موسوعة
مسائل الجمهور
في الفقه الإسلامي
هذه الموسوعة تضمنت أمهات مسائل الفقه الإِسلامي التي قال بها جمهور العلماء من أئمة السلف وصالحي هذه الأمة في خير القرون ابتداء بعصر الصحابة والتابعين وانتهاء بآخر عصر الأئمة المجتهدين
تَأِلْيف
الدكتور: محمد نعيم محمد هاني ساعي
أستاذ الفقه وأصوله - الجامعة الأمريكية المفتوحة
الولَايات المتحدَة
المجلَّد الأوَّل
دار السلام
للطباعة والنشر وَالتوزيع والترجمَة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله دائم الفضل والإنعام والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام سيدنا محمَّد وآله الطيبن وأزواجه الطاهرات وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان على الدوام من السلف الصالح والخلف العظام المبتغين وجه مولانا ذي الجلال والإكرام وبعد.
فهذا كتابنا "موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإِسلامي" قد شاء ربنا أن يرى النور بعد إذ ظل حبيس الخزائن والأوراق أكثر من سبعة عشر عامًا فلله الحمد والشكر على ما أنعم وأتم.
الباعث على تأليف هذا الكتاب
لقد كنت وما زلت أعتقد أنَّ الفقه الإِسلامي هو حياة الأمة ومبعث المتقدم والتحضر فيها بل هو عندي ميزان قوتها وضعفها ومؤشر عزَّتها وهوانها ...
إن الفقه الذي أعنيه ليس كتابًا ودرسًا أو محاضرةً وندوةً ولا حتى استفتاءً وفتوى وحسب، بل هو قبل ذلك علم وعمل ومعرفة وأخلاق، وأعظم من ذلك كله دستور وقانون وحاكم وسلطان ... إنه بكلمةٍ مختضرةٍ هوية شعبٍ وكيان أمة .... إنه كتاب ناطق وسنَّة ماضية ... إن الفقه يا أحبتنا .... القرآنُ الكريمُ بسوره وآياته وعبره وعظاته، وأمره ونهيه .... إنه سنة الحبيب المصطفى ﷺ بكل ما فيها من حب ورحمة وأدب وتواضعٍ وهدًى ورشاد ....
الناقلون لهذا العلم
وإذا كان الفقه بهذا المعنى الكبير فلابد أن يتناسق حاملوه وناقلوه مع ما ذكرناه .... نعم أيها القراء الأعزاء .. إنهم العلماء والفقهاء .. إنهم ورثة الأنبياء، وطريق الأولياء .. تلقٍ وإسناد وزهدٌ وعزوفٌ وعزة واستغناء، وخضوع وإِخباتٌ ... وصدق وإباء .. إنها بعض صفات الناقلين لهذا العلم الجليل ... ولو أنك رأيت الفقه الإِسلامي وقد تخلَّفت عنه بعض معانيه التي ذكرنا أو بعض صفات حامليه وناقليه التي إليها نوَّهنا وأشرنا فاعلم أنه ليس هو الفقه الذي أراده النبي ﷺ بقوله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" ... نعم ليس هو الفقه ذاك .. إن فقهًا تُباع به الأديان. وتشتري به الذمم أو فقهًا تُطرق به أبواب الدنيا ويتلهى به عن الآخرة. ليس هو فقه الإِسلام والدين الذي ذكره
стр. 3
ربنا في كتابه بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .. وإن الفقه الذي صار قاصرًا على الحرف والقلم. وانفصل عن ميادين الحياة والذمم .. ليس هو الفقه الذي أمر به مولانا عندما قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ...
فإذا كان هذا الذي ذكرناه قد كان بعضه أو جله ولا زال كائنًا فهل هي نهاية الدنيا وآخر الأمر؟؟ ... لا وألف لا .. إنه نور الله لابد أن يتم (١) .. وهو دينه لابد أن يظهره على الدين كله (٢) .. وإنه التجديد في دين هذه الأمة لابد كائن (٣) ولولا هذا وذاك لما شرع قلم أو خط بنان .. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
مسائل الإجماع
لا يختلف فقيه أو عالم على أهمية الإجماع في الشريعة الإِسلامية، إذ هو ركن ركين من أركان الفقه الإِسلامي وهو في حقيقته عمود هذا الدين الذي قام عليه في قسميه العقدي والتشريعي ونحن هنا سنخصُّ القسم التشريعي. في الكلام على مواده وبعض ما يؤخذ على المشتغلين به، وأما الإجماع في قسمه العقدي. فقد إنتهينا بحمد الله وفضله من الكلام عليه وفق قواعد النظر والاستدل في كتابنا "القانون في عقائد الفرق الإِسلامية" بوضع قانونٍ يرجع إليه المختلفون في العقائد من أصحاب المقالات والفرق الإِسلامية إذا راموا وحدةً علميةً فيما بينهم تقوم على أصول هذا الدين وفق منهاج لا مجاملة فيه ولا مداهنة يعتمد على "قواطع الوحي واللغة والعقل".
الإجماع "المتفق عليه "
والإجماع الذي نعني هو الإجماع المتفق عليه الذي مهما بحثت له عن مخالفٍ من المجتهدين كثر أو قلَّ كان مشهورًا أو مغمورًا (٤) فإنك لن تجد له سبيلًا.
стр. 4
وهذا الإجماع قسمان: قسم يعلمه الخاصة والعامة من المسلمين وهو المسمى عندهم بـ "المعلوم من الدين بالضرورة" كفرض الحج والصيام والصلوات الخمس والزكاة وبعض التفصيلات في تلك الأركان كوجوب الطواف والسعي والوقوف بعرفة ووجوب الإمساك في رمضان في نهاره وحل الإفطار في ليله وأن الصلاة فيها قيام وقراءة وركوع وسجود وغير ذلك، ومن هذا القبيل علم الخاصة والعامة بتحريم الزنا والربا والخمر والميسر وقذف الأعراض ونحو ذلك، ومن هذا القبيل كذلك تحريم التبرُّج وكشف العورات في الجملة ووجوب التستر والتحشُم والعفاف، فهذا النوع من الإجماع لا يحتاج لبحث أو اطلاع أو سؤال عالم أو استفتاء فقيه.
وقسم آخر من الإجماع هو في حقيقته تفصيل للقسم الأول، وهذا إنما يعرفه الخاصة من المسلمين وهم علماء الشريعة وفقهاؤها، وأما العامة ففرضهم سؤال أهل العلم واستفتاؤهم (١) ومن هذا القبيل: إجماعهم على أن القصر جائز في السفر المعتبر (٢)، وإجماعهم على بعض أنصبة الزكاة المفروضة، وإجماعهم على بعض مناسك الحج ووجوب الدماء في بعض محظوراته، ومن هذا القبيل إجماعهم على معنى التستر الذي أمرت به المرأة وهو "الحجاب" وهو ستر البدن كله ما عدا الوجه والكفين (٣)، وغير ذلك، وإنما يقل معرفه العامة في المسلمين بهذا القسم ويكثر بحسب إقبال الناس على العلم والاحتكاك بالعلماء والتلقي عنهم، وهذا في حقيقته يعكس حال أمة الإِسلام تقدمًا وتخلُّفًا، فهذه الأمة كانت أيام عزها وريادتها مقبلة على العلم والتعلم عارفة بكثير مما أجمع عليه العلماء واختلفوا فيه، ولما تخلفت وتأخرت دبَّ فيها العجز وفشا الجهل بأبسط معارف دينها ودنياها فلله الأمر من قبل ومن بعد.
الإجماع المُدَّعى
وأما الإجماع بغير المعنى الذي ذكرناه وبقسميه السابقين فقد تعددت مراتبه وكثر مدَّعوه، من ذلك فتوى الصحابي الذي لم يعلم له مخالف بين سائر الصحابة، ومن
стр. 5
ذلك اتفاف الخلفاء الراشدين أو اتفاف أهل الحرمين أو اتفاق أهل المدينة أو اتفاق أكثر أهل العلم فكل ذلك لا يُعَدُّ إجماعًا على التحقيق في مذهبنا ومذهب جمهور أهل العلم من الأصوليين والفقهاء، وهذا النوع من إجماع المُدَّعى أكثر من الإجماع المتفق عليه الذي ذكرته أولًا وقد شكلت مسائل هذا النوع من الإجماع (أعني الإجماع المدعى) أكثر مادة "موسوعة الإجماع في الفقه الإِسلامي" للشيخ الفاضل الأستاذ "سعدي أبو حبيب". أجزل الله مثوبته مما جعل موسوعته مزيجًا وخليطًا من مسائل الاتفاق ومسائل الاختلاف، بل حتى مسائل مقطوع بالإجماع فيها. ومسائل مقطوع بالخلاف فيها وقد صرح هو حفظه الله بهذا المزج في مقدمة كتابه، إلا أنه يعاب على المصنف أكرمه الله تعالى أنه لم يلتزم بالتمييز بين المسائل التي ثبت فيها الإجماع أو صحَّ وبين المسائل التىِ ثبت فيها الخلاف المعتبر؛ بل وفي كثير من الأحيان المسائل التي اشتد فيها الخلاف.
فإن قال قائل: لكن المصنف لم يلتزم بتعريف معين للإجماع كما ذكرت، وكما بين هو فلا يصح أن ينازع فيما أدخله في كتابه في شتى أنواع الإجماع.
والجواب: أن هذا التوجيه لا يصح لأن المصنِّف حفظه الله تعالى قد فسح المجال في هامش كتابه لنقد بعض المسائل التي ادُّعِيَ فيها الإجماع لعدةٍ من الأئمة، وكان معظمها من نصيب ابن حزم الأندلسي -رحمه الله تعالى-، ومن كتابه "نقد مراتب الإجماع" لكن الشيخ سعدي حفظه الله كما قلت لم يلتزم بهذا المنهج في كثير من المسائل التي ثبت فيها الخلاف؛ بل والخلاف الشديد في بعض الأحيان، وكان من اليسير على الشيخ أكرمه الله أن يثبت هذا الخلاف في هامش كتابه؛ لأن هذا الخلاف موجود في نفس المصدر، وفي نفس الصحيفة في بعض الأحيان التي نقل منها أو منه المسألة التي ادعِيَ فيها الإجماع (١)، وهذا عندي خلل يذهب بفائدة كبرى من فوائد تلك الموسوعة وهي التمييز بين ما لا يجوز فيه الخلاف ولا الاجتهاد، وبين ما يجوز فيه ذلك، وبين ما ليس فيه سعة للناس وبين ما لهم فيه سعة وبحبوحة يستوي في هذا الأمر الأخير العامةُ والخاصةُ، وهناك أمور أخرى تؤخذ على موسوعة الإجماع ليس هذا مجال بسطها الآن (٢).
