وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال (١).
٤ حديث أبي حميد الساعدي ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري، ومسلم.
٥ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم»، أخرجه البخاري.
٦ حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد»، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة.
قوله: «وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال» أي: إذا انتهى من الصلاة يستعيذ بالله من هذه الأربع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال»، رواه مسلم، وهو في الصحيحين من حديث عائشة من فعله ﷺ . ولعظم خطرها.
والرأي الثاني: الوجوب، وبه قال طاووس، وبعض الظاهرية كابن حزم، وهو رواية عن أحمد.
стр. 107
وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» (١).
وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» (١).
لكن عندنا كما تقدم صارف يصرف عن الوجوب: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «فليقل: التحيات لله والصلوات … ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي .... » أي إذا انتهى من الاستعاذة بالله من هذه الأربع، أو قبل الاستعاذة بالله من هذه الأربع يتخير من الدعاء ما شاء، يتخير من الدعاء أعجبه من خير الدنيا والآخرة.
والأحسن أن يأتي بالوارد عن النبي ﷺ ، وذكر المؤلف ﵀ حديث الصديق ﵁ قال: «وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم»، هذا الحديث في [الصحيحين].
قوله: «وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» الحديث في صحيح مسلم من حديث علي ﵁.
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومما ورد في صحيح السنة من الأدعية بعد التشهد الأخير، وقبل السلام:
١ التعوذ بالله من أربع، وقد سبق.
٢ «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، متفق عليه.
٣ «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»، متفق عليه.
٤ «اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار»، رواه مسلم.
٥ «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وقال الحافظ في البلوغ: «بسند قوي».
٦ «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر»، رواه البخاري.
٧ «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وإسناده جيد.
وذكر ابن تيمية ﵀ ضابطًا بأن ما جاء مقيدًا بدُبر الصلاة فإن كان دعاءً
стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون قبل السلام، وما كان ذكرًا فإنه يكون بعد السلام.
وعلى هذا حديث معاذ ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «يَا مُعَاذُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، يقال قبل السلام لأنه دعاء.
ولم يذكر المؤلف ﵀ كيفية الجلوس في التشهد الأخير، وكما سلف أن هذه الكيفيات لها صفتان:
* صفة مجزئة.
* وصفة كاملة.
أما الصفة المجزئة: فكيفما جلس.
وأما الصفة الكاملة: صفة التورك:
الأولى: وقد رواها البخاري من حديث أبي حميد ﵁: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته»، رواه البخاري.
اليمنى تكون تارة منصوبة وأصابعها جهة القبلة، وتارة يجعل أصابع قدمه اليمنى خلفه فارشًا لها في الخلف.
الثانية: أن يفرش القدمين جميعًا، ويخرجهما من الجانب الأيمن، ويجعل أليتيه على الأرض، وهذه الصفة رواها أبو داود، وابن حبان، والبيهقي عن أبي حميد، وصحَّحه الألباني في صفة الصلاة.
стр. 110
ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله» (١)، وروى ذلك خمسة عشر صحابيًا.
وقال الخرقي: يفرش اليمنى، ويجعل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض. وهذه الصفة رواها مسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄.
لكن هذه الرواية بمعنى الصفة الأولى؛ إذ في أبي داود: «جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه»؛ إذ المخرج للحديثين متحد.
يشرع التورك في التشهد الأخير إذا كان في الصلاة تشهدان، فإن كان تشهد واحد فالافتراش؛ لحديث أبي حميد ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: «ثم ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض .... »، «حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخَّر رجله اليسرى وقعد على شقِّه متوركًا، ثم سلَّم»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه.
ورواه البخاري بلفظ: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته».
قوله: «ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وروى ذلك خمسة عشر صحابيًا» أي: بعد التشهد الأخير يُسلِّم والتسليم هذا ركن وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
واستدلوا:
стр. 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
١ بحديث جابر بن سمرة ﵄ مرفوعًا، وفيه: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه يُسلم على أخيه من على يمينه وشماله»، رواه مسلم. وما دون الكفاية لا يكون مجزئًا.
٢ حديث علي ﵁ مرفوعًا: «وتحليلها التسليم»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم. وإسناده حسن.
٣ مواظبته ﷺ على التسليمتين سفرًا وحضرًا، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أُصلي»، رواه البخاري،
ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه اقتصر على تسليمه واحدة، فعن ابن مسعود ﵁ «أن أميرًا كان بمكة يُسلم تسليمتين، فقال ابن مسعود: أنى عَلِقَهَا؟ إن رسول الله ﷺ كان يفعله»، رواه مسلم.
