى؛ لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]». [١٩/ ٤٦]
(١٢٧٤) من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
بيّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل؛ لأجل هؤلاء … قال ابن مسعود: «أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ … وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حِنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت
стр. 601
علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافًا لا عليّ ولا لي. [١٩/ ٥٢]
(١٢٧٥) من قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
روي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ حيسًا -يعني تمرًا بلبن- فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه، فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر: لكن رب المسكين يدري ما هو وكأنه تأول ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ أي: مما تركتم وخلفتم ومن الشح والتقصير، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. قال أبو هريرة: «الجنة» ويحتمل أن يكون أعظم أجرًا لإعطائه بالحسنة عشرًا». [١٩/ ٥٥]
(١٢٧٦) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١].
ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد، ويا فلان، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه.
(١٢٧٧) من قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣].
أي: سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم وَصِفْهُ بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد. [١٩/ ٥٨]
(١٢٧٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦].
قال الإمام القرطبي بعد أن ذكر جملة من الأقوال في الآية: وهذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول ابن عباس: «لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت
стр. 602
من المال»، يقال: مننت فلانًا كذا أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة، فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها؛ لأنه ﵇ ما كان يجمع الدنيا. [١٩/ ٣]
(١٢٧٩) من قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ [المدثر: ١٣].
أي: حضورًا لا يغيبون عنه في تصرف … قال مقاتل: «كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن الوليد. قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك». [١٩/ ٦٦]
(١٢٨٠) من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ [المدثر: ١٨].
يعني: الوليد بن المغيرة فكر في شأن النبي ﷺ والقرآن ﴿وَقَدَّرَ (١٨)﴾ أي: هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته؛ وذلك أنه لما نزل ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ١ - ٣]. سمعه الوليد يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صبا الوليد لتصبون قريش كلها. وكان يقال للوليد ريحانة قريش. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فمضى إليه حزينًا. فقال له: مالي أراك حزينًا، فقال له: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام
стр. 603
محمد، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما. فغضب الوليد وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كِسر محمد وصاحبه فأنتم تعرفون قدر مالي، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك، وإنما أنتم تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه قط يَخنُق؟ قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه تكهن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعًا وتخالجًا، فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله، وكان النبي ﷺ يسمى: الصادق الأمين، من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده مواليه؟! فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي: في أمر محمد والقرآن ﴿وَقَدَّرَ (١٨)﴾ في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما ﴿فَقُتِلَ﴾ أي: لعن … ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ بأي شيء يرد الحق ويدفعه ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قطب بين عينيه في وجوه المؤمنين ﴿وَبَسَرَ (٢٢)﴾ أي: كلح وجهه وتغير لونه.
وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة. [١٩/ ٦٨]
(١٢٨١) من قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٧].
اللام متعلقة ب ﴿نَذِيرًا﴾ أي: نذيرًا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير
стр. 604
والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية. نظيره ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾.
قال الحسن: «هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]». [١٩/ ٧٨]
(١٢٨٢) من قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ [المدثر: ٤٩].
أي: فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عما جئتم به، وفي تفسير مقاتل: «الإعراض عن القرآن من وجهين؛ أحدهما: الجحود والإنكار، والوجه الآخر: ترك العمل بما فيه». [١٩/ ٨٠]
(١٢٨٣) من قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١].
قيل: إن ﴿لَا﴾ صلة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض فهو في حكم كلام واحد؛ ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]، وجوابه في سورة أخرى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ٢]، ومعنى الكلام: أقسم بيوم القيامة. قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة، ومثله قوله الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابةٌ … فكاد صميم القلب لا يتقطع
وحكى أبو الليث السمرقندي: «أجمع المفسرون أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أقسم، واختلفوا فيه تفسير «لا». قال بعضهم: «لا» زيادة في الكلام للزينة، ويجري
стр. 605
في كلام العرب زيادة «لا» كما قال في آية أخرى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، يعني: أن تسجد، وقال بعضهم: «لا» رد لكلامهم حيث أنكروا البعث، فقال: ليس الأمر كما زعمتم. قلت: وهذا قول الفراء. [١٩/ ٨٣]
(١٢٨٤) من قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ٢].
أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردت بكذا؟ فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. قال الحسن: «هي والله نفس المؤمن، ما يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه».
وقال مجاهد: «هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه». [١٩/ ٨٤]
(١٢٨٥) من قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٤].