стр. 6
أهمية اتفاق أكثر أهل العلم أو "قول الجمهور "
لقد ذكرت فيما مضى أن "اتفاق أكثر أهل العلم" لا يُعتبر إجماعًا عند أكثر الأصوليين والفقهاء، وهو كذلك. إلا أن هذا لا يقلل من شأن قولهم، بل إنه في حقيقته يعزز من مكانته ولو لم يكن لقول "الجمهور" إلا اختلاف العلماء في اعتباره إجماعًا لكفى، فكيف إذا عرف القارئ ما لقول "الجمهور" من أهمية وفضل فوق هذا الذي ذكرناه. فلا أظنه يعجب بعد ذلك من إنفاقنا الوقت والجهد والمال لتأليف هذه الموسوعة المباركة.
موسوعة مسائل "الجمهور" صلة وصلٍ بين الأصول وبين الفروع
إن المستقرأ لأحكام الشريعة يجد أنها تنقسم إلى قسمين رئيسين: أصول مجمع عليها، وفروع مختلف فيها، ويجد كذلك أن الفروع المختلف فيها تنقسم إلى قسمين: فروع أشتد فيها الخلاف (١)، وفروع ضعف فيها الخلاف (٢)، وهذا القسم الأخير يضعف فيه الخلاف ويضيق حتى يقترب جدّا من مسائل الإجماع. وقد لا يكون هذا فتبقى المسألة أقرب إلى مسائل الخلاف، وهذا هو بكل تبسيط واستقراء حال مسائل الجمهور التي قمنا بجمعها في هذه الموسوعة المباركة إنها أشبه ما تكون بالمواد الضرورية لحماية هيكل البناء أو العمران فلا هي هيكل وقواعد وأعمدة، ولا هي في الوقت نفسه تزويق أو تزيين أو كماليات للبناء لكنها بين ذلك وذاك من غير أن يستغنى واحد منهما عنها.
مسائل الجمهور وأمهات مسائل الفقه الإِسلامي
للفقه مسائل هي قوامه وأصله، عليها وعلى أساسها قام التشريع الإِسلامي، وعليها وعلى تفريعاتها جرى معظم جهد الفقهاء وأئمة العلم، هذه المسائل تُسمى عند العلماء بـ "أمهات مسائل الفقه" وهي مسائل تتناول أبواب الفقه من أولها إلى آخرها عبادات ومعاملات، وهذه المسائل في حقيقتها تمثل المادة الخام التي تشكلت منها تصورات
стр. 7
موالإِسلام ومفاهيمه العامة، فمسائل الطهارة في أصولها من تقسيم المياه إلى طاهرة مطهرة وطاهرة غير مطهرة ومتنجسة وتقسيم الماء إلى قليل وكثير، ومسائل تطهير المتنجس من ثوب أو بدن أو مكان، ومسائل شروط صحَّة الصلاة من وضوء وغسل وستر عورة واستقبال قبلة، وتفصيلات مسائل الوضوء والغسل وما يوجبهما ويفسدهما.
أقول هذه كلها أمهات مسائل ولو ذهبت أستقصي سائر أبواب الفقه لما انتهينا إلا بوضع مصنف برمته يلتقط درر تللث المسائل ويجمع شملها، فإذا عرف القارئ أن مسائل الجمهور هي معظم أمهات مسائل الفقه الإِسلامي (١) إن لم تكن كلها وإذا عرف القارئ كذلك أننا ضممنا إلى مسائل الجمهور كثيرًا من مسائل الإجماع أو الاتفاق المتعلقة بها، فلا أظن بعد هذا أن كتابنا هذا قد ترك من أمهات مسائل الفقه إلا القدر اليسير والنادر (٢) وكتاب هذا شأنه أرجو من الله تعالى أن تتم به الفائدة ويكثر به النفع.
مسائل الجمهور ومقاصد الشريعة وكليَّاتها الكبرى
لقد استقصينا مسائل الجمهور التىِ جمعناها واستقرأنا معانيها التي تضمنتها فما وجدناها في غالبها الأغلب إلا منسجمة ومتناسقة مع مقاصد الشريعة وقواعدها وكلياتها "الكبرى" فمقاصد الحرص على التطهر والتنظف من الأدناس والأرجاس، ومقاصد التخفيف والتيسير ورفع الحرج في العبادات خاصة؛ كلها متفقة مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في تفصيلات تلك المسائل، ومقاصد الأمر بالتستر والتحشم وحفظ العورات وسد أبواب التعدِّي على الأعراض والأموال والدماء، ومقاصد الردع والزجر في أبواب الحدود والجنايات، أقول: كل ذلك منسجم في معظمه كما قلت مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والعلماء، وقيل الأمر نفسه في سائر مقاصد الشريعة، وكلياتها ولا غرابة في هذا؛ فإنه من مقتضيات البناء الإِسلامي الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة.
مسائل الجمهور وقواعد الفقه
وإذا كانت القواعد الفقهية التي وضعها الفقهاء بعد استنباطهم لأحكام الفقه من
стр. 8
أدلتها التفصيلية لا تبتعد كثيرًا في روحها عن مقاصد الشريعة، فلا عجيب بعد ذلك أن تأتي مسائل الجمهور منسجمة في غالبها الأغلب مع تلك القواعد، فقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" أو قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع" أو قاعدة "الأمور بمقاصدها"، أو قاعدة "العادة محكمة"، وغير ذلك من قواعد الفقه الكبرى لا تذهب بعيدًا عما قال جمهور الفقهاء والعلماء.
مسائل الجمهور وأدلَّة الفقهاء في المسائل المتنازع فيها
إن المستقرأ لمسائل الجمهور والأدلة التي استندت إليها يجد أنها في الغالب الأغلب أقوى دليلًا وأظهر حجة بالمقارنة مع أدلة من خالف الجمهور من بعض أهل العلم المجتهدين وأئمته، وهذا الترجيح الذي خلصنا إليه وإن كان ترجيحًا اعتباريًّا في أعيان المسائل وتفصيلاتها، إلا أنه في ظني ترجيح صادق في جملته وعمومه، فقد يختلف أهل النظر من المشتغلين في الفقه وعلومه في المسألة الفلانية مثلًا التي قال فيها الجمهور بقول. أهو أرجح دليلًا وأقوى حجة من قول من خالفهم؟ أم أن قول غيرهم أقوى وأظهر؟ إلا أن هؤلاء الناظرين لو جمعوا مسائل الجمهور كلها الراجح منها والمرجوح لوجدوا والله تعالى أعلم أن ما رجح منها يفوق بكثير المرجوح والضعيف (١)، وقد رأيت المشتغلين بمذاهب الأئمة ونقل أقوالهم يجنحون إلى هذا الذي ذكرته أو نحوه كابن المنذر وابن رشد وابن حجر وغيرهم رحمهم الله تعالى.
" ترجيح مذهب الجمهور في الجملة" له أسبابه
ولما بحثنا عن الأسباب الكامنة وراء قوة قول الجمهور في الجملة ورجحانه، وجدنا ما تقر به الأعين وتلذُ به الأنفس، وهاك أيها القارئ الحبيب بعضها:
стр. 9
مسائل الجمهور وقول "أكثر الصحابة والتابعين "
أولًا: لن تجد في الغالب الأغلب قول الجمهور من الفقهاء المجتهدين في الأعصر المختلفة إلا وهو موافق لقول أكثر الصحابة أو التابعين أو قول أكثر الصحابة والتابعين معًا إذا وجد (١) لأكثر هؤلاء رضي الله تعالى عنهم قول في المسألة التي قال بها الجمهور من الفقهاء، وهذا أمر مفروع منه توصلنا إليه بالبحث والاستقراء، وهذا السبب وحده فيه من قوة الترجيح ما يعتز به الفقيه ويفخر وذلك بالنظر إلى حقيقته ومعناه.
مسائل الجمهور وبلوغ الخبر النبوي لبعض المجتهدين دون بعض
ثانيًا: إذا كان من بين أسباب الخلاف بين الأئمه المجتهدين هو بلوغ الحديث النبوي على صاحبه أفضل صلاة وأتم سلام لبعض المجتهدين دون بعض، فإنك لن تجد في الغالب الأغلب الجمهور من الفقهاء يذهبون إلى قول إلا والحديث الشريف والنص النبوي في المسألة معهم لا يتركهم ولا يتركونه، وإن فات البعض من الأئمة هذا الحديثُ فهو من نصيب غير الجمهور في الجملة والغالب الأغلب.
مسائل الجمهور وترك العمل بالخبر النبوي لمعارضة ظاهره أصلًا من أصول بعض المجتهدين
ثالثًا: وسواء كان هذا الأصل "عمل أهل المدينة" أو "القياس" أو "عموم الكتاب" أو "النص قطعي الثبوت" أو غير ذلك، فإن هناك تلازمًا في الجملة وفي الغالب الأغلب (٢) بين صحة الخبر النبوي (وسلامته من قوادح الشذوذ والعلة ومعارضة
стр. 10
الإجماع الثابت) وبن قول الجمهور، فخلاف مالك للجمهور مشهور في مسائل ترك العمل بالحديث الصحيح والذي قد يرويه هو أحيانًا ﵀ لمخالفة ظاهره عمل أهل المدينة، وكذلك خلاف أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- للجمهور مشهور في مسائل ترك العمل بالحديث الثابت لمعارضته عموم نص قرآني، أو غير ذلك من خلاف بعض الأئمة المجتهدين للجمهور لبعض ما ذكرته.
مسائل الجمهور والقوة الكامنة في قول الأكثر والأغلب
رابعًا: وهذا أمر تشهد له العقول، ويرتاح له النظر، وهو أن القوة في القول والسلامة في الرأي هي في الغالب في جانب الأكثر والأغلب ما دامت قضية تقبل الخطأ والصواب، وهو أمر لا ينحصر في مسائل الفقه المختلف فيها، وإنما هو أمر عام في كل مسألة أو قضيةٍ تحتمل أكثر من رأي كونها ليست من قواطع العارف ولا من ثوابت الأمور، فما جلس جماعةً من الناس يناقشون مسألة مما يصح فيها القبول والرفض، أو الإقدام والإحجام، أو الصحة والفساد، أو غير ذلك من الأضداد وانفض مجلسهم عن ذهاب أكثرهم إلى كذا، إلا رأيت المطَّلع عليهم بداهةً يذهب في الغالب إلى الوقوف عند هؤلاء الأكثرين والأخذ برأيهم إذا ما توفر في هؤلاء المجتمعين شرطان أساسان النزاهة والأهلية، فإذا عدت أيها القارئ الفطن إلى مسائل الفقه الظنية، وهي التي تقبل الاختلاف وتعدد الآراء فلن تجد الأمر يعدو ما ذكرناه في جملته؛ والله تعالى أعلم وأعز وأحكم.
عودة إلى بيان أهمية موسوعة "مسائل الجمهور "
مسائل الجمهور "والحديث الضعيف "
لقد كان موقف بعض الأئمة من الحديث الذي قصر إسناده عن إلحاقه بمرتبة "المقبول" (١) أنهم اعتبروا أمورًا لتقوية العمل بهذا الحديث والأخذ به، منها أن يقول
стр. 11
بمعناه أكثر أهل العلم وجمهورهم.
