وكان يقول: «اللَّهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّه، وأوَّله وآخره، وعلانيته وسِرَّه» (١).
وكان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٢).
عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح»، رواه مسلم.
قوله: «وكان يقول: «اللَّهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّه، وأوَّله وآخره … » أيضًا هذا في مسلم.
قوله: «وكان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك .... »؛ لما روت عائشة ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، رواه مسلم.
هل يرص عقبيه أو لا يرص عقبيه؟
حديث عائشة ﵂ السابق في مسلم «فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان» يدل على أن النبي ﷺ قارب بين القدمين، لكن رصَّ العقبين غير ثابت جاء في صحيح ابن خزيمة: «فكان ساجدًا راصًّا عقبيه».
стр. 72
وكان يجعل سجوده مناسبًا لقِيامه، ثُمَّ يرفع رأسه قائلًا: «الله أكبر»، غير رافعٍ يَدَيه، ثُمَّ يفرش رِجْله اليُسرى، ويجلس عليها، وينصب اليُمْنى، ويضع يَدَيه على فخذيه.
فحديث ابن خزيمة أصله في صحيح مسلم دون زيادة «راصًّا عقبيه»، لفظة شاذة.
قوله: «وكان يجعل سجوده مناسبًا لقِيامه، ثُمَّ يرفع رأسه» أشرنا إليه كما تقدم في حديث البراء بن عازب ﵁.
قوله: «ثُمَّ يرفع رأسه قائلًا: «الله أكبر»، غير رافعٍ يَدَيه، ثُمَّ يفرش رِجْله اليُسرى … » أي في الجلسة بين السجدتين، صفة الجلسة بين السجدتين صفتان:
* مجزئة.
* وكاملة.
المجزئة: كيفما جلس.
أما الكاملة: فهي الافتراش، ينصب رجله اليمنى وتكون أصابعها تجاه القبلة، ويفرش رجله اليسرى ظهرها إلى الأرض وبطنها يجلس عليه، هذه كيفية الافتراش، وهي الأصل في جلسات الصلاة؛ لحديث أبي حميد الساعدي ﵁ مرفوعًا، وفيه: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى»، رواه البخاري.
وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: «إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى»، رواه البخاري.
وقال ابن عمر ﵄: «من سنة الصلاة أن ينصف القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى»، رواه النسائي بإسناد صحيح.
стр. 73
ثُمَّ يقول: «اللَّهُم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني». وفي لفظٍ: «وعافني» بدل: «واجبرني»، هذا حديث ابن عباس (١). وقال حذيفة: كان يقول بين السَّجدَتَين: «ربِّ اغفر لي» (٢). والحديثان في السُّنن،
فالقاعدة: أن الأصل في جلسات الصلاة الافتراش، يُستثنى من ذلك التورُّك في الركعة الأخيرة كما سيأتينا إن شاء الله.
ولما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله
اليسرى وينصب رجله اليمنى»، رواه مسلم.
أما بالنسبة لكفيه فتكون مبسوطة الأصابع على فخذيه هذا ما عليه عامة أهل العلم.
قوله: «ثُمَّ يقول: «اللَّهُم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني .... » أي يقول في الجلسة بين السجدتين، ثم أورد المؤلف حديثين:
الحديث الأول: حديث ابن عباس ﵄ كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني»، رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه، تفرد به كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، وحديث مبيت ابن عباس في الصحيحين، وليس فيه هذه الزيادة.
وفي وهذا لفظ أبي داود والحاكم. وعند الترمذي وابن ماجه: «واجبرني» بدل «وعافني»، وعند ابن ماجه أيضا: «وارفعني» بدل «واهدني».
стр. 74
وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو: «قد نسي» (١).
فَصْلٌ
ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه، ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى،
الحديث الثاني: حديث حذيفة ﵁ ذكر صفة صلاة النبي ﷺ وفيه قال: وكان يقول في سجوده «سبحان ربي الأعلى»، وكان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي رب اغفر لي»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، إسناده صحيح.
قوله: «وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو: «قد نسي»» تكلَّمنا عليه فيما تقدم من حديث أنس ﵁.
قوله: «فصْلٌ: ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه» أي لا يرفع يديه عند السجود؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، وسبق الكلام عليه.
قوله: «ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى»؛ كما جاء في حديث المسي صلاته «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، غير الاستفتاح.
وظاهر كلامه: أنه يستعيذ في الركعة الثانية، ولو استعاذ في الأولى، والمذهب: أنه إذا استعاذ في الأولى لا يستعيذ في الثانية.
قال ﵀: «ثم يرفع رأسه مكبِّرًا» يعني يقوم للركعة الثانية مكبرًا، ويكون التكبير أثناء الانتقال كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «ثم يكبر حين يرفع»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 75
ثُمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه (١).
قوله: «وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه» أي ينهض على صدور القدمين، ولا يجلس للاستراحة؛ لما روى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه»، أبو داود، مرسل ضعيف.
وعند مالك، ومذهب الشافعية: الأفضل أن يعتمد على الأرض بيديه؛ لحديث مالك بن
الحويرث، وفيه: «فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام»، رواه البخاري.
وعن الأزرق بن قيس قال: «رأيت ابن عمر ﵄ ينهض في الصلاة ويعتمد على يديه»، أخرجه ابن أبي شيبة. وإسناده صحيح.
وأما القيام عجنًا فلم يثبت عن النبي ﷺ .
وقيل: ينهض بالاعتماد على اليدين المقبوضتين على هيئة العاجن، ذهب إلى هذا بعض الشافعية؛ عن الأزرق بن قيس، قال: «رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله». غريب الحديث، ذكر العجن فيه لا يثبت.
وقيل: إن جلس للاستراحة قام معتمدًا على يديه، وإن لم يجلس للاستراحة قام معتمدًا على صدور قدميه وركبتيه، وهذا دل له كلام الإمام أحمد، وهذا أقرب.
стр. 76
وقال مالك بن الحويرث: «كان رسول الله ﷺ إذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا» (١). فهذه تُسَمَّى جلسة الاستراحة، ولا ريب أنَّه ﷺ فعلها، ولكن هل فَعَلها على أنَّها من سنن الصَّلاة وهيئاتها كالتَّجافي وغيره، أو لحاجته إليه لما أسنَّ وأخذه اللَّحم؟ وهذا الثَّاني أظهر؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر، وأبي هريرة: «أنَّه كان ينهض على صدور قدميه». الثَّاني: أنَّ الصَّحابة الذين كانوا أحرص النَّاس على مشاهدة أفعاله وهيْئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم؛ فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صُدُور قدميه في الصَّلاة، ولا يجلس.
