← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1235

شرح صفة الصلاة لابن القيم

خالد المشيقح

Полный текст (121 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رواه أحمد، والنسائي بإسناد حسن، كما ذكر الحافظ. وحديث عقبة بن عامر ﵁: «أن النبي ﷺ قرأ بالمعوذتين في السفر»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسناد صحيح. وحديث رجل من بني غفار «أنه قرأ في المدينة بسورة مريم، والمطففين، والنبي ﷺ بخيبر»، رواه البزار، والطحاوي بإسناد صحيح. وحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات» رواه أحمد، والنسائي، إسناده حسن. وورد عن أبي بكر ﵁ «أنه قرأ البقرة في ركعتين» رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وصحَّحه الحافظ ابن حجر. وعن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى ﵄ .... ، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل، الموطأ إسناده صحيح. وورد عن عمر ﵁ «أنه قرأ البقرة في صلاة الفجر»، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح. وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني، رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وروى أبو رافع «كان عمر يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عن عمر ﵁ أيضًا «أنه قرأ سورة الحج»، رواه ابن أبي شيبة، وصحَّحه البيهقي. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ سورة يوسف، والحج»، رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ بالنجم»، رواه عبد الرزاق. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ يوسف، والكهف»، رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار بإسناد صحيح. وورد عن علي ﵁ «أنه قرأ بالأنبياء»، رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق بإسناد صحيح. وروى أبو عمرو الشيباني قال: «صلَّى بنا عبد الله بن مسعود الفجر، فقرأ السورتين، الآخرة منهما بني إسرائيل»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. هذا الوارد عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة ﵃، ويتلخص منه: أن السنة في القراءة في صلاة الفجر أن يقرأ الإمام بطوال المفصل، كما جاء في حديث سليمان بن يسار، ولقراءة النبي ﷺ بالطور، وبالواقعة، ونحوها من السور. وأحيانًا يقرأ بأطول من ذلك؛ لما جاء عن أبي بكر وعمر ﵄، أيضًا النبي ﷺ قرأ بالروم، وقرأ الصافات، إلى آخر ما تقدم. وما ورد من القراءة في المعوذتين أو التكوير محمولة على أحد أمرين:

стр. 38

وكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي الأُولَيَين من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ فيما سوى ذلك. وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة السِّرِّ أحيانًا. الأمر الأول: أنها في السفر، وكما سيأتينا أن القراءة في السفر السنة أن تكون قصيرة، هذا هو الوارد عن الصحابة ﵃. الأمر الثاني: محمولة على العذر، والنبي ﷺ كان يُخفف لسماع بكاء الصبي، إلى آخره. وقيد بعض العلماء: الاستحباب للمنفرد، أو لجماعة محصورة رغبت في إطالة الصلاة، وكانت تطيق ذلك. فالخلاصة في صلاة الفجر: أنه يقرأ بطوال المفصل كثيراً، والمفصل: يبدأ من سورة ﴿ق﴾، أو من سورة الذاريات، أو من سورة الحجرات على خلاف، والأمر في هذا سهل إلى سورة النبأ، فيقرأ في الفجر بطوال المفصل. وفي بعض الأحيان يقرأ بأطول من ذلك هذا هو السنة، ويؤيد ذلك: قول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالله ذكر أربع صلوات؛ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يعني من الزوال، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، وذلك عند انتصافه، يشمل أربع صلوات، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر، سمَّاها قرآنًا؛ لأنه يُشرع أن تطال فيها القراءة. وإذا شق على المأمومين لطول السورة قسمها قسمين، كسورة المؤمنون. قوله: «وكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي الأُولَيَين من المغرب والعشاء … » الجهر في مواضع الجهر في الفجر، والأوليين من صلاة من المغرب والعشاء، والإسرار في مواضع الإسرار في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء، متواتر عن النبي ﷺ . وقوله: «وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة السِّرِّ أحيانًا» هذا ورد في صلاة

стр. 39

وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ كاملتين (١). ولم يقتصر على إحداهما، ولا على بعض هذه وبعض هذه قط. وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون كاملتين، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية (٢). الظهر وصلاة العصر لحديث أبي قتادة في [الصحيحين]، قال: «وكان يُسمعنا الآية أحيانًا» في صلاة الظهر وصلاة العصر. قوله: «وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة … » أي: السنَّة الغالبة في صلاة الفجر يوم الجمعة أن تقرأ بهاتين السورتين كاملتين: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]؛ كما جاء في حديث أبي هريرة في [الصحيحين]، لكن قال العلماء: يترك القراءة أحيانًا لئلا يتوهم الوجوب. وسن قراءة هاتين السورتين لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدأ والمعاد وحشر الخلائق، وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار، لا لأجل السجدة، وأما قراءة بعض السورة أو قراءة السجدة فقط هذا خلاف السنة كما ذكر المؤلف، فهدي ﵁ قراءتهما كاملتين. قوله: «وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون كاملتين، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية» القراءة في صلاة الجمعة ورد لها ثلاث سنن:

стр. 40

وكان يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ كاملتين (١)، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. السنة الأولى: يقرأ في الركعة الأولى بالجمعة، وفي الركعة الثانية بالمنافقون كاملتين. عن ابن أبي رافع، قال: صلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة، في الركعة الآخرة: إذا جاءك المنافقون، فقال أبو هريرة: «إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقرأ بهما يوم الجمعة». رواه مسلم. السنة الثانية: قراءة سورة الجمعة في الأولى، وفي الثانية الغاشية كاملتين؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁، رواه مسلم. وهذه السنة موضع خلاف؛ بناءً على ثبوت الحديث. السنة الثالثة في القراءة: أن يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية ب ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ كاملتين، رواه مسلم عن النعمان بن بشير ﵁. قوله: «وكان يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ … » بالنسبة لصلاة العيد ورد فيها سنَّتان: السنَّة الأولى: كما ذكر المؤلف ﵀ يقرأ في الركعة الأولى ب ﴿ق﴾، وفي الركعة الثانية ب ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] كاملتين؛ لحديث أبي واقد الليثي ﵁، وفيه: «كان النبي يقرأ فيهما ب ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾»، رواه مسلم. والسنَّة الثانية: بالأعلى والغاشية كاملتين؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄

стр. 41

وكان يقرأ في صلاة السِّرِّ بسورةٍ فيها السَّجدة أحيانًا، فيسجد للسَّجدة ويسجد معه مَنْ خَلْفه (١). وكان يقرأ في الظُّهر قدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، ونحو ثلاثين آية (٢). قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾»، رواه مسلم. قوله: «وكان يقرأ في صلاة السِّرِّ بسورةٍ فيها السَّجدة أحيانًا، فيسجد للسَّجدة ويسجد معه مَنْ خَلْفه»؛ لما روى ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ صلى، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ السجدة» رواه أحمد، وأبو داود، إسناده ضعيف في إسناده أمية لا يعرف. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك»، رواه مسلم. قوله: «وكان يقرأ في الظُّهر قدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، ونحو ثلاثين آية .... » لما ذكر المؤلف ﵀ قدْر القراءة في صلاة الفجر والجمعة والعيدين؛ بيَّن الآن قدر القراءة في صلاة الظهر؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: «لقد كانت صلاة الظهر تُقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي

стр. 42

ومرَّةً كان يقرأ فيها ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٢)، و ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٣)، ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يُطولها» رواه مسلم. وهذا مما يدل على أن النبي ﷺ كان في بعض الأحيان يقرأ أكثر من أواسط المفصل. وأيضًا حديث أبي سعيد ﵁ في صحيح مسلم «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأُخريين قدر خمس عشرة آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأُخريين قدر نصف ذلك». بمعنى أنه قرأ في العصر في الركعتين الأوليين كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وهذا قدر أواسط المفصل. وقراءة النبي ﷺ بثلاثين آية في كل ركعة من صلاة الظهر يدل على أن النبي ﷺ قرأ بأطول من أواسط المفصل. ولحديث جابر بن سمرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر ب ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، والعصر نحو ذلك»، رواه مسلم. وفي لفظ عند مسلم «أن النبي ﷺ كان يقرأ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾». وعند ابن خزيمة «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر ب ﴿الشَّمْسِ إِذَا وَضُحَاهَا﴾، ونحوها، ويقرأ في الصبح بأطول من ذلك»، وإسناده صحيح. وعند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي، وصحَّحه الحافظ ابن حجر من

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حديث جابر بن سمرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر ب (الطارق) و (البروج)، ونحوها من السور». وعند النسائي، وابن خزيمة أيضًا بإسناد حسَّنه الحافظ من حديث أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ «أنهم كانوا يسمعون منه النَّغَمَة في الظهر ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾». وفي حديث بريدة عند ابن خزيمة أيضًا بإسناد حسن «﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾». وأما الآثار عن الصحابة: فعن ابن عمر ﵄ «أنه قرأ في الظهر بسورة مريم»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح. «وقرأ ابن مسعود ﵁ في الظهر بسورة (طه)»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح. وعن ابن عمر ﵄ «أنه كان يقرأ في الظهر ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾»، رواه عبد الرزاق. وروى الطحاوي «أن ابن عمر قرأ في الركعة الأولى من الظهر ب (ق)، وفي الثانية ب (الذاريات)»، وإسناده صحيح. وورد عن أنس في الظهر والعصر «أنه قرأ ب ﴿سَبِّحِ﴾»، رواه ابن أبي شيبة، والطبراني. وأما الظهر فالكثير بأواسط المفصل، وفي بعض الأحيان يزيد على ذلك، كما سلف من الأحاديث والآثار.

стр. 44

ونحوها من السُّور. ومرةً بلقمان والذَّاريات. وكان يقوم في الرَّكعة الأولى منها حتى لا يُسْمَع وقعُ قَدَمٍ. وكذلك كان يطيل الرَّكعة الأولى من كُلِّ صلاةٍ على الثَّانية وكانت قراءته في العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن في كُلِّ ركعة قدر خمس عشرة آية (١)، قوله: «ونحوها من السور، ومرةً بلقمان والذاريات» في سنن النسائي وابن ماجه من حديث البراء ﵁، حسَّنه بعض أهل العلم وضعَّفه آخرون. قوله: «وكان يقوم في الرَّكعة الأولى منها يعني صلاة الظهر حتى لا يُسْمَع وقعُ قَدَمٍ» جاء هذا في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁، لكنه ضعيف. قوله: «وكذلك كان يطيل الرَّكعة الأولى من كُلِّ صلاةٍ على الثَّانية»؛ لما رواه أبو قتادة ﵁، وفيه: «وكان يُطيل في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقتصر الثانية» متفق عليه. ولما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «لقد كانت صلاة الظهر تُقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يُطيلها»، رواه مسلم. قوله: «وكانت قراءته في العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن في كُلِّ ركعة قدر خمس عشرة آية» أي يقرأ في العصر بأواسط المفصل غالباً، أو قدره كما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ في مسلم: «في كل ركعة من الركعتين الأوليين قدر خمس عشرة آية».

стр. 45

وكان يقرأ في المغرب بالأعراف تارةً (١)، وبالطُّور تارةً (٢)، والمرسلات تارةً (٣)، وبالدُّخان تارةً (٤). ورُوِيَ عنه أنَّه قرأ فيها ب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٥)، انفرد به ابن ماجه. ولعلَّ أحد رواته وَهم من قراءته بهما في سُنَّة المغرب، فقال: «كان يقرأ بهما في المغرب»؟ أو سَقَطَت «سُنَّة» من النُّسْخة. والله أعلم. وكما تقدم في حديث جابر بن سمرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]. فالخلاصة: أن العصر يقرأ فيها بأواسط المفصل أو قدرها تارة، وتقدمت الأحاديث، والآثار في هذا قريباً. قوله: «وكان يقرأ في المغرب بالأعراف تارةً، وبالطُّور تارةً، … » أي: في المغرب يستحب القراءة بقصار السور باتفاق الأئمة؛ جاء في حديث سليمان بن يسار المتقدم: «في المغرب بقصار المفصل». وأحيانًا يُطيل؛ لحديث جبير بن مطعم ﵁ في الصحيحين: «أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالطور». ولحديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين «أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالمرسلات». وحديث زيد بن ثابت ﵁ في صحيح البخاري «أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف».

стр. 46

وكان يقرأ في عشاء الآخرة ب ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١)، وسورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ وحديث ابن مسعود ﵁ أيضًا وفيه ضعف «أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالدخان». وعن عمرو بن ميمون قال: «صلَّى بنا عمر ﵁ صلاة المغرب، فقرأ في الركعة الأولى ب ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وفي الركعة الثانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عن ابن عباس ﵄ «أنه قرأ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾». وورد عنه أيضًا «أنه قرأ الدخان»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وهذا مما يُؤيد المرفوع. وعن ابن عمر ﵄ «أنه قرأ ب ﴿يس﴾ في المغرب»، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عنه أيضًا «أنه قرأ سورة الفتح»، رواه عبد الرزاق بإسناد حسن. والخلاصة: أن المغرب السنة يُقرأ فيها بقصار المفصل غالباً، أو قدرها، وقصار المفصل من سورة الضحى إلى سورة الناس، وفي بعض الأحيان يقرأ ما ورد عن النبي ﷺ : الطور، والمرسلات، وإن تيسر الأعراف، كذلك أيضًا ما جاء عن الصحابة: الدخان، ويس، والفتح، هذه الثابتة عن النبي ﷺ وصحابته. قوله: «وكان يقرأ في عشاء الآخرة ب ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ … » أي: صلاة العشاء: يقرأ بأواسط المفصل، جاء في حديث سليمان بن يسار «وفي العشاء بأواسطه». وحديث أبي هريرة في الصحيحين «أن النبي ﷺ قرأ في العشاء ب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾» (٢).

стр. 47

انْشَقَّتْ﴾، ويسجد فيها، ويسجد معه جميع مَنْ خَلْفَه (١)، وب ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونحو ذلك من السُّور (٢). وحديث البراء بن عازب: «أن النبي ﷺ قرأ (الزيتون)، لكن في السفر» (٣)، متفق عليه. وروى بريدة ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة العشاء ب ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وأشباهها من السور» (٤)، رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسَّنه. وحديث معاذ لما أمَّ قومه أرشده النبي ﷺ : «فلولا صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾»، رواه البخاري. أيضًا في البخاري «أمره بسورتين من أوسط المفصل». وفي صحيح مسلم «اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾». وعند مسلم أيضًا «إذا أممت الناس فاقرأ ب ﴿الشَّمْسِ إِذَا وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾». وفي صحيح ابن خزيمة «اقرأ سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾». وفي سنن البيهقي «اقرأ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ونحوها». فهذه الروايات تكاد تجمع على أواسط المفصل بالنسبة لصلاة العشاء.

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وورد عن عمر ﵁ «أنه قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾» (١)، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عن ابن عمر ﵄ «أنه قرأ ب (محمد)، و (الفتح)» (٢)، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وورد عن عمر ﵁ أيضًا «أنه قرأ ب (يوسف)» (٣)، رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح. وورد عن عبد الرحمن بن يزيد «أن ابن مسعود ﵁ صلَّى بهم العشاء فقرأ بأربعين من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل» (٤)، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وإسناده صحيح. والخلاصة: أن صلاة العشاء السنة أن تكون القراءة فيها من أواسط المفصل غالباً، أو قدرها، كما في الأحاديث السابقة، وإن قرأ أحيانا ما ورد عن الصحابة من قراءة: سورة محمد، والفتح، ويوسف، وأربعين من الأنفال، فهذه ثابتة عن الصحابة ﵃. فَرع: السنة في القراءة في السفر التخفيف إذا كان جادًّا في السير؛ لما تقدم أن النبي ﷺ قرأ بالمعوذتين في صلاة الفجر. رواه النسائي وغيره. وأيضًا: الوارد عن الصحابة ﵃ هو التخفيف في القراءة في السفر: ففي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 49

وكان إذا فَرَغ من القراءة سَكَت هُنَيْئَةً؛ لتراجع إليه نَفَسُه (١). فَصْلٌ ثُمَّ كان يرفع يَدَيه إلى أنْ يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه، كما رفعهما في الاستفتاح، صحَّ عنه ذلك (٢) كما صحَّ التَّكبير للرُّكوع، يقرؤون في السفر بالسور القصار». وعن عمرو بن ميمون قال: «صلَّى بنا عمر الفجر في السفر، فقرأ ب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». وإسناده صحيح. وورد أيضًا «أنه قرأ ب (التين) في صلاة الفجر»، رواه عبد الرزاق، وإسناده صحيح. قوله: «وكان إذا فَرَغ من القراءة سَكَت هُنَيْئَةً؛ لتراجع إليه نَفَسُه» تقدَّم هذا قريباً. قوله: «فصلٌ: ثُمَّ كان يرفع يَدَيه إلى أنْ يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه … » هذا الموضع الثاني من المواضع التي تُرفع فيه الأيدي: عند تكبيرة الركوع، لما روى ابن عمر: «رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه»، متفق عليه. وحديث مالك بن الحويرث، وعن أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث ﵁ «إذا صلَّى كبَّر، ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه»، وحدَّث «أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا»، رواه مسلم.

стр. 50

بل الذين رَوَوْا عنه رفع اليَدَين ههنا أكثر من الذين رَوَوْا عنه التَّكبير ثُمَّ يقول: «الله أكبر»، ويخرُّ راكعًا، ويَضَع يديه على ركبتيه، فيمكِّنُهُما من ركبتيه، قوله: «بل الذين رَوَوْا عنه رفع اليَدَين ههنا أكثر من الذين رَوَوْا عنه التَّكبير» أي: روى الرفع عند التكبير للركوع ابن عمر ﵄ كما في الصحيحين، ومالك بن الحويرث ﵁ كما صحيح مسلم، وعلي ﵁ أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبخاري في جزء رفع اليدين في الصلاة. وفي هذا رد على من خص الرفع عند تكبيرة الإحرام كالحنفية. قوله: «ثُمَّ يقول: «الله أكبر»» أي يكبر أثناء الانتقال من القيام إلى الركوع، وكذا سائر تكبيرات الانتقال تكون أثناء الانتقال؛ لحديث أبي هريرة ﵁، يقول: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد»، رواه البخاري ومسلم. قوله: «ويخرُّ راكعًا» هنا شرع المؤلف ﵀ في بيان صفة الركوع، والركوع له صفتان: صفةٌ مجزئة. وصفةٌ كاملة. والمؤلف بيَّن الصفة الكاملة. والصفة المجزئة: المشهور من مذهب الإمام أحمد أن ينحني بحيث تصل يداه ركبتيه إذا كان وسط الخلقة؛ لا عبرة بمن كانت يداه طويلتين أو كانت يداه قصيرتين، المقصود وسط الخلقة كما هو في عامة الناس. وقال بعض العلماء: الركوع المجزئ: أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع أقرب

стр. 51

وفرَّج بين أصابعه (١)، وجافى مِرْفَقَيه عن جَنْبَيه، ثُمَّ اعتدل، وجعل رأْسَه حِيَال ظهره، فلم يرفع رأْسَه ولم يصوِّبْه، وهَصَر ظهره، أي: مَدَّه ولم يجمعه (٢). ثُمَّ قال: «سبحان ربِّي العظيم» (٣). ورُوِيَ عنه أنَّه كان يقول: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده». قال أبو داود: منه إلى القيام، وهذا أحسن؛ يعني إذا انحني يقال: هذا راكع لا يقال: هذا قائم. أما الركوع الكامل فذكر المؤلف ﵀ صفته. وفرَّج بين أصابعه (٤)، وجافى مِرْفَقَيه عن جَنْبَيه، ثُمَّ اعتدل، وجعل رأْسَه حِيَال ظهره، فلم يرفع رأْسَه ولم يصوِّبْه، وهَصَر ظهره، أي: مَدَّه ولم يجمعه (٥). ثُمَّ قال: «سبحان ربِّي العظيم» (٦). ورُوِيَ عنه أنَّه كان يقول: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده». قال أبو داود: «وأخاف قوله: «وفرَّج بين أصابعه، وجافى مِرْفَقَيه عن جَنْبَيه»؛ لحديث أبي مسعود ﵁: «ألا أُريكم صلاة رسول الله ﷺ ؟»، قال: «فقام فكبّر، ثم ركع، فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه من وراء ركبتيه، حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه فقام، حتى استقر كل شيء منه، ثم سجد فجافى حتى استقر كل شيء منه». رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي. إسناده قوي. قوله: «ثُمَّ اعتدل، وجعل رأْسَه حِيَال ظهره، فلم يرفع رأْسَه ولم يصوِّبْه»؛ لما روته عائشة: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يُصوبه، ولكن بين ذلك»، رواه مسلم. قوله: «وهَصَر ظهره، أي: مَدَّه ولم يجمعه»؛ لحديث أبي حميد الساعدي ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره»، رواه البخاري. قوله: «ورُوِيَ عنه أنَّه كان يقول: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده». قال أبو داود:

стр. 52

«وأخاف أنْ لا تكون هذه الزِّيادة محفوظةً» (١). وربَّما مَكَث قدر ما يقول القائل عشر مرَّات، وربَّما مَكَث فوق ذلك ودونه. وربَّما قال: «سبحانك اللَّهم ربَّنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي» (٢)، «وأخاف أنْ لا تكون هذه الزِّيادة محفوظةً»» يشير المؤلف لما روى عقبة بن عامر ﵁ قال: «فكان رسول الله ﷺ إذا ركع قال: «سبحان ربي العظيم وبحمده» ثلاثا، وإذا سجد قال: «سبحان ربي الأعلى وبحمده» ثلاثا»، رواه أبو داود. «وبحمده» ليست محفوظة، قال الإمام أحمد ﵀: «أما أنا فلا أقول: وبحمده». قوله: «وربَّما مَكَث قدر ما يقول القائل عشر مرَّات، وربَّما مَكَث فوق ذلك ودونه» أي يكون الركوع بفدر عشر تسبيحات، والسجود بعشر تسبيحات؛ لقول أنس ﵁: «ما صليتُ وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى» يعني عمر بن عبد العزيز، قال أي سعيد بن جبير: «فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات»، رواه أحمد، وأبو داود، وإسناد ضعيف وهب بن مانوس في عداد المجهولين. أيضًا هناك أذكار أخرى تُشرَع في الركوع فينبغي للمسلم أن يحفظها: منها ما ذكره المؤلف. قوله: «وربَّما قال: «سبحانك اللَّهم ربَّنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي»»؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»»، خرجاه في [الصحيحين].

стр. 53

وربَّما قال: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والرُّوح» (١). وربَّما قال: «اللَّهم لك رَكَعت، وبك آمنتُ، ولك أسلمت، وعليك توكَّلْت، أنت ربِّي، خشع قلبي، وسمعي، وبصري، ودمي، ولحمي، وعظمي، وعصبي، لله ربِّ العالمين» (٢)، وربَّما كان يقول: «سبحان ذي الجبروتِ، والملكوتِ، والكِبرياءِ، والعَظَمة» (٣)، وكان ركوعه مناسبًا لقيامه في التَّطويل والتَّخفيف (٤)، وهذا بيِّنٌ في سائر الأحاديث. قوله: «وربَّما قال: «اللَّهم لك رَكَعت، وبك آمنتُ، ولك أسلمت .... »؛ لما روى علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ ، إذا ركع، قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي»، رواه مسلم. قوله: «وربَّما كان يقول: «سبحان ذي الجبروتِ، والملكوتِ … »؛ لما روى عوف بن مالك ﵁ مرفوعاً: «ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك»، في مسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي بإسناد حسن. فهذه الأذكار ينبغي للمسلم أن يحفظها؛ لأنها تحيي الصلاة، ويكون هناك خشوع القلب وحضوره. قوله: «وكان ركوعه مناسبًا لقيامه في التَّطويل والتَّخفيف … » أي: هدي

стр. 54

فَصْلٌ ثم كان يرفع رأسه، قائلًا: «سمع الله لمن حمده» (١)، ويرفع يَدَيه كما رفعهما عند الركوع (٢)، فإذا اعتدل قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد» (٣)، وربَّما النبي ﷺ إذا أطال القيام أطال الركوع، واذا قصر القيام قصر الركوع؛ لما روى عوف بن مالك ﵁ مرفوعاً: «ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك»، في مسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي بإسناد حسن. قوله: «فصلٌ: ثم كان يرفع رأسه، قائلًا: «سمع الله لمن حمده»، ويرفع يَدَيه .... » أي يكون التسميع أثناء الرفع كما تقدم، ويرفع يديه، وهذا الموضع الثالث من المواضع التي ترفع فيه الأيدي، وهو عند الرفع من الركوع، وهذا يقول به الأئمة الثلاثة خلافًا للإمام أبي حنيفة. وقد دلَّ له حديث ابن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه»، متفق عليه. وحديث مالك بن الحويرث، وعن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث ﵁ إذا صلَّى كبَّر، ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدَّث: «أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا»، رواه مسلم. قوله: «فإذا اعتدل قائمًا قال: «ربنا ولكَ الحمد»، وربما قال: «ربنا لك الحمد»» التحميد ورد له أربع صيغ، وقد ذكر المؤلف صيغتين:

стр. 55

قال: «ربَّنا لك الحمد»، وربَّما قال: «اللَّهم ربَّنا لك الحمد، ملءَ السَّموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَّد» (١). الأول: الجمع بين (اللهم) و (الواو): (اللهم ربنا ولك الحمد)، أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁. الثاني: حذف الواو فقط: (اللهم ربنا لك الحمد) رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة ﵁. الثالث: حذف (اللهم) فقط: (ربنا ولك الحمد)، رواه البخاري، ومسلم عن عائشة ﵂. الرابع: حذف (اللهم) و (الواو): (ربنا لك الحمد)، وهذا رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁. والأفضل: أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة. قوله: «وربما قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ .... »؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، رواه مسلم.

стр. 56

وربَّما زاد على ذلك: «اللَّهم طهِّرني بالثَّلج والبَرَد والماء البارِد، اللَّهم طهِّرني من الذُّنُوب والخطايا كما ينقَّى الثَّوب الأبيض من الوَسَخ» (١)، وكان يُطِيْل هذا الرُّكن حتَّى يقول القائل: «قد نَسِي» (٢)، قوله: «وربما زاد على ذلك: اللهم طهرني بالثلج .... »؛ لما روى عبد الله بن أبي أوفى ﵁، يحدث عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللهم لك الحمد ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ»، رواه مسلم. فهذه الأذكار وإن كانت مستحبة، والواجب هو التسبيح والتحميد، ينبغي لطالب العلم أن يحفظها وأن يردِّدها في صلاته، فهذه تحيي الصلاة وتحضر القلب. والمسلم له من صلاته على ما عقل منها كما قال ابن عباس ﵄. قوله: «وكان يطيل هذا الركن حتى يقول القائل: قد نسي»؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم، كما رأيت النبي ﷺ يصلي بنا»، قال ثابت: «كان أنس بن مالك يصنع شيئا لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي». كيف ذلك؟ نفهم أن صلاة النبي ﷺ متناسبة؛ الركوع، والرفع من الركوع والسجود، والجلسة بين السجدتين، قريبٌ من السواء، لحديث البراء ﵁ قال: «كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريبا

стр. 57

وكان يقول في صلاة اللَّيل فيه: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد» (١). من السواء»، رواه البخاري، ومسلم. كيف كان أنس يجلس حتى يقول القائل: قد نسي، ويقوم حتى يقول القائل: قد نسي؟ أجاب عنه ابن القيم ﵀ في كتابه [زاد المعاد] قال: «وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة وأحدثوه فيها، كما أحدثوا فيها ترك إتمام التكبير ..... ، والناس تبعٌ لأمرائهم، وأنس كان يطبِّق السنَّة يقوم ويمكث إلى قدر الركوع، فيقول القائل: قد نسي». ولهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ القيام بعد الركوع ليس واجبًا، لو هوى من الركوع إلى السجود مباشرة صح، والجلسة بين السجدتين أيضًا يرى أنها ليست واجبة، لو أنه سجد ثم رفع رأسه ثم سجد مباشرة أجزأ ذلك، ولهذا تجد الآن بعض إخواننا الذين يتابعون مذهب الإمام أبي حنيفة يرفع من الركوع ثم يهوي مباشرة، ويرفع من السجود ثم يهوي؛ لأنهم لا يرون وجوب هذين الركنين. قوله: «وكان يقول في صلاة الليل: لربي الحمد، لربي الحمد» أي: إذا أطلت الركوع تطيل أيضًا القيام بعده؛ لأن القيام بعد الركوع قدر الركوع السنَّة. فإذا أتيت بالذكر الذي ذكره المؤلف: «ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض ..... » إلخ، تُكرر: «لربي الحمد، لربي الحمد، لربي الحمد»، وقد تكون خلف إمام يصلي في قيام رمضان إلى آخره ويطيل الركوع والقيام بعد الركوع، فأنت تكرر: «لربي الحمد، لربي الحمد، لربي الحمد» إلى آخره حتى يكون قريبًا من الركوع؛ لما روى حذيفة ﵁: أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فكان يقول: «الله أكبر ثلاثا ذو الملكوت والجبروت والكبرياء

стр. 58

فَصْلٌ ثُمَّ يكبِّرُ ويخرُّ ساجدًا، ولا يرفع يَدَيه، والعظمة»، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم» ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من قيامه، يقول: «لربي الحمد» ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه» رواه أبو داود. قوله: «فصلٌ: ثم يُكبِّر ويخرُّ ساجدًا ولا يرفع يديه» أي: يكبر أثناء الانتقال كما تقدم، وتقدم دليله قريباً. لما أنهى ما يتعلق بصفة الركوع والقيام بعده شرع الآن في بيان صفة السجود قال: «ثم يُكبِّر ويخرُّ ساجدًا ولا يرفع يديه» هذا الموضع الرابع؛ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم: «وكان لا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود» رواه البخاري. ولمسلم: «ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود»، وله أيضًا: «ولا يرفعهما بين السجدتين». ولما روى علي ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبَّر»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحَّحه أحمد، وقوله: «وإذا قام من السجدتين» أي: التشهد الأول. والرأي الثاني: أنه يرفع يديه إذا أراد السجود، وهو رواية عن أحمد، وبه قال القاسم بن محمد، وسالم، والحسن البصري، وعطاء، وقول لمالك، وقول

стр. 59

وكان يَضَع رُكْبَتَيه قبل يَدَيه، هكذا قال عنه وائل بن حجر (١)، وأنس بن للشافعي، وبه قال ابن المنذر. والرأي الثالث: أنه يرفع يديه عند كل خفض ورفع، وهو رواية عن أحمد. واستدلوا: بما روى ميمون المكي «أنه رأى عبد الله بن الزبير يُشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام … وفيه: قال ابن عباس: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله ﷺ فاقتد بعبد الله بن الزبير» رواه أبو داود. وبحديث وائل بن حُجر ﵁ مرفوعًا، وفيه: «وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه حتى فرغ من صلاته» رواه أحمد، وأبو داود، وقال: «روى هذا الحديث همام عن أبي جحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود». وأيضًا: حديث مالك بن الحويرث: «أنه رأى نبي الله ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع من رأسه من سجوده حتى يُحاذي بهما فروع أذنيه» رواه النسائي. قال البخاري في جزء رفع اليدين: «ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد»، إشارة إلى ضعف ما ورد في الرفع من السجود، وقد تقدم عن ابن عمر ﵄ كما في الصحيحين نفي الرفع بين السجدتين. قوله: «وكان يضع ركبتيه قبل يديه هكذا قال عنه وائل بن حُجْر … » هذه المسألة التي أطال فيها المؤلف ﵀، وذكر تناظر العلماء في هذه المسألة وما استدل به كل فريق، وهي: إذا انحطَّ من قيامه إلى سجوده هل يبدأ بيديه أو يبدأ

стр. 60

مالك (١). وقال عنه ابن عمر: «إنَّه كان يضعُ يَدَيه قبل رُكْبَتَيه» (٢). واختُلِفَ على أبي هريرة، ففي السُّنَن، عنه، عن النبي ﷺ : «إذا سجد أحدُكُم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يَدَيه قبل رُكْبَتَيه» (٣). وروى عنه المقبري، عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا سجد أحَدُكم فليبدأ برُكْبَتَيْه قبل يَدَيْه» (٤). فأبو هريرة قد تعارضت الرِّواية عنه، وحديث وائل وابن عمر قد تعارَضَا. بركبته؟ هل يبدأ باليدين أو يبدأ بالركبتين؟ وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، واختاره ابن عبد البر. وعند مالك، وابن حزم، والأوزاعي: السنة تقديم اليدين على الركبتين. وعن الإمام مالك: أنه مخيّر؛ لاختلاف الآثار. استدل أهل الرأي الأول: بحديث وائل بن حجر: «رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن السكن في صحيحهما، وقال البخاري والترمذي وأبو داود: «تفرد به شريك»، وذكر ابن القيم أن فيه قلباً على الراوي. وله شاهد عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁ قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه» رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وصحَّحه الحاكم على شرطهما، لكن قال البيهقي: «تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول».

стр. 61

فرجَّحَت طائفةٌ حديث ابن عمر، ورجَّحَت طائفةٌ حديث وائل بن حجرٍ، وسَلَكت طائفةٌ مسلك النَّسخ، وقالت: كان الأمر الأوَّل وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين، ثم نُسِخ بوضع الرُّكبتين أولًا. وهذه طريقة ابن خزيمة قال: «ذكر الدَّلائل على أنَّ الأمر بوضع اليَدَين عند السجود منسوخٌ؛ وأنَّ وضْعَ الرُّكبتين قبل اليَدَين ناسخٌ». ثُمَّ روى من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدَّثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد قال: «كُنَّا نَضَع اليَدَين قبل الرُّكْبَتَين، فأُمِرْنا بالرُّكبتين قبل اليَدَين» (١). وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين»، وفي إسناده إسماعيل بن يحيى بن سلمة، وهو متروك. وورد عن عمر ﵁ عند عبد الرزاق بإسناد صحيح، وابن مسعود ﵁ عند الطحاوي، وابن عمر ﵄، كما في مصنف ابن أبي شيبة. واستدل أهل الرأي الثاني: بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه»، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأعلَّه البخاري، والترمذي، والدارقطني. قال الترمذي: «غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه». فالحديث تفرد به الدراوردي، وفيه أيضًا محمد بن عبد الله العلوي، قال البخاري: «محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه». ولحديث أبي هريرة ﵁ شاهد من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا، صحَّحه ابن خزيمة، والحاكم. وذكره البخاري معلقًا موقوفًا على ابن عمر ﵄.