البنان: عند العرب الأصابع واحدها بنانة.
قال النابغة:
بُمُخضَبٍ رَخص كأن بنانَه … عَنْمٌ يكاد من اللطافة يُعقد
وقال عنترة:
وأن الموتَ طَوعَ يدي إذا ما … وصلتُ بَنَانَها بالهِنْدُواني
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضًا فإنها أصغر العظام، فخصها بالذكر لذلك.
стр. 606
قال القتبي والزجاج: «وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها، ونؤلف بينها حتى تستوي ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر».
وكان الحسن يقول: «جعل لك أصابع فأنت تبسطهن وتقبضهن ولو شاء الله لجمعهن فلم تتق الأرض إلا بكفيك». [١٩/ ٨٥]
(١٢٨٦) من قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ [القيامة: ٥].
قال ابن عباس: «يعني الكافر يكذب بما أمامه من البعث والحساب».
وعنه أيضًا: «يعجل المعصية ويسوف التوبة … ».
وقال الضحاك: «هو الأمل يقول سوف أعيش، وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت، وقيل: أي يعزم على المعصية أبدًا، وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال للإنسان، وقيل: الهاء ليوم القيامة. والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي يوم القيامة. والفجور أصله الميل عن الحق. [١٩/ ٨٦]
(١٢٨٧) من قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة: ١٣].
أي: يخبر ابن آدم بَرًّا كان أو فاجرًا، ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ أي: بما سلف من عمل سيء أو صالح أو أخر من سنة سيئة أو صالحة يُعمل بها بعده. قاله ابن عباس وابن مسعود. [١٩/ ٨٩]
стр. 607
(١٢٨٨) من قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ [القيامة: ١٤].
قال القاضي أبو بكر العربي: «فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه؛ لأنها بشهادة منه عليها قال الله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]. ولا خلاف فيه؛ لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه». [١٩/ ٩١]
(١٢٨٩) من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١].
﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد. قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة، وقد حكي عن سيبويه: «﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد».
قال الفراء: «﴿هَلْ﴾: تكون جحدًا وتكون خبرًا؛ فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تقرر بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل: هي بمنزلة الاستفهام والمعنى: أتى». [١٩/ ١٠٧]
(١٢٩٠) من قوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣].
جمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة نفيًا للمبالغة في الشكر وإثباتًا لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدى فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فَقلَّ شكره لكثرة النعم عليه، وكثرة كفره، وإن قل مع الإحسان إليه. حكاه الماوردي. [١٩/ ١١١]
стр. 608
(١٢٩١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩].
أي: يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ﴾ في الله جل ثناؤه فزعًا من عذابه وطمعًا في ثوابه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾ أي: لا مكافأة ﴿وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ أي: ولا أن تثنوا علينا بذلك، قال ابن عباس: «كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا». وعن سالم، عن مجاهد، قال: «أما إنهم ما تكلموا به، ولكنه عَلِمَه الله جل ثناؤه منهم؛ فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب». وقاله سعيد بن جبير، حكاه عن النقاش. [١٩/ ١١٦]
(١٢٩٢) من قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧].
كانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. [١٩/ ١٦٢]
(١٢٩٣) من قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩].
أي: ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم لؤلؤًا مفرقًا في عرصة المجلس، واللؤلؤ إذا نثر على بساط كان أحسن منه منظومًا. وقيل: إنما شبههم بالمنثور؛ لأنهم سراع في الخدمة بخلاف الحور العين؛ إذ شبهوا باللؤلؤ المكنون المخزون؛ لأنهن لا يُمتهن بالخدمة. [١٩/ ١٢٨]
(١٢٩٤) من قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١].
عطف على ﴿وَيَطُوفُ﴾ ﴿أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وفي سورة فاطر: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ
стр. 609
أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الآية: ٣٣]، وفي سورة الحج: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الآية: ٢٣]. فقيل: حلي الرجل الفضة، وحلي المرأة الذهب.
وقيل: تارة يلبسون الذهب، وتارة يلبسون الفضة.
وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران من ذهب وسواران من فضة.
وقيل: أي لكل قوم ما تميل إليه نفوسهم. [١٩/ ١٣٠].
(١٢٩٥) من قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢١].
قال طَيَّب الجمَّال: «صليت خلف سهل بن عبدالله العتمة فقرأ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ وجعل يحرك شفتيه وفمه، كأنه يمص شيئًا، فلما فرغ قيل له: أتشرب أم تقرأ؟ فقال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كلذته عند شربه ما قرأته. [١٩/ ١٣١]
(١٢٩٦) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ [المرسلات: ١١].
