لبناء السفن والتسخين وبناء المنازل. بالإضافة إلى الموانىء الكثيرة الواسعة التي كانت تستقبل وترسل السلع والبضائع من وإلى أوربا والشرق. وإلى جانب ذلك كانت هناك طرق القوافل التي تربط الجزائر الشمالية بالسودان القديم عبر الصحراء، فكانت البضائع الجزائرية تصل باستمرار إلى أفريقية وتعود القوافل محملة بالإنتاج السوداني الذي يستهلك أغلبه محليا ويصدر فائضه إلى الخارج. كانت التجارة الخارجية إذن مزدهرة. وكان التعامل مع أوربا يتضمن تصدير الحبوب الذي غالبا ما كانت تتولاه بعض الدول التي تتمتع بامتيازات معينة. وكانت الجزائر تصدر إلى جانب ذلك الأخشاب، والحوامض والريش، والعسل والحديد، والصوف، والجلود، والشمع، وكانت تستورد الأقمشة والجواهر والسكر والأسلحة.
ولكن الحياة الاقتصادية للريف الجزائري في العهد العثماني لم تكن مثالية. فقد كان السكان يعانون من المجاعات والأمراض وقلة المساعدات.
وكان الجفاف كثيرا ما يتسبب في نكبات لا تحصى. وكثيرا ما كانت النكبات الطبيعية تنزل بسكان الريف فلا يستطيعون لها ردا ولامواجهة، كما لا تستطيع السدود القليلة الضعيفة التي أقامها الريفيون أن تخفف من هوة النكبات التي تحل بهم. فكانت أغنامهم ومنازلهم وحرثهم عرضة لغضب الطبيعة. وكانت مظاهر ووسائل الزراعة تتمثل في المحراث البسيط، والمنجيل للحصاد، وفرشاة لجمع بقايا الزرع، كما كانت هناك مخابىء تحت الأرض للاحتفاظ بالحبوب من فصل إلى آخر. أما الإنتاج فقد كان يتم سنة بعد أخرى لقلة الوسائل وانعدام السماد. وكانت كل قبيلة تتولى الحراثة والحصاد جماعيا وتتوقف حياتها واستقرارها على وفرة الأرض المزروعة.
كانت السهول التلية هي الأرض الخصبة الصالحة للزراعة والإنتاج الزراعي. ولكن سهل وهران على اتساعه وخصوبته وصحة هوائه لم يكن
стр. 142
مستغلا بطريقة حكيمة (١). ويرجع ذلك إلى الحروب التي كان مسرحا لها. ففي بداية القرن الثامن عشر، بعد هزيمة الأسبان، حلت قبائل الدوائر والزمالة التي كانت متحالفة مع الحكم العثماني (باي معسكر) محل القبائل التي كانت تتعامل مع الأسبان، مثل بني عامر وفليته، في سهل وهران. وعندما انهزم الأسبان نهائيا وعادت وهران إلى الحكم العثماني عام ١٧٩١ أصبحت قبائل الدوائر والزمالة (المخزن) متسلطة على بقية القبائل في منطقة وهران واشتغلت بذلك عن حراثة الأرض والعناية بها. ورغم جودة الأرض في سهل وهران فإن هذا السهل كان مغطى بالأعشاب الطفيلية والأشجار غير المثمرة. وكانت الدولة تملك منه حوالي ٧٨%.
وهكذا عاشت قبائل الدوائر والزمالة على سهل وهران. وقد كانوا شبه (نوماد) أو بدو متنقلين. فلم ينتجوا إلا قليلا من القمح والشعير وبعض الغنم والبقر. وكان معاشهم يتكون من الكسرة والحليب والجبن والزبدة، ولكن الأرض لم تكن تكفيهم ما داموا لم يعتنوا بها لذلك كانوا يعتمدون في معاشهم على الغنائم التي ينالونها بعد الحروب مع القبائل المجاورة أو التي يتلقونها من السلطة العثمانية مقابل تحالفهم معها.
ولم يكن سهل وهران هو الوحيد، بل كانت هناك سهول اغريس ومستغانم وتلمسان ومعسكر. فكان سهل تلمسان ينتج القمح والزيت بوفرة. وكانت المناطق الساحلية من الحدود المغربية إلى رأس فلكون تنتح الشمع. وكان سهل اغريس المصدر الرئيسي للحبوب في كامل الغرب الجزائري. أما سهل مستغانم فقد كان ينتح القطن والأرز. وكانت الحدائق الجميلة تحوط بالمنازل الساحلية التي كان يملكها الأغنياء من العرب أو التي كان يحتكرها
стр. 143
العثمانيون. وهكذا تجد الغرب الجزائري يمتاز بوفرة الإنتاج المتنوع رغم كثرة الحروب وتخلف الوسائل.
ويأتي بعد ذلك سهل متيجة الواسع الذي يحيط بالعاصمة والذي يمتد بين البحر وسلسلة جبال الأطلسي. وقد اشتهر بإنتاج البرتقال والعنب وكان إنتاجه يسد حاجات العاصمة، وقليلا من إنتاجه فقط كان يصدر إلى الخارج.
وكان سهل متيجة يحتوي على عدة مزارع كبيرة للدولة وأخرى للخاصة.
وتذكر بعض المصادر أنه كان للدولة حوالي ١٣ مزرعة في متيجة يحتوي كل منها على ٦٠ أو ٨٠ زوجا من البقر، وهي التي كانت توفر الحليب والزبدة والجبن إلى العاصمة. وكان هناك عمال زراعيون يأخذون خمس المحصول. ويذكر نفس المصدر أن سهل متيجةكان غير صحي لوجود المستنقعات (١).
وإذا كانت هضاب قسنطينة قليلة الإنتاج فان سهل عنابة وبلاد النمامشة كانت غنية بالثروات الزراعية وكثيرة الإنتاج، وكانت هذه المنطقة قادرة على تصدير الحبوب والأصواف إلى الخارج. ولكن الحصاد كان غير منتظم، فكان يختلف من سنة إلى أخرى تبعا للأمطار، ولذلك فإن سنوات الرخاء كثيرا ما قابلتها سنوات المجاعة والجفاف، ولم يكن الأهالي يسيطرون على مخازن الحبوب العامة ولا على طواحين المياه التي توجد في ضواحي المدن، ولكن الذي كان يتولى ذلك هم الاعثمانيون.
