← История

История · id 123656

محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (166 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الدكتور أبو القاسم سعد الله محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث (بداية الاحتلال) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع

стр. 2

الدكتور أبو القاسم سعد الله محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث بداية الاحتلال الطبعة الثالثة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر

стр. 3

رقم النشر ١١٣٨/ ٨٢ الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر: ١٩٨٢

стр. 4

مقدمة الطبعة الثانية أخذ العرب عبارة (التاريخ الحديث) من الأوربيين الذين يعنون به الفترة الممتدة من القرن ١٦ إلى اليوم. وللتاريخ الحديث عند الأوربيين ميزات تميزه عن غيره من الفترات التاريخية، ومن هذه الميزات ظهور الكيانات السياسية الموجودة اليوم، ونمو المدن، ومن ثمة الطبقة الوسطى ووفرة رأس المال، والتقدم العلمي والنظريات في مختلف مجالات الفكر. فهل هذه الميزات تنطبق على التاريخ العربي - الإسلامي بالمفهوم السابق. لقد اعتاد العرب، تقليدا لا واقعا، أن يبدأوا تاريخهم الحديث أيضا بالقرن ١٦ أي باستيلاء العثمانيين على مقاليد السلطة في البلاد العربية، ولكن العثمانيين في الحقيقة لم يأتوا بجديد لا في الكيانات السياسية، ولا في النظم الاجتماعية ولا في التقدم العلمي. فلماذا إذن نطلق على عهدهم عهد التاريخ الحديث؟ ولماذا نظل على هذا التقليد للأوربيين في فرع من فروع المعرفة ذات التأثير القوى على حياتنا من جميع جوانبها، كالتاريخ؟ والأمر كذلك بالنسبة للجزائر، فمؤرخوها يطلقون بالتبعية على العهد العثماني فيها (العصر الحديث،) بينما نعرف من كل الدراسات حول الموضوع أن (الوجق) في الجزائر لم يحاول أبدا أن يعيش (العصر الحديث) الذي كانت تحياه أوربا. بالعكس لقد أغلق جميع النوافد، وقبع في حدوده القديمة، مما جعل البلاد تعاني من حكم الإقطاع وظلم الحكام والجهل والتخلف العلمي، فكانت النتيجة أن احتل جيش فرنسا الجزائر، ولم يكد الوجق يدافع حتى عن حريمه، وإذا نحن توسعنا في الاستعمال وتجوزنا في الحكم نقول بأن ما وقع سنة ١٨٣٠ في الجزائر ليس احتلال فرنسا للجزائر هكذا

стр. 5

بل هو احتلال (العصر الحديث) (للعصر الوسيط) أو احتلال التقدم للتخلف. ورغم أن الجزائر قد عانت الكثير من هذا الاحتلال الذي كاد أن يفقدها شخصيتها، ويأتي على حضارتها فإنها قد تعلمت منه الكثير أيضا. فالصراع الطويل بين الوطنية والاستعمار قد أدى في النهاية إلى ظهور نماذج (العصر الحديث) بالمعنى الأوربي. فالمقاومة كانت تدعو إلى قيام الكيان السياسي، والعلاقة بين المستعمر والمستعمر أدت إلى تحول اجتماعي واقتصادي عميق، كما أدت إلى ظهور الوعي الفكري والإيمان بالتقدم العلمي ومجاراة العالم في التقنيات، ولذلك فإنه يجوز في نظرنا، مع التسامح والتجوز طبعا، أن نطلق على سنة ١٨٣٠ بداية العصر الحديث بالنسبة للجزائر على الأقل، ويمكن أن يقاس على ذلك في جميع أنحاء الوطن العربي، فالتاريخ إذن يجب أن يخضع لعملية التحول الداخلي في المجتمع الذي نؤرخ له إذ لا يمكن تطبيق ظاهرة خارجية عنه عليه، تقليدا وعرفا، لا حقيقة وواقعا. والكتاب الذي بين يدي القارىء كان قد نشر سنة ١٩٧٠ بعنوان (تاريخ الجزائر الحديث - بداية الاحتلال) وقد رأيت أن هذا العنوان أكبر من حجمه، كما أنه لا يدرس جميع مدلول العنوان لذلك رأيت أن أعيد نشره بعنوان (محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث - بداية الاحتلال) مستهدفا، كما لاحظته في مقدمة الطبعة الأولى، دراسة الفترة الانتقالية من العهد العثماني إلى العهد الفرنسي. والحقيقة أن محتوى الكتاب لا يجيب على كل الأسئلة المتعلقة بجوانب هذه الفترة. وقد فكرت في توسيعه وتمديد زمانه إلى حوالي ١٨٤٨، ولكن خطتي في تناول الحركة الوطنية الجزائرية جعلتني أتوقف عند ما كنت قد كتبته فيه. ذلك أن هذه الخطة تقتضي أن يكون الجزء الأول من الحركة الوطنية الجزائرية من بداية الاحتلال إلى سنة ١٩٠٠، وقد اقترح علي بعضهم أن أجعل هذا الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة

стр. 6

الحركة الوطنية فأبيت، لأن الكتاب على ما هو عليه لا يلبي رغبتي في هذا الموضوع كما أنه لا يشمل كل الفترة المخصصة للجزء المذكور. لذلك فضلت إعادة نشره كما هو ليستفيد منه الظامئون إلى معرفة تاريخ الجزائر، ولكني أعدت فيه النظر وأدخلت عليه تنقيحات كثيرة وأضفت إلى هوامش مصادر جديدة ظهرت منذ الطبعة الأولى أو فاتني التنبيه عليها عندئد، ولا يسعني إلا أن أتمنى أن يستفيد القراء من الطبعة الجديدة للكتاب كما استفاد منه قراء طبعته الأولى. أبو القاسم سعد الله معهد العلوم الاجتماعية - جامعة الجزائر القاهرة ٣ من أبريل ١٩٧٦

стр. 7

مقدمة الطبعة الأولى الفترة الانتقالية من العهد العثماني إلى العهد الفرنسي في الجزائر لم تعط حقها من العناية رغم أهميتها في تطور حياة المواطن الجزائري. وقد بذل الكتاب الفرنسيون جهدا خاصا في دراسة عهد الاحتلال الفرنسي. ولكنهم اكتفوا بوصف العهد العثماني بالتأخر والاستبداد والغربة، وبوصف المواطن الجزائري أثناءه بالخضوع والقدرية والضياع. وقد تعرضت في كتابي (الحركة الوطنية الجزائرية) إلى بعض مظاهر هذه الفترة الانتقالية ولكنه تعرض مقتضب. ثم حملني تدريس نفس الفترة لطلابي في جامعة الجزائر على زيادة البحث. ولكن المشكلة الرئيسية كانت هي المراجع بالعربية أو التي تمثل وجهة النظر الجزائرية. وقد حمل الفرنسيون معهم أهم الوثائق عندما تأكدوا من استقلال الجزائر وأصبح من العسير الاستفادة منها الآن. ومع ذلك حاولت الاتصال بمكتبات الجزائر وزرت بعض مدنها بحثا عن الوثائق. كما قمت برحلات إلى مصر وسررية وفرنسا لنفس الغرض. وقد حصلت من ذلك على فوائد جمة ولكنها غير كافية. ولذلك يجب القول بأن هذه المحاضرات التي هي بعض نتائج تلك الجهود، لا تدعي بأنها قد درست الفترة المذكورة دراسة وافية. فهي في الواقع ليست إلا بعض الخطوط العامة لدراسة شاملة نرجو أن يسعدنا الحظ بانجازها، ولذلك أيضا يجب الاعتراف بوجود عدة جوانب نقص في هذا البحث سواء في المادة أو في تطور الفكرة. ولزيادة الاطلاع وضعت قائمة ببعض المراجع العربية والأجنبية في نهاية الكتاب.

стр. 8

وإني أغتنم هذه الفرصة لأوجه شكري إلى إدارة معهد البحوث والدراسات العربية على الدعوة التي وجهتها إلي لإلقاء هذه المحاضرات على طلاب قسم الدراسات التاريخية والجغرافية بالمعهد. خاصا بالذكر مدير المعهد الأستاذ محمد خلف الله وأمين المعهد الأستاذ محمد رفقي خاطر. ولا شك أن في تشجيع البحث العلمي وتبادل الآراء بين الباحثين العرب تدعيما لوحدة الأمة العربية وخدمة للإنسان أينما كان. أبو القاسم سعد الله القاهرة في ٢٤ من مارس ١٩٧٠

стр. 9

المحتوى مقدمة. الفصل الأول - الحملة الفرنسية على الجزائر. الفصل الثاني - استعدادات الجزائر لمواجهة الحملة. الفصل الثالث - من الإدارة العثمانية إلى الإدارة الفرنسية. الفصل الرابع - دور حضر مدينة الجزائر. الفصل الخامس - مرابطون وثوار. الفصل السادس - اللجة الافريقية. الفصل السابع - الجزائريون أمام اللجنة الأفريقية. الفصل الثامن - الحاج أحمد، باي قسنطينة. الفصل التاسع - الحالة الاقتصادية. الفصل العاشر - الحياة الثقافية. - بعض المراجع. - الفهرس. -فهرس الأعلام والأماكن.