أي: جمعت لوقتها يوم القيامة، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه؛ فالمعنى: جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩].
وقيل: هذا في الدنيا أي: جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبهم بأن الكفار ممهلون، وإنما تزول الشكوك يوم القيامة، والأول أحسن؛ لأن التوقيت معناه شيء يقع يوم القيامة كالطمس ونسف الجبال وتشقيق السماء، ولا يليق به التأقيت قبل يوم القيامة. [١٩/ ١٣٩]
стр. 610
(١٢٩٧) من قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ [المرسلات: ٣٢].
في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت، فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره، وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته؛ ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن، كما كان النبي ﷺ يدخر القوت في وقت عموم وجوده من كسبه وماله، وكل شيء محمول عليه. وقد بين ابن عباس هذا بقوله: «كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه وندخره للشتاء وكنا نسميه القصر». وهذا أصح ما قيل في ذلك، والله أعلم. [١٩/ ١٤٦]
(١٢٩٨) من قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ [المرسلات: ٣٥].
أي: إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها، ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل.
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: «سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾، و ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه: ١٠٨]، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧]، فقال له: إن الله يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧]، فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونًا من هذه الألوان». [١٩/ ١٤٦]
стр. 611
(١٢٩٩) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨].
يذكر أن مالكًا ﵀ دخل المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ قم فاركع. فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبًا، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن أكون من الذين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾.
وظن قوم أن هذا إنما يكون في القيامة وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب، وإنما يدعون إلى السجود كشفًا لحال الناس في الدنيا فمن كان لله يسجد يمكن من السجود، ومن كان يسجد رئاء لغيره صار ظهر طبقًا واحدًا. [١٩/ ١٤٨]
(١٣٠٠) من قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ [المرسلات: ٥٠].
أي: إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو المعجز والدلالة على صدق الرسول ﵇ فبأي شيء يصدقون! وكرر ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ لمعنى تكرير التخويف والوعيد.
وقيل: ليس بتكرار؛ لأنه أراد بكل قول منه غير الذي أراد بالآخر، كأنه ذكر شيئًا فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئًا آخر، فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئًا آخر، فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم كذلك إلى آخرها. [١٩/ ١٤٩]
стр. 612
(١٣٠١) من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ [النبأ: ٨].
أي: أصنافًا ذكرًا وأنثى، وقيل: ألوانًا. وقيل: يدخل في هذا كل زوج من قبيح وحسن وطويل وقصير لتختلف الأحوال فيقع الاعتبار فيشكر الفاضل ويصبر المفضول. [١٩/ ١٥١]
(١٣٠٢) من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١].
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾. أي: تلبسكم ظلمته وتغشاكم. قاله الطبري.
وقال ابن جبير والسدي: «أي: سكنًا لكم».
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ فيه إضمار، أي: وقت معاش، أي: متصرفًا لطلب المعاش، وهو كل ما يُعاش به من المطعم والمشرب وغير ذلك. [١٩/ ١٥٢]
(١٣٠٣) من قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣].
أي: ماكثين في النار ما دامت الأحقاب وهي: لا تنقطع فكلما مضى حُقب جاء حُقب، والحُقُب بضمتين: الدهر والأحقاب الدهور. والحِقبة بالكسر: السنة، والجمع: حِقَب … والمعنى في الآية: لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه، وهو كما يقال أيام الآخرة، أي: أيام بعد أيام إلى غير نهاية، وإنما كان يدل على التوقيت لو قال: خمسة أحقاب، أو عشرة أحقاب ونحوه.
стр. 613
وذكر الأحقاب؛ لأنه الحُقُبْ كان أبعد شيء عندهم فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها وهي كناية عن التأبيد أي: يمكثون فيها أبدًا.
وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام؛ لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على الخلود. والمعنى: متقارب وهذا الخلود في حق المشركين. [١٩/ ١٥٦]
(١٣٠٤) من قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: ٢٦].
أي: موافقًا لأعمالهم، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما؛ فالوفاق بمعنى: الموافقة كالقتال بمعنى: المقاتلة و ﴿جَزَاءً﴾ نُصب على المصدر، أي: جازيناهم جزاء وفق أعمالهم. قاله الفراء والأخفش.
وقال مقاتل: «وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار».
