← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 123608

التلخيص الحبير - ط أضواء السلف

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 279 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز المشهور بـ التلخيص الحبير للإمام الحافظ ابن حجر العسْقَلاني دراسة وتحقيق الدكتور محمد الثاني بن عمر بن موسى اعتنى بإخراجه وتنسيقه وصنع فهارسه أبو محمد أشرف بن عبد المقصود الجزء الأول أضواء السلف

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م دار أضواء السلف الرياض: الرَّبوة - الدائري الشرقي - مخرج ١٥ - مقابل مسجد الراجحي الجديد ص ب ١٢١٨٩٢ - الرمز ١١٧١١ - تليفاكس ٢٣٢١٠٤٥ - جوال ٠٥٠٥٢٨٠٣٢٨

стр. 3

"أرجو الله .. أنْ يكون حَاويًا لجلِّ ما يستَدلُّ بِهِ الفقهاء في مُصنَّفاتهم في الفروع" ابن حجر العَسْقلاني كتاب التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز الجزء الأول

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن مطر الزَّهراني الأستاذ بقسم علوم الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية الحمد لله ربِّ العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. وبعد: فإنّ كتاب "الوجيز" لأبي حامد الغزّالي (ت ٥٠٥ هـ) ﵀ يُعدّ من المتون المهمّة في كتب الفقه، وفي كُتب المذهب الشّافعي على وَجْهٍ أخصّ فَقد غَطّى على كتاب "المهذَّب" للشِّيرازي ﵀. ولقي كتابُ "الوجيز" العنايةَ الكبيرةَ وبخاصَّةِ بعد ما شَرحه الإمامُ أبو القاسم عبد الكريم بن محمّد الرّافعي (ت ٦٢٣ هـ) ﵀؛ فُخِدم شرحاً وتعليقاً وتعقيباً، ثمّ خُدم- كثيراً تخريجاً. ومن أشهر كُتُب التّخريج لأحاديثه كتابي "البدر المنير .. " للحافظ سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقِّن (ت ٨٠٤) ﵀، وكتاب "التمييز في تلخيص أحاديث شرح الوجيز"، والمطبوع باسم "التلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀. وهذا الأخير -أعني كتاب الحافظ ابن حجر- قد طُبعَ مراراً كلها باسم "التلخيص الحبير"، فَنُسي، بل جُهِل اسمُ الكتاب الصّحيح الذي سمَّاه به مؤلِّفه، والّذي هو المعَبِّر عمّا في مضمون الكتاب، ثمّ هو لم يُخدَم في تلك الطّبعات خدمةً جيدة محرَّرة لمسائله، ومبيِّنة لفوائده، فيسر الله لتلميذي النّبيه الشيخ الدّكتور محمَّد الثاني بن عمر بن موسى الكنويّ المتخرِّج في كلية الحديث الشّريف قِسْم علوم الحديث بالجامعة الإِسلاميّة بالمدينة النبويّة أنْ

стр. 6

يَعمل على إعادة إخراج هذا الكتاب وتحقيق نصوصه وتحرير مسائله، ليخرج في ثوبٍ تليق به. وقد تجلّى عملُ الدّكتور محمَّد الثاني في: * مقابلة النّسخ الخطيّة مع بعضها ومع بعض طبعات الكتاب، وقد تيسّر له جَمْعُ عددٍ من النّسخ كما أوضحه في مقدِّمته. * عزو الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب إلى مخرِّجيها مع مراعاة عَدَمِ التطويل وتَرْكِ الإطناب، وذلك بقدر ما يخدم غرض المؤلف ﵀. * تلك المقدّمة الضَّافية الّتي تضمّنت فصلاً نفيساً في عَقْدِ موازنة بين كتاب "التمييز" للحافظ ابن حجر، وأصله "البدر المنير" لابن الملقِّن رحمهما الله جميعاً حوت تلك الموازنةُ فوائد مهمَّة، وقد حقّقت في أكثر من ثلاثين صفحة. * وقد اطلعتُ على نماذج من تحقيقه للنّص فوجدته ملتزماً بما ذَكَرَ في المقدّمة من عَدَم التّطويل وتَرْكِ الإطناب، ومن بيان فوائد الكتاب وما تضمّنه من مسائل. ويكفي أنه أحيا الاسم والعنوان الصَّحيح للكتاب كما سَمّاه مصنِّفه ﵀. ولا أنسى أن أنبِّه على أهميّة كتاب الحافظ ابن حجر "التّمييز ... " لما فيه من العلم والفوائد الغزيرة، فهو حَريٌّ بالاطّلاع والاستفادة من كنوزه. والله الموفِّق والهادي إلى سواء السَّبيل. د. محمّد بن مطر الزّهراني الأستاذ بقسم علوم الحديث بالجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إنّ الحمد لله نحمَدُه ونَستعينه ونَسْتغفره، ونَعوذ بالله من شُرور أَنْفُسِنا ومن سيِّئات أعمالِنا، من يَهده الله، فلا مُضِلَّ له، ومُن يُضلِلْ فلا هاديَ له وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك، له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أما بعد: فقد كان كتابُ "فتح العزيز في شرح الوجيز" للإمام العلّامة أبي القاسم عبد الكريم بن محمَّد بن عبد الكريم الْقزويني الرَّافعي الشّافعي (ت ٦٢٣ هـ) من أجلِّ كُتب الفروع عند الشّافعية إن لم يكن أجلَّها؛ فقد قال عنه تقي الدّين ابن الصّلاح ﵀: "لم يُشرح الوجيز بمثلِه" (٤).

стр. 8

فتعقّبه الحافظ ابن الملقّن بقوله: "بل لم يصنَّف في المذهب مثلُه"، ثمّ نَقَلَ بإسناده عن الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرّحمن الفزاري (ت٧٢٩هـ) (١) قولَه غيرَ مرّة: "ما يُعرف قدرُ الشّرح للرَّافعي إلّا بأن يَجمع الفقيهُ المتمكَّن في المذهب الكتبَ التي كان الإمامُ الرّافعي يستمدّ منها، ويصنَّف شرحاً للوجيز، من غير أن يكون كلام الرَّافعي عنده، فحينئذ يَعرف كلُّ أحدٍ قصورَه عمَّا وَصَلَ إليه الإِمام الرّافعي" (٢). فلجلالة قَدْرِ هذا الكتاب تصدَّى علماء الشّافعيّة لخِدمته والعناية به، من اختصارٍ له (٣) وإجابةٍ عمّا أورده من السّؤالات والإشارة إلى حلِّ إشكاله (٤) ووضعِ حاشيةٍ (٥)، وتعليق عَليه (٦)، وشرحٍ لغريبه (٧)؛ وتخريجٍ لأحاديثه.