وعن سعد ﵁ قال: «كنت أرى رسول الله ﷺ يُسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده»، رواه مسلم.
٤ عن مسروق أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يُسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده، أخرجه ابن المنذر. وإسناده صحيح.
٥ عن الحسن بن عمرو قال: ذكر التسليم عند شقيق فقال: «قد صليت خلف عمر وعبد الله، فكلاهما يقولان: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
٦ وعن شقيق بن سلمة قال: «صليت خلف علي فسلَّم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، أخرجه
стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابن أبي شيبة. إسناده حسن.
وعند الشافعي: الفرض تسليمة واحدة، وتُسن الأخرى. واستدل:
١ بظاهر قوله ﷺ في حديث علي ﵁: «وتحليلها التسليم»، والتسليمة الواحدة يقع عليها التسليم.
٢ وأيضًا ما روي أنه ﷺ اقتصر على تسليمة واحدة، كما في حديث عائشة، وأنس، وسلمة ﵃.
قال ابن عبد البر: «أحاديث التسليم (تسليمة واحدة) معلولة، ولا يُصححها أهل العلم بالحديث».
٣ ولوروده عن جمع من الصحابة ﵃: فقد ورد عن حميد قال: «صليتُ مع أنس فكان يُسلّم تسليمة واحدة: السلام عليكم»، رواه ابن المنذر، وابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
وعن سعيد بن مرزبان قال: «صليتُ خلف ابن أبى ليلى فسلَّم واحدة، ثم قال: صليت خلف علي فسلّم واحدة»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده حسن.
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: «رأيت سلمة وهو ابن الأكوع يُسلّم تسليمة إذا انصرف من الصلاة من قِبَل وجهه إذا كان مع الإمام وغيره»، رواه ابن المنذر.
وثبت بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يُسلّم عن يمينه واحدة»، رواه عبد الرزاق.
وعن عائشة ﵂ «أنها كانت تُسلم تسليمة واحدة قبالة وجهها»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٤ أنه ثبت في النفل، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة … »، وفيه: «ثم يسلم تسليمة»، رواه أحمد، والنسائي، قال الحافظ: إسناده على شرط مسلم. وفي لفظ: «ثم يسلم تسليمة واحدة». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. المحفوظ: «ثم يسلم تسليمًا يسمعنا».
وحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها»، رواه أحمد، وابن حبان. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقوَّاه أحمد.
وصيغة التسليم كما ذكرها المؤلف: السلام عليكم ورحمة الله، لحديث ابن مسعود ﵁ وغيره.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ يُكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، ويُسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده»، قال: «ورأيتُ أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك»، رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح.
وعن شقيق قال: قد صليتُ خلف عمر، وعبد الله، فكلاهما يقولان: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، رواه ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح.
وعن عاصم، عن أبي رزين «أن عليًّا كان يُسلم عن يمينه، وعن يساره: السلام عليكم السلام عليكم»، رواه عبد الرزاق. وإسناده حسن.
стр. 114
وكان إذا سلَّم قال: «أستغفر الله»، ثلاثًا، «اللَّهُم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١)،
وروى ابن المنذر عن حميد قال: «صليت مع أنس، فكان يُسلم واحدة: السلام عليكم»، وإسناده حسن.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني نافع، وسألته: كيف كان ابن عمر يُسلم إذا كان إمامكم؟ قال: «عن يمينه واحدة: السلام عليكم»، وإسناده صحيح.
ويكون السلام مع ابتداء الالتفات، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، أن يقول من على يمينه وشماله، كما جاء في حديث جابر بن سمرة ﵁.
قوله: «وكان إذا سلَّم قال: «أستغفر الله»، ثلاثًا، «اللَّهُم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» من رحمة الله أن هذه الأركان العظيمة لها جوابر تجبرها، التوحيد له جوابر، الصلاة لها جوابر، الزكاة، الصيام، الحج، الصلاة لها ثلاثة جوابر:
* الجابر الأول: الذكر بعد السلام يجبر ما يحصل في الصلاة من سهو وغفلة ووسواس ونحو ذلك.
* الجابر الثاني: صلاة التطوع، النوافل.
* الجابر الثالث: سجود السهو.
هذه ثلاث جوابر للصلاة، المؤلف ﵀ ذكر جابرين:
стр. 115
«لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١)، «لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، له النِّعمة وله الفضل وله الثَّناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون» (٢).