قوله: «وقال مالك بن الحويرث: «كان رسول الله ﷺ إذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا». فهذه تُسَمَّى جلسة الاستراحة … » عطية العوفي ضعيف المؤلف يختار أنه لا يجلس للاستراحة، وهو قول أكثر أهل العلم:
أولاً: أن أكثر الذين وصفوا صلاة النبي ﷺ لم يذكروا هذه الجلسة.
ثانياً: حديث أبي حميد في صفة صلاته ﷺ ، وفيه: «أنه قام ولم يتورك»، رواه أبو داود، وإسناده ضعيف.
ثالثاً: حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان ينهض على صدور قدميه»، رواه الترمذي، والبيهقي، وضعَّفه بخالد بن إياس ﵁.
رابعاً: أن أقرب الصحابة وألزمه صحبة للنبي ﷺ وأشدهم اقتفاء له لم يكونوا يجلسون هذه الجلسة، كابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن الزبير،
стр. 77
رواه البيهقي عنه. ورواه عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزُّبير، وأبي سعيد الخدري، من رواية عطيَّة العوفي عنهم، وهو صحيحٌ عن ابن مسعودٍ (١).
وأبي سعيد ﵃، أخرج هذه الآثار: البيهقي في سننه، وصحَّحه عن ابن مسعود وابن عمر ﵃.
فقد ورد عن ابن مسعود «أنه كان ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة، ولا يجلس»، رواه البيهقي بسند صحيح. وروى أيضًّا بسند صحيح عن ابن عمر بنحوه.
وعن النعمان بن أبي عياش قال: «أدركت غير واحد، من أصحاب النبي ﷺ ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس»، رواه ابن أبي شيبة، صحيح.
وعند الشافعي، ورواية عند الحنابلة، وابن حزم: تُشرع مطلقًا.
واستدلوا: بحديث مالك بن الحويرث ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا»، رواه البخاري. قال أحمد عن حديث مالك بن الحويرث: «ليس لهذا الحديث ثانٍ»، نقلها ابن رجب في فتح الباري.
وبحديث أبي حميد حيث ذكرها في صفة صلاة النبي ﷺ قال: «ثم هوى إلى الأرض ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم جافى عضديه عن إبطيه وفتخ أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم هوى ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: «حسن صحيح».
стр. 78
ولم يكن يرفع يَدَيه في هذا القيام، وكان إذا اسْتَتَمَّ قائمًا أخذ القراءة، ولم يسكت، وافتتح قراءته ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
لكن زيادة جلسة الاستراحة شاذة من حديث عبد الحميد بن جعفر.
وقال أبو يعلى، وابن قدامة: تُشرع عند الحاجة، كالمريض، والكبير، والبدين.
واستدلوا: بأن ما ورد من جلوسه يُحمل على الحاجة؛ إذ إن قدوم مالك بن الحويرث ﵁ كان في آخر حياته ﷺ بعد أن أخذه اللحم، وكان ﷺ في آخر حياته يُصلي الليل جالسًا لمدة عام.
وعلى هذا يكون أقرب الأقوال ما ذهب إليه أبو يعلى وابن قدامة، وبه تجتمع الأدلة.
وهذه الجلسة تكون عند القيام للركعة الثانية، وعند القيام للركعة الثالثة، وليس لها ذكر، كما ذكرنا فيما سلف أن الأصل في جلسات الصلاة الافتراش.
قوله: «ولم يكن يرفع يَدَيه في هذا القيام» يعني إذا قام من الركعة الأولى إلى الركعة الثانية، لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه، وهذا هذا باتفاق الأئمة، وعن بعض السلف الرفع، وتقدم الكلام على هذه المسألة.
وذكرنا بأن البخاري ﵀ أشار إلى ضعف الأحاديث الواردة في الرفع من السجود أو الهوي إلى السجود، إلى آخره.
قوله: «وكان إذا اسْتَتَمَّ قائمًا أخذ القراءة، ولم يسكت، وافتتح قراءته ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» يعني أنه لا يستفتح، حتى ولو فاته الاستفتاح في الركعة الأولى، فلا يستفتح في الركعة الثانية؛ لأنه سنة فات محلها.
стр. 79
فإذا جلس في التَّشهد الأول جلس مفترشًا كما يجلس بين السَّجدتين،
وعلى هذا إذا قام فإنه يشرع في القراءة، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت» يبسمل.
وهل يستعيذ ويبسمل أو لا؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه إذا استعاذ في الركعة الأولى لا يستعيذ في الركعة الثانية، وإن لم يستعذ في الركعة الأولى يستعيذ في الركعة الثانية.
والرأي الثاني: أنه يستعيذ في كل ركعة؛ لأن الاستعاذة للقراءة، وكل ركعة لها قراءة مستقلة، الله قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨].
ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لما تقدم من أدلة مشروعية البسملة قريباً.
قوله: «فإذا جلس في التَّشهد الأول جلس مفترشًا كما يجلس بين السَّجدتين» هنا شرع المؤلف ﵀ في بيان كيفية الجلوس في التشهد الأول، وكيفية الجلوس في التشهد الأول هي جلسة الافتراش كما تقدم في حديث أبي حميد، وعائشة، وابن عمر ﵃، وتقدم أن الأصل في جلسات الصلاة الافتراش، والافتراش؛ تنصب اليمنى، وتكون أصابعها تجاه القبلة، وتفترش رجلك اليسرى، ظهرها إلى الأرض، وبطنها تجلس عليه.
فالجلوس للتشهد له صفتان كما سبق:
صفة مجزئة.
وصفة كاملة.
الصفة المجزئة: كيفما جلس.
стр. 80
ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على فخذه اليمنى،
الصفة الكاملة: أن يفترش، تنصب اليمنى، وأصابعها تجاه القبلة، وتفترش رجلك اليسرى وتجلس عليها، كما سلف.
قوله: «ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على فخذه اليمنى» لكيفية وضع الكفين، فله صفتان:
الأولى: أن يضع الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على الفخذ اليسرى، وهذه الصفة المشهور عند الحنابلة، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى»، رواه مسلم.
وعند الحنفية، والشافعية: يفرج أصابع يديه اليسرى قليلًا.
الثانية: أن يضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها، ويشير بسبابته اليمنى، وهو قول بعض الحنابلة؛ لحديث ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها»، رواه مسلم.
وعن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حُميد، وأبو أُسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ ، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، .... وفيه: قال: «ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصَدْر اليمنى على قِبلته، ووضع كفَّه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفَّه اليسرى على ركبته اليسرى»، رواه أبو داود، إسناده صحيح.
стр. 81
وأشار بأصبعه السَّبَّابة، ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى، كهيئة الحلقة،
وعن عبد الله بن الزبير قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته»، رواه مسلم.
