← История

История · id 123656

محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (166 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الجيش الفرنسي في سيدي فرج لم يكن هناك لا مدافع ولا خنادق (١). ولم يكن لدى الآغا ابراهيم أكثر من ٣٠٠ فارس. وكان باي قسنطينة لا يملك إلا عددا قليلا من المحاربين. أما باي التيطري فقد كان ما يزال في عاصمة إقليمه (المدية) ولم يصل إلا بعد عدة أيام من نزول الجيش الفرنسي. أما جيش إقليم وهران فلم يكن بعيدا عن سيدي فرج وكان تحت قيادة خليفة الباي. وكان باي التيطري قد وعد الباشا ٢٠،٠٠٠ فارس، منهم ١٠ آلاف برماحهم (٢)، ولكنه حين وصل إلى الميدان لم يأت معه بأكثر من ألف رجل. هذه القوات كانت مجتمعة في معسكر (اسطاويلي). وكان الآغا ابراهيم مع فرقة من سكان متيجة وأخرى من أعالي جرجرة. كانت القوات تذهب كل يوم إلى معسكر الحراش الواقع شرقي العاصمة والذي يبعد مسافة أربع ساعات من اسطاويلي وتعود منه كل صباح. وقد رفض ابراهيم استراتيجية باي قسنطينة التي تقوم على توزيع القوات الجزائرية - العثمانية وجعل جزء منها غرب سيدي فرج حتى تمنع العدو من تحقيق هدفه وهو العاصمة. وقد انتقد الباي أحمد الخطة قائلا بأن وضع القوات على ما هي عليه سيكون (مرشدأ) للقوات الفرنسية في زحفها نحو العاصمة ونادى بضرورة العناية بالجيش وأن يأخذ كل قائد مجموعة منه ويعدها إعدادا كافيا. كما طالب الباي أحمد بضرورة حفر الخنادق حول المعسكر. ولكن رد الآغا ابراهيم على هذه الاقتراحات كان سلبيا ومثبطا. فقد أجاب الباي بأنه لا يعرف التكتيك الحربي الأوربي الذي يخالف التكتيك الحربي العربي. فلم يسع الباي سوى الصمت , وفي آخر لحظة اقتنع الآغا

стр. 37

بضرورة حفر الخندق الذي كان يرى أنه سيكون معطلا لجيشه لا لجيش العدو. وقد أذاع الجيش بأن كل عربي بدون سلاح يأتي ويأخذه وعندما حضر والديه ليلا أعطاهم الفؤوس بدلا من الأسلحة وأمرهم بحفر الخندق. فثم ذلك في ليلة واحدة، ولكن الخندق كان غير مفيد في النهاية فلم يحم المدافع ولم يعرقل سير تقدم العدو. ومن جهة أخرى رفض الآغا معاقبة جندي انكشاري قتل جزائريا لكي يبيع رأسه في المدينة على أنه رأس جندي فرنسي. وقد أثار هذا الحادث حفيظة الجنود الجزائريين الذين كانوا في جيشه. وأثناء هذه الساعات الحرجة جاء جزائري يدعى أحمد بن شنعان إلى المعسكر الفرنسي للتعرف على ما إذا كان الفرنسيون قد جاءوا مستعمرين أو محررين. وبعد قضاء ليلة واحدة تركوه يعود من حيث أتى بعد أن زودوه بنسخ من (البيان) الذي كانوا قد وجهوه إلى الجزائريين أهالي المغرب العرب عامة، والذي يوضح أن الفرنسيين قادمون إلى الجزائر للانتقام لشرفهم من الباشا وأنهم سيعاملون الجزائريين كما عاملوا (إخوانهم) المصريين من قبل (١). وفي نفس الوقت توجه مترجم سوري في الجيش الفرنسي إلى المعسكر الجزائري محاولا إقناع القيادة بالتفاوض مع الفرنسيين، ولكنه حمل من هناك إلى حسين باشا الذي أمر بقتله بعد أن ظن أنه يحاول التأثير عليه بوصفه للقوات الفرنسية بالكثرة والضخامة (٢). وهناك عدة أمثلة على تهاون الآغا ابراهيم. فقد ذكر حمدان خوجة أنه حضر العشاء ليلة معركة اسطاويلي مع القواد: باي قسنطينة، وخليفة باي وهران وباي التيطري، وخوجة الخيل، بالإضافة إلى الآغا ابراهيم.

стр. 38

وقد انفرد بحمدان خوجه وأخبره بأن فلانا وفلانا قد ذهبوا إلى المعسكر الفرنسي وأظهروا أنفسهم أصدقاء لفرنسا وأعطوا العدو تقارير خاطئة عن حالة البلاد وحالة الجيش. وكان ابراهيم قد استلم نقودا من حسين باشا لتوزيعها على المحاربين لتشجيعهم ولكنه لم يعط أحدا منهم شيئا. ووعد الباشا أيضا الجزائريين بأن كل من يحمل إليه رأس عدو يعطيه ٥٠٠ فرنك، وكلف الآغا بدفع المبلغ في مكانه مقابل وصل استلام، ولكن الآغا لم يدفع شيئا وكان يقول لمن يأتيه برأس العدو تعال خذ المبلغ بعد المعركة. وفي صباح المعركة بالذات خرج ابراهيم وحاشيته من المعسكر إلى سيدي فرج تاركا المعسكر خاليا إلا من حوالي ٤٠ شخصا كانوا يحرصون الأثاث، ولكنهم كانوا بدون سلاح (١). ويذكر خوجة أيضا أنه قد خرج ذات ليلة ومشى إلى وسط المعسكر وذهب إلى خيمة الآغا ابراهيم لقضاء بعض حاجته وعاد من حيث أتى دون أن يشعر به أحد ودون أن يرى أي علامة للاستعداد ضد هجمات العدو (٢). فمن كان المخطىء حقا: إبراهيم نفسه أو حسين باشا الذي عين صهره أغا الجيش؟ إن بعض المعاصرين للحملة يرون أن تعيين ابراهيم كان خطأ فادحا ارتكبه حسين باشا لم يرتكب مثله خلال حكمه الطويل. (إنها غلطة رئيسية لا تغتفر). وهو حكم صادر من صديق لحسين باشا. وسنعرف أن حسين كان يصر على الإبقاء على الآغا حتى بعد هزيمته في أسطاويلي. إن حسين هو الذي عزل الآغا يحيى وعين خلفا له قائدا جاء ليحارب فرنسا (بدون جيش منظم، وبدون ذخيرة، وبدون مؤونة، وبدون شعير للخيل، وبدون المقدرة الضرورية على مواجهة الحرب) (٣).

стр. 39

عند الهزيمة في اسطاويلي (١٩ يونية عام ١٨٣٠) هرب ابراهيم من الميدان وترك خلفه الجيش والخيام، والفرقة الموسيقية والأعلام. وقد اختفى في دار ريفيه مع بعض خدمه. وبدل أن يعزله حسين باشا في الحين ويعين خلفا له يعيد الروح المعنوية للجيش ويواجه به العدو الزاحف، أرسل حمدان خوجة إليه الذي كان موضع ثقته ليحاول إقناعه بضرورة استلام القيادة من جديد. وقد وجده خوجة محطم المعنويات منكسر القلب. وبصعوبةكبيرة أقنعه بضرورة الاستمرار في مهمته. ولكن الأغا الذي كان طفلا في تصرفاته لم يستطع أن يواصل مهمته. فعندما تقدم الجيش الفرنسي من أسطاويلي مارا بمعسكر سيدي خلف اختفى ابراهيم من جديد. وأمام ذلك عزله حسين باشا ودعا المفتي (١) وأعطاه سيفا وأمره بحمع الشعب وإقناع الناس بالجهاد دفاعا عن البلاد. كان المفتي رجلا فاضلا ولكنه كان صالحا للإفتاء لا للقيادة ومن جهة أخرى أحاط به بعض رجال الحضر وحاولوا إقناعه بأن الأمل ضعيف في النجاح، وأن الباشا يخوض معركة خاسرة، وأن (الشعب بدون قائد). وفي نفس الوقت كان الجيش الفرنسي يقترب من قلعة (مولاي حسن) (قلعة الامبراطور)، فزاد ذلك الأفكار بلبلة والأمل بنجاح المقاومة بعدا. أما قيادة الجيش فقد تولاها الباي مصطفى بومزراق. ولكن تبديل القيادة في مثل تلك الظروف لم يكن يدل على الحكمة وبعد النظر. ورغم أن القائد الجديد كان يمتاز بالشجاعة والتجربة فإنه اكتفى بجمع الغنائم واختيار البنادق الطويلة لإطلاق الرصاص بنفسه على الفرنسيين. ومما زاد الأمر سوءا أن حسين باشا كان يثق في وزير ماليته (الخزناجي) الذي كان في الواقع يتآمر عليه. وكان الخزناجي طموحا

