← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123510

شرح مسند الشافعي

الرافعي

Полный текст (1 876 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرحُ مُسْنَد الشَّافِعيِّ تأليفُ الإِمام العلَّامة حُجَّة الإِسلام عبد الكريم بن محمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني أبي القاسم الرافعي الشافعي المتوفى سنة ٦٢٣هـ حقّقه أبو بكر وائل محمَّد بكر زهران (دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث) المجلد الأول إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية إدارة الشؤون الإِسلامية دولة قطر

стр. 2

شرح مسند الشافعي

стр. 3

حُقُوق الطبع مَحْفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية إدارة الشؤون الإِسلامية دولة قطر الطَبعة الأولى/ ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إدارة الشؤون الإِسلامية الحمدُ لله حقَّ حمده, والصلاةُ والسلامُ على نبيه وآله وصحبه. أما بعد: فإنَّ "شرحَ مسند الإمام الشافعي" للإمام أبي القاسم الرافعي (ت ٦٢٣ هـ) يوضح أدلة الفقه الشافعي من السنة النبوية، وقد أفاضَ الإمامُ الرافعي في بيان الأحاديث ورواتِها وعللِ بعضِها، بما يغني القاريء عن مراجعة كتب علم الرجال، والكتاب مليءٌ بالفوائدِ الفقهيةِ والحديثيةِ، إذا لا يخفى أن الإِمام الرافعيَّ يقفُ في مقدمة علماء الشافعية، هو والإمامَ النوويّ, فهما معتمدان في تقرير أحكامِ المذهبِ. وقد حَظيَ الكتابُ بقراءةٍ وتعليقاتٍ نافعةٍ، ونأملُ أن يسدَّ ثغرة في المكتبة الإِسلامية، فهو يُنشر للمرة الأولى بعد أن بقي قرونًا طويلةً بعيدًا عن أيدي القُرَّاءِ. ومما يجدرُ التنبيه إليه أن "مسند الشافعي" الذي شرحه الرافعي، مستل من "كتاب الأم" النسخة المصرية التي تمثل فقه الشافعي الجديد، وللشافعي "كتاب الرسالة" المشهورة، وهو أيضًا إصداران: في العراق أولًا ثم في مصر ثانيًا، وكانت النسخة المصرية عند الإِمام أحمد بن حنبل، وهذا ما لم تكشف عنه الدراساتُ الحديثةُ، فالحمدُ للهِ على توفيقِهِ. إدارة الشؤون الإِسلامية

стр. 5

شكر وتقدير إلى أستاذي الفاضل: الشيخ حسين عكاشة فقد راجع معي الكتاب وإلى أخي الحبيب الشيخ خالد الرباط صاحب دار الفلاح والأخ الفاضل أ/ محمود حمزة والأخ الفاضل/ أبي مهاب محمَّد فاروق رشاد على ما بذلوه من مجهودٍ كبير لإخراج الكتاب وإلى زوج أختي: أبو أحمد أشرف أبو زيد النزيلي على إحضاره لي المخطوط من جامعة الكويت فجزاهم الله خيرًا

стр. 6

مقدمة الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا ونبينا محمَّد أشرفِ الخلقِ وخاتَمِ الأنبياءِ والمُرسلين. وبعد فإنَّ كتاب مسند الإِمام الشافعيّ لا تخفى أهميته، وشرحه هذا يضاعف تلك الأهمية، حيث إن مؤلفه الإِمام الرافعي من كبار أئمة الشافعية، ومتفق على عظيم منزلته واعتماد آرائه في المذهب الشافعي، مع اعتنائه بعلوم الحديث رواية ودراية كما يظهر هذا من خلال كتابه هذا وغيره. ثم إنَّ النسخة الخطية التي اعتُمد عليها في تحقيقِ هذا الشرح، تُعَدُّ وحيدةً في مكتبات المخطوطات المفهرسة، فهذا التحقيق والنشر الطباعي لها، يُعد إنقاذًا حقيقيًّا للكتاب من الهَلَكَةِ، التي تعرضت لها نسخ الكتاب الأخرى، كما أن في ذلك إحياء لما تضمنه هذا الشرح من معارف وآرء ونصوص لا يوجد مجموعها في غيره، ولا أعلم أن الكتاب قد طُبع قبل هذه الطبعة. وهذا من شأنه أن يحفز همم الناشرين إلى الإقبال عليه، والحرص على تعجيل طبعه. لكن الأخ الفاضل الشيخ "وائل بكر" محقق الكتاب، وكذلك بعض إخوانه الأفاضل، رغبوا إليَّ أن أكتب هذا التقديم المتواضع لتلك الطبعة الأولى للكتاب.

стр. 7

وقدم إليَّ الأخ المحقق ما كتبه في مقدمة التحقيق من التعريف بالإمام الشافعي، ومسنده والتعريف بالإمام الرافعي وشرحه، والتعريف بنسخة الشرح الخطية وبيان منهج تحقيق النص وتوثيقه والتعليق عليه. كما قدم لي بعض نماذج الشرح المحققة، وبعد مراجعة هذا كله، تحدثت مع الأخ المحقق في بعض الجوانب الأخرى مما لم أطَّلع عليه، وعلى ضوء ذلك أبديت له بعض الملحوظات اليسيرة في مباحث مقدمة التحقيق، فاستجاب مشكورًا لها. وبذلك يكون هذا العمل متميزًا، بما حواه من جهود متنوعة في مقدمات التحقيق، وفي إخراج النص محققًا وموثقًا ومعلقًا على ما رآه المحقق بحاجة إلى تعليق. ثم ما صُنع له من فهارس فنية تيسر الاستفادة من محتوياته، ولا سيما فهرس الرواة المعرف بهم خلال الشرح، وفهرس الأحاديث والآثار, والموضوعات، وغيرها. وأسألُ الله تعالى لنا وللأخ المحقق كل توفيق وسداد، وكذا لمن يسعى في إخراج هذا العمل إلى أيدي طلبة العلم إنه سميع مجيب. وكتب أ. د. أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث بجامعة الأزهر