стр. 9

وقد عَمِل غَيرُ واحدِ من العلماء على تخريج أحاديثه؛ منهم: شهاب الدّين الحافظ أبو الحسين، أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي الدِّمياطي (ت ٧٤٩هـ) (١)، والإمامُ محمّد بن علي بن عبد الواحد أبو أمامة المعروف بابن النقَّاش (ت ٧٦٣هـ) (٢)، وسَمّاه: "كاشف الغمّة عن شافعيّة الأمّة"، كما سماةَّ أيضاً: "أمنيّة الألمعيّ في أحاديث الرّافعي" (٣)، والقاضي عِزّ الدين عبد العزيز ابن محمَّد المعروف بابن جماعة الشّافعي الكِناني المتوفَّى (٧٦٧هـ) (٤)، ثمّ تخريجه لبدر الدّين محمَّد بن بهادر الزَّركَشي الشّافعي (ت٧٩٤هـ) المسمَّى: "الذّهب الإبريز في تخريج أحاديث الرّافعي المسمّى فتح العزيز" (٥)، قال عنه الحافظ ابن حجر: " ... مَشى فيه على جَمع ابن الملقِّن، لكنّه سلك طريقَ الزّيلعي في سوق الأحاديث بأسانيدَ خرَّجها فطال الكتاب بذلك" (٦). ثمّ الحافظُ سراج الدّين أبو حفص عُمر بن علي المعروف بابن الملقِّن الأنصاري الشّافعي، المتوفى (٨٠٤هـ) في كتابٍ أراده أن يكون مِمَّا: "لم

стр. 10

يُسبق إلى مثلِه، ولم يُنسج على منواله، وأهلُ زمانه وغيرهم شديدُو الحاجة إليه وكلّ المذاهب تعتَمد في الاستدلال عَليه" (١)، فقام بتخريج أحاديث هذا الكتاب وآثاره، مرتِّباً إيَّاها ترتيبَ شرح الرّافعي، معزوَّةً إلى مخرِّجيها من أصحاب الصِّحاح، والسّنن والمسانيد، وكُتب الصَّحابة، ناظراً في ذلك في كتب الأسماء تجريحاً وتعديلاً، وكتب العلل والمراسيل، وكتب الأطراف، وكتب الأحكام، وكتب الخلافيَّات الحديثيّة، والأمالي، والنّاسخ والمنسوخ وشروح الحديث والغريب، وغير ذلك كثيراً عدَّدَها في ديباجة كتابه (٢)، وسَمّاه: "البدر المنير في تخريج الأحاديث الواقعة في الشّرح الكبير"، إلّا أنّه طوّله بذكر ما لَيس مِن مقصود التخريج، كَسوْق الأسانيد بكاملها، وعدمِ جمعها في مكان واحدٍ، وإعادةِ ذكرِ لفظ الحديث عَقِب كلِّ من خرَّجه، والإطالة في شرح الغريب، وبيان الأمكنة، وما إلى ذلك، فرأى الحافظُ ابن حجر قيامَ الحاجةِ إلى تلخيصه والنَّظر في الأعمال السَّابقة لَضمِّ فوائدها إليه، وزيادة تحريرٍ لبعض مسائله وأحكامِه، فوضع كتابَه "التَّمييز في تَلخيص تخريج أحاديث شرح الوَجيز" فَجاء حاوياً لمعظم ما يستدلّ به الفقهاء في المسائل الفرعيّة، وعوَّل عليه كَثيرٌ ممن جاء بعده، ونقلوا تخريجاته وأحكامه في كتبهم. لكن مع هذه القيمة العلميّة لهذا الكتاب، وشهرته بين الباحثين في الحديث والفقه، فإنّه لم يأخذ مكانه اللّائقَ به، ولم يُخدَم بما يضبط نصوصَه، ويوثِّق نقولَه.

стр. 11

وقد طُبع الكتاب طباعةَ حجريَّةً بالهند عام ١٣٠٣هـ، ثمّ طُبع بتحقيق السيّد عبد الله هاشم اليماني، بالقاهرة ١٣٨٤هـ في أربعة أجزاء في مجلَّدين، ثمّ توالت بعد ذلك طبعاتُ الكتاب متفاوتةٌ في العناية بنصوص الكتاب وضبطها وتوثيق أحاديثها وعَزْوها، وهي كلُّها راجعةٌ إلى طبعة اليماني غير معتمِدةٍ على نُسَخِ الكتاب الخطِّيّة. وأجود هذه الطّبعات طبعةُ مؤسّسة قرطبة بعناية الأستاذ أبي عاصم حسن بن عبّاس بن قُطب، الّتي صدرت عام ١٤١٦، وقد بذل الأستاذ أبو عاصم جهدًا يُشكر عليه في سبيل توثيق كثيرٍ من أحاديثها وآثارها، ومع ذلك بقي عملُه يَعوز ضبطًا وتحريرًا، وبخاصّة أنّ الأستاذ لم يَعتمد -فيما يبدو- على نسخٍ خطيّة، وإنما بَنى عملَه على بعض الطّبعات السّابقة للكتاب، ومنها الطّبعة المصريّة كما نصّ عليه في مقدمة عَمَله، فكان هذا باعثًا قويًّا على إعادة إخراج الكتاب وتحقيق نُصوصِه في صورةٍ تُناسبه، ليتبوَّأ منزلته اللّائقة به بين كُتب التّراث الحديثية. وقد عملتُ في سبيل تحقيقه على النّحو التالي: * قابلتُ طبعةَ اليماني على النّسخ الخطيّة للكتاب؛ لتصحيح ما فيها من أغلاطٍ وتصحيفاتٍ، واستدراكِ ما وَاقعها من سَقْط وتحريفات. * أثبتُّ أهمَّ ما في تلك النّسخ الخطيّة من فُروق، تاركًا ما لم يكن ذَا أثرٍ منها، ولا سيّما أنّ الفوارقَ بين تلك النّسخ قليلةٌ، مِمّا دَلّ على أصالتها، واهتمام نُسَّاخِها بضبط نصوصها. * أثبتّ مَا صحّ في الأصل من نسخة القرويين، دُون الإشارةِ -غالباً-إلى مَا وقع في بعض النّسخ مما يكون خطأً لازمًا غيرَ محتمَل. ورقَّمتُ أحاديثَه وآثاره ترقيمًا مُتَسلْسِلًا، مَع تمييز المنقول مِن الرّافعي بأرقامٍ خاصَّة.

стр. 12

*عزوتُ الأحاديثَ والآثار الواردة فيها إلى مخرِّجيها -إلَاّ ما عزّ عليّ سبيلُه أو نَدَّ عَنِّي مخرخُه- مَع مراعاةِ عَدَمِ التّطويل، وتَرْكِ الإطناب في التّذييل، إذ ذلك لا يناسب كتابًا في التّخريج، رام صاحبُه تلخيصًا واختصارًا، وإنّما يكون التّعليق عليه بقدر ما يخدم غَرَضَ المؤلِّف ويُوضح مقصوده. *قدّمت للكتاب بمقدِّمة تحوي دراسةَ موازنةٍ بينه وبين أصله: "البدر المنير" لابن الملقِّن. وفي الختام: أتقدّم بوافر شكري وعميم عرفاني لزميلي وصديق الدّرب في الطّلب الدّكتور عبد اللطيف بن محمَّد الجيلاني المغربي الآسفي أحاطه الله بتوفيقه؛ لتشجيعه إيَّايَ عَلى تحقيق هذا الكتاب رغم صعوبة مَسلكه، ووعورة سبيله، وما زَامنه من عملٍ في إعدادِ رسالتي للدّكتوراه، فجزاه الله أحسنَ الجزاء. كما أتقدّم بجزيل الشّكر وبالغ التّقدير إلى شَيخي الكَبير ومرَبِّي الصّالح أستاذي ومعلَّمِي الدّكتور محمَّد بن مطر الزّهراني، الأستاذ بقسم علوم الحديث بالجامعة الإِسلاميّة بالمدينة النّبوية على تفضلّه بقراءة جزءٍ من هذا العمل وكتابة التقديم لَه رغم كثرة شواغله، وظروفه الصحيّة، فَجزاه الله تعالى عَنّا، وعن سائر طَلبته خيرًا، وبارك في عمره وذرّيته، آمين. وأتقدم بالشكر أيضًا إلى الأستاذ عليّ الحربيّ صاحبِ مكتبة "أضواء السلف"، لاهتمامه المتواصل وسَعيه الجادّ في سبيل جَلْب نسَخ الكتاب من مختلف مكتبات العالم، وقيامه على نشره بهذه الصّورة القشيبة، فجزاه الله خيرًا. والشّكر موصولٌ لتلميذيَّ النَّجيبين: الأخ الفاضل إبراهيم عبد الله ثاني، والأخ الفاضل إبراهيم عُمر ديسينا اللَّذَيْن أعطيَاني كثيراً من أوقاتهما النّفيسة