قوله: «وأشار بأصبعه السَّبَّابة، ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى، كهيئة الحلقة … » لكيفية الكفين، ثلاث صفات:
الأولى: أن يقبض أصابع كفِّه اليمنى كلها، ويُشير بأصبعه السبابة، وإبهامه على إصبعه الوسطى، واليسرى تكون مبسوطة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى»، رواه مسلم.
وعن عبد الله بن الزبير، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته»، رواه مسلم.
الثانية: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة، وأما اليسرى فمبسوطة، وهو مذهب الحنابلة؛ لما رواه ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثةً وخمسين، وأشار بالسبابة»، رواه مسلم.
وعن وائل بن حجر، قال: قلت: لأَنظُرَنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يصلي! قال: «فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة، فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه … »، وذكر الحديث، وفيه: «ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدَّ مِرفَقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلَّق حلْقةً. ورأيته يقول هكذا: وحلَّق بِشرٌ الإبهامَ والوسطى، وأشار بالسبابة»، رواه أبو داود، إسناده حسن.
الثالثة: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويجعل الإبهام عند أصل السبابة، ويُشير بالسبابة؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ قبض على يده ثلاثة وخمسين». رواه مسلم. فسر الحديث بهذه الصفة، والصفة التي قبلها.
قوله: «وأشار بأصبعه السَّبَّابة … » أي يرفع إصبعه السبابة من أول التشهد إلى آخره بلا تحريك، وورد عند أبي داود إثبات التحريك دائمًا، وورد أيضًا نفيه.
فعن ابن الزبير ﵄: «أن النبي ﷺ كان يُشير بإصبعه إذا دعا، ولا يُحركها»، رواه الدارمي، وأبو داود، والنسائي. ولفظة: «لا يُحركها» شاذة؛ فقد أخرج مسلم هذا الحديث، ولم يذكر هذه اللفظة.
أما التحريك: فقد تفرد به زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر «فرأيته يُحركها يدعو بها». رواه النسائي. وهي زيادة شاذة.
ولعل الأقرب: أنه يُشير بها، أي: يرفعها من أول التشهد إلى آخره دون تحريك تدعو بها، معنى الدعاء بها أنك ترفعها؛ لأن المسلم في أول التشهد يثني على الله ، التحيات لله والصلوات، ثم بعد ذلك تدعو؛ اللهم صلِّ على محمد، اللهم بارك على محمد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وقال النبي ﷺ في
стр. 83
وجعل بصره إلى موضع إشارته، وكان يرفع إصبعه السَّبَّابة ويحنيها قليلًا، يوحِّدُ بها ربَّه (١)، وذكر أبو داود، من حديث ابن عباسٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «هكذا الإخلاص»، يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، «وهكذا الدُّعاء»، فرفع يَدَيه حذو مَنْكِبَيه، «وهكذا الابتهال»، فرفع يَدَيه مدًّا (٢). وقد رُوِي موقوفًا (٣).
حديث ابن مسعود: «ثُم ليَتخيَّر مِنْ الدُّعاءِ أَعجَبه»، فهو كله دعاء.
لحديث ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها»، رواه مسلم.
ولما تقدم من إشارة النبي ﷺ بالسبابة، كما في حديث ابن الزبير ﵄.
قوله: «وجعل بصره إلى موضع إشارته» يعني رمى ببصره إلى موضع إشارته، هذا الحديث ضعيف، لكنه ثابت عن ابن عمر ﵁.
قوله: «ويحنيها قليلًا … » حنيها: فقد جاء عند أبي داود عن مالك بن نمير الخزاعي، عن أبيه، قال: «رأيت النبي ﷺ واضعًا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، رافعًا إصبعه السبابة، قد حناها شيئًا»، وإسناده ضعيف.
قوله: «وذكر أبو داود، من حديث ابن عباسٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «هكذا الإخلاص»، يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، «وهكذا الدُّعاء»، فرفع يَدَيه حذو مَنْكِبَيه، «وهكذا الابتهال»، فرفع يَدَيه مدًّا. وقد رُوِي موقوفًا» الحديث في سنن
стр. 84
ثُمَّ كان يقول: «التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله» (١). وكان يعلِّمُه أصحابه، كما يعلِّمُهُم القرآن، وكان أيضًا يقول: «التَّحيَّات المباركات الصَّلوات الطَّيبات لله» (٢)، هذا تشهُّد ابن عباسٍ، والأوَّل تشهُّد ابن مسعودٍ، وهو أكمل؛ لأنَّ تشهد ابن مسعود يتضمَّن جُمَلًا متغايرةً، وتشهُّد ابن عباسٍ جملةٌ واحدةٌ، وأيضًا فإنَّه في الصَّحِيحَين، وفيه زيادة الواو، وكان يعلِّمهم إيَّاه كما يعلِّمُهُم القرآن.
أبي داود، وفيه الاستغفار، بدل الإخلاص، وصححه الحاكم، ورواه موقوفاً على ابن عباس ﵃ عبد الرزاق، وأبو داود.
قوله: «ثُمَّ كان يقول: «التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، … »، «وكان أيضًا يقول: «التَّحيَّات المباركات الصَّلوات الطَّيبات لله … » التشهد ورد له صيغ عن النبي ﷺ .
التشهد الذي ذكره المؤلف ﵀ هذا تشهد ابن مسعود في [الصحيحين]، اختاره الإمام أحمد وأبو حنيفة، (التحيات لله والصلوات والطيبات) إلى آخره.
الصيغة الثانية: تشهد ابن عباس، وقد ذكرها المؤلف، رواها مسلم، ويأتي.
قوله: «والأوَّل تشهُّد ابن مسعودٍ، وهو أكمل … » المؤلف فضّل تشهد ابن مسعود على تشهد ابن عباس من أربعة أو جه، قال ابن رجب في الفتح: «لم
стр. 85
ورَوَى ابن عمر عنه: «التَّحيَّات لله الصَّلوات الطَّيِّبات» (١). وفيه أنواع أُخَر،
يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد».
واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب ﵁: «التحيات الزاكيات لله، الطيبات، الصلوات لله … »، واختار الشافعي تشهد ابن عباس: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله … ».
وسيأتي إن شاء الله قريبًا إيراد صيغ التشهد الواردة، وتقدم اختيار شيخ الإسلام: أن العبادة الواردة على وجوه متنوعة أنه تفعل هذه الصفة تارة، وتلك تارة أخرى.
قوله: «ورَوَى ابن عمر عنه: «التَّحيَّات لله الصَّلوات الطَّيِّبات». وفيه أنواع أُخَر، كُلُّها جائزةٌ» ورد للتشهد في السنة عدة صيغ نذكرها للعمل بها، والله الموفق:
منها: حديث ابن مسعود ﵁، وقد ذكره المؤلف.