стр. 8

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ لله نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُهُ، ونعوذ بالله مِنْ شرورِ أنفسنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣). أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمَّد ﷺ وشرَّ الأمورِ محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وبعد: فإن من أعظم حقوق علمائنا السابقين علينا أن نعمل على نشر كتبهم بعد ضبطها ضبطًا صحيحًا، فإن لم نستطع السداد فلنقارب؛ فإن علماءنا قد بذلوا جهدًا كبيرًا وعناءً وسهرًا حتى يقدموا لأمة الحبيب هذه الثمرات الطيبة، بل إن من علمائنا وسلفنا الصالح من كان يسافر السفر الطويل الشاق من أجل التقصي والبحث والضبط، فرحم الله سلفنا

стр. 9

الصالح، وجازهم يا الله عنا خير الجزاء. وإن من البر والإحسان أن نعمل على تقديم كل نافع ومفيد إلى طلبة العلم حتى يتزودوا به ويتسلحوا لأعداء هذا الدين، فنحن الآن والله نواجه حربًا على ديننا الحنيف، والواجب علينا هو طلب العلم الشرعي والتسلح به، ونشر كتب السلف الصالح. وإنه ليسعدني أن أقدم إلى أحبتي وإخواني في الله كتاب: "شرح مسند الشافعي" وهو كتاب نافع مفيد -إن شاء الله تعالى- يحوي من درر الفوائد الفقهية، وغرر العوائد الحديثية، ما تقر به الأعين، فلا يستغني عنه طالب فقه ولا حديث بإذن الله تعالى، سائلًا الله أن ينفع به المسلمين، وأن يسدد خطانا في سبيل ضبط ونشر كتب سلفنا الصالحين، رحمة الله عليهم أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وقد قمت بعمل مقدمة لهذا العمل الطيب المبارك، احتوت على ثلاثة أبواب: الأول: "الإِمام الشافعي ومسنده". الثاني: "التعريف بالإمام الرافعي وشرحه". الثالث: "منهج العمل في تحقيق الكتاب".

стр. 10

الباب الأول "مسند الإِمام الشافعي " وفيه مباحث: الأول: التعريف بالإمام الشافعي. الثاني: مسند الشافعي. الثالث: التعريف بالإمام الربيع راوي المسند. الرابع: التعريف بالإمام أبي العباس الأصمّ جامع المسند. الخامس: عناية العلماء بمسند الشافعي.

стр. 11

المبحث الأول "التعريف بالإمام الشافعي " (١) محمَّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، الإِمام عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي، الغزي المولد، نسيب رسول الله ﷺ وابن عمه؛ فالمطلب هو أخو هاشم والد عبد المطلب. مولده ونشأته: ولد الإِمام الشافعي في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي توفي فيها الإِمام أبو حنيفة النعمان ﵀. والمشهور الذي عليه الجمهور أنه ولد بغزة وقيل عسقلان، وقيل: باليمن. قال البيهقي: والذي يدل عليه سائر الروايات من ولادته بغزة ثم حمله منها إلى عسقلان ثم إلى مكة أشهر (٢). ومات أبوه إدريس شابًّا فنشأ محمَّد يتيمًا في حجر أمه فخافت عليه

стр. 12

الضيعة فتحولت به إلى مكة وهو ابن عامين فنشأ بمكة. طلبه للعلم: أقبل الإِمام الشافعي ﵁ على طلب العلم منذ الصغر، وكان قبل ذلك مقبلًا على الرمي حتى فاق فيه الأقران، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعةً، ثم أقبل على العربية والشعر فبرع في ذلك كله. يقول الشافعي عن نفسه: كنت يتيمًا في حجر أمي فدفعتني إلى الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي من أن أَخْلُفَهُ إذا قام، فلما جَمَعْتُ القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث والمسألة فأحفظهما، فلم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به القراطيس، فكنت أنظر إلى العظم فآخذه فأكتب فيه فإذا امتلأ طرحته في جرّة، فاجتمع عندي حُبَّان -جرة ضخمة-. (١) قال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد، وكان سبب أخذ الفقه: أنه كان يومًا يسير على دابة له وخلفه كاتب لأبي، فتمثل الشافعي بيت شعر، فقرعه كاتب أبي بسوط، ثم قال له: مثلك تذهب مروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟ قال: فهزه ذلك، فقصد مجالس الزنجيّ بن خالد وكان مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس. (٢) أخذ الشافعي العلم ببلده عن: مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعمه محمَّد بن علي بن شافع فهو ابن

стр. 13

عم العباس جد الشافعي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وسعيد بن سالم، وفضيل بن عياض، وعدة. وارتحل وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد أفتى وتأهَّل للإمامة إلى المدينة، فحمل عن مالك بن أنس "الموطأ" عرضه من حفظه، وقيل: من حفظه لأكثره، وحمل عن إبراهيم بن أبي يحيى فأكثر، وعبد العزيز الدراوردي, وعطاف بن خالد، وإسماعيل بن جعفر، وإبراهيم بن سعد، وطبقتهم. وأخذ باليمن عن: مطرف بن مازن، وهشام بن يوسف القاضي، وطائفة. وببغداد عن: محمَّد بن الحسن فقيه العراق ولازمه وحمل عنه وقر بعير، وعن إسماعيل بن علية، وعبد الوهاب الثقفي، وخلق. وصنف التصانيف، ودون العلم، وردَّ على الأئمة متبعًا الأثر، وصنف في أصول الفقه وفروعه، وبَعُدَ صيته، وتكاثر عليه الطلبة. حدث عنه: الحميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبو يعقوب يوسف البويطي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وحرملة بن يحيى، وموسى بن أبي الجارود المكي، وعبد العزيز المكي صاحب "الحيدة"، وحسين بن علي الكرابيسي، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، والحسن بن محمَّد الزعفراني، وأحمد بن محمَّد الأزرقي، وأحمد بن سعيد الهمداني، وأحمد بن أبي شريح الرازي، وأحمد بن يحيى بن وزير المصري، وأحمد بن عبد الرحمن الوهبي، وابن عمه إبراهيم بن محمَّد الشافعي، وإسحاق بن راهويه، وإسحاق بن بهلول، وأبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي المتكلم، والحارث بن سريج النقال، وحامد بن يحيى البلخي، وسليمان بن داود المهري، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص، وعلي بن

стр. 14

معبد الرقي، وعلي بن سلمة اللبقي، وعمرو بن سواد، وأبو حنيفة قحزم بن عبد الله الأسواني، ومحمد بن يحيى العدني، ومسعود بن سهل المصري، وهارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن سنان القطان، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع ابن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان الجيزي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر الخولاني، وخلق سواهم (١). مناقبه وأقوال العلماء فيه: صنف كبار العلماء في مناقب هذا الإِمام قديمًا وحديثًا، ونال بعض الناس منه غضًّا فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقلَّ من برز في الإمامة وردَّ على من خالفه إلا وعودي نعوذ بالله من الهوى، وهذه الأوراق تضيق عن مناقب هذا السيد. فأما جدهم السائب المطلبي، فكان من كبراء من حضر بدرًا مع الجاهلية فأسر يومئذ، وكان يشبَّه بالنبي ﷺ ، ووالدته هي الشفاء بنت أرقم بن نضلة ونضلة هو أخو عبد المطلب جد النبي ﷺ ، فيقال: إنه بعد أن فدى نفسه أسلم. وابنه شافع له رؤية، وهو معدود في صغار الصحابة. وولده عثمان تابعي، لا أعلم له كبير رواية. وكان أخوال الشافعي من الأزد. قال المزني: ما رأيت أحسن وجهًا من الشافعي ﵀ وكان ربما قبض على لحيته فلا يفضل عن قبضته.

стр. 15

وقال أبو عبيد: ما رأيت أعقل من الشافعي. وقال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة. قال الذهبي: هذا يدل على كمال عقل هذا الإِمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون. وقال معمر بن شبيب: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت مُحَمَّد ابن إدريس في كل شيء فوجدته كاملًا. وقال أحمد بن مُحَمَّد ابن بنت الشافعي: سمعت أبي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا. وقال تميم بن عبد الله: سمعت سويد بن سعيد يقول: كنت عند سفيان، فجاء وجلس فروى ابن عيينة حديثًا رقيقًا فغشي على الشافعي، فقيل: يا أبا مُحَمَّد مات مُحَمَّد بن إدريس، فقال ابن عيينة: إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه (١). عقيدته: كان الشافعي على عقيدة أهل السنة والجماعة مبغضًا لما سواها. قال الحاكم: سمعت أبا سعيد بن أبي عثمان، سمعت الحسن ابن صاحب الشاشي، سمعت الربيع، سمعت الشافعي وسئل عن القرآن فقال: أف أف القرآن كلام الله، من قال: مخلوق؛ فقد كفر. وقال أبو داود وأبو حاتم: عن أبي ثور، سمعت الشافعي يقول: ما

стр. 16

ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وقال محمَّد بن يحيى بن آدم: حدثنا ابن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: لو علم الناس ما في الكلام والأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال الزبير بن عبد الواحد: أخبرني علي بن محمَّد بمصر، حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: كان الشافعي بعد أن ناظر حفصًا الفرد يكره الكلام، وكان يقول: والله لأن يفتي العالم فيقال: أخطأ العالم خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق، وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله. قال الذهبي: هذا دال على أن مذهب أبي عبد الله أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع (١). قال المزني: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال: كان الشافعي إذا ثبت عنده الخبر قلده، وخير خصلة كانت فيه: لم يكن يشتهي الكلام إنما همته الفقه. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب ويورث الضغائن. وسمعنا الشافعي يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا

стр. 17

بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر ينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وسمعته يقول: تجاوز الله عما في القلوب، وكتب على الناس الأفعال والأقاويل. وعن الشافعي قال: ما كابرني أحد على الحق ودافع إلا سقط من عيني، ولا قبله إلا هبته واعتقدت مودته. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا. وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلته فكان من رسول الله ﷺ خلاف قولي مما صح فهو أولى، ولا تقلدوني. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بها ودعوا ما قلته. وسمعته يقول وقد قال له رجل: تأخذ بهذا الحديث يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله حديثًا صحيحًا ولم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب. وقال الحميدي: روى الشافعي يومًا حديثًا، فقلت: أتأخذ به؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة، أو علي زنار حتى إذا سمعت عن رسول الله ﷺ حديثًا لا أقول به. قال الربيع: وسمعته يقول: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثًا فلم أقل به.

стр. 18

ويروى أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. ومن أقواله ﵁: (١) بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. وعنه: ما رفعت من أحد فوق منزلته إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه. وعنه: ضياع العالم أن يكون بلا إخوان، وضياع الجاهل قلة عقله، وأضيع منهما من واخى من لا عقل له. وعنه: إذا خفت على عملك العجب فاذكر رضى من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب؛ فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله، آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة. قال محمَّد بن عصمة الجوزجاني: سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: ثلاثة أشياء دواء من لا دواء له، وأعيت الأطباء مداواته: العنب ولبن اللقاح وقصب السكر، لولا قصب السكر ما أقمت ببلدكم. وسمعته يقول: كان غلامي أعشى لم يكن يبصر باب الدار؛ فأخذت له زيادة الكبد فكحلته بها فأبصر. وعنه: عجبًا لمن تعشى البيض المسلوق فنام كيف لا يموت؟!. وعنه: الفول يزيد في الدماغ، والدماغ يزيد في العقل. وعنه: لم أر أنفع للوباء من البنفسج يدهن به ويشرب.

стр. 19

وعن الشافعي: العلم ما نفع، ليس العلم ما حفظ. وعنه: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل. وعنه: لو أعلم أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته. وقيل له: ما لك تكثر من إمساك العصا ولست بضعيف؟ قال: لأذكر أني مسافر. وقال: من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا. وقال: الخير في خمسة: غنى النفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، والتقوى، والثقة بالله. وعنه: أنفع الذخائر التقوى وأضرها العدوان. وعنه: اجتناب المعاصي وترك ما لا يعنيك ينور القلب عليك بالخلوة، إياك ومخالطة السفهاء ومن لا ينصفك، إذا تكلمت فيما لا يعنيك ملكتك الكلمة ولم تملكها. وعنه: لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس صرف إلى الزهاد. وعنه: سياسة الناس أشد من سياسة الدواب. وعنه: العاقل من عَقَلَهُ عَقْلُه عن كل مذموم. وعنه: للمروءة أركان أربعة حسن الخلق والسخاء والتواضع والنسك. وعنه: لا يكمل الرجل إلا بأربع: بالديانة والأمانة والصيانة والرزانة. وعنه: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته. وعنه: علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقًا. وعنه: من نم لك نم عليك. وعنه قال: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، التواضع يورث المحبة والقناعة تورث الراحة.

стр. 20

وقال: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلا من لا يرى فضله. وقال: ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه في قلبه. مصنفاته: (١) ١ - " الرسالة" وهو أول مؤلف ظهر في علم الأصول. ٢ - "الحجة" وهو الذي أملاه على تلامذته بالعراق، ويُعبَّر عن مسائله بأنها مذهب الشافعي القديم. ٣ - "أحكام القرآن" وهو كتاب عظيم النفع، ونموذج رائع في الكتابة الفقهية الأصلية. ٤ - "إبطال الاستحسان" يرد فيه على الحنفية القائلين به. ٥ - "جماع العلم" وهو انتصار للسنة والعمل بها. ٦ - "إثبات النبوة والرد على البراهمة". ٧ - "المبسوط" في الفقه رواه عنه الربيع بن سليمان والزعفراني. وفاته: توفي الإِمام الشافعي ﵁ في سنة ٢٠٤ هـ بمصر، حيث وافته المنية بأرضها وفيها كان الشافعي قد تكامل نموه، ونضجت آراؤه، ورأى في مصر ما لم يكن رآه من قبل من عرف، وحضارة، وآثار للتابعين.

стр. 21

المبحث الثاني "التعريف بمسند الشافعي " " مسند الإِمام الشافعي" مسند معروف متداول بين أهل الحديث والفقه، وهو كتاب لم يؤلفه الإِمام الشافعي ﵀، وإنما التقط من رواية أبي العباس الاسم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي من كتاب الأم وغيره فهو ينسب إلى الشافعي باعتبار أنه مجموع من رواياته الحديثية إلا أنه لم يستوعب جميع روايات الشافعي في كتبه. وقد أشار إلى ذلك الإِمام الرافعي في مقدمة شرحه هذا وعزا هذا الجمع والإخراج إلى الإِمام أبي العباس مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف الاسم، وقال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": إن الشافعي لم يعمل هذا المسند وإنما التقطه بعض النيسابوريين من "الأم" وغيرها من مسموعات أبي العباس الأصم التي كان انفرد بروايتها عن الربيع وبقي من حديث الشافعي شيء كثير لم يقع في هذا المسند، ويكفي في الدلالة على مالك قول إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة: إنه يعرف عن النبي ﷺ سنة لم يودعها الشافعي كتابه أ. هـ، وكم من سنة وردت عنه ﷺ لا توجد في هذا المسند أهـ. (١) وقال الروداني في "صلة الخلف": مسند الإِمام الشافعي ﵀ وهو الأحاديث التي أسند الشافعي مرفوعها وموقوفها ووقعت في مسموع أبي العباس الأصم عن الربيع بن سليمان من كتاب "الأم" والمبسوط إلا أربعة أحاديث رواها الربيع عن البويطي عن الشافعي التقطها مُحَمَّد بن

стр. 22

مطر النيسابوري من الأبواب لأبي العباس الأصم وقيل: بل جردها الأصم لنفسه (١). قلت: ومع صغر حجم هذا المسند وقلة أحاديثه بالنسبة لمرويات الإِمام الشافعي ﵀ إلا أنه التقط كيف اتفق فجاء غير مرتب وكثير التكرار، حتى إن الإِمام الرافعي في شرحه كثيرًا ما يعلق على ذلك فيقول: ولا أدري لِمَ ذكره أبو العباس هنا ثانية وهو معاد بلا فائدة. وقال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة": ولم يرتب الذي جمع أحاديث الشافعي أحاديثه المذكورة لا على المسانيد ولا على الأبواب وهو قصور شديد فإنه التقى بالتقاطها من كتب "الأم" وغيرها كيف اتفق؟ ولذلك وقع فيه تكرار في كثير من المواضع. أهـ. (٢) وقال الروداني في "صلة الخلف": ولم يرتبها -يعني المجرِّد لها- ولذلك وقع فيه تكرار في غير ما موضع. أهـ (٣) قلت: قد تبين لي من خلال كلام أهل العلم مع طول صحبتي للمسند من خلال عملي في شرح الإِمام الرافعي له بعض المعالم التي تتعلق بمنهج استخراج هذا المسند وترتيبه أُجْمِلها فيما يلي: ١ - أن أحاديث المسند مسرودة فيه على غير ترتيب ولا نسق وإنما هي مخرجة من أماكنها في كتب الشافعي ولا تكاد أحاديثها تنتظم ولا يتبع بعضها بعضًا ولا يفهم كل حديث منها لِمَ أخرجه الشافعي إلا بعد نظر وتَدَبُّر ورجوع إلى كتب الشافعي، ولعل الشافعي يكون قد أخرج ذلك الحديث لمعنى ويشتمل الحديث على غيره من المعاني فيظن أنه

стр. 23

إنما أخرجه لمعنى غير المعنى الذي أخرجه من أجله. ٢ - ومنها أن كثيرًا من الأحاديث قد جاء في المسند في غير موضعه من أحكام الفقه التي ذكر فيها كما في كتاب "الرسالة" وكتاب "اختلاف الأحاديث" وكتاب "اختلاف الشافعي ومالك" وغيرها، وكل واحد من هذه الأحاديث المودعة في هذه الكتب المذكورة هو دليل على حكم فقهي هو أول المواضع به؛ وإنما أورده الشافعي في هذه الكتب لبيان ما تضمنه اسم الكتاب المودع فيه من الفقه. ٣ - وأيضًا فإنه قد قرن بين بعض الكتب الفقهية والتي من الأولى أن تفرد كـ "كتاب الأشربة وفضائل قريش" وهو قد أفرد كتاب "الأشربة" من بعد. ٤ - وأيضًا فإن بعض الأبواب الفقهية قد اشتملت على أحاديث لا تتعلق بها. ٥ - وأيضًا فإن من الأحاديث ما قد تكرر أحيانا لفائدة كأن يروى مرسلًا ثم موصولًا، وأحيانا على الشك ثم بدونه، وإما بغير فائدة تتضح حتى للإمام الرافعي وهو يشرح الكتاب كما تقدم تصريحه بذلك. ٦ - وأيضًا فأحاديث المسند غير مرتبة على ترتيب أبواب الفقه المعتادة ولذا فقد يبذل الباحث جهدًا في الوصول إلى الحديث في مظنته. ٧ - كما أن الإِمام الأصمّ قد ذكر بعض أقوال الشافعي الفقهية عقب الأحاديث وقد عابه على إيرادها الإِمام الرافعي وهذا قليل نادر. ٨ - أخطأ الإِمام الأصم على الشافعي في بعض الأحاديث، وقد أوضح ذلك الإِمام البيهقي ﵀ في كتابه "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي". كذا بيَّن والإمام الرافعي في "شرحه" هذا وغيرهما.

стр. 24

٩ - بعض الأحاديث لم يروها الربيع عن الشافعي مباشرة وإنما رواها عن البويطي عن الشافعي استثباتًا منه، وأحيانًا يرويها مرة أخرى عن الشافعي بدون واسطة وهذا قليل جدًّا. ١٠ - هناك بعض الأحاديث لم يصرح الربيع بسماعها من الشافعي وفيها يقول: قال الشافعي. هذه بعض المعالم الرئيسية التي ظهرت لي في منهج جمع وتخريج مسند الشافعي والله أعلم.

стр. 25

المبحث الثالث "التعريف بالإمام الربيع" راوي المسند (١) الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، الإِمام، المحدث، الفقيه، الكبير، بقية الأعلام، أبو مُحَمَّد المرادي مولاهم المصري المؤذن، صاحب الإِمام الشافعي، وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط، ومستملي مشايخ وقته. مولده: ولد الربيع المرادي في سنة أربع وسبعين ومائة أو قبلها بعام. طلبه للعلم وأقوال العلماء فيه: كان الربيع المرادي من أكابر العلماء حيث إنه بلغ منزلة رفيعة واشتهر وازدحم عليه أصحاب الحديث. ولم يكن صاحب رحلة، فأما ما يروى أن الشافعي بعثه إلى بغداد بكتابه إلى أحمد بن حنبل فغير صحيح. سمع: عبد الله بن وهب، وبشر بن بكر التنيسي، وأيوب بن سويد الرملي، ومحمد بن إدريس المطلبي، ويحيى بن حسان، وأسد السنة، وسعيد بن أبي مريم، وأبا صالح، وعددًا كثيرًا. حدث عنه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وأبو عيسى بواسطة

стр. 26

في كتبهم، والواسطة الذي في "الجامع" هو مُحَمَّد بن إسماعيل السلمي، ومنهم: أبو زرعة، وأبو حاتم، وزكريا الساجي، وصالح بن مُحَمَّد، وابن أبي دؤاد، وابن صاعد، وأبو نعيم عبد الملك بن عدي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر بن زياد النيسابوري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن هارون الروياني، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو الحسن بن جوصا، وأبو علي بن حبيب الحصائري، وعيسى بن موسى البلدي، وأحمد بن بهز الفارسي، وأبو العباس الأصم، وأحمد بن مسعود العكري، وأبو الفوارس بن الصابوني، وخلق كثير من المشارقة والمغاربة. وطال عمره واشتهر اسمه وازدحم عليه أصحاب الحديث، ونعم الشيخ كان؛ أفنى عمره في العلم ونشره. قال النسائي وغيره: لا بأس به، وقال أبو سعيد بن يونس وغيره: ثقة. ورووا عن الربيع أنه قال: كل محدث حدث بمصر بعد ابن وهب كنت مستمليه. وقال علي بن قديد المصري: كان الربيع يقرأ بالألحان. وروي عن الشافعي أنه قال للربيع: لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك، وقال أيضًا: الربيع راوية كتبي. وقال أبو عمر بن عبد البر: ذكر مُحَمَّد بن إسماعيل الترمذي أسماء من أخذ عن الربيع كتب الشافعي ورحل إليه فيها من الآفاق فسمى نحو مائتي رجل. قال أبو عمر: وكان الربيع لا يؤذن في منارة جامع مصر أحد قبله،

стр. 27

وكانت الرحلة إليه في كتب الشافعي، وكانت فيه سلامة وغفلة، ولم يكن قائمًا بالفقه. قال الذهبي: قد كان من كبار العلماء، ولكن ما يبلغ رتبة المزني، كما أن المزني لا يبلغ رتبة الربيع في الحديث. وقد روى أبو عيسى في "جامعه" عن الربيع بالإجازة، وقد سمعنا من طريقه "المسند" للشافعي انتقاه أبو العباس الأصم من كتاب "الأم" لينشط لروايته للرحالة وإلا فالشافعي ﵀ لم يؤلف مسندًا. وقيل: إن هذا الشعر للربيع: صبرًا جميلا ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا من خشي الله لم ينله أذى ... ومن رجا الله كان حيث رجا وفاته: قال أبو جعفر الطحاوي: مات الربيع مؤذن جامع الفسطاط في يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال سنة سبعين ومئتين، وصلى عليه الأمير خمارويه -يعني صاحب مصر وابن صاحبها أحمد بن طولون.

стр. 28

المبحث الرابع "التعريف بالإمام أبي العباس الأصم" جامع المسند (١) مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان، الإِمام المحدث، مسند العصر، رحلة الوقت، أبو العباس الأموي مولاهم السناني المعقلي النيسابوري الأصم، ولد المحدث الحافظ أبي الفضل الوراق. مولده: ولد أبو العباس الأصم في سنة سبع وأربعين ومائتين. كان أبوه من أصحاب إسحاق بن راهويه، وعلي بن حجر، وكان كما قال أبو عبد الله الحاكم: من أحسن الناس خطًّا. روى عنه: مُحَمَّد ابن مخلد الدوري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن القاسم العتكي، وابنه أبو العباس الأصم. ومات سنة سبع وسبعين ومائتين. رحلاته وطلبه للعلم: رحل به أبوه على طريق أصبهان في سنة خمس وستين فسمع بها من هارون بن سليمان وأسيد بن عاصم، وبالكوفة من: أحمد بن عبد الجبار العطاردي، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، والحسن بن علي ابن عفان العامري، ولم يسمع بالأهواز ولا البصرة حرفًا، ثم حج وسمع بمكة من أحمد بن شيبان الرملي صاحب ابن عيينة، سمع بها منه فقط، وببغداد من: زكريا بن يحيى أسد المروزي صاحب سفيان بن عيينة،

стр. 29

وعباس الدوري، ومحمد بن إسحاق الصغاني، ويحيى بن أبي طالب، ومحمد بن عبيد الله بن المنادي، وعدة. وسمع بمصر من: مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان المرادي، وبحر ابن نصر الخولاني، وأقرانهم. وبدمشق من: مُحَمَّد بن هشام بن ملاس النميري، ويزيد بن عبد الصمد، وأبي زرعة النصري. وببيروت من: العباس بن الوليد العذري وسمع بطرسوس من أبي أمية الطرسوسي، وسمع بحمص من مُحَمَّد بن عوف وأبي عتبة أحمد بن الفرج، وبالجزيرة من: مُحَمَّد بن علي بن ميمون الرقي، وسمع المغازي من لفظ العطاردي وسمع مصنفات عبد الوهاب بن عطاء من يحيى بن أبي طالب، وسمع مصنفات زائدة و"السنن" لأبي إسحاق الفزاري من أبي بكر الصاغاني، وسمع "العلل" لعلي بن المديني من حنبل، وسمع "معاني القرآن" من مُحَمَّد بن الجهم السمري، وسمع "التاريخ" من عباس الدوري، ثم انصرف إلى خراسان وهو ابن ثلاثين سنة. سمعته يقول: حدثت بكتاب "معاني القرآن" في سنة نيف وسبعين ومائتين. وحدث بكتاب الأم للشافعي عن الربيع، وطال عمره وبَعُدَ صيته، وتزاحم عليه الطلبة، وجميع ما حدث به إنما رواه من لفظه؛ فإن الصمم لحقه وهو شاب له بضع وعشرون سنة بعد رجوعه من الرحلة ثم تزايد به واستحكم بحيث إنه لا يسمع نهيق الحمار، وقد حدث في الإِسلام ستًّا وسبعين سنة. حدث عنه: الحسين بن مُحَمَّد بن زياد القباني، وأبو حامد الأعمشي -وهما أكبر منه- وحسان بن مُحَمَّد الفقيه، وأبو أحمد بن عدي، وأبو عمرو بن حمدان، والحافظ أبو علي النيسابوري، والإمام

стр. 30

أبو بكر الإسماعيلي، وأبو زكريا يحيى بن مُحَمَّد العنبري، وأبو عبد الله ابن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الله ابن يوسف الأصبهاني، وأبو طاهر بن محمش، ويحيى بن إبراهيم المزكي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن مُحَمَّد السراج، وأبو صادق مُحَمَّد بن أحمد بن أبي الفوارس العطار، والفقيه أبو نصر مُحَمَّد بن علي الشيرازي، وأبو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رجاء الأديب، وأبو العباس أحمد بن مُحَمَّد الشاذياخي، وأبو نصر أحمد بن علي بن أحمد ابن شبيب الفامي، وأبو إسحاق إبراهيم بن مُحَمَّد بن علي بن معاوية العطار، وإسحاق بن مُحَمَّد بن يوسف السوسي، والحسن بن مُحَمَّد بن حبيب المفسر، وسعيد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبدان، وأبو الطيب سهل بن مُحَمَّد بن سليمان الصعلوكي، وأبو أحمد عبد الله بن مُحَمَّد بن حسن المهرجاني، وأبو مُحَمَّد عبد الرحمن بن أبي حامد أحمد بن إبراهيم المقرئ، وعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن بالويه المزكي، وعبيد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مهدي القشيري، وأبو الحسن علي بن مُحَمَّد بن علي الإسفراييني المقرئ، وأبو الحسين علي بن مُحَمَّد السبعي، وأبو القاسم علي بن الحسن الطهماني، وأبو نصر منصور بن الحسين المقرئ، والقاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي الحيري، وأبو بكر مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن حيد، وأبو سعيد مُحَمَّد بن موسى الصيرفي، وعلي بن مُحَمَّد بن أحمد بن عثمان البغدادي الطرازي، ومحمد بن إبراهيم بن جعفر الجرجاني، وأمم سواهم، وآخرون. روى عنه في الدنيا بالإجازة أبو نعيم الحافظ. قال الحاكم: كان يكره أن يقال له: الاسم؛ فكان إمامنا أبو بكر ابن إسحاق الصبغي يقول: المعقلي. قال: وإنما حدث به الصمم بعد

стр. 31

انصرافه من الرحلة، وكان محدث عصره، ولم يختلف أحد في صدقه، وصحة سماعاته، وضبط أبيه يعقوب الوراق لها، وكان يرجع إلى حسن مذهب وتدين. وبلغني أنه أذن سبعين سنة في مسجده. قال: وكان حسن الخلق، سخي النفس، وربما كان يحتاج إلى الشيء لمعاشه فيورق ويأكل من كسب يده، وهذا الذي يعاب به من أنه كان يأخذ على الحديث إنما كان يعيبه به من لا يعرفه؛ فإنه كان يكره ذلك أشد الكراهة ولا يناقش أحدًا فيه، إنما كان وراقه وابنه يطلبان الناس بذلك فيكره هو ذلك ولا يقدر على مخالفتهما. سمع منه الآباء والأبناء والأحفاد، وكفاه شرفًا أن يحدث طول تلك السنين ولا يجد أحد فيه مغمزًا بحجة، وما رأينا الرحلة في بلاد من بلاد الإِسلام أكثر منها إليه؛ فقد رأيت جماعة من أهل الأندلس وجماعة من أهل طراز وإسبيجاب على بابه، وكذا جماعة من أهل فارس وجماعة من أهل الشرق. أقوال العلماء فيه: قال الحافظ أبو حامد الأعمشي: كتبنا عن أبي العباس بن يعقوب الوراق في مجلس مُحَمَّد بن عبد الوهاب الفراء سنة خمس وسبعين ومائتين. وقال الحاكم: سمعت مُحَمَّد بن الفضل بن مُحَمَّد بن إسحاق بن خزيمة سمعت جدي وسئل عن سماع كتاب "المبسوط" من أبي العباس الاسم فقال: اسمعوا منه فإنه ثقة؛ قد رأيته يسمع مع أبيه بمصر وأبوه يضبط سماعه. وقال أيضًا: سمعت يحيى بن منصور القاضي، سمعت أبا نعيم بن عدي، واجتمع جماعة يسألونه المقام بنيسابور لقراءة "المبسوط" فقال:

стр. 32

يا سبحان الله عندكم راوي هذا الكتاب الثقة المأمون أبو العباس الأصم وأنتم تريدون أن تسمعوه من غيره. وقال أبو أحمد الحاكم: سمعت ابن أبي حاتم يقول: ما بقي لكتاب "المبسوط" راوٍ غير أبي العباس الوراق وبلغنا أنه ثقة صدوق. لطيفة: قال أبو عبد الله الحاكم: حضرت أبا العباس يومًا في مسجده فخرج ليؤذن لصلاة العصر فوقف موضع المئذنة ثم قال بصوت عال: أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، ثم ضحك وضحك الناس ثم أذن. وقال: قرأت بخط أبي علي الحافظ يحث أبا العباس الأصم على الرجوع عن أحاديث أدخلوها عليه حديث الصغاني، عن علي بن حكيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة حديث قبض العلم، وحديث أحمد بن شيبان، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بعث رسول الله ﷺ سرية، قال: فوقع أبو العباس: كل من روى عني هذا فهو كذاب وليس هذا في كتابي. وفاته: توفي أبو العباس في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة. ومات أبوه سنة سبع وسبعين ومائتين بنيسابور في أولها عن نحو ستين سنة وكان ذا معرفة وفهم. حدث عن: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد، وعدة. وعنه: ابنه، وابن أبي حاتم، ومحمد بن مخلد، وكان بديع الخط.

стр. 33

قال الحاكم: سمعت الأصم وقد خرج ونحن في مسجده وقد امتلأت السكة من الناس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وكان يملي عشية كل يوم اثنين من أصوله، فلما نظر إلى كثرة الناس والغرباء وقد قاموا يطرقون له ويحملونه على عواتقهم من باب داره إلى مسجده فجلس على جدار المسجد وبكى طويلًا ثم نظر إلى المستملي فقال: اكتب: سمعت مُحَمَّد بن إسحاق الصغاني يقول: سمعت الأشج، سمعت عبد الله بن إدريس يقول: "أتيت يومًا باب الأعمش بعد موته فدققت الباب فأجابتني جارية عرفتني: هاي هاي تبكي يا عبد الله ما فعل جماهير العرب التي كانت تأتي هذا الباب، ثم بكى الكثير ثم قال: كأني بهذه السكة لا يدخلها أحد منكم فإني لا أسمع وقد ضعف البصر وحان الرحيل وانقضى الأجل، فما كان إلا بعد شهر أو أقل منه حتى كف بصره وانقطعت الرحلة وانصرف الغرباء فرجع أمره إلى أنه كان يناول قلمًا فيعلم أنهم يطلبون الرواية فيقول: حدثنا الربيع، وكان يحفظ أربعة عشر حديثًا وسبع حكايات فيرويها، وصار بأسوأ حال حتى توفي.

стр. 34

المبحث الخامس عناية العلماء بمسند الإِمام الشافعي مسند الإِمام الشافعي مسند عالي الإسناد مجموع من مرويات الإِمام المسندة ﵀، ومكانته لا تخفى على أحد من طلبة العلم، وقد اعتنى به أهل العلم عناية كبيرة فسمعوه ورووه وحرصوا على إسماعه لطلبة العلم انظر في ذلك "برنامج التجيبي" (ص ١١٩ - ١٢٠)، وبرنامج الوادي آشي (ص ٢٠١)، و"إثارة الفوائد المجموعة" للحافظ العلائي (ق ١٢)، و"المعجم المفهرس" (ص ٣٩)، و""المجمع المؤسس" (٢/ ١٩١، ٢٣١، ٢٨٨، ٤٦٩، ٥٥٥، ٣/ ١٧٥، ١٧٨) كلاهما للحافظ ابن حجر، و"صلة الحلف بموصول السلف" للروداني (ص ٤١) وغيرها من كتب المعاجم والبرامج والمشيخات. ترتيب مسند الإِمام الشافعي: - وقد اعتنى بترتيبه بعض أهل العلم: فرتبه الأمير سنجر بن عبد الله الجاولي وكتابه قد طبع في مجلد كبير بتحقيق د. ماهر الفحل. ورتبة الإِمام أبو السعادات ابن الأثير على الأبواب الفقهية مجردًا من الأسانيد وشرحه كما سيأتي، ورتبة أيضًا الإِمام السندي وترتيبه مطبوع في مجلد متداول، ورتبة أيضًا أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي وسمَّاه "بدائع المنن". التعريف برجاله: - وقد اعتنى برجاله أهل العلم: فترجم لهم وعرف بحالهم الحافظ الحسيني في "التذكرة برواة الكتب العشرة" وقد طبع بتحقيق د. رفعت فوزي، وأيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه: "تعجيل المنفعة

стр. 35

برجال الأئمة الأربعة" وهو مطبوع عدة طبعات أحسنها وأوفاها بتحقيق د. إكرام الحق، وأيضًا الشيخ أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن عبد الخالق البرشنسي في كتاب سمَّاه "أسماء رجال مسند الشافعي" كما ذكره السخاوي في "الضوء اللامع" (٤/ ٥٤). أطرافه: - وقد اعتنى بعمل أطرافه الحافظ ابن حجر العسقلاني فأدخلها في كتابه "إتحاف المهرة" وهو مطبوع بتحقيق جماعة من الباحثين بمركز السنة والسيرة النبوية بالمدينة المنورة بإشراف الدكتور/ زهير بن ناصر. شروحه: وقد شرحه جماعة من أهل العلم منهم: ١ - الإِمام أبو السعادات ابن الأثير للجزي وسماه "شافي العي بشرح مسند الشافعي" وهو شرح متميز إلا أنه حذف الأسانيد وربما تكلم على الأحاديث صحة وضعفًا مبينًا لغاته وأحكامه، وقد طبع بتحقيق أخي الفاضل الشيخ أحمد سليمان حفظه الله تعالى. ٢ - الرافعي وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عليه. ٣ - الأمير سنجر بن عبد الله الجاوي ٧٤٥ هـ، في مجلدات. ٤ - الحافظ السيوطي وسمَّاه "شافي العي على مسند الشافعي" مخطوط. ٥ - السندي وسمَّاه "معتمد الألمعي في حل مسند الشافعي" ولا يزال مخطوطًا. ٦ - الساعاتي أحمد بن عبد الرحمن البنا فشرح ترتيبه المسمَّى بـ "بدائع المنن" في كتاب سمَّاه "القول الحسن شرح بدائع المنن".

стр. 36

الباب الثاني "التعريف بالإمام الرافعي وشرحه " وفيه مباحث: الأول: التعريف بالإمام الرافعي صاحب الشرح. الثاني: أهمية شرحه المسند الشافعي. الثالث: منهج الرافعي في شرح المسند.

стр. 37

المبحث الأول "التعريف بالإمام الرافعي" صاحب الشرح (١) أولًا: اسمه ونسبه ومولده: هو شيخ الشافعية عبد الكريم بن مُحَمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني، الإِمام الجليل، أبو القاسم الرافعي. القزويني: نسبة إلى قزوين، وهي إحدى المدائن بأصبهان، يقال: بها باب الجنة. والرافعي: هذه النسبة لرافعان: بلدة من بلاد قزوين. قاله النووي. قال الإسنوي: سمعت قاضي القضاة جلال الدين القزويني يقول: إن "رافعان" بالعجمي مثل "الرافعي" بالعربي؛ فإن الألف والنون في آخر الاسم عند العجم كياء النسبة في آخره عند العرب، فرافعان نسبة إلى رافع، قال: ثم إنه ليس بنواحي قزوين بلدة يقال لها: رافعان، ولا رافع، بل هو منسوب إلى جدٍّ له يقال له رافع. قال الإسنوي: حكى بعض الفضلاء عن شيخه، قال: سألت القاضي مظفر الدين قاضي قزوين، إلى ماذا نسبة الرافعي؟ فقال: كتب بخطه وهو عندي في كتاب "التدوين في أخبار قزوين" أنه منسوب إلى

стр. 38

رافع بن خديج ﵁. وحكى ابن كثير قولًا: إنه منسوب إلى أبي رافع مولى النبي ﷺ . هذا، وقد ولد الإِمام الرافعي ﵀ سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ثانيًا: شيوخه: أما شيوخه ﵀ فمن أشهرهم: ١ - والد الإِمام الرافعي (١). الإِمام أبو الفضل مُحَمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين الرافعي. ممن خص بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلم حفظًا وضبطًا، ثم إتقانًا وبيانًا وفهمًا ودراية، ثم أداءً ورواية. سمع الحديث وتفقه بقزوين في صباه، ثم سافر إلى الري فسمع وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد فسمع وتفقه وحج منها، ثم انتقل إلى نيسابور فحصل على الإِمام مُحَمَّد بن يحيى وسمع الحديث الكثير، وكان مشايخه يوقرونه؛ لحسن سيرته وشمائله ووفور فضله وفضائله، ولما عاد إلى قزوين أقبلت عليه المتفقهة فدرس وأفاد وناظر وذاكر وذكر وفسر وروى وأملى، وصنف في التفسير والحديث والفقه، وانتفع به الخواص والعوام، ثم استأثر الله به تعالى في شهر رمضان سنة ثمانين

стр. 39

وخمسمائة. ولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصر في مناقبه أسميه بـ "القول الفصل في فضل أبي الفضل". ٢ - أبو سليمان الزبيري (١). هو أحمد بن حسنويه بن حاجي بن حسنويه بن قاسم بن عبد الرحمن بن سهل بن السري بن سليمان بن عباد بن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الزبيري، ومن خطه نقلت هذا النسب. شريف أديب فقيه مناظر، وفي كل فن من علوم الشرع ناظر وبخط صالح بها أخذ، وله في أكثرها قريحة (أي: استنباط العلم بجودة الطبع) جيدة، بصير ناقد. سمع: أباه, وإسماعيل المخلدي، وغيرهما، وله الإجازة المطلقة من أبي منصور المقومي, ومن جده لأمه الواقدي الجليل الحافظ. سمعت منه جزءًا من الحديث. توفي سنة أربع وستين وخمسمائة وهو ابن ست وثمانين. ٣ - أبو الفتح ابن البطي (٢). هو محمَّد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان البغدادي أبو الفتح بن البطي، مسند العراق. كان دَيِّنًا عفيفًا محبًّا للرواية صحيح الأصول، وكان حريصًا على

стр. 40

نشر العلم صدوقًا حصَّل أكثر مسموعاته شراءً ونسخًا ووقفها. توفي يوم الخميس سابع وعشرين جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة. ٤ - أبو العلاء الهمذاني. هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن سهل العطار، أبو العلاء الهمذاني، شيخ همذان وإمام العراقيين في القراءات كان لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا ولا مدرسة ولا رباطًا ولا تأخذه في الله لومة لائم مع التقشف في الملبس. من تصانيفه: "زاد المسير" في التفسير، و"الوقف والابتداء" في القراءات، و"معرفة القراء". ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وستين وخمسمائة. ٥ - عبد الله بن أبي الفتوح (١). هو أبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران العمراني. كان من فقهاء البلد المعتبرين، وممن تفقه عليه وتخرج به جماعة، ومن شركاء والدي رحمهما الله في التفقه وسماع الحديث ببغداد ونيسابور، وبقيت بينهما المصافاة والمودة سنين بعدما رجعا إلى قزوين، ثم حدثت بالآخرة مناقشة بينهما كما يكون مثلها من أهل العلم، ويقال: إن التحاسد بين أهل العلم من أسباب بقاء العلم فيهم, وكان يتورع عن الفتوى احتياطًا، ويسمع الحديث بعدما طعن في السنن حتى من أقرانه ويسمع الأحداث.
следующие страницы →