стр. 13

لمقابلة النّسخ الخطيّة للكتاب، فجزاهما الله خيراً. ولا يَسعُني بهذه المناسبة إلّا أن أقدِّم تقديري وشكري البالغَيْن لفضيلة الشّيخ الدّكتور/ محمّد بن عبد الله زربان الغامِدي -حفظه الله تعالى- الّذي كان عوناً لي بعد الله تعالى على تيسير السّبيل وتسهيل الطّريق إلى دراستي لعلوم الحديث الشريف في الجامعة الإِسلامية، وما حَفَّني أنا وزُملائي بِه من نصحٍ، وعنايةٍ، وحبُّ، وعطفٍ، طوالَ مدّة دراستي فجزاه الله عنّا وعن سائر أبناء المسلمين خيراً، وبارك في حياته، وذرّيته، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. وأخيراً: أسأل الله تَعالى بمنّه وكرمه وفائضِ عطائه أن يتقّبل مِنّي هذا الجهد المقلّ، ويتجاوز عَنِّي زلَّاتي، ويغفر لي خطيئتي يوم الدِّين، يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلَاّ من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله راب العالمين. وكتبه أبو عبد الرحمن محمّد الثّاني بن عُمر بن مُوسى نزيل المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم عاشر ربيع الثاني عام ١٤٢٦هـ

стр. 14

ترجمة موجزة (*) للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني هو: الإِمام الحافظ، شيخ الإِسلام، أمير المؤمنين في الحديث، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود الكناني العسقلاني المصري، ثم القاهري الشّافعي الشّهير بابن حجر (١). ولد في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (٢). نشأ يتيمَ الأبوين في غاية من العفة والصيانة، راهق ولم يكن له صبوة، ودخل في الكُتَّاب ولم يتجاوز عامه الخامس، وبدت عليه علامات الذكاء والنَّجابة، وقوة الحفظ، فحفظ في مبدأ الطلب جملة وافرةً من المتون في شتّى الفنون، "وكان ﵀ رُزق في صغره سرعةَ الحفظ بحيث يحفظ كلّ يوم نصفَ حزبٍ، وبلغ من أمره في ذلك أنّه حَفِظَ سورةَ مريم في يومٍ واحدِ، وأنّه كان في أكثر الأيّام يصحَّح الصّفحة من "الحاوي الصغير" ثمّ يقرأها تأمّلاً مرّة أخرى،

стр. 15

ثمّ يعرضها في الثَّالثة حفظاً، ولم يكن -رحمه الله تعالى- حفظُه الدَّرسَ على طريقة الأطفال، بل كان حفظه تأمّلا. . ." (١). . وقد حبَّب الله تعالى إليه فَنَّ الحديث النبوي روايةً ودرايةً، وكان أوّل شيخ له في ذلك القاضي الحافظ جمال الدّين أبي حامد محمّد بن عبد الله بن ظهيرة المكِّي، باحثَ معه في كتاب "عمدة الأحكام" بمكّة عندما جاور بها سنة ٧٨٥هـ هو ابن ثنتي عشرة سنة (٢)، فأقبل على الحديث بكلَّيته إقبالَ النَّهِم وصمّم العزم على التّحصيل، ووفِّق للهداية إلى سواء السبيل، واجتمع بكبار الحفّاظ في ذلك الوقت، حتى تخرَّج في هذا الفنّ سنداً، ومتناً، وعللاً، واصطلاحاً، وفقهاً، حتّى استحق لقب إمرة المؤمنين في الحديث، بل قالوا: به خُتِموا، فلم يأت أحدٌ بعده بلغ فيه مبلغه. ورحل في هذا السبيل رحلاتٍ كثيرةً إلى أقطار متعدِّدة، فرحل إلى الحرمين (٣)، واليمن (٤)، والشام (٥) وغيرها (٦). *شيوخه: وللحافظ ابن حَجر شيوخٌ كثيرون جدًّا، جَمعهم في كتابٍ له جليل سَمّاه: "المجمَع المؤسَّس للمعجَم المفهرَس" رتّبهم على حروف المعجم،

стр. 16

وجملتهم نحو (٤٥٠) شيخًا بالسّماع والإجازة الخاصّة دون العامَّة. وقد عَدّهم الحافظ السّخاوي فبلغ خالصُ عِدَّتهم (٦٣٠) شيخًا دون المكرر (١). فمن أشهرهم: ١ - إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي (ت ٨٠٠هـ): لازمه الحافظ ابن حجر ثلاث سنين، ووصَلَ فيها عليه كثيرًا من مسموعاته الّتي تفرّد بها، وأذن له التّنوخي بالإقراء سنة (٧٩٦هـ). ومِمّا قرأ عليه الحافظُ أو سمعه منه: "صحيح البخاري" و"سنن الترمذي" و"سنن النّسائي" و"موطّأ الإِمام مالك "رواية يحيى اللّيثي، و"سنن الدّارمي" و"صحيح ابن حبّان"، و" مساوئ الأخلاق" للخرائطي، وغير ذلك (٢). ٢ - الإِمام الحافظ أبو الفضل العراقي زين الدّين عبد الرّحيم بن الحسين (ت ٨٠٦ ص). وقد لازمه عشرةَ أعوام، وانتفع به، وتخرّج على يديه، وهو أوّل من أذن له بالتّدريس في علوم الحديث (٣)، ولقبه بالحافظ (٤). ٣ - الحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ). قرأ عليه قرينًا للعراقي ومنفردًا، وقد قال في هذا: "قرأت عليه الكثير قرينًا

стр. 17

للشّيخ، ومما قرأت عليه بانفراد: نحو النّصف من "مجمع الزّوائد" له، ونحو الربع من "زوائد مسند أحمد" و"مسند جابر" من "مسند أحمد" وغير ذلك، وسمعت من لفظه المسلسل (١). ٤ - الإِمام عمر بن رسلان البُلْقِيني (ت ٨٠٥ص): لازمه الحافظ ابن حجر مدّة، وقرأ عليه عدّة أجزاء حديثيّة، وسمع عليه أشياء وحضر دروسه الفقهيّة، وقرأ عليه الكتب من "الرّوضة"، ومن كلامه في حواشيها، و"دلائل النّبوة" للبيهقي، وقرأ عليه المسلسل بالأوليّة، كما قرأ عليه جزءًا من "الحلية" والجزء الثّاني والعشرين من "آمالي الضّبّي" وسمع عليه الكثير من "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، والكثيرَ من "سنن أبي داود" و"مختصر المزني" (٢). ٥ - الإِمام ابن الملقن عمر بن علي بن أحمد (٧٢٣ - ٨٠٤ص). قرأ عليه الحافظ ابن حجر قطعةً كبيرةً من شرحه على "المنهاج " (٣). ٦ - الإِمام محمّد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمّد ابن جماعة (٧٤٩ - ٨١٩ ص). لازمه الحافظ ابن حجر في غالب العلوم الّتي كان يُقرئها من سنة (٧٩٠ هـ) إلى أن مات سنة (٨١٩ هـ) في "شرح منهاج البيضاوي" وفي "جمع الجوامع" و"شرحه"

