← История

История · id 123656

محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (166 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يتراوحون بين ٣٥ و٤٠ ألف نسمة، واعترف التقرير أن الأتراك طردوا من البلاد وأن الجيش الفرنسي قد سكن المنازل سواء تلك التي أرغم أصحابها على التخلي عنها أو التي ما زال أصحابها فيها، وهو عمل يتنافى، حسب رأي اللجنة، مع التقاليد الإسلامية (١). ومضايقه الجنود للسكان في منازلهم اضطرت كثيرا من العرب إلى الهجرة. ولذلك فان سكان مدينة الجزائر سنة ١٨٣٤ كانوا لا يتجاوزون ٢٥،٠٠٠، منهم ٤،٠٠٠ أروبي حلوا بالجزائر بعد الاحتلال. ويذكر التقرير أيضا أن أغلب هؤلاء الأروبيين قد اشتروا الديار في مدينة الجزائر أما الباقون منهم فقد اشتروا لهم أملاكا في الضواحي. ويعترف التقرير أيضا أن المنازل الموجودة في الضواحي (وهي كثيرة لأن أغلب حضر الجزائر كانت لهم منازل خارج المدينة) قد عانت من شره الجنود الفرنسيين الذين اقتلعوا حتى الأبواب والنوافذ واستعملوها للتسخين، بل اقتلعوا الأشجار النادرة (٢). ونلاحظ أن اللجنة كانت صريحة في وصف ما ارتكبه الفرنسيون نحو الجزائريين. فقد قالت في تقريرها النهائي الذي قدم إلى الحكومة في ١٠ مارس ١٨٣٤، أن عددا من المساجد قد حطم أو حول إلى كنائس دون تعويض، وأن الجيش الفرنسي قد احتل كثيرا من المنازل الخاصة دون تعويض أيضا، وأن عددا آخر من الأملاك الخاصة قد احتل أو حطم أو استعمل في المصالح العامة دون تعويض أيضا (٣). ورغم صراحة الوصف وقساوته أحيانا فان اللجنة تغاضت عن شكاوى الجزائريين مما اعترفت هي نفسها به وأوصت بالاحتفاظ بالجزائر دون اقتراح خطة جديدة فعالة ومنصفة.

стр. 107

فنحن نجدها توصي بالدفاع عن سهل متيجة الخصيب، الذي قالت إنه يبلغ ٢٥ فرسخا مربعا، لأنه مهم للدفاع عن المدينة من ناحية، وللفواكه والخضر والحبوب التي يدرها من ناحية أخرى، ولحماية المستوطنين الجدد الذين استقروا فيه من ناحية ثالثة. وبعد أن أقرت منصب الحاكم العام الذي سيكون مسئولا عن الشئون المدنية والعسكرية بمساعدة مجلس خاص أوصت بالاستعانة بحضر الجزائر واليهود، وبتدعيم الدرك المكون من الحضر ومنظمة الزواويين (الزواف) أما منصب أغا العرب فاللجنة قد تركت الباب مفتوحا. فالذي كان يعنيها هو الكفاءة سواء كان الآغا من حضر الجزائر أو من عرب البدو أو من الفرنسيين. ومن جهة أخرى أوصت اللجنة بانشاء ميزانية خاصة للجزائر وتخفيض الجيش الفرنسي هناك إلى أن يصل إلى ٢١٠٠٠ فقط. ولكنها لم تجعل هذا التخفيض أمرا واجبا واكتفت بترك الموضوع للظروف إذا سمحت. ولكن إذا تحقق ذلك يبقى ١٢٠٠٠ للدفاع عن مدينة الجزائر. أما باقي الجيش فيستعمل في وهران وعنابة وبجاية. والجدير بالذكر أن اللجنة أوصت باستخدام الجنود الجزائريين لمساعدة الجنود الفرنسيين (١). ...

стр. 108

الفصل السابع الجزائريون أمام اللجنة الأفريقية ليس في محاضر جلسات اللجنة الأفريقية الأولى المطبوعة سوى إشارة واحدة إلى جزائري هو المفتي ابن الكبابطي الذي سبق الحديث عنه. ولم يكن حديث ابن الكبابطي عن الإدارة الضرورية في الجزائر أو علاقة مواطنيه بفرنسا وإنما كان حديثا عن الأحوال الشخصية الإسلامية التي أراد الفرنسيون الذين استجوبوه عنها أن يتأكدوا منها قبل وضع خطة جديدة لاستقرار فرنسا في الجزائر. ولعل اللجنة الأولى التي استجوبت ابن الكبابطي قد مثل أمامها غيره أيضا، ولكننا على أية حال لا نجد في محضر الجلسات المطبوع غيره. ومن الممكن أن يكون أرشيف اللجنة المخزون محتويا على أسماء أخرى من الجزائريين. وقد يساعد على هذا الاعتقاد ما نجده من أن اللجنة قد استمعت إلى (الأهالي) إلى جانب استماعها إلى العناصر الأخرى من السكان في الجزائر (١). أما اللجنة الثانية التي كان مقرها باريس فقد استمعت على الأقل إلى ثلاثة من الجزائريين صادف أن كانوا موجودين في باريس عندئذ، هم أحمد بوضربة، وحمدان بن أمين السكة، وحمدان بن عثمان خوجة (٢). وكانوا جميعا قد نفتهم السلطات الفرنسية في الجزائر. ولعل أرشيف اللجنة يحتوي على أسماء جزائرية أخرى لم تظهر في المحضر المطبوع والذي اعتمدنا عليه

стр. 109

في هذا البحث. وعلى أية حال فان هؤلاء الجزائريين قد عبروا أمام اللجنة عن آراء واضحة حول الوجود الفرنسي في الجزائر وحول العلاقات الجديدة بين مواطنيهم والفرنسيين. والملاحظ أن بوضربة كان أكثر ميلا إلى الفرنسيين، بينما كان ابن أمين السكة معتدلا. أما خوجة فان مشاعره المعادية للفرنسيين كانت واضحة رغم أنه قد عبر عنها في مناسبات أخرى أكثر صراحة مما عبر عنها أمام اللجنة فهل كان الموقف يقتضي منه الحذر؟ أحمد بوضربة شخص غريب الأطوار مغامر أكثر منه سياسيا. وهناك بعض التعريفات القصيرة به، وبمواقفه وآرائه عامة في بعض المصادر الفرنسية. ولكن الذي يعنينا هنا ليس الترجمة له بل معرفة الآراء التي عبر عنها حين مثل أمام اللجنة الثانية (١). ويجب أن نذكر أنه قد قدم، مثل خوجة، مذكرة خاصة إلى هذه اللجنة ضمنها اقتراحات واضحة عن مستقبل الجزائر، ولا سيما التنظيم الإداري. وتجدر الإشارة إلى أن أحمد بوضربة قد سبق أن فاوض الفرنسيين (دي بورمون بالذات) عن كيفية تسليم مدينة الجزائر إليهم عند نجاح الحملة، كما أنه كان حاضرا حين صيغت بنود الاتفاق الجزائري الفرنسي سنة ١٨٣٠. نصح بوضربة بأن تتبع فرنسا في الجزائر سياسة العدل الصارم نحو الجزائريين ولكن مع اللين والاعتدال، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى نتائج طيبة. ونصح كذلك بأن تتفادى فرنسا نظام الأتراك في حكم الجزائريين الذي قال عنه إنه لا يتلاءم مع نظام الإدارة المتبع في فرنسا. ومن آرائه الجدلية حول هذا الموضوع اقتراحه بأن تعين فرنسا

стр. 110

أغا فرنسا على القبائل الجزائرية وليس أغا عربيا. (١) وبرر اقتراحه بأن الجزائريين يشكون في الآغا الذي هو منهم إذا دافع عنهم أمام الفرنسيين أما إذا كان رنسيا فانهم لا يشكون في إخلاصه إذا دافع عنهم، فهم مثلا لن يتهموه بأنه كان عميلا لبلاده بخلاف العربي. وانتقد بوضربة طريقة الاحتلال الفرنسي وقال إن أسوأ ما تميز به هو عدم اتباعه لنظام ثابت. ولا ننسى أن بوضربة كان يعبر عن هذا الرأي بعد أن نفته السلطات الفرنسية وبعد أن فشل في الوصول إلى الهدف الذي كان يعمل من أجله وهو إعادة الاعتبار إن لم يكن الحكم، إلى حضر الجزائر باعتبارهم خلفاء الأتراك في حكم الجزائر. لذلك قال بأن الاحتلال لم يحم أحدا، أي حتى الذين ساندوه أمثاله هو. فكانت النتيجة، بناء على رأيه أن الذين كانوا مع الاحتلال قد تخلوا عنه، وأن الذين كانوا سيرحبون به لم يجرؤوا على الإعلان عن شعورهم. وقد طلب بوضربة من فرنسا أن تعلن صراحة عن موقفها من القبائل التي خضعت لها، ومن تلك التي تريد الخضوع لها، ثم من تلك التي تقاوم الاحتلال. فالتردد والغموض لا يزيدان الأمور إلا تعقيدا وطلب من فرنسا أيضا أن لا تعفى الأهالي من الضرائب ولكن تفرضها عليهم بعدل، وأن تعاقب المذنبين منهم بحكمة. ولكي يسهل اندماج العرب في البيئة الفرنسية الجديدة اقترح بوضربة أيضا بعض الحلول. فطالب ببناء القرى والضيعات التي يستوطنها الفرنسيون عل أن يسمح للعرب بالاستقرار في هذه المستعمرات لأن ذلك وسيلة للتعارف بين المجموعتين ووسيلة أيضا لتعرف العرب على حضارة الفرنسيين بالإضافة إلى أن هذه الطريقة تنهي شيئا فشيئا مقاومة العرب لفرنسا.

стр. 111

ومن جهة أخرى اقترح إنشاء جريدة لبث الأفكار وتنوير الرأي المحلي، لأن العربي، حسب رأي بوضربة، فضولي بطبعه، وسوف يقرأ هذه الجريدة بشغف كبير. ولكنه نصح أن لا تحتوي الجريدة على مناقشات أو قضايا دينية لأن العرب عندئذ سينفرون منها. وبدلا من الدين يجب أن تناقش الجريدة وتقدم معلومات عن الصناعة والفلاحة والمواضيع العلمية. وقال بوضربة في هذا الصدد إن كل جزائري تقريبا يعرف القراءة والكتابة، لذلك فان إنشاء هذه الجريدة سيفتح آفاقا جديدة أمام الجزائريين والفرنسيين معا. وقال أيضا إن في كل قرية جزائرية مدرستين، باستثناء منطقة جرجرة التي لاحظ أن التعليم فيها منحصر في طبقة خاصة، وهي طبقة الشيوخ والرؤساء (١). وكان بوضربة يبدو متفائلا حين وقف متحمسا ينادي بأحداث تغييرات على النظام الفرنسي القائم عندئذ في الجزائر، فقد طالب بإنهاء نظام العنف القائم حاليا والذي دام ثلاث سنوات، واستبداله بآخر قائم على اللين وحماية الأشخاص والممتلكات. وعندئذ، بناء على رأيه، سيرى الفرنسيون أن النتائج ستختلف، إذ سوف لا يجدون مقاومين وخطرين ولكن متعاونين راضين. وأعلن بوضربة أنه يقف في صالح عدة قضايا. من ذلك إقامة فرقة الزواويين (الزواف) على شرط أن تؤدي الدور الإيجابي المنتظر منها، وأن تتوفر لها شروط العمل الضرورية (٢). أما بخصوص دمج اليهود في حياة الجزائريين العامة فلم يمانع بوضربة فيه ولكنه ألح في أن ذلك يجب أن لا يكون

стр. 112

على حساب العرب. وقال بأن على فرنسا أن تعطي إلى العرب الضمانات الكافية على أن الطائفة اليهودية في الجزائر لن تنال شيئا من مراكز النفوذ الكبيرة في البلاد. ويمكن الإعلان عن هذه الضمانات بناء على رأيه، بواسطة بيان عام يوقع عليه علماء البلاد ومسئولو الشئون الدينية. أما عن القوات التي كانت لدى الجزائر القديمة فان بوضربة لم يذكر جميع التفاصيل حولها واكتفى بتهدئة روع الفرنسيين الذين كانوا يخشون تجمع تلك القوات للانقلاب عليهم. فقد قال إنه كان في مركز اسطاويلي ١٦،٠٠٠ رجل مسلح و ٤،٠٠٠ من القبائل الراجلين (١) ولاحظ أن هذه القوات لا يمكنها أن تجتمع الآن من جديد، وإذن فلا خوف على الفرنسيين من وقوع ثورة ضدهم. ولاحظ أنه لا في وهران ولا في قسنطينة شخص يتمتع بنفوذ واسع يستطيع أن يؤلف حكومة جزائرية تخشى منها فرنسا (٢) وادعى أن تصرفات الحاج أحمد باي قسنطين كانت سيئة إلى درجة أنه لا يستطيع أن يكسب ثقة أي أحد، فما بالك بتهديد الوجود الفرنسي. ويبدى بوضربة بعض الآراء الهامة حول أملاك الدولة في سهل متيجة فهو يقول إن دار السلطان (مدينة الجزائر وضواحيها بما في ذلك متيجة) كانت تملك بين ١٢ و ١٣ مزرعة في السهل المذكور، بعض هذه المزارع كان مملوكا عن طريق الإيجار. وكانت هناك وزارة خاصة (لعله يقصد خوجة الخيل) تقوم بإدارة المزارع وتعهدها. وكانت كل مزرعة تحتوي على ٦٠ أو ٨٠ زوجا من البقر. وكانت حدود ملكية كل قبيلة في السهل منظمة

стр. 113

تنظيما دقيقا وثابتا، ولذلك فليس هناك نزاعات بين القبائل على الحدود. وقال بوضربة إن معظم سهل متيجة يعود إلى سكان مدية الجزائر، ولا سيما طبقة الحضر منهم. أما الأراضي المشاعة خلا توجد إلا في داخل الوطن، التي هي منطقة قبلية تخضع لإدارة الشيخ محليا وإدارة الدولة التي يمثلها القائد. وادعى بوضربة أن سهل متيجة غير صحي، وهو في هذا يتفق مع رأي حمدان خوجة. وقال إن عمال الأراضي في متيجة يعطون للمالك أربعة أخماس المحصول (١) , ولكنه لاحظ أن السهول المحيطة بمدينة وهران صحية خلافا لمتيجة، واقترح على فرنسا أن تتبع في وهران نفس النظام المقترح في الجزائر. ومن رأيه أن الذي جعل منطقة وهران خطيرة على الفرنسيين هو وجود شخصية ذات نفوذ كبير (٢). وهناك آراء أخرى غريبة عبر عنها بوضربة حول الوجود الفرنسي في الجزائر. فقد لاحظ على الفرنسيين بأنهم إذا أرادوا الاكتفاء باحتلال السواحل والمدن فانهم لن يحصلوا على نتيجة في الجزائر. لذلك نصحهم بأن يعزموا على البقاء الدائم في البلاد وأن يكونوا لهم خلفاء من أهلها حتى تتوفر لهم شروط الإقامة. ونصحهم بأنهم إذا احتلوا قسنطينة (وكان حديثه سنة ١٨٣٤. أي قبل ثلاث سنوات من احتلال قسنطينة فعلا). فيجب عليهم تعيين حاكم (فرنسي) عليها. وقال إن عدد سكان قسنطينة عندئذ يتراوحون بين ٢٥ و ٣٠ ألف نسمة وإن عادات هؤلاء السكان تختلف اختلافا واضحا عن عادات سكان الأرياف في الإقليم. ونصح الفرنسيين بأن يتعرفوا، قبل القيام بأي توسع، على إخلاص حلفائهم الجزائريين، وبذلك يتفادون تعريض جندهم للخطر المحقق. غير أنه أشار

стр. 114

عليهم بضرورة إعادة المساجد، التي (استعارها) الجيش الفرنسي أو التي استعملتها السلطات الفرنسية لمصالح عامة، إلى ما كانت عليه. ذلك أن هذه الحركة من فرنسا سيكون لها وقع كبير على نفوس العرب. أما بخصوص التجارة المحلية فقد قدم بوضربة حولها أيضا بعض الاقتراحات. فمن رأيه أن كل قبيلة خضعت لفرنسا يجب أن تتعهد بحماية طرق القوافل التي تدخل في نطاقها. وطالب بحرية التجارة في بعض المواد الهامة مثل الزيت والحرير لفائدة البلاد. ونادى باقامة حرس وطني فرنسي في مدينة الجزائر مكون من الجزائريين. والجدير بالذكر أن هذا الحرس كان موجودا أيضا على عهد العثمانيين وكان مكونا من عرب الحضر أو المور. فبوضربة إذن نصح باستمرار هذا النظام ولكن تحت ظل الفرنسيين (١). ونلاحظ من آراء بوضربة أنه كان يدعو بالدرجة الأولى إلى تغيير السياسة الفرنسية المطبقة عندئذ في الجزائر. وقد أوضح للفرنسيين طريق هذا التغيير. فمن رأيه أن على فرنسا أن تقوم برسالة تمدين فتعامل الناس بالعدل والإحسان، وتنشر بينهم حضارتها ومبادئها ٠ وتدمج الجزائريين تدريجيا في مجتمعها. وهناك فرص كثيرة يراها أمام الفرنسيين في الجزائر إذا ما سلكوا طريق الاعتدال، ولم يتهوروا في تطبيق الاحتلال. ورغم أن هذا ليس موضع الحديث عن بوضربة من جميع جوانبه فانه يمكننا أن نعتبره من أوائل المبشرين بدعوة الاندماج التي آمن بها بعض الجزائريين خلال القرن الحالي، كما أنه كان من أوائل الجزائريين المعجبين بفرنسا المضحين في سبيل ذلك بحرية الجزائر وبالفكرة القومية على الإطلاق. وهناك متحدث آخر من الجزائريين أمام اللجنة، وهو السيد حمدان

стр. 115

ابن أمين السكة. وليس هذا مقام الترجمة لهذا الشخص الذي لعب دورا بارزا في الفترة الأولى للاحتلال ثم غضب عليه الفرنسيون ونفوه مثل بقية زملائه. ونكتقي بالقول هنا بأنه كان من حضر مدينة الجزائز وأنه تولى منصب أغا العرب في بداية الحكم الفرنسي، وأن المصادر الفرنسية تذكر أنه لم يقم بواجبه على أحسن وجه، وأنه كان رجلا يخشى منه. لذلك نفته السلطات الفرنسية من الجزائر حتى لا يفكر في التآمر ضدها. وقبل أن يعود إلى الجزائر أقام مدة في باريس وتزوج هناك من فرنسية (١). وأثناء إقامته في فرنسا أدلى بالآراء التالية أمام اللجنة الأفريقية (اللجنة الثانية). ونود أن نلاحظ، قبل إيراد آرائه، أن كلامه قد جاء في محضر اللجنة بضمير الغائب، أي أن كاتب اللجنة هو الذي صاغ كلامه، خلافا لزميليه بوضربة وحمدان خوجة الذي سيأتي ذكره. ونلاحظ ثانيا أن ابن أمين السكة قد تحدث في نفس الجلسة (رقم ١٣) التي تحدث فيها بوضربة. وأخيرا نلاحظ أن كاتب المحضر قد ذكر أن آراء ابن أمين السكة وبوضربة كانت متشابهة ولم تختلف إلا في جزئية واحدة سنذكرها. والواقع غير ذلك. فرغم أن المحضر لم يسجل له (بضمير الغائب) سوى حوالي عشرة أسطر، فان النغمة التي تسود آراء ابن أمين السكة كانت تشوبها المرارة، كما أن أفكاره كانت نافدة للفرنسيين أكثر منها ناصحة لهم أو مقترحة عليهم الحلول الصالحة، شأن أفكار بوضربة. فاذا أخذنا في الحسبان هذه الاعتبارات نستطيع أن ننظر في الحديث القصير الذي سجل له في محضر جلسات اللجنة. ذكر ابن أمين السكة الفرنسيين بأنهم جاءوا إلى الجزائر، كما أعلنوا، محررين لا منتصرين. ولذلك فقد كان من المفروض أن يكونوا أصدقاء

стр. 116

للجزائريين وأن يتنقلوا بينهم بكل حرية، ولكن الواقع غير هذا. فقد جعل الفرنسيون من أنفسهم أعداء للجزائريين، وهكذا أصبحوا لا يستطيعون التنقل من مكان إلى آخر إلا بالحرب. وابن أمين السكة الذي كان سابقا أغا العرب لم يتردد في التصريح أمام اللجنة بأنه كان الأولى للسلطات الفرنسية في الجزائر أن تعتمد على الجنود الجزائريين لكي تنجح في مهمتها. ومن النقاط البارزة التي اختلف فيها رأي بوضربة عن رأي ابن أمين السكة أن هذا الأخير يقول بضرورة أن يكون أغا العرب مسلما جزائريا، بينما يقترح بوضربة، كما سبقت الإشارة، أن يكون الآغا فرنسيا، أما بشأن إدارة البلاد ووسائل الحكم فان رأي ابن أمين السكة لم يختلف كثيرا، حيب محضر الجلسة، عن رأي زميله بوضربة. ولكننا نلاحظ أن ابن أمين السكة قد أشار إلى أنه عندما كان أغا العرب يستطيع في الآيام الأولى للاحتلال أن يتنقل على رأس فرقة من الخيالة الجزائرية بكل حرية حتى في الاماكن النائية والمنعزلة التي لم يكن الأتراك قد وصلوها من قبل. وقال إنه خلال ذلك لم يلق إلا قليلا من المعارضة المحلية (١). وانتقد ابن أمين السكة بعض تصرفات الفرنسيين في الجزائر بشدة. ومن الذين ذكرهم بالاسم قائد الجيش الفرنسي العام في الجزائر بيرتزين وخليفته الدوق دي روفيغو (٢) واللذين اتهمهما بعدم الإيفاء بوعد إعلان العفو العام. وأشار إلى أن حادثة مذبحة قبيلة العوفية (التي وقعت في عهد روفيغو) قد شوهت سمعة فرنسا في الجزائر. بالإضافة إلى أنه ذكر أمام اللجنة دون تردد أن مندوبين جزائرين قدموا من البليدة إلى مدينة الجزائر قد أوقفوا وحوكموا وأعدموا، خلافا للقوانين العامة، رغم

стр. 117

أنهم كانوا يحملون عهد الأمان رسميا من الدوق دي روفيغو نفسه. وقال ابن أمين السكة إن هذا الحادث قد حطم ثقة الجزائريين في الفرنسيين (١). وهكذا، رغم قصر الكلام المنسوب إلى حمدان بن أمين السكة، فان عبارته كانت شديدة اللهجة، ناقدة للأوضاع، معرضة بالسياسة الفرنسية. ولعل ذلك هو السبب الذي جعل كاتب اللجنة يورد كلامه بصيغة الغائب بطريقة التلخيص دون ذكر عباراته هو. وعسى أن تكون معرفة كل ما قال تساعد الباحث على فهم آرائه وحقيقة شخصيته وصلة تفكيره عندئذ بمستقبل الجزائر. أما الآن فحسبنا أن نقول أن ابن أمين السكة كان بين بوضربة وخوجة. فلا هو مائل إلى الفرنسيين كبوضربة ولا هو ناقم عليهم كخوجة. فابن أمين السكة كان معتدلا، جامعا بين الميل الظاهر إليهم والنقمة المكتومة عليهم (٢). يعتبر حمدان بن عثمان خوجة من الشخصيات البارزة التي لعبت دورا هاما خلال السنوات الأولى للاحتلال. فقد كان من تجار العاصمة وأغنيائها الكبار، كما كان من النشطين في شئون السياسة والدولة، والمطلعين المتتبعين لأحوال العالم آنذاك سواء المشرق أو أوربا. وله كتب نذكر منها (المرآة) الذي اشتهر به والذي ما يزال في نصه الفرنسي فقط (٣). وله (المذكرة) التي بعث بها إلى اللجنة الأفريقية موضع حديثنا (٤). وله رسالة (إتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراز من الوباء) التي ألفها بينما كان في اسطانبول منفيا ونشرها عندئذ بالعربية والتركية وأهداها

стр. 118

إلى السلطان محمود الثاني. وله رسالة وجهها أيضا إلى اللجنة الأفريقية بالفرنسية (١). ولعل له كتبا أخرى لم نعرفها بعد، ولحمدان خوجة مواقف من الاحتلال الفرنسي، ومن الفكرة القومية، ومن حرية الجزائر بالذات. وإذا كان بعض هذه المواقف ما يزال غامضا فإن بعضها الآخر واضح كل الوضوح عبر عنه صراحة في عدة مناسبات، أهمها ساعة مثوله أمام اللجنة الأفريقية الثانية (٢). مثل حمدان خوجة أمام اللجنة في جلستها الرابعة عشرة وكان مصحوبا بمترجمه (٣)، وقد قال له الرئيس إن اللجنة تعلم عن الكتاب الذي أخرجه عن الجزائر (٤)، وأن الكتاب يحتوي على قضايا ليس من شأن اللجنة أن تتدخل فيها، وعلى شكاوى شخصية ستنال حقها من العدالة وطلب منه أن يجيب على الأمور العامة وعلى ما أراد أن يطلع عليه الرأي العام واتهمه بأن أكثر ما جاء في الكتاب خال من الراهين، ودعاه إلى تقديم البراهين إذا كانت لديه. وبناء على محضر الجلسة فإن خوجة قد أجاب أن ليس لديه لا حقائق ولا براهين جديدة. وقد طمأن الرئيس خوجة على أن الأمور التي اشتكى منها ستنال حظها من العناية. فالمساجد التي احتلتها السلطات الفرنسية ستعاد إلى ما كانت عليه

стр. 119

وأن الأملاك ستحترم في المستقبل، وأن الإيجارات ستدفع، لأن هدف الحكومة الفرنسية هو تطبيق نفس العدالة المطبقة في فرنسا على الجزائر. ثم سأل خوجة رأيه فيما إذا كان يعتقد أن تطبيق مبدأ إعادة الأملاك سيحقق الازدهار للمناطق التي احتلتها فرنسا في الجزائر، كما سيؤدي إلى استعماله الجزائريين الذين عارضوا حتى الآن الوجود الفرنسي والذين هم بلا شك قد أقاموا معارضتهم نتيجة للشكاوى التي نشرها (أي خوجة) في كتابه والتي بالغ فيها. ورغم أن محضر اللجنة قد اختصر إجابته على هذا الموضوع فإنه قد عبر عن اعتقاده بأن النتيجة التي توقعها رئيس اللجنة لن تتحقق بسرعة لأن نظام العدالة المشار إليه قد يفيد، بناء على رأي خوجة، أهل المدن، أما بالنسبة لسكان الأرياف فلن يكون له سوى مفعول ضئيل. ومن رأي خوجة أن زنا لن تجني شيئا من محاولتها إغراء الجزائريين بوضع نظام فرنسي مكان النظام التركي أو بالتظاهر باحترام الدين والمعتقدات المحلية. فقد سأله الرئيس عما إذا كان يعتقد أن احترام الدين وحماية السكان وعدل الحكومة الفرنسية الصارم قد وفرت لمواطنيه فرصا مغرية لم تكن متوفرة لهم زمن الأتراك. وكان الرئيس يعتقد، خلافا لخوجة، أن هذه الإجراءات ستسهل الطريق أمام السلطات الفرنسية في الجزائر. فمثلا، فتح سوق مدينة الجزائر أمام الجزائريين لبيع بضائعهم بأسعار عالية سيضمن خضوعهم لفرنسا حرصا على مصلحتهم الاقتصادية. ولكن خوجة أجاب باختصار، على الأقل بناء على محضر الجلسة، بأن ذلك الاستنتاج صعب إن لم يكن مستحيلا. ونفس الجواب رد به خوجة على سؤال طرحه الرئيس حول علاقة فرنسا بسكان منطقه متيجة. فالرئيس قد لاحظ أن أهالي متيجة يبيعون بضائعهم في الأسواق الخاضعة للفرنسيين وأنهم قد أصبحوا على علاقات طيبة معهم. ولكن الفرنسيين يريدون إقامة نظام يضمن هذه

стр. 120

العلاقات ويمتنها. وهناك عدة إمكانيات لذلك، منها تعيين أغا يأتي إليه عرب متيجة بمطالبهم ويكون واسطة بينهم وبين السلطات الفرنسية، كما كان واسطة بينهم وبين حكومة الوجق التركي من قبل , وسيكون هذا الآغا مكلفا بالأمن عن طريق شرطة (الصبائحية) المكونة من العرب أنفسهم. وكان الفرنسيون، على لسان رئيس اللجنة، يرون أن إقامة هذا النظام واحترام الدين وعرض الفرص سيجعل العرب يخضعون لهم. ولكن جواب خوجة على هذه النقطة كان متشائما ومختصرا أيضا، غير أنه كان واضحا. فقد رأى استحالة خضوع العرب للفرنيين لأن العرب (عرب سهل متيجة خاصة) كانوا معزولين أيام الأتراك، أما اليوم فهم متضامنون ضد العدو المشترك (١). ولذلك فان جميع المغريات المذكورة لن تحقق طاعتهم لفرنسا. وقد قدم خوجة معلومات هامة عن الحالة العسكرية في الجزائر عند نزول الفرنسيين. فقد كان آنذاك في مدينة الجزائر. وكان حسين باشا قد أرسله لإقناع الآغا إبراهيم، صهر الباشا، باستئناف قيادة الجيش بعد هزيمة أسطاويلي (١٩ جوان ١٨٣٠). وقد نجح خوجة في مهمته رغم صعوبتها. وكان محل ثقة الباشا. ولذلك فان معلوماته أكثر صحة من معلومات غيره، وقذ ذكر خوجة أمام اللجنة بأنه كان في إمكان حسين باشا أن يجند ٦٠،٠٠٠ محارب ولكنه لم يستعمل كل قواته ثقة بقدرته من ناحية، ومن ناحية أخرى فانه لم يكن يتوقع ذلك الهجوم من الفرنسيين وقد اكتفى الباشا، بناء على خوجة، بتجنيد جيش من ٣٠،٠٠٠ محارب فقط. أما رحلته الغامضة إلى قسنطينة فقد أجاب خوجة عنها إجابة غامضة

стр. 121

أيضا. ورغم أن تفاصيل هذه الرحلة ما تزال غير معروفة فان بعض خيوطها يمكن جمعها من المصادر القليلة الموجودة عنها (١). ويذكر خوجة أن الدوق دي روفيغو قد أرسله باقتراحات معينة للتفاوض مع الحاج أحمد، باي قسنطينة، وأنه قد تعرض من أجل ذلك إلى أخطار كبيرة وأنه دفع ثمن الرحلة من جيبه. وقد طلب منه رئيس الجلسة أن يقص على أعضاء اللجنة قصة هذه الرحلة مع ذكر الصعوبات والتسهيلات التي وجدها في الطريق ووصف القوة العسكرية والمادية التي يملكها الحاج أحمد. قال خوجة إن الرحلة قد دامت عشرين يوما وأنها كانت عن طريق البر، وأنه كان مصحوبا بابنه (٢). ويذكر محضر الجلسة أن خوجة (وهو الذي طالما اشتكى من الأخطار التي تعرض لها وطالب بدفع تعويضات عن الأموال التي صرفها) قد قال بأنه كان في استطاعته المرور بحرية بفضل وصية أحد المرابطين (الذي لم يذكر اسمه) (٣)، وبفضل هدايا صغيرة. ولكن خوجة رفض بناء على محضر الجلسة، أن يجيب على محتوى الاقتراحات التي كان من المفروض أن يكون مكلفا بتقديمها إلى الحاج أحمد، مدعيا أن ذلك سر بينه وبين الحكومة الفرنسية. وعندما نبهه الرئيس بأن اللجنة تسأله باسم الحكومة وأنه ليس هناك سر لدى اللجنة اضطرب خوجة، حسب محضر الجلسة، ولم يستطع تبرير مهمته. وقد ذكر بأنه تعرض إلى

стр. 122

أخطار من قبل الحاج أحمد نفسه (١). ولكن خوجة أجاب بالإيجاب عندما تحداه الرئيس بأنه كان يمثل في المفاوضات لا الدوق دي روفيغو ولكن الحاج أحمد. فالحاج أحمد، بناء على رئيس الجلسة، قد أعطى خوجة تفويضا كتابيا لكي يفاوض فرنسا باسمه (أي الحاج أحمد). وإذا كان هذا هو الصحيح فإن خوجة قد ذهب إلى قسنطينة على حسابه الخاص للقيام بمهمة سياسية لا دخل للسلطات الفرنسية فيها. ولذلك فإن خوجة في نظرها كان متآمرا، ثم إن النقود التي كان يطبها من فرنسا مقابل الرحلة ليس له حق فيها. والواقع أننا إذا أخذنا رأي خوجة من (المرآة) فإنه يبدي هناك إعجابا كبيرا بالحاج أحمد ويخصه بالثناء. وهذه الروح لم تختف عندها مثل أمام اللجنة. فهو يرى أن خضوع الحاج أحمد لفرنسا عن طريق التفاوض أمر صعب لأن باي قسنطينة كان يشعر أن له كثيرا من الأنصار في الصحراء، ثم إن له ١٠،٠٠٠ محارب يدفع لهم الرواتب. بخلاف جنود حلفائه الكثيرين، فرأى خوجة في الحاج أحمد إلى هذه الساعة كان رأيا عاليا إذا صح التعبير. ثم عادت المناقشة بين خوجة وأعضاء اللجنة إلى سهل متيجة، فما أملاك الدولة قديما في هذا السهل؟ وما حق ملكية أهل السهل فيه؟ وقد أجاب

стр. 123

خوجة لأنه لا يعرف بالضبط حدود أملاك الدولة القديمة في متيجة، وكل ما يعرفه بالتأكيد هو أن أفضل المزارع كانت للدولة. وأنه كانت هناك حوالي ست عشرة مزرعة. يعمل في معظمها عرب منطقة متيجة. وقد أحال خوجة اللجنة إلى أرشيف الحكومة القديمة الذي قال عنه إن فيه جميع التفاصيل. وأما عن حق ملكية العاملين في هذه المزارع فإن خوجة قد أجاب بأن حوالي ثلثي السهل لعرب المنطقة. ويملك أهل مدينة الجزائر الثلث الباقي الذي يتركونه لعرب المنطقة. يعملون فيه مقابل نصف المحصول. وتوجد أملاك الدولة، بناء على رأيه. في هذا الثلث. وكان خوجة غامضا في جوابه عن سؤال يخص تجارة الجزائر القديمة مع السودان أو إمكانية إعادة تلك التجارة إلى ما كانت عليه. فقد أوضح بأن هذه التجارة كانت تتم عن طريق قوافل الإبل. ويقوم بها عربان معروفون، من بينهم بنو عزول الذين قال عنهم إنهم يوجدون في الصحراء على مسافة خمسة عشر يوما من مدينة الجزائر. وحذر خوجة من الأخطار التي تعترض إحياء هذا الخط التجاري مع أفريقية. ويبدو أنه لم يرد أن يساعد الفرنسيين في هذه النقطة، كما كان مقتضيا حولها في إجابته عليها وعلى أمثالها مما يتصل بتمكين فرنسا من تدعيم سلطانها في الجزائر. وعلى أية حال فقد أحال اللجنة، في النهاية، على كتابه الذي قال إنه يحتوي على تفاصيل حول نقطة التجارة المذكروة (١). هذا كل ما عثرنا عليه في محضر جلسة اللجنة من آراء الجزائريين حول أوضاع بلادهم خلال السنوات الأول من الاحتلال. ولا شك في أن هناك وثائق أخرى حول هذا الموضوع لم تنشر بعد لعلها أهم مما نشر حتى الآن. وعلى أية حال فإن فيما لدينا من آراء كفاية للدلالة على وجهات النظر

стр. 124

المختلفة. ويمكننا اعتبار أن الآراء في جملتها تمثل معظم الاتجاهات الموجودة في الجزائر آنذاك. فهناك اتجاه يميل إلى التعاون مع الفرنسيين يمثله هنا أحمد بوضربة، وهناك اتجاه ثان كان أصحابه مستعدين للتعاون على شرط توفير ظروف معينة ويمثله هنا حمدان بن أمين السكة، وأخيرا هناك اتجاه يرفض التعاون تماما لاختلاف الشعبين والحضارتين الإسلامية العربية والأوربية ويمثله هنا حمدان بن عثمان خوجة. ***

стр. 125

الفصل الثامن الحاج أحمد باي قسنطينة يمكن تقسيم المقاومة التي واجهت الفرنسيين بعد احتلال الجزائر إلى ثلاثة أنوع: مقاومة سياسية قامت بها طبقة التجار والعلماء وأعيان المدن، وكانت هذه غالبا تنبع من المدن وتولاها كما رأينا حمدان بن عثمان خوجة وزملاؤه. مقاومة شعبية دينية قام بها مرابطون ورؤساء قبائل تحت راية الجهاد في سبيل الله والأرض والشرف والوطن، وتولاها كما رأينا أيضا مرابطون وزعماء أمثال بن زعمون والحاج سيدي السعدي والآغا محيي الدين ثم الأمير عبد القادر , أما النوع الثالث من المقاومة فهو ما قام به ممثلو الإدارة العثمانية، بعد سقوط الحكومة المركزية، دفاعا عن المصالح الشخصية والألقاب العثمانية في سبيل الإسلام وذودا عن التقاليد والأراضي الإسلامية. وقد تولى هذا النوع من المقاومة باي التيطري مصطفى بومزراق. وابنه سي أحمد، وإبراهيم باي قسنطينة السابق، والحاج أحمد الذي كان باي قسنطينة عند دخول الفرنسيين مدينة الجزائر. ويهمنا الآن الحديث عن الحاج أحمد الذي قاوم الفرنسيين خلال ثماني عشرة سنة وترك لنا سيرة مقاوم عنيد، وجندي كفء، وحاكم قدير. ولاه حسين باشا بايا على قسنطينة حوالي سنة ١٨٢٧. وكان الحاج أحمد مرتبطا بإقليم قسنطينة بالمصاهرة فكان كرغليا، أي من أب تركي وأم جزائرية، وكان أخواله من عائلة ابن قانة التي كانت لها مكانة وسلطة على عرب الصحراء في نواحي بسكرة والزاب. كان جده هو أحمد القلي الذي

стр. 126

كان بايا على قسنطينة أيضا. أما والده فقد كان خليفة لحسين باشا. وقد تصاهر الحاج أحمد مع عدد من الأسر والقبائل العربية في المنطقة هادفا إلى نيل تأييدهم. فتصاهر مع ابن قانة، والمقراني، وقسم من قبيلتي فرجيوة زواوة. ولكن أعداءه كانوا هم أولاد فرحات الذين يتنازعون منصب (شيخ العرب) مع أولاد ابن قانة. وقد واجه الحاج أحمد عدوا لدودا في شخص فرحات ابن سعيد عندما عزله الحاج أحمد من منصب شيخ العرب وأعطاه إلى خاله بو عزيز بن قانة. كما واجه الحاج أحمد خصوما في بقية فرجيوة وزواره وفي الحزب الذي ظهر ضده في عاصمة إقليمه. عندما تأكدت الحملة الفرنسية على الجزائر بعث إليه حسين باشا يأمره بالقدوم إلى العاصمة عام ١٨٣٠ في رحلة (الدنوش) (١). وقد أمره الباشا أيضا يتحصين ميناء عنابة وأخطره بالمشروع الفرنسي. وما دام الباشا لم يطلب منه الإتيان بالجيش معه فإنه لم يصحب معه سوى حوالي ٤٠٠ فارس وبعض أعيان قسنطينة وقوادها. وبعد وصوله إلى العاصمة عرفه حسين بتفاصيل الحملة الفرنسية وطلب إليه أن يستعد لملاقاة الفرنسيين في سيدى فرج. وقد أخطره الباشا بأن له جواسيس في مالطة وجبل طارق وفرنسا يتتبعون أخبار الفزنسيين ويبعثون إليه الرسائل عن كل التفاصيل (٢). حضر الحاج أحمد مجلسا عسكريا قرب اسطاويلي وحضره أيضا الآغا إبراهيم - قائد الجيش وصهر الباشا، وباي التيطري مصطفى بومزراق، وخليفة باي وهران، وخوجة الخيل وناقشوا وسائل الدفاع. وقد شارك الحاج أحمد في المناقشة الطويلة التي جرت والتي تعارض فيها رأيه مع رأي

стр. 127

الآغا. وقد حضر المناقشة أيضا حمدان بن عثمان خوجة الذي ترك لنا وصفا حيا (١)، لذلك. وبعد معركة اسطاويلي التي حضرها الحاج أحمد وفقد فيها من رجاله حوالي ٢٠٠. وبعد استيالاء الفرنسيين على قلعة مولاي حسن انسحب الحاج أحمد إلى وادي القلعة ثم إلى عين الرباط (مصطفى باشا الآن) شرقي العاصمة. ثم تابع طريقه شرقا في اتجاه قسنطينة، بينما انضم إليه أكثر من ١٠٦٠٠ شخص من الأهالي الفارين من الجيش الفرنسي رجالا ونساء. وفي أولاد زيتون اتصل برسالة من بورمون قائد الجيش الفرنسي يخطره فيها بتوقيع معاهدة الاستسلام ويعرض عليه اعتراف فرنسا به كما هو إذا قبل دفع (اللازمة) (الجزية) التي تعود دفعها إلى الباشا. فكان رده هو أن ذلك متوقف على رضى أهل الإقليم الذي يحكمه، ثم واصل سيره نحو قسنطينة التي وصل ضاحيتها (الحامة) بعد اثنين وعشرين يوما. توقف الحاج أحمد في ضاحية المدينة لأنه عرف أن خصومه الأتراك قد قاموا بانقلاب ضده وعينوا بايا جديدا مكانه يدعى حمود بن شاكر. ولكن أنصاره تحركوا عندما علموا بعودته يقودهم خليفته ابن عيسى وبعض العلماء، وعندما تأكد خصومه من عدم تأييد أهل البلاد لهم قتلوا زعيمهم وأعلنوا توبتهم وولاءهم. وقد عفا عنهم الحاج أحمد في الظاهر ولكنه تخلص منهم واحدا واحدا فيما بعد وحمل منذئذ كرها شديدا ضد الأتراك وأصبح لا يثق فيهم واعتمد على تأييد الجيش العربي الذي أخذ في تكوينه (٢).

стр. 128

كان على الحاج أحمد أن يواجه عدة ضغوط دبلوماسية وأن يسيطر على الإقليم. فبعد استقراره في عاصمة إقليمه اتصل برسالة من قائد الجيش الفرنسي الجديد، الجنرال كلوزيل، يطلب فيها منه تعيينه بايا على قسنطينة باسم ملك الفرنسيين شريطة أن يدفع (اللازمة) لفرنسا. ولكن الحاج أحمد الذي كان يعتقد أن سلطاته مستمدة من الشعب ومن السلطان العثماني جمع ديوانه واستشاره. فكان رد الديوان الرفض القاطع. وبينما كان ينتظر رد السلطان محمود الثاني علم أن كلوزيل قد عزله من منصبه وأنه قد وقع مع تونس معاهدة يصبح بمقتضاها سي مصطفى، أخو باي تونس عندئذ، بايا على قسنطينة خلفا للحاج أحمد (١). ولكن الحكومة الفرنسية لم توافق على المعاهدة المذكورة، وكان على كلوزيل وخلفائه أن يواجهوا مقاومة شديدة من الحاج أحمد. ويذكر هذا في مذكراته أن خبر توقيع المعاهدة بين كلوزيل وباي تونس لم ينتشر بين سكان الإقليم ولم يعرفه إلا بعض الناس. ولكن فرنسا، ولو لم توافق حكومتها على المعاهدة، نجحت في خلق توتر بين قسنطينة وتونس. فبعد توقيع المعاهدة انتشرت الرسائل في إقليم قسنطينة من باي تونس تدعو الناس إلى الثورة ضد الحاج أحمد، وتعلن انضمام قسنطينة إلى تونس كما كانت في السابق جزءا منها، وتصف الحاج أحمد بالاستبداد والطغيان والخروج عن طاعة السلطان. والغريب أن الرسائل كانت لا تذكر شيئا عن الاتفاق مع الفرنسيين وهكذا كان على الحاج أحمد أن يواجه عدة جبهات: جبهة ضد فرنسا،

стр. 129

وأخرى ضد تونس، وثالثة ضد إبراهيم الذي أعلن نفسه بايا على عنابة ويطالب بعودته إلى قسنطينة. ورابعة ضد باي التيطري الذي أعلن نفسه (باشا الجزائر)، خلفا لحسين باشا وطالب الحاج أحمد الاعتراف به. وخامسة ضد فرحات بن سعيد شيخ العرب الذي عزله الحاج أحمد وعين بدلا منه خاله بوعزيز بن قانة. بالإضافة إلى المؤامرات التي ولدت ضده داخل عاصمته. جمع الحاج أحمد ديوانه وعرض عليهم دعوى باي تونس فقرر الديوان إرسال رسالة إلى باي تونس محتواها أنه ليس من حقه المطالبة بقسنطينة. وأن السلطان هو المرجع، فكما أن باي تونس يستمد سلطاته منه فكذلك باي قسنطينة، وأن أهل قسنطينة راضون بحكم الحاج أحمد. وتحت صغط الرأي العام، وانتزاعا للمبادرة عن باي التيطري (١)، وقطعا لدعاوى باي تونس، تقلد الحاج أحمد لقب (الباشا) وأمر بضرب السكة باسمه وباسم السلطان. وعين مساعده بن عيسى خزناجيا، وأعلن هذه الإجراءات الإدارية التي تخوله ممارسة السيادة إلى الرأي العام. ولكن المعركة بينه وبين باي تونس انتقلت إلى بلاط السلطان. فقد علم الحاج أحمد أن باي تونس قد بعث برسائل إلى السلطان يصف فيها باي قسنطينة بظلم الرعية والخروج عن الطاعة. فلجأ الحاج أحمد إلى إرسال وفد برئاسة سي علي بن عجوز أحد أعيان قسنطينة ومعه أحد ثقاته وهو الحاج مصطفى إلى اسطانبول. وقد حمل الوفد إلى السلطان موقف الإرادة العامة

стр. 130

التي امتدت على توقيعات رؤساء القبائل وأعيان البلاد، وجميعها تؤيد حكمه وتنقي عنه الاستبداد والظلم. بعد السيطرة على الموقف في قسنطينة التفت الحاج أحمد إلى خصومه الذين تخلص من بعضهم بمساعدة الظروف، ولكن بعضهم ظل كالشوكة في حلقه. فقد خرج لمحاربة إبراهمم وفرحات بن سعيد. فر الأول إلى عنابة عن طريق تونس والثاني إلى أولاد جلال في أعماق الصحراء حيث ظل يحارب بدون هوادة وكان إبراهيم في عنابة قد تواطأ مع الفرنسيين أولا ثم أعلن الحرب عليهم وأخرجهم من المدينة ولكن ابن عيسى مساعد الحاج أحمد حاربه واضطره للهروب. ثم تحولت المعركة على عنابة بين ابن عيسى والفرنسيين. وعندما أيقن ابن عيسى من تغلب الفرنسيين عليه خرج منها هو وسكانها ودخلها الفرنسيون من جديد واستقروا بها بعد سنتين من احتلال الجزائر. وقد كان احتلالهم لعنابة، أهم مواني إقليم قسنطينة، سببا في توتر مستمر بين فرنسا والحاج أحمد. وقد عين الفرنسيون على عناية يوسف المملوك (١). أما إبراهيم فقد احتمى بالجبال وواصل مقاومته للحاج أحمد إلى سنة ١٨٣٤، وكان في نفس الوقت يحارب الفرنسيين. ثم التجأ إلى مدينة المدية حيث مات، ويقال إنه اغتيل من عملاء الحاج أحمد (٢). وإذا كان الفرنسيون قد خلصوا الحاج أحمد من خصمه بومرزاق حين أسروه ونفوه إلى الاسكندزية (خريف ١٨٣٠). فان ابنه سي أحمد قد انضم إليه (إلى الحاج أحمد) وأصبح خليفة له ورشحه أن يكون صهرا له. غير

стр. 131

أن سي أحمد كان مغامرا ففر من عنده والتجأ إلى الأمير عبد القادر (وهو خصم آخر للحاج أحمد) (١). رغم محاولات الحاج أحمد في الحصول على نجدة عاجلة من السلطان فان جهوده لم تنجح، على الأقل في الوقت المناسب. فقد عاد اليه الوفد الذي أرسله برد غامض من السلطان يحمل توقيع رؤرف باشا. فالسلطان في حالة سلم مع الدول المسيحية ولا يمكنه إعلان الحرب على فرنسا بسبب قضية الجزائر، أو بالأحرى قضية قسنطينة ولكنه طلب من الحاج أحمد أن يستمر في نضاله ضد الفرنسيين وأن لا يوقع أي صلح معهم إلا بعد مشاورته. والجدير بالذكر أن وفد الحاج أحمد قد نزل س البحر في طرابلس ومنها. فيما يبدو، إلى قسنطينة عن طريق الصحراء، لأن باي تونس لم يكن صديقا لباي قسنطينة. ولكن الحاج أحمد لم ييأس وأرسل وفدا آخر إلى السلطان يقوده السيد بلهوان الذي كان يحمل رسالة إلى رؤوف باشا الوزير الأول. وألح الحاج أحمد في رسالته على طلب المساعدة المادية وأعلن أنه مستعد للتضحية من أجل الدين، وأن الفرنسيين يقتربون منه يوما بعد يوم. ولكن رؤوف قد استقبل بلهوان استقبالا باردا ووعده بإرسال مندوب عنه إلى قسنطينة ليتقصى الأمر. فكان هذا لمندوب هو كامل بك (٢). وقبل وصول كامل بك إلى قسنطينة جرت اتصالات بين الحاج أحمد وبين القائد الفرنسي العام في الجزائر، الدوق دي روفيغو. للتفاوض، فقد حمل إليه حمدان بن عثمان خوجة في صيف سنة ١٨٣٢ رسالة من الدوق محتواها

стр. 132

الاستسلام لفرنسا ودفع ثلاثة ملايين فرنك ضريبة حرب. ودفع اللازمة السنوية، في مقابل أن تعترف به فرنسا بايا على إقليم قسنطينة. جمع الحاج أحمد أعيان المدينة، بحضور خوجة، وأطلعهم على رسالة الدوق، وبعد المنافثة استقر رأيهم على دفع اللازمة على شرط أن تعيد فرنسا الأراضي التي احتلتها من الإقليم، ولا سيما ميناء عنابة، وإقامة قنصل فرنسي في عنابة، وعدم القدرة على دفع ضريبة الحرب. ولكن ذلك كله كان مرهونا بارادة السلطان الذي يجب أن يتصل به الفرنسيون مباشرة. حمل خوجة رأي أعيان قسنطينة إلى الدوق ثم رجع برسالة أخرى تحمل الشروط التالية: دفع ٥٠،٠٠٠ دورو، واللازمة السنوية، وتعهدت فرنسا بالحصول على القفطان للحاج أحمد من اسطانبول، ولكنها اشترطت أن تبقى حامية عسكرية في كل من عنابة وقسنطينة، ويظل ميناء عنابة في يدها. ولكن الحاج أحمد لم يقبل هذه الشروط وأحال الفرنسيين على السلطان العثماني (١). وصل كمال بك إلى قسنطينة واستقبله الحاج أحمد استقبالا حارا. وفي اجتماع عام لأعيان المدينة ورؤساء القبائل والمسئولين خطب كمال بك وقال بأن السلطان لم ينسهم وأن عليهم بالصبر والإيمان، وقال إن السلطان يعمل على إبقاء إقليم قسنطينة تحت طاعته، وأن عليهم أن لا يقبلوا أي شرط بدون موافقته. وقد وقف كمال بك على تعلق البلاد بالحاج أحمد وعرف أن الرسائل التي ترد إلى اسطانبول من باي تونس لا تستند على الواقع. عاد كمال إلى اسطانبول وكتب إلى الحاج أحمد يعلمه أنه اطلع السلطان على الوضع وأنه يعمل للوصول إلى حل لصالح الباي، ولكنه لم ينجح،

стр. 133

وطلب منه أن يراسل السلطان عن طريق سي الطاهر باشا الذي أصبح - حاكما لطرابلس (١). وليس هناك حاجة للإطالة في موضوع انتصار العرب على الفرنسيين في معركة قسنطينة سنة ١٨٣٦، فقد علم الحاج أحمد عن طريق جواسيسه باستعداد الفرنسيين في عنابة للقيام بحملة ضد قسنطينة، فخرج لمقابلتهم مسافة نصف يوم وأقام معسكره عند مكان يدعى وادي الكلاب، وكانت قواته ١،٥٠٠ من الرماة و٥،٠٠ فارس. وقد التقى الجمعان في مكان يسمى عقبة العشارى، وحين رأى قوة الجيش الفرنسي تراجع ولكنه استمر في حربهم، ودخل قسنطينة. نصب الفرسيون مدافعهم على جبل المنصورة وسيدى مبروك الذي يشرف على المدينة وبدأوا في قصفها. كان الجيش الفرنسي بقيادة كلوزيل. وكان الثلج والمطر ينزلان بغزارة. وحاول الفرنسيون إرغام المدينة على الاستسلام ولكنهم فشلوا، لذلك تراجعوا عنها، بينما طاردهم جيش الحاج أحمد إلى قالمة. وفي طريق عودته إلى قسنطينة وجد عربات محملة بالمؤونة تركها الفرنسيون خلفهم. وقد كان لهذا الانتصار وقع كبير على الأهالي. كما أدى إلى عزل كلوزيل واستدعائه إلى فرنسا. بعد انتصاره عاد الحاج أحمد إلى المدينة وبدأ في تحصينها لأنه كان يتوقع أن الفرنسيين سيعيدون الكرة. وقد عرف أن هناك أناسا كانوا يريدون التسليم للفرنسيين أثناء قصف المدينة فحكم على بعضهم بالإعدام. ومن

стр. 134

جهة أخرى أرسل إلى السلطان يخبره بما جرى. وكان معه قواد مخلصون له أمثال ابن عيسى والبجاوي الذي أصبح خليفة له، وساعده على تصميم المقاومين أن الفرنسيين أرادوا تعيين يوسف المملوك بايا على قسنطينة بينما كان أهل قسنطينة يعلمون أن يوسف لم يكن مملوكا فقط ولكنه كان أيضا يهوديا مرتدا (١). وفي نفس الوقت شع الأمل في وجه الحاج أحمد عندما علم أن المساعدات العثمانية قد وصلت إلى تونس في طريقها إليه. فقد جاءه مبعوث من اسطانبول يدعى صراف أفندي وأخبره أن السلطان قد علم بانتصاره عن طريق سي الطاهر باشا حاكم طرابلس. كان ذلك في ربيع سنة ١٨٣٧ أي بعد عدة شهور من انتصاره على الفرنسيين. وصلت أربع سفن عثمانية إلى ميناء تونس محملة بالجنود الأتراك مع اثنى عشر مدفعا ومائة وخمسين مدفعيا. ولكن باي تونس الذي كان مهددا بالضرب من الأسطول الفرنسي إذا نزل الجنود العثمانيون على أرضه أرسل إلى القبطان العثماني يأذن له بانزال المدافع فقط أما الجنود فقد اعتذر له عن إنزالهم. ومن جهة أخرى أرسل (باي تونس) يعتذر إلى الحاج أحمد عن موقفه لأنه يريد إقامة علاقات ودية مع الفرنسيين، وهكذا عاد الجنود الأتراك بسفنهم من حيث أتوا، أما المدافع فقد استعملها باي تونس في شئونه الخاصة، وبقي الحاج أحمد وحيدا حزينا. وبينما كان الفرنسيون يستعدون لجولة أخرى ضد قسنطينة حاولوا فتح المفاوضات مع الحاج أحمد. اتصلوا أولا باليهودي ابن باجو الذي كان يعمل في دار الحاج أحمد والذي كان يتاجر في تونس. كان القائد العام

стр. 135

الفرنسي عندئذ م داريمون الذي حل بعنابة قادما من الجزائر استعدادا للحملة. رفض الحاج أحمد اقتراحات الفرنسيين وخرج لقتالهم في مكان يدعى بلاد عمر. وهناك أرسل إليه دامريمون يهوديا آخر هو بوجناح (الذي كان في زي فرنسي) عارضا عليه دفع مليونين من الفرنكات ضريبة حرب , وإقامة حامية فرنسية في قصبة قسنطينة، في مقابل أن تعترف به فرنسا بايا على الإقليم فيما وراء مجاز عمار، أي باستثناء الأجزاء التي تحتلها هي. ولكن أعيان قسنطينة ورؤساء القبائل رفضوا الشروط الفرنسية. وأرسل الحاج أحمد رفضه إلى دامريمون عن طريق بوجناح. وعاد بوجناح بشروط أخرى ولكن الحاج رفضها أيضا وأرسل رفضه مع كاتبه هذه المرة لأنه لم يعد يثق في بوجناح. لم يرض الحاج أحمد أن يوقع معاهدة مع الفرنسيين كما فعل الأمير عبد القادر في نفس السنة، بل استعد للقتال من جديد، جمع شيوخ القبائل والقواد وجند منهم ٥،٠٠٠ فارس و٢،٠٠٠ راجل، بالإضافة إلى الجيش النظامي الذي يعمل بأمره شخصيا. ترك حوالي ١،٥٠٠ جندي في قسنطينة وبدأ الحرب ضد الفرنسييين، فهاجمهم مدة ثلاثة أيام متواصلة في مسكرهم الواقع في مجاز عمار. لكنه فشل هذه المرة في صد زحفهم على المدينة. فقد تمكنوا من نصب الحصار عليها ثم دخلوها بينما كان المراطنون يحاربونهم من دار إلى دار ومن شارع إلى شارع. وأثناء هذه الجولة قتل دامريمون القائد العام للجيش الفرنسي فتولى مكانه الجنرال فاللي. كما قتل البجاوي خليفة الحاج أحمد في قسنطينة. وتكبد الحاج أحمد خسائر كبيرة وهلك أحسن جنده. وقد غنم الفرنسيون أشياء كثيرة لأن الحاج أحمد رفض إخراج الأشياء الثمينة من المدينة، عندما طلب منه ذلك الأعيان، حتى لا يؤثر ذلك على معنوياتهم. كذلك خسر الفرنسيون الجنود والعتاد وكانوا يعانون من

стр. 136

قلة المؤونة. ومن سوء حظ الحاج أحمد أن ابن عيسى الذي كان عضده الأيمن تخلى عنه وعرض خدماته على الفرنسيين. ولكن الحاج أحمد لم يلق السلاح رغم ضياع عاصمته وملكه، عرضت عليه فرنسا الأمان وحمله إلى بلاد إسلامية فرفض (١). وضع خطة جديدة لمقاومة الفرنسيين وقطع خط التموين عليهم الرابط بين عنابة وقسنطينة. ولكن صهره اعترض على هذه الخطة وأراد أن يحارب فرحات ابن سعيد أولا ثم الفرنسيين. وهي الخطة التي كان فيها (هلاكى) حسب تعبيره. وقد اجتمعت عليه عدة عوامل سيئة: موت أو تخلى أحد قواده عنه. خلافه مع صهره بوعزيز والتحاق هذا بالفرنسيين الذين عينوه شيخ العرب. محاولة الأمير عبد القادر مد نفوذه إلى إقليم قسنطينة بتوجيه نداء إلى أعيانه وتعيين خلفاء له فيه أمثال حسن بن عزوز. فرحات بن سعيد الذي لم ينس عزله له حتى بعد سقوطه (أي الحاج أحمد) من الحكم. وباي تونس الذي كان يغار منه ويكيد له لدى القبائل المجاورة ولدى السلطان، ثم فرنسا التي كانت ترى في وجوده بين العرب علامة خطر وكانت تؤلب عليه القبائل وتخلق له الصعوبات أينما حل. ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة سلبية السلطان الذي كان الحاج أحمد يعتمد عليه حتى بعد سقوطه (٢). ظل الحاج أحمد يقاوم كل هذه العوامل من سقوط قسنطينة سنة ١٨٣٧ إلى استلامه في صيف ١٨٤٨.كان ينتقل من قبيلة إلى أخرى، ومن الجبل إلى الصحراء. وبينما كان في جبل أحمر خدو اتصلت به السلطات

стр. 137

الفرنسية في باتنة وبسكرة وعرضت عليه الاستسلام وإعادة كل أشيائه إليه وأخذه ليعيش فب بلاد إسلامية. فقبل العرض بعد أن كبرت سنه ووهنت قواه ومن بسكرة ذهب إلى باتنة (في ٥ يونيه عام ١٨٤٨) ومنها إلى قسنطينة عاصة ملكه القديم التي عاد إليها هذه المرة مجردا من السلاح ولكنه كان مشحونا بالذكريات. استقبله أعيانها عند مدخلها ودخل إليها وسطهم في كوكبة من الخيل. وأقام فيها ثلاثة أيام كان فيها محل رعاية خاصة، فكان أهلها يأتون إليه كل يوم بالطعام والملابس والعسل والزبدة والفاكهة وبعض مصنوعاتهم. ولكن السلطات الفرنسية خشيت العاقبة فمنعت الأعيان من فعل ذلك وأحضرتهم أمام المحاكم العسكرية. وعن طريق سكيكده وصل الحاج أحمد إلى العاصمة. وهناك عينت له السلطات الفرنسية دارا له ولأهله وخصصت له مبلغ ١٢،٠٠٠ فرنك سنويا. وعينت له أحد المترجمين لمرافقته وهو الضابط دي روزي Rouzé وبدل تنفيذ الوعد بإطلاق حريته ظل سجينا في الجزائر إلى أن مات سنة ١٨٥٠ ويوجد قبره الآن في زاوية سيدي عبد الرحمن الثعالبي وسط مدينة الجزائر. ولعل موته لم يكن طبيعيا. حاول الحاج أحمد إقامة دولة تعتمد على تأييد السلطان وتأييد الارستقراطية المحلية. فحافظ على النظام العثماني ونشد مساعدة السلطان حتى يعطي لحكمه الشرعية والهيبة. وبعد احتلال الجزائر حاول الحاج أحمد أن يوسع قاعدة حكمه بتأييد الجماهير له، فكان لا يقرر شيئا هاما إلا بالرجوع إلى الأعيان وشيوخ القبائل والعلماء والجيش. وإذا كان في الفترة الأولى قد اعتمد على الجند العثماني فانه بعد الاحتلال قد غير رأيه وتخلص من هذا الجند معتمدا على العرب الذين أراد أن يخلق منهم دولة يكونون هم سادتها (١)

стр. 138

كان هدفه إقامة دولة تفرض الأمن والاستقرار، والدولة في نظره كانت وسيلة للسلطة. وهو هنا يخالف الأمير عبد القادر الذي حاول إقامة سلطته على الجهاد وتأييد الطبقة الأرستقراطية والطرق الدينية (١). والحاج أحمد يخالف الأمير. لم يحاول أن يوسع سلطانه حتى يشمل الجزائر كلها. كان مكتفيا، سواء في مفاوضاته مع الفرنسيين أو في مراسلاته مع السلطان العثماني، بحدود إقليمه (قسنطينة) ولسنا ندري ماذا سيكون موقفه لو أنه نجح في خطته واستقر حكمه، ولكن الوثائق التي بين يدينا تدل على أنه كان يحارب من أجل سلطة محلية. حتى مصطفى بومزراق أخذ لقب الباشا وطلب الاعتراف به سيدا على الجزائر كلها، وليس كذلك الحرج أحمد. لم يتفق الحاج أحمد مع الأمير عبد القادر الذي كان يرى فيه دعيا متطاولا على السلطة مستعملا الدين كوسيلة للوصول إلى الحكم. وزاد من شك الحاج أحمد في الأمير أن هذا قد وقع اتفاقات مع الفرنسيين: معاهدة دي ميشال ١٨٣٤، ومعاهدة التافنة ١٨٣٧. وبعد اتصال الأمير بأهالي قسنطينة إثر المعاهدة الأخيرة وإخطارهم أنه متفق مع الفرنسيين أحس الحاج أحمد بالشك فيه والخوف منه. وقد هدد الأمير بأنه سيهاجم قسنطينة مع الفرنسيين إذا لم يستسلم له الحاج أحمد (٢). وزاد من سعة الشقة بينهما أن الفرنسيين كانوا يعملون على إثارة الرجلين ضد بعضهما (٣). والواقع أن معاهدة التافنة التي جاءت بعد فشل المحاولة الأولى لاحتلال قسنطينة ١٨٣٦، كانت مساعدة على نجاح الفرنسيين في المحاولة الثانية، فقد أطلقت أيدهم في شرق البلاد. ويذكر الكولونيل تشرشل أن الأمير كان على علم بخطة

стр. 139

الفرنسيين نحو قسنطينة ولم يتدخل لأنه كان يعتقد أن نجاحها سيزيل عنه منافسا خطيرا (١). للحاج أحمد رأي في اليهود الجزائريين. فقد قال إنهم هم الذين (عكروا دائما الشئون السياسية التي تدخلوا فيها ... فهم لا يحاربون ولكن مصلحتهم هي دائما في رؤية الآخرين ممزقين. إنهم كالذئاب التي تأتي لتأكل ما خلفه الأسود (٢). ودافع عن نفسه في التفاوض مع اليهودي القسنطيني ابن باجو لأن الفرنسيين هم الذين أرسلوه إليه. أما بوجناح الذي جاءه في (زي فرنسي) مبعوتا من القائد العام دامريمون فقد قال عنه أنه لم يكن ينتظر منه الخير وأن القائد الفرنسي لم يحسن الاختيار لأن بوجناح قد شكر الحاج أحمد على رفض الشروط الفرنسية وأخذ في ذمهم أمامه لأنهم (يريدون التوسع بكل الإمكانيات، فاليوم يطالبونك بهذا وغدا يطالبونك بشيء آخر) وقد طلب بوجناح النقود من الحاج أحمد ليذهب إلى باريس ويتفاوض باسمه مباشرة مع الحكومة الفرنسية، وكاد الحاج أحمد يضربه، (لولا أنه مبعوث القائد الفرنسي) عندما اقترح عليه ضرب كبار رجاله إذا لم يرضوا بشروط فرنسا (٣). وقد علم الحاج أحمد أن اليهود قد نهبوا الأشياء الثمينة التي (يعرفون أماكنها السرية) عند دخول الجيش الفرنسي إلى قسنطينة. وقد تعرضنا من قبل إلى موقفه من يوسف المملوك الذي كان يهوديا مرتدا والذي حاول الفرسيون تعيينه بايا على قسنطينة مكان الحاج أحمد. ...

стр. 140

الفصل التاسع الحالة الاقتصادية ليس هناك اتفاق بين المؤرخين عن عدد سكان الجزائر قبل الاحتلال. فالقنصل الأمريكي وليام شيلر الذي كتب قبل حوالي أربع سنوات من الاحتلال قدر سكان مدينة الجزائر بخمسين ألف نسمة، بينما قدرهم كاتب آخر بمائة ألف، من بينهم خمسة آلاف يهودي. وزعم بيلبيسي دي رينو، الذي كان يكتب خلال السنوات الأولى للاحتلال، أن سكان الجزائر كلها كانوا حوالي ٢٥٠ ألف نسمة. أما حمدان خوجة الجزائري المعاصر للاحتلال فقد قال أن عدد السكان في الجزائر كلها قد بلغ عشرة ملايين (١). أما اللجنة الأفريقية الفرنسية التي زارت الجزائر بعد ثلاث سنوات من الاحتلال فقد قدرت عدد السكان قبل الفرنسيين بنحو ٣٥ إلى ٤٠ ألف نسمة في مدينة الجزائر وحدها. واعترفت اللجنة بأن الاحتلال قد تسبب في هجرة كثير من الأسر الجزائرية مما جعل السكان ينخفضون في مدية الجزائر إلى ٢٥ ألف نسمة فقط، رغم وصول ٤،٠٠٠ أوربي (٢) ويبدو أن الحقيقة توجد وسط هذه الأرقام. كانت الجزائر تتمتع بإمكانيات اقتصادية ضخمة قبل الاحتلال. فقد كانت أرضها خصبة، ولا سيما في الشمال، تدر أنواعا مختلفة من الحبوب والخضر والفواكه. ويوجد فيها، كما لاحظ الرحالة والزائرون غ مناجم الحديد والرصاص والملح، وغابات كثيرة كانت تفيض عن الحاجات المحلية

стр. 141

لبناء السفن والتسخين وبناء المنازل. بالإضافة إلى الموانىء الكثيرة الواسعة التي كانت تستقبل وترسل السلع والبضائع من وإلى أوربا والشرق. وإلى جانب ذلك كانت هناك طرق القوافل التي تربط الجزائر الشمالية بالسودان القديم عبر الصحراء، فكانت البضائع الجزائرية تصل باستمرار إلى أفريقية وتعود القوافل محملة بالإنتاج السوداني الذي يستهلك أغلبه محليا ويصدر فائضه إلى الخارج. كانت التجارة الخارجية إذن مزدهرة. وكان التعامل مع أوربا يتضمن تصدير الحبوب الذي غالبا ما كانت تتولاه بعض الدول التي تتمتع بامتيازات معينة. وكانت الجزائر تصدر إلى جانب ذلك الأخشاب، والحوامض والريش، والعسل والحديد، والصوف، والجلود، والشمع، وكانت تستورد الأقمشة والجواهر والسكر والأسلحة. ولكن الحياة الاقتصادية للريف الجزائري في العهد العثماني لم تكن مثالية. فقد كان السكان يعانون من المجاعات والأمراض وقلة المساعدات. وكان الجفاف كثيرا ما يتسبب في نكبات لا تحصى. وكثيرا ما كانت النكبات الطبيعية تنزل بسكان الريف فلا يستطيعون لها ردا ولامواجهة، كما لا تستطيع السدود القليلة الضعيفة التي أقامها الريفيون أن تخفف من هوة النكبات التي تحل بهم. فكانت أغنامهم ومنازلهم وحرثهم عرضة لغضب الطبيعة. وكانت مظاهر ووسائل الزراعة تتمثل في المحراث البسيط، والمنجيل للحصاد، وفرشاة لجمع بقايا الزرع، كما كانت هناك مخابىء تحت الأرض للاحتفاظ بالحبوب من فصل إلى آخر. أما الإنتاج فقد كان يتم سنة بعد أخرى لقلة الوسائل وانعدام السماد. وكانت كل قبيلة تتولى الحراثة والحصاد جماعيا وتتوقف حياتها واستقرارها على وفرة الأرض المزروعة. كانت السهول التلية هي الأرض الخصبة الصالحة للزراعة والإنتاج الزراعي. ولكن سهل وهران على اتساعه وخصوبته وصحة هوائه لم يكن

стр. 142

مستغلا بطريقة حكيمة (١). ويرجع ذلك إلى الحروب التي كان مسرحا لها. ففي بداية القرن الثامن عشر، بعد هزيمة الأسبان، حلت قبائل الدوائر والزمالة التي كانت متحالفة مع الحكم العثماني (باي معسكر) محل القبائل التي كانت تتعامل مع الأسبان، مثل بني عامر وفليته، في سهل وهران. وعندما انهزم الأسبان نهائيا وعادت وهران إلى الحكم العثماني عام ١٧٩١ أصبحت قبائل الدوائر والزمالة (المخزن) متسلطة على بقية القبائل في منطقة وهران واشتغلت بذلك عن حراثة الأرض والعناية بها. ورغم جودة الأرض في سهل وهران فإن هذا السهل كان مغطى بالأعشاب الطفيلية والأشجار غير المثمرة. وكانت الدولة تملك منه حوالي ٧٨%. وهكذا عاشت قبائل الدوائر والزمالة على سهل وهران. وقد كانوا شبه (نوماد) أو بدو متنقلين. فلم ينتجوا إلا قليلا من القمح والشعير وبعض الغنم والبقر. وكان معاشهم يتكون من الكسرة والحليب والجبن والزبدة، ولكن الأرض لم تكن تكفيهم ما داموا لم يعتنوا بها لذلك كانوا يعتمدون في معاشهم على الغنائم التي ينالونها بعد الحروب مع القبائل المجاورة أو التي يتلقونها من السلطة العثمانية مقابل تحالفهم معها. ولم يكن سهل وهران هو الوحيد، بل كانت هناك سهول اغريس ومستغانم وتلمسان ومعسكر. فكان سهل تلمسان ينتج القمح والزيت بوفرة. وكانت المناطق الساحلية من الحدود المغربية إلى رأس فلكون تنتح الشمع. وكان سهل اغريس المصدر الرئيسي للحبوب في كامل الغرب الجزائري. أما سهل مستغانم فقد كان ينتح القطن والأرز. وكانت الحدائق الجميلة تحوط بالمنازل الساحلية التي كان يملكها الأغنياء من العرب أو التي كان يحتكرها

стр. 143

العثمانيون. وهكذا تجد الغرب الجزائري يمتاز بوفرة الإنتاج المتنوع رغم كثرة الحروب وتخلف الوسائل. ويأتي بعد ذلك سهل متيجة الواسع الذي يحيط بالعاصمة والذي يمتد بين البحر وسلسلة جبال الأطلسي. وقد اشتهر بإنتاج البرتقال والعنب وكان إنتاجه يسد حاجات العاصمة، وقليلا من إنتاجه فقط كان يصدر إلى الخارج. وكان سهل متيجة يحتوي على عدة مزارع كبيرة للدولة وأخرى للخاصة. وتذكر بعض المصادر أنه كان للدولة حوالي ١٣ مزرعة في متيجة يحتوي كل منها على ٦٠ أو ٨٠ زوجا من البقر، وهي التي كانت توفر الحليب والزبدة والجبن إلى العاصمة. وكان هناك عمال زراعيون يأخذون خمس المحصول. ويذكر نفس المصدر أن سهل متيجةكان غير صحي لوجود المستنقعات (١). وإذا كانت هضاب قسنطينة قليلة الإنتاج فان سهل عنابة وبلاد النمامشة كانت غنية بالثروات الزراعية وكثيرة الإنتاج، وكانت هذه المنطقة قادرة على تصدير الحبوب والأصواف إلى الخارج. ولكن الحصاد كان غير منتظم، فكان يختلف من سنة إلى أخرى تبعا للأمطار، ولذلك فإن سنوات الرخاء كثيرا ما قابلتها سنوات المجاعة والجفاف، ولم يكن الأهالي يسيطرون على مخازن الحبوب العامة ولا على طواحين المياه التي توجد في ضواحي المدن، ولكن الذي كان يتولى ذلك هم الاعثمانيون. أما الثروة الحيوانية فقد كانت متوفرة ولكنها كانت تواجه بعض المشاكل أيضا. ونلاحظ أنها كانت منتشرة في كامل البلاد. أغلبها كان في الهضاب العليا. ولكن كثرة الجفاف والمعرفة القليلة بالعناية بالحيوانات أدت إلى الإضرار بها، بل واختفائها أحيانا. وكانت البقر تشكل المصدر

стр. 144

الرئيس لرأس مال الأهالي لأنهم لا يستهلكون في الغالب إلا الأغنام. ولكن الأوبئة كثيرا ما أضرت بالماشية فحرمت السكان من رأس مالهم الهام. وبالإضافة إلى الجفاف والأمراض التي كانت بالحيوانات كانت هناك الحروب القبلية والثورات ضد الحكم العثماني التي كثيرا ما تسببت في ضياع قطعان الماشية. وبالإضافة إلى الحبوب والماشية كان هناك إنتاج الخيول. وقد حافظت الجزائر على سلالة نقية من الخيول الجيدة. وكانت بعض المناطق قد امتازت بتأصيل الخيول مثل قبائل اليعقوبية وبني أنجاد وسكان جنوب وهران وسهول وادي الشلف. ولكن معظم الخيول الجيدة كانت تأتي من جنوب وهران وجنوب قسنطينة. وقد أدت الاضطرابات الداخلية إلى وقف التعامل بين سكان الجنوب وسكان التلال مما أضر بإنتاج الخيول، وبالتالي الحالة الاقتصادية عامة. والإبل التي كانت متوفرة في الجنوب، كانت تنتج الوبر الذي منه تصنع الخيام وبعض الملابس المحلية كابرنس و (القشبية). أما الصناعة فقد شهدت بعض التقدم أيضا، حقا إنه لم يكن هناك مناجم بالمعنى الحديث، ولكننا نجد صناعات الحديد وبعض مستخرجات رائجة. كما نجد صناعة الملح في منطقة أرزيو. وتميز سكان منطقة جرجرة بالصناعة. فكانوا يستخدمون الطواحين لصناعة الزيت ويرسلون به إلى مدينة الجزائر عن طريق ميناء بجاية أو عن طريق البر. وكان بنو عباس وبنو يني وفليسة يصنعون البنادق والمكاحل والسيوف والمدافع أيضا. ويذكر حمدان خوجة الذي زارهم أنهم كانوا يصنعون أيضا النقود المزوة ولهم قدرة عجيبة على نقش العملة وتقليد النقود الجزائرية والأسبانية. وكانوا يصنعون مواد البلاتين ويعرفون طرق استخراج الحديد من الأرض ولهم مناجم من الرصاص والقصدير (١). وكان بعضهم يصنعون الأشياء الخشبية

стр. 145

والأساور وآخرون يصنعون الأقمشة القطنية، وكان بعضهم يجلبون الحديد وآخرون يصهرونه. وهناك من يصنع أحجار الطواحين ومن يجلب الملح من الجبال ومن يصنع البارود. واشتهر بالصناعة بنو سليمان، وبنو موهالي وبنو منقلات، الخ. ولكن منطقة جرجرة كانت فقيرة بالقياس إلى بعض المناطق الأخرى التي تمتاز بخصوبة الأرض. وكانت الحروب الداخلية والفتن تؤدي بالسكان إلى الهجرة نحو مناطق أخرى ريفية أو إلى المدن. فكان أهل جرجرة يعملون أجراء في مزارع متيجة أو حمالين في الموانىء، أو دباغين أو بنائين، أو تجارا في البقر، أو محاربين في الجيش العثماني ثم الفرنسي باسم (الزواف) (الزواويون). وكانت السلطات العثمانية تمنحهم رخصا خاصة للخروج من منطقتهم إلى مناطق أخرى، فاذا أحدثوا اضطرابا فانها تسحب منهم هذه الرخص كعقاب لهم. لذلك كانوا حريصين على إبقاء الأمن. أما سكان الأطلس الصحراوي فقد كانوا يصنعون البرانس والزرابى والحصر التي كانت تأتي بدخل طيب لهم وللدولة. وكانت منسوجات منطقة شلالة مطلوبة لشهرتها وجودتها. وكانت بعض القبائل لا تصنع إلا ما يكفيها وتبيعه في الأسواق المحلية. وكانت الأسواق تقام في العادة أسبوعيا ويأتي إليها الناس للبيع والشراء. وأهم ما يباع فيها العسل والزبدة والصوف والحيوانات والحبوب والخيام. وكانت منسوجات المدن عادة أجود من مصنوعات البادية. وأهم المدن الصناعية هي العاصمة وتلمسان ومستغانم وقسنطينة. فكانت تلمسان مركزا هاما لصناعة الصوف كالأغطية والزرابي والمحازم الحمراء، وكانت مستغاتم تصنع الزرابي، أما العاصمة فقد كانت تمتاز ببعض الحرف
следующие страницы →