ومنها: تشهد ابن عباس ﵄: ولفظه: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسوله»، أخرجه مسلم في الصلاة.
وأيضًا: تشهد أبي موسى ﵁: ولفظه: «التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، أخرجه مسلم.
стр. 86
كُلُّها جائزةٌ وكان يخفِّف هذه الجلسة، حتى كأنَّه جالسٌ على الرَّضَف (١)،
وأيضًا: تشهد عمر ﵁: أخرجه مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي، وقال الزيلعي في نصب الراية «وهذا إسناد صحيح»، ولفظه عند مالك والبيهقي: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله … » إلخ، كتشهد ابن مسعود، وفي لفظ للبيهقي: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله … » كتشهد ابن مسعود، فقد كان عمر يعلم الناس وهو على المنبر، وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع.
وأيضًا: تشهد عائشة ﵂: أخرجه مالك في الموطأ، وابن أبي شيبة، ولفظه كما روى القاسم بن محمد عنها قال: «كانت عائشة تُعلمنا التشهد وتُشير بيدها، تقول: التحيات
الطيبات الصلوات الزاكيات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته … » إلخ، كتشهد ابن مسعود.
وأيضًا: تشهد ابن عمر ﵄: أخرجه أبو داود، والدارقطني، وصحَّحه، كتشهد ابن مسعود ﵁، وفيه: قال ابن عمر ﵄: وزدت فيها «وحده لا شريك له» بعد «شهادة أن لا إله إلا الله».
وهذه الصيغ كما أسلفنا ينبغي لطالب العلم أنه يحفظ مثل هذه الصيغ، ينوعها في صلاته.
قوله: «وكان يخفِّف هذه الجلسة، حتى كأنَّه جالسٌ على الرَّضَف … » أي: لا يصلي على النبي ﷺ ، ويسن تخفيف هذه الجلسة؛ لما روى ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف، قال: قلنا: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم»، أخرجه أبو داود، والترمذي، والرضف: هو الحجارة المحماة.
стр. 87
وهي: الحجارة المُحْمَاة، ثُمَّ يكبِّر وينهض، فيصلِّي الثَّالثة والرَّابعة، ويخفِّفُهما عن الأُوْلَيَين،
وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ أبو عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. قال الترمذي: «هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه».
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها … ، ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده ما شاء الله أن يدعو ثم يسلم»، رواه أحمد، تفرد به محمد بن إسحاق.
وعن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين … »، وذكر الحديث وفيه: «وكان يقول في كل ركعتين التحية»، رواه مسلم، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ .
وعن أبي بكر ﵁ «أنه كان إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف»، رواه ابن أبي شيبة، وصحَّحه الحافظ. ونحوه عن ابن عمر ﵄.
لكن إذا كان مأمومًا والإمام لم ينهض فإنه يصلي على النبي.
قوله: «ثُمَّ يكبِّر وينهض، فيصلِّي الثَّالثة والرَّابعة» ما ذكر المؤلف ﵀ أنه يرفع يديه عند القيام من التشهد الأول، وهذا ثابت في حديث ابن عمر في البخاري، وهو رواية عن الإمام
أحمد، وجمهور أهل العلم لا يرونه، لكنه ثابت من حديث ابن عمر في صحيح البخاري، وليت المؤلف ﵀ ذكر ذلك، وهذا الموضع الرابع من المواضع التي ترفع فيها الأيدي.
قوله: «ويخفِّفُهما عن الأُوْلَيَين» أي: لا تشرع قراءة ما بعد الفاتحة في
стр. 88
وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ورُبَّما زاد عليها أحيانًا.
الركعتين الأُخريين؛ لحديث أبي قتادة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأُوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويُسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأُخريين بفاتحة الكتاب»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ورُبَّما زاد عليها أحيانًا» وليس دائماً فتجتمع الأدلة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأُوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأُخريين قدر خمس عشرة آية، وفي العصر من الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشر آية، وفي الأُخريين قدر نصف ذلك»، رواه مسلم.
وأيضًا حديث أبي سعيد ﵁ قال: «كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأُوليين من الظهر قدر (ألم. تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأُخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأُوليين من العصر على قدر قيامه في الأُخريين من الظهر، وفي الأُخريين من العصر على النصف من ذلك»، رواه مسلم.
وبما ورد «أن أبا بكر قرأ في الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]» رواه مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وصححه النووي في المجموع، لكنه في القنوت.
وعن نافع «أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا صلَّى وحده يقرأ في الأربع جميعًا، في كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة»، رواه مالك في الموطأ. وإسناده صحيح.
стр. 89
فَصْلٌ
وكان إذا قَنَت لقومٍ أو على قومٍ يجعل قنوتَه في الرَّكعة الأخيرة، بعد رفع رأسه من الرُّكوع، وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصُّبح. وقال حميد، عن أنسٍ: «قَنَت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الصُّبح، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان» (١). وقال ابن سيرين: قلتُ لأنسٍ: قَنَت رسول الله ﷺ في صلاة الصُّبح؟ قال: «نعم، بعد الركوع يسيرًا». وقال ابن سيرين عن أنسٍ: «قَنَت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر، يدعو على عُصَيَّة» (٢). متَّفقٌ على هذه الأحاديث. فهؤلاء أعلم النَّاس بأنسٍ قد حَكَوا عنه أنَّ قنوته كان بعد الركوع، وحُمَيدٌ هو الذي روى عن أنسٍ أنَّه سُئِل عن القُنُوت فقال: «كُنَّا نقنت قبل الركوع وبعده» (٣).
عند الشافعي في الجديد: أن القراءة تُسن بعد الفاتحة في الأُخريين من الرباعية، والثالثة من المغرب
وعند ابن حزم: تُسن القراءة في الأُخريين من الظهر دون غيرها؛ لحديث أبي سعيد السابق.
قوله: «وكان إذا قَنَت لقومٍ أو على قومٍ يجعل قنوتَه في الرَّكعة الأخيرة، بعد رفع رأسه من الرُّكوع، وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصُّبح .... » القنوت في الصلاة، المراد به هنا: الدعاء، والقنوت في الصلاة على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: القنوت في النوازل، كما في هذه الأحاديث التي أوردها
стр. 90
والمراد بهذا القُنُوت طول القيام. وقد أخبر أبو هريرة مثل ما أخبر به أنسٌ سواء، أنَّه ﷺ قَنَت بعد الركوع لَمَّا قال: «سمع الله لمن حمده»، قال قبل أنْ يسجد: «اللَّهم نَجِّ عيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين» (١). متَّفقٌ عليه. وقال ابن عمر: إنَّه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللَّهمَّ العن فلانًا وفلانًا»، بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» (٢). فقد اتَّفقت الأحاديث أنَّه قَنَت بعد الركوع، وأنَّه قَنَت لعارضٍ، ثُمَّ تَرَكه. ثم قال أنسٌ: «القنوت في المغرب والفجر» (٣). رواه البخاري.