قال الإِمام النووي -رحمه الله تعالى-: قال الشافعي ﵀: وأحتج بمرسل كبار التابعي إذا أسند من جهةٍ أخرى، أو أرسله من أَخَذَ عن غير رجال الأول ممن يقبل عنه العلم، أو وافق قول بعض الصحابة، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه. قال (يعني الشافعي): ولا أقبل مرسل غير كبار التابعين، ولا مرسلهم إلا بالشرط الذي وصفته. قال النووي: هذا نصُّ الشافعي في الرسالة وغيرها وكذا نقله عنه الأئمة المحققون من أصحابنا الفقهاء والمحدثين، كالبيهقي والخطيب البغدادي وآخرين، ولا فرق في هذا عنده (يعني عند الشافعي) بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره، هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون .. اهـ (١).
وكان موقف كثير من الفقهاء القول بمقتضى حدثنا اختلف في قبوله ورده إذا صار إلى العمل به أكثر أهل العلم، انظر ما ذكره الموفق ابن قدامة في المغني في كثير من المسائل من هذا القبيل، منها مسألة الأضراس والأسنان في أن ديتهما واحدة، مع أن دليل المسألة حديثان مختلف في قبولها وردهما. الأول كتاب عمرو بن حزم، والثاني رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٢) قال الموفق ابن قدامة ﵀ فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار وقول أكثر أهل العلم أولى .. اهـ.
وانظر مسألة أقل الطهر أنه خمسة عشر يومًا واحتجاج العلماء بالحديث الضعيف الوارد فيه لقول جمهور العلماء به. في إعلاء السنن ج ١ ص ٢٥٣.
قول الجمهور ومجتهدو أو مرجحو المذاهب الفقهية
وكذلك كان "قول الجمهور" أحد الاعتبارات التي اعتمد عليها كثير من الفقهاء المجتهدين ومرجحي المذاهب الفقهية في اعتماد قول أو ترجيح رواية, ومن هذا القبيل قول الشافعي في مسألة توريث الجد مع الإخوة: مع أن ما ذهبت إليه قول الأكثر من أهل الفقه بالبلدان قديمًا وحديثًا (٣) .. اهـ.
ومن هذا القبيل: ترجيح المزني قول الشافعي في القديم من مذهبه بجواز المسح على
стр. 12
الجرموق خلافًا لقوله الجديد بالمنع من ذلك تحرزًا من انفراد الشافعي عن سائر العلماء الذين وافقوه في مذهبه القديم. قال المزني ﵀: قال الشافعي ﵁ (١): ولا يمسح على جرموقين. قال (يعني الشافعي) في القديم يمسح عليهما (قال المزنى) قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافًا وقوله (يعني قول الشافعي) معهم (يعني مع العلماء) أولى به من انفراده عنهم (٢) .. اهـ.
ومن هذا القبيل: ترجيح الموفق ابن قدامة إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ باعتبارات عدة. منها أنه قول أكثر أهل العلم، ومن أمثلة ذلك: اختلاف الروايتين عن أحمد في من جنى على سنٍّ فسودها هل فيها حكومة، أم ثلث الدية (٣). ومن أمثلته: ما قاله الموفق في مسألة الموضحة في الوجه والرأس وأنها فيهما سواء وقد روى عن أحمد ما يخالف ويوافق هذا، قال الموفق: وحمل كلام أحمد على هذا (يعني التسوية فيهما) أولى من حمله على ما يخالف الخبر وقول أكثر أهل العلم (٤) اهـ.
ومن هذا القبيل: ترجيح الإِمام ابن بطال المالكي لإحدى الروايتين عن مالك رحمه الله تعالى في مسألة التكبير بعد الفراغ من التشهد الأول من حين بدء قيامه إلى الركعة الثالثة أو بعد انتصابه قائمًا قال ابن بطال: وهذا الذي يوافق الجمهور أولى (يعني الرواية الأولى)، قال: وهو الذي تشهد له الآثار .. اهـ نقله عنه النووي رحمه الله تعالى (٥).
قال الحافظ ابن الصلاح ذاكرًا بعض ما يترجح به أحد القولين للشافعي أو الوجهين للأصحاب (يعني أصحاب الشافعي في المذهب): ويترجح أيضًا ما وافق أكثر أئمة المذاهب، قال النووي: وهذا الذي قاله فيه ظهور واحتمال (٦). اهـ.
" قول الجمهور" وقاعدة "الخروج من خلاف العلماء مستحبٌّ "
نقل غير واحدٍ من الأئمة اتفاق العلماء على استحباب الخروج من خلاف العلماء في
стр. 13
المسائل المتنازع فيها إذا أمكن ذلك (١) فقهًا وتطبيقًا، وقد جرى عمل الفقهاء على هذا في مصنَّفاتهم رحمهم الله تعالى وهي قاعدة جليلة فيها ورع واحتياط، وفهم لمقاصد الشريعة، وأدب بين المختلفين من أهل الفقه والمجتهدين.
قال الإِمام ابن قدامة ﵀ بعد ما ذكر القولين لأهل العلم في وقت جواز صلاة الجمعة، وهما بعد الزوال وقبله قال ﵀: إذا ثبت هذا فالأولى أن لا تصلي إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف ويفعلها في الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه في أكثر أوقاته (٢) .. اهـ.
وقال الإِمام الشيرازي صاحب المهذب ﵀: قال الشافعي: وأحب أن لا يقصر في أقل من ثلاثة أيام، قال الشيرازي: وإنما استحب ذلك (يعني الشافعي) ليخرج من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة لا يبيح القصر إلا في ثلاثة أيام (يعني مسيرة ثلاثة أيام) (٣) .. اهـ.
قال النووي في نفس المسألة: قال الشافعي والأصحاب: والأفضل أن لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة وغيره مِمَّن سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى (٤) .. اهـ.
وقال النووي -رحمه الله تعالى- في مسألة ترتيب القضاء بين الفوائت من الصلوات: إذا فاته صلاة أو صلوات استحب أن يقدم الفائتة على فريضة الوقت المؤداة، وأن يرتب الفوائت فيقضي الأولى ثمَّ الثانية ثمَّ الثالثة وهكذا لحديث جابرٍ، وللخروج من خلاف العلماء الذي سنذكره إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء (٥) .. اهـ.
فإذا كان الخروج من خلاف العلماء في الجملة مستحبًّا ومطلوبًا، وسواء قلَّ المختلفون أم كثروا، فكيف إذا كان المخالفون أكثر العلماء، وجمهورهم لا شك أن الخروج من
стр. 14
خلافهم أشد طلبًا وأكثر استحبابًا, ولا يمكن معرفة هذا إلا بمعرفة أقوالهم ونقل مذاهبهم ولعل عملنا هذا أن يسهم في ذلك. وبالله التوفيق (١).
مكانة "مذهب الجمهور" عند العلماء وموقفهم منه
لا يمكن للمشتغل في الفقه الإِسلامي اشتغال الباحثين الغواصين في بحاره وبين درره ولآلئه أن يجهل أو يتجاهل مكانة قول الجمهور ومذهبهم عند أئمة الفقه وأهل العلم، ولعل هذه المكانه تبدو جليَّة للمطَّلع على كلام أهل هذا الفن ومصنفاتهم بأمور عدةٍ، منها ما ذكرناه في الصفحات الماضية ويضاف إليه أمور:
أولًا: إفراغ الوسع في عدم مخالفتهم أو الانفراد عنهم لا من قبيل المجاملة أو المداهنة، فليس في علوم الشريعة شيء من هذا أو ذاك وإنما اعتدادًا واعتبارًا بمدرك قولهم، وأدلة مذهبهم واجتماع كثرتهم على القول أو الرأي الواحد، فاجتماع عددهم مع توفر صفات العلم والتقوى والنزاهة مظنَّة الصواب والرأي السديد، وإنفراد غيرهم عنهم مظنة الخطأ والشطط والجنوح البعيد.
وكذلك كان فعل الأئمة إذا تعارضت عندهم الأدلة في المسألة ولم يتبين لهم فيها قول، فقول الجمهور لا مندوحه عنه أو التوقف في المسألة بِرُمتها.
فإذا عرفت هذا فلا غرابة أن يقول الإِمام الكبير أبو الزناد: وربَّما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيًا (٢) .. اهـ.
وهذا مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ يقول:
إن حقّا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لأكثر مَنْ مضى قبله (٣).
وهذا الشافعي يحاج خصمه في مسألةِ بيع المدبر، فيحتج عليه خصمه بأن المنع من بيع المدبر هو قول أكثر الفقهاء، فيرد عليه الشافعي ﵀ بقوله:
بل قول أكثر الفقهاء أن يباع، فيحتج الخصم أن أهل المدينة لا يقولونه، فيرد عليه
стр. 15
الشافعي بذكر من يقول من أهل المدينة ومكة والعراق ببيعه ثم يقول ﵀:
وقول أكثر التابعين ببيعه فكيف ادعيت فيه الأكثر والأكثر ممن مضى عليك,. مع أنه لا حجة لأحدٍ مع السنة (١) .. اهـ.
ثانيًا: الاعتناء بنقل أقوال الجمهور ومذاهبهم، فقل أن ترى مصنفًا في فقه المذاهب إلا وصاحبه مهتم بنقل قول الجمهور في المسائل التي فيها قول، ابتداءً بالإمام الكبير أبي بكر ابن المنذر النيسابوري في القرن الثالث الهجري وانتهاءً بما يعلمه الله تعالى من عمر هذه الدنيا وبقاء علوم الفقه والشريعة، ومرورًا بالإمام الماوردي وابن عبد البر وابن رشد والقرطبي والقاضي عياض والخطابي والبغوي وابن قدامة والنووي والحافظ ابن حجر العسقلاني والبدر العيني والشوكاني وغيرهم كثير وكثير رحمهم الله تعالى وحشرنا في زمرتهم آمين.
ثالثًا: قد ذكرت فيما مضى تنويهًا اختلاف الأصوليين والفقهاء في الاحتجاج بقول جمهور العلماء، أو بانعقاد الإجماع مع مخالفة العدد اليسير من الفقهاء، فالذي عليه جمهور الأصوليين والفقهاء: أن الإجماع لا ينعقد ولو مع مخالفة المجتهد الواحد الموجود في عصر الأكثرين، وهو مذهب جماهير أصحاب أئمة المذاهب الأربعة، وذهب الغزالي ﵀ إلى غير هذا، قال ﵀: والمذهب انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل.
ونقل الآمدي مذهب الغزالي عن محمَّد بن جرير الطبري وأيي الحسين الخياط، وألمح إلى هذا الشيخ أبو محمَّد الجويني والد إمام الحرمين، لكن مراده والله تعالى أعلم إجماع الأكثر مع عدم العلم بالأقل الذي خالف، قال -رحمه الله تعالى-: والشرط أن يجمع جمهور تلك الطبقة ووجوههم ومعظمهم، ولسنا نشترط قول جميعهم، وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من المجتهدين من لم نسمع به فإن السلف الصالح كانوا يعلمون ويتسترون بالعلم (٢).
ونقل عن ابن الحاجب أن إجماع الأكثر حجة، ولكنه ليس إجماعًا، وحكى الآمدي أن المخالفين للأكثر إذا بلغوا عدد التواتر قدح في الإجماع، وإلا فلا، وذكره بعضهم عن ابن جرير في الصحيح من معنى قوله في هذه المسألة، وقيل: إجماع الأكثر أولى وليس
стр. 16
حجة، وقيل: يقدح مخالفه الاثنين فما فوق دون الواحد، وقيل غير ذلك (١).
حديث "إذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم "
استشهد بهذا الحديث من يقول إن اتفاق الأكثر حجة يجب المصير إليه وأوردوه في كتبهم ونوزع في دلالته وفي إسناده، وأنا أذكر أصل الحديث وما قيل فيه، وما جاء في معناه من الأحاديث والآثار.
أخرج أحمد في مسنده وابن ماجه وصححه السيوطي في الجامع الصغير عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أمتي لا تجتمع على ضلالٍ فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم" (٢).
قال الإِمام المناوي ﵀: أي فعليكم بالسواد الأعظم من أهل الإِسلام أي الزموا متابعة جماهير المسلمين، فهو الحق الواجب، والفرض الثابت الذي لا يجوز خلافه، فمن خالف مات ميتهً جاهليةً .. اهـ.
وأخرج أحمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله ﷺ قام فينا بمقامي فيكم فقال:
"أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد، ألا فمن سَرَّهُ بَحْبَحَةُ الجنة فليلزم الجماعة، فإنَّ الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأةٍ فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرَّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن".
استدل به الشافعي ﵀ على حجيَّة الإجماع (٣). قلت: ولو استدل به على حجية قول الجمهور لم يكن بعيدًا بل قد يكون قويًّا؛ لأن الجماعة المعنية بالحديث ليست الكل، وإنما الأكثر والأغلب والسواد الأعظم دلَّ عليه قوله ﷺ : "وهو من الاثنين أبعد" إلا أن هذا الحديث وشبهه محلُّهُ في أصول الدين والشرائع لا في الفروع، وقد بينَّت هذا أشد توضيح في كتابي "القانون في عقائد الفرق الإِسلامية" والله الموفق لا رب سواه.
стр. 17
وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة؛ فإن الله لن يجمع أمتي إلا على الهدى" أخرجه أحمد والترمذي وذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وله شواهد عند الترمذي (١).
وأخرج أحمد في المسند عن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفي (الصحابي ﵁) وهو محجوب بالبصرة، فسلمت عليه. قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة. قال (يعني عبد الله بن أبي أوفي): لعن الله الأزارقة لعن الله الأزارقة. حدثنا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النار. قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها.
قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم، قال: فتناول (يعني عبد الله بن أبي أوفي) يدي فغمزها غمزةً شديدةً ثم قال: ويحك يا ابن جمهان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته، فأخبره بما تعلم، فإن قَبِلَ منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات .. اهـ.
قلت: وهذه الأخبار وشبهها كلها كما قلت في الأصول لا الفروع، وقصدنا بذكرها التنبيه على هذا، وإن كان جوهر معناها لا يبعد عما نحن فيه من باب الاستئناس لا الاعتماد والاستقلال. والله ولي التوفيق.
مستند النقل عن الجمهور
ليس لآحاد الناس في هذا الزمان أن ينسبوا إلى الجمهور من فقهاء الإِسلام وأئمته قولًا أو رأيًا هكذا بالتشهِّي، أو بالتخمين، وسواء كان هؤلاء الآحاد خاصةً أو عامة؛ لأن الأمر في هذا من باب الإخبار، والخبر لابد فيه من تحري الصدق وخاصةً إذا كان نقلًا عن أكابر الأمة وصالحيها، فإذا ثبت هذا فإن النقل عن الجمهور له طريقان، أحدهما قوي، والآخر ضعيف.
أما القوي: فهو إسناد العهدة إلى من عرف من العلماء بالأمانة في النقل والاطلاع
стр. 18
على أقاويل الفقهاء ومذاهبهم، حتى صار عمدة في هذا الباب عند الموافق والمخالف كالنووي وابن قدامة وغيرهما رحمهم الله تعالى جميعًا.
وكلما اقترب زمان هذا العالم الأمين المطلع الناقل من زمان أصحاب المذاهب والأقاويل الفقهية كلما كان النقل أثبت، وكلما كانت النسبة إلى جمهورهم أقوى وأجود.
وأما الطريق الآخر الضعيف: فهو الاجتهاد في هذا الزمان بإفراغ الوسع وبذل الطاقة في البحث والاطلاع على تلك الأقاويل والمذاهب التي بلغنا علمها وَوَصَلنا ذِكْرهَا في المطبوع من المصنفات والمؤلفات الفقهية التي اشتهرت بذكر المذاهب الفقهية، وأعني بتلك المصنَّفات والمؤلفات: القديم منها الذي يرجع إلى أقرب زمان لأصحاب المذاهب الفقهية والأئمة المجتهدين، وهذا الزمان ينتهي عندي بالاطلاع والاستقراء بالإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري، والمتوفى عام (٨٥٢ هـ) فكل من جاء بعده رحمه الله تعالى وذكر مذاهب الفقهاء وأقاويلهم إنما نقل عنه أو عمن قبله، وسواء صرّح هؤلاء الناقلون في كثير من الأحيان بذلك أو لم يصرحوا في بعض الأحيان، وهذا الطريق الضعيف لا يصح في طريقة نقله إلا أن يقال: أكثر من بلغنا قوله من أهل العلم أو الفقهاء احتياطًا وورعًا.
وإنما قلنا إنه طريق ضعيف؛ لأنه نقل وإثبات للمعلوم والموجود في زماننا فقد يكون ما غاب عنا علمه من أقاويل الفقهاء ومذاهبهم في نفس المسألة ما يقدح في نسبه هذا القول أو غيره إلى أكثر العلماء أو جمهورهم.
مستندنا في هذه "الموسوعة المباركة " (١)
لقد كان مستندنا في هذا الكتاب الجديد "موسوعة مسائل الجمهور" جُلُّهُ من الطريق الأول القوي، ولم نذكر فيه من المسائل من الطريف الثاني. إلا الشيء اليسير الذي لا يكاد يُذكر لقلته بالنظر لعدد المسائل كلها التي تضمنتها هذه الموسوعة، وقد نبَّهنا على تلك المسائل بذكر ما يوضِّح أنها من اجتهادنا وبضاعتنا ولقد جرى لنا بتوفيق الله كثير من تلك المسائل ما أبهج لساننا بالشكر والحمد لربنا ذي الفضل والإنعام، فقد
стр. 19
اجتهدت في بعض مسائل الكتاب في نسبتها إلى الجمهور مع التنبية على ذلك، ثم كان أن اطلعت على بعض المراجع والمصادر القديمة فوجدت المسألة مذكورةً بالتصريح بنسبتها إلى الجمهور، فحذفت ما يفيد أنها من اجتهادي ونسبتها إلى قائلها ممن صرح بأنها قول الجمهور، فكانت سعادةً ما بعدها سعادةً، وفرحةً ما بعدها فرحة أن صار لي بفضل الله ورحمته من الأنس بأقوال العلماء ومذاهبهم وأُلْفِ كلامهم ما جعل اجتهادي في نسبة القول إلى أكثرهم أو جمهورهم يقرب من الحقيقة أو يصييها، فحمدًا لله تعالى أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وسرًا وجهرًا.
مستندنا من الطريق الأول
لقد ذكرنا أن مستندنا في هذه الموسوعة كان جله من الطريق الأول، وذكرنا هناك أنه كلما اقترب زمان الناقل من زمان الأئمة المجتهدين كلما كان أثبت وأجود وأقوى، وهذا ما فعلناه بحمد الله تعالى في عملنا هذا، فقد فتشنا عن أقرب هؤلاء الناقلين رحمهم الله تعالى إلى زمان الأئمة والفقهاء المجتهدين مع التحري عن الأمانة والنزاهة والإنصاف والاطلاع الواسع والدقة في النقل، فوجدنا جماعة من هؤلاء الأفاضل والعلماء الكبار جعلناهم العمدة في هذه الموسوعة، وجعلنا ما سواهم أنسًا وعضدًا وهذا ذكرٌ مختصرٌ لهم رتبناهم حسب أسنانهم (١) أدبًا رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الإِمام الكبير أبو بكر بن المنذر
قل أن ترى إمامًا من بعد القرن الرابع الهجري يذكر الفقه ومذاهبه إلا وهو ينقل عن هذا الجهبذ الكبير محمَّد بن إبراهيم ابن المنذر أبي بكر النيسابوري شيخ الناقلين لمذاهب الفقهاء وأقاويلهم، وُلد قريبًا من منتصف القرن الثالث. وتوفي في العقد الثاني من القرن الرابع (٢) له تصانيف كثيرة لا يوجد منها إلا شيء يسير أهمه بعض كتابه "الإشراف على مذاهب أهل العلم" والذي جعلناه بعض أهم مصادرنا في هذه
стр. 20
الموسوعة، أجمع المترجمون لهذا الإِمام الجليل على سعة اطلاعه وأمانته ونزاهته ودقة نقله حتى صار عمدةً في شيئين أحدهما أعظم من الآخر، الأول: حكايته الإجماع، والثاني: نقل مذاهب الفقهاء وخاصةً مذهب الجمهور والعامة منهم، مع تحفظنا على بعض الناقلين عنه لبعض مسائل الإجماع؛ فقد ثبت لدينا أن بعضها لا يسلم من وجود المخالف المعتبر خلافه (١) وليس على ابن المنذر رحمه الله تعالى في هذا مأخذ، فقد كان دقيقًا في عبارته التي يستعملها ويصدر بها نقله للإجماع وغيره، فهو يقول: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وأجمع أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم" "وأكثر من نحفظ عنه من أهل العلم" "وبه يقول عوام أهل العلم، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم، وهذا قول كل من أحفظ عنه من أهل العلم. وغير ذلك من العبارات التي تترك مكانًا ولو صغيرًا لمن قد يثبت خلافه ممن لم يصل علمه لابن المنذر رحمه الله تعالى، فإذا قال ﵀ أجمع أهل العلم، فعضَّ على ذلك بالنواجذ في الغالب، والله تعالى أعلم، رحمه الله تعالى ابن المنذر وجزاه عنا وعن الإِسلام خير الجزاء.
قاضي القضاة الإِمام الكبير أبو الحسن الماوردي (٣٦٤ هـ - ٤٥٠ ه ـ)
لا أظن أن أحدًا قرأ لهذا العَلَم الكبير إلا وشُغف به حبًّا ﵀، وكأنه موسوعة في الفقه والأخلاق معًا, ولِمَ نقول كأنه بل هو كذلك ولا نزكِى على الله تعالى أحدًا، فهو عمدة في نقل مذاهب الفقهاء عامة وجمهورهم خاصة وقيل الأمر نفسه في حكايته الإجماع، وحكاية أقاويل من شذَّ عن جمهور أهل العلم وعوامهم مع القصد في تخطئة المخالفين والأدب الجم في حكاية أقاويلهم وأدلتهم وهو منفرد مستقل بالنقل عن الأئمة والفقهاء صاحب إسنادٍ ورواية، ناقدٌ للأخبار والآثار, خبير في مذهب الشافعي ونصوصه، بحر في معرفة المذاهب والآراء، صاحب إنصاف وأمانة، هو عندي أجلُّ وأقدم من اعتنى بنقل مذاهب الفقهاء وأقاويلهم بعد ابن المنذر قرأ ودرس وصنَّف
стр. 21
وأفاد وأجاد ﵀ رحمة واسعة، قد آن الأوان ليأخذ هذا الإِمام مكانه الصحيح من بين سائر علماء الأمة وفقهائها، وخاصةً بعد قيام بعض أهل العلم الفضلاء بطبع كتابه العظيم "الحاوي الكبير" ومنه نقلنا وعليه استندنا في كثير من مسائل موسوعتنا. فأجزل الله المثوبة لحبيبنا الماوردي، وشكر الله لكل من خدم كتابه الجليل وسائر كتبه والحمد لله أولًا وآخرًا.
الإِمام الكبير محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد (٥٢٠ هـ = ٥٩٥ ه ـ)
أحد الأئمة الأعلام من لان له الفقه وأدلته كما لان الحديد لداود، فصيح البيان، أديب اللسان، حافظ للمذاهب، عارف بالأدلة، سهل العبارة، قوي الإشارة، رزق الله تعالى كتابه "بداية المجتهد" القبول عند خلقه فصار أشهر كتابٍ في الفقه المقارن في حجمه، اعتمدنا عليه في موسوعتنا مع التحفُّظ في ما يدل ظاهره أنه مذهب الجمهور، وفيما ينقله عن بعض الأئمة من مذاهب، ولعله كان ﵀ كثيرًا ما يعتمد على حافظته وكتابه هذا عمدة في النظر للمبتدئين وكفاية للمقتصدين كما أشار هو ﵀ في ثنايا كتابه، فعليه الرحمة والرضوان، وجمعنا وإياه وجميع العلماء العاملين في دار الكرامة آمين.
الإِمام الكبير فقيه الحنابلة موفق الدين عبد الله أبو محمَّد ابن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي (٥٤١ هـ = ٦٣٠ ه ـ)
قرأنا وراجعنا كتابه الشهير "المغني" مرتين فوجدناه ﵀ قد اختص من بين الأقران بالقدرة الفائقة بعناية الله تعالى على اختصار المسألة والأقوال فيها وأدلتها بما لا يحتاج فيها إلى مزيد ولا يصح فيها أخصر من ذلك بعبارة سهلة واضحة، مع التحقيق والتدقيق والأمانة في النقل والأدب والإنصاف مع المخالفين، وهو يُعتبر عندنا بحق مع كتاب المجموع للنووي صلة الوصل بين السلف والخلف في فقه المذاهب وأقوال الفقهاء.
لا يجوز في أحد هذين الكتابين الاستغناء عنهما ولا الاختصار ولا التلخيص (١)،
стр. 22
فهما كما قال أحمد بن حنبل ﵀ في الشافعي: كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذين من بدل أو عنهما من عوض؟؟.
وقد اعتمدنا في موسوعتنا على هذين الكتابين الجليلين في ترتيب الأبواب والمسائل الفقهية والنقل لمذاهب الفقهاء ومذهب الجمهور وحكاية الإجماع أو الاتفاق أو عدم العلم بالمخالف، وإني أشهد بما أعلم من كتاب المغني أنُّ الموفق -رحمه الله تعالى- كان موفقًا بحقٍ وحقيق فهو ثقةٌ أمين, منصف أديب، عارف بالمذاهب وأدلتها، ناقد للأخبار وأسانيدها مع بعض الأخطاء اليسيرة في النقل لبعض الأقوال وبعض مسائل الإجماع، وعذره في ذلك -واللُّه تعالى أعلم- اختلاف الرواية عن بعض الأئمة أو النقل عنهم، وعدم العلم بالمخالف، أو عدم اعتبار المخالف في المسألة لضعف الرواية عنه أو لشذوذ شديد في قوله، وقد أثبتنا بعض هذه الملاحظات في موسوعتنا هذه، وفي تعليقنا على المغني الذي نسأل الله تعالى أن يعيننا على إخراجه للناس ابتغاء التبرك بخدمة الشيخ الموفق وكتابه، وإظهارًا لمزيد من القيمة العلمية لهذا العمل الجليل. فرحم الله تعالى الموفق، ووفقنا للحوق به وسائر شيوخ صالحية دمشق في الفردوس الأعلى مع النبين والصِّدِّيقينَ والشهداء والصالحين، إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه آمين.
الإِمام الرباني والعالم الصمداني محيي الملة والدين أبو زكريا يحيى بن شرف النواوي (٦٣١ هـ = ٦٧٦ ه ـ)
لا أمل من قراءة كتبه أو النظر في مصنفاته، بكينا كثيرًا لذكر سيرته والإطلاع على أحواله، أحببناه فوق العادة، وشُغفنا بطريقته ومَسلكه حتى لم نستطع في كتابنا "فقه السنن" إلا أن نحذو حذوه ونقتفي أثره، حتى لكأننا بضعة منه، ولا أظنُّ أن الزمان إلى الآن قد جاد بمثل هذا الإِمام الجليل، وكان أخصَّ ما اختصَّ به -رحمه الله تعالى- هو أنسه باللُّه وانشغاله الكامل عن الخلق، واشتغاله بما يرضي خالقه، وكأنه ﵁ قد ألهمه الله تعالى بقصر عمره وقلة بقائه في هذه الدار الفانية (١)، نعم لقد أحسَّ أنه -رحمه الله تعالى- كان يسابق الأجل بكل كلمة وبكل حرف، لا يضيع لحظة من وقته في غير ما ينفعه
стр. 23
في آخرته، أو يقرِّبه عند ربه، لا يبالي بإدبار الدنيا وإقبالها, ولا (١) بهجوم الناس عليه أو نفورهم عنه، هيبةُ الله في قلبه تحاقرت عندها ممالك السلاطين وتيجانهم، كان صوَّامًا قوَّامًا لا يأكل من فاكهة ولا خضرة دَمشق لكثرة ما فيها من أوقاف ورعًا واحتياطًا، خوَّفهُ الملك الظاهر وهدده كي يفتي بجواز أخذ الضرائب للصرف على الجند وحرب الأعداء من الكفار فامتنع -رحمه الله تعالى- عن الفتوى حتى يُخْرِجَ السلطان والأمراء والوزراء ما عندهم من الحلي والمتاع الفاخر فيُباع لمصلحة المقاتلة والجند فإذا احتيج بعد ذلك للمال أفتى بجوازه، فهدده الملك الظاهر بالسجن وغيره فهدده الإِمام النووي بالله، فلم يلبث الملك الظاهر حتى مات، فهؤلاء رجال ... وها هنا أقوام يزعمون أنهم رجال وهم (السابقون) رجال يفتون السلطان قبل أن يستفتيهم ويعطونه ما يريد من دينهم قبل أن يسألهم!!! فلله الأمر من قبل ومن بعد.
لقد خضع الموافق والمخالف لهذا العالم الجليل، وأجمع الناس على تبحُّره في مذهب الشافعي وسائر الأئمة رحمهم الله تعالى، وأنه كان من أهل الإنصاف والنزاهة والأمانة والدقة في النقل، فلذا جعلنا مجموعه عمدة في موسوعتنا, ولمَّا لم يَكْمُلْ المجموع بانقضاء أجل مؤلفه عليه الرحمة والرضوان استعضنا عمَّا فاتنا من المجموع بما ذكره النووي في شرح صحيح مسلم وشيء يسير من روضة الطالبين، لقد أكثر النووي -رحمه الله تعالى- من النقل في كتابيه هذين عن الإمامين أبي بكر ابن المنذر والقاضي عياض (٢) صاحب الشفاء وشرح مسلم وكلاهما إمام وعمدة، ولولا ما فيهما من صفات الأمانة والنزاهة وسعة الاطلاع لما اعتمد عليهما إمامنا النووي رحمهم الله تعالى ولولا خشية الإطالة على القارئ لما أمسكنا عن الكلام عن هذا العالم الفريد فجزاه الله عنا وعن المسلمين والإِسلام خير ما جازي عالمًا عن أمته.
стр. 24
أئمة آخرون نقلنا عنهم وأفدنا منهم
لم نكتف بالنقل عمن ذكرناهم من الأئمة، لكنا نقلنا عن غيرهم وأفدنا منهم بالتثبت والتوثيق في مسائل الجمهور التي نقلها البعض، أو بعض المسائل التي حكى فيها الإجماع، أو في نسبة بعض الأقوال لقائليها من الفقهاء والأئمة، أو في توجيه بعض الأقوال المستغربة كما فعلنا في القول المنسوب لأبي حنيفة -رحمه الله تعالى- من جواز استئجار المرأة للزنى، فوضَّحنا هذا القول ووجهناه بما يزيل غباره ويخفف غرابته بما حكاه أهل مذهبه من العارفين بمرامي الإِمام ومدارك أقواله.
ومن هؤلاء الأئمة الذين نقلنا عنهم وأفدنا منهم: الإِمام الكبير أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار, وابن عبد البر في التمهيد وغيره، وعلاء الدين السمرقندي في تحفة الفقهاء، والقرطبي في التفسير، وابن حجر في فتح الباري، والشوكاني في نيل الأوطار فهؤلاء سيجد القارئ كثيرًا منهم قد أثبتنا أسماءهم في بعض المسائل في أصل الكتاب أو في هامشه ونقلنا عن غير هؤلاء في هامش الكتاب لنقل قولٍ لإمام أو توضيح مسألةٍ أو توثيق قولٍ أو غير ذلك مما تقتضيه مقاصد كتابنا ومراميه، وعلى رأس هؤلاء إمام دار الهجرة مالك بن أنس في مدونته، والإمام الكبير محمَّد بن الحسن الشيباني في الحجة على أهل المدينة، والإمام الحجة أبو بكر الرازي الجصاص وصِنْوُهُ العَلَمُ الرحَّالةُ أبو بكر بن العربي. وغيرهم رحمهم الله تعالى وأجزل مثوبتهم.
عملنا في هذه الموسوعة
١ - لم نرتض في كثير من مسائل هذه الموسوعة (وبقدر المكنة) أن نثبت المسائل عن ناقليها بدون توثيق أو تحقيق، وذلك للتحقق من نسبة الأقوال إلى قائليها وخاصة الأئمة أصحاب المذاهب المعروفة، فرجعنا إلى أكثر من مصدر للتحقق من ذلك.
٢ - لم نرتض في كل مسألةٍ أثبتناها في أصل الكتاب إلا أن يصرِّح الناقلون لها أنها
قول الجمهور على اختلاف مراتبه (١).