стр. 62

وهذا لو ثَبَت لكان فيه الشِّفاء، لكن يحيى بن سلمة بن كهيل قال البخاريُّ: «عنده مناكير»، وقال ابن معين: «ليس بشيءٍ، لا يُكْتَب حديثه»، وقال النَّسائي: «متروك الحديث». وهذه القِصَّة مِمَّا وُهِّمَ فيها يحيى أو غيره، وإنَّما المعروف عن مصعب بن سعد، عن أبيه نسخ التَّطبيق في الرُّكوع بوضع اليَدَين على الرُّكبتين، فلم يحفظ هذا الرَّاوي، وقال: «المنسوخ وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين». قال السَّابقون باليَدَين: قد صحَّ حديث ابن عمر؛ فإنَّه من رواية عبيد الله، عن نافع، عنه. قال ابن أبي داود: «وهو قول أهل الحديث». قالوا: وهم أعلم بهذا من غيرهم؛ فإنَّه نقلٌ محضٌ. قالوا: وهذه سُنَّةٌ رواها أهل المدينة، وهم أعلم بها من غيرهم. قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان: أحدهما: محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. والثَّاني: الدَّراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قالوا: وحديث وائل بن حُجْر له طريقان، وهما معلولان، في إحداهما شريكٌ، تفرَّد به. قال الدَّارقطنيُّ: «وليس بالقويِّ فيما يتفرَّدُ به». والطَّريق الثَّاني: من رواية عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، ولم يسمع منه. قال السَّابقون بالرُّكبتين: حديث وائل بن حُجْر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر. وقال ابن حجر: «وحديث أبي هريرة أقوى من حديث وائل بن حجر». عندنا قاعدة وهي: «أن حركات الصلاة على مقتضى الطبيعة» إلا فيما دلَّ له الدليل، ومقتضى الطبيعة أن تقدم الأسافل قبل الأعالي، إلا عند الحاجة، إذا كان الإنسان يحتاج إلى هذا ككبير السن يحتاج أنه يقدم يديه على ركبتيه أو مثلًا إذا كان ثقيلًا يعني أخذه اللحم يحتاج أن يقدِّم ركبتيه على يديه. وأيضًا مما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور أهل العلم، مما يؤيد ذلك: أن الشارع

стр. 63

قال البخاريُّ: «حديث أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة=لا يُتَابَع عليه محمد بن عبد الله بن الحسن». قال: «ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا؟». وقال الخطَّابيُّ: «حديث وائل بن حُجْر أثبت منه». قال: «وزَعَم بعض العُلماء أنَّه منسوخٌ؛ ولهذا لم يحسِّنه التِّرمذي، وحكم بغرابته، وحسَّن حديث وائلٍ». قالوا: وقد قال في حديث أبي هريرة: «لا يبرك كما يبرك البعير»، والبعير إذا برك بدأ بَيَدَيه قبل ركبتيه، وهذا النَّهْي لا يمانِعُ قوله: «وليضع يَدَيه قبل ركبتيه»، بل ينافيه. ويدلُّ على أنَّ هذه الزيادة غير محفوظةٍ، ولعلَّ لفظها انقلب على بعض الرُّواة. قالوا: ويدلُّ على ترجيح هذا أمران آخران: أحدهما: ما رواه أبو داود، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أنْ يعتمد الرجل على يَدَيه في الصَّلاة». وفي لفظٍ: «نهى أن يعتمد الرَّجل على يَدَيْه إذا نهَض في الصَّلاة» (١)، ولا ريب أنَّه إذا وضع يَدَيه قبل رُكْبَتيه اعتمد عليهما، فيكون قد أوقع جُزْءًا من الصَّلاة معتمِدًا على يَدَيه بالأرض. وأيضًا فهذا الاعتماد في السُّجود نظير الاعتماد في الرَّفع منه سواء؛ فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك. الثَّاني: أنَّ المصلِّي في انحطاطه ينحطُّ منه إلى الأرض الأقرب إليها أوَّلًا، ثُمَّ الذي مِنْ فَوْقِهِ، حتى ينتهي إلى أعلى نهى عن التشبُّه بالحيوان وخصوصًا في الصلاة، فالنبي ﷺ نهى عن التفاتٍ كالتفات الثعلب، وعن نقرٍ كنقر الغراب، ولا شك أنه إذا قدَّم يديه شابه في الهيئة، شابه نزول البعير، هذا ما فيه إشكال. فالذي يظهر والله أعلم: أنه يقدم ركبتيه إلا عند الحاجة، فإنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه.

стр. 64

ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السُّجود ارتفع أعلى ما فيه أوَّلًا، ثُمَّ الذي دونه، حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه. والله أعلم. فَصْلٌ ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويَدَيه ورُكْبَتيه وأطراف قَدَمَيه (١)، قوله: «فصلٌ: ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه … » هنا شرع المؤلف ﵀ في بيان هيئة السجود، وهو ركن من أركان الصلاة بالإجماع فقال ﵀: «فصلٌ: ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه» السجود على الأعضاء السبعة واجب؛ لقول ابن عباس: «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعرا ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين» متفق عليه. ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه»، متفق عليه. ولحديث أبي حميد ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض»، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح». وأيضًا السجود له صفتان: * صفةٌ مجزئة. * وصفةٌ كاملة. أما الصفة المجزئة: كيفما سجد على هذه الأعضاء السبعة، قال العلماء: يكفي بعض العضو، فبعض الرجل يكفي، وبعض اليد والأنف يكفي، إلى آخره. الصفة الكاملة: هي التي سيبينها المؤلف ﵀.