المؤلف ﵀، إذا نزلت بالمسلمين نازلة يُقنت في الفرائض، وهو قول أبي حنيفة وأحمد كما جاء في الأحاديث حديث أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وغير ذلك.
لكن ما هي النازلة التي يُقنت لها؟
النوازل على نوعين:
النوع الأول: نوازل من قبل الخالق، من قِبَل الله، فهذه لا يُقنت لها، ورد لها عبادات خاصة، فمثلًا إذا قحط المطر، وجفت العيون، وغارت الآبار تشرع صلاة الاستسقاء أو الدعاء في خطبة الجمعة، أو الدعاء المجرد.
إذا كسفت الشمس أو خسف القمر تشرع صلاة الكسوف.
إذا هبت الرياح يشرع قول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما
стр. 91
وقال البراء: «كان رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الفجر والمغرب» (١). رواه مسلم. وقَنَت أبو هريرة في الركعة الأخيرة من الظهر، وعشاء الآخرة، وصلاة الصُّبح، بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده»، يدعو للمؤمنين، ويلعن الكُفَّار، وقال: «لأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ » (٢). ذكره البخاري. وقال أحمد: «وصلاة العصر»، مكان: «صلاة العشاء» (٣). وقال ابن عباسٍ: «قَنَت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا، في الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والصُّبح، في دُبُر كُلِّ صلاةٍ، إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، من الرَّكعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيمٍ، ويؤمِّن مَنْ خَلْفَه». ذكره أحمد (٤)، وأبو داود (٥).
أُمرت به، ونعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها، وشر ما أُمرت به.
إذا زادت الأمطار يشرع قول: اللهم حوالينا ولا علينا، إلى آخره.
فما يكون من قبَل الخالق هذا شُرع له عبادات، إما صلاة أو ذكر أو غير ذلك.
النوع الثاني: النوازل التي تكون من قِبل المخلوقين كأن يحصل لطائفة من المسلمين شيء من الظلم والاضطهاد ونحو ذلك، فهذه يُقنت لها.
ولهذا النبي ﷺ قنت للمستضعفين، كما ذكر المؤلف ﵀: «اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين»، في [الصحيحين]، ودعا على أحياء من العرب لأنهم آذوا المؤمنين.
стр. 92
وقد اتَّفقت الأحاديث كما تَرَى على أنَّه في الرَّكعة الأخيرة بعد الرُّكوع، وأنَّه عارِضٌ لا راتِبٌ. وفي صحيح مسلمٍ، عن أنسٍ: «قَنَت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثُمَّ تَرَكه» (١). وعند الإمام أحمد: «قَنَت شهرًا ثُمَّ تَرَكه» (٢).
ومن هو الذي يقنت؟ المذهب أن الذي يقنت هو الإمام؛ لأن الذي كان يقنت هو النبي ﷺ .
وعن الإمام أحمد: يقنت إمام كل جماعة؛ لأنه ورد عن الصحابة القنوت، كأبي هريرة ﵁، رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار بإسناد صحيح.
والبراء، وابن عباس ﵃، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وأنس ﵁: رواه ابن المنذر في الأوسط، وأبو موسى ﵁: رواه ابن أبي شيبة.
وعن الإمام أحمد رواية ثالثة، وهو مذهب الشافعية: يقنت كل مصل، اختاره شيخ الإسلام؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ مرفوعًا: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، رواه البخاري.
وذكر المؤلف ﵀ أن القنوت يكون في الركعة الأخيرة بعد الركوع كما في الأحاديث التي أوردها المؤلف حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس ﵃، ولو قنت قبل الركوع لا بأس؛ لأن الوارد عن الصحابة ﵃ في قنوت الوتر، قبل الركوع، فيكون لمحل القنوت صفتان.
ويكون الدعاء في قنوت النوازل بما يناسب النازلة، كما قال النبي ﷺ : «اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين».
стр. 93
وقال أبو مالكٍ الأشجعي قلت: لأبي: يا أبتِ، إنَّك قد صلَّيْتَ خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ بالكوفة ههنا قريبًا من خمس سنين=أكانوا يقنتون؟ قال: أيْ بُنَيَّ، إنَّه محْدَثٌ. قال الترمذي: «هذا حديثٌ صحيحٌ» (١).
ويقنت في جميع الفرائض؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: «لأُقَرِّبن صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار»، متفق عليه.
وفي حديث البراء بن عازب ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة المغرب، والفجر»، رواه مسلم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: «قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح»، تقدم قريبًا.
وقال شيخ الإسلام: يقنت كل مصل في جميع الصلوات، لكنه في الفجر والمغرب آكد. وتقدمت الأدلة على شرعيته في كل الصلوات.
هذا النوع الأول من أنواع القنوت وهو القنوت في النوازل.
قوله: «وقال أبو مالكٍ الأشجعي قلت: لأبي: يا أبتِ، إنَّك قد صلَّيْتَ خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ .... » النوع الثاني من أنواع القنوت: القنوت في صلاة الفجر دون أن يكون هناك نازلة قال أبو حنيفة: القنوت في الفجر بدعة.
стр. 94
ورواه النَّسائي، ولفظه: «صلَّيْتُ خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف أبي بكر فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عمر فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عثمان فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عليٍّ فلم يقنت»، ثُمَّ قال: «يا بُنَيَّ، بِدْعةٌ!» (١). فمَنْ كره القُنُوت في الفجر احتجَّ بهذه الأحاديث، وبقول أنس: «ثُمَّ تَرَكه». قالوا: فهو منسوخٌ.
وقال الحنابلة: يُكره؛ لحديث أنس ﵁: «أن الرسول ﷺ قنت
شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه»، رواه مسلم.
ولحديث أبي مالك الأشجعي الذي أورده المؤلف.
ولترك عمر، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ القنوت.
وعند المالكية: الإسرار بالقنوت، وعدم الجهر به في حق الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه دعاء، وليس لدعاء القنوت حد محدود، ولا يرفع يديه في دعاء القنوت.
وعند الشافعية: يستحب رفع اليدين بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية.
ولفظه، والجهر به، كما في قنوت الوتر، ولا يتعين دعاء.
ودليل المالكية، والشافعية: حديث البراء بن عازب ﵄: «أن الرسول ﷺ كان يقنت في الصبح، والمغرب»، رواه مسلم. ولفظ: «كان» يدل على استمرار المشروعية.
ونوقش: بما سيأتي.
ولحديث أنس ﵁ قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى
стр. 95
ومن استحبَّه قبل الرُّكوع فحُجَّتُه الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين بذلك. قال أبو داود الطَّيالسي: حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن أبي رجاء، عن أبي مغفل: «أنَّه قَنَت في الفجر قبل الركوع». وقال مالكٌ: عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أنَّه كان يقنت في الفجر قبل الركوع». وذكر أبو بكر ابن المنذر، عن عمر بن عبد العزيز: أنَّه كان يقنت قبل الركوع.
فارق الدنيا»، رواه أحمد.
ونوقش: أن المراد طول القيام.
وعن عبد الرحمن بن أبزى «أن عمر ﵁ كان يقنت في الصبح قبل الركوع بهاتين السورتين: اللهم إياك نعبد، واللهم إنا نستعينك»، رواه الطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس. وإسناده صحيح.
وعن أبي عبد الرحمن السلمي «أن عليًّا ﵁ كبر حين قنت في الفجر، ثم كبر حين يركع»، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وإسناده حسن.
وعن عبد الرحمن بن معقل قال: «قنت في الفجر رجلان من أصحاب النبي ﷺ : علي، وأبو موسى ﵃»، رواه ابن أبي شيبة. وإسناده حسن.
وعن الأعرج قال: «كان أبو هريرة ﵁ يقنت في صلاة الصبح»، رواه الطحاوي
في شرح معاني الآثار. وإسناده حسن.
وأيضا ورد القنوت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك ﵃.
قوله: «ومن استحبَّه قبل الرُّكوع فحُجَّتُه … » هنا دليل مالك والشافعي الذين يقولون بالقنوت في صلاة الفجر قبل الركوع.
стр. 96
وقال أصْبَغ بن الفَرَج والحارث بن مسكين وابن أبي الغمر: حدَّثنا عبد الرحمن بن القاسم قال: سُئِلَ مالكٌ عن القنوت في الصُّبح، أيُّ ذلك أعجبُ إليك؟ قال: الذي أدركت النَّاس عليه، وهو أمر النَّاس القديم: القنوت قبل الركوع. قلتُ: أيُّ ذلك تأخذ به في خاصَّة نفسك؟ قال: القنوت قبل الركوع. قلتُ: فالقنوت في الوتر؟ قال: ليس فيه قنوتٌ.
قوله: «ومن استحبَّه قبل الرُّكوع فحُجَّتُه الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين بذلك … » أي ومن استحب القنوت في الفجر قبل الركوع فاحتج ببعض الآثار عن الصحابة والتابعين عن ابن مغفل، وعروة، وعمر بن عبد العزيز.
هذه آثار عن السلف رحمهم الله تعالى في القنوت في صلاة الفجر قبل الركوع كما هو قول مالك، وظاهرها من غير نازلة لكن لو أن المؤلف ﵀ استدل بحديث أنس لكان أحسن، أن النبي ﷺ لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا. وتقدم الجواب عنه: أن المراد بالقنوت هنا هو طول القيام.
قوله: «وقال أصْبَغ بن الفَرَج والحارث بن مسكين وابن أبي الغمر: حدَّثنا عبد الرحمن بن القاسم قال: سُئِلَ مالكٌ عن القنوت في الصُّبح، أيُّ ذلك أعجبُ إليك؟ قال: الذي أدركت النَّاس عليه، وهو أمر النَّاس القديم: القنوت قبل الركوع. قلتُ: أيُّ ذلك تأخذ به في خاصَّة نفسك؟ قال: القنوت قبل الركوع. قلتُ: فالقنوت في الوتر؟ قال: ليس فيه قنوتٌ» مذهب مالك: أنه يرى القنوت في صلاة الفجر من غير نازلة، ولا يرى القنوت في الوتر، وتقدم، ويأتي.
стр. 97
فَصْلٌ
ومن استحبَّه بعد الرُّكوع فذهب إلى الأحاديث التي صرَّحَت بأنَّه بعد الركوع، وهي صِحاحٌ كُلُّها.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يقول أحدٌ في حديث أنسٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت قبل الركوع»، غير عاصم الأحول؟ قال: ما عملتُ أحدًا يقولُه غيره خالف عاصمًا. قلتُ: هشام، عن قتادة، عن أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت بعد الركوع»، والتَّيمي، عن أبي مجلز، عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت بعد الرُّكوع»، وأيُّوب، عن محمَّدٍ قال: سألتُ أنسًا، وحنظلة السَّدوسي عن أنس، أربعة وجوهٍ. قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنَّما هي بعد الركوع؟ قال: بلى كُلُّها، خِفَاف بن إيماء وأبو هريرة.
قوله: «فصْلٌ: ومن استحبَّه بعد الرُّكوع فذهب إلى الأحاديث التي صرَّحَت بأنَّه بعد الركوع، وهي صِحاحٌ كُلُّها .... » ذكر المؤلف ﵀ أن القنوت يكون في الركعة الأخيرة بعد الركوع كما في الأحاديث التي أوردها المؤلف حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس ﵃، ولو قنت قبل الركوع لا بأس؛ لأن الوارد عن الصحابة ﵃ في قنوت الوتر، قبل الركوع، فيكون لمحل القنوت صفتان.
قوله: «قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يقول أحدٌ في حديث أنسٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت قبل الركوع»، غير عاصم الأحول؟ قال: ما عملتُ أحدًا يقولُه … » أي أن حديث أنس ﵁ القنوت فيه بعد الركوع، وما روي فيه قبله فضعيف.
قوله: «قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنَّما هي بعد الركوع؟ قال: بلى كُلُّها، خِفَاف … » فيه تضعيف الأحاديث الواردة في القنوت قبل الركوع.
стр. 98
قلتُ لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّصُ إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله ﷺ واختلافهم فيه، فأمَّا في الفجر فبعد الركوع، والذي فعله رسول الله ﷺ هو القُنُوت في النَّوازل، ثُمَّ تَرَكَه، فَفِعْله سُنَّةٌ، وتَرْكُه سُنَّةٌ، وعلى هذا دَلَّت جميع الأحاديث، وبه تتَّفِق السُّنَّة.
وقال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس.
قوله: «قلتُ لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّصُ إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله ﷺ واختلافهم فيه … » أي: الإمام أحمد يرى القنوت في النوازل في الفجر وغيرها، ويكون بعد الركوع، وفي الوتر بعد الركوع، ومَن قنت قبل الركوع فلا بأس لفعل أصحاب رسول الله ﷺ كما ستأتي الآثار قريباً.
قوله: «وقال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس» تقدم نوعان من أنواع القنوت:
النوع الأول: القنوت في النوازل في الفرائض.
стр. 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنوع الثاني: القنوت في صلاة الفجر.