٣ - كل مسألة لم يصرِّح الناقلون لها أنها قول الجمهور، وغلب على ظننا بالتحرِّي والبحث والرجوع إلى المصادر أنها قول الجمهور ميَّزناها عن غيرها بقولنا: أكثر من بلغنا قوله من أهل العلم، أو جمهور من بلغنا قوله من أهل العلم.
стр. 25
٤ - جهدنا أن ننقل المسألة واختلاف الفقهاء فيها بصياغة من عندنا وخاصة عندما يكون في المسألة توزع في الأقوال والمذاهب في أكثر من مصدر حتى نجمع بين أصالة القديم وجزالته وبن سلاسة الحديث ويسر عبارته.
٥ - ميزنا بين مراتب "مذهب الجمهور" بعبارات تفيد ذلك، وأقوى تلك المراتب وأعلاها أن نقول: "مذهب العامة من العلماء" أو "عامة أهل العلم" أو نحو ذلك (١) وذلك عندما يكون المخالف للجمهور عددًا يسيرًا، واحدًا أو اثنين أو نحو ذلك. وأدناها أن نقول: "أكثر أهل العلم" أو "جمهور أهل العلم" وبين هاتين المرتبتين مراتب (٢).
٦ - ذكرنا في الهامش كثيرًا من مسائل الإجماع أو الاتفاق مما لها تعلق بمسائل الجمهور في أصل الكتاب حتى نُضْعِفَ الفائدة للقارئ والمطلع، وميزنا بين مراتب تلك المسائل بعبارات دقيقة (٣).
٧ - جعلنا الهامش ساحة رحبة لخدمة مسائل الموسوعة من التقييدات الضروريات أو التعليقات المفيدات أو الفوائد المهمات أو الشروح لبعض غريب الكلمات بما يثري أصل الكتاب ويزيد من قيمته العلمية.
٨ - ذكرنا كذلك في كثير من مواضع الموسوعة بعض المسائل الفقهية المتفرعة عن مسائل أصل الكتاب مما لا إجماع فيها ولا قول للجمهور، وأفرغنا في ذلك جهدًا كي يتحرر النزاعُ الفقهي في هذه المسائلِ، وكي نضعها في مكانها المناسب بين مسائل الفقه الإسلامي.
٩ - قمنا بتوجيه بعض الأقوال المنسوبة لبعض الأئمة الكبار مما فيه غرابة أو بعد عن المألوف أو نحو ذلك.
١٠ - صححنا بعض الأقوال المنسوبة لبعض الأئمة خطأ بالرجوع إلى مصادر أقوال أولئك رحمهم الله تعالى لم نفرّق في ذلك بين إمام وبين غيره فكلهم عندنا أصحاب
стр. 26
فضل وجميل، متَّعنا الله برؤيتهم في دار كرامته آمين.
موسوعة "مسائل الجمهور" والفوائد التي دل عليها أو يمكن أن يقدمها هذا المشروع الجديد
إذا ثبت ووضح فيما مضى للقراء الأحبة أهمية "قول الجمهور" "ومسائل الجمهور" في الجملة، فإني أحب أن ألخص وأبين بعض الفوائد التي دلَّ عليها أو يمكن أن يقدِّمها هذا المشروع الفقهي الجديد، فأقول وبالله التوفيق.
هذا المشروع وهذه الموسوعة
١ - هو أول جهد علمي يجمع بين دفتيه معظم مسائل الفقه الإِسلامي التي كان لجمهور العلماء فيها قولٌ أو مذهب.
٢ - هو دعوة علمية للاستمساك بقول جمهور الفقهاء في الكثير من المسائل لما لقولهم من ارتباط وثيق بأصول الشريعة ومقاصدها وقواعد الفقه ومعالم هذا الدين.
٣ - وهو في الوقت نفسه امتثال عملي علمي لما أوصى به الأئمة الكبار من التابعين ومن بعدهم أمثال عبيدة السلماني وأبي الزناد ومالك بن أنس وغيرهم من العناية بمذاهب أكثر أهل العلم واتباع أقوال جمهورهم قدر المكنة إذا عز الدليل وعسرت الحجة (١).
٤ - يُعتبر هذا المشروع تأريخًا علميًّا لمدارس الفقه ومذاهبه في ظهورها الأول منذ عصر الصحابة والتابعين وإلى آخر عصر الأئمة المجتهدين أمثال الطبري وابن المنذر (٢).
٥ - جمع هذا المشروع معظم أمهات مسائل الفقه الإِسلامي تلك الأمهات التي على أساسها قام صرح الفقه الإِسلامي وتشريعه، وهو بذا يُعتبر أول مشروع حديث يعتني بهذه المسائل ويبرز أهميتها.
٦ - ضَمَّت هذه الموسوعة إلى جانب أصل مسائلها كثيرًا من مسائل الإجماع أو
стр. 27
الاتفاق التي لها تعلق بأبواب الكتاب ومسائله مما يجعل الفائدة مضاعفة، ولا شك أن من اجتمع عنده أمهات مسائل الفقه أو جُلّها مضمومًا إليها كثير من مسائل الاتفاق فقد كاد أن يجتمع له أصل الفقه الإِسلامي، وسهل عليه بعد ذلك إن كان من المشتغلين بالفقه وأدلته أن يُخَرِّج ويُفَرِّع ما سوى ذلك من المسائل على ذلك الأصل العظيم.
٧ - لخَّصتْ هذه الموسوعة بأسلوبٍ سهلٍ موجزٍ عيون مسائل الفقه الإِسلامي من أهم وأكبر مصادره مما يجعلها خلاصة لثروة علميةٍ فقهية ومرجعًا فقهيًا لا يُستغنى عنه.
٨ - إنَّ هذا المشروع الجديد إذا كان في جانبه الأكبر يسلِّط الضوء على مذاهب جمهور العلماء وأقاويلهم؛ فإنه في جانبه الآخر يبرز صفة عالية من صفات الأمم المتقدمة، تلكم هي الحرية الفكرية عند علماء المسلمين والتي تتجلى في أجمل مظاهرها عندما نرى فقيهًا أو إمامًا لا يهاب أن يخالف قَوْلُهُ جَماهِيرَ علماءِ المسلمين صحابة كانوا أو تابعين أو غيرهم. ما دام الدليلُ الذي قام عنده يعضده ويدلُّ عليه. وهذا في جوهره يمثل قمة الارتقاء الفكري والتقدم العلمي عند علماء هذه الأمة أيام عصورهم الذهبية مما كان له أثره الواضح في الحياة الاجتماعية والسياسية والعلمية وأثرى بالتالي تلك الأعصر بذلك المزيج من الآراء والمذاهب والمدارس والتي عكست بدورها نضوج فكرٍ، وحرية رأي وسعة أفق ورحابة صدرٍ.
٩ - إن هذه الموسوعة تجمع بين دفتيها صفحات مشرقة من تلك الأخلاق العلمية الفذَّة التي تحلى بها علماؤنا وأئمتنا الأقدمون، وكان من أبرز وأجمل تلك الأخلاق: الأمانة والنزاهة والإنصاف ...... أخلاق ميزت تلك الطبقة من العلماء الكبار، حملت أمثال ابن عبد البر "المالكي" وهو ينقل مذاهب الفقهاء ليقول: ولا نعلم أحدًا وافق مالكًا من فقهاء الأمصار في قوله هذا. أو نحو ذلك، وتحمل النووي ﵀ وهو شافعي المذهب على نقل مذهب الشافعي في بعض المسائل التي خالف فيها جمهور العلماء لقول النووي بعد ذلك، وأكثر العلماء أو جمهور العلماء على أنه كذا وكذا؛ يعني خلافًا لقول الشافعي، وأمثال هذا عن ابن عبد البر وابن قدامة والنووي وابن رشد والماوردي وغيرهم كثير، رحمهم الله تعالى ونفعنا الله تعالى بعلومهم وأخلاقهم.
إنَّ القارئ يستطيع أن يستشف بعض تلك الأخلاق من خلال مطالعته لهذه الموسوعة فقط، وأما إذا بذل شيئًا من الجهد ليرجع إلى المصادر التي أثبتناها في أصل الكتاب أو في هامشة وأرجو ذلك - فإنه سيجد عجبًا من تلك الأخلاق المرضية
стр. 28
والنفوس الزكيَّة ما يحمله على إطراق الرأس احترامًا وتقديرًا لأولئك الذين صنعوا تاريخ أمةٍ بأخلاقهم قبل علومهم، ولا شك عندي أنَّ القارئ عندما يستعرض سريعًا بعض أخلاقنا العلمية في هذا الزمان سيشعر بالخجل والتقزز لهذا الهبوط في مستوى الحوار العلمي وذاك الانحطاط في أحوال قلوب وأنفس المختلفين ....
١٠ - وإذا كانت هذه الموسوعة تعني في أصل وضعها بالمسائل التي قال بها جمهور العلماء والفقهاء فإنها في الوقت نفسه موسوعة جمعت في كتاب واحد كل عجيب وغريب من الأقوال الشاذة. والتي انفرد بها بعض أئمة أهل العلم من السَّلف الصالح رحمهم الله تعالى ليجد القارئ فيها إن شاء الله تعالى (أعني الموسوعة) كل شيقٍ وممتع ومفيد، ولتكون له مرجعًا في موسوعتين اثنتين إحداهما للفقه الغالب والمنتشر والأخرى للفقه النادر والمنفرد.
١١ - هذه الأقوال الشاذة التي أشرنا إليها لم نضعها في كتابنا لتكون في جملتها مذهبًا لأحدٍ، فهذا أمر طالما حذَّر العلماء منه ورغبوا عنه، وإنما هو أمر تقتضيه طبيعة الفقه المقارن والأمانة العلمية، وهو في الوقت نفسه رسالة غزيرة المعنى لأهل عصرنا .... نعم إن هذه الأقوال الشاذة التي انفرد بها عدد من فقهاء الصحابة والتابعين أو من جاء بعدهم والتي وصل بعضها في الغرابة والشذوذ حدًا بعيدًا.
أقول: إنَّ هؤلاء المنفردين بهذه الأقوال لو كانوا في عصرنا لوجدوا من أهل الجهالة والمتطفلين على علوم الدين قلبًا غليظًا، وصدرًا ضيقًا حرجًا, ولربما رموا أحدهم بما يستحيا من ذكره ويعف القلم عن سطره بينما تجد أهل الأعصر الأولى لا يزيد أحدهم وهو يورد قول المخالف المنفرد الشاذ. على أن يقول: "وهذا خطأ" أو "وهذا لا يصح" (١) أو نحو ذلك، ثم يواصل سرده العلمي ردًا واستدلًا غير ملتفتٍ لشخص هذا القائل المنفرد أو ذاته أو ذمته أو دينه وإنما كل جهده أن يفند القول بلاغًا لرسالة العلم وتأديةً لأمانته ....