أما الثروة الحيوانية فقد كانت متوفرة ولكنها كانت تواجه بعض المشاكل أيضا. ونلاحظ أنها كانت منتشرة في كامل البلاد. أغلبها كان في الهضاب العليا. ولكن كثرة الجفاف والمعرفة القليلة بالعناية بالحيوانات أدت إلى الإضرار بها، بل واختفائها أحيانا. وكانت البقر تشكل المصدر
стр. 144
الرئيس لرأس مال الأهالي لأنهم لا يستهلكون في الغالب إلا الأغنام.
ولكن الأوبئة كثيرا ما أضرت بالماشية فحرمت السكان من رأس مالهم الهام. وبالإضافة إلى الجفاف والأمراض التي كانت بالحيوانات كانت هناك الحروب القبلية والثورات ضد الحكم العثماني التي كثيرا ما تسببت في ضياع قطعان الماشية.
وبالإضافة إلى الحبوب والماشية كان هناك إنتاج الخيول. وقد حافظت الجزائر على سلالة نقية من الخيول الجيدة. وكانت بعض المناطق قد امتازت بتأصيل الخيول مثل قبائل اليعقوبية وبني أنجاد وسكان جنوب وهران وسهول وادي الشلف. ولكن معظم الخيول الجيدة كانت تأتي من جنوب وهران وجنوب قسنطينة. وقد أدت الاضطرابات الداخلية إلى وقف التعامل بين سكان الجنوب وسكان التلال مما أضر بإنتاج الخيول، وبالتالي الحالة الاقتصادية عامة. والإبل التي كانت متوفرة في الجنوب، كانت تنتج الوبر الذي منه تصنع الخيام وبعض الملابس المحلية كابرنس و (القشبية).
أما الصناعة فقد شهدت بعض التقدم أيضا، حقا إنه لم يكن هناك مناجم بالمعنى الحديث، ولكننا نجد صناعات الحديد وبعض مستخرجات رائجة.
كما نجد صناعة الملح في منطقة أرزيو. وتميز سكان منطقة جرجرة بالصناعة.
فكانوا يستخدمون الطواحين لصناعة الزيت ويرسلون به إلى مدينة الجزائر عن طريق ميناء بجاية أو عن طريق البر. وكان بنو عباس وبنو يني وفليسة يصنعون البنادق والمكاحل والسيوف والمدافع أيضا. ويذكر حمدان خوجة الذي زارهم أنهم كانوا يصنعون أيضا النقود المزوة ولهم قدرة عجيبة على نقش العملة وتقليد النقود الجزائرية والأسبانية. وكانوا يصنعون مواد البلاتين ويعرفون طرق استخراج الحديد من الأرض ولهم مناجم من الرصاص والقصدير (١). وكان بعضهم يصنعون الأشياء الخشبية
стр. 145
والأساور وآخرون يصنعون الأقمشة القطنية، وكان بعضهم يجلبون الحديد وآخرون يصهرونه. وهناك من يصنع أحجار الطواحين ومن يجلب الملح من الجبال ومن يصنع البارود. واشتهر بالصناعة بنو سليمان، وبنو موهالي وبنو منقلات، الخ.
ولكن منطقة جرجرة كانت فقيرة بالقياس إلى بعض المناطق الأخرى التي تمتاز بخصوبة الأرض. وكانت الحروب الداخلية والفتن تؤدي بالسكان إلى الهجرة نحو مناطق أخرى ريفية أو إلى المدن. فكان أهل جرجرة يعملون أجراء في مزارع متيجة أو حمالين في الموانىء، أو دباغين أو بنائين، أو تجارا في البقر، أو محاربين في الجيش العثماني ثم الفرنسي باسم (الزواف) (الزواويون). وكانت السلطات العثمانية تمنحهم رخصا خاصة للخروج من منطقتهم إلى مناطق أخرى، فاذا أحدثوا اضطرابا فانها تسحب منهم هذه الرخص كعقاب لهم. لذلك كانوا حريصين على إبقاء الأمن.
أما سكان الأطلس الصحراوي فقد كانوا يصنعون البرانس والزرابى والحصر التي كانت تأتي بدخل طيب لهم وللدولة. وكانت منسوجات منطقة شلالة مطلوبة لشهرتها وجودتها. وكانت بعض القبائل لا تصنع إلا ما يكفيها وتبيعه في الأسواق المحلية. وكانت الأسواق تقام في العادة أسبوعيا ويأتي إليها الناس للبيع والشراء. وأهم ما يباع فيها العسل والزبدة والصوف والحيوانات والحبوب والخيام. وكانت منسوجات المدن عادة أجود من مصنوعات البادية.
وأهم المدن الصناعية هي العاصمة وتلمسان ومستغانم وقسنطينة. فكانت تلمسان مركزا هاما لصناعة الصوف كالأغطية والزرابي والمحازم الحمراء، وكانت مستغاتم تصنع الزرابي، أما العاصمة فقد كانت تمتاز ببعض الحرف
стр. 146
ولا سيما المصنوعات التقليدية كالأساور المصنوعة من قرون الغنم. وكثيرا ما تأتي المواد الأولية لمنتجات العاصمة من مناطق أخرى كمنطقة عنابة.
وكانت مصنوعات العاصة تباع في منطقة التيطري ومنطقة متيجة. أما قسنطينة فقدكان إنتاجها شبيها بإنتاج العاصمة (١).
ومع ذلك فإن مصنوعات الجزائر لم تكن تستطيع منافسة المصنوعات الأوربية ولا حتى المغربية والتونسية والذين يتولون الصناعة التقليدية في المدن الجزائرية كانوا عادة من الحضر النازحين من الأندلس. أما اليهود فقد كانوا محتكرين لصناعة الأحجار الكريمة. وكانت تونس تمول السوق الجزائرية بالشاشية وبعض المنتوجات الأخرى (٢). أما المغرب فقد كانت تمول السوق المحلى بالأحذية والأقمشة الحريرية والمصنوعات الجلدية. وقد كان هناك تجار مغاربة في الغرب الجزائري كما كان هناك تجار تونسيون في الشرق. ومن ناحية أخرى كان هناك تجار جزائريون في كل من تونس والمغرب.
أما بالنسبة للتجار فنلاحظ أن معظم التجارة الخارجية كانت في أيدي أجنبية. ففي إقليم قسنطينة كانت بعض الشركات الفرنسية تتمتع بامتياز تصدير الحبوب والصوف والجلود والشمع. وكانت مرسيليا هي أهم مدينة تستقبل المنتوجات الجزائرية. كما كانت بعض الشركات الفرنسية تتمتع برخص صيد المرجان في ساحل إقليم قسنطينة. وكانت هذه الشركات بدورها تبيع الرخص إلى الصيادين الطليان والأسبان. ولكن الامتيازات الفرنسية قد مرت ببعض العقبات، فكان يزاحمها التجار اليهود: بكري وبوشناق اللذان حصلا أثناء توتر العلاقات بين فرنسا والجزائر، على احتكار تصدير الحبوب.
стр. 147
كانت الجزائر تصدر الصوف والقمح والطيور والأبقار. وكانت تستورد البضائع الكمالية من فرنسا، والمصنوعات الحديدية من إيطاليا، والفخار الملون (النرليج) من تونس وإيطاليا وهولندا، والمواد البحرية من البلاد الاسكندينافية، والرصاص والأقمشة الصوفية من أسبانيا.
ومنذ أواخر القرن الثامن عشر أصبحت دار بكري وبوشناق تسيطر على التجارة الخارجية الجزائرية ولا سيما في مينائي وهران والجزائر , فكانت هذه الدار تتمتع بثقة الحكام العثمانيين وتشرف على ثلثي التجارة الخارجية.
وكان هؤلاء اليهود يتبعون نظاما محكما في الدفع عن طريق التعويض. وتذكر المصادر الفرنسية أن دار بكري وبوشناق قد صدرت سنة ١٧٩٣ وحدها، أكثر من مائة باخرة قمح من ميناء وهران فقط إلى فرنسا.
غير أنه كان لاستيلاء اليهود والفرنسيين على التجارة الخارجية ومحاولة المسيحيين السيطرة على البحر عواقب وخيمة على الجزائر. ذلك أن القرصنة التي قام بها الطرفان كانت تنتهي بأسر المواطنين من الجانبين. وكان على الجزائر، كما كان على المسيحيين، أن تدفع أمولا طائلة لفدية أسراها.
وقد كان الوسطاء، سواء كانوا مسيحيين أو يهودا، يحصلون على ٤٠ % من المبلغ المعين لفدية الأسرى (١). وكان الفلاح الجزائري هو الضحية، لأن الباشا يشتري إنتاجه بأرخص الأثمان، ويبيعه بثمن مربح لليهود الذين يبيعونه بثمن عال في مرسيليا، فتكون النتيجة ثراء الباشا واليهود على حساب الفلاح. وعلى أية حال فقد كان دفع الجزية السنوية من الدول الكبرى للجزآئر يشكل مصدرا هاما من مصادر الاقتصاد والدخل المحلي (٢)
стр. 148
أما التجارة الداخلية فقد كانت في أيدي الجزائريين إلى بداية القرن التاسع عشر. ولكن في هذا التاريخ استولى اليهود، بإذن من الباشا، على التجارة الداخلية أيضا. فقد استغلوا حروب الثورة الفرنسية، وحاجة أوربا إلى القمح وعملوا على تحويل التجارة إلى أرباحهم الخاصة. وقد كان عملاء اليهود يذرعون البلاد من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها سائلين القوافل عما تحمل وعما يريد أصحابها أن يشتروا، ثم يشترون منها البضاعة ويصدرونها للخارج على سفن تحمل أعلاما مختلفة. وتذكر الوقائع التاريخية أن اليهود قد صدروا من مرسى وهران ٧٥،٠٠٠ قنطار من القمح و ٦٠،٠٠٠ قنطار من الشعير وأنهم باعوا مثلها إلى عربان الصحراء.
ومن الطبيعي أن الروح التجارية قد تغلبت على هؤلام المصدرين فكانوا لا يهتمون بحاجة البلاد، فحتى في وقت المجاعات كانت الفائدة هي رائدهم.
وكانت الأسعار تختلف من المدينة إلى الريف. فالأسواق في المدن كانت مراقبةكما كانت الأسعار: لذلك لم يكن الاستغلال كبيرا. أما في الريف فالمراقبة ضعيفة ولذلك غرق الفلاحون في الشقاء وكانوا هدفا للاستغلال، كما أن إنتاجهم الضعيف كان يستهلك في الضرائب. وبينما لا تدفع قبيلة المخزن المتحالفة مع السلطة الحاكمة سوى ١٠% نجد قبيلة الرعية تدفع عدة أنواع من الضرائب. (العشور، الزكاة، الحكور، وهو نوع من الغرامة الثقيلة التي تصل أحيانا إلى ٢٨ رأسا من الغنم). وقد أدت حالة النزاعات القبلية، وثورات الرعية على السلطة، وكثرة السكان في بعض القبائل إلى حالة من الفقر التي كانت الجزائر تعاني منها أثناء الحكم العثماني. ولكنه فقر يعود إلى طبيعة الحكم وليس إلى موارد البلاد.
ولكن حالة الفلاح لم تتحسن بعد سيطرة الفرنسيين. بالعكس فقد جرد من الأرض، ومنعته الحروب التي شنها ضد المستعمرين من الاستقرار
стр. 149
وسيطر الفرنسيون على التجارة الداخلية والخارجية. وهكذا لم يكن حال الفلاح تحت الحكم الفرنسي بأحسن منه نحت الحكم العثماني. وإذا كانت الجزائر العثمانية قد وجدت طبقة من الجزائريين الحضر الذين كانوا يشتغلون بالتجارة ولهم بعض رؤوس الأموال فإن هذه الطبقة قد اختفت أثناء الحكم الفرنسي. وقد أصبح المسيطرون على رأس المال المحلي هم المستوطنون (الكولون) (١).
...
стр. 150
الفصل العاشر
الحياة الثقافية
عرف العهد العثماني في الجزائر بالركود الثقافي شأنه في بقية البلاد العربية، فلم تكن هناك حركات تجديد فكرية ولا انتفاضات علمية ذاتية أو متأثرة بالبلاد الأوربية. ورغم أن العربية ظلت لغة التعليم ولغة الشعب فإن الدولة قد اتخذت التركية لغة رسمية. ومن جهة أخرى سيطرت اللغة الخليط (لغة فرانكا) على التبادل التجاري. فكان إنتاج اللغة العربية يكاد ينحصر في الموضوعات الدينية والتعليمية وقليل من الشعر. وقد ترك العهد التركي بعض الشعراء وكتاب التاريخ والرحالة وحتى بعض المتطببين، ولكن مكانتهم ما زالت في حاجة إلى تقييم ودراسة في ضوء الوثائق التي يعثر عليها الباحثون من وقت لآخر (١).