وقال الحسن وعكرمة: «كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوءهم». [١٩/ ١٥٩]
(١٣٠٥) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٤].
﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: الخلائق أجمعون، ﴿بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ أي: على وجه الأرض بعد ما كانوا في بطنها.
قال الفراء: «سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، والعرب تسمي: الفلاة، ووجه الأرض ساهرة بمعنى: ذات سهر؛ لأنه يُسهر
стр. 614
فيها خوفًا منها فوصفها بصفة ما فيها، واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت:
وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٌ … وما فاهوا به لهمُ مقيم
وقال آخر يوم ذي قار لفرسه:
أَقدِم محاجِ إنها ا لأساورة … ولا يهولنك رِجْل نادرة
فإنما قَصْرُك ترُب الساهرة … ثم تعودُ بعدها في الحافرة
من بعد ما صرت عظامًا ناخرة
[١٩/ ١٧٤]
(١٣٠٦) من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) … ﴾ [النازعات: ١٥].
أي: قد جاءك وبلغك ﴿حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ وهذا تسلية للنبي ﷺ أي: إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء، وقيل: هل بمعنى: ما، أي: ما أتاك ولكن أُخبرت به فإن فيه عبرة لمن يخشى. [١٩/ ١٧٥]
(١٣٠٧) من قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٥].
أي: نكال قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وقوله بعد: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وكان بين الكلمتين أربعون سنة. قاله ابن عباس.
والمعنى: أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة، فعذبه بكلمتيه.
стр. 615
وقيل: نكال الأولى هو أن أغرقه، ونكال الآخرة: العذاب في الآخرة. [١٩/ ١٧٧]
(١٣٠٨) من قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ [النازعات: ٣١].
أي: أخرج من الأرض ﴿مَاءَهَا﴾ أي: العيون المتفجرة بالماء، ﴿وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ أي: النبات الذي يُرعى، وقال القُتَبِي: «دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان والملح من الماء». [١٩/ ١٧٩]
(١٣٠٩) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات: ٣٤].
وقال سفيان: «هي الساعة التي يُسلَم فيها أهل النار إلى الزبانية أي: الداهية التي طمت وعظمت.
إن بعض الحب يُعمي ويُصم … وكذاك البغض أدهى وأطم
[١٩/ ١٨٠]
(١٣١٠) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٨].
قال حذيفة: «أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون. ويروى أنه وجد في الكتب: إن الله -جل ثناؤه- قال: «لا يؤثر عبد
стр. 616
لي دنياه على آخرته، إلا بثثت عليه همومه وضيعته، ثم لا أبالي في أيها هلك». [١٩/ ١٨١]
(١٣١١) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: ٤٥].
أي: مخوف، وخص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذرًا لكل مكلف وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]. [١٩/ ١٨٢]
(١٣١٢) من قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ [عبس: ١].
أنزل الله في حقه -ابن أم مكتوم- على نبيه ﷺ : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيمًا له، ولم يقل: عبست وتوليت ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسًا له، فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: يعلمك ﴿لَعَلَّهُ﴾ يعني: ابن أم مكتوم، ﴿يَزَّكَّى (٣)﴾ بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه. [١٩/ ١٨٦]
(١٣١٣) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس: ٢٤].
لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يسر من رزقه أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر أي: ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للمعاد.
стр. 617
وروي عن الحسن ومجاهد قالا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ أي: إلى مُدخله ومُخرجه.
وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: قال لي النبي ﷺ : «يا ضحاك ما طعامك؟»، قلت: يا رسول الله اللحم واللبن، قال: «ثم يصير إلى ماذا؟»، قلت: إلى ما قد علمته. قال: «فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير». وقال الوليد: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك، فيقول: انظر ما بخلت به إلى ما صار. [١٩/ ١٩١]
(١٣١٤) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ [عبس: ٣٤].
أي: يهرب أي: تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه أي: من موالاة أخيه ومكالمته؛ لأنه لا يتفرغ لذلك لاشتغاله بنفسه، كما قال بعده: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧]. أي: يشغله عن غيره.
وقيل: إنما يفر حذرًا من مطالبتهم إياه لما بينهم من التبعات.
وقيل: لئلا يَروا ما هو فيه من الشدة.
وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعون ولا يغنون عنه شيئًا، كما قال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١]، وقال عبدالله بن طاهر الأبهري: «يفر منهم لِما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئًا سوى ربه تعالى». [١٩/ ١٩٥]
стр. 618
(١٣١٥) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤].