النوع الثالث: القنوت في الوتر، وأضيق الناس في ذلك هم المالكية، الإمام مالك لا يرى القنوت في الوتر، مع أنه كما تقدم يرى القنوت في صلاة الفجر، لكنه يخفف في ذلك، يجعله سرًّا؛ لأن الذين وصفوا وتر النبي ﷺ ، كعائشة، وحذيفة، وابن عباس، وغيرهم لم يذكروا القنوت.
وورد عن ابن عمر، كما في مصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
قال ابن خزيمة في صحيحه: «ولست أحفظ خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر».
أبو حنيفة وأحمد: كل ليلة طول العام، يرون شرعية القنوت، واستدلوا: بحديث أُبي بن كعب ﵁ في القنوت في الوتر، في سنن أبي داود، وفيه ضعف.
وحديث الحسن بن علي ﵄ الذي أورده المؤلف أيضًا: «علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر .... »، أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصحَّحه النووي، وهذا يشمل جميع السنة.
ولوروده عن ابن مسعود ﵁، رواه عبد الرزاق، وهو ضعيف.
ولقول علقمة: «إن ابن مسعود ﵁ وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنوت في الوتر قبل الركوع»، رواه ابن أبي شيبة. وحسَّنه الحافظ.
وورد عن عمر ﵁، كما في مختصر كتاب الوتر للمروزي.
وابن عمر، وابن عباس ﵃: «أنهما قنتا في الوتر»، رواه ابن أبي شيبة،
стр. 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا مطلق.
وعند الشافعية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد: أنه يُستحب في النصف الأخير من رمضان.
واستدلوا: بأن عمر جمع الناس على أُبي بن كعب ﵄، وفيه: «ولا يقنت إلا في النصف الثاني»، رواه أبو داود، وهو ضعيف.
وورد عن علي ﵁، رواه البيهقي. وهو ضعيف.
ولما ثبت عن ابن عمر ﵄: «أنه كان لا يقنت إلا في النصف يعني من رمضان»، رواه ابن أبي شيبة.
وثبت عن أُبي بن كعب ﵁، رواه عبد الرزاق.
وورد عن أُبي، وتميم الداري: «لما صليا بالصحابة قنتا في النصف الأخير من رمضان»، رواه أبو داود.
وابن تيمية ﵀: يرى أنه يقنت في بعض الأحيان، ويترك القنوت في بعض الأحيان جمعاً بين الأدلة.
وإن شاء قنت قبل الركوع: لأن هذا هو الثابت عن الصحابة ﵃ في قنوت الوتر، كعمر ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وعثمان، وعلي بن أبي طالب ﵄، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
وابن مسعود ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وابن عباس ﵄، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
стр. 101
وقال إسحاق الحربيُّ: سمعت أبا ثورٍ يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنَّما يكون القنوت في النَّوازل. فقال له أبو ثورٍ: أيُّ نوازل أكثر من هذه النَّوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك فالقنوت. وقال الأثرم: سألتُ أبا عبد الله عن القنوت
وأُبي بن كعب ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وأنس بن مالك ﵁، رواه ابن جرير في تهذيب الآثار مسند ابن عباس.
والبراء بن عازب ﵄، رواه ابن أبي شيبة.
وإذا قنت قبل الركوع كبَّر، ثم أخذ في القنوت، ثم كبَّر حين يركع، وإن شاء قنت بعد الركوع؛ لحديث أبي هريرة، وأنس ﵄ في قنوت النوازل: رواهما البخاري ومسلم.
ولثبوت قنوت الوتر بعد الركوع عن أبي بكر الصديق ﵁، رواه ابن أبي شيبة.
وعمر ﵁، رواه ابن جرير في تهذيب الآثار مسند ابن عباس.
وعلي ﵁، رواه ابن المنذر، وابن جرير.
وعلى هذا فيكون محل القنوت من السنن المتنوعة يُؤتى بهذا تارة، وبذاك تارة.
قوله: «وقال إسحاق الحربيُّ: سمعت أبا ثورٍ يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنَّما يكون القنوت في النَّوازل … » الإمام أحمد ﵀ يرى: أنه يقنت في الفرائض في النوازل، فقال: «إن قنت رجل في الفجر اتباع ما روي عن النبي ﷺ أنه قنت دعاءً للمستضعفين
стр. 102
في الفجر، فقال: نعم، في الأمر يحدث، كما قَنَت النَّبيُّ ﷺ يدعو على قومٍ. قلتُ له: ويرفع صوته؟ قال: نعم، ويؤمِّن مَنْ خَلْفه، كذلك فعل النَّبيّ ﷺ . قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع. وسمعتُه قال لَمَّا سُئِلَ عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمرٌ قَنَت الإمام، وأمَّن مَنْ خَلْفه. ثُمَّ قال: مثل ما نزل بالنَّاس من هذا الكافر، يعني بابك. وقال عبد القدوس بن مالك العطَّار: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقلت:
فلا بأس، فإن قنت رجل بالناس يدعو لهم ويستنصر الله تعالى، فلا بأس».
قوله: «قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع. وسمعتُه قال لَمَّا سُئِلَ عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمرٌ قَنَت الإمام، وأمَّن مَنْ خَلْفه. ثُمَّ
قال: مثل ما نزل بالنَّاس من هذا الكافر، يعني بابك» بابك: بابك الخرمي قاد الطائفة الخرمية ضد الدولة العباسية في أذربجان، توفي سنة ٢٢٣ هـ.
والطائفة الخرمية تجمع على القول بالرجعة، وأن الرسل يحصلون على روح واحدة، وأن الوحي لا ينقطع، وأن كل ذي دين مصيب.
قوله: «وقال عبد القدوس بن مالك العطَّار: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل .... ، قلتُ: فإنَّ بالبصرة قومًا يقنتون، كيف ترى … » عبدوس بن مالك العطار، سأل الإمام أحمد ﵀ عن الذين يقنتون في الفجر هل يتابعهم؟ قال الإمام أحمد ﵀: «تابعهم»، يعني أنك لا تخالف، وهذا فيه مسلك تربوي لا ينبغي للإنسان أن يخالف؛ لأن المسألة اجتهادية، والقانت يعتقد أنه على هدى ودليل، فلا تظهر المخالفة.
لكن يرى في جملته الأخيرة أنه يُقتصر على الوارد في القنوت، ولهذا قال:
стр. 103
إنِّي رجلٌ غريبٌ من أهل البصرة، وإنَّ قومًا قد اختلفوا عندنا في أشياء، وأحبُّ أنْ أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه. قال سَلْ عمَّا أحببت، قلتُ: فإنَّ بالبصرة قومًا يقنتون، كيف ترى في الصَّلاة خلف من يقنت؟ فقال: قد كان المسلمون يصلُّون خلف من يقنت، وخلف من لا يقنت، فإنْ زاد في القنوت حرفًا، أو دعا بمثل «إنَّا نستعينك»، أو «عذابك الجد»، أو «نحفد». فإنْ كنتَ في الصَّلاة فاقطعها.