стр. 10

الفصل الأول الحملة الفرنسية على الجزائر عند مقارنة العلاقات بين الجزائر والدول الأجنية تجد أن علاقات فرنسا بالجزائر كانت على العموم طيبة، فمنذ القرن السادس عشر كانت فرنسا تتمتع في الجزائر بامتيازات تجارية خاصة، فكان لها مؤسسات تجارية في عنابة، والقالة، ورأس بونة، والقل. وكانت هذه المؤسسات تدفع ضرائب سنوية متفقا عليها إلى الباشا من جهة وإلى باي قسنطينة (الذي تقع هذه الؤسسات في إقليمه) من جهة أخرى. وكانت فرنسا، في مقابل ذلك، تتمتع بحق صيد المرجاز وتصدير الحبوب إلى أوربا (١). وقد تطورت هذه العلاقات فكانت أفضل ما تكون في عهد الثورة الفرنسية. فقد اعترفت الجزائر بالجمهورية الفرنسية الجديدة في وقت كانت فيه تحت حصار أوربي محكم. وتكونت بين الدولتين علاقات ودية باستثناء فترة الحملة الفرنسية على مصر (١٧٩٨ - ١٨٠٢) حين طلب

стр. 11

السلطان من الجزائر إعلان الحرب على فرنسا. وفي ١٧٩٦ أقرضت الجزائر حكومة الثورة في فرنسا مليونا من الفرنكات بدون فائدة، على أن تستعمل فرنسا هذا المبلغ في شراء الحبوب من الجزائر. وفي سنة ١٧٩٤ أذنت الجزائر للحكومة الفرنسية أن تتمول في موانىء الجزائر عندما كانت الأسواق الأوربية مغلقة في وجه التجارة الفرنسية. وفي أول الأمر كان شراء المواد الغذائية من الموانىء الجزائرية يتم بطريقة مباشرة، فتدفع الشركة الفرنسية المعنية (الشركة الملكية ثم خليفتها الوكالة الوطنية الفرنسية) الثمن إلى الحكومة الجزائرية. ثم غيرت فرنسا طريقة الدفع، أثناء حكومة المؤتمر، فلجأت إلى التاجرين اليهوديين الجزائريين: بكرى وبوشناق ليقوما بالدفع بدلها، إلى الحكومة الجزائرية. وقصة تدخل هذين اليهوديين في العلاقات بين الجزائر وفرنسا تشكل جزءا أساسيا في تطور العلاقات بين البلدين التي بدأت بالحصار ثم الحملة وانتهت باحتلال الجزائر (١). ولذلك فليس هناك بد من ذكر بعض خيوط هذه القصة لفهم أسباب الحملة ونتائجها. إن الاسم الكامل لبكري هو: ميشيل كوهين بكرى المعروف باسمه المستعرب ابن زاهوت. وكان صاحب تجارة في أوربا قبل أن يفتح سنة ١٧٧٠ مركزا له في مدينة الجزائر. وكان هذا المركز متواضعا في البداية، ولكنه ازدهر حين انضم إلى صاحبه أخوته الثلاثة، وابنه داود، وصهره نافتالى بوشناق. المعروف باسمه المستعرب بوجناح. ويوجنان، كابن زاهوت، كان أيضا من أسرة لها تجارة في الخازج، وجاءت إلى مدينة الجزائر حوالي ١٧٢٣، وبدأت أيضا بداية متواضعة. أما ثروة بوجناح الطائلة التي أصبح يتمتع بها بعدئذ فهو مدين فيها إلى التعفن والفساد الذي كان شائعا أيام الحكم العثماني في

стр. 12

الجزائر. وهناك قصة على ذلك ترويها كتب المؤرخين لا تخلو من طرافة ومن عبرة أيضا. فقد قيل إن مصطفى الوزناجي بن سليمان، باي التيطري بين ١٧٧٥ - ١٧٩٤ كان يخشى غضب الباشا عليه أثناء إحدى رحلاته العادية (كل ثلاث سنوات) إلى مدينة الجزائر. لذلك اعتزل الناس ولم يكن يجرؤ على رؤية أحد. ولم يسعفه حينئذ سوى بوجناح الذي أعطاه ما يحتاجه من مال وتشجيع وصادف أن عين الوزناجي بعد ذلك بايا على قسنطينة فاعترف بالجميل لبوجناح، ومنذئذ أصبح (بوجناح) رجل أعماله ومحل ثقته، وبالتالي أصبح نفوذه لدى الباي قويا. أما كيف ازدرت تجارة ابن زاهوت وبوجناح. فلذلك قصة أيضا, فقد أراد الباي نفسه أن يتقدم بهدية ثمينة إلى امرأة الباشا فطلب من بوجناح أن يأتيه بحلية كريمة تعرف محليا بالصريمة، فجاءه بها بملبغ ٣٠٠،٠٠٠ فرنك، فاشتراها منه الباى. ومادام الباي لا يملك أن يدفع نقدا فقد دفع إليه الثمن قمحا على حساب أربع فرنكات للكيلة الواحدة. وهكذا حصل بوجناح على ٧٥،٠٠٠ كيلة من القمح، وعندما باع القمح في فرنسا (وقد كان محتكرا لتجارة الحبوب) ربح منه.،٤٥٠،٠٠٠ فرنك، بينما لم تكلفه الصريمة، المشتراة من باريس، سوى.٠،٠٠٠ فرنك (١). وتحت حماية بعض الباشوات، مثل حسن ومصطفى. أصبح اليهوديان ابن زاهوت وبوجناح، صاحبي نفوذ قوى وتأثير عميق في كل المجالات الحيوية في الدولة الجزائرية، كانا على علم بأحوال البلاد الداخلية. وكانا يتجسسان على أحوال المواطنين الجزائريين لصالح الحكام، وإذا كان

стр. 13

ابن زاهوت قد قصر نشاطه على الميدان التجاري، فإن بوجناح قد تسرب إلى شئون الدولة، فكان هذا يرفع أو يخفض الموظفين والبايات، وحتى الباشوات، مما جعل بعض الناس يطلقون عليه اسم (ملك الجزائر) (١) وبلغ تأثر بوجناح أنه كان يستقبل هو وأهل طائفته باسم الباشا، القناصل الأجانب كما فعل مع قنصل الدانمارك والسويد وهولاندا (١٨٠١)، وقام هو وأهل طائفته أيضا بالمفاوضات بين الجزائر والبرتغال. وفي سنة ١٨٠٤ استقبل مبعوث السلطان إلى الجزائر، ولم يكن تأثير هذين اليهوديين مقصرا على الجزائر، بل كان في كل البحر الأبيض المتوسط فكانت لهما مراكز تجارية في مرسيليا، وجنوا، ونابولي , وأزمير، والإسكندرية، وتونس، وليفورنيا، وقرطاجنة (أسبانيا)، ومنطقة الراين، وبلجيكا. وكانا صاحبي نفوذ سواء لدى الدول الكيبرة أو الصغيرة نظرا للقروض التي يتقدمان بها أو الوساطات التي يقومان بها. وبينما كانت فرنسا مدينة لليهوديين الجزائريين، كانا هما مدينين للدولة الجزائرية , وفي سنة ١٧٩٠ قدر دين فرنسا بمليونين من الفرنكات، أما دين اليهوديين للجزائر فقد قدر ب ٣٠٠،٠٠٠ فرنك وقد عين هؤلاء التجار اليهود يعقوب بكرى ممثلا لهم في مرسيليا ثم في باريس. ويذكر الفرنسيون أن الرأى العام الفرنسي قد ثار ضد تأثير اليهود الجزائريين في فرنسا ولكن تدخل الوزير الفرنسي تاليراند Talleyrand الذي كسبه اليهود. قد جعل الحكومة الفرنسية تتراجم في الإجراءات التي كانت تعتزم اتخاذها ضدهم (٢) ومن جهة أخرى جر اليهود الحكومة الجزائرية إلى قضية قرضهم لفرنسا

стр. 14

فكتب الباشا مصطفى إلى تالليراند يطلب منه أن تدفع فرنسا الدين الذي عليها إلى رعاياه اليهود. وهكذا أصبح القرض قضية تطرح على مستوى الحكومتين. وبعد فترة من الوقت أصبح سيمون أبوقية هو ممثل تجارة يهود الجزائر في باريس. وعندما تقدم أبوقبة بمذكرة إلى فرنسا عن القرض بلغ الدين الذي على فرنسا ٣،٣٧٧،٤٤٥ فرنك. وفي سنة ١٨٠٢ بلغ ٨،١٥١،٠٠٠ زنك، وكان الباشا خلال ذلك كله لا يفتأ يطالب الحكومة الفرنسية بالدين الذي عليها إلى رعاياه اليهود، ولكن بدون جدوى. ومما يذكر أن الحكومة الفرنسية قد سجنت ممثلي يهود الجزائر في بلادها إثر إعلان الحرب بين الدولتين (١٧٩٨) على أساس أنهم رعايا جزائريون، ثم أطلقت سراحهم بعد انتهاء الحرب (١٨٠١). وليس معنى ما ذكرناه أن اليهود عامة، وعائلتي ابن زاهوى وبوجناح خاصة، لم يتعرفوا إلى أي اضطهاد (١)، فقد كان العثمانيون في الجزائر يتسامحون معهم إلى حد ويعطونهم بعض الوظائف الفنية كالعمل في دار سك النقود. وقد يوجد باشا أو باي يحميهم لهدف معين، كما كان الباشا مصطفى، ولكن ذلك كان عادة مؤقتا، وقد أدى تدخل اليهود الظاهر في شئون الدولة السياسية إلى انخفاض أسهم في النهاية. ففي صيف ١٨٠٥ مات بوجناح ملك الجزائر بضربة من جندي انكشاري. وتلا ذلك ردود فعل ضد اليهود. وفي نفس السنة اغتيل الباشا مصطفى الذي كان يتدخل لصالحهم. وعندما تولى الباشا أحمد، صادر أملاك بوجناح واضطهد أفرادا بارزين من أسرة بكرى (ابن زاهوت). وقد لعب داود دوران، منافس ابن زاهوت وبوجناح في التجارة وفي رئاسة الطائفة اليهودية في الجزائر، دورا هاما في المصير الذي لحق

стр. 15

بصاحبيه، غير أن أيام ازدهار دوران لم تكن طويلة، فقد استعاد يوسف بكرى سمعة العائلةكما حل ابنه داود محل دوران في رئاسة الطائفة اليهودية. مع ذلك فقد ظل دوران يكيد لهما إلى أن نجح في تجريدهم من جميع سلطاتهم. ففي ١٨١١ قطعت رأس داود بكرى الذي اتهم بالوشاية بالباشا لدى السلطان وحل دوران محله. ولكن هذا لم يدم سوى ثمانية شهور في سلطته الجديدة لأن يوسف بكرى، الذي كان عجوزا، قد ثأر منه لابنه داود. غير أن سلطة يوسف لم تدم طويلا أيضا لأن عمر آغا قد أمر بنفيه سنة ١٨١٦ فذهب يوسف إلى ليفورنيا. وقد حل محله بالجزائر يعقوب بكري الذي كان ممثلا لتجارة هؤلاء اليهود الجزائريين في باريس والذي لم يكن محل ثقة من العائلة. ومما يذكر أنه كان قد حصل على الجنسية الفرنسية. وفي الجزائر أصبح يعقوب زعيما للطائفة اليهودية ومسئولا عن التجارة التي تديرها أسرة بكري. في سنة ١٨١٩ عينت الحكومة الفرنسية لجنة رباعية لدراسة الدين الذي على فرنسا لرعايا الجزائر اليهود. وقد قدرته اللجنة ٤٢ مليون فرنك. ولكن هذا المبلغ انخفض شيئا فشيئا إلى أن صار ٧ ملايين فقط، نتيجة مطالبة أطراف أخرى بديونها التي على أسرة بكري - بوشناق. ولكن المذكرة التي أصدرتها الحكومة الفرنسية في ٢٨ أكتوبر ١٨١٩ قد أكدت أن ملك فرنسا عازم على إرضاء طلب باشا الجزائر للمحافظة على العلاقات الودية بين الجزائر وفرنسا، ويذكر مؤرخ فرنسي أن المذكرة قد نصت أيضا على أن فرنسا لن تسدد الدين إلا يعد إعلان الباشا التخلي عن مطالبته بتسديد الدين له شخصيا بدل بكري (١)،. ويقال أن الباشا قد أعلن رسميا، في ١٢ أفريل، ١٨٢٠ أنه راض إذا سددت الحكومة الفرنسية الدين الذي عليها إلى يعقوب بكري مباشرة. ومن المفهوم أنه متى استعاد يعقوب قرضه فانه

стр. 16

سيدفع ما عليه للباشا (١). وفي ٢٤ جويليه، ١٨٢٠ صدر قانون عن البرلمان الفرنسي بتخصيص ٧ ملايين فرنك لتسديد الدين إلى يعقوب بكري. وعندئذ واجهت الحكومة الفرنسية، على ما قيل، مطالب كثيرة يدعي أصحابها بأن يعقوب بكري مدين لهم. وأمام ذلك أحالت الحكومة الفرنسية القضية إلى المحاكم، ولكن معنى ذلك كله هو أن الباشا لن يحصل من يعقوب بكري على الديون المتراكمة عليه. تعود مشاريع الحملة الفرنسية على الجزائر إلى عهد نابوليو (٢). فبعد عودة السلام بين الجزائر وفرنسا (١٨٠١) رجعت فرنسا إلى امتيازاتها في الجزائر. غير أن قنصل نابوليون في الجزائر، وهو ديبوا - ثانفيل لم يحمل إلى الباشا مصطفى الهدية التي اعتاد القناصل تقديمها له. وحين طلبها الباشا رسميا على أساس أنها شيء واجب، رد عليه نابليون برسالة ساخطة هدد فيها بتحطيم الأسطول الجزائري، وأنذر بأن فرنسا على عهده ليست هي فرنسا على عهد البوربون. وما لبثت العلاقات أن توترت بين البلدين من جديد فقد احتجزت الجزائر سفينتين فرنسيتين وضربت أخرى في ميناء تونس من أحد الجزائريين. فكتب نابليون إلى الباشا مصطفى أيضا يطالبه بدفع تعويض عن الخسائر ومعاقبة الوزراء المسئولين عن هذه الحوادث. كان نابوليون يحلم بجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة فرنسية. لذلك كان يخطط لحملة كبيرة ضد دول المغرب العربي الأربع وإقامة مستعمرات عسكرية فرنسية هناك وإضافة المنطقة إلى أجزاء امراطوريته في البحر

стр. 17

المذكور. ولتحقيق ذلك طلب من الفرنسيين الذين كانوا أسرى في الجزائر أو الذين عاشوا فيها، معلومات عنها وعن سكانها وتحصيناتها. فأوصى قنصل فرنسى سابق في الجزائر، وهو السيد جون بون سان - اندري، بضرب الجزائر ضربة قوية وسريعة وإنهاء الحرب في ثمانية أيام. واقترح فرنسي آخر بنزول حملة فرنسية قرب تنس والهجوم على مدينة الجزائر برا. ولكن نابوليون تخلى عن مشروع الحملة لانشغاله بمناطق أخرى. غير أنه أرسل إلى الجزائر قطعة من أسطوله بقيادة الأميرال ليسيغ leissegues حاملا رسالة إلى الباشا (سنة ١٨٠٢) يطالبه فيها بدفع التعويضات المذكورة، ويعلمه برفضه تسديد المبلغ الذي يطالب به وهو ٢٠٠،٠٠٠ فرنك. ومن بين الذين كانوا في هذه المهمة القبطان بيرج Berge الذي جمع عندئذ معلومات هامة عن الجزائر، وهو الذي سيكون من أعضاء الحملة البارزين سنة ١٨٣٠. وخلال سنة ١٨٠٥ جاء جيروم نابوليون إلى الجزائر على رأس قطعة بحرية أيضا للمطالبة بإطلاق سراح ٢٣١ من الأسرى الطليان. ولكن الباشا أحمد، الذي خلف مصطفى، لم يطلق سراحهم إلا بعد أن دفع جيروم مبلغ ٨٠،٠٠٠ فرنك. ومن جهة أخرى أدت هزيمة الأسطول الفرنسي في (ترافلغار) إلى أن سحبت الجزائر الامتيازات التي كانت لفرنسا وأعطتها إلى بريطانيا. وكان ذلك سنة ١٨٠٧. ولكن نابوليون قد وقع السلام مع روسيا في نفس السنة (معاهدة تلست)، وعاد إلى مشروع الحملة ضد الجزائر، فأمر قنصله في الجزائر بمغادرة المدينة وإعلام الباشا بأنه سيواجه الحرب إذا لم يطلق سراح الأسرى الجنويين والكورسيكيين والطليان، ومن جهة أخرى أمر وزيره للبجرية بالتفكير جيدا في القيام بحملة ضد الجزائر سواء كانت برية أو بحرية، كما أمره بجمع المعلومات الضرورية عن وسائل التموين وطبيعة الأرض، ومكان وزمان الحملة، واقترح التمويه على العدو لكي يظن أن الحملة موجهة إلى صقلية. وطلب أن لا يزيد عدد الجيش

стр. 18

عن ٢٠،٠٠٠ رجل. وأمر أن تأتيه المعلومات في ظرف شهر. وطلب من الوزير إرسال أحد جنوده الذين يمتازون بالروح العسكرية وبالمهارة الهندسية سريا إلى الجزائر ليتجسس ويعود بتقرير مفصل وخطة واضحة، فوقع الاختيار على ضابط يسمى بوتان Y. Boutin. وصل بوتان إلى مدينة الجزائر في ٢٤ ماي ١٨٠٨ على ظهر سفينة تسمى لوركان le Requin وقد ظل هناك متجسسا على الحصون دارسا خطة للنزول بدقة متنقلا من برج البحرى (كاب ماتيفو) شرقا إلى سيدي فرج غربا وبعد أن كتب ملاحظاته ورسم خطته قفل راجعا في ١٧ جويليه من نفس العام. غير أن الانكليز ألقوا عليه القبض في عرض البحر وقادوه إلى مالطة. وأثناء ذلك أعدم الخطة ولكنه أبقى على ملاحظاته التي منها سيكتب تقريره ويرسم لخطه من جديد (١). ومن مالطة فر متكرا وعاد إلى فرنسا في أكتوبر عن طريق أزمير واسطانبول. وقد ضمن تقريره معلومات دقيقة عن تحصينات الجزائر وطبيعة أرضها، وعدد قواتها، وزمن الحملة المقترحة والمدة التي تستغرقها، وعدد الجيش الضروري. واقترح بوتان عدد الرجال من ٣٥ إلى ٤٠ ألف محارب معظمهم من المشاة، مع بعض المدافع، وقد أظهر الأخطار التي تتعرض لها الحملة من البحر ونصح بدلا من ذلك أن تكون الحملة برية، وبالاستيلاء على قلعة مولاى حسن (الامبراطور) لأنها تشرف على المدينة. واقترح أن يكون مكان نزول الحملة هو سيدي فرج لخلوه من المدافع والجنود. ومن رأيه أن أفضل وقت للحملة هو من مايو إلى جوان وأن مدة الحملة لا تتجاوز شهرا. ولكن انشغال نابوليون بالحرب في أسبانيا وبحملة روسيا وضعف الأسطول الفرنسي ثم سقوطه -كل ذلك قد جعل مشروع غزو الجزائر يبقى على الرف مؤقتا.

стр. 19

وبعد مؤتمر فيينا عينت فرنسا قنصلا جديدا لها في الجزائر وهو بيير دوفال Duval ، في ٢٨ أوت ١٨١٥. وقد حمل إلى الباشا هدايا تقدر ب ١١٢،٩٢٤ فرنك تضم مجوهرات وساعات وأقمشة وأسلحه. وفي مقابل ذلك أعاد الباشا إلى فرنسا الامتيازات التي فقدتها، وكان ذلك في ١٧ مارس ١٨١٧ إثر حملة اللورد اكسموث الانكليزي على الجزائر (١٨١٦). وتساهلت الجزائر فخفضت مقدار الضريبة السنوية المقررة على فرنسا من ٣٠٠،٠٠٠ الى ١١٨،٠٠٠ فرنك. كان دوفال المذكور إبنا لمترجم فرنسي كان يعمل في السفارة الفرنسية في اسطانبول وقد تولى جميع مهامة القنصلية في القنصليات الفرنسية بآسيا الصغرى. وكان يتكلم العربية والتركية (١). ورغم أنه كان فد واجه بعض الصعوبات منذ البداية في مهمته فانه كان يمتاز باتباع سياسة التعفن الاجتماعي والتوريط وخلف الوعد، وهي ما يعبر عنها الغربيون بالروح الشرقية. وكان دوفال يعتبر هذه الوسيلة هي طريق النفاذ إلى الباشا وبالتالي التأثير عليه وكسبه. ومما يذكر أنه سلم، دون بقية القناصل الأجانب، الجزائريين الذين كانوا في خدمته إلى السلطات المحلية أثناء ثورة ١٨٢٣. أما الباشا حسين فقد تولى الحكم سنة ١٨١٨ خلفا للباشا علي خوجة. وقد اشتهر بالغيرة على الدين، وباليقظة الدائمة، والميل إلى الأهالي. وكان دون الخمسين من عمره حين تولى الحكم. وقد ورث قضية الدين الذي على فرنسا لرعاياه اليهود. كما واجه عدة ضغوط من فرنسا وبريطانيا بعد مؤتمر فيينا، لإلغاء الرق وإبطال دفع الضريبة السنوية على الدول الأوروبية. والواقع أن هناك أقوالا متضاربة حول شخصيته ومزاجه وقدرته. فبعضهم

стр. 20

يتهمه بالقسوة والتهور والتهاون وبعضم يصفه بالخيرية والأمانة والشهامة (١). طلب الباشا الجديد من فرنسا أن تدفع إليه شخصيا الدين الذي عليها ليعقوب بكري ووعد بأنه سيتولى هو وليس المحاكم الفرنسية، تسديد الديون التي على بكري للدائنين. وقد ذكرنا أن المبلغ، بعد أن انخفض عدة مرات، قد استقر على سبعة ملايين فرنك. وكتب الباشا بذلك إلى الحكومة الفرنسية ولكن الرد لم يصله بدعوى أن وزير الخارجية عندئذ، وهو البارون دي دماس Damas، لم يفهم طلب الباشا ما دام سلفه قد وافق على أن تدفع فرنسا مباشرة إلى بكري. وقد اتهم الباشا القنصل دوفال بإخفاء رد فرنسا عنه. وزاد وسوء التفاهم بينهما أن يعقوب بكري قال بأنه قد دفع بعض النقود إلى القنصل الفرنسي (٢). فزاد ذلك من عدم ثقة الباشا في القنصل. ولذلك طلب الباشا من فرنسا استدعاء قنصلها ودفع الدين الذي لبكري له شخصيا. ولكن فرنسا بدلا من أن تسمي قنصلا جديدا، وهو إجراء متبع، وتكتب إلى الباشا بخصوص الدين، أرسلت سفينة حربية إلى الجزائر بقيادة الضابط فلورى طالبة من الباشا دفغ تعويضات معينة ومدعية عليه ادعاءات مختلفة (٣) وعندما تكرر طلب الباشا بتعيين قنصل فرنسي جديد ودفع الدين كررت فرنسا إرسال السفن الحربية، هذه المرة أربع، بقرار من مجلس الوزراء، وذلك في أبريل ١٨٢٧.

стр. 21

وبمناسبة عيد الأضحى الذي صادف ٢٩ أبريل ١٨٢٧ وقعت ضربة المروحة المشهورة. فقد حضر كالعادة القناصل الأجانب، ومن بينهم دوفال، لتهنئة الباشا. ودار الحديث بين الباشا والقنصل الفرنسي حول رد فرنسا على طلبه. فكان رد القنصل غامضا ولعله كان مهيأ للباشا. وقد تطور الحديث فاتهم الباشا القنصل بأنه كان السبب في عدم وصول الرد إليه مباشرة. وأمره بالخروج، وعندما لم يتحرك ضربه بالمروحة التي كانت بيده. وقد ادعى دوفال في تقريره إلى حكومته بأنه ضرب ثلاث مرات. أما الباشا فقد قال بأنه ضربه لأنه أهانه. وتذهب رواية أخرى إلى أن الضرب لم يقع أصلا ولكن وقع التهديد بالضرب (١). كان رد فرنسا على ذلك إرسال قطعة من أسطولها أمام الجزائر بقيادة القبطان كولى Collet . وقد وصلت القطعة يوم ١٢ جوان ١٨٢٧ وصعد القنصل دوفال سفينة القبطان المسماة (لابروفانس). جاء كولى يطلب من الباشا أن يأتي شخصيا إلى السفينة ويعتذر للقنصل. ولما كان معروفا مسبقا أن الباشا لن يرضى بذلك فقد اشتملت تعليمات كولى على اقتراحات أخرى، وهي: ١ - أن يستقل الباشا القبطان ورئيس أركانه والقنصل بمحضر الديوان والقناصل الأجانب ويعتذر أمامهم إلى دوفال. ٢ - أن يرسل بعثة برئاسة وكيل الحرج (وزير البحرية) إلى قطعة الأسطول الفرنسي ليعتذر باسم الباشا إلى القنصل. وفي جميع الحالات يرفع العلم الفرنسي على جميع القلاع الجزائرية، بما في ذلك القصبة وتطلق

стр. 22

مائة طلقة مدفع تحية له. وكانت تعليمات كولى تقتضي أنه في صورة قبول الباشا أحد الحلول الثلاثة يتقدم إليه بعد ذلك بعدة مطالب فرنسية تتضمن دفع التعويضات، ومعاقبة الجزائريين المسئولين عن الإضرار بالمنشآت الفرنسية، وحق تسليح هذه المنشآت في المستقبل، وإعلان الجزائر أنه لا حق لها في دين بكري، كما تقتضي التعليمات أنه في حالة عدم استجابة الباشا لواحد من الاقتراحات المذكورة يعلن الحصار رسميا على الجزائر. بناء على التعليمات أرسل كولى بالاقتراح الثالث، في ١٥ يونية، إلى الباشا وأعطاه أربعا وعشرين ساعة للرد. كان حامل هذا الإنذار قنصل سردينيا في الجزائر الكونت D'Attili الذي أصبح يرعى المصالح الفرنسية بعد انسحاب دوفال (١). كان رد الباشا على داتيلي أنه لا يفهم أنه بدلا من أن تعين فرنسا قنصلا جديدا وتكتب إليه مباشرة لجأت إلى إرسال إنذار مضحك مع ضابط بحرية. وعندما انقضى أجل الإنذار بدون رد أعلن كولى الحصار في ١٦ يونية ١٨٢٧. أما الباشا فقد أمر من جهته باي قسنطينة بالاستيلاء على المنشآت الفرنسية الواقعة في إقليمه. في نفس الشهر الذي أعلن فيه الحصار، كلف الجنرال لوفيردو Loverdo أن يعد (مشروعا يحتوي على المعلومات التاريخية والجغرافية والإحصائية والعسكرية) التي تهدف إلى القيام بحملة ضد الجزائر. وقد أنهى الجنرال عمله خلال ثلاثة شهور. ولكن الحكومة الفرنسية لم تقرر الحملة على ضوئه واكتفت بالحصار نظرا لحوادث اليونان وفراغ المخازن من الأسلحة ووجود الأسطول الفرنسي في اليونان. فكان مطلب فرنسا من باشا الجزائر مقصورا على الاعتذار لقنصلها عما ارتكبه نحوه.

стр. 23

ولكن مشاريع إعداد الحملة ظلت تكثر يوما بعد يوم. فقد كلف الضابط دوبتي - ثوار Dupetit - thouars بإعداد مشروع لمهاجمة الجزائر من البجر، ولكن الحكومة الفرنسية لم تأخذ به أيضا. ثم تولى إعداد مشروع آخر وزير الحربية عندئذ، الكونت كليرمون تونير C. Tonnerre. والواقع أنه اعتمد على مشروع بوتان السابق ذكره. وقد رأى تونير أن حملة فرنسية ضد الجزائر ضرورية وممكنة في نفس الوقت. وكان في تقريره النهائي بعض العواطف الدينية الواضحة، فقد وصف الحملة بأنها (حرب صليبية) هيأتها العناية الإلهية لينفذها الملك الفرنسي الذي اختاره (الله ليثأر من أعداء الدين والإنسانية) ويغسل الإهانة التي لحقت بالشرف الفرنسي. وأضاف تونير مخاطبا الملك (لعل الوقت سيجعل من حظنا نحن الفرنسيين تمدين الجزائريين بجعلهم مسيحيين) (١). وقد احتوى تقرير تونير، الذي كان في أهميته يشبه تقرير بوتان، وصفا للحالة الاقتصادية التي كانت عليها الجزائر والتي تغري أصحاب رأس المال والمصالح التجارية بالحملة. فقد قال إن الخزينة الجزائرية كانت تضم ١٥٠ مليون فرنك، وأن للجزائر مواني عديدة وسهولا خصبة، وغابات صالحة لبناء السفن، وهناك مناجم الحديد والرصاص وجبال من الملح والمواد الكيمائية الأخرى. وفي نفس الوقت دغدغ أحلام العسكريين حين أوصى بإقامة مستعمرات عسكرية فرنسية في الجزائر. أما في بقية تفاصيل المشروع فقد كان تونير يسير على خطى بوتان. فقد أوصى هو أيضا بالهجوم من البر بدل البحر، وأن يكون نزول القوات الفرنسية من شبه جزيرة سيدي فرج. وأما وقت الحملة فهو ما بين أبريل ويونية وتوقع لها أن تدوم ستة أسابيع. ورأى أن الحملة ستكلف الخزانة

стр. 24

الفرنسية حوالي ٥٠ مليون فرنك، وتضم ٣٣،٠٠٠ رجل، بالإضافة إلى فرقة من الخيالة وعدد من فرق المدفعية. وكان من رأيه أيضا أن فرنسا لا تحتل جزءا فقط من الجزائر بل يجب احتلالها كلها احتلالا (طويل المدى) واقترح الوزير الفرنسي سنة ١٨٢٨ موعدا للحملة لأن أوربا كانت تعيش في سلام ولأن الرأي العام الفرنسي كان متهيئا لها. وقد ناقش مجلس الوزراء مشروع تونير في جلسة ١١ أكتوبر ١٨٢٧، ولكن المجلس في النهاية قرر عدم الأخذ به آنذاك: وهناك مشروع آخر تقدم به أحد النواب في البرلمان. وقد نادى صاحبه باقامة مستعمرات عسكرية شبيهة بما فعل الرومان، وبدعوة الأوربيين أن يتوجهوا إلى الجزائر بدل الهجرة إلى أمريكا. وقال صاجب هذا المشروع إن احتلال الجزائر سيعوض فرنسا عما فقدته في منطقة الراين ويغنيها عن ثراء بعض البضائع مثل التبغ والحرير والسكر والزيت والقطن، ولكن الحكومة الفرنسية لم تقتنع بالمشروع نظرا لأن حملة الانتخابات كانت على الأبواب ولأن نتائج الحملة المقترحة ستأتي بعد إجراء الانتخابات، وبالتالي لن تؤثر في الرأي العام الفرنسي لصالح الحكومة. استمر الحصار إذن بدل الحملة. وكان الفرنسيون يهدفون من ورائه إلى قطع التموين عن الجزائر، فكان أسطولهم المحاصر يتكون من ١٢ سفينة كانت تقوم بمراقبة الموانىء الجزائرية، وكانوا يوقفون بعض السفن المشبوهة ويتجزون بعض السفن الأخرى. ولكن الحصار لم ينه عمليات القرصنة، وبالتالي لم ينجح. وفي ٣ أكتوبر وقعت معركة بين الأسطول الجزائري (١٢ سفينة، ٣٠٢٠٠ رجل، ٢٥٢ مدفعا) والأسطول الفرنسي المذكور. وقد دامت المعركة حوالي أربع ساعات ولم تسفر عن نتيجة لكل من الطرفين (١).

стр. 25

ولكن تكاليف الحصار التي بلغت سبعة ملايين فرنك سنويا، والخوف من الحرب مع بريطانيا أو مع أسبانيا، إذا ما تحول الحصار إلى حملة عسكرية، وتغيير الحكومة الفرنسية خلال ٤ يناير ١٨٢٨.كل هذه العوامل جعلت فرنسا تفتح باب المفاوضات مع الجزائر هادفة إلى إلغاء الحصار بطريقة (مشرفة)، ففي ٢٩ أبريل عام ١٨٢٨ ذهبت إلى الجزائر بعثة للتفاوض بقيادة الضابط بيزار Bézard، ولكن البعثة فشلت لإصرار الباشا على عدم دفع تعويضات إلى فرنسا. وتلا ذلك بعثة أخرى بقيادة بيزار نفسه التي فشلت أيضا لأن الباشا رفض أحد الشروط الفرنسية الأساسية وهو إرسال وزير من حكومته إلى باريس للاعتذار، واشترط أن يفعل ذلك فقط بعد توقيع معاهدة صلح مع فرنسا. أما الفرنسيون فقد عزوا فشل البعثة إلى (طيبة) القنصل السرديني في الجزائر الذي كان يرعى المصالح الفرنسية، وإلى نشاط القنصل الإنكليزي المضاد، ثم إلى المترجم اليهودي دوران Duran ، الذي اتهموم بعدم نقل الحقيقة. وأمام فشل المفاوضات عاد الفرنسيون إلى التفكير في الحملة ضد الجزائر. ففي صيف ١٨٢٨ كلف وزير الحربية الجديد دي كو De caux لجنة خماسية (لدراسة المسائل المتعلقة بحملة ضد الجزائر وتقديم خطة كاملة للعمل وتعيين الوسائل الضرورية للتنفيذ (١). وقد كانت هذه اللجنة تضم الجنرال بيرج الذي كان قد أرسل سنة ١٨٠٢ للتجسس على تحصينات الجزائر، وكان رئيسها هو الجنرال لوفير دو الذي سبقت الإشارة إليه. قامت اللجنة بجمع المعلومات من كتب الرحالة وأخبار الأسرى الأوربيين والمذكرات التي كتبت عن الحملات السابقة ضد الجزائر من

стр. 26

عام ١٦٢٨ إلى ١٨٠٨. كان رأي اللجة بخصوص مكان النزول وعدد الجنود والمعدات هو تقريبا رأي بوتان وتونير. وقدرت أن تغادر الحملة ميناء طولون في منتصف أبريل وتعود حوال نهاية شهر أغسطس، كما قدرت تكاليف الحملة ب ٢٠ مليون فرنك. ومن جهة أخرى ذكرت اللجنة بعض التفاصيل في جدول الهجوم على الأماكن العامة مثل قلعة مولاي جسن والقصبة، وتوقعت أن تشتبك القوات الفرنسية في معركة حاسمة ضد قوات البايات الثلاثة مجتمعة في اليوم العشرين من النزول. ونظرا لوجود معارضة قوية في البرلمان، والخسارة الاقتصادية التي تسبب فيها الحصار، وللظروف الدولية، قررت الحكومة الفرنسية أن تفاوض من جديد سنة ١٨٢٩. وقد أرسلت القبطان دى نيرسيا De Nerciat إلى الجزائر في مهمة نحو الباشا حسين، على أن تفتح محاولته الطريق أمام قائد الحصار الجديد وهو بريتونيير Bretonnière الذي خلف كولى. وقد صدرت التعليمات بأن يصحب قائد الحصار، عندما يأتي دوره في المفاوضة، مترجما فرنسيا بدلا من اليهوي دوران. وتمت خطة الاجتماع بين الباشا وقائد الحصار على ما يرام، ولكن النتيجة كانت سلبية. فقد طلب قائد الحصار من الباشا إرسال وفد سام إلى باريس للاعتذار والتقارض. ولكن الباشا استغرب ذلك وأصر على عقد الصلح في الجزائر أو لا يقبل إرسال الوفد. وأثناء عودة الوفد الفرنسي خائبا أطلقت المدافع على سفينة قائد الحصار (لابروفانس) من التحصينات الجزائرية. ويقول الجزائريون إن السفينة اقتربت كثيرا من التحصينات، أما الفرنسيون فيقرون بذلك ولكنهم يعزونه إلى شدة الرياح. وقد أصيبت السفينة ببعض العطب ولكن قائدها نجح في الهروب بها سالما. وكانت الحادثة قد جرت بتاريخ ٣ أغسطس عام ١٨٢٩. ومما يذكر أن الباشا قد تبرأ من الحادث وعبر

стр. 27

عن أسفه لوقوعه، وعاقب وزير البحرية وقائد الميناء بالطرد من منصبهما. ولكن الحادث قد وقع على أية حال، وأدى إلى زيادة تعقد العلاقات بين الطرفين وسوء التفاهم بينهما. ومما وسع الشقة أيضا مجيء دي بولينياك إلى رئاسة الوزارة الفرنسية في أواخر سنة ١٨٢٩، وقد كانت له مشاريع عريضة لا بالنسبة للجزائر فقط ولكن بالنسبة لأوربا والشرق أيضا. ومن جهة أخرى تغير وزير البحرية وأصبح هو البارون دي هوسي D'Haussez الذي كان يرى ضرورة القيام بحملة ضد الجزائر في ربيع ١٨٣٠. وقبل أن يصبح بولينياك رئيسا للوزارة كان قد استقبل عندما كان وزيرا للخارجية، (سبتمبر عام ١٨٢٩) وفدا قادما من مصر يحمل آراء عرفت فيما بعد باسم (مشروع محمد على) لحل قضية الجزائر (١). وبناء على المشروع فقد عرض محمد على على فرنسا أن تساعده في أن يصبح حاكما على طرابلس وتونس والجزائر، واقتراح أن يمر جشيه بالساحل الأفريقي الشمالي محميا بأسطول فرنسي بحري. وطلب من فرنسا أن تمده مقدما بأربع سفن و٢٨ مليونا من الفرنكات، وكان يرى أن السلطان العثماني سيكون راضيا لأن المشروع سيجعله يحصل على جزية سنوية شبيهة بالتي يدفعها إليه محمد علي من مصر، وسيرضي المشروع أيضا فرنسا لأنها ستتخلص عن مشكلة الجزائر، وأوربا لأنها ستتخلص من القرصنة. وقد قال محمد علي للقنصل الفرنسي في القاهرة عندئد أنه قادر على إنهاء المشكلة الجزائرية بتجنيد ٦٨ ألف رجل و٢٣ سفينة وتوفير مائة مليون فرنك لتغطية نفقات الحملة.

стр. 28

أما بولينياك فقد كان يرى منذ عام ١٨١٤ ضرورة الربط بين قضية مصر وشمال أفريقية. وكان يرى أن ذلك سبيل مأمون إلى نشر التأثير الفرنسي في المنطقة. وعندما كان سفيرا لبلاده في لدن (١٨٢٨) تحادث مع زملائه بشأن فوائد فرنسا من حملة ضد الجزائر وفوائد أوربا أيضا. وحين وصل إلى الحكم بدأ يبحث عمن يكون آلة في تنفيذ خطته، ولا سيما في تلك الظروف التي كانت فيها غير قادرة على القيام بمشروع الحملة بنفسها مباشرة. لذلك رحب باقراحات محمد علي وأرسل الضابط هودير Hunder إلى مصر للتفاوض. كما أرسل تعليمات إلى سفير فرنسا في اسطانبول بجس نبض السلطان حول الموضوع. ويقال أن التعليمات قد تضمنت إقناع السلطان بأن الحملة إذا قام بها محمد علي ستحقق: ١ - جزية هامة من الولايات الثلاث المتمردة عليه. ٢ - عدم إرسال الجنود الفرنسيين إلى الجزائر. وقد قيل أن رأي الديوان العثماني كان في صالح المشروع في البداية ثم وقع التراجع عنه. ثم تغير الموقف وحاول العثمانيون إقناع السفير الفرنسي بأن تأييد الخطة يخالف الدين الإسلامي وأن محمد علي لن يقدر على تنفيذ الخطة. وبدلا من التأييد وافق الديوان على إرسال شخصية هامة للتعرف على موقف باشا الجزائر والتوسط في إيجاد حل سلمي بين الجزائر وفرنسا. هذه الشخصية هو السيد خليل أفندي الذي كان صديقا لباشا الجزائر والذي كان دبلوماسيا ماهرآا. وقد وصل إلى الجزائر في شهر ديسمبر ١٨٢٨. ولكن أفندي فشل في مهمته، ويعود ذلك إلى شروط فرنسا التي تصر على إعادة حق صيد المرجان وإقامة منشآت مسلحة ونحو ذلك في الجزائر. ومن جهة أخرى عارض كل من وزير الحربية بورمون ووزير البحرية

стр. 29

دى هوسي مشروع محمد علي عند مناقشته في مجلس الوزراء، لأن المشروع، على ما هو عليه، يعتبر إهانة للشرف الفرنسي في نظرهما. فمحمد علي لم يكن في نظرهما يختلف كثيرا عن حسين باشا: كلاهما (بربري) وقد هدد هوسي بالاستقالة إذا منحت فرنسا الأربع سفن إلى محمد علي. لذلك اضطر بولينياك إلى تعديل المشروع بتخفيض المعونة إلى ١٠ ملايين، أما السفن فتعار فقط. واشترط أن تكون فرنسا (مشاركة) في الحملة بأسطول هام يحمي جيش محمد علي من البحر، وبقوة هامة من الجنود والمهندسين للمشاركة في الحصار والهجوم. وفي ١٢ أكتوبر ١٨٢٩ وافق الملك الفرنسي على المشروع المعدل وفي الحال أرسل بولينياك بعثة إلى محمد علي لحقت (يهودير) الذي كان ما يزال في طولون ينتظر سفينة تحمله إلى مصر. وقد وصل إلى الاسكندرية في ١٦ نوفمبر. ولكن مجلس الوزراء الفرنسي قرر خلال جلسة ١٩ ديسمبر عام ١٨٢٩ أن تقوم فرنسا وحدها بالحملة ضد الجزائر. وفي العشرين منه وافق الملك على ذلك مبدئيا أيضا. وفي نفس اليوم عاد هودير يحمل رفض محمد علي للمشروع المعدل. ومع ذلك لم ييأس بولينياك من التعاون مع محمد علي. ففي جلسة ٣ يناير عام ١٨٣٠ اقترح مجلس الوزراء تعديلا جديدا على المشروع. فقد قرر دفع ٢٠ مليونا (كما اشترطها محمد علي) نصفها عند تحرك الجيش المصري ونصفها الباقي بعضه عند الوصول إلى طرابلس وبعضه الآخر عند الوصول إلى تونس. وقرر أيضا دفع ٨ ملايين في مقابل السفن الأربع التي رفضت فرنسا إعطاءها أو إعارتها. ومن جهة أخرى قرر مجلس الوزراء إرسال الأسطول الفرنسي لحماية الحملة ابتداء من الاسكندرية. وفي ٢٠ يناير وصل هودير من جديد عند محمد علي بالاقتراح المعدل، وقد رضي محمد علي بالاقتراح. ولكن حملة صحفية واسعة جعلت الحكومة الفرنسية تغير موقفها.

стр. 30

فقد وصفت بعض الصحف مشروع محمد علي - بولينياك بأنه (غير ممكن، فظيع، مهزلة، أي مجد لفرنسا أن تستعمل مسلما ضد مسلم). كما أن روسيا وانكترا اعترضتا على المشروع. وهكذا أرسلت الحكومة الفرنسية رسولا آخر إلى محمد علي في (٦ فبراير عام ١٨٣٠) يعرض عليه ثمانية ملايين فرنك إذا اكتفى بطرابلس وتونس. أما الجزائر فقد رأت أن تتولاها فرنسا بنفسها. عندئذ يئس محمد علي وقطع المفاوضات مع الفرنسيين قائلا (إنهم لن يصلوا أبدا إلى الجزائر، وإذا وصلوا فلن يجرؤوا على البقاء فيها لمعارضة بريطانيا لهم) (١). وهكذا ففي جلسة ٣٠ يناير ١٨٣٠ قرر مجلس الوزراء الفرنسي، بعد دراسة استغرقت أربع ساعات، القيام، بحملة ضد الجزائر. وفي ٧ فبراير أقر الملك شارل العار مشروع الحملة وأصدر مرسوما ملكيا بتعيين الكونت دى بورمون قائدا عاما للحملة والأميرال دوبيرى قائدا للأسطول. وقد بدأت الاستعدادات الحثيثة لتنفيذ المشروع. ...

стр. 31

الفصل الثاني استعدادات الجزائر لمواجهة الحملة بينما كانت فرنسا تستعد للقيام بحملة عسكرية ضد الجزائر كانت هذه تستعد أيضا لمواجهة الحملة. وقد عرفنا استعدادات فرنسا ويهمنا الآن أن نعرف استعدادات الجزائر. ونلاحظ مند البداية أن مكان نزول القوات الفرنسية لم يكن محصنا، ويرجع ذلك إلى القيادة العسكرية التي سنعرف موقفها بعد قليل. ونلاحظ أيضا أن فرنسا قد أنزلت قواتها في سيدي فرج (١٤ يونيه عام ١٨٣٠) بدون مقاومة. كانت هناك بعض المدافع التي نصبت عند بداية التوتر بين الدولتين، ولكنها لم تكن كافية لمواجهة أو لصد الأسطول الفرنسي. نصب القائد العام الفرنسي (بورمون) مقر قيادته في زاوية المرابط سيدي فرج. وكانت الزاوية تشرف على الخليج بكامله. وكانت تضم مسجدا صغيرا يحوطه جدار وبعض الغرف، وحول الزاوية كانت مزارع الشعير والحنطة وأشجار التين والبرتقال والزيتون. تتوسطها نخلة وحيدة عالية. وداخل المسجد صندوق ذخائر سيدي فرج المرصع بالفضة والمرجان. وكانت ترفرف فوق المسجد أعلام وقطع ملونة من القماش الحريرى. وقد استقر كل أحد من الفرنسيين حيث شاء. فقد نصب بورمون قيادته في المسجد نفسه الذي أصبح له بمثابة مجلس وزارة وغرفة نوم في نفس الوقت. أما المتصرف العام فقد استقر تحت النخلة الوحيدة. كان حسين باشا على علم بتفاصيل الحملة قبل وقوعها، ولكن يبدو

стр. 32

أنه لم يكن على علم بمكان نزولها. فقد كان يعتقد أنها لن تتعدى الضرب من البحر شأنها شأن الحملات الأوربية السابقة. وما دام قد حصن الواجهة البحرية فانه لا خوف من عواقب الحملة. ومن جهة أخرى كان لا يزال على الاعتقاد بأن الفرنسيين لن يتخلوا عن فكرة التفاوض رغم استعداداتهم للحملة، وكان يساعده على اعتقاده كثرة الرسل والبعثات التي جاءت طالبة التفاوض منذ إعلان الحصار. ولعل الباشا كان يعتمد أيضا على مساعدات بريطانيا التي كان قنصلها، بالإضافة إلى قنصل نابولي ; يقوم بنشاط ملحوظ منذ عام ١٨٢٧. وقد كانت مصالح بريطانيا تقتضي استمرار النظام القائم في الجزائر كما كانت مصالحها تقتضي ذلك في المشرق. وحين كتب محمد علي ناصحا الباشا رد عليه هذا بأن يبيع الفول للمسيحيين بدل إعطائه النصائح بدون جدوى. وقد كان حسين باشا قد بعث برسله للتجسس على أخبار الفرنسيين في إيطاليا وأسبانيا ومرسيليا وطولو ن وباريس وجبل طارق ومالطة (١) ; وحين جاءته هذه الرسل تنذره بأن فرنسا تستعد للقيام بحملة اعقد أن ذلك لن يتعدى غارة بحرية ستتفشل لا محالة. ولكن حين بلغ حسين باشا أن جيشا فرنسيا قد نزل فعلا في سيدي فرج وإنه في طريقه لضرب العاصمة من البر أخذه الخوف، فجنوده الانكشاريون الذين كانوا يشكلون جيشه النظامي لم يكونوا يتجاوزون ٦٠٠٠ رجل، وهي قوة صغيرة لا تكفي حتى للإبقاء على الأمن والنظام محليا. وأمام هذا الوضع رفع الجزائريون رؤوسهم التي كانت مطأطأة وبدأوا يعتدون على الجنود الأتراك في الليل ويلوذون بالفرار. وحين اثتكى الجنود إلى الباشا نصحهم بغض النظر. وحاول حسين أن يتقرب من الأهالي أيضا

стр. 33

بعزل المفتي الحنفي (شيخ الإسلام) وتعيين مفتي عربي مكانه، وباستشارة الزعماء الأهليين أمثال حمدان خوجة وبوضربة. وقد واجه حسين مشاكل محلية أهمها مؤامرة أنصار الآغا يحيى الذي كان حسين قد أمر بقتله سنة ١٨٢٧. كان الآغا يحيى محبوبا من الجيش ومن العرب معا. وقد تولى قيادة الجيش حوالي ١٢ سنة في عهد حسين باشا. وكان قد حضر معارك كثيرة محلية فاكتسب خبرة واسعة بأحوال البلاد ونفسية الأهالي. وكان نشيطا طموحا وموهوبا. وهذه الخصائص هي التي جعلته محل شك، ولا سيما من أعدائه أمثال الخزناجي الذي كان يغار منه ويخشى صعوده إلى منصب الباشا. لذلك وجهت اليه تهمة التآمر فعزله الباشا ونفاه إلى مدينة البليدة. (حوالي ٥٠ كيلومترا من العاصمة). ولكن الآغا السابق استمر في اتصالاته. ولا سيما مع العرب الذين قيل إنهم كانوا يزورونه ليلا ويعدون معه خطة للاستيلاء على الحكم. وبعد مواجهته بوثائق (مزورة) تثبت تآمره لقلب النظام حكم عليه الباشا بالموت. ولكن موته لم ينه الخوف منه، فقد ظل (كابوسا) يخيف حسين باشا. ذلك أن أنصار القتيل قاموا بتنظيم مؤامرة للثأر له. وقد كانوا حوالي ٤٦ شخصا، وكان زعيمهم يدعى مصطفى تيشته. وكان المتآمرون قد اتفقوا أن يغتنموا فرصة العيد ويذهبوا إلى القصبة ويتقدمون، وهم مسلحون، من الباشا لتقبيل يده. وهناك يغتالونه ويقضون على وزرائه ويستولون على السلطة ويفتحون المفاوضات مع فرنسا. فإذا لم تقبل هذه شروطهم يستدعون انكلترا للتدخل. ولكن المؤامرة اكتشفت وأمر حسين (١) هو السيد محمد العنابي الذي سيرد ذكره (أنظر الفصل الخاص بمحضر الجزائر) ولكن ابن العنابي كان حنفيا أيضا. أنظر عنه دراستنا المنشورة في الكتاب التذكاري المقدم إلى الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، القاهرة، ١٩٧٦.

стр. 34

باشا بقتل سبعة من أعضائها. ومنذئذ أصبح حسين يحقد على جنوده الأتراك وحاول أن يستعين بالجزائريين بدلا منهم. تولى القيادة بعد يحيى صهر حسين باشا وهو الآغا ابراهيم. وقد كان ابراهيم هذا عاجزا عن أداء مهمته. فهو لم يكتف يبعدم القيام بأية استعدادات لصد العدو بل إنه عارض اقتراحات زملائه، أمثال الحاج أحمد باي قسنطينة بعدم تعريض الجيش كله إلى لقاء واحد مع العدو، ووجوب مقاومة العدو في حرب مناوشات وليس في حرب مواجهة. وكان ابراهيم يقول لهم دائما إنه الوحيد الذي كان يعرف مناورات وتكتيك العدو الحربي. وقد تلقى كل جندي من ابراهيم عشر رصاصات فقط كانت في نظره تكفي للإطاحة بنصف الجيش الفرنسي (وبعد ذلك ليس هناك حاجة لتوزيع البارود). عين ابراهيم قائدا للجيش إثر ضرب السفينة الفرنسية (لابروفانس) (٣ أغسطس ١٨٢٩). وقد سلمت له عندئذ خطة الفرنسيين في الهجوم ومكان نزول قواتهم وعدد جنودهم ومدافعهم. ومع ذلك لم يستعد لأي شيء وكان يدعي أن الجزائريين (القبائل) سيرغمرن الفرنسيين على الفرار منذ نزولهم على الأرض. ولكنه لم يصدر أوامره لهؤلاء الجزائريين لكي يأتوا من بواديهم لمواجمة العدر في سيدي فرج، فكان كل جيشه مكونا، كما يقول خوجة، من أهالي متيجة الذين لا يعرفون سوى بيع الحليب (١)! وكان ابراهيم يدعي أن لديه ٥،٠٠٠ من المغامرين سيذهبون ليلا إلى معسكر العدو ويشيعون فيه الفوضى والاضطراب حتى يقتل الفرنسيون بعضهم بعضا. أما أهل جرجرة فقد تخلوا عن ابراهيم وذهبوا في حالهم لأنه

стр. 35

لا يعطهم لا ذخيرة ولا مؤونة: (فلو كان الآغا يحيى على رأس الجيش الجزائري (بدل ابراهيم) لكانت الأمور أحسن حالا لأن تجاربه في البحر والبر وشجاعته في كل المناسبات تكون ضمانا للجندي الذي يعمل تحت أواره (١). أما الأغا إبراهيم فقدكان لا يوحي إلا باليأس والفشل. أرسل حسين باشا المراسيل إلى داخل البلاد يدعون إلى الجهاد ضد الفرنسيين. وقد استجاب لندائه الرسميون والأهالي على السواء. فوعده لحاج أحمد باي قسنطينة ب ٣٠،٠٠٠ محارب، ووعد حسن باي وهران ب ٦،٠٠٠ محارب بقيادة الخليفة، نظرا لكبر سن الباي، ووعد مصطفى بومزراق باي التيطرى ب ٢٠،٠٠٠ محارب، وجمع شيوخ جرجرة بين ١٦ و١٨ ألف محارب، وجمع أهالي ميزاب حوالي ٤،٠٠٠ محارب. وأرسل حسين أيضا إلى باي وهران يأمره بتحصين الميناء كما أرسل إلى باي قسنطينة يأمره بتحصين ميناء عنابة ويستقدمه إلى العاصمة طبقا للتقاليد التي تقتضي القدوم كل ثلاث سنوات، وأمر الباشا أيضا بإجراء إحصاء لعمال مدينة الجزائر وإرسالهم إلى القلاع للدفاع عنها. ورغم هذه الاستعدادات الظاهرية فإن الواقع كان يكشف عن بعض الأخطاء. فبدلا عن أن يستعمل حسين هذه القوات في صد الهجوم الفرنسي من سيدي فرج أبقاه بعيدة عن العاصمة بعدة كيلومرات. وحين عبر له بعض الأجانب عن استغرابه من هذا الإجراء أجابه حسين بأنه فعل ذلك ليسهل تحطيم العدو. كان حسين ينظر بثقة إلى جنوده وتحصيناته، وكان يعتقد أن القصبة لا تهزم وأنها تستطيع أن تقاوم عدة سنوات. ولم يدعم معسكراته سوى ببعض مئات من الجنود، ولكنه حصن الميناء وزوده بثلاث سلاسل على الأقل نصبت خلفها المدافع. وفي اليوم الذي نزل فيه

стр. 36

الجيش الفرنسي في سيدي فرج لم يكن هناك لا مدافع ولا خنادق (١). ولم يكن لدى الآغا ابراهيم أكثر من ٣٠٠ فارس. وكان باي قسنطينة لا يملك إلا عددا قليلا من المحاربين. أما باي التيطري فقد كان ما يزال في عاصمة إقليمه (المدية) ولم يصل إلا بعد عدة أيام من نزول الجيش الفرنسي. أما جيش إقليم وهران فلم يكن بعيدا عن سيدي فرج وكان تحت قيادة خليفة الباي. وكان باي التيطري قد وعد الباشا ٢٠،٠٠٠ فارس، منهم ١٠ آلاف برماحهم (٢)، ولكنه حين وصل إلى الميدان لم يأت معه بأكثر من ألف رجل. هذه القوات كانت مجتمعة في معسكر (اسطاويلي). وكان الآغا ابراهيم مع فرقة من سكان متيجة وأخرى من أعالي جرجرة. كانت القوات تذهب كل يوم إلى معسكر الحراش الواقع شرقي العاصمة والذي يبعد مسافة أربع ساعات من اسطاويلي وتعود منه كل صباح. وقد رفض ابراهيم استراتيجية باي قسنطينة التي تقوم على توزيع القوات الجزائرية - العثمانية وجعل جزء منها غرب سيدي فرج حتى تمنع العدو من تحقيق هدفه وهو العاصمة. وقد انتقد الباي أحمد الخطة قائلا بأن وضع القوات على ما هي عليه سيكون (مرشدأ) للقوات الفرنسية في زحفها نحو العاصمة ونادى بضرورة العناية بالجيش وأن يأخذ كل قائد مجموعة منه ويعدها إعدادا كافيا. كما طالب الباي أحمد بضرورة حفر الخنادق حول المعسكر. ولكن رد الآغا ابراهيم على هذه الاقتراحات كان سلبيا ومثبطا. فقد أجاب الباي بأنه لا يعرف التكتيك الحربي الأوربي الذي يخالف التكتيك الحربي العربي. فلم يسع الباي سوى الصمت , وفي آخر لحظة اقتنع الآغا

стр. 37

بضرورة حفر الخندق الذي كان يرى أنه سيكون معطلا لجيشه لا لجيش العدو. وقد أذاع الجيش بأن كل عربي بدون سلاح يأتي ويأخذه وعندما حضر والديه ليلا أعطاهم الفؤوس بدلا من الأسلحة وأمرهم بحفر الخندق. فثم ذلك في ليلة واحدة، ولكن الخندق كان غير مفيد في النهاية فلم يحم المدافع ولم يعرقل سير تقدم العدو. ومن جهة أخرى رفض الآغا معاقبة جندي انكشاري قتل جزائريا لكي يبيع رأسه في المدينة على أنه رأس جندي فرنسي. وقد أثار هذا الحادث حفيظة الجنود الجزائريين الذين كانوا في جيشه. وأثناء هذه الساعات الحرجة جاء جزائري يدعى أحمد بن شنعان إلى المعسكر الفرنسي للتعرف على ما إذا كان الفرنسيون قد جاءوا مستعمرين أو محررين. وبعد قضاء ليلة واحدة تركوه يعود من حيث أتى بعد أن زودوه بنسخ من (البيان) الذي كانوا قد وجهوه إلى الجزائريين أهالي المغرب العرب عامة، والذي يوضح أن الفرنسيين قادمون إلى الجزائر للانتقام لشرفهم من الباشا وأنهم سيعاملون الجزائريين كما عاملوا (إخوانهم) المصريين من قبل (١). وفي نفس الوقت توجه مترجم سوري في الجيش الفرنسي إلى المعسكر الجزائري محاولا إقناع القيادة بالتفاوض مع الفرنسيين، ولكنه حمل من هناك إلى حسين باشا الذي أمر بقتله بعد أن ظن أنه يحاول التأثير عليه بوصفه للقوات الفرنسية بالكثرة والضخامة (٢). وهناك عدة أمثلة على تهاون الآغا ابراهيم. فقد ذكر حمدان خوجة أنه حضر العشاء ليلة معركة اسطاويلي مع القواد: باي قسنطينة، وخليفة باي وهران وباي التيطري، وخوجة الخيل، بالإضافة إلى الآغا ابراهيم.

стр. 38

وقد انفرد بحمدان خوجه وأخبره بأن فلانا وفلانا قد ذهبوا إلى المعسكر الفرنسي وأظهروا أنفسهم أصدقاء لفرنسا وأعطوا العدو تقارير خاطئة عن حالة البلاد وحالة الجيش. وكان ابراهيم قد استلم نقودا من حسين باشا لتوزيعها على المحاربين لتشجيعهم ولكنه لم يعط أحدا منهم شيئا. ووعد الباشا أيضا الجزائريين بأن كل من يحمل إليه رأس عدو يعطيه ٥٠٠ فرنك، وكلف الآغا بدفع المبلغ في مكانه مقابل وصل استلام، ولكن الآغا لم يدفع شيئا وكان يقول لمن يأتيه برأس العدو تعال خذ المبلغ بعد المعركة. وفي صباح المعركة بالذات خرج ابراهيم وحاشيته من المعسكر إلى سيدي فرج تاركا المعسكر خاليا إلا من حوالي ٤٠ شخصا كانوا يحرصون الأثاث، ولكنهم كانوا بدون سلاح (١). ويذكر خوجة أيضا أنه قد خرج ذات ليلة ومشى إلى وسط المعسكر وذهب إلى خيمة الآغا ابراهيم لقضاء بعض حاجته وعاد من حيث أتى دون أن يشعر به أحد ودون أن يرى أي علامة للاستعداد ضد هجمات العدو (٢). فمن كان المخطىء حقا: إبراهيم نفسه أو حسين باشا الذي عين صهره أغا الجيش؟ إن بعض المعاصرين للحملة يرون أن تعيين ابراهيم كان خطأ فادحا ارتكبه حسين باشا لم يرتكب مثله خلال حكمه الطويل. (إنها غلطة رئيسية لا تغتفر). وهو حكم صادر من صديق لحسين باشا. وسنعرف أن حسين كان يصر على الإبقاء على الآغا حتى بعد هزيمته في أسطاويلي. إن حسين هو الذي عزل الآغا يحيى وعين خلفا له قائدا جاء ليحارب فرنسا (بدون جيش منظم، وبدون ذخيرة، وبدون مؤونة، وبدون شعير للخيل، وبدون المقدرة الضرورية على مواجهة الحرب) (٣).

стр. 39

عند الهزيمة في اسطاويلي (١٩ يونية عام ١٨٣٠) هرب ابراهيم من الميدان وترك خلفه الجيش والخيام، والفرقة الموسيقية والأعلام. وقد اختفى في دار ريفيه مع بعض خدمه. وبدل أن يعزله حسين باشا في الحين ويعين خلفا له يعيد الروح المعنوية للجيش ويواجه به العدو الزاحف، أرسل حمدان خوجة إليه الذي كان موضع ثقته ليحاول إقناعه بضرورة استلام القيادة من جديد. وقد وجده خوجة محطم المعنويات منكسر القلب. وبصعوبةكبيرة أقنعه بضرورة الاستمرار في مهمته. ولكن الأغا الذي كان طفلا في تصرفاته لم يستطع أن يواصل مهمته. فعندما تقدم الجيش الفرنسي من أسطاويلي مارا بمعسكر سيدي خلف اختفى ابراهيم من جديد. وأمام ذلك عزله حسين باشا ودعا المفتي (١) وأعطاه سيفا وأمره بحمع الشعب وإقناع الناس بالجهاد دفاعا عن البلاد. كان المفتي رجلا فاضلا ولكنه كان صالحا للإفتاء لا للقيادة ومن جهة أخرى أحاط به بعض رجال الحضر وحاولوا إقناعه بأن الأمل ضعيف في النجاح، وأن الباشا يخوض معركة خاسرة، وأن (الشعب بدون قائد). وفي نفس الوقت كان الجيش الفرنسي يقترب من قلعة (مولاي حسن) (قلعة الامبراطور)، فزاد ذلك الأفكار بلبلة والأمل بنجاح المقاومة بعدا. أما قيادة الجيش فقد تولاها الباي مصطفى بومزراق. ولكن تبديل القيادة في مثل تلك الظروف لم يكن يدل على الحكمة وبعد النظر. ورغم أن القائد الجديد كان يمتاز بالشجاعة والتجربة فإنه اكتفى بجمع الغنائم واختيار البنادق الطويلة لإطلاق الرصاص بنفسه على الفرنسيين. ومما زاد الأمر سوءا أن حسين باشا كان يثق في وزير ماليته (الخزناجي) الذي كان في الواقع يتآمر عليه. وكان الخزناجي طموحا

стр. 40

إلى درجة المبالغة وغيورا إلى درجة الحقد. وقد أودت آراؤه بحياة الآغا يحيى من قبل، وهو الآن يعمل للاستيلاء على الحكم من يد حسين. وكان يتقرب من الانكشارية الذين لا يصعد أي متآمر إلى السلطة إلا بأيديهم. كان الخزناجي قد عين للدفاع عن قلعة مولاي حسن. ومن هناك بدأ يعد مشروعا للتفاوض مع الفرنسيين على شروطهم. وكان نشاطه يزداد كلما اقترب الجيش الفرنسي من القلعة. وكان لا يبالي بترك أبواب القلعة مفتوحة، أما الذين كانوا معه فقد كانوا مستعدين للفرار في أية لحظة، ولاضطرابه نسف مخزن البارود الصغير الذي كان في القلعة فأحدث ضجة وزلزالا هائلا اهتزت له المدينة. ولو نسف المخزن الكبير لأحدث أضرارا كبيرة بالمدينة والسكان. وبعد استيلاء الفرنسيين على قلعة مولاي حسن جمع حسين باشا أمناء الطوائف وأعيان المدينة ورجال القانون والدين وشرح لهم الوضع الذي عليه البلاد وطلب منهم النصيحة فيما يفعل لمواجهة الوقف. وقد وضع أمامهم السؤال التالي: هل يعتقدون أنه من الصواب مواصلة المقاومة ضد الفرنسيين أو يجب تسليم المدينة إليهم (الفرنسيين) والتوقيع معهم على معاهدة استسلام. ولكن الحاضرين وجدوا أنفسهم في حرج، فهل ينصحون بالاستسلام بينما قد يكون رأيه هو المقاومة؟ وبعد تقليب الموضوع من عدة وجوه أجابوه بجواب غامض، وهو أنهم على استعداد لمواصلة الحرب، لكن إذا كان رأيه غير ذلك فهم يطيعون أوامره. وشيئا فشيئا بدأت روح الهزيمة تدب في أوصال الجهاز الإداري والجهاز الاجتماعي أيضا. وقد كان للبيان الذي وزعه الفرنسيون بمهارة تأثير كبير على بعض الأشخاص الذين يسمون أنفسهم بالمعتدلين (١). وكان هؤلاء قد اقتنعوا بأن الفرنسيين قد جاءوا حقا (محررين) للجزائريين من
следующие страницы →