стр. 65

ويستقبل بأصابع يَدَيه ورِجْلَيه القبلة وكان يعتمد على إِلْيَتَي كَفَّيْه، ويرفع مِرْفَقيه، ويجافي عضديه عن جَنْبَيه، حتى يبدو بياض إبْطَيْه، قوله: «ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة» أي يستقبل بأصابع يديه القبلة كما جاء في حديث أبي حميد في [صحيح البخاري]. والكفان في السجود لهما صفتان: الصفة الأولى: أن تكون حذو المنكبين؛ لما روى أبو حميد «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه»، رواه أبو داود، والترمذي وصحَّحه، وتقدم. الصفة الثانية: تضعهما حذو الأذنين كما جاء في حديث وائل بن حُجْر في [صحيح مسلم]: «سجد بين كفيه». قوله: «وكان يعتمد على إِلْيَتَي كَفَّيْه، ويرفع مِرْفَقيه، ويجافي عضديه … » باتفاق الأئمة؛ لما روى عبد الله بن بحينة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه»، متفق عليه. ولحديث ميمونة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بَهْمَة أن تمر بين يديه لمرَّت»، أخرجه مسلم. وعن آدم بن علي قال: «رآني ابن عمر ﵄ وأنا أُصلي لا أتجافى عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تبسط بسط السبع، وادَّعِم على راحتيك، وأَبْد ضَبْعَيْك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك»، أخرجه عبد الرزاق في المصنف. وإسناده صحيح. وعن أبي إسحاق قال: «ما رأيت سجدةً أعظم من سجدته يعني ابن

стр. 66

ويرفع بطنه عن فَخِذَيه، وفَخِذَيه عن ساقيه، ويعتدل في سجوده، ويمكِّن وجهه من الأرض، الزبير ﵄»، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف. وإسناده صحيح. وهذا إذا لم يكن هناك أذية، إذا كان مأموم قد يكون هناك أذية، لكن إذا كان يصلي منفردًا. قوله: «ويرفع بطنه عن فَخِذَيه، وفَخِذَيه عن ساقيه» باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي حميد ﵁ عند أبي داود: «إذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه»، رواه أبو داود، وأشار إلى تعليله. ولما رواه أحمد، عن وائل الحضرمي «أنه رأى النبي ﷺ صلى فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده»، إسناده حسن. وقوله في الحديث: «وخوَّى في سجوده»، خَوَّى البعير تَخْوِيَةً: إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده. قال ﵀: «ويعتدل في سجوده»؛ لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»، متفق عليه، ومن الاعتدال ألَّا يمتد في سجوده، ولا ينضم بأن يجعل بطنه على فخذيه، وفخذيه على ساقيه. قوله: «ويمكِّن وجهه من الأرض»؛ لحديث أبي حميد ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض»، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح».

стр. 67

مباشرًا به للمصلَّى، غير ساجدٍ على كور العمامة (١). قوله: «مباشرًا به للمصلَّى، غير ساجدٍ على كور العمامة» أي: تباشر أعضاء السجود تباشر الأرض؛ لحديث أنس ﵁ في البخاري قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدَّة الحر مكان السجود»، هذا يدل على أنهم كانوا يباشرون الأرض. وفي صحيح مسلم من حديث خبَّاب بن الأرت ﵁ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يُشكِنا»، هذا يدل على أنهم يباشرون الأرض. واعلم أن الحائل ينقسم ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون الحائل من أعضاء السجود، فهنا لا يُجزئ السجود، كما لو وضع رجلاً على رجل، أو سجد على يده. القسم الثاني: أن يكون الحائل من غير أعضاء السجود وهو منفصل عن المصلي، فلا بأس كسجادة الحصير، إلى آخره؛ لحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ صلَّى على الحصير»، رواه البخاري ومسلم. وصلَّى على الخُمرَة رواه البخاري ومسلم من حديث ميمونة ﵂، لكن قال العلماء: يُكرَه أن يخص جبهته بشيءٍ يسجد عليه؛ لأن هذا تشبه بالرافضة. القسم الثالث: أن يكون متصلًا بالمصلي مثل العمامة أو الطاقية ونحو ذلك فهذا يُكرَه كما تقدم من حديث أنس وحديث خبَّاب إلا عند الحاجة، كما لو كان هناك حاجة غبار أو شوك أو شدة برد أو شدة حر فإن هذا جائز ولا بأس بذلك.

стр. 68

قال أبو حُمَيْد السَّاعدي وعشرة من الصَّحابة يسمعون كلامه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا، ويرفع يَدَيه حتَّى يحاذي بهما مِنْكَبَيه، فإذا أراد أنْ يركع رفع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيه، ثُمَّ قال: «الله أكبر»، فرفع ثُمَّ اعتدل، فلم يصوِّب رأسه ولم يُقْنِعه، ووضع يَدَيه على ركبتيه، ثُمَّ قال: «سمع الله لمن حمده»، ثُمَّ رفع واعتدل، حتى رجع كُلُّ عظمٍ في موضعه معتدلًا، ثُمَّ هوى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثُمَّ جافى وفتح عضدَيْه عن بطنه، وفتح أصابع رِجْلَيه، ثُمَّ ثَنَى رِجْله اليُسْرى، وقعد عليها، واعتدل، حتى يرجع كُلُّ عظمٍ موضعه معتدلًا، ثُمَّ هَوَى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثم ثَنَى رجله وقعد عليها، حتى يرجع كُلُّ عضوٍ إلى موضعه، قوله: «قال أبو حُمَيْد السَّاعدي وعشرة من الصَّحابة يسمعون كلامه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا، ويرفع يَدَيه حتَّى يحاذي بهما مِنْكَبَيه .... » حديث أبي حميد ﵁ حديث جامع في صفة صلاة النبي ﷺ ، رواه البخاري، وأحمد وأبو داود، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه يزيد بعضم على بعض. فينبغي لطالب العلم أن يحفظ الأحاديث الجوامع، هيئات العبادة وردت فيها أحاديث جوامع؛ * الوضوء حديث عثمان ﵁ في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين. * التيمُّم حديث عمَّار ﵁ في الصحيحين. * الغسل حديث عائشة وحديث ميمونة ﵄ في الصحيحين. * صفة الصلاة حديث أبي حميد، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي مسعود،

стр. 69

ثُمَّ نَهَض فصنع في الركعة الثَّانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السَّجْدَتَيْن كبَّر ورَفَع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيْه، كما صَنَع حين افتتح الصَّلاة، ثُمَّ صنع كذلك، حتى إذا كانت الرَّكعة التي تنقضي فيها الصَّلاة أخَّر رِجْلَه اليُسرى، وقعد على شِقِّه متورِّكًا، ثُمَّ سلَّم» (١). وكان يقول في سجوده: «سبحان ربِّي الأعلى»، ورُوِيَ أنَّه كان يزيد عليها: «وبحمده» (٢). وحديث وائل ﵃، أحاديث جوامع تقدمت قريبًا. * مقادير الزكاة حديث أبي بكر كما رواه أنس ﵄، فرقه البخاري في صحيحه. * الحج حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ في مسلم. هذه أحاديث جوامع ينبغي لطالب العلم لا بد أن يحفظ مثل هذه الأحاديث، تُعلِّمها الناس؛ إذا حفظت مثل حديث أبي حُميد وشرحته للناس، هذا فيه خير كثير، تشرحه وتبيِّنه للناس كي يكون على بيِّنة وهدى، فالأحاديث الجوامع هذه مهمة جدًّا يُعنَى بها طالب العلم ويحفظها. قوله: «وكان يقول في سجوده: «سبحان ربِّي الأعلى»» هذا في مسلم من حيث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِيَّ الأَعْلَى»، وهذه التسبيحة كما أشرنا واجبة عند الحنابلة خلافًا للجمهور. قوله: «ورُوِيَ أنَّه كان يزيد عليها: «وبحمده»» زيادة «وبحمده» من حديث