وفي الوقت الذي كان يمكن فيه للثقافة العربية أن تتحرر وتنتج نتيجة اتصالها بأوربا في فاتح القرن الماضي واجه الجزائريون الاحتلال الفرنسي الذي نزل عليهم كما يقول حمدان خوجة كحمل من رصاص. فنزح الأدباء والعلماء إلى المشرق وبعثرت الأسر والمكتبات. وحوربت لغة التعليم وأغلقت المدارس العربية. وهكذا شهدت الجزائر نكسة عميقة أدت إلى تأخر الدراسات العربية فيها.
وتشهد كتب الرحالة الأجانب الذين زارو الجزائر خلال العهد العثماني أن التعليم كان منتشرا وأن كل جزائري تقريبا كان يعرف القراءة والكتابة.
وقد كان التعليم حرا من سيطرة الدولة ومن سيطرة الحكام العثمانيين، فكان سكان كل قرية ينظمون بطرقهم ووسائلهم الخاصة تعليم القرآن والحديث والعلوم العربية والإسلامية، لأن دراسة هذه العلوم هي السبيل
стр. 151
إلى معرفة وفهم أسرار الدين والقرآن والسنة. ولذلك كان القرآن أساسا للتعليم في الجزائر سواء كان تعليما ابتدائيا أو ثانويا أو عاليا. وكانت المدارس على مختلف مستوياتها تمول وتغذى بالأوقاف التي يحبسها أهل الصلاح والخير من الرجال والنساء، وفي بعض الأحيان كان يحبسها موظفون سامون في الدولة كعمل من أعمال الخير. فكان هناك أملاك خاصة وعقارات وأراض يذهب ريعها لبناء المدارس وتوظيف المعلمين وتوفير المساكن للطلبة. فالأوقاف كانت الأساس في تدعيم التعليم وحماية الطلبة والمعلمين.
والواقع أنه ليست كل الأوقاف مخصصة للتعليم فقد كانت هناك أوقاف لعدة مصالح أخرى مثل العناية بالحج، وتسمى أملاك مكة والمدينة. وهناك أوقاف لإقامة العيون وحماية الثكنات، وهناك أوقاف أخرى لبناء واستصلاح المساجد والزوايا كأوقاف (سبل الخيرات) وهي عبارة عن جمعية كانت تشرف على ثمانية مساجد في العاصمة. وقد بلغ دخلها سنة ١٨٣٧ حوالي ١٣،٦٣٩ فرنكا. وكانت هناك أوقاف خاصة بالجامع الكبير بالعاصمة أيضا. وقد بلغ دخلها ١٢،٠٠٠ فرنك. بالإضافة إلى أوقاف أخرى كانت منتشرة في مختلف مدن الجزائر.
وإلى جانب أوقاف التعليم والحج كانت هناك أوقاف مخصصة للصدقة وأعمال البر. ففي سنة ١٨٣٧ بلغ دخل أوقاف مكة والمدينة في العاصمة ١٢٢،٥٠٣ فرنك. وكانت هذه الأوقاف مخصصة لإيواء فقراء مكة والمدينة مجانا، وكان الفائض منها يذهب إلى فقراء الأماكن المقدسة سواء كانوا في المشرق أو في الجزائر (١). وقد استولت السلطات الفرنسية
стр. 152
على هذه الأملاك فأحدث ذلك رد فعل عنيف لدى السكان وقاد إلى نفى القاضي والمفتي وإلى طرد عدد من الزعماء من الجزائر. وكان هناك أيضا أوقاف سيدي عبد الرحمن التي كانت تدخل حوالي ٦٠٠ فرنك سنويا توزع على فقراء مدينة الجزائر بمعدل حوالي ٣ فرنكات للفرد. وهناك أوقاف أهل الأندلس التي كانت مخصصة إلى النازحين من الأندلس ومساعدة المنفيين المسلمين من أسبانيا. وكان دخل هذه الأوقاف حوالي ٥،٠٠٠ فرنك سنويا. وقد استفادت منها عند دخول الفرنسيين بعض العائلات التي كانت من أصل أندلسي.
ولكن هذه الأوقاف لم تكن دائما لأغراض خيرية. ففي أحيان كثيرة كان الناس يوقفون لحماية أملاكهم من الضياع أو لحمايتها من يد السلطة. ومن حقهم أن ينصوا على أن يستفيد منها الأحفاد والفقراء. وكانت النساء تستفيد من هذه الأوقاف، ولا سيما عند الولادة أو اليتم أو الفقر. وكثيرا ما كانت الأسر تلجأ إلى طريقة الوقف لعدم ثقتها في صلاح الورثة.
ولكن كل هذه الأغراض كانت ثانوية إلى جانب الغرض الرئيسي من الأوقاف وهو خدمة العلم ومساعدة الفقراء والمساكين.
وقد كان هناك قيم أو وكيل على كل مؤسسة خيرية. وكانت مهمته العناية بالأوقاف ومراقبة الدخل. وكانت الأوقاف لا تباع إلا في الأحوال النادرة وعندما يخشى عليها التلف. فإذا كانت الأوقاف عامة فإن الدولة تعين عليها موظفا رسميا. أما إذا كانت خاصة فإن هناك مجلسا يقوم بتعيين رجل صالح يراقبه المجلس. وهناك أخطاء قد ارتكبت ولا سيما في الأحوال العامة حيث الرقابة ضعيفة إلا من الضمير.
أما التعليم الذي كانت ترعاه هذه الأوقاف فقد كان على ثلاثة مستويات: الابتدائي والثانوي والعالي. فبالنسبة للتعليم الابتدائي كان كل طفل بين السادسة
стр. 153
والعاشرة يذهب إلى المدرسة. والملاحظ أن هذا بخصوص الأطفال الذكور.
أما الإناث فلا يذهبن إلى المدارس إلا نادرا، ولكن أصحاب البيوتات الكبيرة كانوا يجلبون أستاذا معروفا بصلاحه وعلمه لتعليم البنات. وفي كل قرية صغيرة (أودوار) كانت هناك خيمة تدعى (الشريعة) خاصة بتعليم الأطفال ويشرف عليها مؤدب يختاره سكان القرية لهذا الغرض. أما في المدن والقرى الكبيرة فقد كانت هناك مدارس تدعى (مسيد) أو مكتب، وكانت غالبا ملحقة بالوقف، وإلى جانب ذلك كان كل جامع تقريبا يضم مدرسة للتعليم أيضا.
كان لكل مؤدب أجره خاصة ولكنها كانت غير قارة، فهي تختلف حسب حالة أولياء التلاميذ المادية: كانت كل أسرة تدفع على قدر حالها، وفي الأعياد وعندما يحفظ الطفل القرآن يأخذ المؤدب أجرا إضافيا. وكثيرا ما يجمع المؤدب إلى وظيفة تحفيظ القرآن وظيفة أخرى كالإمامة والأذان.
وكان المؤدب محل احترام سواء كان في القرية أو المدينة ويعيش بالمقارنة عيشة طيبة. ونذكر بعض المصادر أن أحد المؤدبين في قسنطينة كان يتقاضى حوالي ثلاثين فرنكا سنويا على الطفل الواحد من الهدايا والتعويض عند حفظ القرآن والأجرة المعينة. وكان لدى المؤدب حوالي ٢٥ طفلا.
فكان يناله حوالي فرنكين في اليوم بالإضافة إلى دخله من بعض الوظائف الأخرى (١). ولم يكن هناك رقابة رسمية على المؤدب ولكن أولياء التلاميذ يستطيعون عزله إذا أرادوا. وكان يكفي في المؤدب أن يعرف جيدا القراءة والكتابة. أما أهل البادية فكانوا يرسلون أطفالهم للتعليم في المدن حيث يقيمون عادة مع عائلات صديقة أو يصرف عليهم مجانا من الأوقاف.
стр. 154
وتذكر بعض المصار أنه كان في كل قرية مدرستان (١). وكانت المدن تختلف في عدد المدارس. فقسنطينة في عهد الباي الحاج أحمد كانت تضم ٨٦ مدرسة ابتدائية. وكان يختلف إليها حوالي ١.٣٥٠ تلميذا وكان في تلمسان في حوالي نفس الفترة ٥٠ مدرسة ابتدائية.
ومدة التعليم الابتدائي حولي أربع سنوات يتعلم الطفل خلالها مبادىء القراءة والكتابة ويحفظ القرآن وأركان الإسلام وشعائر الدين. وإذا كان الفقراء يكتفون بهذا القدر من التعلم فان الأغنياء يواصلون تعلمهم. وبذلك يدخلون المرحلة الثانوية. ويذكر بعضهم أن عملية الحفظ كانت صعبة على الطفل لأن العربية الكلاسيكية تعتبر (لغة أجنبية، (٢). والواقع أن الصعوبة لا ترجع إلى كون اللغة أجنبية ولكن إلى طريقة التعلم نفسها. وأن كثيرا من الألفاظ التي يحفظها الطفل في هذه المرحلة لم تكن موجودة في البيت وفي الشارع.
كان التلميذ يستطيع أن يواصل تعليمه الثانوي في الجامع أو في مدرسة ملحقة بالأوقاف. وكان التعليم الثانوي مجانا. وكان الباي هـ الذي يسمي المدرس باقتراح من الناظر، ويتلقى المدرس أجرته من الأوقاف وهي تبلغ بين مانة إلى مائتين من الفرنكات سنويا. وكان يسكن مجانا. وغالبا ما يجمع إلى وظيفة المدرس وظائف أخرى كالقضاء أو الإفتاء. وكان يسود الاعتقاد أن المدرس يقضي وقته يعد الدروس، ولذلك يأتيه الناس بالضروريات كالماء والزيت للمصباح. كما كانوا يأتونه يوميا بحلويات رمضان وملابس العيد، والطعام. ومن جهة أخرى كان التلاميذ أيضا يحصلون من الأهالي على الحلوى والزيت للمصباح وعلى السكن مجانا والماء.
стр. 155
وكان في العاصمة وقسنطينة وتلمسان جوامع ومدارس وزوايا لإيواء التلاميذ. ففي قسنطينة، حيث كان ٣٥ جامعا و٧ مدارس، كان ١٥٠ تلميذا من ٧٠٠ يحصلون على أجرة سنوية من دخل الأوقاف تبلغ ٣٦ فرنكا.
وكان معظم هؤلاء التلاميذ من سكان الأقاليم وقد أعدت لهم زوايا خاصة لسكناهم بلغت ست عشرة زاوية. وقد كان في العاصمة ست زوايا لهذا الغرض: ثلاث لعرب الغرب واثنتان لعرب الشرق. أما الأخيرة فقد أعدت لإيواء المدرسين في العاصمة، والذين ليس لهم عائلات مقيمة (١). أما تلمسان فقد كان فيها عدد كبير من هذه الزوايا. كما كان فيها مدرستان إحداهما مدرسة الجامع الكبير والأخرى مدرسة أولاد الإمام. وفي ضاحية تلمسان كانت أيضا مدرسة قرية عين الحوت.
والزوايا لم تكن مقصورة على المدن، بل كانت هناك زوايا في الأرياف تقام تخليدا لأحد المرابطين ويقام بجانبها جامع للصلاة وبئر للشرب والوضوء.
وتخصص الأرض لهذه الزوايا الريفية فيحرثها الأهالي ويستعمل دخلها لمساعدة المدرسين والطلبة. ويخصص أهل الخير جزءا من محصولهم السنوي للزاوية التي توجد في منطقتهم. وكانت هذه الزوايا منتشرة، ولا سيما في الغرب الجزائري، وكان في منطقه تلمسان وحدها أكثر من ثلاثين زاوية، وهناك أخريات منتشرات في جهات الونشريس ومعسكر وسيدي بلعباس ومستغاتم. أما متيجة ومنطقة جرجرة فقد كانت تضم أكثر من ثماني زوايا أشهرها زاوية البركاني قرب شرشال، وزاوية ابن علي الشريف في أقبو، وزاوية النميلي في بني موسى، الخ.
стр. 156
وكان يتلقى العلم في المرحلة الثانوية حوالي ٣،٠٠٠ تلميذ في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة. وكانت الدروس تشتمل على النحو والتفسير والقرآن، وينال الطالب في النهاية (إجازة) تشهد له بأنه قد درس جميع العلوم التي تدخل في نطاق تخصصه: والإجازة ليست شهادة مكتوبة ولكنها تعبير شفوي من المدرس إلى التلميذ. ومتى حصل التلميذ على الإجازة يصبح (طالبا) يستطيع قراءة القرآن في الجامع ويتولى وظيفة مؤدب أو كاتب.
وليس هناك فصل واضح بين التعليم الثانوي والعالي. والأستاذ الذي يدرس في العالي يسمى (عالما). أما عدد الطلبة فقد كانوا بين ٦٠٠ إلى ٨٠٠ في كل إقليم يواصلون تعليمهم العالي. وكان الأساتذة في هذا المستوى يتقاضون أجورهم من الأوقاف أيضا، وكانت الدروس العالية تعطى في الزوايا وأهم الجوامع. ففي إقليم وهران كان الجامع الكبير في تلمسان وجامع سيدي العربي والزاوية القادرية (التابعة لأسرة الأمير عبد القادر). وفي إقليم الجزائر كانت زاوية ابن المبارك بالقليعة، وزاوية مليانة، وزاوية بني سليمان، وزاوية ابن محيي الدين. أما في إقليم قسنطينة فهناك الجامع الأخضر، وجامع سيدي عقبة، وزارية ابن علي الشريف في جرجرة (١).
وأهم مواد التعليم العالي هي النحو والفقه الذي يشمل العبادات، والمعاملات، والتفسير، والحديث، والحساب والفلك، بالإضافة إلى التاريخ والتاريخ الطبيعي والطب. لكن كان يغلب على الدراسة طابع العصور الوسطى وقلة التجديد، والحفظ , وهناك عدد من الجزائريين درسوا وتخرجوا بهذه الطريقة في العهد العثماني. ولكنهم اختفوا في بداية الاحتلال. وقد كان حمدان خوجة ووالده من الذين درسوا على هذه
стр. 157
الطريقة. ولكن الجزائريين المنتجين كانوا قلة. وكانت الدراسة في شكلها الذي وصفناه تساعد على إخراج الموظفين في المجال الديني والكتابة ولكنها لا تساعد على إخراج المنتجين في ميدان الفكر والأدب (١).
فإذا رجعنا إلى الحياة الفكرية والأدبية فإننا نجد بعض المحاولات الطيبة ولكنها لا تدل على نهضة ثقافية. فقد شهد القرن الثامن عشر حملين من كتابة الرحلات أحدهما لمفتي الجزائر المالكي، أحمد ابن عمار، الذي سجل ملاحظاته أثناء رحلته إلى مكة، وثانيا حسين الورتلاني الذي كتب أيضا رحلته إلى المشرق. وشهدت علوم الفقه وأصول الدين تقدما على يد عبد الرحمن باش تارزي القسنطيني والشيخ عبد العزيز الثميني الميزابي. أما الأدب فإننا نجد الشيخ محمد أبوراس الناصري يخلد شعرا ونثرا انتصار محمد الكبير، باي وهران، على الأسبان سنة ١٧٩١، ويسجل فرحة المسلمين بعودة وهران إلى الحكم الإسلامي.
ونتيجة لضعف العربية الفصحى بين الناس شاع الأدب الشعبي الذي أصبح ميدانا للتعبير عن خلجات الشعب في السراء والضراء. وقد لمعت أسماء ابن مسايب التلمساني وسيدي ابن علي في هذا الميدان. وكلاهما في القرن الثامن عشر، أما في القرن التاسع عشر فنجد شعراء سجلوا بعض خواطرهم في الأحداث الهامة كما فعل الشيخ عبد القادر الجزائري في قصيدته عن احتلال الجزائر. والشيخ قدور ولد محمد الذي كان يهاجم الأمير عبد القادر بينما كان الشيخ الطاهر بن حواء يمدحه (٢). وقد وجد الروائيون في أبطال الإسلام والجاهلية. كعنتر ابن شداد. شخصيات يقولون على لسانها
стр. 158
أشياء كثيرة. كما وجدوا في شخصية جحا وسيلة للتعبير عما لا يمكن أن يعبروا عنه واقعيا. أما في ميدان الشعر الفصيح فهناك الأمير عبد القادر الذي سجل معاركه وانتصاراته بشره، وله ديوان مطبوع في هذا الموضوع وقد كان حمدان خوجة يقرض الشعر أيضا، ولكن شعره الذي وصل إلينا ضعيف ومتصنع (١).
أما الأعمال التاريخية فلم نجد أشياء هامة، ولكن يمكن أن نذكر بعض الأمثلة. من ذلك الرسالة التي كتبها عبد القادر المشرقي بعنوان (بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الأسبانيين بوهران من الأعراب كبني عامر) والعنوان يدل على المحتوى. والرسالة في حوالي ٢٤ صفحة (٢).
وقد كتب حمدان خوجة كتابه (المرآة) ونشر منه الجزء الأول ووعد بنشر الجزء الثاني ولكنه لم يظهر. ورغم أن الكتاب مترجم عن المربية فإنه إلى الآن لم يعثر الباحثون على الأصل العربي. والغالب أنه ضاع.
و (المرآة) عمل تاريخي هام يعتبر من أهم الوثائق المعاصرة لاحتلال، وقد كتب من وجهة نظر جزائرية. ولا نريد الآن تقييم الكتاب من الوجهة التاريخية، ويكفي أن نقول إنه مصدر ضروري لفهم ردود الفعل التي أحدثها الاحتلال الفرنسي في سنواته الأولى. كما أنه لا يمكننا أن نقيم منه أسلوب خوجة لأنه مترجم، ولكن يمكننا أن نحكم على أسلوب المؤلف من عمله الآخر المكتوب بالعربية، وهو (اتحاف المنصفين والأدباء) وخوجة يظهر في هذا الكتاب عصري الروح، طليق العبارة، واسع الاطلاع على
стр. 159
أحوال بلاده وعصره. وفي هذا المجال (التاريخ) كتب أيضا الحاج أحمد ابن المبارك (تاريخ قسنطينة) كما كتب محمد صالح العنتري (تاريخ بايات قسنطينة).
أما العلوم فقد كانت ضعيفة. وكان باشوات الجزائر يوظفون الأجانب للعناية ببعض الأشياء الدقيقة أو الفنية. من ذلك توظيف أحد الفرنسيين للعناية بالساعات الكبيرة التي كانت الدول الأوربية تهديها إلى الباشا، وتوظيف أجانب آخرين للعناية بالمدفعتة، وبناء السفن، ونحو ذلك.
وبدل الاهتمام بتكوين الجزائريين من الوجهة الفنية اعتمد الباشوات والمسئولون العثمانيون على بعض الأرقاء المسيحيين الذين كانوا يلبون حاجات الباشا. ومع ذلك فإن الجزائريين قاموا بمساعدة بعض الأجانب، ببناء قنطرة وادي الشلف سنة ١٨١٤ التي اشترك فيها حوالي ٣٠٠ من الجزائريين و١٦٧ من اليونانيين، وهناك قنطرة وادي الرمل في قسنطينة التي بنيت في عهد صالح باي والتي أشرف عليها بارثولوميو الأسباني. وقد أظهر الجزائريون مهارة فائقة في بناء المنازل الجميلة والقصور البديعة، وشبكات المياه والفوارات والعيون. وظهر في العهد العثماني تأثير العثمانيين في المساجد، كما ظهر التأثير البيزنطي (١).
ولكن الجزائريين أهملوا الطب سواء القديم أو الأوربي المعاصر، فلم يكن هناك مستشفيات باستثناء الزوايا التي كانت تأوي العجزة والمرضى، وكان المرجع في هذا الميدان هي كتب الأقدمين كابن سينا. وقد كانت فوائد
стр. 160
الأعشاب معروفة للناس. فألف الشيخ عبد الرازق الجزائري كتابا في فوائد الأعشاب (١). ولم يكن هناك امتحان ولا مهنة للأطباء. والذين يقومون بالعلاج هم غالبا مرابطون يداوون بالجن والأرواح وليس بالعلم. وكان هناك بعض حملة الشهادات الذين يعالجون مرضاهم في دكاكين تشبه دكاكين أصحاب الحرف الأخرى. أما أعمال الجراحة فكان يقوم بها الحلاقون الذين يلجأون أيضا إلى استعمال الكي. ومنذ القرن السادس عشركان في مدينة الجزائر مستشفى أسباني خاص بالمسيحيين. ولم يكن للسلطة العثمانية أي تدخل في مهنة الطب ما عدا تعيين (جراح باشى) الذي كان من الجنود الانكشاريين، والذي كان يصحب الجيش في الحملات الكبيرة للعناية بالجرحى.
وفي بعض الأحيان كانت السلطة تستفيد من خبرة الأطباء الأجانب الذين يؤخذون أسرى. فالألماني بفايفر أصبح سنة ١٨٢٥ الطبيب الخاص ورئيس الطباخين في القصر. وعند دخول الفرنسيين سنة ١٨٣٠ كان بفايفر هو الطبيب الوحيد الذي كان يعالج الجرحى الأتراك والأهالي. وقد ترك مذكرات عامة تسجل دخول الفرنسيين وتصف حالة الجزائر عندئذ (٢). ومن جهة أخرى كان لبعض القنصليات الأوربية أطباء خاصون. ولعل ضعف الطب هو الذي يفسر ارتفاع نسبة موت الأطفال في الجزائر وانتشار بعض الأمراض المعدية كمرض الزهري الذي جاء به الأوربيون خلال القرن السادس عشر (٣).
стр. 161
ورغم القيود الدينية في المجال الفني فإن هناك بعض الفنون قد شهدت تقدما ملحوظا، من ذلك فن العمارة في تلمسان وقسنطينة وبعض مساجد العاصمة. وهناك بعض الصور التي حملها أصحابها من الشرق إلى الجزائر وقيدها السكان. وقد تقدم فن تزيين البيوت من الداخل (الديكور) وظهر فيه الذوق المحلي. وكانت الجزائر تستورد الرخام من إيطاليا كما كانت تستورد الفسيفساء من تونس وأسبانيا وإيطاليا أيضا. وامتاز قصر مصطفى باشا بأعمال الزينة المستوردة من هولندا. وقد ظهرت براعة الجزائريين في الأعمال الخشبية كالأبواب المنقوشة والشرفات ذات الأعمدة الجذابة. وبالإضافة إلى ذلك امتازوا بأعمال الزرابي ذات الذوق الرفيع، والفخار الملون الجميل، والطرز بالذهب والفضة.
وفي ميدان الموسيقى كان الريفيون يستعلمون آلات محليةكالبندير والطبلة والقصبة. وكان عرب المدن يستعملون آلات أخرى أكثر دقة كالربابة والقانون والعود والدربوكة والجواق. وكانت الألحان إما أندلسية وإما محلية متأثرة بها. وكانت هناك فرق موسيقية متعددة تجد مجالها في المقاهي وفي المناسبات الاجتماعية والدينية: الزواج، الطهارة، المولد، ورمضان. وكان للأتراك فرق موسيقية خاصة، كما كان للشخص الميسور فرقة خاصة به، وهناك فرق موسيقية خاصة بالحملة أو الحملامت العسكرية، وكان للباشا نوعان من الموسيقى: موسيقى العشية وموسيقى الصباح. أما آلات الموسيقى التركية فقد كانت الناي والغيطة والطبل. حتى الزنوج كانت لهم
стр. 162
موسيقى خاصة وآلات تكاد تكون خاصة مثل الطبلة الكبيرة والقراقب والغنبرى.
وكان الرقص أيضا شائعا ولكن لدى الممتنين فقط سواء كانوا رجالا أو نساء. فالرجل المحترم وكذلك المرأة المحترمة لا ترقص على الأقل أمام الناس وكان الرقص عملا فرديا. وقد كان الرقص في المدن متأثرا بالرقص الشرقي. أما الرقص في الريف فقد كان يمتاز بطابع محلي. وفي أحيان كثيرة كانت الراقصة مغنية أيضا (١).
وقد عرف عن الأمير عبد القادر أنه رجل حرب وفكر في نفس الوقت.
وإذا كان لا يهمنا هنا الجانب العسكري فإن الجانب العقلي كان هاما. فقد ألف الأمير بعد خروجه من الجزائر عدة أعمال فلسفية وتاريخية ودينية. فكتابه (المواقف) سار فيه على نهج ابن عربي في التصوف وما زال رأيه فيه يحتاج إلى تقييم المختصين. وكتابه (ذكرى العاقل وتنبيه الغافل) (٢) يحتوي على آراء فلسفية دينية لا تخلو من نقد ولكنها لا تخلو من جدة، رغم أن بعضهم قد انتقده بشدة على أفكاره الدينية المتحجرة في (عصر رينان وكلود بيرنار)، المليئة بالتقاليد العربية المتأخرة (٣). وللأمير بعض الكتب التي لم تنشر بعد والتي يذكرها ابنه في (تحفة الزائر) أمثال (الصافنات الجياد)، و (المقراض الحاد) (٤). كما أن له كتابا نسب إليه خطأ، بينما هو لكاتبه قدور بن رؤيله عنوانه (وشاح الكتائب) (٥). ولمصطفى بن التهامي
стр. 163
كتاب آخر عن الأمير، يذكر فيه آراء للأمير في التصوف والدين والتاريخ والسياسة. وما زال هذا الكتاب مخطوطا، وليس له عنوان (١).
ليس الهدف من هذا البحث استقصاء جميع مظاهر الثقافة الجزائرية: ونعتقد أنه يكفي للإلمام بالخطوط العامة لهذه الثقافة في الفترة الانتقالية التي شهدت انتقال الجزائر من أيدي العثمانيين إلى أيدي الفرنسيين. وقد غير الفرنسيون نظام التعليم وأنشأوا المدارس الخاصة بهم والمشتركة التي يختلف إليها الجزائريين أيضا. وبنوا المستشفيات وكونوا الصحف، وخلقوا المسرح وأدخلوا فنونهم وآدابهم وأفكارهم إلى الجزائر. وقد بقي على الباحث أن يقيم هذا العهد الفرنسي من الوجهة الثقافية ويرى ماذا استقادت منه الثقافة العربية وماذا خسرت. وقد حاولنا أن نفعل ذلك في (الحركة الوطنية الجزائرية). ومع ذلك فما يزال الموضوع يحتاج إلى تفصيل، وتعميق (٢).
стр. 164
بعض المصادر
(ننبه إلى أن المصادر التالية لم تظهر في كتابي (الحركة الوطنية الجزائرية). فمن أراد زيادة الاطلاع فعليه بالرجوع إلى مصادر الكتاب المذكور).
ـ[أ - مصادر بالعربية أو مترجمة منها]ـ
١ - ابن أبي شنب، سعد الدين: بحث عن الثقافة الجزائرية منشور في العدد الأول من مجلة كلية الآداب (الجزائر)، ١٩٦٤.
٢ - ابن المبارك، الحاج أحمد. كتاب تاريخ قسنطينة، نشره نور الدين عبد القادر، حوالي ١٩٥٢ وترجمه دور نون في المجلة الإفريقية ١٩١٣
٣ - تشرشل، العقيد هنري شارل، حياة الأمير عبد القادر ترجمة أبو القسام سعد الله، الدار التونسية للنشر، تونس في ١٩٧٤.
٤ - التميمي، عبد الجليل: (ثلاث رسائل من الحاج أحمد باي قسنطينة إلى الباب العلي) في مجلة الغرب الإسلامي (بالفرنسية)، ١٩٦٧.
٥ - الحاج أحمد ; باي قسنطينة: (مذكرات الحاج أحمد)، نشر مارسيل إيمري، المجلة الإفريقية (١٩٤٩).
٦ - الحاج أحمد أفندي: احتلال الجزائر يرويه جزائري (باريس ١٨٦٣) والكتاب بالتركية والفرنسية.
٧ - الحسني، أبو بكر بن أحمد: روضة الأخبار ونزهة الأفكار، الجزائر، ١٩٠١.
٨ - خوجة، حمدان بن عثمان: إتحاف المنصفين والأدباء، اسطانبول، حوالي ١٨٥٤، نشره محمد بن عبد الكريم، الجزائر، ١٩٦٨.
стр. 165
٩ - خوجة، علي أفندي بن حمدان خوجة: ذكريات رحلة من الجزائر إلى قسنطينة عبر الجبال، ترجمة دي سولسي، (ميتز، ١٨٣٨).
١٠ - دار المحفوظات الوطنية بباريس:
(١) رسائل الآغا محيي الدين وبعض أعيان الجزائر، زقم B ١٦٧٠ و ٨٠ F.
(٢) مذكرات ورسائل الحاج أحمد، باي قسنطينة، وآخرين، رقم ١٦٧٣ و ٨٠ F.
(٣) تقارير عن التعليم التقليدي والأدب الجزائري رقم ١٧٢٣ و ٨٠ F.
١١ - مذكرة مترجمة عن العربية وجهها أعيان الجزائر، (باريس ١٨٣٣).
١٢ - المشرفي ; عبد القادر: بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الأسبانيين بوهران من الأعراب كبني عامر، نشر وترجمة بودان، المجلة الإفريقية (١٩٢٤). ونشرها حديثا محمد بن عبد الكريم.
١٣ - مجهول: علاج السفينة في بحر قسنطينة (مخطوط)؛ من مؤلفات القرن ١٩. (اسم مؤلفه أحمد الانبيري - انظر دراستنا عن هذا الكتاب في مجلة كلية الآداب (الجزائر) العدد (٢) ١٩٧٠).
١٤ - عريضة أعيان الجزائر إلى البرلمان (الفرنسي)، الجزائر ٣٠ مايو ١٨٣٣.
١٥ - العنترى، محمد الصالح: الأخبار المبية في استيلاء الأتراك على قسنطينة ترجمة دورنون، قسنطينة، ١٩٣٠.
١٦ - غونزاليز، جواخيم أخبار مشاهير المسلمين في مدينة الجزائر، الجزائر ١٨٨٦.
١٧ - فانسون: (أشعار عن احتلال الجزائر)، المجلة الآسيوية (عدد ٨) ١٨٣٩.
стр. 166
ـ[ب - مصادر بالفرنسية]ـ
١ - Boyer, Pierre, La Vie Quotidienne à Alger, Paris, ١٩٦٣.
٢ - La Commisson d'Afrique, Procés-Verbeaux et Rapports Paris, ١٨٣٤, ٢ vols.
٣ - Cour, A. «La Poésie populaire politique au temps de l'emir Abdelquader» Revue Africaine, (١٩١٨), pp. ٤٥٨ - ٤٩٣.
٤ - Emirit, Marcel, «La Situation Economique de la Regence d'Alger en ١٨٣٩» Information Historique, (Nov. Dec. ١٩٥٢). pp. ١٦٩ - ٧٢.
٥ - Esquer, Gabriel, La Prise d'Alger ١٨٣٩, Paris, ١٩٢٩, Nouvelle édition.
٦ - Grammont, H.D. de, Histoire d'Alger sous la Domination Turque, ١٥١٥ - ١٨٣٠, Paris ١٨٨٧.
٧ - Isnard, H. «l'Etat économique et Social de la Mitidja en ١٨٣٠,» A.N. (Rabat, ١٩٣٨, T. II), pp. ٧١٥ - ٧٢٥.
٨ - Mercier E. Histoire de Constantine, Constantine ١٩٠٣.
٩ - Reynaud, Pellissier de, Annales Algériennes, Paris ١٨٥٤. ٣ vols. ٢ ed.
١٠ - Saint-Calbre. «Constantine et quelques auteurs Arabes Constantinois» Revue Africaine (١٩١٣), pp. ٧٠ - ٩٥.
١١ - Voulx, A. de. Tachrifath, Recueil de Notes historiques sur l'administration de l'ancienne Regence d'Alger, Paris ١٨٥٢.
١٢ - ........................... Les édifices religieux de l'ancien Alger, Alger, ١٨٧٠.
١٣ - Yacono, X. «Peut-on évoluer la population de l'Algérie Vers ١٨٣٠», Revue Africaine (١٩٥٤), pp. ٢٧٧ - ٣٠٧.