فَصْلٌ
وشرع لأمَّته أنْ يصلُّوا عليه في التَّشهُّد الأخير، فيقولوا: «اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيْتَ على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ» (١).
«فإنْ زاد في القنوت حرفًا، أو دعا بمثل «إنَّا نستعينك»، أو «عذابك الجد»، أو «نحفد». فإنْ كنتَ في الصَّلاة فاقطعها».
قوله: «فصْلٌ: وشرع لأمَّته أنْ يصلُّوا عليه في التَّشهُّد الأخير .... » الصلاة على النبي ﷺ ركن وهذا هو المذهب، ومذهب الشافعية.
واستدلوا بأدلة، منها:
١ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]
٢ حديث أبي مسعود، وفيه: «أمرنا الله أن نُصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟»، ثم قال: «قولوا: اللهم صل على محمد … »، رواه مسلم، وفي رواية:
стр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟»، رواه أحمد، والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، تفرد به ابن إسحاق، لكنه أمر إرشاد وليس أمرًا ابتدائياً.
٣ حديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا: «لا صلاة لمن لم يُصل على نبيه ﷺ »، رواه الدارقطني، والبيهقي، وهو عند ابن ماجه والحاكم مرفوعًا بلفظ: «ولا صلاة لمن لم يُصل علي»، ولكنه ضعيف بعبد المهيمن بن عباس.
٤ وعن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله ﵁ قال: «يتشهد الرجل، ثم يُصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه»، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، والحاكم في المستدرك. وصحَّحه ابن حجر.
وعن أحمد: أنها واجبة.
واستدلوا:
بحديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته ولم يُصل على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «عَجِل هذا»، ثم دعاه فقال: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليُصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بما شاء»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: «حسن صحيح».
قالوا: لو كانت ركنًا لأمره بالإعادة.
وعند أبي حنيفة، ومالك: أنها سنة، وبه قال ابن حزم.
واستدلوا: بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ من أربع: من عذاب جهنم … »، رواه مسلم.
стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأن عمر ﵁ علَّم الناس التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ، وعن عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فعلمني التشهد: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد»، إسناده صحيح.
الصلاة على النبي ﷺ وردت بصيغ متنوعة:
١ حديث كعب بن عجرة ﵁، وفيه: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري بهذا اللفظ في الأنبياء/ باب حدثنا موسى بن إسماعيل.
٢ حديث كعب بن عجرة ﵁ أيضًا، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري، ومسلم.
٣ حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد»، أخرجه مسلم.
стр. 106
وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال (١).
٤ حديث أبي حميد الساعدي ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، أخرجه البخاري، ومسلم.
٥ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم»، أخرجه البخاري.
٦ حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد»، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة.
قوله: «وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال» أي: إذا انتهى من الصلاة يستعيذ بالله من هذه الأربع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال»، رواه مسلم، وهو في الصحيحين من حديث عائشة من فعله ﷺ . ولعظم خطرها.
والرأي الثاني: الوجوب، وبه قال طاووس، وبعض الظاهرية كابن حزم، وهو رواية عن أحمد.
стр. 107
وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» (١).
وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» (١).
لكن عندنا كما تقدم صارف يصرف عن الوجوب: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «فليقل: التحيات لله والصلوات … ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي .... » أي إذا انتهى من الاستعاذة بالله من هذه الأربع، أو قبل الاستعاذة بالله من هذه الأربع يتخير من الدعاء ما شاء، يتخير من الدعاء أعجبه من خير الدنيا والآخرة.
والأحسن أن يأتي بالوارد عن النبي ﷺ ، وذكر المؤلف ﵀ حديث الصديق ﵁ قال: «وعَلَّم الصِّدِّيق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم»، هذا الحديث في [الصحيحين].
قوله: «وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» الحديث في صحيح مسلم من حديث علي ﵁.
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومما ورد في صحيح السنة من الأدعية بعد التشهد الأخير، وقبل السلام:
١ التعوذ بالله من أربع، وقد سبق.
٢ «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، متفق عليه.
٣ «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»، متفق عليه.
٤ «اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار»، رواه مسلم.
٥ «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وقال الحافظ في البلوغ: «بسند قوي».
٦ «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر»، رواه البخاري.
٧ «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين»، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وإسناده جيد.
وذكر ابن تيمية ﵀ ضابطًا بأن ما جاء مقيدًا بدُبر الصلاة فإن كان دعاءً
стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون قبل السلام، وما كان ذكرًا فإنه يكون بعد السلام.
وعلى هذا حديث معاذ ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «يَا مُعَاذُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، يقال قبل السلام لأنه دعاء.
ولم يذكر المؤلف ﵀ كيفية الجلوس في التشهد الأخير، وكما سلف أن هذه الكيفيات لها صفتان:
* صفة مجزئة.
* وصفة كاملة.
أما الصفة المجزئة: فكيفما جلس.
وأما الصفة الكاملة: صفة التورك:
الأولى: وقد رواها البخاري من حديث أبي حميد ﵁: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته»، رواه البخاري.
اليمنى تكون تارة منصوبة وأصابعها جهة القبلة، وتارة يجعل أصابع قدمه اليمنى خلفه فارشًا لها في الخلف.
الثانية: أن يفرش القدمين جميعًا، ويخرجهما من الجانب الأيمن، ويجعل أليتيه على الأرض، وهذه الصفة رواها أبو داود، وابن حبان، والبيهقي عن أبي حميد، وصحَّحه الألباني في صفة الصلاة.
стр. 110
ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله» (١)، وروى ذلك خمسة عشر صحابيًا.
وقال الخرقي: يفرش اليمنى، ويجعل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض. وهذه الصفة رواها مسلم عن عبد الله بن الزبير ﵄.
لكن هذه الرواية بمعنى الصفة الأولى؛ إذ في أبي داود: «جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه»؛ إذ المخرج للحديثين متحد.
يشرع التورك في التشهد الأخير إذا كان في الصلاة تشهدان، فإن كان تشهد واحد فالافتراش؛ لحديث أبي حميد ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: «ثم ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض .... »، «حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخَّر رجله اليسرى وقعد على شقِّه متوركًا، ثم سلَّم»، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه.
ورواه البخاري بلفظ: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته».
قوله: «ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وروى ذلك خمسة عشر صحابيًا» أي: بعد التشهد الأخير يُسلِّم والتسليم هذا ركن وهذا هو المذهب عند الحنابلة.
واستدلوا: