← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1235

شرح صفة الصلاة لابن القيم

خالد المشيقح

Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مضلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ ٧١]. أما بعد: فهذا الشرح أصله دروس ألقيتها في محافظة الرس في شهر صفر عام ١٤٤٣ هـ، وقد قام أخونا الشيخ سهيل بن إبراهيم الطاسان بالعناية بإخراجها، وقد نظرت فيها بعد نسخها، وعدلت ما يحتاج إلى تعديل، وأشكر جمعية الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في الرس على ترتيب هذا الدرس والتكفل بنسخه وطباعته وتوزيعه، فأسأل الله أن ينفع بها ملقيها، وقائلها، والناظر فيها، وأن يبارك فيها، آمين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. د. خالد بن علي المشيقح

стр. 2

أمسية طيبة ولحظاتٌ مباركة نقضيها في مدارسة كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ في أمرٍ يتعلق بأهمِّ أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ألا وهو ركن الصلاة، في مسألةٍ أيضًا تعتبر من أهم مسائل الصلاة وهي: معرفة الكيفية والهيئة والصفة التي ينبغي أن تكون عليها الصلاة كما جاء عن نبينا محمد ﷺ . وهذه الصفة التي بين أيدينا كتبها عالمٌ جليل لا يخفى على أسماع أهل العلم، علمه معلوم وشهرته ذائعة؛ ألا وهو ابن القيم ﵀ محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن القيم الجوزي، المولود سنة إحدى وتسعين وستمائة للهجرة، والمتوفى سنة إحدى وخمسين وسبعمئة للهجرة، وابن القيم ﵀ لا يحتاج أن يُعرَّف به معروف لدى الجميع بعلمه الواسع الغزير في شتى فنون العلم، وهو أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. هذه الصفة التي سطَّرها ابن القيم ﵀ لخَّص فيها صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم، وهذه الصفة أوردها ﵀ في كتابه كتاب الصلاة وحكم تاركها في آخر كتاب الصلاة، وقال: [فصلٌ: فهاك سياق صلاته ﷺ من حين استقباله القبلة] إلى آخره كما سيأتينا إن شاء الله. وكتاب الصلاة كسائر كتب ابن القيم ﵀ تُعنى بالتقعيد والتأصيل ومراعاة الدليل والأخذ به، وإيراد مذاهب الأئمة والسلف وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشة، ثم بعد ذلك ينتهي به السياق إلى ترجيح ما دلَّ عليه كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ . وهذا الكتاب [كتاب الصلاة] الذي ذكر فيه ابن القيم ﵀ هذا الفصل في صفة صلاة النبي ﷺ كتابٌ قيِّم، ساقه ابن القيم ﵀ في الإجابة على عشرة أسئلة تتعلق بحكم الصلاة وحكم تاركها، تكلم عن حكم تارك الصلاة، وعن قتله،

стр. 3

وهل يُقتَل مسلمًا أو كافرًا؟ وحكم صلاة الليل بالنهار، وحكم صلاة النهار بالليل، وحكم صلاة الجماعة، وحكم الصلاة في البيت، وما يتعلق بالتخفيف الذي أمر به النبي ﷺ وما ضابطه، إلى آخره. تكلم ﵀ عن هذه المسائل، بعرض أقوال أهل العلم، ومذاهب الأئمة وسلف الأمة، وأدلتهم، ويُرجِّح ما يدل عليه الدليل، ثم بعد ذلك ختم هذا الكتاب القيم بهذه الصفة التي بين أيدينا.

стр. 4

قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الصلاة: فَصْلٌ فهاك سياق صلاته ﷺ من حين استقباله القبلة وقوله: «الله أكبر» إلى حين سلامه، كأنَّك تشاهده عيانًا، ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت. قال: «كان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصلاة واستقبل القبلة قوله: «فهاك» أي: اسم فعل أمر بمعنى خذ. قوله: «سياق صلاته ﷺ ، من حين استقباله القبلة … » هنا أراد ﵀ أن يُبيِّن صفة صلاة النبي ﷺ من التسليم إلى التكبير، وقد ذكر ﵀ جملة صفة صلاة النبي ﷺ وإن كان هناك مسائل ما ذكرها ﵀ إلا أنه من حيث العموم أتى على جملة صفة صلاة النبي ﷺ . قوله: «ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت» يعني مع التنزّل أن الإنسان له الاختيار، وإلا فإن المسلم سيختار هدي النبي ﷺ ؛ لأن هذا هو الأصل في المسلم، أنه يأخذ بما دلَّ عليه الدليل، قال الله : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فقوله ﵀: «اختر لنفسك بعدُ ما شئت» يعني خُذْ بهدي النبي ﷺ وليس مراده أنك تأخذ بقولٍ ولو خالف هدي النبي ﷺ ؛ لأنه إنما قال ذلك؛ لأن الأصل في المسلم إنما يأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وأن هذه الصفة التي كتبها على وفق هديه ﷺ . قوله ﵀: «كان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصَّلاة» القيام ركن من أركان

стр. 5

ووقف في مصلاه رفع يديه إِلى فروع أُذنيه» (١). الصلاة في الفرض بالاتفاق، وفي النفل مستحب، قال الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر» (٢)، متفق عليه. والحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع أنه متى انحنى، فكان إلى القيام أقرب منه إلى الركوع فهو في حد القيام. قوله: «وَوَقف في مصلَّاه رفع يَدَيْهِ إِلى فروع أُذُنَيْه» رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام سنَّة باتفاق الأئمة؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: «رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يُحاذي منكبيه»، متفق عليه. وعن سعيد بن جبير: أنه سُئل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: هو شيء يزين به الرجل صلاته، كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الافتتاح، وعند الركوع، وإذا رفعوا رؤوسهم، رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣). وإسناده صحيح. وسيأتينا أن رفع الأيدي في الصلاة ثبت عن النبي ﷺ في أربعة مواضع فقط، أما الموضع الخامس: عند كل خفضٍ ورفع هذا موضع خلاف سنشير إليه وأضيق المذاهب في هذه المسألة هو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀. قال المؤلف ﵀: «إِلى فروع أُذُنَيْه» يعني ترفع إلى فروع أذنيك، أعلى

стр. 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأذنين، ورفع الأيدي ورد فيه صفتان: الصفة الأولى: إلى فروع الأذنين؛ لما روى مالك بن الحويرث ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده» فعل مثل ذلك، رواه مسلم (١)، وفي لفظ: حتى يُحاذي بهما فروع أذنيه، رواه مسلم. وعن وائل بن حجر ﵁ قال: قدمت المدينة، فقلت: لأنظرن إلى صلاة النبي ﷺ ، قال: فكبر ورفع يديه حتى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه (٢). الصفة الثانية: إلى حذو المنكبين؛ لما رواه البخاري قال أبو حميد الساعدي ﵁: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه. ولحديث ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر (٣). متفق عليه. وعن نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يُكبر بيديه حين يستفتح، وحين يركع، وحين يقول: سمع الله لمن حمده، وحين يرفع رأسه من الركوع، وحين يستوي قائمًا. قلت لنافع: كان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا. مصنف عبد الرزاق، وجزء رفع اليدين للبخاري. وإسناده صحيح. فهاتان صفتان، والصفات الواردة على وجوه متنوعة، للعلماء في ذلك مسلكان:

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * مسلك الجمع. * ومسلك الترجيح. فمسلك الترجيح: يذهب إليه كثير من الأئمة، فتجد أن بعض الأئمة يرجح هذه الصفة ويختارها، ويُرجِّح هذا الذكر ويختاره … إلخ. والمسك الثاني: مسلك الجمع، ويختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهو مسلك الجمع، وهو العمل بجميع أنواع العبادات الواردة في سنَّة النبي ﷺ ، وقد تطرق ابن رجب ﵀ إلى هذا في كتابه [القواعد]. * ومسلك ابن تيمية ﵀ هو الصواب لما في ذلك من العمل بكل سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه فائدة. * والفائدة الثانية: حفظ العلم. * والفائدة الثالثة: حضور القلب، القلب يحضر إذا كنت في هذه الصلاة تطبِّق هذه السنَّة، والصلاة التالية تطبِّق هذه السنَّة، ففي ذلك حفظ العلم، وفيه أيضًا حضور القلب، وفيه أيضًا العمل بكل السنَّة الواردة عن النبي ﷺ . فَرع: زمن الرفع: يرفع يديه أولًا فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبر؛ لحديث ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبَّر، رواه مسلم. لكن لفظه عند البخاري: فرفع يديه حين يكبر، ولفظ مسلم أكثر رواة. وفي حديث أبي حميد مرفوعاً: يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، أبو داود، إسناده صحيح.

стр. 8

واستقبل بأصابعه القبلة ونشرها، وقال: الله أكبر ولم يكن يقول قبل ذلك: نَوَيْتُ أُصلِّي كذا وكذا، مستقبل القبلة، أَربع ركعاتٍ، فريضة الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا أو مأمومًا! ولا كلمةً واحدةً من ذلك في مجموع صلاته من أوَّلها إلى آخرها؛ فقد نَقَل عنه أصحابه حركاته وسكناته وهيئاته، حتى اضطراب لحيته في الصَّلاة، حتى إنَّه حَمَل بنت ابنته مرَّةً في الصَّلاة، فنقلوه ولم يهملوه. فكيف يتَّفق مَلَؤُهُم من أوَّلهم إلى آخرهم على ترْك نقل هذا المهمِّ، الذي شِعَار الدُّخول في الصَّلاة؟! ولعمر الله لو ثبت عنه من هذا كلِّه قوله: «وقال: «الله أكبر»» هذا متواتر عن النبي ﷺ أنه كان يفتتح صلاته بالتكبير، وهذا ما عليه عامة أهل العلم ﵏ خلافًا لأبي حنيفة، فهو يقول: يصح كل ذكرٍ دالٍّ على التعظيم. قوله: «ولم يكن يقول قبل ذلك: نَوَيْتُ أُصلِّي كذا وكذا، مستقبل القبلة، أَربع ركعاتٍ، فريضة الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا .... » أي: لم يكن من هدي النبي ﷺ أنه يتلفَّظ ب النية، وذلك أن النية من أعمال القلوب وليست من أعمال الجوارح، والعبادات توقيفية، ولأن الذي يتلفظ بالنية كأنه يُعلِم الله بما سيعمله، والله يعلم السر وأخفى، وهذا خلاف ما عليه متأخرو الفقهاء؛ * فمتأخرو الفقهاء يقولون: يُستحب أن يتلفظ بالنية. * الحنابلة يقولون: يتلفظ بها سرًّا. * الشافعية أوسع من هذا يقولون: يستحب أن ينطق بها. وهذا كله ليس عليه دليل، والصحيح ما ذكر المؤلف ﵀ هو أن التلفظ بالنية غير مشروع، وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية، وما عليه المحققون؛ لما ذكر

стр. 9

كلمة واحدة لكُنَّا أول من اقتدى به فيها، وبادر إليها ثم كان يمسك شماله بيمينه، فيضعها عليها فوق المِفْصَل، المؤلف ﵀ من الدليل أنه لم يُنقَل عن النبي ﷺ ، وأما ما ورد في الحج من قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: «لبيك عمرة وحجًّا» (١)، رواه مسلم إلى آخره، فهذا تلفُّظٌ بالمنوي وليس تلفظًا بالنية. قوله: «ثم كان يمسك شماله بيمينه، فيضعها عليها فوق المِفْصَل» وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى هذا ما عليه عامة أهل العلم، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: «من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة» (٢)، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر في الأوسط. وإسناده صحيح. وروى ابن القاسم عن الإمام مالك كراهة وضع اليمنى على اليسرى في الفرض، وجوازه في النفل. وذكر القرافي أن المشهور عن مالك هو القبض، وذكر عبد الوهاب: أنه المذهب، وابن العربي: أنه الصحيح، وابن رشد: أنه الأظهر. وروى ابن نافع، وعبد الملك، ومطرف عن مالك أنه قال: «توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة في الفريضة والنافلة». وأما صفة وضع اليمين على الشمال، ففيها صفتان: الصفة الأولى: يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى، وهذا المذهب عند الحنابلة؛ وحجته حديث وائل بن حجر ﵁ قال: «فكبَّر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد»، رواه أحمد،

стр. 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأبو داود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان، والحديث في مسلم عن وائل بن حجر ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر وصف همام حيال أذنيه ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى»، وليس فيه ذكر الرسغ والساعد. تفرد به زائد بن قدامة، والمحفوظ: «أخذ شماله بيمينه». ولحديث سهل بن سعد ﵁: «كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (١)، رواه البخاري، وتحمل على الوضع على الكف والرسغ. وفي البخاري معلقًا بصيغة الجزم: «ووضع علي ﵁ كفه على رسغه الأيسر، إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا». وعن جرير الضبي، عن أبيه، قال: «رأيت عليًّا يمسك شماله بيمينه على الرُّسغ فوق السرة» رواه أبو داود. وعند ابن أبي شيبة، والطحاوي في شرح معاني الآثار عن جرير الضبي قال: «كان علي ﵁ إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه، فلا يزال كذلك حتى يركع مثل ما ركع إلا أن يصلح ثوبه»، وإسناده صحيح. الصفة الثانية: يقبض بيده اليمنى على كوع يسراه، وبعض ساعدها ورسغها، وهو المشهور من مذهب الشافعية؛ لحديث وائل قال: «قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يُصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع

стр. 11

ثم يضعهما على صَدْرِه ﷺ رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة، ورأيته يقول هكذا، وحلق بشر الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة» (١). رواه أحمد، والبخاري في رفع اليدين، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وأصله في مسلم، ولفظه: «ثم يضع يده اليمنى على اليسرى» (٢). ويمكن أن تحمل رواية الوضع على رواية القبض، فتكون صفة واحدة. ويحتمل صفتان: الصفة الأولى: القبض بيده اليمنى على رسغ اليسرى كما في حديث وائل. الصفة الثانية: الوضع على كفه اليسرى كما في حديث سهل. وقد سبق أن العبادة الواردة على وجوه، يفعل هذا الوجه تارة، والآخر تارة أخرى. قوله: «ثم يضعهما على صَدْرِه» يعني الوضع للكفين على الصدر؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ في البخاري معلًّقًا بصيغة الجزم: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة»، فإذا وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى فإنه سيكون ذلك على صدره.

стр. 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولحديث وائل بن حجر ﵁ قال: «صليتُ مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره»، رواه ابن خزيمة وصحَّحه، والبيهقي. والحديث تفرد مؤمل بن إسماعيل، وهو سيء الحفظ، وخالفه الثقات من أصحاب سفيان الثوري مثل: وكيع، وعبد الرزاق، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم، ومحمد بن يوسف الفريابي، وعبد الله بن الوليد، لم يذكروا: «على صدره»، فهي شاذة، والحديث في مسلم دون قوله: «على صدره». ولما روى الإمام أحمد في مسنده عن قبيصة بن هلب، عن أبيه ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يضع يده على صدره». لكن قبيصة مجهول، وهو يروي عن سماك بن حرب، وكل من روى عن سماك وسفيان لم يذكروا وضع اليد على الصدر. ولما روى ابن جرير الضبي عن أبيه أنه قال: «رأيت عليًّا ﵁ يُمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة» (١). أخرجه أبو داود. ودون قوله: «فوق السرة»، علَّقه البخاري في صحيحه أول كتاب العمل في الصلاة. ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق. وعن الإمام أحمد، وبه قال ابن قدامة، والمجد: إنه مخيّر؛ عملًا بمجموع الأدلة. قال أحمد كما في مسائل الكوسج: قلت: أين يضع يمينه على شماله؟ قال: كل هذا عندي واسع. ولعل الأقرب: الرواية الثالثة، فيكون الأمر واسعًا.

стр. 13

ثُمَّ يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّك، ولا إله غيرك» (١). وكان أحيانًا يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كما باعَدْت بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّنِي من خطايَاي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللَّهُمَّ اغسل خطايايَ بالماء والثَّلْج والبَرَد» (٢). وكان يقول أحيانًا: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، وما أنا من المشركين، قوله: «ثم يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّك، ولا إله غيرك»» أي: ثم يستفتح، وأضيق الناس في الاستفتاحات هم المالكية يُكره في الفرض، ويجوز في النفل، وكذلك أيضًا هم أضيق الناس في الاستعاذة، والبسملة، وأوسع الناس في هذا هم الشافعية. وقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ .... » كما في حديث أبي سعيد ﵁ في مسند أحمد، وسنن أبي داود، وهو الوارد عن عمر ﵁ موقوفاً رواه مسلم، وقد رجح ابن القيم ﵀ في كتابه [زاد المعاد] هذا الاستفتاح من عشرة أوجه. فالإمام أحمد ﵀ يأخذ بهذا الاستفتاح، وكذا أبو حنيفة ﵀، وذكر المؤلف ﵀ صيغًا من صيغ الاستفتاح. قوله: «وكان أحيانًا يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ … »» هذا الاستفتاح من حديث أبي هريرة في [الصحيحين]. قوله: «وكان يقول أحيانًا: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، … » خرَّجه مسلم من حديث علي ﵁، وهذا اختيار الشافعي.

стр. 14

إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيِّئَها، لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنت، لبَّيْك وسَعْدَيْك، والخير كلُّه في يَدَيك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعالَيْت، استغفرك وأتوب إليك» (١). ولكن هذا إنَّما حُفِظ عنه في صلاة اللَّيل. ربَّما كان يقول: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا» (٢). لكن قال المؤلف ﵀: «ولكن هذا إنَّما حُفِظ عنه في صلاة اللَّيل»، وعندنا قاعدة: ما ثبت في صلاة النافل يثبت في صلاة الفرض إلا بدليل، والعكس بالعكس. قوله: «ربَّما كان يقول: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، … » خرجه أبو داود من حديث جبير بن المطعم ﵁، وفيه ضعف. ولحديث ابن عمر ﵄: «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا»، رواه مسلم. والاستفتاحات ورد لها صيغ: أحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» (١)، متفق عليه. ب - ومنها: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك … »، وقد سبق من حديث أبي سعيد ﵁ في أبي داود. ج ومنها: حديث علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهَّت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (٢). أخرجه مسلم. د ومنها: حديث عائشة ﵂ قالت: «كان أي النبي ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٣). أخرجه مسلم. هـ ومنها: حديث ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يتهجد قال: اللهم لك الحمد، أنت قَيِّمُ السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات، ولك الحمد أن مَلِك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسرّرت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك» (١). أخرجه البخاري، ومسلم. وومنها حديث أنس ﷺ : أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حَفَزه النفس، فقال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها» (٢). أخرجه مسلم. ز ومنها حديث ابن عمر ﵄ قال: «بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وفيه: قال رسول الله ﷺ : «عجبت لها فُتِحت لها أبواب السماء» (٣)، أخرجه مسلم. ح ومنها: حدث حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يُصلي من الليل، فكان يقول: «الله أكبر ثلاثًا، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة»، ثم استفتح فقرأ البقرة … » (٤)، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود.

стр. 17

ورُبَّما كان يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا أنت، لا إله إلَّا أنت، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده». ثُمَّ يقول: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (١) ط ومنها: ما رواه عاصم بن حميد قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل؟ فقالت: «كان إذا كبَّر كبَّر عشرًا، وحمد الله عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: «اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني»، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة». أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. فالخلاصة في ذلك: أن الإنسان ينوّع بين الاستفتاحات، لكن الاستفتاحات الطويلة هذه إنما تكون في صلاة الليل كما جاء عن الإمام أحمد، وإن أتى بها في صلاة الفرض فإن هذا جائز؛ لما ذكرنا أن ما ثبت في الفرض يكون في النفل، وما ثبت في النفل يكون في الفرض. قوله: «ورُبَّما كان يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، … » لما روى أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثا، وسبح ثلاثا، وهلل ثلاثا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه»، رواه أحمد، وفيه إبهام الراوي له عن أبي أمامة ﵁. قوله: «ثُمَّ يقول: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم» أي: ثم يستعيذ و الاستعاذة سنَّة خلافًا للمالكية تُكره في الفرض، وتجوز في النفل.

стр. 18

ورُبَّما قال: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ» (١)، ورُبَّما قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الشَّيطان الرَّجيم، وهَمْزٍه ونفْخِه ونفْثِه» (٢). والاستعاذة ذكر لها المؤلف ﵀ صيغتها قال: (ثم يقول: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ودليلها قول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]. قال: «ورُبَّما قال: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ، … » هذه صيغة ثانية؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﵁ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبَّر … ، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وورد من طرق وشواهد يُقوي بعضها بعضًا. قال عبد الله بن أحمد: «لم يحمد أبي إسناده». وعن ابن مسعود ﵁: «أنه كان يتعوذ في الصلاة من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه»، رواه الطيالسي في مسنده، وعبد الرزاق. وإسناده حسن. الصيغة الثالثة: لم يذكرها المؤلف ﵀ أن يقول: «أَعُوذُ بالله السميع العليم مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»؛ قال الله : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يتعوذ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله

стр. 19

ثم يقرأ فاتحة الكتاب، السميع العليم من الشيطان الرجيم، رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق. وإسناده صحيح. وفائدة الاستعاذة: ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المصلي حتى يكون حاضر القلب في صلاته في قيامه وركوعه وسجوده، حاضر القلب وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ إذ ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. قوله: «ثم يقرأ فاتحة الكتاب» ثم بعد ذلك يقرأ فاتحة الكتاب، وليت المؤلف قدم البسملة على الفاتحة، وفاتحة الكتاب ركن من أركان الصلاة، ويدل لذلك حديث عُبادة بن الصامت في [الصحيحين] أن النبي ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» (١). وأيضًا حديث أبي هريرة في [صحيح مسلم] أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بفاتحةِ الكِتَابِ فَهِي خِدَاجٌ»، والخداج: فُسِّر بالشيء الناقص، وفُسِّر بالشيء الفاسد. والمصلي لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون غير مأموم كما لو كان إمامًا أو منفردًا، فهذا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة جهرية كانت الصلاة أو سرية فريضة أو نافلة. الأمر الثاني: أن يكون مأمومًا، فهذا موضع خلاف طويل بين أهل العلم ﵏؛ هل الإمام يتحمل عن المأموم قراءة الفاتحة أو لا يتحملها؟ هذا فيه خلاف وأُفرد

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في مؤلفات مستقلة. المذهب، ومذهب المالكية: لا يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة السرية ولا الجهرية، ويتحملها عنه الإمام، لكن يستحب للمأموم أن يقرأ في إسرار إمامه في الصلاة السرية، وفي سكوته في الصلاة الجهرية. وعند أبي حنيفة: لا يجب على المأموم أن يقرأ لا في السرية ولا الجهرية، بل القراءة خلف الإمام مكروهة كراهة تحريم. وعند الشافعية، وابن حزم، وهو رواية عن الإمام أحمد: يجب على المأموم قراءة الفاتحة مطلقًا في السرية والجهرية. وقيل: تجب القراءة فيما يسر به الإمام دون ما يجهر به. واستدل من قال بعدم وجوب القراءة على المأموم بأدلة، منها: ١ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال الإمام أحمد كما في مسائل أبي داود: «أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة». ٢ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، قال مسلم في صحيحه: «وهو صحيح عندي». وعن ابن أبي حاتم قال: سمعت أبي ..... وذكر هذا الحديث، فقال أبي: «ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان». ٣ حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». رواه أحمد، وابن ماجه، وهو في الموطأ من قول جابر ﵁، وصححه البيهقي. ٤ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟»، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول ما لي أُنازع القرآن؟!»، قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله ﷺ ، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وانفرد به أكيمة الليثي وهو مجهول، وأيضا أُعل بأن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة .. » مدرج من الزهري. ٥ حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «يكفيك قراءة الإمام خافت أو قرأ»، رواه الدارقطني. قال الإمام أحمد لما سُئِل عن هذا الحديث: «هذا منكر». ٦ عن ابن عمر ﵂ قال: «من صلى وراء الإمام كفاه قراءة الإمام» رواه البيهقي في السنن. واستدل من قال بالوجوب بأدلة، منها: ١ حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، متفق عليه. ٢ حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام»، فقيل لأبي هريرة: «إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك»، رواه مسلم. ٣ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا … ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» متفق عليه، وهذا يشمل الإمام والمأموم والمنفرد.

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٤ حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟»، قلنا: نعم، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وفيه ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث، وصححه أبو داود، والترمذي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي. لكن ضعّفه الإمام أحمد، وذكر شيخ الإسلام: أن الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : «لا صلاة إلا بأم القرآن»، ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة، وأما هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس، فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة. ٥ وعن ابن عمر بقال: «إني لأستحيي من رب هذه البنية أن أُصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن» رواه البيهقي في السنن. واستدل من أوجب القراءة في السرية دون الجهرية: بحمل أدلة القائلين بالوجوب على الصلاة السرية، وحمل أدلة القائلين بعدم الوجوب على الصلاة الجهرية. والأقرب في هذا: أنه لا يتحمل الإمام عن المأموم في الركعات التي يُسِر بها الإمام، مثل صلاة الظهر والعصر، وكالركعتين الأخريين من صلاة العشاء إلى آخره، المهم: * الركعات التي يُسِر فيها الإمام لا يتحملها يجب على المأموم أن يقرأ.

стр. 23

فإنْ كانت الصَّلاة جهرية أسْمَعَهُم القراءة، ولم يُسْمِعهم: بسم الله الرحمن الرحيم، فربُّه أعلم هل كان يقرؤها أم لا؟ والركعات التي يجهر بها الإمام يتحملها عنه الإمام، يتحملها عن المأموم، وبهذا تجتمع الأدلة. وقوله: «فإنْ كانت الصَّلاة جهرية أسْمَعَهُم القراءة» وهذا بالاتفاق، وهو متواتر عن النبي ﷺ . قوله: «ولم يُسْمِعهم: بسم الله الرحمن الرحيم، فربُّه أعلم هل كان يقرؤها أم لا؟» تستحب البسملة؛ لما رواه نعيم المجمر قال: «صليتُ وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن … وفيه: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ »، رواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، وصحَّحه ابن خزيمة. ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها. وعن أم سلمة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ يُقَطِّع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين … »، رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، والحاكم، وابن خزيمة. وصحَّحه الدارقطني، والحاكم على شرطهما. وعن ابن عمر ﵄ «أنه كان لا يدعُ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن وللسورة التي بعدها». أخرجه الشافعي في مسنده واللفظ له، وعبد الرزاق في المصنف. وإسناده صحيح. وعن عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس وابن عمر ﵃ كانا يفتتحان

стр. 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .... ، رواه عبد الرزاق، إسناده صحيح. وقوله: «ولم يسمعهم بسم الله الرحمن الرحيم» أي: لا يجهر بالبسملة؛ لحديث أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]»، وفي مسلم: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها». وعند أحمد وابن خزيمة، وابن حبان، عن أنس، بلفظ: «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»، إسناده صحيح. ولما روته عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]»، رواه مسلم. وذكر الدارقطني: «لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع، وإنما يصح عن بعض الصحابة موقوفًا». وعند الشافعية، ورواية عن أحمد: مشروعية الجهر بالبسملة. واستدلوا بأدلة: ١ ما رواه نعيم المجمر قال: «صليتُ وراء أبي هريرة ﵁، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأم القرآن … »، وفيه: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ »، وتقدم قريبًا. رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها، وهو المحفوظ، مع تفرد نعيم دون أصحاب أبي هريرة ﵁.

стр. 25

وكان يقطِّع قراءته آيةً آيةً، ثُمَّ يقف على ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يبتدئ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ويقف، ثُمَّ يبتدئ ﴿مَالِكِ يَوْمِ﴾ على ترسُّلٍ وتمهُّلِ وترتيل، يمدُّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾، ويمُدُّ ﴿الرَّحِيمُ﴾ وكان يقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف وقال أبو هريرة ﵁: «فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناكم لكم»، رواه مسلم. ونوقش: بأنه لا يمتنع أن يسمع منه حال الإسرار. ٢ حديث أم سلمة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ يُقَطِّع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾». تقدم قريبًا. وليس صريحًا أنه في الصلاة. ٣ أنه ورد عن بعض الصحابة ﵃: فروى ابن أبي شيبة «أن عمر ﵁ جهر ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». وتقدم عنه كما سبق عدم الجهر. وأيضًا في مصنف ابن أبي شيبة «أن ابن الزبير جهر بها»، صحيح. وأيضًا روى عدم الجهر بها. وفي سنن البيهقي «أن معاوية ﵁ جهر بها». وثبت عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يجهر في صلاته بالبسملة. وعند شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو رواية عن أحمد: يُستحب الجهر أحيانًا للمصلحة، كتعليم السنة، أو التأليف كما لو صلى معه من يرى الجهر بالبسملة. قوله: «وكان يقطِّع قراءته آيةً آيةً، ثُمَّ يقف على ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يبتدئ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ويقف، … » أي صفة قراءة النبي ﷺ ؛ أنه كان يقطِّع قراءته

стр. 26

وإذا ختم السُّورة قال: «آمين»، يجهر بها، ويمدُّ بها صوتَه، ويجهر بها مَنْ خلفه، حتى يرتجَّ المسجد. كما جاء في حديث قتادة، قال: سئل أنس ﵁ كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: «كانت مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». وحديث أم سلمة ﵂ في [المستدرَك]، و [سنن الدارقطني]: «يقطِّع قراءته آيةً آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ ٤]»، إلى آخره. قوله: «وإذا ختم السُّورة قال: «آمين»، يجهر بها، … » «آمين» معناها: اللهم استجب؛ لأن الفاتحة دعاء، في أولها ثناء على الله ، توسُّل بصفات الله وأسمائه الحسنى، ثم دعاء؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٥ ٧]. ومن فضل التأمين ما رواه ابن ماجه عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين»، حسن. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه. قوله: «يجهر بها ويمد بها صوته، ويجهر بها من خلفه حتى يرتجَّ المسجد»؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، فعلَّق تأمينهم على تأمين الإمام، ولو لم يجهر به لما علق تأمين المأموم عليه.

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولما روى وائل بن حجر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، ورفع بها صوته». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسّنه، وصحَّحه الحافظ. ولما روى نعيم المجمر قال: «صليتُ وراء أبي هريرة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: آمين، وقال الناس: آمين … ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ »، رواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، وصحَّحه ابن خزيمة. وما رواه عطاء قال: «آمين دعاء، أمّن ابن الزبير ومن بعده حتى إن للمسجد للَجَّة»، رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وما رواه عطاء قال: «أدركتُ مائتين من أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سَمِعْتُ لهم رَجَّة بآمين» رواه البيهقي في الكبرى. وقال نافع: «كان ابن عمر ﵁ إذا ختم أم القرآن قال: آمين. لا يدع أن يؤمّن إذا ختمها. ويحضُّهم على قولها» رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، وعبد الرزاق. وروى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: «وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين». وهل المأموم يؤمِّن مع الإمام أو يؤمِّن بعد الإمام؟ للعلماء رأيان: الرأي الأول: أن المأموم يؤمِّن مع الإمام وعليه الأكثر؛ يعني الإمام يؤمن

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمأموم يؤمن كما هو حالنا الآن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة؛ لما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام، فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم. وعند أحمد، والنسائي: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، قال الدارقطني في العلل: «وذلك وهم من معمر، والمحفوظ: إذا أمن الإمام فأمنوا». فالنبي ﷺ جعل موافقة التأمين لتأمين الملائكة سببًا لمغفرة ما تقدم من الذنوب، فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة. ولحديث بلال أنه قال للنبي ﷺ : «لا تسبقني بآمين». رواه أحمد، وعبد الرزاق، والحاكم، والبيهقي، وقد رجَّح أبو حاتم في العلل، والدارقطني وغيرهما إرساله. وعند بعض الحنابلة: السنة أن يُؤمن المأموم بعد تأمين الإمام؛ لحديث أبي هريرة: «إذا أمن الإمام فأمنوا» متفق عليه. وهو محمول على أن المراد إذا أراد التأمين؛ بدليل قوله ﷺ في الرواية الثانية: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين» متفق عليه.

стр. 29

واختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته بعد القراءة كلِّها؟ فقال يونس، عن الحسن، عن سمرة: «حَفِظْتُ سكتتين، سكتةً إذا كبَّر الإمام حتى يقرأ، وسكتةً إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع»، وصدَّقَهُ أُبَيُّ بن كعبٍ على ذلك (١). ووافق يونسَ: أشعثُ الحمراني، عن الحسن فقال: «سكتة إذا استفتح، وسكتة إذا فرغ من القراءة كلِّها» (٢). وخالفهما قتادة، فقال: عن الحسن، أنَّ سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا، فحدَّث سمرة أنَّه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقط، فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أُبَيِّ بن كعب، فكان في كتابه إليهما: «أنَّ سمرة قد حفظ» (٣). قوله: «واختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته بعد القراءة كلِّها؟ … »، تكلم في هذه الجملة عن السكتات في الصلاة: الذي ثبت سكتة الاستفتاح ما بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة من حديث أبي هريرة ﵁، أبو هريرة ﵁ قال للنبي ﷺ : «أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» في [الصحيحين]؛ فهذه السكتة بمقدار الاستفتاح. بقي سكتتان مختلف فيهما: سكتة بعد قراءة الفاتحة.

стр. 30

وقال قتادة أيضًا: عن الحسن، عن سمرة: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، إذا دخل في الصَّلاة، وإذا فرغ من القراءة»، ثم قال بعدُ: «وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾» (١). فقد اتَّفَقَت الأحاديث أنَّها سكتتان فقط: إحداهما: سكتة الاستفتاح، والثَّانية مختلف فيها؛ فالذي قال: إنَّها بعد قراءة الفاتحة هو قتادة، وقد اختلف عليه، فمرَّةً قال ذلك، ومرَّةً قال: «بعد الفراغ من القراءة». ولم يختلف على يونس وأشعث أنَّها بعد فراغه من القراءة كلِّها، وهذا أرجح الرِّوايتين، والله أعلم. وبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان وسكتة بعد القراءة كلها قبل الركوع. وقد جاء في هذا حديث سمرة بن جندب قال: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، قيل لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في الصلاة، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي واللفظ له وحسنه، وابن ماجه. وهو منقطع؛ من رواية الحسن عن سمرة. والأقرب: أنها سكتة لطيفة؛ بعد قراءة الفاتحة لكي يترادَّ إليه نفسه، ولكي يتأمل ما يقرأ، ولكي يفرِّق بين القراءة الواجبة الفاتحة وبين القراءة المستحبة. وسكتة لطيفة بعد الانتهاء من القراءة قبل الركوع، لكي يفصل بين القراءة وبين الركوع، ولكي يترادَّ إليه نفسه؛ لأن حديث سمرة كما سلف منقطع بين الحسن وبين سمرة ﵁. قوله: «وبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان

стр. 31

يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلَّا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيتَ. ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصحابة، ولكان معرفتهم به ونَقْلهم له أهم من سكتة الاستفتاح. ثم يقرأ بعد ذلك سورةً، طويلةً تارةً، وقصيرةً تارةً، ومتوسِّطةً تارةً، كما تقدَّم ذِكر الأحاديث به. ولم يكن يبتدئ من وسط سورةٍ ولا من آخرها؛ وإنَّما كان يقرأ من يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، … » أي لا يشرع للإمام أن يسكت بعد قراءة الفاتحة سكتة طويلة بمقدار الفاتحة؛ لأن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، وظاهر كلامه أنه: يسكت سكتةً لطيفة كما سبق. قوله: «وبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، … » أي لا يشرع للإمام أن يسكت بعد قراءة الفاتحة سكتة طويلة بمقدار الفاتحة؛ لأن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، وظاهر كلامه أنه: يسكت سكتةً لطيفة كما سبق. قوله: «ثم يقرأ بعد ذلك سورةً، طويلةً تارةً، وقصيرةً تارةً، ومتوسِّطةً تارةً، … » في هذه الجملة بيَّن المؤلف ﵀ هدي النبي ﷺ في قراءة السورة أو الآيات، وقال: بأن هدي النبي ﷺ أنه كان يقرأ في كل ركعة سورةً كاملة، وربما أن النبي ﷺ فرَقها في الركعتين. قوله: «ولم يكن يبتدئ من وسط سورةٍ ولا من آخرها؛ وإنَّما كان يقرأ من

стр. 32

أوَّلها، فتارةً يكملها، وهو أغلب أحواله، وتارةً يقتصر على بعضها، ويكملها في الرَّكعة الثانية ولم ينقل أحدٌ عنه أنَّه قرأ بآيةٍ من سورةٍ أو بآخرها إلَّا في سُنَّة الفجر؛ فإنَّه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، أوَّلها، فتارةً يكملها، وهو أغلب أحواله» أي: الغالب على هدي النبي ﷺ أنه يقرأ في الركعة الأولى بسورة من أولها، وفي الركعة الثانية بسورة، وهذا هو الذي دلَّ له؛ لحديث أبي قتادة ﵁ في [الصحيحين] قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويقرأ الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب». ويتلخص من كلامه ﵀: أن هدي النبي ﷺ في الصلاة فيما يتعلق بقراءة السورة أو الآيات ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: قراءة سورةٍ كاملةٍ في كل ركعة، وهذا هو الغالب على هدي النبي ﷺ ، قال المؤلف: وهذا هو الغالب على هدي النبي ﷺ . القسم الثاني: أن يقرأ سورة في الركعتين، يعني يقرأ في الركعة الأولى سورة ثم يكملها في الركعة الثانية، هذا كان النبي ﷺ يفعله أحيانًا، واستدل له المؤلف بحديث عائشة ﵂ في قراءة سورة الأعراف في ركعتين في المغرب. القسم الثالث: قراءة آيات، يعني يقرأ في الركعة الأولى آيات، ثم في الركعة الثانية آيات، لا سورة كاملة كالقسم الثاني. قوله: «ولم ينقل أحدٌ عنه أنَّه قرأ بآيةٍ من سورةٍ أو بآخرها إلَّا في سُنَّة الفجر … »، فإن النبي ﷺ :

стр. 33

و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية (١). وكان يقرأ بالسُّورة في الرَّكعة، وتارةً يعيدها في الرَّكعة الثانية، وتارةً يقرأ بسورتين في ركعةٍ. أمَّا الأوَّل: فكقول عائشة: «إنَّه قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين» (٢). وأمَّا الثَّاني: فقراءته في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الرَّكعتين كِلْتَيهما (٣). والحديثان في السُّنن. وأمَّا الثَّالث: فكقول ابن مسعود: «لقد عَرَفتُ النَّظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهما»، فذكر عشرين سورةً من المفصَّل، سورتين في ركعةٍ (٤). قرأ في الركعة الأولى في سنَّة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية في البقرة. وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية في سورة آل عمران. لكن نقل عن الصحابة ﵃، «فقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني» رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وروى أبو رافع «كان عمر يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل» رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عن عبد الرحمن بن يزيد «أن ابن مسعود صلَّى بهم العشاء فقرأ

стр. 34

وهذا في الصَّحيحَين وكان يمدُّ قراءة الفجر ويطيلها أكثر من سائر الصَّلوات، وأقصر ما حُفِظ عنه أنَّه قرأ به فيها في الحَضَر ﴿ق﴾ ونحوها (١). بأربعين من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل» رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وإسناده صحيح. وعلى هذا: لا بأس أن يقرأ آيات لكن لا يكثر منه، والذي تأسف منه أن تجد بعض الأئمة كثيرًا ما يقرأ آيات، وقراءة سورة في كل ركعة قليل، هذا خلاف هدي النبي ﷺ . القسم الرابع: أن يقرأ السورة ثم يعيدها في الركعة الثانية كما جاء في سورة الزلزلة؛ لحديث رجل من أصحاب النبي ﷺ «أن النبي ﷺ قرأ بالزلزلة في الركعتين» رواه أبو داود، والبيهقي بإسناد حسن، واختلف في وصله وإرساله. القسم الخامس: أن يقرأ في الركعة الواحدة سورتين وهذا كما جاء في [الصحيحين] وهذا في بعض الأحيان؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁: «لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن»، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة، رواه البخاري ومسلم. قوله: «وكان يمدُّ قراءة الفجر ويطيلها أكثر من سائر الصَّلوات، … » أي: بيان قدر القراءة في كل صلاةٍ من الصلوات، فهدي النبي ﷺ في القراءة في صلاة الفجر: تستحب القراءة بطوال المفصل في صلاة الفجر باتفاق الأئمة. روى سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: «ما صليتُ وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان»، قال سليمان: «كان يُطيل الركعتين الأوليين من

стр. 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الظهر، ويُخفف الأخريين، ويُخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطول المفصل»، رواه النسائي، وأحمد، وصحَّحه ابن رجب، وابن حجر، وحسَّنه النووي، فهذا الحديث كالجامع في القراءة في الصلاة. فالوارد في القراءة في صلاة الفجر: ما تقدم في الحديث السابق. وحديث أبي برزة ﵁ في الصحيحين: «أن النبي ﷺ كان يقرأ ما بين الستين إلى المائة». وحديث أم سلمة ﵂: «أن النبي ﷺ قرأ بالطور»، متفق عليه. وحديث قطبة بن مالك ﵂: «أن النبي ﷺ قرأ ب ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾»، متفق عليه. وحديث جابر بن سمرة ﵄: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بالواقعة، ونحوها من السور»، رواه أحمد، وصحَّحه الحافظ ابن حجر. وحديث عبد الله بن السائب ﵁: «أن النبي ﷺ قرأ بسورة المؤمنون»، رواه مسلم. وحديث عمرو بن حريث ﵁: «أن النبي ﷺ قرأ بسورة التكوير»، رواه مسلم. وحديث رجل من أصحاب النبي ﷺ : «أن النبي ﷺ قرأ بالزلزلة في الركعتين»، رواه أبو داود، والبيهقي بإسناد حسن، واختلف في وصله وإرساله. وحديث رجل أيضًا من أصحاب النبي ﷺ : «أن النبي ﷺ قرأ بسورة الروم»،

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رواه أحمد، والنسائي بإسناد حسن، كما ذكر الحافظ. وحديث عقبة بن عامر ﵁: «أن النبي ﷺ قرأ بالمعوذتين في السفر»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسناد صحيح. وحديث رجل من بني غفار «أنه قرأ في المدينة بسورة مريم، والمطففين، والنبي ﷺ بخيبر»، رواه البزار، والطحاوي بإسناد صحيح. وحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات» رواه أحمد، والنسائي، إسناده حسن. وورد عن أبي بكر ﵁ «أنه قرأ البقرة في ركعتين» رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وصحَّحه الحافظ ابن حجر. وعن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى ﵄ .... ، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل، الموطأ إسناده صحيح. وورد عن عمر ﵁ «أنه قرأ البقرة في صلاة الفجر»، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح. وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني، رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وروى أبو رافع «كان عمر يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عن عمر ﵁ أيضًا «أنه قرأ سورة الحج»، رواه ابن أبي شيبة، وصحَّحه البيهقي. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ سورة يوسف، والحج»، رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ بالنجم»، رواه عبد الرزاق. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ يوسف، والكهف»، رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار بإسناد صحيح. وورد عن علي ﵁ «أنه قرأ بالأنبياء»، رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق بإسناد صحيح. وروى أبو عمرو الشيباني قال: «صلَّى بنا عبد الله بن مسعود الفجر، فقرأ السورتين، الآخرة منهما بني إسرائيل»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. هذا الوارد عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة ﵃، ويتلخص منه: أن السنة في القراءة في صلاة الفجر أن يقرأ الإمام بطوال المفصل، كما جاء في حديث سليمان بن يسار، ولقراءة النبي ﷺ بالطور، وبالواقعة، ونحوها من السور. وأحيانًا يقرأ بأطول من ذلك؛ لما جاء عن أبي بكر وعمر ﵄، أيضًا النبي ﷺ قرأ بالروم، وقرأ الصافات، إلى آخر ما تقدم. وما ورد من القراءة في المعوذتين أو التكوير محمولة على أحد أمرين:

стр. 38

وكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي الأُولَيَين من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ فيما سوى ذلك. وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة السِّرِّ أحيانًا. الأمر الأول: أنها في السفر، وكما سيأتينا أن القراءة في السفر السنة أن تكون قصيرة، هذا هو الوارد عن الصحابة ﵃. الأمر الثاني: محمولة على العذر، والنبي ﷺ كان يُخفف لسماع بكاء الصبي، إلى آخره. وقيد بعض العلماء: الاستحباب للمنفرد، أو لجماعة محصورة رغبت في إطالة الصلاة، وكانت تطيق ذلك. فالخلاصة في صلاة الفجر: أنه يقرأ بطوال المفصل كثيراً، والمفصل: يبدأ من سورة ﴿ق﴾، أو من سورة الذاريات، أو من سورة الحجرات على خلاف، والأمر في هذا سهل إلى سورة النبأ، فيقرأ في الفجر بطوال المفصل. وفي بعض الأحيان يقرأ بأطول من ذلك هذا هو السنة، ويؤيد ذلك: قول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالله ذكر أربع صلوات؛ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يعني من الزوال، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، وذلك عند انتصافه، يشمل أربع صلوات، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر، سمَّاها قرآنًا؛ لأنه يُشرع أن تطال فيها القراءة. وإذا شق على المأمومين لطول السورة قسمها قسمين، كسورة المؤمنون. قوله: «وكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي الأُولَيَين من المغرب والعشاء … » الجهر في مواضع الجهر في الفجر، والأوليين من صلاة من المغرب والعشاء، والإسرار في مواضع الإسرار في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء، متواتر عن النبي ﷺ . وقوله: «وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة السِّرِّ أحيانًا» هذا ورد في صلاة

стр. 39

وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ كاملتين (١). ولم يقتصر على إحداهما، ولا على بعض هذه وبعض هذه قط. وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون كاملتين، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية (٢). الظهر وصلاة العصر لحديث أبي قتادة في [الصحيحين]، قال: «وكان يُسمعنا الآية أحيانًا» في صلاة الظهر وصلاة العصر. قوله: «وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة … » أي: السنَّة الغالبة في صلاة الفجر يوم الجمعة أن تقرأ بهاتين السورتين كاملتين: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]؛ كما جاء في حديث أبي هريرة في [الصحيحين]، لكن قال العلماء: يترك القراءة أحيانًا لئلا يتوهم الوجوب. وسن قراءة هاتين السورتين لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد وحشر الخلائق، وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار، لا لأجل السجدة، وأما قراءة بعض السورة أو قراءة السجدة فقط هذا خلاف السنة كما ذكر المؤلف، فهدي ﵁ قراءتهما كاملتين. قوله: «وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون كاملتين، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية» القراءة في صلاة الجمعة ورد لها ثلاث سنن:

стр. 40

وكان يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ كاملتين (١)، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. السنة الأولى: يقرأ في الركعة الأولى بالجمعة، وفي الركعة الثانية بالمنافقون كاملتين. عن ابن أبي رافع، قال: صلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة، في الركعة الآخرة: إذا جاءك المنافقون، فقال أبو هريرة: «إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقرأ بهما يوم الجمعة». رواه مسلم. السنة الثانية: قراءة سورة الجمعة في الأولى، وفي الثانية الغاشية كاملتين؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁، رواه مسلم. وهذه السنة موضع خلاف؛ بناءً على ثبوت الحديث. السنة الثالثة في القراءة: أن يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية ب ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ كاملتين، رواه مسلم عن النعمان بن بشير ﵁. قوله: «وكان يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ … » بالنسبة لصلاة العيد ورد فيها سنَّتان: السنَّة الأولى: كما ذكر المؤلف ﵀ يقرأ في الركعة الأولى ب ﴿ق﴾، وفي الركعة الثانية ب ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] كاملتين؛ لحديث أبي واقد الليثي ﵁، وفيه: «كان النبي يقرأ فيهما ب ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾»، رواه مسلم. والسنَّة الثانية: بالأعلى والغاشية كاملتين؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄
следующие страницы →