١٢ - وإذا تحدَّثنا عن الأخلاق فلعلَّ من فوائد هذه الموسوعة المباركة أن تكون صلة وصلٍ بين سلف هذه الأمة الصالح وبن خلفها, ولعلها أن توقظ جيلنا الحاضر ليأخذ من سيرة
стр. 29
ماضيه الغابر؛ إذ ليس في هذه الموسوعة إلا أسماء الذهب والياقوت من أكابر علماء الأمة وصالحيها أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
١٣ - هذه الموسوعة تمثِّل في مسائل جمهورها حصنًا حصينًا لأهل العزائم وطلاب الورع والاحتياط في غالبها الأغلب، وهي في الوقت نفسه تمثِّل في جانبها الآخر من الأقوال التي خالفت الجمهور أو انفردت وشذّت عنهم فسحة وبحبحة لأهل المضايق والحاجات، وذلك إذا عز عليهم أن يجدوا بين أقوال الفقهاء وأهل العلم رخصةً تتسع لحاجتهم أو تستوعب نازلتهم.
١٤ - استوعبت هذه الموسوعة مسائل الفقه الإِسلامي بمختلف أبوابه، ورتبت ترتيبًا فقهيًّا ابتداءً بكتاب الطهارة وانتهاء بكتاب عتق أمهات الأولاد، وهي بذا تقدِّم فائدة علمية سريعة لطلاب العلم والباحثين خاصةً والمثقفين وغيرهم بشكلٍ عام.
١٥ - سيجد المفتون وأئمة المساجد والمراكز الإِسلامية إن شاء الله تعالى في هذه الموسوعة بغيةً عزيزةً، وضالةً منشودة؛ إذ أن هذا المشروع في جملته مسائل الفقه التي لا ينفك أحدٌ من العامة عن الحاجة لمعرفة جوانبها أو استفتاء أهل العلم فيها.
١٦ - هذه الموسوعة تأكيد علمي على أن مالكًا وأبا حنيفة والشافعي وأحمد أصحاب المذاهب والمدارس الفقهية المعروفة وغيرهم من فقهاء هذه الأمة ليسوا إلا حلقة من الحلقات العلمية في سلسلة ذهبية فريدة من التلقِّي والتحصيل، وليسوا بدعًا أو اختراعًا، وأنَّ هذه السلسلة بدأت أولى حلقاتها في عصر النبي ﷺ ثمَّ عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم يأخذ فيها الخالف عن السالف والآخر عن الأول.
١٧ - هذه الموسوعة تُعتبر ردًّا علميًا عمليًّا على تلك الموجة الساذجة التي خرجت على الناس قبل نحو خمسين أو ستين عامًا (ولا زالت) تنادي بالقضاء على الخلاف المذهبي والنزاع الفقهية زاعمةً أن الصحابة والتابعن لم يختلفوا إلا في مسائل معدودة، وأنَّ المذاهب الفقيهة شر وبلاء، وأن الفقه الصحيح هو فقه الكتاب "أو فقه الكتاب والسنة" أو "فقه السنة" أو "فقه النبي ﷺ " وأن من أسباب تخلف الأمة وانحطاطها اتباع المذاهب الفقهية والخلاف المذهبي، وأن الأمة صارت بهذا شيعًا وأحزابًا إلى غير ذلك من الدعاوى الجاهلة والمغالطات الظاهرة ....
لقد جهلت أو تجاهلت هذه الفئة أن الخلاف في فروع الفقه مقصد رباني، وغاية تشريعية، وأنه مظهر من مظاهر رحمته تعالى وجمال هذا الدين، وأن الخلاف الذي
стр. 30
ذمَّه الله تعالى في كتابه والتفرُّق الذي نهى عنه ربنا ورسوله ﷺ هو في أصول الدين لا في فروعه وأن الصحابة والتابعين لم يقتصر خلافهم في الفروع على مسائل معدودة، وإنما كان في مسائل كثيرة، بل كان في أمهات مسائل الفقه الفرعية، وأن من جاء بعدهم من الفقهاء المجتهدين عندما اختلفوا في تلك المسائل إنما كانوا فيها على سنن من قبلهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وأنَّ نصوص الكتاب والسنَّة ليست مرتبة واحدة من حيث الدلالة على الحكم ففيها قطعي الدلالة، وهذا لا خلاف في العمل بمقتضاه وهو أحد أدلَّة المسائل المتفق عليها وفيها (النصوص) ظني الدلالة، وهي أحد أسباب الاختلاف بين الفقهاء وعلى رأسهم فقهاء الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم، نعم لقد جهلت هذه الفئة أو تجاهلت كل هذا، وجهلت فوق هذا أو تجاهلت أنَّ هذه الأمة كانت في أوجِّ تقدمها وتحضرها وفتوحاتها وريادتها للعالم أقول كانت هذه الأمة في أوجها مختلفة في فروع دينها, لكنها كانت مجتمعة على أصول دينها ضابطة للخلاف فيما سوي ذلك بمناهج البحث والنظر وقواعد الاجتهاد والاستنباط، وحافظةً كل ذلك أصولًا وفروعًا بسياج قوي من الأخلاق العلمية العالية، مادة هذا السياج وطينته تقوى الله وقصد رضاه، ولعل أن تكون هذه الموسوعة دعوةً صادقةٌ وتنبيهًا مخلصًا لتلك الفئة وغيرها، فإننا نعلم أن كثيرًا من أصحاب تلك الدعوات ما دفعهم لهذا إلا حبهم للكتاب والسنة والسَّلف الصالح، وها نحن تقدم لهم عملًا ومشروعًا جديدًا مادته وأساسه حب الله ورسوله ﷺ وصالحي هذه الأمة عبد الله بن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة وسعيد بن المسيب والحسن البصري والنخعي والزهري وطاوس وابن المبارك والليث والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من سادات هذه الأمة المرضية رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين.
١٨ - لقد كان من بين مقاصد هذه الموسوعة التخفيف من حدّة التعصب للمذاهب والأقوال وأن المسألة الفقهيه المختلف فيها لا يصح أن تخرج عن إطار الخلاف العلمي أو التباين الفكري وأنه خلاف محمود مشروع ما دام في إطار المناهج والقواعد العلمية والأخلاقية.
لقد اختلف الأوائل وفي عصور خير القرون في كثير من فروع الفقه وكان خلافًا يسعهم ويسع من جاء بعدهم إلى يوم القيامة.
إن خلاف الأوائل لم يفسد لهم ودَّا ولا كدّر لهم قلبًا أو نكد عليهم عيشًا ولا أوقف بُرمته مسيرة أمة جعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، فذهبت تفتح مشارق
стр. 31
الأرض ومغاربها، وتضيء للناس دروب الحياة، وتبني لهم منارات في العلم والأدب، وتشيد لهم صروح الاجتماع والسياسة والاقتصاد وسائر أوجه التحضر البشري والتمدن الإنساني وهي أثناء عملها الضخم هذا ما تفتأ تختلف أكابرها وتتعدد آراء أفذاذها وعلمائها وفق مناهج من العلم والخلق الرصين صارت فيما بعد معلمًا من معالم التفوق والسمو الحضاري ..
وإذا اختلف الأوائل وهم على الحال الذي وصفت - في الاعتدال من الركوع أهو ركن أم لا؟ وفي تكبيرة الإحرام أيجزئ عنها غيرها من التكبيرات أم لا؟ وفي النية في الوضوء والغسل. هل هي ركن أم لا؟ وفي عروض التجارة، هل فيها زكاة أم لا؟ وفي أكل الثلج في نهار رمضان أيبطل الصوم أم لا؟ وفي الطهارة لطواف الحج والعمرة هل تشترط أم لا؟ ....
أقول: إذا اختلف الأوائل في تلك المسائل وأشباهها، وهي في أعمدة الإِسلام وأركانه ولم يعطل مسيرة أمةٍ ولم يكن في ذلك وفي تلك الأيام عيب أو شؤم على أهلها، أفيصح أن نجعل الخلاف في التراويح (وهي نافلة) أهي عشرون أم ثماني ركعات، سيفًا بتارًا أو قلمًا هتارًا تُسفك به دماء أو تُهتك به ذمم أو تُقطع لأجله وشائج وأرحام؟!!! إني أرجو من الله تعالى أن يكون من بين ثمرات هذا المصنف (المشروع الجديد) هو الإسهام في عودة الأمة إلى رشدها وأن يكون كالمنبه للغفلان والموقظ للوسنان آمين اللهم آمين.
١٩ - هذا المشروع يعتبر حصانة علميةً لقول الجمهور. وحماية لمذهبهم من أن يُنسب إليهم مالًا يصح، وقد كثر هذا في المصنفات والكتب الحديثة فتري المؤلف بنسب القول الفلاني لجمهور الفقهاء خطأ أو سهوًا أو لنقله عمن لم يتحر دقة النقل، أو لخلط بين اصطلاح جمهور أئمة المذاهب الأربعة وبين غيرهم.
٢٠ - هذه الموسوعة أرجو أن يكون من شأنها أن تفتح لطلاب العلم والباحثين وطلاب الدراسات العليا. آفاقًا في ميادين البحث والاستقراء والإحصاء وحقول الفقه المقارن وأصوله وغير ذلك.
وأخيرًا وليس آخرًا: فإن أقوال الجمهور لها أهميتها الخاصة ومكانتها الرفيعة عند أهل العلم من الفقهاء والأصولين والمحدثين ولعل ما كتبته في هذه المقدمة المتواضعة يلقي الضوء على هذا المشروع الجديد ويرغِّب الخاصة والعامة في اقتنائه والإفادة منه،
стр. 32
بذلت فيه من الجهد ما الله أعلم به، وقصدي من ذلك نفع المسلمين خاصتهم وعامتهم، وأن يكون لي صدقةً جاريةً بعد مماتي وموعظةً حسنةً لأهلي وأولادي وأحبابي، راجيًا من المولى الكريم القبول منه أولًا وأخيرًا، وأن يرزقه الله تعالى استقبالًا حسنًا من الجمهور الكريم من القرَّاء والمطَّلعين والباحثين، لا أزعم أنني قد وفيت بحق هذا الكتاب على الوجه الأكمل ولكنه جهد الضعيف القاصر المحدود إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فهو مني ومن الشيطان، من رأى في هذا الكتاب خيرًا أو أمرًا حسنًا فليدع لنا، ومن رأى عيبًا أو نقصًا أو خطأ فليدلنا عليه مأجورًا مشكورًا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
رموز واصطلاحات "الموسوعة "
وضعنا المسائل في أصل الكتاب التي فيها تصريح من مصادرها بأنها "قول الجمهور" أو "أكثر أهل العلم" على اختلاف مراتبها وأشرنا في نهاية كل مسألة إلى المصدر ورقم الجزء ورقم الصفحة مثاله: مغ ج ٣ ص ١٨٣
كل ما ليس فيه تصريح بأنه قول الجمهور وكان من اجتهادنا وضعناه في أصل الكتاب كذلك ولكن ميزنا بين هذه وبين غيرها بقولنا: "جمهور من بلغنا قوله من أهل العلم" أو "أكثر من بلغنا قوله من أهل العلم" ثم أشرنا إلى المصدر والجزء والصفحة. كما فعلنا في المسائل التي فيها تصريح وهذا النوع من المسائل مصادره أكثر من غيره.