стр. 18

للشّيخ، وفي "المختصر الأصلي" لابن الحاجب، والنّصف الأوّل من "شرحه" للقاضي عضد الدّين، وفي "المطوّل" للشّيخ سعد الدّين، وغير ذلك (١). وقد اجتمع للحافظ ابن حجر "من الشيوخ الّذين يُشار إليهم وُيعوَّل في حلِّ المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحدٍ من أهل عصره؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان متبحِّرًا ورأسًا في فنَّه الذي اشتهر به، لا يُلحَق فيه، فالبُلْقيني في سَعة الحفظ وكثرة الاطّلاع، وابن الملقَّن في كثرة التّصانيف، والعرَاقي في معرفة علم الحديث ومتعلّقاته، والهيثمي في حفظ المتون واستحضارها، والمجد الشِّيرازي في حفظ اللُّغة واطِّلاعه عليها، والغُماري في معرفة العربيّة ومتعلّقاتها وكذا المحبّ ابن هشام، كان حسنَ التَّصرُّف فيها لِوُفور ذَكائه، وكان الغُماري فائقًا في حفظها والأبناسي في حُسْن تعليمه وجَوْدة تفهيمه، والعزّ ابن جماعة في تفنّنه في علوم كثيرة،. . . والتّنوخي في معرفته القراءات وعلوّ سنده فيها" (٢). *تلاميذه: أخذ الناس عن الحافظ ابن حجر طبقةً بعد طبقة، وألحق الأبناءَ بالآباء، والأحفادَ بالأجداد، وأكبّ النّاس على التردّد إليه والاستفادة من علمه، حتى أصبحوا لا يُحصون كثرةً وانتشروا في أرجاء الأقطار (٣). وقد سرد الحافظُ السَّخاوي (٤) جماعةً ممن أخذوا عنه درايةً وروايةً مرْتبًا

стр. 19

إيَّاهم على حروف المعجم، أوصل بهم إلى (٦٢٦) تلميذًا، وأشار إلى أنّ هذا العدد قد أوردهم من غير التزامٍ لاستيفاء ما علمه من ذلك، فضلًا عن الجميع الّذي لا يمكن الإحاطةُ به (١). ومن أشهر تلاميذه: ١ - الحافظ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشّافعي (ت ٨٤٠هـ): لازمه في حياة شيخهما العراقي، وكتب عنه "اللِّسان"، و"النّكت على الكاشف" و"زوائد البزّار على الستّة وأحمد"، والكثيرَ من تصانفيه وغيرها، وسمع عليه الكثيرَ وقرأ عليه أشياءَ، واستمرّ يستفيد منه حتى مات (٢). ٢ - الإِمام محمّد بن عبد الرّحمن السَّخَاوي (ت ٩٠٢هـ): لازمه بأَخَرة أشدّ ملازمة، حتّى حمل عنه ما لم يُشاركه غيرُه من الموجودين، وأقبل عليه شيخُه ابن حَجر بكليّته، حتى صار يُرسل إليه قاصدَه يعلِّمه بوقت ظهوره من بيته ليقرأ عليه، وحمل عنه أكثرَ تصانيفه حتى قيل: إنّه أمثل جماعته في فنّ الحديث (٣). ٣ - الإِمام محمَّد بن عبد الواحد ابن الهُمَام الحنفي (ت ٨٦١هـ): وصفه الحافظ ابن حجر بالعالم العلاّمة ابن الإِمام العلّامة همام الدِّين السيواسي الأصل، نزيل القاهرة.

стр. 20

وأذن له برواية جَميع ما تجوز روايته عنه من معقولٍ ومنقول (١). ٥ - عمر بن محمّد بن محمّد المعروف بنجم الدّين ابن فهد المكّي ت ٨٨٥ هـ. كان الحافظ ابن حجر كثيرَ المحبّة له، جريًا على عادته في الميل للمُكثرين من الحديث النّبويّ (٢). ٦ - الحافظ قاسم بن قُطْلُوبُغا أبو العدل الحنفي (ت ٨٧٩ ص). حلّاه شيخه الحافظُ ابن حجر بالشيخ الفاضل المحدِّث الكامل الأوحد (٣). ٧ - برهان الدِّين إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥ هـ). قرأ على الحافظ ابن حجر تصانيفَه وغيرها كثيرًا، ولازمه وسَافر معه، ولم ينفكّ عن التّتلمذ له حتى مات الحافظُ ﵀ (٤). *مصنّفاته: وللحافظ ابن حجر ﵀ من المؤلَّفات في فنون عِلْمٍ مختلفة ما سارت به الركبان، وتبارى في تحصيله الأقران، واشتهرت بجودة التّحرير، وعُرفت بقوة السَّبك، مع كثرة الفوائد، ووفرة العوائد الشّوارد. وقد سَرَدَ الحافظ السّخاوي جملةً كبيرة من مصنفاته بلغ بها (٢٧٣) مصنّفًا (٥)

стр. 21

وجمع الدّكتور شاكر محمود عبد المنعم أسماءَ كُتبه مع تمييز مطبوعها من مخطوطها، وبيان أماكن وجود المخطوطة منها في كتابه الماتع "ابن حجر العسقلاني مصنّفاته ودراسةٌ في منهجه وموارده في كتابه الإصابة" (١). وبلَغ عددها عنده (٢٨٢) كتابًا، وأوصلها الأستاذ عبد الستّار الشّيخ إلى (٢٨٩) كتابًا (٢). ومن أشهر كتبه: - فتح الباري في شرح صحيح البخاري. - تهذيب التهذيب، وتقريبه. - بلوغ المرام من أدلة الأحكام. - إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة. - تغليق التّعليق. - التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز - وهو كتابنا هذا. - الإصابة في تمييز الصحابة. - لسان الميزان. - نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، وشرحها نزهة النظر. * وفاته: توفي ﵀ بعد حياةٍ حافلة بالعلم ومدارسته، وتأليفه ومذاكرته، مع

стр. 22

اجتهاد في العمل، ومداومة على الخيرات، ومسارعةٍ في الصالحات - ليلةَ السبت الثّامن عشر من ذي الحجّة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، إِثْر مرضٍ دام أكثر من شهر، وكان لجنازته مشهد لم يُر في كثرة من حضره لمثله (١)، تغمّده الله بواسع رحمته، وأجزل مثوبته، وأدخله فسيح جنته، وبحبوحة رحمته، وجزاه عن أمّة الإِسلام خيرَ الجزاء وأوفاه. * * * *

стр. 23

دراسة تحليلية للكتاب

стр. 24

تحقيق اسم الكتاب ١ - لم ينصّ الحافظ ابن حجر ﵀ في ديباجة كتابه هذا على عنوانه، ولا ذكره في أيّ مصنّف من مصنّفاته بكاملِ اسمه، فَقد أشار إليه في "فتح الباري" بقوله: "وقد استوعبتُ طُرقَه ورجالَه في الخصائص من تخريج أحاديث الرّافعي" (١). وقال في موضع آخر (٢): "وله متابعاتٌ وشواهدُ ذكرتُها في تخريج أحاديثِ الرَّافِعي". ٢ - واشتهر الكتاب بين العلماء بعد الألف الهجريّة باسم: "التّلخيص الحبير"،وسَمّاها لعلّامة محمّد بن جعفر الكتّاني المتوفَّى سنة (١٣٤٥هـ) (٣): "التّلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير"، وأورده العلامة المحدّث محمّد بن عبد الرّحمن المباركفوري المتوفّى (١٣٥٣هـ) باسم "التلخيص الحبير" (٤). ٣ - ووردت التّسمية به في نسخةٍ كُتبت في حياة المؤلف سنة ٨٢٦هـ، وهي نسخة الجامع الكبير بصنعاء اليمن، بما نصّه: "التّلخيص الحبير في تخريج أخبار الرّافعي الكبير". كما ورد مثل هذا العنوان في بعض نسخ الكتاب الخطيّة المتأخّرة، الّتي نُسخت بعد الألف الهجريّة.

стр. 25

ونقل من الكتاب العلّامة محمّد بن عليّ الشوكاني المتوفَّى (١٢٥٥هـ) كثيرًا في كتابه (نيل الأوطار) مقتصرًا في تسميته على لفظة "التّلخيص" (١). وسَمّاه بعضهم (تلخيص الحبير) مجرّدًا لفظةَ (التلخيص) عن التّعريف، منهم: العلّامة محمّد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢ هـ) (٢)، والعلّامة صدّيق حسن خان القِنَّوْجِي المتوفّى سنة (١٣٠٧ هـ) إذْ سماه "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرّافعي الكبير" (٣)، وعلى هذه التّسمية جرى ذكرُه عند العلّامة المحدَّث شرفِ الحقِّ الشَّهير بمحمَّد أشرف ابن عليّ العظيم آبادي المتوفّى (١٣٢٦هـ) (٤). وبهذا العنوان صدرت بعض طبعات الكتاب (٥)، وأدرك بعض الباحثين خطأ هذه التّسمية؛ إذ لا تستقيم من حيث المعنى، فنبهوا إلى أنّ الصّواب فيه (التّلخيص) معرَّفًا بـ (أل)، ليكون وصفُ (الحبير) نعتًا له. ٤ - وثبتت تسمية الكتاب في بعض النّسخ القديمة بعنوان: (تخريج أحاديث الرّافعي)، وقد جاء ذلك في نسخة كتبت في حياة المؤلف، وهي نسخة بمركز الملك فيصل، رمزنا عليها في تحقيقنا بـ (ج) (٦)، وقد مرّ ذِكْرُ تسمية الحافظ له

стр. 26

بهذا العنوان في كتابه "فتح الباري"، وأشار إليها الحافظ السّخاوي بمثل هذا في مواضع من كتابه "الجواهر والدرر" (١) وهو عندي من باب اختصار أسماء الكتب، والاكتفاء بنعته ببعض ما يدلّ عليه ويرمز إليه، كما هو الدّارج عند العلماء قديماً وحديثًا. ٥ - وجاءت تسميته بـ"التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز"، وهو العنوان الّذىِ تتابع مترجموه في الجملَة على ذكره في قائمة مصنّفات كتبه، من هؤلاء: أ- الحافظ شمس الدّين السّخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في كتابه "الجواهر والدرر" (٢) قال. وهو يعدِّد كتب شيخه الحافظ.: "التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز، في مجلّدين ملَّخصا لَه مِن كتاب شيخه ابن الملِّقن، كَمُل وبُيّض" (٣). ب- وبرهان الدّين إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥ هـ) في كتابه "عنوان الزَّمان" (٤)، وسمَّاه: "التَّمييز في تخريج أحاديث شرح الوجِيز"، وقال: "في مجلَّدَيْن بُيِّضَ". ج- وجلال الدّين أبو بكر السّيوطي (ت٩١١ هـ) في "نظم العقيان" (٥)،

стр. 27

وتسميُته عِنده كَما هي عند برهان الدّين البقاعِي تمامًا. د- وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) في "شذرات الذهب" (١)، وعبارته: "التمييز في تخريج أحاديث الوجيز"، فسقطت كلمة (شرح) عنده، ولا بدّ منها. هـ- وعبد الحي بن عبد الكبير الكِتّاني (ت) في "فهرس الفهارس" (٢). وغيرهم. وكون تسميته بـ"التلخيص الحبير"، لم ترد إلّا عند بعض علماء ما بعد الألف باستثناء ما في النّسخة المشار إليها المكتوبة في حياة المؤلف سمنة ٨٢٦ هـ والتي لم يُذكر اسمُ ناسخها، وخطّ عنوانها مطابقٌ لخطِّ الكتاب، جعلني أميل إلى القول بأنّ الكتاب مشهورٌ في حياة مؤلِّفه بغير هذه التّسمية، والملاحظ أنَّ نسخة "ج" الّتي كتبت هي الأخرى في حياة المؤلف، ونسخة القرويين التي اعتمدتُها أصلًا وكتبها أحمد بن عبد الله المقري، سمنة (٨٥٥ هـ) أي بعد وفاة المؤلِّف بثلاث سنين تقريبًا، كلتاهما لم يرد عليهما اسم الكتاب بِتمامه، إنما جاءت الإشارَةُ إلى جُزءٍ منه، وهو"تخريج أحاديث الرّافعي" في الأولى، أو "تخريج أحاديث الشرح الكبير" في الثانية. وهو من باب تسمية الكتاب بموضوعه. وهذا يوحي بأنَّ غالب من نَسخ الكتاب لم يُثبت عليه عنوانَه، أو أنّ النّسخة الأولى للمؤلِّف خِلْوةٌ مِنه، الأمر الذي فَتَحَ مجالًا لبعض النّساخ أن يجتهد في وضع عنوانٍ مناسبٍ للكتاب، وهو ما طالعتنا به النّسخة المذكررة وقلّدها بعد ذلك

стр. 28

بعضُ النّسخ مع تبديل كلمة (أحاديث) بكلمة (أخبار)، وعبارة (الشرح الكبير) بعبارة (الرّافعي الكبير)؛ لِيظهرَ أخيرًا بِعنوان (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الشّرح الكبير). وتسمية الكتاب بـ (التّمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوَجيز) هي المختارة عندي والمرجَّحة لديّ لما يلي: أولًا: اتّفاق مترجميه في الجملة على ذِكْرِ الكتاب بهذا الاسم دون غيره. ومنهم أثبتُ النّاس في معرفته والتخصّص به وبمصنّفاته، وهو الحافظ شمس الدّين السّخاوي ﵀، ويليه في ذلك قرينُه برهانُ الدِّين البقاعي ﵀. ثانيًا: وجود هذا العنوان بخطَّ الحافظ ابن حَجر نفسِه على طُرّة نسخةِ مكتبة (تشستربتي) بأيرلندا، وهي الّتي رمزنا لها بـ (ب)، فقد كتب الحافظُ على طرَّتها ما نصّه: "كتاب التّمييز في تخريج شرح الوجيز، تلخيص الفقير أحمد بن علي بن حجر عما الله تعالى عنه بمنه وكرمه. . .". وأعيد تقييدُ العنوان بخطِّ مغاير للأوَّل جاء فيه: "كتاب التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز، للشّيخ شهاب الدِّين ابن حجر العسقلاني [المعروض] (١) على مصنّفه". وَثبتتْ فيه كَلِمَةُ (أحاديث) السّاقطة من تقييد الحافظ. ﵀. . وهذه النّسخة قابَلها الحافظ نجم الدِّين عمر بن فهد (ت ٨٨٥ هـ) مع والده بقراءته من أصلٍ صحيحٍ، ووالدُه ممسِكٌ بهذه النّسخة، كما سوف يأتي بيانه. إن شاء الله. .

стр. 29

وَقد جَرت عادَة بعض العلماء في كتابةِ عناوين مصنَّفاتهم على نسخِ بعض تلاميذهم بخطوطهم، كما تجد أنموذجًا لذلك على نسخَةِ رسالة "اللّفظ المكرّم بفضل عاشوراء المحرّم" للحافظ ابن ناصر الدّمشقي (ت ٨٤٢هـ)، وناسخُها تلميذه الحافظ نجم الدّين ابن فَهد المكَّي (ت ٨٨٥ هـ)، وكتب عُنوانها المصنّف بخطِّه (١)، وكذلك فعل مَعه في رسالة "مجلس في حديث جابر الذي رحل فيه مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنس ﵄" (٢)، وكذلك الشّأن نفسُه في رسالة "مجلس في فضل يوم عرفة" (٣)، ورسالة "تنوير الفكر بحديث بهز بن حكيم في حسن العشرة " (٤) ورسالة "الانتصار لسماع الحجّار" (٥) حيث خطّ مؤلفها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢هـ) عناوينها بيده. ثالثًا: كون قائمة أسماء الكتب الّتي ذكرها السّخاوي ﵀، إنما أخذ معظمَها من كرّاسة جمعها الحافظ ابن حجر بنفسه وذكر فيها أسماء تواليفه، فقد قال السخاوي ﵀ في أوّل ذكر مصنّفات الحافظ. "وقد جَمَعَ هو أسماء معظمها في كُرّاسة افتتحها عَلى سبيل التّواضع والهضم لنفسه بِقوله. . ." فذكر شيئًا من مقدَّمة تلك الكرَّاسة. وكتابُنَا هذا قديمُ التّأليف لا يُتصور إلّا أن يكون مذكورًا فيها ومنها أخذ تسميتَه

стр. 30

شمسُ الدّين السَّخاوي، ولذلك أخذنا منه إضافةَ كلمةِ (تلخيص) في التَّسمية إلى ما كَتبه الحافظ بخطِّ يدِه؛ إذ إنّه عَلاوةٌ على ما تقدَّم من غلبة الظنِّ القريب من القَطْع على أنّ العنوان بِضمِيمَةِ هذه الْكَلمة مِن مدوّنة الحافظ بأسماء كُتبه، فهو إِلى ذلك يَكشف عن أصلِ الكتاب بأنَه ملَخَّص من عَمل شيخه ابن الملقِّن، وليس أصلًا مستَقِلَّ الذَّات. رابعًا: لم أجد أحدًا مِن متقدِّمي مترجمي الحافظ ابن حجر ذَكَرَ في تصانيفه كتابًا بعنوان (التلخيص الحبير) ونسبه إليه، مع أنَّ السّخاوي أوعبُ مَن سَرَدَ مصنَّفاته، إذ سرد ثلاثةً وسبعين ومئتين كتابًا وجزءًا، وليس فيها ذِكْرٌ للتّلخيص، فلا يُقال مع ذلك إنّ "التّمييز" كتابٌ آخر غير "التّلخيص"، كما استروح إلى احتمال ذلك د. جمال السيّد (١). * * * *

стр. 31

لمحات عن منهج الحافظ ابن حجر في كتابه (التمييز) لقد أخذ الحافظ ابن الملِّقن في كتابه "البدر المنير" بذيل التّطويل والإطناب، وبَدَت عنده ظاهرة الاستطراد والإسهاب، بحيث يشعر المطالع فيه بالحاجة الملحّة إلى اختصاره وتلخيص مقاصده، فجاء الحافظ ابن حجر ﵀ فَرغِب في إخلاء الكتاب من تلك الظّاهرة، وصون فوائده من الضّياع في زحمة التّكرار، من دون إخلالٍ بمقاصد الكتاب وغاياته. وقد أشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى شيء من رَسمِه وجزءٍ من خطته في تلخيصه كتابَ شيخه الحافظ ابن الملقن-﵀. فقال في ديباجة كتابه: ". . . فقد وقفتُ على تخريج أحاديثِ "شرح الوجيز" للإمام أبي القاسم الرّافعي -شكر الله سعيه. لجماعةٍ مِن المتأخِّرين؛ منهم: القاضي عزّ الدّين ابن جماعة، والإمام أبو أمامة ابن النقّاش، والعلّامة سراج الدّين عمر بن علي الأنصاريّ، والمفتي بدر الدِّين محمَّد بن عبد الله الزّركشي، وعند كلٍّ منهم ما ليس عند الآخر من الفوائد والزَّوائد، وأوسعها عبارةٌ وأخلصها إشارةً كتابُ شيخنا سراج الدِّين، إلَّا أنّه أطاله بالتِّكرار فجاء في سبع مجلَّدات، ثمّ رأيته لَخَّصه في مجلَّدةٍ لطيفةٍ أخلّ فيها بكثيرٍ من مقاصد المطوّل وتنبيهاته، فرأيتُ تلخيصَه في قدر ثُلث حجمه مع الالتزام بتحصيل مقاصدِه، فمنَّ الله بذلك، ثمّ تتبعت عليه الفوائد الزَّوائد من تخاريج المذكورين مَعه، ومن تخريج "أحاديث الهداية" في فقه الحنفيَّة للإمام جمال الدِّين الزَّيلعي؛ لأنّه ينبّه فيه على ما يحتجّ به مخالفوه. وأرجو الله إن تمّ هذا التّتبع أن يكون حاويًا لجلِّ ما يَستدلّ به الفقهاءُ في مصنّفاتهم في الفروع، وهذا مقصد جليل. . .".

стр. 32

كما أشار إلى بعض ذلك في كتابه "الدراية" (١) فقال: "فإنني لَمّا لَخّصت تخريجَ الأحاديث الّتي تضمّنها "شرح الوجيز" للإمام أبي القاسم الرّافعي، وجاء اختصاره جامعًا لمقاصد الأصل مع مزيد كثير، كان فيما راجعتُ عليه تخريج أحاديث الهداية. . .". ويمكننا أن نلخِّص ما في رَسْمِه هذا في النّقاط التّالية: - تلخيص كتاب (البدر المنير) في قدر ثلُث حجمه. - الالتزام بتحصيل مقاصِده الّتي أخلَّ بها الحافظ ابن الملَّقن في كتابه "خُلاصَة البدر المنير"، حيثُ اختصر به الأصل. - تَتَبُّع الزَّوائد والفوائدِ الّتي عند غيره مِمَّن عُني بتخريج أحاديث شرح الوجيز، وضمِّها إليه. - إضافة ما عند الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" من تنبيهاته على ما يحتجّ به مخالفو الأحناف عند محاجاتهم. هذه خُلاصَة ما نصّ عليه الحافظ في رَسْمِ منهجه في هذا الكتاب، إلَاّ أنّ المطالِعَ في كتاب "التمييز" يمكنه أن يرتِّب وجوهًا من خطّة الحافظ الّتي سار عليها في اختصاره وتلخيصه هذا، وهي كما يلي: ١ - حَذف الحافظ ﵀ مقدّمة الحافظ ابن الملِّقن وهي مقدّمة أطال فيها النَفَسَ جدًّا؛ إذ اشتملت على بيان أهميّة معرفة السنّة، ومنزلتها من الكتاب، وضرورة معرفة القاضي بأحاديث الأحكام، والتعريف ببعض المصطلحات