الأول: الذكر، فإذا انتهى من صلاته استغفر الله ثلاثًا، كما جاء في حديث ثوبان في [صحيح مسلم]؛ أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، هذا هو السنَّة، بعض الناس إذا انتهى من صلاته قال: أستغفر الله التواب الرحيم الجليل الكريم، هذه الصيغة لم ترد.
قوله: «لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ»، «لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، له النِّعمة وله الفضل وله الثَّناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون» كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يُسَلِّم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»، وقال: كان رسول الله ﷺ يُهلّل بهنَّ دبر كل صلاة. رواه مسلم.
وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل
стр. 116
وشَرَع لأمته التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير عقيب الصلاة (١).
شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «وشَرَع لأمته التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير عقيب الصلاة. وأمَرَ عقبة بن عامر أنْ يقرأ بالمعوِّذتين عقيب كلِّ صلاةٍ» التسبيح، بعدما تهلل تسبِّح، والتسبيح الوارد عنه ﷺ له صيغ:
الأولى: أن يُسبح ويحمد ويُكبر ثلاثًا وثلاثين، ويقول في تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. رواه مسلم.
الثانية: أن يُسبح عشرًا، ويحمد عشرًا، ويُكبر عشرًا. رواه البخاري.
الثالثة: أن يُسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويُكبر أربعًا وثلاثين. متفق عليه.
الرابعة: أن يُسبح خمسًا وعشرين، ويحمد خمسًا وعشرين، ويُكبر خمسًا وعشرين، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، خمسًا وعشرين. رواه النسائي.
فيُستحب أن يأتي بكل نوع تارة.
مسألة: ويُستحب رفع الصوت بما تقدم من الاستغفار والتسبيح؛ لما تقدم من حديث ابن الزبير، وفيه: «يُهلل بهنَّ»، والإهلال فع الصوت.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ «أن رفع الصوت بالذكر حين
стр. 117
وأمَرَ عقبة بن عامر أنْ يقرأ بالمعوِّذتين عقيب كلِّ صلاةٍ (١). وروى عنه النَّسائي، من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «من قرأ آية الكرسي عقيب كُلَّ صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجَنَّة إلَّا أنْ يموت» (٢)، وكان يصلِّي قبل الظُّهر أربعًا، وبعدها ركعتين دائمًا (٣)، ولَمَّا شُغِلَ عنهما يومًا صلَّاهما بعد العصر (٤)،
ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ».
وفيه أيضًا عن ابن عباس: «كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير».
قوله: «وأمَرَ عقبة بن عامر أنْ يقرأ بالمعوِّذتين عقيب كلِّ صلاةٍ»؛ روى عقبة بن عامر ﵁ قال: «أمرني رسول الله أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وهو صحيح.
قوله: «وروى عنه النَّسائي، من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «من قرأ آية الكرسي عقيب كُلَّ صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجَنَّة إلَّا أنْ يموت»»؛ لما روى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت»، رواه النسائي، وصحَّحه ابن حبان، والحديث فيه ضعف، وعلى هذا لا يداوم على قراءتها دبر كل صلاة. وزاد في الطبراني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، لكن لم تثبت.
قوله: «وكان يصلِّي قبل الظُّهر أربعًا، وبعدها ركعتين دائمًا، ولَمَّا شُغِلَ عنهما يومًا صلَّاهما بعد العصر»؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان يصلي في
стр. 118
ونَدَب إلى أربعٍ بعدها، فقال: «مَنْ حافظ على أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر وأربع بعدها حرَّمَه الله على النَّار» (١)، قال الترمذي: «حديثٌ صحيحٌ».
ولم يُنْقَل عنه أنَّه كان يُصَلِّي قبل العصر حديثٌ صحيحٌ. وفي السُّنن عنه أنَّه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا» (٢).
بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين»، رواه مسلم.
ولما شغِله وفد عبد القيس عنهما صلاهما بعد العصر كما في حديث أم سلمة ﵂، رواه البخاري ومسلم.
قوله: «ونَدَب إلى أربعٍ بعدها، فقال: «مَنْ حافظ على أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر وأربع بعدها حرَّمَه الله على النَّار». قال الترمذي: «حديثٌ صحيحٌ»» الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أم حبيبة ﵂، وهو من النفل المطلق، والنفل المطلق لا يداوم عليه، لكن فعله في بعض الأحيان.
قوله: «ولم يُنْقَل عنه أنَّه كان يُصَلِّي قبل العصر حديثٌ صحيحٌ. وفي السُّنن عنه أنَّه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا»» من حديث ابن عمر ﵄، وفي إسناده محمد بن مهران، فيه ضعف.
стр. 119
وكان يصلِّي بعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الصُّبح ركعتين (١)؛ فهذه اثنتا عشرة ركعة، سننًا راتبةً، والفرائض سبع عشرة ركعة.
وكان يصلِّي من اللَّيل عشر ركعاتٍ، وربما صلَّى اثنتي عشرة ركعة، ويوتر بواحدة (٢)، فهذه أربعون ركعة، كانت وِرْده دائمًا، الفرائضُ وسننُها،
قوله: «وكان يصلِّي بعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الصُّبح ركعتين؛ فهذه اثنتا عشرة ركعة، سننًا راتبةً، والفرائض سبع عشرة ركعة. وكان يصلِّي من اللَّيل عشر ركعاتٍ، وربما صلَّى اثنتي عشرة ركعة، ويوتر بواحدة. فهذه أربعون ركعة، كانت وِرْده دائمًا، الفرائضُ وسننُها، وقيام اللَّيل والوتر» الجابر الثاني وهي السنن والنوافل والتطوعات:
فأولًا: السنن الرواتب، اختار المؤلف ﵀ أنه يصلي ثنتي عشرة ركعة، وهذا هو الذي دلَّ له حديث أم حبيبة ﵂ في [صحيح مسلم]، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى للهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطُّوعًا غَيْرَ الفَرِيضَةِ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، وأفضلها ركعة الفجر ثم المغرب ثم سواء.
وإذا شُغِل عنها فإنه يقضي السنن الرواتب، كما لو غلبه النوم حتى أقيمت الصلاة، حديث أم سلمة ﵂ لما شُغِل عن الركعتين بعد صلاة الظهر قضاها النبي ﷺ بعد المغرب.
قوله: «وكان يصلِّي من اللَّيل عشر ركعاتٍ، وربما صلَّى اثنتي عشرة ركعة، ويوتر بواحدة» الوتر سنَّة مؤكدة، والإمام أبو حنيفة ﵀ يرى أنه واجب، وشيخ
стр. 120
وقيام اللَّيل والوتر.
ولم يكن من سُنَّته الدُّعاء بعد الصُّبح والعصر، وإنَّما كان من هَدْيه الدُّعاء في الصَّلاة، وقبل السَّلام منها (١)، كما تقدَّم. والله أعلم.
الإسلام تيمية ﵀ يقول: واجبٌ على من يقوم الليل.
والغالب أن وتر النبي ﷺ إحدى عشرة، وربما زاد كما ذكر المؤلف كما جاء في حديث ابن عباس وعائشة، وربما نقص، لكن الغالب أن النبي ﷺ كان يوتر بإحدى عشرة.
ويستحب للمسلم أن يقضي الوتر، إذا نام عنه كما جاء في حديث عائشة ﵂ في مسلم قالت: «وكان إذا غلبه نومٌ أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة»، فإذا أردت أن توتر بثلاث تصلي أربعا، وبخمس ستا وهكذا.
قوله: «ولم يكن من سُنَّته الدُّعاء بعد الصُّبح والعصر، وإنَّما كان من هَدْيه الدُّعاء في الصَّلاة، وقبل السَّلام منها، كما تقدَّم. والله أعلم» أي: لم يكن من هديه الدعاء بعد الفريضة يعني يرفع يديه ويدعو، فلا يشرع الدعاء بعد الفجر والعصر؛ لأنه لا تشرع النافلة بعد الفجر والعصر؛ لأنه وقت نهي.
وسبق أن ذكرنا الضابط الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ما جاء مقيدًا بدبر الصلاة؛ فإن كان دعاء فإنه يكون قبل السلام، وما كان ذكرًا فإنه يكون بعد السلام».
لكن الدعاء بعد النافلة أحيانًا لا بأس به كما جاء عن ابن مسعود ﵁،
стр. 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان، فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاث»، رواه البخاري، ومسلم.
انتهى، نسأل الله التوفيق والسداد، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وفي نهاية هذا المجلس نحمد الله ونشكره الذي منَّ علينا بمثل هذه اللقاءات العلمية والمجالس المباركة.
وبعد شكر الله نتوجه بالشكر للأخوة المشايخ في جمعية الدعوة بمحافظة الرس على ترتيب مثل هذه اللقاءات والدروس، ونسأل الله أن يبارك في جهودهم وأعمالهم، ونشكر أيضًا وزارة الشؤون الإسلامية على إقامة مثل هذه المناشط التي فوائدها عديدة، وبركاتها كثيرة، وفَّق الله الجميع لما يُحبه ويرضاه، وصلَّ الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد.