الباب الثاني "التعريف بالإمام الرافعي وشرحه "
وفيه مباحث:
الأول: التعريف بالإمام الرافعي صاحب الشرح.
الثاني: أهمية شرحه المسند الشافعي.
الثالث: منهج الرافعي في شرح المسند.
стр. 37
المبحث الأول "التعريف بالإمام الرافعي" صاحب الشرح (١)
أولًا: اسمه ونسبه ومولده:
هو شيخ الشافعية عبد الكريم بن مُحَمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني، الإِمام الجليل، أبو القاسم الرافعي.
القزويني: نسبة إلى قزوين، وهي إحدى المدائن بأصبهان، يقال: بها باب الجنة.
والرافعي: هذه النسبة لرافعان: بلدة من بلاد قزوين. قاله النووي.
قال الإسنوي: سمعت قاضي القضاة جلال الدين القزويني يقول: إن "رافعان" بالعجمي مثل "الرافعي" بالعربي؛ فإن الألف والنون في آخر الاسم عند العجم كياء النسبة في آخره عند العرب، فرافعان نسبة إلى رافع، قال: ثم إنه ليس بنواحي قزوين بلدة يقال لها: رافعان، ولا رافع، بل هو منسوب إلى جدٍّ له يقال له رافع.
قال الإسنوي: حكى بعض الفضلاء عن شيخه، قال: سألت القاضي مظفر الدين قاضي قزوين، إلى ماذا نسبة الرافعي؟ فقال: كتب بخطه وهو عندي في كتاب "التدوين في أخبار قزوين" أنه منسوب إلى
стр. 38
رافع بن خديج ﵁.
وحكى ابن كثير قولًا: إنه منسوب إلى أبي رافع مولى النبي ﷺ .
هذا، وقد ولد الإِمام الرافعي ﵀ سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
ثانيًا: شيوخه:
أما شيوخه ﵀ فمن أشهرهم:
١ - والد الإِمام الرافعي (١).
الإِمام أبو الفضل مُحَمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين الرافعي.
ممن خص بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلم حفظًا وضبطًا، ثم إتقانًا وبيانًا وفهمًا ودراية، ثم أداءً ورواية.
سمع الحديث وتفقه بقزوين في صباه، ثم سافر إلى الري فسمع وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد فسمع وتفقه وحج منها، ثم انتقل إلى نيسابور فحصل على الإِمام مُحَمَّد بن يحيى وسمع الحديث الكثير، وكان مشايخه يوقرونه؛ لحسن سيرته وشمائله ووفور فضله وفضائله، ولما عاد إلى قزوين أقبلت عليه المتفقهة فدرس وأفاد وناظر وذاكر وذكر وفسر وروى وأملى، وصنف في التفسير والحديث والفقه، وانتفع به الخواص والعوام، ثم استأثر الله به تعالى في شهر رمضان سنة ثمانين
стр. 39
وخمسمائة. ولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصر في مناقبه أسميه بـ "القول الفصل في فضل أبي الفضل".
٢ - أبو سليمان الزبيري (١).
هو أحمد بن حسنويه بن حاجي بن حسنويه بن قاسم بن عبد الرحمن بن سهل بن السري بن سليمان بن عباد بن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الزبيري، ومن خطه نقلت هذا النسب.
شريف أديب فقيه مناظر، وفي كل فن من علوم الشرع ناظر وبخط صالح بها أخذ، وله في أكثرها قريحة (أي: استنباط العلم بجودة الطبع) جيدة، بصير ناقد.
سمع: أباه, وإسماعيل المخلدي، وغيرهما، وله الإجازة المطلقة من أبي منصور المقومي, ومن جده لأمه الواقدي الجليل الحافظ.
سمعت منه جزءًا من الحديث.
توفي سنة أربع وستين وخمسمائة وهو ابن ست وثمانين.
٣ - أبو الفتح ابن البطي (٢).
هو محمَّد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان البغدادي أبو الفتح بن البطي، مسند العراق.
كان دَيِّنًا عفيفًا محبًّا للرواية صحيح الأصول، وكان حريصًا على
стр. 40
نشر العلم صدوقًا حصَّل أكثر مسموعاته شراءً ونسخًا ووقفها.
توفي يوم الخميس سابع وعشرين جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة.
٤ - أبو العلاء الهمذاني.
هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن سهل العطار، أبو العلاء الهمذاني، شيخ همذان وإمام العراقيين في القراءات كان لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا ولا مدرسة ولا رباطًا ولا تأخذه في الله لومة لائم مع التقشف في الملبس.
من تصانيفه: "زاد المسير" في التفسير، و"الوقف والابتداء" في القراءات، و"معرفة القراء".
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وستين وخمسمائة.
٥ - عبد الله بن أبي الفتوح (١).
هو أبو حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران العمراني.
كان من فقهاء البلد المعتبرين، وممن تفقه عليه وتخرج به جماعة، ومن شركاء والدي رحمهما الله في التفقه وسماع الحديث ببغداد ونيسابور، وبقيت بينهما المصافاة والمودة سنين بعدما رجعا إلى قزوين، ثم حدثت بالآخرة مناقشة بينهما كما يكون مثلها من أهل العلم، ويقال: إن التحاسد بين أهل العلم من أسباب بقاء العلم فيهم, وكان يتورع عن الفتوى احتياطًا، ويسمع الحديث بعدما طعن في السنن حتى من أقرانه ويسمع الأحداث.
стр. 41
وكان حسن الخلق طيب النفس محسنًا إلى الفقهاء والضعفاء، نقيًّا عن المطامع الفاسدة، رقيق القلب، وربما بكى وصرخ في مجامع الناس لفكر يعتريه.
توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
٦ - الطالقاني (١).
هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن مُحَمَّد بن العباس الطالقاني ثم القزويني أبو الخير.
إمام كثير الخير موفر الحظ من علوم الشرع حفظًا وجمعًا ونشرًا بالتعليم والتذكير والتصنيف، كان لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله تعالى ومن تلاوة القرآن، وربما قريء عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى القاريء وينبهه إذا زل، واجتمع له مع ذلك القبول التام عند الخواص والعوام والصيت المنتشر والجاه والرفعة.
وتولى تدريس النظامية ببغداد مرة، محترمًا في حريم الخلافة مرجوعًا إليه، ثم آثر العود إلى الوطن، واغتنم الناس رجوعه إليهم واستفادوا من علمه.
وسمع الكثير من: الفراوي، وزاهر. وفهرست مسموعاته متداول، ومما سمع من الفراوي بقراءة تاج الإِسلام أبي سعد السمعاني ومن خطه نقلت سماعه "دلائل النبوة" وكتاب "البعث والنشور" وكتاب "الأسماء والصفات" وكتاب "الاعتقاد" للبيهقي.
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وهو ﵀ خال والدتي وأبوها من الرضاع.
стр. 42
٧ - أبو الكرم الهمذاني (١).
علي بن عبد الكريم بن أبي العلاء العباس الهمذاني العطاء، مسند همذان، حدث عن: أبي غالب أحمد بن مُحَمَّد العدل، وحدث عنه: مُحَمَّد بن الواحد المقدس، والحافظ عبد القادر الرهاوي.
٨ - الخطيب (٢).
هو أبو نصر حامد بن محمود بن علي الماوراء النهري ثم الرازي فقيه مفت مناظر محدث متقن متفنن، درس بالري مدة وتفقه عليه طائفة كثيرة وكان أصيلًا نبيلًا بهيًّا حييًا من حسن السمت والأخلاق، ولخص "صحيح البخاري" في كتابين أتعب فيهما نفسه.
ولد سنة ثلاث وخمسمائة، وتوفي سنة ست وستين وخمسمائة في ربيعها الأول.
٩ - أبو الحسن علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه الرازي (٣).
كان مكثرًا شديد الحرص على جمع الحديث وكتابته وسماعه، واجتمع عنده من الكتب والأجزاء المفرقة من هذا الفن شيء كثير، وسمع من العدد الجم على قلة الرحلة وأدرك الإجازات العالية، وممن أجاز له: ابن الحصين، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وهبة الله الواسطي، والجريري، وعبد الوهاب الأنماطي، وأبو جعفر الحافظ الهمداني، والحسين الخلال، وفاطمة الجوزدانية، وأئمة البلاد المتباعدة.
стр. 43
وكان له حفظ ومعرفة بطرق الحديث وأسماء الرجال والتواريخ، وكان يسود "تاريخ الري" في أجزاء كبيرة وكثيرة ولم يتفق له نقله إلى البياض، وسمع من أهل بلده والغرباء.
وروى عنه: الحافظ أبو موسى المديني في بعض "أماليه" لقيته غير مرة وكثرت استفادتي من مكتوباته وتعاليقه.
وكانت ولادته سنة أربع وخمسمائة، وتوفي قريبًا من سنة تسعين وخمسمائة.
١٠ - مُحَمَّد بن أبي طالب أو ابن طالب بن ملكويه الضرير، أبو بكر المقرئ الجصاصي (١).
كان متعبدًا حسن الطريقة قنوعًا عالمًا بالقراءات، نحويًّا عن طرقها أقرأ الناس مدة طويلة.
سمع: الأستاذ الشافعي، وذا الفقار الحسيني، وإسماعيل المخلدي، وغيرهم.
توفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
١١ - عبد العزيز بن الخليل بن أحمد بن الواقد بن الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ، أبو بكر بن أسباط (٢).
شيخ كان له هيبة ووقار وعبادة، فكان يحفظ طرفًا من الأمثال والأشعار ويوردها في محاوراته.
سمع: الأستاذ الشافعي، وغيره، وكان له إجازة أبي بكر الشيروي.
стр. 44
ثالثًا: تلاميذه:
من أشهر تلاميذ الإِمام الرافعي ﵀:
١ - المهلبي (١).
أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى المهلبي، قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس الخويي.
ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ودخل خراسان وقرأ بها الأصول على القطب المصري صاحب الإِمام فخر الدين، وقيل: بل على الإِمام نفسه، وقرأ الفقه على الإِمام الرافعي.
وكان فقيهًا إمامًا مناظرًا دَيِّنًا كثير الصلاة والصيام.
٢ - المنذري (٢).
عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله أبو مُحَمَّد زكي الدين المنذري صاحب "الترغيب والترهيب" عالم بالحديث والعربية، تولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة وانقطع بها نحو عشرين سنة عاكفًا على التصنيف والتخريج والإفادة والتحديث.
ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة بمصر.
رابعًا: مكانته العلمية:
قال ابن السبكي: أما الفقه فهو فيه عمدة المحققين وأستاذ المصنفين كأنما كان الفقه ميتًا فأحياه ونشره وأقام عماده بعدما أماته الجهل فأقبره.
стр. 45
وكان الإِمام الرافعي متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولا، مترفعًا على أبناء جنسه في زمانه نقلا وبحثًا وإرشادًا وتحصيلا. ا. هـ.
وقد أطبق المحققون في المذهب الشافعي على أن الكتب المقدمة على الشيخين الرافعي والنووي لا يعتد بشيء منها إلا بعد البحث والتمحيص والتدقيق حتى يغلب على الظن أنه راجح في المذهب هذا في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، فإن تعرض له الشيخان فالمعتمد ما اتفقا عليه، فإن اختلفا ولم يوجد لهما مرجح أو كان المرجح على السواء فالمعتمد قول المرجح.
وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية" في ترجمته:
اشتهر على لسان الطلبة أن الرافعي لا يصحح إلا ما كان عليه أكثر الأصحاب، وكأنهم أخذوا ذلك من خطبة كتابه "المحرر" ومن كلام صاحب "الحاوى الصغير"، واشتد نكير الشيخ الإِمام الوالد - رحمه الله تعالى - على من ظن ذلك، وبين خطأه في كتاب "الطوالع المشرقة" وغيره، ولخصت أنا كلامه فيه في كتاب "التوشيح"، ثم ذكرت أماكن رجح الرافعي فيها ما أعرف أن الأكثر على خلافه، وها أنا أَعُدُّ ما يحضرني من هذِه الأماكن:
١ - منها: الجلوس بين السجدتين، هل هو ركن طويل أو قصير؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه طويل، قال الرافعي: حكاه إمام الحرمين عن ابن سريج، والجمهور. والثاني: أنه قصير، قال الرافعي: وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو مُحَمَّد في "الفروق" وتابعه صاحب "التهذيب" وغيره،
стр. 46
وهو الأصح، انتهى.
ولعل الرافعي ينازع الإِمام في كون الجمهور على أنه طويل.
٢ - ومنها: في صلاة الخوف إذا دمي السلاح الذي يحمله المصلي وعجز عن إلقائه أمسكه، وفي القضاء حينئذ قولان، قال الرافعي: نقل الإِمام عن الأصحاب أنه يقضي، وقال النووي: ظاهر كلام الأصحاب القطع به، قال الرافعي: والأقيس أنه لا يقضي، ووافقه الشيخ الإِمام.
خامسًا: ثناء العلماء عليه:
لقد كان لهذا العالم الجليل الحظ الأكبر من ثناء العلماء عليه بذكر صفاته وشيمه وأخلاقه؛ فلقد كان ﵀ إمامًا جامعًا بين العلم والعمل فحسنت من أجل ذلك سيرته، ودونك بعض من يقوله عند بعض المترجمين له والمؤرخين لحياته:
قال الإِمام الذهبي: هو شيخ الشافعية، عالم العجم والعرب، إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم ... الخ، ثم قال: وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبُّدٌ ونسك وأحوال وتواضع، انتهت إليه معرفة المذهب.
وقال أيضًا: يظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في "شرح المسند".
وقال النووي في "تهذيبه": الرافعي من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة.
وقال أبو عمرو ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، كان ذا فنون حسن السيرة، جميل الأمر.
стр. 47
وقال ابن السبكي: وكان ﵀ ورعًا زاهدًا تقيًّا طاهر الذيل مراقبًا لله، له السيرة الرضية المرضية، والطريقة الزكية، والكرامات الباهرة.
وقال أبو عبد الله مُحَمَّد بن محمَّد الإسفراييني: هو شيخنا، إمام الدين، وناصر السنة. كان أوحد عصره في العلوم الدينية، أصولا وفروعًا، مجتهد زمانه في المذهب، فريد وقته في التفسير، كان له مجلس بقزوين للتفسير ولتسميع الحديث.
وقال الإسنوي في "طبقاته": صاحب "شرح الوجيز" الذي لم يُصنف في المذهب مثله، تفقه على والده وعلى غيره، وكان إمامًا في الفقه، والتفسير، والحديث، والأصول، وغيرها. طاهر اللسان في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات، ولا يطلق نقلا عن أحد غالبًا إلا إذا رآه في كلامه، فإن لم يقف عليه فيه عبَّر بقوله: وعن فلان كذا، شديد الاحتراز أيضًا في مراتب الترجيح.
وقال ابن قاضي شهبة: صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذِه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار، ولقد برز فيه على كثير ممن تقدمه.
وقال ابن العماد: انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه، وكان مع براعته في العلم صالحًا زاهدًا ذا أحوال وكرامات ونسك وتواضع.
سادسًا: مذهبه وعقيدته:
الإِمام الرافعي ﵀ شافعي الفروع، أشعري الأصول، والإمام الأشعري كان له قولان في صفات الله :
أحدهما: التأويل.
стр. 48
الثاني - وهو مذهب أهل السنة والجماعة: عدم التأويل.
فقد أول الإِمام الرافعي خلال الشرح "اليد" على أنها القدرة، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، وقد علقت عليه في موضعه.
سابعًا: مصنفاته:
١ - الإيجاز في أخطار الحجاز.
قال ابن السبكي: ذكر أنه أوراق يسيرة ذكر فيها مباحث وفوائد خطرت له في سفره إلى الحج، وكان الصواب أن يقول: خطرات أو خواطر الحجاز، ولعله قال ذلك والخطأ من الناقل.
٢ - الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة (١).
وهو ثلاثون مجلسًا أملاها أحاديث بأسانيدها عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلم عليها.
٣ - التدوين في أخبار قزوين (مطبوع).
٤ - التذنيب (وهو بتحقيقي).
مجلد علق فيه المصنف على الوجيز للغزالي.
٥ - سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين (مطبوع).
٦ - الشرح الصغير.
وهو في الفقه على مذهب الشافعي دون الشرح الكبير.
٧ - شرح مسند الشافعي.
الذي نحن بصدده.
٨ - فتح العزيز شرح الوجيز المسمى بـ "الشرح الكبير" (مطبوع)
وهو من أهم كتب الإِمام ﵀، ومن كتب المذهب المعتمدة.
стр. 49
٩ - المحرر في فروع الشافعية (١).
١٠ - المحمود في الفقه.
قال ابن السبكي: لم يتمَّه، ذكر لي أنه في غاية البسط وأنه وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثمان مجلدات.
تاسعًا: وفاته:
توفي الإِمام الرافعي شيخ الشافعية في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
стр. 50
المبحث الثاني "أهمية شرح المسند "
اعلم أخي الحبيب أنه لا شك في أهمية كتب علمائنا وسلفنا الصالح المشهود لهم بالعلم، وخاصة كتب الشروح، واعلم أيضًا أن "شرح المسند" للإمام الرافعي هو كتاب هام يستفيد منه كل طالب علم، ويكفيك أن شارح المسند هو الإِمام الرافعي ﵀ وتتلخص أهميته في التالي:
١ - أهم ما يميز الكتاب ذِكْرُهُ ﵀ للحديث من المسند بكامل السند والمتن، مع الكلام على الفروق الواردة بين النسخ التي كانت لديه والتعليق عليها.
٢ - كما عرَّف الإِمام الرافعي رجال المسند تعريفًا دقيقًا مع بيان طرفٍ من حالهم، وهذا مما يفرد له التصنيف من غيره ولم يَفُتْهُ إلا القليل وقد تكلمت على ما فاته قدر المستطاع.
٣ - وأيضًا فإنه خرج أحاديث المسند، نعم تخريجه كان موجزًا ولكنه بين منه حكم الحديث، ولم يفته إلا القليل وقد بينته أيضًا.
٤ - كما بيّن الإِمام الرافعي معاني ألفاظ وعبارات الأحاديث مع ذكر الاحتمالات الواردة فيها.
٥ - وأيضًا فإنه تعقب الإِمام أبا العباس الأصم فيما أخطأ فيه على الإِمام الشافعي وبين ذلك في موضعه، كما أنه بين بعض الأوهام الواقعة لبعض الحفاظ، انظر مثلًا شرح الحديث (٣٨).
٦ - كما بيّن غريب الحديث وأوضحه إيضاحا جيدًا مع ذكر أقوال أهل الشأن في ذلك كالإِمام الخطابي والجوهري وغيرهم.
стр. 51
٧ - كما أنه توسع في ذكر الاستدلالات الفقهية التي يمكن استنباطها من الأحاديث الواردة، وقد أجاد وأفاد ﵀ في هذه الناحية.
٨ - كما أنه كثيرا ما يذكر آراء وأقوال الفقهاء مع ذكر الاستدلالات والترجيح أحيانًا؛ لذا فإن شرحه كان غنيًّا بأحاديث النبي ﷺ .
٩ - كما أنه قد نقل عن بعض الكتب التي لم نقف عليها مثل مسند مُحَمَّد بن أسلم وفوائد مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرها.
١٠ - ولأهميته استفاد الكثير من علمائنا من شرحه واعتمدوا عليه، أذكر منهم:
١ - الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري"، انظر مثلا:
- باب الاستجمار وترًا.
- باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض.
- باب الصلاة بين السواري جماعة.
- باب إذا طوَّل الإِمام وكان للرجل حاجة.
- باب الجمع بين السورتين في الركعة.
وأيضًا في "التلخيص الحبير" انظر (١/ ٣٤).
٢ - الزرقاني في شرحه على "الموطأ" انظر مثلا: (١/ ٢٣)، (١/ ٣٠)، (١/ ٧٧)، (٢/ ٣٢٢).
٣ - أبو الطيب في "عون المعبود" (٣/ ٤).
٤ - السيوطي في "تنوير الحوالك" انظر مثلا: (١/ ١٥)، (١/ ١٨)، (١/ ٢٥)، (١/ ٣٥)، (١/ ٦٥)، (١/ ١١٤).
وأيضًا في "تدريب الراوي" (١/ ٣١١).
وأيضًا في "الأشباه النظائر" (١/ ٤٩٠).
وأيضًا في "بسط الكف" (ص ١٨).
стр. 52
٥ - المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٣٧٦).
٦ - ابن الملقن في "الخلاصة" انظر مثلا:
(١/ ٢٣)، (١/ ٦٠)، (١/ ١١١).
وأيضًا في "التوضيح شرح الجامع الصحيح".
٧ - الخطيب الشربيني في "الإقناع" (١/ ١٠٧)، و"مغني المحتاج" (١/ ٤٧٣).
стр. 53
المبحث الثالث "منهج الإِمام الرافعي في شرح المسند "
قال الرافعي ﵀ في خطبة الكتاب:
وقد شرح العلماء سائر الأصول، فصنف المغاربة وأصحاب مالك ﵁ لكتابه "الموطأ" شروحًا كثيرة، و"الصحيحان" و"سنن أبي داود" وغيرها، جمعت لإيضاحها تواليف منها ما يتعلق بحال الرواة ومنها ما يتعلق بالغريب والمعاني؛ فأردت أن أصنع بهذا "المسند" قريبًا من صنيعهم بسائر الأصول، وأفرد له شرحًا أسرد فيه الكتاب فصلًا بعد فصل، ثم أتكلم في الأسانيد والمتون بطريق متوسط فصلٍ خالٍ عن الاختلال والإخلال والإملال.
ويمكن أن نجمل منهجه على ضوء كلامه هذا ومن خلال عملي في تحقيق الكتاب في التالي:
يبدأ الإِمام الرافعي كلامه فيقول: "الأصل"، قاصدًا بذلك ما يريد شرحه من نص المسند، ثم يذكر حديثًا أو أكثر بإسناده ومتنه تامًّا، وهذِه ميزة يتميز بها كتابه عن غيره من شروح المسند، ثم يبدأ المصنف في الشرح على النحو التالي:
١ - التعريف برجال الإسناد وتعيينهم والكلام عليهم باختصار، فإذا كان هناك راوٍ مجروح فإنه في الغالب ما يوضح ذلك.
والإمام الرافعي قد اعتمد في ترجمة الصحابة على كتاب "معرفة الصحابة" لابن منده وهو مطبوع بتحقيق الدكتور عامر صبري وقدم له شيخنا الفاضل الدكتور أحمد معبد، كما اعتمد في الكلام على باقي الرجال في الغالب على "تاريخ البخاري الكبير" و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم.
стр. 54
٢ - تخريج الحديث وعزوه للكتب المشهورة، فإذا كان الحديث في "الصحيحين" أو أحدهما اكتفى المصنف بذلك وأحيانًا ما يعزوه لباقي الستة إذا كان الحديث عندهم؛ أما إذا كان الحديث خارج "الصحيحين" فإنه غالبًا ما يقتصر على كتب السنن الأربعة، وأحيانا ما يذكر بعض طرق الحديث، وأحيانا ما يهمل ذلك فأعلق عليه باختصار.
٣ - يبدأ في شرح الحديث وتوضيح معانيه وكذا غريب الحديث شرحًا مناسبًا، وأحيانًا يذكر أقوال أهل اللغة كصاحب "الغريبين" وصاحب "الصحاح" وغيرهم.
٤ - يذكر معظم الاستدلالات الفقهية والأحكام التي يمكن استنباطها من الحديث وكان عمله في هذه الناحية متميزًا جدًّا.
٥ - كما أنه يذكر أقوال كثير من الفقهاء من عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة على وجه التحديد، كما أنه غالبًا يذكر استدلالات كل واحد منهم مع الكلام عليها.
ملاحظات:
- استفاد الإِمام الرافعي من الإِمام البيهقي كثيرًا وأحيانا يذكر ذلك وكثيرًا ما يبهمه فيقول: "قيل كذا، أو قال بعض العلماء كذا" ثم ينقل الكلام بتمامه عنه.
- كثيرًا ما يعزو الإِمام الرافعي الحديث الذي يخرجه أو يستشهد به للشيخين؛ ولكنه ينقل لفظ الحديث من "السنن الكبير" للبيهقي.
- استشهد الإِمام الرافعي في بعض المواطن من الشرح بأحاديث ضعيفة دون بيان ضعفها وقد بينت ذلك من كلام أهل الشأن بقدر المستطاع، كما أن هناك بعض الأحاديث الضعيفة في "المسند" لم يعلق عليها فعلقت عليها في الحواشي بإيجاز.
стр. 55
الباب الثالث "منهج العمل في تحقيق الكتاب "
وفيه مباحث:
الأول: التوصيف العلمي للمخطوطة.
الثاني: توثيق الكتاب.
الثالث: منهج التحقيق.
الرابع: نماذج من صور المخطوطة.
стр. 56
المبحث الأول "التوصيف العلمي للنسخة الخطية "
اعتمدت في تحقيق "شرح المسند" على نسخة خطية فريدة لم أظفر بغيرها بعد البحث الشديد في فهارس المكتبات، ولعل هذه هي النسخة الوحيدة الموجودة للكتاب، وهي تنقسم إلى مجلدين، كل مجلد بخط مختلف:
* المجلد الأول:
وهو عبارة عن النسخة الخطية المحفوظة بجامعة الكويت تحت رقم (٣٤٠٥) م. ك مصورات عن النسخة المحفوظة بشستربتي بأيرلندا.
وهي نسخة خطية متقنة عليها بلوغ مقابلات، لولا ما اعتراها من بعض الطمس.
- اسم الناسخ: عبد الرحمن بن عمر بن أحمد الكرخي القزويني.
- تاريخ النسخ: ٦٥٥ هـ.
- نوع النسخ: نسخ معتاد.
- عدد الأوراق: ٢٧٣ ورقة.
* المجلد الثاني:
وهو عبارة عن النسخة الخطية المحفوظة بجامعة الكويت تحت رقم (٣٤٠٩) م. ك مصورات، عن النسخة المحفوظة بشستربتي بأيرلندا.
وهي نسخة خطية كثيرة التصحيفات بها سقط كبير، وحدث بها تقديم وتأخير يسر الله لي ترتيبه.
- اسم الناسخ: غير معلوم.
- تاريخ النسخ: في حدود القرن الثامن الهجري.
стр. 57
- نوع النسخ: نسخ معتاد.
- عدد الأوراق: ١٣٤ ورقة.
стр. 58
المبحث الثاني "توثيق الكتاب "
لا شك أخي الحبيب -إن شاء الله تعالى- في أن هذا الكتاب وهو "شرح المسند" من تأليف الإِمام الرافعي، والكتاب مشهور معروف بين أهل العلم، وإليك بعض ما يوثق الكتاب ويوثق النسخة الخطية المحققة:
١ - وجد على طرَّة المجلد الأول والثاني نسبة الكتاب للإمام الرافعي، كما أن المجلدين ينقسمان إلى أجزاء في بداية كل جزء ينسب الكتاب للإمام الرافعي.
٢ - نسبه إليه الكثير من العلماء أذكر منهم:
- الذهبي في "السير" (٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
- ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٨١).
- ابن العماد في "الشذرات" (٥/ ١٠٨).
- حاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٦٨٣).
٣ - نقل الكثير من العلماء واستفاد من "شرح المسند" كما ذكرت من قبل، وهو موجود في النسخة الخطية بتمامه، أخص منهم: السيوطي في "تنوير الحوالك" فهو كثير النقل عن هذا الشرح، انظر مثلا (١/ ٤٦) من "تنوير الحوالك" فقد نقل عن الإِمام الرافعي شرح حديث أبي قتادة في الهرة أن النبي ﷺ قال: "إنها من الطوافين عليكم ... "، وأيضًا (١/ ٦٥) في الكلام على السواك.
стр. 59
المبحث الثالث "منهج التحقيق "
١ - نسخت المجلد الأول بمشاركة أخي: هاني العشماوي، ونسخ المجلد الثاني أ/ مُحَمَّد فاروق رشاد.
٢ - قابلت المجلد الأول بمشاركة أ/ مُحَمَّد فاروق رشاد، وقابل هو المجلد الثاني بمشاركة أ/ السيد محمود المر.
٣ - قابلت بعض المواطن المشكلة مرة ثانية على الأصل الخطي للتثبت، كما قابلت أحاديث المسند الواردة في هذا الشرح على المسند المطبوع، كما قابلت تجارب الكتاب مع أ/ أحمد فؤاد.
٤ - عزوت الآيات القرآنية الكريمة لمواضعها من المصحف الشريف.
٥ - ضبطت النص وصححته وذلك بالرجوع في الغالب إلى المصادر التي يعزو إليها المؤلف أو ينقل عنها بدون تصريح مثل كتب الإِمام البيهقي، فما كان من خطأ واضح صححته، وما كان مشكلًا تركته على ما جاء في الأصل وعلقت في الهامش، كما لم أعلق على بعض التصحيفات الموجودة في الشرح وخاصة المجلد الثاني.
٦ - عزوت تخريج أحاديث المسند للمصادر التي ذكرها المصنف ولم أزد عليه إلا لحاجة أوضحها.
٧ - خرجت الأحاديث الواردة خلال "الشرح" من الكتب الستة و"صحيح ابن خزيمة" و"ابن حبان" و"ابن الجارود" و"الحاكم"، مع الاستشهاد لها بالصحة والاستحسان أو الضعف من كلام الأئمة المعتبرين، ولم أخرج قوله: وفي الباب عن ... حتى لا أطيل بذلك
стр. 60
ولم أتوسع في التخريج فقد اعتنى بذلك الشيخ مجدي عرفات في كتابه "شافي العي" والدكتور ماهر الفحل في تحقيقه ترتيب المسند لسنجر الجارلي، والدكتور رفعت فوزي في تحقيقه للمسند.
٨ - رقمت الأحاديث الخاصة بالمسند.
٩ - نسَّقت فقرات الكتاب، ووضعت علامات الترقيم المناسبة، فأبرزت نَصّ الحديث ليسهل الوقوف عليه.
١٠ - وضعت فهارس علمية للكتاب اشتملت على الآتي:
- فهرس الآيات.
- فهرس الأحاديث.
- فهرس الآثار.
- فهرس لتراجم رجال المسند.
- فهرس الفوائد اللغوية.
- فهرس الموضوعات.
وقد بذلت قصارى جهدي في إخراج هذا الكتاب، فما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وما كان من توفيق فمن الله وحده، وأسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتي، آمين.
ولا أنسى أن أذكر كل من ساهم في إخراج هذا العمل الطيب جزاهم الله خيرًا:
- أخي الفاضل: مصطفى أبو الغيط على اختياره هذا العمل لي.
- أخي الفاضل وزوج أختي: أبو أحمد أشرف أبو زيد النزيلي على إحضاره لي المخطوط من جامعة الكويت، فإنه لم يتوانى في ذلك.
- الإخوة الأفاضل: عبد المؤمن أحمد، سامح مُحَمَّد عبد المغيث، أسامة مُحَمَّد بكر، عمرو محمود رزق، مُحَمَّد عبد القادر
стр. 61
شرارة، إسلام عبد العزيز، إسلام أبو بكرة على تحفيزهم لي لإخراج هذا العمل.
وأخيرًا لا أدعي كمالًا ولا أني أتيت بكل ما هو مطلوب لكن حسبي أني بذلت قصار جهدي على حسب الطاقة ومن الله نستمد العون والسداد؛ فإن أحسنت ووفقت فذاك من الله؛ وإن أسأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
وكتبه أبو بكر
وائل مُحَمَّد بكر زهران
شنشور - أشمون - المنوفية
العاشر من ذي الحجة ١٤٢٥ هـ
стр. 62
المبحث الرابع "نماذج من المخطوط "
ظهرية المجلد الأول
стр. 63
اللوحة الأولى من المجلد الثاني
стр. 64
ظهرية المجلد الثاني
стр. 65
آخر أصل الكتاب
стр. 66
شرحُ مسند الشافعي
تأليف
الإِمام العلامة حجة الإِسلام
عبد الكريم بن محمَّد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني
أبي القاسم الرافعي الشافعي
المتوفى سنة ٦٢٣هـ
حقَّقَه
أبو بكر وائل محمَّد بكر زهران
(دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث)
المجلدُ الأوَّلُ
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أفتتح القول بحمد الله الذي اطمأنت بذكره القلوب، وازَّينت بشكره الأفواه، وعنت لعزته الوجوه، وخضعت لعظمته الجباه، ثم أصلي على رسوله مُحَمَّد وعلى آله وصحبه ممن هاجر معه ونصره وآواه، الذين صِين بهم الدين [.. (١) ..] وزيد للشرع القويم المهاد، ثم نقول:
إن الأحاديث والآثار التي أودعها كتُبه إمام أئمة المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، أبو عبد الله مُحَمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁ وأرضاه هي التي عليها اعتماده وبها اعتداده في ترتيب المذهب وتمهيده وتوطينه وتوطيده، وإنه ﵁ أوردها إيراد محتج بها، ولم يتفق له إفراد ما أسنده ورواه بالجمع؛ لاشتغاله باستنباط الأحكام وتهذيب مسائل الحلال والحرام، وعلى ذلك مضت عصور وخلت قرون، ثم عني بجمع ما أسنده مفرقًا في الكتب جماعة من أصحاب أصحابه، منهم: أبو نعيم عبد الملك بن مُحَمَّد بن عدي الجرجاني (٢)، روى مجموعه عنه: ابن صادق أحمد بن مُحَمَّد بن عمر (٣)، ومنهم: أبو
стр. 68
العباس مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف الأصم (١)، ومجموعه هو المتداول بين أهل الحديث والفقه المعروف بـ "مسند الشافعي" ﵁، وقد سمع ما جمعه من الربيع عن الشافعي والبويطي [.. (٢) ..]﵁ في "الأم" وبعض "الأمالي"، ويروي مجموعه [.. (٣) ..] أبو زكريا يحيى بن مُحَمَّد بن إبراهيم المزّكي (٤)، والقاضي أبو بكر [.. (٥) ..] الحسين الحيري (٦) وبروايته اشتهر الكتاب عند المتأخرين [.. (٧) ..] الجم الغفير منهم: أبو القاسم الفضل بن أبي حرب الجرجاني (٨).
стр. 69
[.. (١) ..] وأبو علي الإِمام الحسين بن شعيب السنجي (٢) [.. (٣) ..] على (١/ ق ٢ - ب) (الإِمام [.. (٤) ..] قدس الله روحه بروايته عن المطهر بن علي العباسي.
وعن إسماعيل بن أبي سعد الصوفي عن أبي القاسم الكرخي، وعن عمر بن أحمد الصفار عن نصر الله الخشنامي وأبي القاسم الجرجاني، وعن أبي سعد مُحَمَّد بن أحمد النوقاني عن أبي الحسن المديني، بروايتهم جميعًا عن القاضي الحيري.
ثم قرأت الكتاب بتمامه في مجلسين على عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران بسماعه عن عمر الصفار بإسناده.
وأرويه بالإجازة العالية عن أبي منصور الديلمي وطاهر المقدسي عن السلارمكيّ، وعن جماعة عن الشيروي ﵏.
ويقال: إن هذا المسند جمعه لأبي العباس: أبو عمرو بن مطر، ولم يبلغنا أن أحدًا شرح هذا الكتاب مع اشتهاره بأنه "مسند الشافعي" ﵁، ومع أن الأئمة أدرجوه في أصول كتب الحديث، ومع كثرة حاجة الفقهاء والمحدثين إلى مراجعته، نعم للحافظ الإِمام أبي بكر البيهقي ﵀ كتاب "معرفة السنن والآثار" التي رواها الشافعي في كتبه،
стр. 70
لكنه لا يتعلق بنظم هذا المسند، وغرضه الكلام في تصحيح رواياته وإيراد شواهدها لا الشرح المطلق.
стр. 71
[كتاب الطهارة]
الأصل
[١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، ثنا مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة -رجل من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة (١/ ق ٣ - أ) ﵁ يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟ فقال: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١).
الشرح
مالك إمام دار الهجرة، أبو عبد الله بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، انتهى العلم إليه بالحرمين وانتشرت كتبه وأصحابه ومذهبه، وعن الشافعي ﵁ أنه قال في تصنيفه "الموطأ": ما بعد
стр. 72
كتاب الله كتاب هو أكثر صوابًا من موطأ مالك، وهمَّ هارون الرشيد بأن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه؛ فمنعه مالك لورعه، وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار واختلفوا, ولكلٍّ اجتهاد فاترك الناس وما أخذوا منهم، ويذكر أنه إذا جلس مجلسه لم ينطق بشيء حتى يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلم الحكيم.
ولد سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع (١).
وصفوان بن سليم أبو الحارث، ويقال: أبو عبد الله، مولى حميد ابن عبد الرحمن بن عوف، سمع: عطاء بن يسار، وحميد بن عبد الرحمن.
روى عنه: مالك، وسفيان بن عيينة، والدراوردي، وغيرهم، مات سنة أربع وعشرين ومائة.
وعن ابن عيينة أنه قال: كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله تعالى (٢).
وسعيد بن سلمة يقال له: المخزومي، من آل [[بن] (٣) الأزرق، وعكس بعض الرواة الاسمين، فقال: سلمة بن سعيد، وبدل بعضهم فقال: عبد الله بن سعيد.
стр. 73
روى عن سعيد: صفوان، وعمرو بن الحارث، وغيرهما (١).
والمغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وروى عن: أبي هريرة وغيره.
ووهم بعضهم فقال: المغيرة بن أبي بر (٢)، وجعل بعضهم مكانه في الإسناد عبد الله بن المغيرة، والأول أثبت (٣).
وأبو هريرة (٤) الدوسي من مشهوري الصحابة، اسمه في الإِسلام: عبد الرحمن أو عبد الله، وفي الجاهلية: عبد شمس، أو عبد غنم، أو عبد نهم، أو سكتتين، أو عامر، كلُّ قيل، وقيل غيرها، نزل المدينة وكان قدومه على رسول الله ﷺ وإسلامه عام خيبر، توفي [...] (٥) سنة