وما سوى هذا من المسائل وسواء كانت إجماعًا (باختلاف مراتبه) أو مسائل متفرِّعة، أو شروح أو تعليقات؛ فقد أشرنا إلى مصادر ذلك في الغالب بنفس الطريقة المذكورة أعلاه، اسم المصدر، والجزء، ورقم الصفحة, ولكن وضعنا ذلك في الهامش.
стр. 33
رموز المصادر:
إشراف: الإشراف على مذاهب أهل العلم لأبي بكر ابن المنذر.
الحاوي: الحاوي الكبير لأبي الحسن الماوردي.
بداية: بداية المجتهد لمحمد بن رشد (الحفيد).
مغ: المغني لموفق الدين ابن قدامة.
مج: المجموع شرح المهذب لأبي زكريا النووي.
قرطبي: الجامع لأحكام القرآن.
فتح: فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني.
شرح: شرح صحيح مسلم لأبي زكريا النووي.
المدونة: المدونة للإمام مالك بن أنس رواية ابن القاسم.
الحجة: الحجة على أهل المدينة للإمام محمَّد بن الحسن الشيباني.
معاني الآثار: شرح معاني الآثار للإمام أبي جعفر الطحاوي.
تحفة: تحفة الفقهاء للإمام علاء الدين السمرقندي.
بدائع: بدائع الصنائع للكاساني.
الجصاص: أحكام القرآن لأبي بكر الرازي الحنفي.
إعلاء السنن: إعلاء السنن للتهانوي.
الشرح الصغير: الشرح الصغير لأحمد الدردير.
تمهيد: التمهيد لابن عبد البر.
محلى: المحلى لابن حزم الأندلسي.
وصلى الله على سيد الخلق وحبيب الحق محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
والحمد لله رب العالمين
وكتبه الفقير إلى رحمة ربه القدير
محمَّد نعيم ساعي غفر الله له ولوالديه وأهله وأولاده وأحبابه وجميع المسلمين. آمين
إلباسو- تكساس- الولايات المتحدة الأمريكية
٧/إبريل/ ٢٠٠٤
стр. 34
موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي
كتاب الطهارة
стр. 35
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد. رب يسر ولا تعسر
كتاب الطهارة
فصل في أحكام المياه
باب في التطهير بماء البحر
مسألة (١) جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على جواز الطهارة بماء البحر من غير كراهة. وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى.
وحكي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم كراهة التطهر به (١). وبه يقول سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- فيما حكى عنه.
مج ج ١ ص ١٣٩. مغ ج ١ ص ٨. بداية ج ١ ص ٣٣. الحاوي ج ١ ص ٤٠.
باب في الماء المشمس
مسألة (٢) جمهور الفقهاء على أنه لا كراهة بالتطهر (٢) بالماء المشمس. وبه يقول مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود وغيرهم. وكره الشافعي التطهر به وقال: ولا أكره المشمس إلا من جهة الطب؛ لكراهية عمر ذلك وقوله "يورث البرص" .. اهـ.
قلت: واعتمد الماوردي الكراهة فيما يخص البدن من تطهير شرب ونحوه. واختار النووي عدم الكراهة.
مج ج ١ ص ١٣٦. الحاوي ج ١ ص ٤٢.
стр. 36
باب في التطهر بماء زمزم
مسألة (٣) جمهور العلماء على أنه لا كراهة في الطهارة بماء زمزم. وروى عن الإِمام أحمد كراهته.
مج ج ١ ص ١٣٩.
باب في الماء المتغير بالمكث
مسألة (٤) جماهير العلماء على أنه لا كراهة في استعمال الماء المتغير بالمكث. وذهب ابن سيرين إلى كراهته. حكاه عنه ابن المنذر.
مج ج ١ ص ١٣٩. بداية ج ١ ص ٣٤. مغ ج ١ ص ١٣.
باب في الماء المسخن
مسألة (٥) جمهور العلماء على أنه لا كراهة في الطهارة بالماء المسخن وسواء سخن بطاهر أو بنجس. روى هذا عن عمر وابنه وابن عباس وأنس ﵃. وبه يقول أهل الحجاز، وحكى عن مجاهد كراهته وأهل العراق. ألمح به الشافعي عنه وصرح به الماوردي فحكاه عن مجاهد جزمًا (١). وروى عن أحمد كراهته إذا سخن بنجاسة.
مج ج ١ ص ١٣٩. مغ ج ١ ص ١٦.
باب في التطهر بغير الماء المطلق هل يجزئ ؟
مسألة (٦) جماهير السلف والخلف على أن رفع الحدث وإزالة النجس لا يصح إلا بالماء المطلق. وبه يقول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وزفر. وهو قول أبي عبيد وأبي يوسف في أن الطهارة لا تكون إلا بالماء.
قلت: قد حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على عدم جواز الطهارة بماء الورد ونحوه.
وقال أبو حنيفة: يجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين (٢) كالخل وماء
стр. 37
الورد وروى عن أحمد ما يدل على نحوه. وحكى عن ابن أبي ليلى وأبي بكر الأصم جواز الطهارة بكل مائع طاهر، وروي عن علي أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ (١). وبه يقول الحسن البصري والأوزاعي، وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال محمَّد بن الحسن: يجمع بين النبيذ والتيمم. حكاه الماوردي عنه (٢).
وقال إسحاق: النبيذ حلوًّا أحب إليَّ من التيمم وجمعهما أحب إليِّ.
وقال أبو حنيفة: بجواز الوضوء بالنبيذ عند فقد الماء كقول عكرمة وحكى عنه تقييده ذلك في السفر وذلك إذا لم يشتد نبيذ التمر إذا عدم الماء. وحكى عنه الجمع بين التيمم وبين الوضوء به وحكى عنه الرجوع إلى قول الجمهور وهو الأصح عند كثير من أهل مذهبه. وحكى عن الأوزاعي وسفيان الثوري جواز الوضوء بأي نبيذ مطلقًا (٣).
مج ج ١ ص ١٤١، مغ ج ١ ص١٠ بداية ج ١ ص ٤٥.
باب التطهر بمياه القنوات الجارية
مسألة (٧) جمهور أهل العلم على جواز الاغتسال والوضوء بمياه الأنهر حيث هي والقنوات الجارية ولا كراهة في ذلك.
وحكى الخطابي عن البعض أنه كره ذلك واستحب أن يؤخذ له الماء في ركوةٍ ونحوها.
مج ج ١ ص ٢١١.
* * *
стр. 38
فصل في ما يفسد الماء وما لا يفسده
باب في الماء المستعمل (١)
مسألة (٨) جمهور السلف والخلف على أن الماء المستعمل في نفسه طاهرٌ. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد، ورُوي عن أحمد يُعفى عن يسيره إذا وقع في الماء إذا تناثر من المتوضئ (٢). وقال أبو يوسف: هو نجس. واختلف فيه عن أبي حنيفة ﵀ على ثلاث روايات. إحداها: كقول الجمهور وهو رواية محمَّد بن الحسن عنه. والثانية نجس نجاسة مخففةً، والثالثة: نجس نجاسة مغلظةً.
مج ج ١ ص ١٩٨.
باب في جواز التطهر بالماء المستعمل
مسألة (٩) أكثر من بلغنا قوله من أهل العلم على جواز التطهر بالماء المستعمل. وبه يقول الزهري ومالك والأوزاعي في أشهر الروايتين عنهما، وبه يقول أبو ثور وداود. قال ابن المنذر: وروى عن علي وابن عمر وأبي أمامة ﵃ وعطاء والحسن ومكحول والنخعي أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد في لحيته بللًا: يكفيه مسحه بذلك البلل. قال ابن المنذر: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرًا، قال: وبه أقول:
قلت: وهو قول أحمد في رواية والشافعي في قولٍ وذهب أبو حنيفة ومالك في روايةٍ والشافعي في ظاهر مذهبه وأحمد إلى أنه ليس بمطهر (٣).
الحاوي ج ١ ص ٢٩٦، مغ ج ١ ص ١٨. مج ج ١ ص ١٩٩.
стр. 39
باب في الماء يقع فيه ما لا نفس له سائلة (١) من الميتات
مسألة (١٠) جمهور العلماء على أن الماء لا ينجس إذا مات فيه ما لا نفس له سائلة وسواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا. وهو قول الشافعي في قديم قوله.
وحكي عن يحيى بن أبي كثير ومحمد بن المنكدر أنه يفسد الماء إذا كان قليلًا. وبه يقول الشافعي في أحد قوليه إذا كان الماء دون القلتين (٢). واختار النووي القول بالطهارة.
مج ج ١ ص ١٧٧ مغ ج ١ ص ٣٩ الحاوي ج ١ ص ٣٢١.
باب في الماء الكثير يقع فيه بول الآدمي وغيره من النجاسات
مسألة (١١) أكثر أهل العلم على أن الماء الكثير إذا بلغ قلتين أو أكثر فإنه لا ينجسه شيء من النجاسات إذا وقع فيه حتى يغير إحدى صفاته من طعم أو لون أو ريح (٣). وسواء وقع فيه بول آدمي أو غيره من سائر النجاسات. وبه يقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وقال أحمد في رواية: ينجس بوقوع بول الآدمي وعذرته فيه ولو لم يغيره. روى هذا عن عليٍّ ﵁ والحسن البصري (٤).
مغ ج ١ ص ٣٧.
стр. 40
باب في الماء يخالطه شيء من الطاهرات (١)
مسألة (١٢) جمهور أهل العلم على أن الماء إذا وقع فيه شيء من الطاهرات فإنه باقٍ على طهوريته حتى تتغير صفته. وبه يقول مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد (٢). وحكى ابن المنذر عن الزهري في كِسَرِ خُبْزٍ بُلَّت غيرت لونه أو لم تغير لونه لا يتوضأ منه. وحكى نحوه عن أم هانئ ﵄ وقال مالك: لا يتوضأ من الماء الذي يُبل فيه الخبز نقله عنه ابن القاسم في المدونة.
قلت: وعندي أن هذا يحمل في قول مالك فيما نقع وتفتت وعيز الماء ويدل عليه قوله ﵀ في الجلد يقع في الماء ثم يخرج لا بأس بالوضوء منه.
باب في الفرق بين قليل الماء الراكد وكثيره إذا وقع فيه نَجَس (٣)
مسألة (١٣) جمهور من بلغنا قوله من أهل العلم على أن الماء الراكد إذا وقع فيه شيء من النجاسات فإنه لا فرق في ذلك بين قليل الماء وكثيره من أنه لا ينجس حتى تتغير صفته من طعم أو لون أو ريح. روي ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم. وهو مروي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي ومالك والأوزاعي والثوري ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد في إحدى الروايتين وداود. قال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول. قال النووي: واختاره الغزالي في الإحياء، واختاره الروياني في كتاب البحر والحلية. قال في البحر: وهو اختياري واختيار جماعةٍ رأيتهم بخراسان والعراق. قال النووي -رحمه الله تعالى: وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا. وقالت طائفة: ينجس قليل الماء بمجرد وقوع النجاسة فيه ولو لم تغير صفة من صفاته ولا