أي النوق الحوامل التي في بطونها أولادها؛ الواحدة عُشراء أو التي عليها في الحمل عشرة أشهر ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعدما تضع أيضًا، ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه المتقدم وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه وقد قَرِح: هاتوا مُهري، وقربوا مُهري يسميه بمتقدم اسمه.
قال عنترة:
لا تذكري مُهري وما أطعمته … فيكونَ جِلدُكِ مثلُ جلد الأجرب
وإنما خص العشار بالذكر؛ لأنها أعز ما تكون على العرب، وليس يُعطلها أهلها إلا حال القيامة. وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل. أن هول القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه.
وقيل: إنهم إذا قاموا من قبورهم وشاهد بعضهم بعضًا ورأوا الوحوش والدواب محشورة وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم لم يعبئوا بها ولم يهمهم أمرها. وخوطبت العرب بالعشار؛ لأن مالها وعيشها أكثره من الإبل. [١٩/ ١٩٨].
(١٣١٦) من قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير: ١٤].
يعني: ما عملت من خير وشر، وهذا جواب ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ [التكوير: ١]، وما بعدها.
стр. 619
قال عمر ﵁: «لهذا أجري الحديث».
وروي عن ابن عباس وعمر ﵄: «أنهما قرآها فلما بلغا ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾، قالا: لهذا أجريت القصة، فالمعنى على هذا إذا الشمس كورت، وكانت هذه الأشياء علمت نفس ما أحضرت من عملها.
وفي «الصحيحين» عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة؛ فليفعل». [١٩/ ٢٠٥]
(١٣١٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ [الانفطار: ٦].
عن ابن عباس: «﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ أي ما الذي غرك حتى كفرت؟ ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ أي: المتجاوز عنك». قال قتادة: «غره شيطانه المسلَّط عليه». قال الحسن: «غره شيطانه الخبيث». وقيل: حمقه وجهله.
قال إبراهيم بن الأشعث: «قيل: للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول غرني ستورك المرخاة؛ لأن الكريم هو الستار. ونظمه ابن السماك فقال:
يا كاتم الذنب أما تستحي … والله في الخلوة ثانيكا
стр. 620
غرك من ربك إمهاله … وستره طول مساويكا
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري:
يا من غلا في العُجب والتيه … وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته … ولم تخف غِب معاصيه
وروي عن علي ﵁ أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه فنظر فإذا هو بالباب، فقال: ما لك لم تجبني؟ فقال. لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه فأعتقه. [١٩/ ٢١٤].
(١٣١٨) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ [الانفطار: ٧].
﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ أي: قدر خلقك من نطفة. ﴿فَسَوَّاكَ﴾ في بطن أمك، وجعل لك يدين ورجلين وعينين وسائر أعضائك، ﴿فَعَدَّلك (٧)﴾ أي: جعلك معتدلًا سوي الخَلْق كما يقال: هذا شيء معدّل. وهذه قراءة العامة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال الفراء وأبو عبيد: «يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]، وقرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي ﴿فَعَدَلَكَ﴾ مخففًا أي: أمالك وصرفك إلى أي صورة شاء إما حسنًا وإما قبيحًا، وإما طويلًا وإما قصيرًا». [١٩/ ٢١٤]
(١٣١٩) من قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١].
أي: الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم، وروي عن ابن عمر قال: «المطفف الرجل يستأجر المكيال وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزره عليه».
стр. 621
وقال آخرون: التطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة والحديث.
وفي «الموطأ» قال مالك: «ويقال لكل شيء وفاء وتطفيف».
وروي عن سالم بن أبي الجعد قال: «الصلاة بمكيال، فمن أوفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في ذلك: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾». [١٩/ ٢١٩]
(١٣٢٠) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦].
فأما قيام الناس بعضهم لبعض فاختلف فيه الناس؛ فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه. وقد روي أن النبي ﷺ قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه. وقول النبي ﷺ للأنصار حين طلع عليه سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم». وقال أيضًا: «من سره أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار». وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه، فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه. [١٩/ ٢٢٤]
(١٣٢١) من قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
عن مجاهد قال: «القلب مثل الكف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب
стр. 622
انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب الذنب انقبض، وضم أخرى، حتى ضم أصابعه كلها، حتى يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرين»، ثم قرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.
وقال بكر بن عبدالله: «إن العبد إذا أذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة، ثم صار إذا أذنب ثانيًا صار كذلك، ثم إذا كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل، أو كالغربال، لا يعي خيرًا، ولا يثبت فيه صلاح. [١٩/ ٢٢٧]
(١٣٢٢) من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
قال الزجاج: «في هذه الآية دليل على أن الله يُرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ولا خسئت منزلة الكفار بأنهم يحجبون. وقال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه».
وقال أنس بن مالك في هذه الآية: «لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه».
وقال الشافعي: «لما حجب قومًا بالسخط دل على أن قومًا يرونه بالرضا»، ثم قال: «أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا». [١٩/ ٢٢٨]
стр. 623
(١٣٢٣) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢١].
قال مالك: «إنها ليست من عزائم السجود».
قال ابن العربي: «والصحيح أنها منه».
قال ابن العربي: «لما أممت بالناس تركت قراءتها؛ لأني إن سجدت أنكروه، وإن تركتها كان تقصيرًا مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي». وهذا تحقيق وعد الصادق بأن يكون المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا؛ وقد قال ﷺ لعائشة: «لولا حدثان قومك بالكفر لهدمت البيت، ولرددته على قواعد إبراهيم».
ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله بعض الشيعة، فحضر عندي يومًا في محرس ابن الشَّواء بالثغر -موضع تدريسي- عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعدًا على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تحت الميناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به إلى البحر، فلا يراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي
стр. 624
وقلت: سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت. فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي ﷺ يفعل، وهذا مذهب مالك، في رواية أهل المدينة عنه. وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك وقال: ومن أين لي أن أقتل على سُنة؟ فقلت له: ولا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا الكلام، وخذ في غيره. [١٩/ ٢٤٧]
(١٣٢٤) من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [١].
قسم أقسم الله به جل وعز، وفي «البروج» أقوال أربعة:
أحدها: ذات النجوم، الثاني: القصور. قال عكرمة: «هي قصور في السماء». وقال مجاهد: «البروج فيها الحرس». الثالث: ذات الخَلق الحسن. الرابع: ذات المنازل، وهي اثنا عشر برجًا، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون يومًا، ثم يستسِر ليلتين، وتسير الشمس في كل برج منها شهرًا، وهي الحَمَل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. [١٩/ ٢٤٨] بتصرف
(١٣٢٥) من قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ [الطارق: ٥].
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾ أي: ابن آدم. ﴿مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ وجه الاتصال بما قبله
стр. 625
توصية الإنسان بالنظر في أول أمره وسنته الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يُملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. [٢٠/ ٨]
(١٣٢٦) من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦].
هذه بشرى من الله تعالى بشره بأن أعطاه آية بينة وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ من الوحي وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه.
وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: «كان يتذكر مخافة أن ينسى، فقيل: كفيتُكَه». [١٩/ ٢٠]
(١٣٢٧) من قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩].
﴿فَذَكِّرْ﴾: أي فعظ قومك يا محمد بالقرآن.
﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾: أي الموعظة.
وروى يونس عن الحسن قال: «تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر».
وكان ابن عباس يقول: «تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي».
وقال الجرجاني: «التذكير واجب وإن لم ينفع».
والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، فَحُذُف كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١].
وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم.
وقيل: إنَّ ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، أي: فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون «إن»
стр. 626
بمعنى: (ما)، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال، وقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى (إذ) أي إذ نفعت، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. أي إذ كنتم، فلم يخبرهم بعلوهم إلا بعد إيمانهم.
وقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى: (قد). [٢٠/ ٢١]
(١٣٢٨) من قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ [الأعلى: ١٦].
عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: «أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها، وطعامها وشرابها ولذاتها وبهجتها، والآخرة غيبت عنا فأخذنا العاجل وتركنا الآجل».
وروى ثابت عن أنس قال: «كنا مع أبي موسى في مسير والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا، قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريًا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة، ثم قال: يا أنس ما ثبر الناس! ما بطأ بهم؟ قلت: الدنيا والشيطان والشهوات. قال: لا، ولكن عُجلت الدنيا وغيبت الآخرة، أما والله لو عاينوها ما عدلوا ولا ميلوا». [٢٠/ .... ].
(١٣٢٩) من قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧].
قال مالك بن دينار: «لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى». قال: فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى. [٢٠/ ٢٤]
стр. 627
(١٣٣٠) من قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ [الغاشية: ٢ - ٣].
روي عن الحسن قال: «لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام أتاه راهب شيخ كبير مُتَقهِّل عليه سواد فلما رآه عمر بكى. فقال له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين طلب أمرًا فلم يصبه، ورجا رجاء فأخطأه، وقرأ قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾». قال الكسائي: «التقهل رثاثة الهيئة، ورجل متقهل: يابس الجلد سيئُ الحال». [٢٠/ ٢٧]
(١٣٣١) من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧].
ذكر الإبل أولاً؛ لأنها كثيرة في العرب، ولم يرو الفيلة، فنبههم -جل ثناؤه- على عظيم من خلقه .... ، وعن بعض الحكماء أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها، ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. وحين أراد بها أن تكون سفائن البر، صبَّرها على احتمال العطش حتى إن ظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدًا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما لا يرعاه سائر البهائم.
قال أبو عمرو: «من قرأها ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ بالتخفيف: عنى به البعير؛ لأنه من ذوات الأربع، يبرك فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم».
стр. 628
وقال الماوردي: «وفي الإبل وجهان: أحدهما: وهو أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النعم. الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة. والإبل تجمع هذه الخلال الأربع فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم».
وقال الحسن: «إنما خصها الله بالذكر؛ لأنها تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن».
وسئل الحسن أيضًا عنها، وقالوا: الفيل أعظم في الأعجوبة: فقال: «العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره».
وكان شريح يقول: «اخرجوا بنا إلى الكُناسة (سوق بالكوفة ترد إليها الإبل بأحمال البضائع) حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت». [٢٠/ ٣٣ - ٤٠]
(١٣٣٢) من قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥].
معنى ﴿لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾، أي: لذي لب وعقل، وقال الشاعر:
وكيف يُرَجّى أن تتوبَ وإنما … يُرجَّى من الفتيان من كان ذا حِجر
كذا قال عامة المفسرين .. وأصل الحِجر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها إنه لذو حجر، ومنه سمي الحَجَر لامتناعه بصلابته، ومنه حَجَر الحاكم على فلان، أي: منعه وضبطه عن التصرف، ولذلك سميت الحجرة حجرة؛ لامتناع ما فيها بها. [٢٠/ ٤١]
стр. 629
(١٣٣٣) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾ [الفجر: ٦].
أي: ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد، وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي ﷺ والمراد عام.
وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهورًا؛ إذ كانوا في بلاد العرب، وحِجر ثمود موجود اليوم، وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. [٢٠/ .. ٤].
(١٣٣٤) من قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ [الفجر: ٩].
ثمود هم قوم صالح، و ﴿جَابُوا﴾ قطعوا، ومنه: فلان يجوب البلاد، أي: يقطعها، وإنما سمي جيب القميص؛ لأنه جِيْبَ أي: قُطع. [٢٠/ ٤٤]
(١٣٣٥) من قوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾ [الفجر: ١٣].
أي نصيب عذاب. ويقال: شدته؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به. قال الشاعر:
ألم تر أن الله أظهر دينه … وصب على الكفار سوط عذاب
كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: «إن عند الله أسواطًا كثيرة، فأخذهم بسوط منها». [٢٠/ ٤٦]
(١٣٣٦) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].
أي: يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به. قاله الحسن وعكرمة. وقيل: أي على طريق العباد لا يفوته أحد. [٢٠/ ٤٦]
стр. 630
(١٣٣٧) من قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ [الفجر: ٢٧].
لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فَاتْهَمَ الله في إغنائه وإفقاره ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى، فسلم لأمره، واتكل عليه.
وقيل: هو من قول الملائكة لأولياء الله . والنفس المطمئنة الساكنة الموقنة، أيقنت أن الله ربها فأخبتت لذلك. قاله مجاهد وغيره.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨]، أي: إلى صاحبك وجسدك. قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء، واختاره الطبري، ودليله قراءة ابن عباس: ﴿فَادْخُلِي فِي عَبْدِيْ (٢٩)﴾ [الفجر: ٢٩] على التوحيد، فيأمر الله تعالى الأرواح غدًا أن ترجع إلى الأجساد. [٢٠/ ٥٢]
(١٣٣٨) منه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤].
لم يخلق الله جل ثناؤه دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصابًا. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما.
وقال ابن كيسان: «منتصبًا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه».
قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطًا، وشد رباطًا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب
стр. 631
وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن. ويكابد محنًا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار. [٢٠/ ٥٦ - ٥٧] (بتصرف).
(١٣٣٩) من قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١].
قال الحسن: «هي والله عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان».
وأنشد بعضهم:
إني بليت بأربع يرمينني … بالنبل قد نصبوا علي شراكا
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … من أين أرجو بينهن فكاكا
يا رب ساعدني بعفو إنني … أصبحت لا أرجو لهن سواكا
[٢٠/ ٦١]
(١٣٤٠) من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨].
في «صحيح مسلم» عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن
стр. 632
حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ومضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظُلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا. وقلت: كل شيء خَلْق الله ومِلك يده فلا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، فقال لي: يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم، ومضى فيهم من قَدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيءقضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾. [٢٠/ ٦٩].
(١٣٤١) من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ﴿مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ أي: من زكى نفسه بالطاعة، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ أي: خسرت نفس دسها الله بالمعصية.
وقال ابن عباس: «خابت نفس أضلها وأغواها».
وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال وخاب من دس نفسه في المعاصي. قاله قتادة وغيره.
فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر شَهَر نفسه ورفعها وكانت
стр. 633
أجواد العرب تنزل الرُّبا وارتفاع الأرض ليشتهر مكانها للمعتفين -أي طالبي الفضل والرزق- وتوقد النار في الليل للطارقين، وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام ليخفى مكانها عن الطالبين.
فأولئك عَلَّوا أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها وكذا الفاجر أبداً خفي المكان، زَمِرُ المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. [٢٠/ ٧٠] بتصرف
(١٣٤٢) من قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤].
أي: عقرها الأشقى، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رَضوا بفعله.
وقال قتادة: «ذُكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم». [٢٠/ ٧١]
(١٣٤٣) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥].
قال ابن مسعود: «يعني أبا بكر ﵁». وقاله عامة المفسرين، فروي عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال: «كان أبو بكر يُعتق على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بني! لو أنك أعتقت رجالًا جُلدًا يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد».
وعن ابن عباس في قوله تعالى: «﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: بذل، ﴿وَاتَّقَى (٥)﴾ أي: محارم الله التي نهى عنها، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾». [٢٠/ ٧٥]
стр. 634
(١٣٤٤) من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ١٠].
قال الفراء: «يقول القائل: كيف قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾؟ وهل في العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ [آل عمران: ٢١]، والبشارة في الأصل على المفرح والسارّ، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما، وكذلك التيسير في الأصل على المفرح؛ فإذا جمع في كلامِه هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعًا». [٢٠/ ٧٧]
(١٣٤٥) من قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤].
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾، أي: حذرتكم وخوفتكم، ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾، أي: تلهب وتتوقد. وأصله: تتلظى.
﴿لَا يَصْلَاهَا﴾، أي: لا يجد صَلَاها وهو حرها، ﴿إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾، أي: الشقي، ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ نبي الله محمدًا ﷺ ، ﴿وَتَوَلَّى (١٦)﴾ أي: أعرض عن الإيمان.
وروى مكحول عن أبي هريرة قال: «كل يدخل الجنة إلا من أباها، قال: يا أبا هريرة! ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: الذي كذب وتولى».
وقال مالك: «صلى بنا عمر بن عبدالعزيز المغرب، فقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ فلما بلغ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ وقع عليه البكاء، فلم يقدر يتعداها من البكاء، فتركها، وقرأ سورة أخرى». [٢٠/ ٧٨]
стр. 635
(١٣٤٦) من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦].
عدد سبحانه على نبيه محمد ﷺ فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ لا أب لك قد مات أبوك، ﴿فَآوَى (٦)﴾ أي: جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب فكفلك، وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي ﷺ من أبويه؟ فقال: «لئلا يكون لمخلوق عليه حق».
وعن مجاهد: «هو من قول العرب: درة يتيمة؛ إذا لم يكن لها مثل». [٢٠/ ٨٢]
(١٣٤٧) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩].
أي لا تَسَلَّط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يُتمك. قاله الأخفش.
وعن مجاهد: «﴿فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾: فلا تحتقر … ». وخص اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تعالى؛ فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه.
ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره، والإحسان إليه حتى قال قتادة: «كن لليتيم كالأب الرحيم». [٢٠/ ٩١]
(١٣٤٨) من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى: ١٠].
أي: لا تزجره فهو نهي عن إغلاظ القول، ولكن رُدَّه ببذل يسير أو رد جميل، واذكر فقرك. قاله قتادة وغيره.
وقال إبراهيم بن أدهم: «نعم القوم السُّؤَال يحملون زادنا إلى الآخرة».
следующие страницы →