стр. 70

وربَّما قال: «اللَّهم لك سجدتُّ، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للَّذي خلقه، وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» (١). وكان يقول أيضًا: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، اللَّهم اغفر لي» (٢). وكان يقول: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلَّا أنت» (٣). وكان يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح» (٤). عقبة بن عامر ﵁، لم تثبت كما تقدم فريبًا؛ والإمام أحمد ﵀ قال: «أما أنا فلا أقول: وبحمده». قوله: «وربَّما قال: «اللَّهم لك سجدتُّ، وبك آمنت، ولك أسلمت … »؛ لحديث علي ﵁، وفيه: «وإذا سجد، قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»، رواه مسلم. قوله: «وكان يقول أيضًا: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، اللَّهم اغفر لي»»؛ لما روت عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»»، خرجاه في [الصحيحين]. قوله: «وكان يقول: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلَّا أنت»» رواه مسلم من حديث عائشة ﵂، وتقدم. قوله: «وكان يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح»»؛ لما روت

стр. 71

وكان يقول: «اللَّهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّه، وأوَّله وآخره، وعلانيته وسِرَّه» (١). وكان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٢). عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح»، رواه مسلم. قوله: «وكان يقول: «اللَّهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّه، وأوَّله وآخره … » أيضًا هذا في مسلم. قوله: «وكان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك .... »؛ لما روت عائشة ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، رواه مسلم. هل يرص عقبيه أو لا يرص عقبيه؟ حديث عائشة ﵂ السابق في مسلم «فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان» يدل على أن النبي ﷺ قارب بين القدمين، لكن رصَّ العقبين غير ثابت جاء في صحيح ابن خزيمة: «فكان ساجدًا راصًّا عقبيه».

стр. 72

وكان يجعل سجوده مناسبًا لقِيامه، ثُمَّ يرفع رأسه قائلًا: «الله أكبر»، غير رافعٍ يَدَيه، ثُمَّ يفرش رِجْله اليُسرى، ويجلس عليها، وينصب اليُمْنى، ويضع يَدَيه على فخذيه. فحديث ابن خزيمة أصله في صحيح مسلم دون زيادة «راصًّا عقبيه»، لفظة شاذة. قوله: «وكان يجعل سجوده مناسبًا لقِيامه، ثُمَّ يرفع رأسه» أشرنا إليه كما تقدم في حديث البراء بن عازب ﵁. قوله: «ثُمَّ يرفع رأسه قائلًا: «الله أكبر»، غير رافعٍ يَدَيه، ثُمَّ يفرش رِجْله اليُسرى … » أي في الجلسة بين السجدتين، صفة الجلسة بين السجدتين صفتان: * مجزئة. * وكاملة. المجزئة: كيفما جلس. أما الكاملة: فهي الافتراش، ينصب رجله اليمنى وتكون أصابعها تجاه القبلة، ويفرش رجله اليسرى ظهرها إلى الأرض وبطنها يجلس عليه، هذه كيفية الافتراش، وهي الأصل في جلسات الصلاة؛ لحديث أبي حميد الساعدي ﵁ مرفوعًا، وفيه: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى»، رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: «إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى»، رواه البخاري. وقال ابن عمر ﵄: «من سنة الصلاة أن ينصف القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى»، رواه النسائي بإسناد صحيح.

стр. 73

ثُمَّ يقول: «اللَّهُم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني». وفي لفظٍ: «وعافني» بدل: «واجبرني»، هذا حديث ابن عباس (١). وقال حذيفة: كان يقول بين السَّجدَتَين: «ربِّ اغفر لي» (٢). والحديثان في السُّنن، فالقاعدة: أن الأصل في جلسات الصلاة الافتراش، يُستثنى من ذلك التورُّك في الركعة الأخيرة كما سيأتينا إن شاء الله. ولما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى»، رواه مسلم. أما بالنسبة لكفيه فتكون مبسوطة الأصابع على فخذيه هذا ما عليه عامة أهل العلم. قوله: «ثُمَّ يقول: «اللَّهُم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني .... » أي يقول في الجلسة بين السجدتين، ثم أورد المؤلف حديثين: الحديث الأول: حديث ابن عباس ﵄ كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني»، رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه، تفرد به كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، وحديث مبيت ابن عباس في الصحيحين، وليس فيه هذه الزيادة. وفي وهذا لفظ أبي داود والحاكم. وعند الترمذي وابن ماجه: «واجبرني» بدل «وعافني»، وعند ابن ماجه أيضا: «وارفعني» بدل «واهدني».

стр. 74

وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو: «قد نسي» (١). فَصْلٌ ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه، ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى، الحديث الثاني: حديث حذيفة ﵁ ذكر صفة صلاة النبي ﷺ وفيه قال: وكان يقول في سجوده «سبحان ربي الأعلى»، وكان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي رب اغفر لي»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، إسناده صحيح. قوله: «وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو: «قد نسي»» تكلَّمنا عليه فيما تقدم من حديث أنس ﵁. قوله: «فصْلٌ: ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه» أي لا يرفع يديه عند السجود؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، وسبق الكلام عليه. قوله: «ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى»؛ كما جاء في حديث المسي صلاته «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، غير الاستفتاح. وظاهر كلامه: أنه يستعيذ في الركعة الثانية، ولو استعاذ في الأولى، والمذهب: أنه إذا استعاذ في الأولى لا يستعيذ في الثانية. قال ﵀: «ثم يرفع رأسه مكبِّرًا» يعني يقوم للركعة الثانية مكبرًا، ويكون التكبير أثناء الانتقال كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «ثم يكبر حين يرفع»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 75

ثُمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه (١). قوله: «وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه» أي ينهض على صدور القدمين، ولا يجلس للاستراحة؛ لما روى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه»، أبو داود، مرسل ضعيف. وعند مالك، ومذهب الشافعية: الأفضل أن يعتمد على الأرض بيديه؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: «فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام»، رواه البخاري. وعن الأزرق بن قيس قال: «رأيت ابن عمر ﵄ ينهض في الصلاة ويعتمد على يديه»، أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح. وأما القيام عجنًا فلم يثبت عن النبي ﷺ . وقيل: ينهض بالاعتماد على اليدين المقبوضتين على هيئة العاجن، ذهب إلى هذا بعض الشافعية؛ عن الأزرق بن قيس، قال: «رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله». غريب الحديث، ذكر العجن فيه لا يثبت. وقيل: إن جلس للاستراحة قام معتمدًا على يديه، وإن لم يجلس للاستراحة قام معتمدًا على صدور قدميه وركبتيه، وهذا دل له كلام الإمام أحمد، وهذا أقرب.
следующие страницы →