стр. 33

الأصوليّة، كالعام والخاصّ والمطلق والمقيّد ونحو ذلك. وتحدَّث فيها عن اهتمام الصّحابة والتّابعين بحفظ السنَّة وتبليغها، وتدوين الحديث النّبويّ وظهور المصنّفات فيه، مع بيان نبذةٍ من حال حفّاظ الحديث، وطوفٍ من أخبارهم. وتكلَّم فيها على تعريفِ بعض المصطلحات الحديثيَّة، كالصّحيح والحسن والضَّعيف، ونحوها. ثم تناول كتابَ "فتح العزيز" بالذِّكر والثّناء، ثم ذَكَرَ مصادره في تخريجه لأحاديثه، وتحدث عن شَرْط الإِمام مالك وأصحاب الكتب السَّتَّة، وابن حبان والحاكم. ثم تَرْجَمَ للإمام الرافعي بذكر ما يتعلق بأحواله الشخصية والعلمية، وثناء العلماء عليه وغير ذلك (١). كلّ هذا رآه الحافظ ابن حجر غيرَ لصيقٍ بموضوع التّخريج، وحاجةُ النَّاظر في كتابه غيرُ ماسّة إليه، فعمل على إسقاط المقدمة كلّها، ولم يعوض بها غيرها، يقول د. جمال السيد. مشيرًا إلى هذا الصنيع-: "أسقط الحافظ ابن حجر من كتابه مقدّمة "البدر المنير" والتي اشتملت على فوائد جمَّة، ولعل ابن حجر ﵀ أراد أن يكون الكتاب قاصرً على تخريج الرافعي، والذي هو صُلْبُ موضوع "البدر المنير"؛ إذ لا يخفى أن ابن الملقن أطال في هذه المقدّمة جدًّا، فحذفها الحافظ ابن حجر طلبًا للاختصار، ولو ضَمَّنَ كتابه مقاصدها لكان أجود" (٢).

стр. 34

قلتُ: ما استجاد ﵀ ذكرَ شيءٍ منها؛ لأنّها في نظره لَيستْ من مقاصد التّخريج في شيءٍ. ٢ - حذف الحافظ ابن حجر أسماء المصادر التي خرّجت الحديث، ومصادر أقوال الأئمَّة الَّتي نقلها الحافظ ابن الملِّقن، واكتفى بذكر أسماء أصحابها. ٣ - حذف الأسانيد الّتي يُطيل الحافظُ ابن الملقن بذكرها وتكرارها (١)، واكتفى بصحابيِّ الحديث أو صاحب القول المأثور، وقد يُشير إلى طرفِ الإسناد إذا أراد إبرازَ موطن العلَّة منه، ومَكمنِ الوهن فيه. ٤ - حذف كثيراً من ألفاظ الحديث وسياق قصَّته، مقتصِرًا على موضع الشَّاهد فيه، مع الإشارة إلى وُجود القصَّة. ٥ - حذف بيان اختلاف ألفاظ الرِّواية إلَاّ حيث يكون لذكرها أثرٌ أوكان الإِمام الرّافعي ذَكَرَ الحديث على أوجهٍ مختلفة فَيُشير إليها حينئذٍ. ٦ - حذف نصوص أقوالِ الأئمَّة في الرّاوي الّتي يسوقها ابن الملِّقن لبيان مرتبة الرّاوي جرحًا وتعديلًا، واكتفى في الْغَالِب بما يُعطي تلك المرتبة بعبارةٍ موجَزةٍ من لَفْظه، مثل:"فيه فلان وهو ضعيف"، أو "متروك" أو "ضعيف جدًا، أو"كذَّاب" ونحوها، أو يحكي معنى كلام الإِمام في الرّاوي بمثل قوله: "وثّقه فلان"، أو "ضعّفه فلان"، أو "كذّبه فلان"، وشبهه.

стр. 35

٧ - حذف كثيراً من أقوال الأئمّة في بيان درجة الحديث؛ كأقوال التّرمذي والحاكم، وابن عبد البَرِّ وابن القطَّان، وابن دقيق العيد، وأمثالهم، مكتفيًا بحكاية معنى ذلك، مثل: "صحّحه فلان" أو"ضعّفه فلان"، وقد يُغفل هذا النَّحو أيضا. ٨ - إذا كان الحديث في "الصَّحيحين"؛ فإنّه يكتفي بالعزو إليهما عن الحكم عليه بالصّحة، بخلاف ما فعله الحافظُ ابن الملِّقن، فإنّه يقول: "صحيح أخرجه البخاري ومسلم". ٩ - كثيرًا ما يحذف ألفاظَ الرّوايات ويكتفي بذكر صاحبها والمصدر المخرِّج لها، ويَكثر صنيعُه هذا فيما يَسوقه في شواهد الباب. ١٠ - أطال الحافظ ابن الملَقِّن جدًّا في شرح غريب الحديث، وتعيين الأمكنة، وضبط الأسامي والألفاظ، وتوضيح المبهمات في المتون، وذكر الأقوال الفقهيّة (١)، وغير ذلك. وقد حذف الحافظُ ابن حجر كثيرًا من هذه الاستطرادات، ولَخَّص منها شيئًا

стр. 36

يتعلّق بغريب الحديث، وما تمسّ الحاجة إليه من تعيين بعض الأمكنة، وتوضيح بعض الأسماء المبهمة الواردَة في المتون، وقليل من الأقوال الفقهيّة. ١١ - من عادة ابن الملقِّن ﵀ أن يذكر في خلال تخريجه لأحاديث الرّافعي أحاديثَ أخرى كثيرةً، إمَّا لكونها شواهدَ أو لفوائدَ أخرى، مثل أن يكون في المسألة حديثٌ موضوع، أو ضعيف يخالف الصَّحيح، فَيُبَيِّنُ وَهَاءَه وضعفَه، أو يكون حديثان صحيحان بينهما تعارضٌ في الظَّاهر فيذكر أوجهَ الجمع بينهما، أو يكون فيه زيادةٌ ليست في غيره، فالحافظ ابن حجر ﵀ تَبعَ ابن الملقِّن في ذِكْرِ غالبها باختصار، أو بإشارةٍ، لكنّه أحيانًا يَضرب الصَّفح عن بعضها إمَّا لقصد الاختصار، أو لكون الحديث موضوعًا أو ضعيفًا جدَّا (١)، أو يسوق الحافظ ابن الملقِّن حديثًا أو أثرًا من وجه ضعيف، ثم يعود ويسوقه من وجه صحيحِ، فيقتصر الحافظ على الوجه الصّحيح، ويحذف الضَّعيف (٢). ١٢ - وقد يحذف الحافظ ابن حجر بعض الأحاديث؛ لأنها عائدةٌ إلى حديث باطل، رويت من مخرج آخر لوَهْمِ وَقع من بعض رواتها، من ذلك: ذِكْرُ ابن الملقن (٣) روايةً للدارقطني في غرائب مالك من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ثم نَقَلَ قول الدّارقطني: "وهو باطل بهذا الإسناد، مقلوب، وهو في "الموطأ" عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة، عن أبي هريرة".

стр. 37

وقد حذف الحافظ ابن حجر هذا؛ إذ هو عائد إلى حديث الباب، فلا فائدة حينئذ من ذِكْرِه في الشَّواهد. ١٣ - قد يُنَبَّه الحافظ ابن الملقن ﵀ في تعليل بعض الأحاديث على أكثر من عِلَّة، فيقتصر الحافظ ابن حجر ﵀ على أشدَّها وأقواها في الإعلال دون باقي ما ذَكَرَه صاحب الأصل (١). ١٤ - قد يخرِّج الحافظ ابن الملقِّن حديثًا من أكثر من مَصدر، فيقتصر الحافظ على أشهرها تاركًا بعضَها (٢). * * * *

стр. 38

موازنةٌ بين كتاب (التّمييز) وأصلِه (البدر المنير) أوّلا: في الصّنَاعة الحديثيّة: إذا كان كتاب (البدر المنير) للحافظ ابن الملقِّن امتاز بغزارة مادته، ووفرة مصادره، وكثرة فوائده، وسعة عباراته، فإن كتاب (التمييز) للحافظ ابن حجر امتاز بحسن الترتيب، وجودة التَّعبير، والصَّناعة الحديثية التي هي غاية في الدِّقة، ونهاية في التَّحقيق، فإنّ نَفَسَ المحدّث بادٍ عليه، وبراعَةَ النَّاقِد ظاهرةٌ فيه، فقد استطاع أن يعيد صياغة كتاب شيخه ابن الملقِّن في قالبٍ ينمّ عن عِلْمٍ وافرٍ، ودرايةٍ عميقةٍ بطريقة المحدِّثين، وإلمام بالغ بأساليبهم، فكانت الصِّناعة الحديثية عنده من أبرز من تَميَّز به "تمييزُه"، وتتمثل في جانبين هما: الجانب الأوّلَ: جَودَةُ الصّياغة وحُسْنُ التَّرتيب: قد يظنُّ النَّاظر أوَّلَ وهلةٍ في كتاب "التمييز" للحافظ ابن حجر، وفي أصلِه "البدر المنير" لشيخه الحافظ ابن الملقِّن أنهما كتابان لا صِلَةَ لأحدهما بالآخر، سوى ما يربط بينهما من اشتراك في تخريج كتاب واحد، وما يجمعهما من اتحاد المصادر والموارد الّتي تمدُّ كلَّ واحدٍ منهما بما يدوِّنه ويصوغه بطريقته، وُيرَتِّبُه ويُحرِّره بأسلوبه، وذلك بسبب ما امتاز به الحافظ ابن حجر رحمه لله من صياغةٍ بديعة لمادّة الأصل، وإعادةِ ترتيبها ترتيبًا أخرجها عن حدَّ التَّقليد والتبعية المطلقة إلى حَيِّز الإبداع والابتكار، ونظرةً واحدةً يسرِّحها النّاظر في أوّل حديثٍ في الكتابين كفيلة بإبراز هذه الخاصِّيَّةَ لديه بجلاء، ويحمله على التّسليم بهذه الحقيقة دون مِراء، وأنا ذاكرٌ بعضَ وجوهٍ تبرز فيها هذه الخاصِّيَّة بِوضوح،

стр. 39

ومن ذلك: ١ - درج الحافظ ابن الملقِّن ﵀ عند تخريج حديث أو أثر أن يذكر أسامي المخرِّجين وعناوين مصنّفاتهم مع سَوْق أسانيدهم واحدًا تلوَ الآخر، مبيّنًا ألفاظَ متونهم مهما طال النَّفَس، وامتدّ البحث. فجاء الحافظ في تلخيصه وعَمد إلى إعادة ترتيبه ترتيبًا لائقًا بمقام الاختصار والإيجاز، قائلًا فيما أخرجه الشّيخان: "متفق عليه" وفيما أخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه: "أصحاب السنن" أو: "الأربعة" مكتفيًا بذلك دون التّنصيص على أسمائهم لشهرتهم بما ذَكَرَ عند أهل الفنّ وغير أهل الفنّ، مضيفًا إليهم مَنْ شَارَكهم بأساميهم دون تسمية كتبهم، كالطّبراني، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، ونحوهم، إذ الإطلاق في حَقّ هَؤلاء ونُظرائهم عند أهل العلم بالحديث يقوم مقامَ البيانِ والتَّفصيل، فالطَّبراني لمعجمه الكبير، وابن خزيمة وابن حبان لصحيحهما، وهكذا. . . ولا داعي للتّنصيص على عناوين كتبهم كلّما ذُكروا. ٢ - لم يراع الحافظ ابن الملقن ترتيب المخرجين حسب وفياتهم، فقد يَذكر البيهقي قبل الطبراني، أوابن حبان قبل شيخه ابن خزيمة، وهكذا، كما لم يُعنَ بترتيب أقوال النّقاد في الرّاوي، فجاء الحافظ ابن حجر في "تمييزه" فراعى كلَّ ذلك، وأعاد ترتيب الأئمّة المخرِّجين، وأصحاب الأقوال. ٣ - لم يُعنَ الحافظ ابن الملقِّن عند التّخريج بتقديم الرِّواية الّتي لفظُها أقرب من منقول الرّافعي، بل يخرِّجه حيثما اتّفق، فعمل الحافظ ابن حجر على مراعاة هذا، فقدَّم ما أخرَّه شيخُه ابن الملقن لمكان قُرْبِه من لفظ الرّافعي. ٤ - جرى الحافظ ابن الملقِّن ﵀ في تخريجه لأحاديث الرَّافعي على جَعْل

стр. 40

جميع أحاديث الباب متساوية، من دون تمييز حديث الباب المراد تخريجه، عن شواهده، مثل قوله: "هذا الحديث صحيح جليل، مرويّ من طرق، الذي يحضرنا منها تسعة، أولها ... (ثم يذكرها بهذا التّرتيب). وهذا بخلاف الحافظ ابن حجر ﵀ فإنّه كان يختار حديثًا واحدًا منصوصَ الرَّافعي أو ما هو أقرب من لفظه فيجعله حديثَ الباب، ثمّ يخرِّجه، ثمّ يقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، ثم يخرّجها، فهي عنده شواهد لحديث الباب، لذلك يغفل أحيانًا ذِكْرَ بعضها حين لا يكون لذكرها كبير فائدة (١). وهذا لا ريب أقرب إلى تصرّف المحدّثين عند تخريج حديث أو لَفْظٍ معيَّنٍ، ويعرف هذا أهلُ العلم بالحديث عند أمثال الترمذي، وغيره. ونشير إلى بعض الأمثلة لتدلّ على أَخواتها (٢): * حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ -نهاها عن التشميس، وقال: "إنه يورث البرص". قال ابن الملقِّن (٣): "هذا الحديث واهٍ جدًّا، وله أربع طريق: أولها: عن خالد ابن إسماعيل المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ... " (فذكر لفظه ومخرجيه، ونقل كلام العلماء على رواته بألفاظهم، في قرابة صفحة
следующие страницы →