стр. 40

إلى درجة المبالغة وغيورا إلى درجة الحقد. وقد أودت آراؤه بحياة الآغا يحيى من قبل، وهو الآن يعمل للاستيلاء على الحكم من يد حسين. وكان يتقرب من الانكشارية الذين لا يصعد أي متآمر إلى السلطة إلا بأيديهم. كان الخزناجي قد عين للدفاع عن قلعة مولاي حسن. ومن هناك بدأ يعد مشروعا للتفاوض مع الفرنسيين على شروطهم. وكان نشاطه يزداد كلما اقترب الجيش الفرنسي من القلعة. وكان لا يبالي بترك أبواب القلعة مفتوحة، أما الذين كانوا معه فقد كانوا مستعدين للفرار في أية لحظة، ولاضطرابه نسف مخزن البارود الصغير الذي كان في القلعة فأحدث ضجة وزلزالا هائلا اهتزت له المدينة. ولو نسف المخزن الكبير لأحدث أضرارا كبيرة بالمدينة والسكان. وبعد استيلاء الفرنسيين على قلعة مولاي حسن جمع حسين باشا أمناء الطوائف وأعيان المدينة ورجال القانون والدين وشرح لهم الوضع الذي عليه البلاد وطلب منهم النصيحة فيما يفعل لمواجهة الوقف. وقد وضع أمامهم السؤال التالي: هل يعتقدون أنه من الصواب مواصلة المقاومة ضد الفرنسيين أو يجب تسليم المدينة إليهم (الفرنسيين) والتوقيع معهم على معاهدة استسلام. ولكن الحاضرين وجدوا أنفسهم في حرج، فهل ينصحون بالاستسلام بينما قد يكون رأيه هو المقاومة؟ وبعد تقليب الموضوع من عدة وجوه أجابوه بجواب غامض، وهو أنهم على استعداد لمواصلة الحرب، لكن إذا كان رأيه غير ذلك فهم يطيعون أوامره. وشيئا فشيئا بدأت روح الهزيمة تدب في أوصال الجهاز الإداري والجهاز الاجتماعي أيضا. وقد كان للبيان الذي وزعه الفرنسيون بمهارة تأثير كبير على بعض الأشخاص الذين يسمون أنفسهم بالمعتدلين (١). وكان هؤلاء قد اقتنعوا بأن الفرنسيين قد جاءوا حقا (محررين) للجزائريين من

стр. 41

سلطة الأتراك، وكانوا يعتقدون أن فرنسا المتحضرة لا يمكن أن تعد بشيء إلا إذا كانت راغبة في التنفيذ. فأصبح هؤلاء من أنصار الحل السلمي. وقد تسبب البيان (الغامض الفارغ)، الذي كان مقصودا به الدعاية فقط، في (شل الطاقة المحاربة) لدى بعض الجزائريين (١). ففي ليلة ٢ يوليو عام ١٨٣٠، أي قبل ثلاثة أيام من دخول الجيش الفرنسي للمدينة، اجتمع عدد من أعيان مدينة الجزائر في قلعة باب البحرية. لقد كان هؤلاء يمثلون التجار وأرباب المال. وقرروا أن ضياع المدينة أصبح أمرا محتما، وأنه إذا ما دخلها الفرنسيون عنوة فإنهم سيبيحونها وينهبون ثرواتها ويعتدون على النساء ويقتلون الأطفال. ورأوا، تفاديا لذلك، قبول اقتراح الباشا الثاني الذي ينص على الاستسلام بعد توقيع معاهدة وكان لسان حالهم أن أمة شريفة مثل فرنسا لا يمكن أن تعد ولا تفي. حقا أن الأتراك أقرب إلى الجزائريين من ناحية الدين ولكن الفرنسيين سيتركون الجزائريين يتمتعون بدينهم وتقاليدهم وسيتركون لهم أملاكهم ومساجدهم وزواياهم. فلماذا إذن يقاومون الجيش الفرنسي ويزهقون الأرواح بدل التوقيع على معاهدة استسلام؟ وفي النهاية قرروا عدم مقاومة الفرنسيين عند دخول المدينة وأرسلوا وفدا عنهم إلى القصبة لمقابلة الباشا وإطلاعه على ما اتفقوا عليه. وقد أجابهم الباشا بأنه سينظر في القضيه خلال اليوم التالي. وفي اليوم المعين (٤ يوليو ١٨٣٠) أرسل حسين كاتبه مصطفى مصحوبا بالقنصل الانكليزي إلى مقر القيادة الفرنسية للتفاوض مع بورمون. ومع الوفد المذكور ذهب أيضا أحمد بوضربة (٢)، وحسن بن حمدان بن عثمان خوجة بعنوان مترجمين. ولم يكن حسين يدري عندئذ أن كاتبه كان عضوا في المؤامرة التي يتزعمها الخزناجي للإطاحة به. وعلى أية حال فقد كان مصطفى يفاوض بورمون لا باسم حسين باشا ولكن باسم الخزناجي، واعدا بورمون

стр. 42

بأنه سيحمل إليه رأس حسين وأنه مستعد للتفاهم مع فرنسا على ما تشاء. غير أن بورمون أجابه حسب الرواية الفرنسية بأنه لم يأت لمساعدة المتآمرين ولكنه جاء لكي يحارب. وقال إنه يقبل اقتراح حسين باشا الذي ينص على الاستسلام وبعد التفاوض ومراجعة الباشا وقعت المعاهدة التالية يوم ٥ يوليو ١٨٣٠: ١ - تسلم قلعة القصبة وكل القلاع الأخرى المتصلة بالمدينة وميناء هذه المدينة إلى الجيش الفرنسي هذا الصباح على الساعة العاشرة. ٢ - يتعهد القائد العام للجيش الفرنسي أمام سعادة باشا الجزائر أن يترك له الحرية وكل ثرواته الشخصية. ٣ - سيكون الباشا حرا في أن يذهب هو وأسرته وثرواته الخاصة إلى المكان الذي يقع عليه اختياره. فاذا فضل البقاء في الجزائر فله ذلك هو وأسرته تحت حماية القائد العام للجيش الفرنسي وسيعين له حرس لضمان أمنه الشخصي وأمن أسرته. ٤ - يتعهد القائد العام لكل الجنود الانكشاريين بنفس المعاملة ونفس الحماية. ٥ - سيظل العمل بالدين الإسلامي حرا، كما أن حرية السكان مهما كانت طبقتهم، ودينهم، وأملاكهم، وتجارتهم. وصناعتهم لن يلحقها أي ضرر. وستكون نساؤهم محل احترام. وقد التزم القائد العام على ذلك بشرفه. وسيتم تبادل وثائق هذا الاتفاق قبل الساعة العاشرة هذا الصباح، وسيدخل الجيش الفرنسي حالا بعد ذلك إلى القصبة ثم يدخل كل القلاع التي حول المدينة كما يدخل الميناء (١). توقيع: الكونت دي بورمون ختم حسين باشا، داي الجزائر

стр. 43

الفصل الثالث من الإدارة العثمانية إلى الإدارة الفرنسية النظم الإدارية التي أقامها العثمانيون في الجزائر لم تكن تختلف كثيرا عن النظم التي أقاموها في اسطانبول وفي الأجزاء الأخرى من الدولة. ورغم (الطابع الشرقي) الذي تميزت به هذه الإدارة في الجزائر فإن الفرنسيين أبقوا على بعض منها عندما احتلوا الجزائر. وكان بعضهم يريد التطبيق الحرفي لعدد من هذه النظم. ولا سيما العسكرية منها. ونحن نجد في مناقشات اللجنة الأفريقية بعض الآراء حول هذا الموضوع (١). ولكي يفهم المرء حالة الجزائر في الفترة الانتقالية من العهد العثماني إلى العهد الفرنسي لابد من إعطاء لمحة عن هذه النظم الإدارية. يمتاز الحكم العثماني في الجزائر بظاهرة الخضوع للسلطان. كما يمتاز بعدم الاستقرار الإداري. وقد كان هناك نوع من التفاهم المتبادل بين السلطان والحاكم في الجزائر. فالباشا كان يحاول تمكين سلطته بعد تسميته من الجنود. والبيعة المحلية لا تكفي، إذا لم يباركها السلطان بالفرمان والقفطان المذهب، وسيف الشرف والعمامة الخاصة. وقد كان في استطاعة السلطان أن يضغط على الباشا بعدم إرسال الأشياء المذكورة أو بمنعه من تجنيد المتطوعين في أناضوليا. وهو إجراء يسبب ضعف الولاية (الجزائر). ويدخل تبادل الهدايا بين السلطان والباشا في هذا النطاق. فالباشا كان يرسل إلى السلطان وإلى وزرائه وأعوانه هدايا ثمينة يختلف حجمها ونوعها

стр. 44

تبعا للظروف. وكانت هذه الهدايا غالبا ما ترسل على سفن مسيحية، بل كان أصحاب هذه السفن يعتبرونه شرفا لبلادهم أن تحمل سفنها الهدايا إلى السلطان من حكام الجزائر. والهدايا كانت غالبا لا تخرج عن الحياك والساعات والجواهر والخيول والعبيد والزرابى والتبغ ونحو ذلك. أما السلطان فقد كانت هداياه إلى حاكم الجزائر مما تحتاجه البلاد ويقوي ساعدها اقتصاديا وعسكريا. فقد كانت غالبا تشمل الأسلحة والبارود والحديد والسفن الحربية والتجارية (١). وكان هناك تعاون بين الطرفين في عدة ميادين. ففي الميدان الدولي قطعت الجزائر علاقاتها مع فرنسا بطلب من السلطان عندما كانت هذه في حرب ضد مصر وسورية (١٧٩٩)، وفي مناسبة أخرى أرسلت الجزائر بقطعة من أسطولها (حوالي ثمان سفن حربية) لمساعدة السلطان في معركة نافارينو، كما أرسلت ثلاث سفن لمساعدة الدولة العثمانية في قمع ثورة اليونان (١٨٢٣). أما في الميدان الداخلي فقد كانت الجزائر ترسل بالعملاء إلى الشرق، وخصوصا منطقة آسيا الصغرى، لتجنيد المتطوعين في الانكشارية. وفي بعض الأحيان كانت السلطات العثمانية تقوم بالتجنيد بطلب من الجزائر. وكان العملاء يوزعون النقود ويعدون المتطوعين بمغريات كثيرة في الجزائر كالفتيات الحسان والشوارع المرمرية الجميلة. وكان عدد المجندين يختلف من سنة إلى أخرى تبعا للوضع الاقتصادي الذي كانت عليه الجزائر. وكلما انحفض عدد المتطوعين عجزت الحكومة الجزائرية عن مواجهة الاضطرابات

стр. 45

الداخلية بل والحروب مع الخارج. وبين ١٨٠٠ - ١٨٣٠ كانت نسبة المتطوعين حوالي ٢٠٠ شخص سنويا، باستثناء الفترة الواقعة بين ١٨١٠ - ١٨٢٠ التي ارتفع فيها هذا العدد قليلا. ولكن ثورة الانكشارية سنة ١٨١٧ أدت إلى مقتل عدد كبير منهم يقدره بعضهم ب ١٥٠٠ شخص (١). وهناك مزايا كان يتحلى بها الجندي العثماني في الجزائر. فقد كان أبرز ما يميزه الانضباط والشجاعة والتواضع. وكان يمثل العمود الفقري للنظام القائم عندئذ في البلاد. وكان أهل الجزائر يسمون هؤلاء الجند بكباش أناضوليا لكونهم حمرا سمانا. أما اسمهم الرسمي فقد كانوا يعرفون باليولداش. وإلى جانب ذلك كانوا يمتازون بالخشونة والتهور، وبالتعالي نحو المواطنين. وقد انخفضت معنوياتهم وقيمهم بعد ثورة ١٨١٧ على عهد علي خوجه باشا الجزائر عندئذ، فهو الذي قتل منهم الكثيرين وبدأ في الاستعاضة عنهم بجيش محلي، غير أن مشروعه لم يتحقق تماما، فظلوا القوة العسكرية الحقيقية في البلاد إلى الاختلال. وباستثناء وظائف الكتاب (الخوجات) وبعض الوظائف الأخرى الثانوية فإن طبقة الانكشارية هي التي كانت تسيطر على جميع مقاليد الدولة في الجزائر. وغالبا ما كان الباشا (الداي) يعين أيضا من هذه الطبقة. وكان تعيينه يقع غالبا بعد ثورة داخل القصر. أما الأهالي فلم يكن لهم دور يذكر في انتخاب الباشا. وفي كثير من الأحيان ينتخب الباشا رغم أنفه. وكثيرا ما كان يطول النزاع حول التولية، وكان رفع العلم الأحمر على القصر دليلا على استمرار النزاع، فإذا رفع العلم الأخضر فذلك علامة انتهاء الأزمة وبدء فترة من الاحتفالات بانتخاب الباشا الجديد. وخلال الحكم العثماني كان قصر الباشا يقع في الجنينة (٢)، ولكن الباشا علي خوجة قد نقله إلى القصبة في أعالي المدينة. ونقل الباشا الخزينة

стр. 46

إلى هناك أيضا. وكان ذلك عقب الثورة التي قام بها ضده جنود الانكشارية (١٨١٧) وقد استعان الباشا على ذلك بتجنيد جيش أهلي (أغلبه من سكان زواوة) وكرغلى. ومما يذكر أن علي خوجة كان من بين الحكام القلائل الذين ماتوا طبيعيا، وأنه هو الذي عين حسينا خلفا له، وهذا الأخير هو الذين وقعت الحملة الفرنسية على عهده، ١٨٣٠. ودخول العنصر الأهلي في عهد علي خوجة لا يمكن أن نسميه حركة قومية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكننا نلاحظ أن هناك فكرة جديدة قد دخلت في علاقة الأهالي بالحكام العثمانيين. غير أن هذه الفكرة لم يتح لها أن تتطور إلى شكل نظام ملكي قائم على قاعدة وطنية شأن أسرة محمد علي في مصر أو الأسرة الحسينية في تونس (١). كان الباشا يقوم بمهمته بمساعدة عدد من المجالس والوزراء. فهناك ديوانان: عادي، ويضم عددا عن المستشارين الكبار، وكان هذا كثير الاجتماع، والديوان الأعظم الذي كان أعضاؤه من كبار الضباط، (حوالي ٨٠ عضوا) بالإضافة إلى أعضاء الديوان العادي. وكان هذا لا يجتمع إلا بشأن القضايا الهامة كالحرب والسلم. وكان يحضر جلساته أيضا آغا القمرين (الرئيس النظري للانكشارية)، والمفتيان الحنفي والمالكي وكتاب الدولة الأربعة الكبار. وهناك أيضا ديوان البحر الذي كان يجتمع تحث رئاسة وكيل الحرج أد وزير البحرية. وكان يتكون من زعماء الأسطول أو الرياس. أما الوزراء، فقد كانوا كما يلي: الخزناجي (المالية) الذي يأتي بعد الباشا مباشرة في الأهمية. وكثيرا ما كان يتولى بعده، آغا العرب الذي كان يجمع

стр. 47

إلى قيادة الجيش البري الشؤون الأهلية، خوجة الخيل الذي كان عبارة عن وزير نقل بالمعنى الحديث، فهو الذي يشرف على الحيوانات التي لدى الأهالي والتي تعود إلى الدولة، وهو الذي يشرف على جميع الضرائب من أملاك الدولة، ويبيت المالجى الذي كان ينظر وراء الأملاك المصادرة ويراقب الأموال الآنية من البايات والشخصيات المعزولة أو التي اغتيلت. وأخيرا وكيل الحرج الذي كان يهم بشؤون البحر والشؤون الخارجية أيضا. وإليه يعود التصرف في قضايا التموين والقرصنة والتحصينات. وإلى جانب الدولوين والوزارات كانت هناك وظائف أخرى هامة في الدولة الجزائرية العثمانية. أو لها وظائف الكتاب أو الخوجات الذين كانوا يشكلون طبقة عليا في المجتمع الجزائري. وكانوا يتميزون بلباس القفطان الطويل والبرنس الأبيض والعمامة الضخمة. كما كانوا يحملون في حزامهم مقلمة من النحاس لتميزهم من الطبقة الانكشارية. وتشمل وظائفهم عدة ميادين. فهناك خوجة السوق (الرحبة)، وخوجة الملح، وخوجة الزرع، وخوجة الجلود، وخوجة الجمارك، وهكذا. وثانيها وظائف القواد، وكان هؤلاء يتمتعون بصلاحيات إدارية ومالية لا يتمتع بها غيرهم. ومنهم من يتولى منصبا معينا كقائد الفحص الذي كان يتولى حراسة ضواحي المدينة، وقائد الزبل الذي كان يشرف على نظافة المدينة وتجميلها، ومنهم من يتولى مهام إدارية مباشرة في منطقة خاصة في وطن من الأوطان (١) أو غير مباشرة بحيت يشرف على مجموعة من القبائل عن طريق شيخ كل قبيلة. وكانت مهمة القائد تتمثل في جمع الضرائب وإبقاء الأمن في المنطقة التي تعود إليه وتمثيل السلطة المركزية. وكانوا يمتازون

стр. 48

ببلباس البرنس الأحمر الذي يخلعه عليهم الباشا في حفلة خاصة تقام لهذا الغرض (١). بالإضافة إلى دار السلطان، التي كانت تشمل مدينة الجزائر والساحل وسهل متيجة، كانت الجزائر على أيام العثمانيين تنقسم إداريا إلى ثلاثة أقاليم: أولا إقليم قسنطينة (الذي كان أهمها) شرقا وعاصمته مدينة قسنطينة. وثانيا إقليم وهران غربا (الذي يأتي في العدرجة الثانية أهمية) وعاصمته مزونة ثم معسكر، وبعد تحرير مدينة وهران من الأسبان (١٧٩٢) أصبحت هي العاصمة، وأخيرا إقليم التيطري وسطا (وهو أقلها أهمية) وعاصمته مدينة المدية. وكان هذا الإقليم ضعيفا لقربه من الإدارة المركزية من جهة ولقلة موارده الاقتصادية من جهة أخرى. كل إقليم كانت له إدارة شبيهة بالإدارة المركزية. فالخزناجي هو الخزندار في إدارة الإقليم، وآغا العرب هو الخليفة. أما بيت المالجي فهو نفسه في الإقليم أيضا. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك الخوجات والشواش ونحوهم من الموظفين. وكانت الوحدة الإدارية هي القبيلة التي كانت في العادة تحت سلطة شيخ القبيلة الذي يخضع بدوره إلى قائد من أصل تركي أو كرغلي. وكانت علاقة القبائل بالإدارة على أنواع: فهناك القبائل النائية التي لا تصلها يد السلطة. وهناك القبائل ذات الاستقلال الذاتي التي تدفع ضريبة الخضوع، وهناك قبائل الرعية، وهذه أيضا أنواع: فمنها الخاضعة خضوعا جزئيا ومنها الخاضعة خضوعا تاما (وتسمى قبائل العازل أو العبيد). وأخيرا هناك قبائل المخزن وهي المتحالفة مع السلطة المركزية وتمدها بالمال والرجال عند قيامها بحملات عسكرية (٢) سواء داخليا أو خارجيا. وليس هناك حالة قارة لجميع هذه القبائل. وإذا كان على كل مسؤول إقليم أن يسهر على الأمن وأن يجمع الضرائب

стр. 49

فان هناك شيئا آخر عليه أن يقوم به وهو رحلة الدنوش أو القيام بزيارة إلى مدينة الجزائر كل نصف سنة لتقديم تقرير عن المحصول في الإقليم. وتقام لذلك حفلة خاصة تقليدية. وفي كل ثلاث سنوات كان الباي يذهب بنفسه على رأس الوفد. وكثيرا ما كانت هذه الرحلة إلى العاصمة محفوفة بالأخطار لأن الباي قد لا يعود إلى مقر إدارته إذا لم يرض الباشا وحاشيته ومقربيه بالهدايا الثمينة ومظاهر النجاح في فرض السلطة. ويظل الباي في مدينة الجزائر في العادة ثمانية أيام. وكانت عودته إلى مقر عمله تتوقف على تسلمه قفطانا جديدا من الباشا، وهو ما يعتبر في عرفهم تجديدا للثقة فيه من الإدارة المركزية. وعلى أية حال فان قدوم الباي إلى العاصمة كان يتم في بهجة عامة وتقام لذلك حفلة تدوم عدة أيام، وكان أهالي العاصمة ينتظرونها ويستمتعون بها، ويعتبرونها نوعا من التغيير في حياتهم الرتيبة (١). وهناك عدة وظائف قضائية يتولاها القاضي والعدل والعون والوكيل. وكان هؤلاء يختارون من بين العلماء بعد أن يجتازوا امتحانا خاصا. وكان حكم هؤلاء المسئولين لا رجعة فيه غير أن للمفتي أن يقول كلمته فيه. وكان المذهبان الحنفي والمالكي ممثلين في جميع المستويات: فهناك محكمة حنفية وأخرى مالكية، ومفاتي وقضاة حنفيون وآخرون مالكيون، ومجلس مشترك. هذا بالنسبة للمسلمين، أما بالنسبة للإسرائيليين فقد كان لهم قضاة خاصون بهم (الأحبار) وأما المسيحيون فقد كانوا يحاكمون في القنصليات الأجنبية الموجودة في الجزائر. وتحتفظ الدولة بحق التدخل إذا لزم الأمر، ولا سيما في القضايا الجنائية. ويمتاز القضاء زمن العثمانيين بالتنفيذ السريع والعقاب الصارم إذا اقتضى

стр. 50

الأمر ذلك. وكانت العقوبة بالموت تختلف بحسب الجنس والطبقة الاجتماعية فالأتراك المذنبون كانوا يخنقون سرا في دار رئيس الانكشارية (آغا القمرين) وكان اليهود يحرقون حرقا والمسيحيون يشنقون شنقا. أما العرب فقد كانوا يعاقبون إما بالشنق وإما بقطع الرأس. وإذا كانت القضية خطيرة يرمى بالشخص حيا من أعالي الجدران جهة البحر. حيث يموت موتا بطيئا قاسيا. وإذا كانت المرأة الزانية متزوجة فانها توضع في كيس وترمى في البحر، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة الحرة التي وجدت مع أحد المسيحيين أو اليهود وكان يقوم بتنفيذ الأحكام مساعدو المزوار. (١) ويذكر المؤرخون أن مدينة الجزائر كانت مثالا للأمن والهدوء، وهم يعزون ذلك إلى قوة وصرامة تنفيذ العقوبات ضد الجناة (٢). أما تنظيم المدينة الداخلي (أي مدينة الجزائر) فقد كان يعود إلى نظر شيخ البلاد الذي كان عبارة عن رئيس بلدية اليوم، والذي كان دائما عربي الأصل، وهو الذي كان يشرف على الأمن وله شرطة منظمة مكونة من حضر المدينة العرب. وكان يساعده في مهمته عدد من الأعضاء، وكان شيخ المدينة مكلفا بقبض الضرائب. وكان المحتسب هو الذي يقوم بمراقبة الأسواق حتى لا يقع الغش، فاذا ثبت الغش في الأسعار أو الموازين فان يد الغاش تقطع أو يطاف به أمام العامة على ظهر حمار. أما إذا ثبت غش الخباز فان يده لا تقطع ولكن تصادر المخبزة ويضرب هو ضربا مبرحا على قدميه. وكان يقوم بالحراسة الليليلة المزوار وأعوانه. فاذا وقع حادث أدى إلى جريان الدم فان (جراح باشى) يتدخل بمعالجة الجريح، وهذا الشخص،

стр. 51

الذي كان من الانكشارية، لم يكن طبيبا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكان جراح باشى كثيرا ما يأخذ الرشوة ليسكت على الحادث. وكان المزوار أو مساعده هو الذي يتولى رئاسة الفرقة التي تتألف من عرب الحضر، فاذا كانت الفرقة من أهل زواوة فان رئيسها يدعى القلباشى. وكان من الممنوع السير ليلا بدون مصباح في مدينة الجزائر. ولكن لا يسمح لليهود سوى بحمل شمعة أو مصباح زيتي تمييزا لهم، وتمتاز مدن الجزائر عندئذ بأن أهلها كانوا ينامون باكرا ويستيقظون باكرا أيضا. ويلاحظ أن ما قيل في عاصمة البلاد يقال في عوصم الأقاليم وأهم المدن الأخرى. وهكذا نرى أن هناك خصائص تميز الإدارة العثمانية في الجزائر. وأهم هذه الخصائص الولاء المطلق للسلطان، وبقاء الانكشاريين في حالة عزوبة استعدادا للمهمة العسكرية التي أعدوا من أجلها. فاذا تزوج الانكشاري فان أبناءه وأحفاده يصبحون كراغلة (أمهاتهم جزائريات) ولا يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها آباؤهم. ومن أهمها أيضا العنف الذي صحب تغيير الحاكم، فقلما يموت الحاكم في فراشه. ومن حسن الحظ أن الاضطراب كان يقتصر على القصر ولا يمتد إلى عامة البلاد. وكانت هذه الإدارة محافظة متمسكة بالتقاليد الاجتماعية والدينية، وهي تقوم على نظام اجتماعي طبقي يبدأ بالعبيد وينتهي بالوجق العثماني (الأرستقراطي) مارا بطبقة وسطى يمثلها عادة العرب الحضريون وهم غالبا سكان المدن من التجار والصناع وأصحاب الحرف والخوجات والعلماء. وتمتاز الإدارة العثمانية بالقسوة في العقوبات وسرعة التقاضي وتنفيذ الأحكام. كما تمتاز بالتعفن الإداري والاجتماعي كالرشوة والتوريط والتواكل والغش. فما موقف الفرنسيين من هذه الإدارة بعد احتلالهم للجزائر؟ وما الجديد الذي أدخلوه عليها (١)؟

стр. 52

أول ما فعله الكونت دي بورمون قائد الجيش الفرنسي المنتصر، هو حل منظمة الانكشارية التي كان عدد أعضائها العزاب في مدينة الجزائر يبلغ.،٥٠٠ والمتزوجين حوالي الألف. وكان اليهود قد رفعوا رؤوسهم بعد دخول الفرنسيين فبدأوا حملة من الانتقام من أسيادهم السابقين فنهبوا أموالهم ومنازلهم، وورطوهم في قضايا مالية شائكة وبلغ بهم الانتقام أن اعتقلوا عددا كبيرا من العثمانيين عندما تأكدوا من اقتراب الجيش الفرنسي من المدينة وكانوا يهللون ويرقصون في الشوارع معلنين ولاءهم للسيد الفرنسي الجديد. أما بورمون فقد أمر بترحيل الانكشاريين غير المتزوجين إلى آسيا الصغرى بعد تجريدهم من الأسلحة. وقد تبادل كل من حسين باشا (كان سنه عندئذ حوالي ٦٥ سنة) وبورمون الزيارة. فزار الباشا أولا بورمون مصحوبا بحوالي خمسين شخصا من العرب والأتراك. وطالب باسترداد أثاثه وحاجاته التي منها كيس يحتوي على ٣٠،٠٠٠ قطعة من الذهب. كانت الزيارة في ٧ جويلية ١٨٣٠. وفي اليوم التالي زاره بورمون وخيره في المكان الذي يريد الذهاب إليه فاختر أولا مالطة ولكن خوفا من بريطانيا خيره بورمون في مكان آخر فاختار نابولي، التي كان ملكها صديقا للباشا، فقبلت رغبته. وفي ٣١ من الشهر وصل حسين باشا الجزائر السابق إلى نابولي على متن السفينة الفرنسية (جان دارك) وكان برفقته ١١٠ أشخاص من بينهم الآغا ابراهيم. قائد الجيش المنهزم، ووزير المالية أو الخزناجي، ومن بينهم أيضا ٥٧ امرأة، حرائر ووصيفات. قال أحد المؤرخين الفرنسيين ليس هناك مدينة في العالم قد شهدت عند احتلالها الفوضى التي شهدتها مدينة الجزائر (١). فقد اختفت الحلق والسلاسل.

стр. 53

والصوارى والأخشاب والسنائر من الميناء، وخلعت أبواب المحلات العامة، ونهبت الأموال والأثاث والحلي من المنازل. وكثر الاعتداء على الأشخاص والأعراض. وزاد الأمر سوءا أن القائد العام (بورمون) قد ترك الحبل على الغارب، ولم يعد يحكم فعلا، بل ترك الأمور إلى قائد الأركان وإلى مسئول التموين، وكلاهما كان غير قادر على ممارسته أية سلطة. وكان بورمون متأثرا لوفاة إبنه، وقلقا من الحالة السياسية في فرنسا (ثورة جويليه، ١٨٣٠)، بالإضافة إلى أنه كان في وضع حرج نحو الجيش الذي وعده بالامتيازات ولكنها لم تأت. ولو أن الفرنسيين قد أبقوا على وظائف الإدارة العثمانية لظلت الأمور تسير على الأقل في الحد الأدنى، ولكنهم ألغوا وظائف الخزناجي، وقائد الشرطة، ومراقبي الأسواق، والأمناء. وكانوا يهدفون من ذلك إلى وضع حد للوجود العثماني وإلى بداية إدارة جديدة ولكنها كانت إدارة مرتجلة أدت إلى كثير من التعقيدات، والمشاكل بدل الحلول. في اليوم التالي من الاحتلال (٦ جويليه) أنشأ بورمون (لجنة الحكومة) وتتلخص مهمتها في النظر في (حاجات وإمكانيات البلاد والنظم التي يجب تعديلها وإلغاؤها والفائدة من استخدام أعيان الجزائريين من مختلف الطبقات الأهلية والفرنسية لملء إطارات الموظفين. وممارسة الوظائف المدنية). (١) وكان يرأس اللجنة وكيل التموين، وتضم الجنرال تولوزى Tholozé والجنرال فيرينو Firino ، والقنصل الفرنسي السابق في عنابة الاسكندر دوفال، Deval (٢) أما كاتبها فقد كان دى بوسير Bussiere الذي كان من موظفي وزارة الشئون الخارجية الفرنسية. ويساعده مترجمان هما: جيراردان Girardain ، والمستشرق الشهري دي صال Salle . ويتضح من

стр. 54

تركيب اللجنة ومن مهمتها أنها هيئة فرنسية تجهل الشئون الأهلية وحاجات الجزائريين (١). وكانت مهمتها تأسيس الإدارة الفرنسية في الجزائر، على أنقاض الإدارة العثمانية وهي مهمة ليست سهلة. كان (للجنة الحكومة) هدفان: جمع المعلومات عن الإدارة العثمانية السابقة للاستفادة منها في الإدارة الجديدة، وتوفير السكن والمستشفيات للجيش الفرنسي، غير أن اللجنة لم تستطع أن تحقق أي شيء بالنسبة للنقطة الأولى لأن سجلات ووثائق الإدارة السابقة قد اختفت (٢)، أما المعلومات التي توصلت إليها حول المداخيل والأملاك فقد كانت من أفواه الناس فقط. وأما بخصوص النقطة الثانية فان اللجنة الحكومية أنشأت (هيئة مركزية) تضم ممثلين عن المنظمات السبع الهامة في المدينة، وهم الحاج علي بن أمين السكة، وابن مربط، وابراهيم بن المولى محمد، وحسن قلعاجي، ومحمد ابن الحاج عمر، وأحمد بوضربة، والحاج قدور بن عشائش، وبعد حين انضم إلى الهيئة إسرائيليان قد لعبا دورا واضحا في التمهيد للاحتلال وهما ابن بكري وابن دوران. ونلاحظ أن بعض أعضاء هذه الهيئة كانت له شهرة في التعاون مع الفرنسيين، مثل بوضربة. كما نلاحظ أن جميعهم تقريبا كانوا من حضر مدينة الجزائر (٣).

стр. 55

كان رئيس الهيئة المركزية هو أحمد بوضربة الذي أظهر حماسا كبيرا للوجود الفرنسي في الجزائر، على الأقل في أول الأمر، وسنتعرض لهذه الشخصية في مكان آخر. وحسبنا أن نقول أن بوضربة كان متزوجا من فرنسية، ويحسن الفرنسية، وكان من الذين فاوضوا بورمون على تسليم المدينة ليلة الخامس من جويليه. وقد قال عنه أحد المورخين الفرنسيين إن بوضربة كان (رجلا فطنا ومهذبا وحيليا ولكنه كان بدون مبادىء أخلاقية، وكان يخلق المشاكل أكثر مما يجد حلالها (١) ومواطنوه الذين كانوا معه في الهيئة كانوا ممن رحبوا بالفرنسيين أول الأمر وصدقوا أنهم جاءوا فعلا محررين كما ادعوا في بيانهم. وعلى أية حال فانه كان في الهيئة أيضا نائب وكيل التموين الفرنسي، بروغير Bruguiere الذي كان يمثل الملك الفرنسي لدى الهيئة المذكورة. ومن جهة أخرى كانت الهيئة تضم أعضاء آخرين، وهم بيت المالجي وخوجات أسواق القمح والفحم، وأمناء البساكرية، وبني مزاب، كما كانت تضم مفتي الحنفية والمالكية وقاضي الحنفية والمالكية. وباختصار فإن الهيئة كانت عبارة عن (مجلس بلدي) يلعب فيه بوضربة دور شيخ المدينة على عهد العثمانيين. وإذا كانت مهمة لجنة الحكومة هي جمع المعلومات والعناية بالجيش فان مهمة الهيئة المركزية أو المجلس البلدي كانت تتمثل في محاولة إنشاء إدارة محلية. وتشمل هذه أيضا توفير الحاجات العاجلة للجيش، ومعرفة قدرات وطاقات البلاد عامة ومدينة الجرائر خاصة (٢). ومن الواضح أن هناك تداخلا بين مهمة المنظمتين، ولكن كلا منهما كانت تسير نحو هدف واحد، وهو خدمة السيد الجديد، وتوفير الراحة لجيشه، ووضع إمكانيات

стр. 56

البلاد بين يديه. ولعل الفرنسيين قد لجأوا إلى خلق هذه الهيئة لترضية الجزائريين، ولا سيما الطبقة التي تعاونت معهم وكانت تظن أن إنهاء الإدارة العثمانية يعني انتقال الحكم إليها. أما السلطة الحقيقية فقد كانت في يد اللجنة الحكومية. وقد حاولت لجنة الحكومة أن توفر الغذاء للمدينة، فنظمت الجمارك والمكوس. غير أن الموظفين الذين عهدت إليهم بذلك كانوا يجهلون مهمتهم فكانت النتيجة ارتفاعا فاحشا في الأسعار واستغلالا كبيرا للضعفاء. وقد انحفضت الواردات بالبحر إلى ٥ % والصادرات إلى ٢ %، باستثناء البضائع الفرنسية طبعا. وهكذا كانت المدينة على وشك أن لا تجد حتى المواد الألويةكالملح (١). ويلقى الفرنسيون تبعة ذلك على أعضاء الهيئة المركزية الذين يتهمونهم باقتسام الأموال بينهم، كما يلقونها على المستفيدين من هذه الفوضى الاقتصادية، وهم أناس مغامرون قد اصطحبوا الجيش الفرنسي من أوربا ومن فرنسا نفسها دون أن يكون لهم أي عنوان (٢). وقد نظم الفرنسيون شرطة المدينة ووضعوها تحت شخص عرف بمغامراته البوليسية والجاسوسية. ففي عهد نابليون الأول تولى دوبينيوز D'Aubignose إدارة شرطة بريم Bréme (ألمانيا). وقبل الاحتلال بعدة شهور أرسل إلى تونس للتجسس ونشر الدعاية والتأثير على السلطات التونسية حتى لا تنجد الجزائر عند تدخل الفرنسيين، وهو نفسه الذي تولى إدارة الشرطة في الجزائر بعد نجاح الحملة، وكان يعمل تحت إمرته مفتش للشرطة، ومحافظون، وفرقة عربية من عشرين شخصا يرأسها المزوار الذي سبق أن أشرنا إلى مهمته في العهد العثماني، ورغم هذا التنظيم

стр. 57

فقد وقعت السرقات بكثرة ولم يحترم الجزائريون الفرنسيين. ويعزو الفرنسيون ذلك إلى (رخاوة العرب). لذلك استبدلت الشرطة العربية بشرطة فرنسية. ويقولون إنهم بذلك الإجراء قد جعلوا (السكان يحترمون الوضع الجديد عن طريق العصا) (١). أظهرت الطائفة اليهودية في الجزائر ميلا واضحا إلى الفرنسيين كما أظهر لهم هؤلاء عطفا أوضح وأصبحوا عندهم من ذوي الحظوة والجاه. وقد لعب ديني Denniée وكيل التموين دورا بارزا في حمل القائد العام على مراعاة اليهود. ومنذ اليوم التالي للاحتلال عينت السلطات الفرنسية اليودي سرور رئيسا للمترجمين غير الفرنسيين. وقد أصبح بكري صاحب نفوذ كبير حتى إن الجيش كان لا يفعل شيئا إلا باستشارته. وبذلك حصل على امتيازات كبيرة له ولطائفته (٢). وهذا الحلف هو الذي جعل حضر المدينة يتوجسون من الفرنسيين بعد أن رحبوا بهم. ورغم أن هذه الطائفة لم تعترف بالجميل فإن الفرنسيين ظلوا على ميلهم لليهود على حساب العرب. ويذكر الفرنسيون أنفسهم أن اليهود الذين أظهروا التعاون معهم أولا كانوا على استعداد لبيع الجيش الفرنسي في سبيل مصالحهم، وأصبحوا مرابين ومورطين غير أوفياء بالعهود (٣). وفي اليوم الأول من الاحتلال اتصل بكري بالأتراك وحذرهم من الخطر الذي يهددهم ووعدهم الحماية على شرط أن يدفعوا مقابل ذلك ما طلبه منهم. كما اتصل بقومه ووعدهم أن الفرنسيين لن يفعلوا شيئا بدون رضاه.

стр. 58

وكان يطمح إلى أن يكون رئيس الطائفة اليهودية في العهد الفرنسي كما كان زمن الإدارة العثمانية. واتصل أيضا بمحافظي الشرطة وطلب منهم تسليم كل القضايا الخاصة باليهود إليه. وقد فعل ذلك دون علم الهيئة المركزية (المجلس البلدي) ورئيس الشرطة. ويعزو الفرنسيون سخط العرب عليهم إلى تأثير اليهود الذي أصبح واضحا بعد الاحتلال. ويقولون إن النفوذ اليهودي كان السبب في هجرة كثير من أغنياء العرب من المدينة. وقد تدخل أعضاء الهيئة المركزية لدى رئيس الشرطة لمنع هجرة العائلات الغنية من المدينة ولكن بدون جدوى. وهناك من يذهب إلى أن ثورة العرب ضد الفرنسيين حتى في الأرياف كانت تعود إلى النفوذ الذي أصبح عليه اليهود في الإدارة الجديدة (١). والواقع أن هناك مبالغة في هذه القضية لأن سخط العرب وثورتهم، سواء في المدينة أو في الريف كان يعود إلى مبدأ الاحتلال نفسه. ولم يكن النفوذ اليهودي سوى نتيجة من النتائج الكثير ة التي ترتبت على هذا الاحتلال. فوقف التجارة، واحتلال المنازل والمساجد والأملاك الخاصة بدون مقابل والاعتداء على الأعراض، وإزالة معالم الحكم الأهلي، كل ذلك، وغيره، أدى إلى الثورة ضد الفرنسيين، حتى من الذين كانوا في البداية مؤمنين بالتعاون معهم في بعض الحدود، وإن المرء ليجد وصفا صارخا لتصرفات الجيش الفرنسي في تلك الأثناء في كتاب (المرآة) لحمدان بن عثمان خوجة (٢). وخلال السنوات الأولى للاحتلال لم يكن هناك نموذج إداري اتبعه الفرنسيون، وقد دام الحال كذلك إلى مجىء اللجنة الأفريقية وصدور قرار

стр. 59

جويليه سنة ١٨٣٤ الذي ألحق الجزائر بفرنسا ونظم إدارتها على نحو شبيه بما كان يجري في فرنسا. ومن الذين تولوا خلال السنوات الأربع الأولى، بعد بورمون، كلوزيل، وبرتزين، والدوق دي روفيغو، وفوارول. كلهم كانوا مهتمين بمشاريع الاستعمار، ومباربة الثوار، أكثر مما كانوا مهتمين بالتنظيم الإداري. وبالإضافة إلى ذلك فان الحكومة الفرنسيين نفسها كانت إلى سنة ١٨٣٤ لم تتخذ موقفا واضحا من قضية الجزائر. ولكن في هذا التاريخ وبتوصية من اللجنة الإفريقية قررت الاحتفاظ بالجزائر وإلحاقها بفرنسا وإعطاءها إدارة قادرة في منصب الحاكم العام الجديد الذي كان مسئولا لدى الحكومة عن كل الأمور العسكرية والمدنية في الجزائر. أما تطور الإدارة الفرنسية بعد ذلك فلا يعنينا في هذا المجال لأن غرضنا هو ربط الفترة الانتقالية إداريا، أو بعبارة أخرى كيف انتقلت السلطات الإدارية من العثمانيين إلى الفرنسيين.

стр. 60

الفصل الرابع دور حضر الجزائر يتهم المؤرخون الفرنسيون حضر الجزائر بأنهم كانوا يحلمون بعودة الحكم الإسلامي، إلى الجزائر خلال السنوات الأولى للاحتلال. وكان أعيان هؤلاء الحضر يعملون لصالح هذه الفكرة سواء لدى السلطات الفرنسية أو في اتصالاتهم مع الباشا حسين المخلوع في المنفى، أو مع الحاج أحمد، باي قسنطينة، آخر سلطة قوية من العهد العثماني. ويذكر هؤلاء المؤرخون أن أعيان الحضر كانوا يعتقدون أن اتصالات شبه رسمية، بوحي من سلطات سامية، قد تمت لتحقيق عودة الحكم الإسلامي، وأن هذه الاتصالات قد جعلتهم يعتقدون أن الفكرة ممكنة وأن فرنسا نفسها قد تعبت من تكاليف الاحتلال وأنها ستتخلى عن الجزائر لصالحهم (١). حضر الجزائر كانوا طبقة غنية منحدرة من أهل البلاد ومن مهاجري الأندلس. وكانوا سياسيا في المرتبة الثالثة بعد الأتراك والكراغلة. وكانوا يملكون الأراضي في سهل متيجة وبعض الأملاك في مدينة الجزائر نفسها ويمتهنون التجارة. وكانوا غالبا راضين بوضعهم ولا يطمحوان إلى مناصب سياسية. ولكن منهم من تقلد مناصب القضاء والإفتاء والكتابة ونحوها من المقاليد الثانوية الهامة. كان بعضم محل ثقة الباشا كحمدان بن عثمان خوجة. وعندما بدأ الفرنسيون في شرح الوضع الاجتماعي في الجزائر، صنفوا طبقة

стр. 61

الحضر على أنها منافسة وساخطة على (الأتراك). وهكذا وجهوا أنظارهم نحو هذه الطبقة التي كانت بدورها مستعدة للاستعانة بهم لكن بشروط. وبمجرد استيلاء الفرنسيين على مدينة الجزائر نحوا (الأتراك) عن الحكم وأسندوا بعض المناصب لهؤلاء الحضر فتولى بعضهم مركز (آغا العرب) مثل حمدن بن أمين السكة، وأصبح بعضهم بايا على التيطري، مثل مصطفى ابن عمر، وأصبح بعضهم رئيسا لأول مجلس بلدي لمدينة الجزائر، مثل أحمد بوضربة. ولكن طبقة الحضر هذه سرعان ما اكتشفت أنها كانت مخطئة في اعتقادها أن فرنسا ستعوض حكم الأتراك بحكم محلي تكون هي (طبقة الحضر) على رأسه. فقد عرف أعضاء هذه الطبقة بعد فترة قليلة من الاحتلال، أن فرنسا جاءت لتبقى، وأن أموالهم وأراضيهم صودرت وأصبحت ملكا للدولة الجديدة، وأن مساجدهم وزواياهم ومساكنهم قد احتلت من الجيش الفرنسي أو هدمت لتفتح الطريق أمام ساحات عمومية، ومسارح، ومستشفيات عسكرية، أو تحولت إلى كنائس. بل إن (أملاك مكة والمدينة)، التي كانت مؤسسات خيرية للفقراء والطلبة قد استولى عليها الفرنسيون وأصبح ريعها يذهب مباشرة إلى خزينة الدولة المحتلة. ومما فتح أعينهم أكثر على الخطأ الذي وقعوا فيه أن السلطات الفرنسية كشفت لهم عن نواياها بعزل وطرد ونفي أولئك الذين قبلوا التعاون معها بدعوى عدم القيام بالواجب، أو التآمر لاستعادة الحكم الإسلاي. أو الانضمام إلى الثائرين ضدها. بل لقد كانت هذه السلطات تعطي عهد الأمان وتنقضه (١)، وتذبح قبائل بريئة كاملة (٢)، وتأسر المرابطين كرهائن، (٣) وتطالب

стр. 62

بخمسين شابا من أكابر العائلات في المدينة لحملهم إلى باريس كرهائن أيضا (١). وأمام هذه الوقائع التجأ حضر الجزائر إلى عدة طرق للتعبير عن عدم رضاهم. لم يكونوا مرابطين فيأمروا أتباعهم بالجهاد ضد فرنسا كما فعل محيي الدين والد الأمير عبد القادر. ولم يكونوا شيوخ قبائل فيدعو أنصارهم إلى حمل السلاح كما فعل ابن زعمون، ولم يكونوا من بقايا الدولة المنهارة فيحملوا الناس على محاربة العدو كما فعل كل من باي التيطري وباي قسنطينة. لقد كانوا مجرد طبقة تاجرة في الماضي ولكنها الآن مجردة من المال، كانوا يحسنون المؤامرات ولكنهم يفتقدون الوسائل. وقد زاد وضعهم سوءا أن كثيرا منهم هاجر أو ارتحل إلى أماكن أخرى في الجزائر نفسها، والذين لم يهاجروا ولم يرتحلوا شتتهم الفرنسيون وأضعفوهم بالنفي والمحاكمات وتسليط الطائفة اليهودية عليهم. وهكذا لم يبق أمامهم، فيما يبدو، سوى الشكوى والتذمر، وكتابة العرائض والرسائل، ومخاطبة الرأي العام باسم الإنسانية. والكشف عن سوءات الحكم الفرنسي في الجزائر، والاتصالات الغامضة بكل الجهات الممكنة لمساعدتهم على الخروج مما أصبحوا فيه، ومن الطبيعي أن نذكر بأنهم لم يكونوا جميعا في هذا المستوى. فمنهم من استسلم للظروف وصمت. ومنهم من رضي بحياة المنفى. ومنهم من ظل يتعاون مع السلطات القرنسية راضيا أو مكرها. وكان للتنافس والطموح وضعف الإرادة والضمير بين أفرادها حظ كبير في ضعضعة هذه الطبقة وإضعاف دورها الذي كان يمكن أن يكون إيجابيا. وليس الهدف هنا هو دراسة هذه الطبقة من جميع النواحي، ولكن

стр. 63

الهدف هو رسم بعض الصور لبعض أفرادها لمعرفة مواقفهم نحو غيرهم، ومواقف غيرهم منهم. وهؤلاء الأفراد يختلفون بلا شك ثقافة وحيوية وهدفا، وهناك عدد كبير منهم كان يمكننا الحديث عنه، ولكننا قررنا الحديث بصفة عفوية عن مصطفى بن عمر، وابنه حمدان بن أمين السكة ومحمد العنابي، وأحمد بوضربة، وحمدان خوجة. ونحب أن نذكر بأن ما سنقوله عن كل منهم ليس ترجمة شخصية له بالمعنى التقليدي، بل هو عبارة عن دراسة لبعض مواقفه من الاحتلال ومن وضع مواطنيه عندئذ. وهذه الدراسة لا تهدف إلى فهم موقف الفرد المدروس بقدر ما تهدف إلى فهم العلاقة بين الجزائريين والسلطات الفرنسية في بداية الاحتلال. يذكر خوجة أن كلوزيل قائد الجيش الفرنسي بعد بورمون، قد طلب من أعيان مدينة الجزائر قائمة بأسماء العائلات الكبيرة في المدينة ليعين منها بايا على إقليم التيطري، وبعد تقديم القائمة اختار كلوزيل منها مصطفى بن الحاج عمر ليكون بايا خلفا للباي مصطفى بومزراق الذي خلعه الفرنسيون لثورته ضدهم (١). وبناء على خوجة أيضا فان ابن عمر كان قريبا من امرأة الداي حسن باشا الجزائر الأسبق (٢)، ويبدو أن ابن عمر كان قليل الخبرة، وأنه لم يسع إلى هذا المنصب ولكن المنصب سعى إليه، وأنه، كبعض زملائه قد قبله كرها. وقد كانت أمامه مشاكل لا تحصى. فكان عليه أن يواجه ثورة الباي السابق ثم ثورة ابنه (ابن بومزراق)، وأن يواجه شكوك وثورة أهل الإقليم الذي تولى عليه والذي كان من أفقر الأقاليم، وأن يواجه أخيرا ضغط الفرنسيين الذين ينتظرون منه إخضاع الإقليم إليهم

стр. 64

فهل كان ابن عمر مؤهلا لهذا الدور؟ تذكر المصادر الفرنسية أنه كان قليل المبادرة، ولم تكن له قدرة لا على التنظيم ولا على الحكم. ومن جهة أخرى أمره كلوزيل عند تعينه (١) أن لا يغير شيئا من الإدارة السابقة، وأن يعمل كأنه باي قديم ولكن الفرنسيين يتهمونه بأنه قد ترك كل شيء يتدهور، وأنه فشل في جلب النافرين إلى فرنسا، وبالأخص عائلات المدية عاصمة الإقليم. وقد اقتصرت أعماله إذن على تسيير الأمور العادية داخل المدينة، وهي أعمال تتعلق بالقضاء والمخالفات ونحوها (٢). ومع ذلك فقد تعلق به أهل المدية ورغبوا في بقائه عليهم حين أراد أن يعود إلى مدينة الجزائر في صحبة الجيش الفرنسي. فابن عمر كان يعرف أنه لا قدرة له على مواجهة الموتف بعد انسحاب الجيش الفرنسي من المدية ولكن المواطنين خافوا من حلول الفوضى فأصروا على بقائه بينهم. كان كلوزيل قد دخل المدية في ٢٣ نوفمبر ١٨٣٠ وأخذ بومزراق أسيرا، وعين بدله ابن عمر المذكور، وترك معه حامية بقيادة دانليون Danlion وعاد إلى الجزائر. وإذا كان بومزراق قد استسلم وذهب إلى الاسكندرية فان ابنه الشاب سي أحمد قد ظل ثائرا، ويقال أن كلوزيل قد ارتكب غلطة بعدم اعتقاله مع أبيه (٣) وعلى أية حال فانه قد ظل زمنا في الببدة إلى أن أحس بأن الظروف مواتية لإعلان الثورة، ثم عاد إلى المدية. مقر حكم والده وقاد الثائرين ضد ابن عمر واحتل دار الباي الريفية، بل كان يدخل المدية دون أن يجرؤ الباي على اعتقاله. وعندما تفاقم أمره طلب ابن عمر النجدة من القائد الفرنسي العام في الجزائر الذي خلف كلوزيل. فجاء بنفسه (أعني برتزين Berthezene) . وهناك انسحب سي أحمد بن

стр. 65

بومزراق من دار الباي، ولكن برتزين فشل في مطاردة العرب. ولذلك قرر انسحاب الفرنسيين تماما من المدية وأخذ معه الباي ابن عمر وعاد إلى الجزائر. أراد برتزين بعد ذلك أن يعين ابن غمر بايا على وهران، ولكن القائد الفرنسي في تلك الناحية: الجنرال بوايي Boyer ، رفض التعاون مع ابن عمر (١). وقد ظل كذلك إلى عهد الدوق دي روفيغو الذي اضطهد طبقة الحضر فذهب ابن عمر. كما ذهب ابنه حمدان بن أمين السكة. إلى باريس خوفا من توجيه الاتهام إليه بأنه يعمل لصالح عودة الحكم الإسلامي. وهو الاتهام الذي وجه إلى زملائه العاملين في صفوف الفرنسيين من حضر الجزائر (٢). ولنذكر هنا بأن ابن عمر كان من التجار الأثرياء وليس عن الحكام، وأن الفرنسيين قد استخدموه فترة ثم تخلوا عنه، وأنه ذهب إلى باريس فانضم هناك إلى زملائه المنفيين فكونوا حولهم حلقة من المعارضين، والفضوليين، وكان بعضهم يقوم بدور نشيط في هذه الأثناء كحمدان خوجة ولكن بعضهم ظل مغمورا، دون أن نعرف السبب حتى الآن. ونشير هنا إلى أن ابن عمر لم يكن من بين الأشخاص الذين مثلوا أمام اللجنة الأفريقية بناء على الوثائق التي أمكننا الاطلاع عليها. وفي باريس أعطى وسام الشرف وكان الناس هناك يخاطبونه (بالسيد الباي) (٣) غير أنه من الواضح أن هذا الوسام لم يكن علامة على اعتراف فرنسا بخدماته فقط ولكنه كان محاولة لإسكاته، لأن هناك عددا آخر من أمثاله كانت توجه إليهم الاتهامات في

стр. 66

الجزائر بينما تمنح لهم الأوسمة في باريس. وكان ابن عمر إذ ذاك يبلغ ٤٧ سنة وكان يتقن الفرنسية، وكان يلبس لباس أهل الحضر ويطعم الفقراء. وإذا كان الحاج ابن عمر قد ولاه الفرنسيون منصب الباي فان ابنه، حمدان بن أمين السكة قد ولوه منصب (أغا العرب) (١) ويبدو أنه بوصية من بوضربة (الذي كان محل ثقة بورمون) عينه بورمون، القائد الأعلى للجيوش الفرنسية، في ذلك المنصب. كان ابن أمين السكة تاجرا، من حضر الجزائر الذين لا يخرجون من المدينة إلا نادرا. ولسوء الحظ أننا لا نعرف إلا القليل عن حياته قبل مجىء الفرنسيين ويذكر الفرنسيون، بعد سقوط أسهمه في أعينهم، أنه كان شرها وغير أمبن، وأنه لم يكن يعرف البلاد، وبالتالي لم يكن يعرف مهمته. ومن جهة أخرى كانت شجاعته محل شك لديهم (٢). ويتسائل المرء عن فائدة تعيينه في منصب هام كالذي أسند إليه ما دام غير مؤهل للقيام به. وعلى أية حال فقد فشل في مهمته، على الأقل في نظر الفرنسيين، لأنه لم يستطع أن يجعل عرب سهل متيجة ينسون أنه تاجر وأنه من الحضريين ولأنه لم يعد محل ثقة لديهم (٣). كان سهل متيجة الذي عين حمدان بن أمين السكة للإشراف عليه باسم الفرنسيين مقسما إلى عدة أوطان، وعلى كل وطن قائد يأتمر بأمر الآغا. وأهم هذه الأوطان هي: وطن بني خليل وعلى رأسه الشرقي، وطن بني موسى وعلى رأسه أوشفون، وطن الخشنة وعلى رأسه العمرى، وطن السبت وعلى

стр. 67

رأسه عبد الوادي. وهناك شرشال التي اعترفت بالبركاني شيخ بني مناصر، وهناك أيضا القليعة التي كانت تخضع لعائلة ابن المبارك. وهو مرابط له سمعة واسعة. هذه هي الأوطان والقبائل التي كان على ابن أمين السكة أن يتفاهم معها أو بجلبها إلى الفرنسيين كما تقتضي مهمته. فماذا فعل؟ إنهم يقولون إنه لم يعرف كيف يستفيد من علاقته بعرب متيجة. فقد قام بارهاب كبير ضدهم بعد انسحاب الفرنسيين من مدينة البليدة (عاصمة السهل) فجلب عليه السخط الكبير من هؤلاء العرب. وهكذا أصبح لا يستطيع الظهور بعد ذلك في متيجة دون تأييد الجيش الفرنسي. وقد أدت هذه السياسة إلى أن أصبح كل السهل في فوضى متناهية، باستثناء مدينة القليعة التي سيطر فيها مرابطو ابن مبارك على الموقف وحافظوا على النظام (١). أثناء حملة الفرنسيين على المدية (نوفمبر ١٨٣٠) تركوا ابن أمين السكة في الموزاية لكي يرقب تحركات العرب في متيجة. ولكن بدلا من ذلك دخل داره وترك الأمور على حالها مفضلا، كما يقولون، عدم التعرض للأخطار. كان الفرنسيون ينتظرون منه أن يتجول في المنطقة، وأن يكسب العرب، وأن يتعرف على المشارع التي يفكرون فيها. ولكنه لم يفعل، فكثرت الثورات وورجه الفرنسيون اضطرابات لم يتوقعوها. فهل كان الآغا (ابن أمين السكة) متواطئا مع عرب المنطقة؟ هل كان مهملا فقط وليس لموقفه أية علاقات سياسية؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه الآن. على أية حال فقد وجه إليه الفرنسيون تهمة عدم القيام بالواجب فطلب من كلوزيل أن يأذن له بجولات في متيجة ليبرهن له على إخلاصه وكفاءته، وجاء في تقريره بعد ذلك أنه تبادل إطلاق الرصاص مع العرب الثائرين. ثم أرسل

стр. 68

من البليدة رأس شخص قال عنه إنه المسئول عن مقتل المدفعيين الفرنسيين الخمسين. (١). وبعد تفحص الرأس تبين أنه لشخص آخر كان صديقا، وليس عدوا للفرنسيين (٢). وإزاء ذلك عزله كلوزيل في ٧ جانفي (يناير) ١٨٣١ من منصبه، وألغى منصب الآغا مدة قبل أن يعين له شخص آخر. وقد أرغمه كلوزيل أيضا على الذهاب إلى فرنسا خوفا من أن يشترك في مؤامرة ضد السلطات الفرنسية مع القبائل التي كان آغا عليها أو مع زملائه الحضريين. ويقال إن ابن أمين السكة كان شابا طموحا يخشى منه. وهكذا نفي إلى باريس حيث تزوج وظل هناك عدة سنوات بعيدا عن مسرح الأحداث، ثم عاد إلى الجزائر، ولكن دي روفيغو، قائد الجيش الفرنسي، نفاه من جديد أثناء حملته التي قام بها لتصفية العناصر الحضرية الهامة من مدينة الجزائر (٣). ويذكر حمدان خوجة أن ابن أمين السكة كان في باريس أثناء تأليف كتابه (المرآة) (١٨٣٣) (٤). وقد انتصر خوجة لزميله في المهنة وفي الغربة واتخذه حجة على تعسف السياسة الفرنسية في الجزائر عندئذ. فالفرنسيون قد عينوه آغا ثم اتهموه بالتهاون، ومع ذلك أعطاه كلوزيل، كما يقول خوجة، شهادة الإخلاص عند سفره إلى باريس، فاذا كان الأمر كذلك، فلماذا، بناء على خوجة، يعزلونه من منصبه وينفونه من وطنه (٥). ولعل مما يؤكدكلام خوجة أن الفرنسيين قد منحوا الأغا (ابن أمين السكة) وسام لشرف أثناء إقامته في باريس، ويذكر بعضهم أن السياسيين والصحفيين الفرنسيين كانوا يدعون حمدان بن أمين السكة، الذي عزلوه في الجزائر، باسم السيد

стр. 69

الآغا (١). ومن الحضريين الجزائريين الذين ظلوا مغمورين المفتي الحنفي سيدي محمد ابن العنابي. كان شخصية فاضلة ومحترمة من معاصريه. وقد هاله ما كان يجري في البلاد ورآه منافيا لشروط التسليم وضد مبادىء الأمة الفرنسية نفسها. لذلك كتب سلسلة من الرسائل إلى الجنرال كلوزيل يذكره فيها بنصوص الاتفاق الجزائري الفرنسي وينبهه إلى العواقب التي قد تجر إليها السياسة المتبعة آنذاك. وقد أرادت السلطات الفرنسية إبعاده من الجزائر فاختلفت له سببا وهو أنه كان يتآمر ضد الدولة بالاتصال بالعرب , وأنه كان يعمل لصالح عودة الحكم الإسلامي إلى الجزائر. وعلى أية حال فقد ألقى كلوزيل عليه القبض وسجنه بعض الوقت ثم نفاه. ويذكر خوجة أن اعتداء شنيعا قد وقع على عائلته أيضا (أي العنابي) (٢). حاول خوجة أن يفهم التهمة الموجهة إلى صديقه العنابي فكان يذهب مرة إليه ومرة إلى كلوزيل. وقد أخبره هذا بأن المفتي كان على اتصال بالعرب وأنه كان يحاول إثارتهم ضد الفرنسيين لذلك ألقى عليه القبض. وعندما ذهب إلى المفتي نفى التهمة نفيا قاطعا. وأخيرا عرف خوجة المبرر وقصه بشيء من العاطفة. فقد زار أحد مترجمي الجيش الفرنسي المفتي العنابي وأعلن له أن كلوزيل سيجلو عن الجزائر وأنه ينوي تسليم مقاليد الحكومة إليك فهل في استطاعتك أن تنظم جيشا وأن تعد قوة تهدىء البلاد وتدافع عنها؟ فأجابه العنابي بأنه سيبذل جهده في التنظيم عندما يحين الوقت. ثم سأله المترجم: وهل ستصلك الجنود من داخل البلاد أو أنك ستعتمد على

стр. 70

قواتك في مدينة الجزائر وحدها؟ فأجابه العنابي: سأجند، عندما يحين الوقت، من المدن ومن جميع أنحاء البلاد. وسيكون في استطاعتي أن أجند ثلاثين ألف رجل. ويؤكد خوجة أن المترجم المذكور قد أخفى شخصين ليشهدا على هذه المحادثة (١). بهذه الوسيلة أوقع الفرنسيون المفتي العنابي في الفخ، في زعمهم، ووجدوا له حجة على إقصائه من البلاد. وقد حضر خوجة وطلب من كلوزيل أن يمهل المفتي بعض الوقت حتى يبيع أملاكه وينهي التزاماته. ويبدو أنه كان من الأغنياء حيث يذكر خوجة أنه كان يملك العقارات والأثاث ولم يحصل له على عشرين يوما إلا بشق النفس وبتقديم ضمانات شخصية. وخلال هذه الفترة استطاع أن يقضي حاجاته. وفي آخرها غادر الجزائر إلى الاسكندرية. وقد كان اتخاذ مثل هذا الإجراء سبب في صمت السلطات التشريعية في البلاد كالقضاة والمفتيين، فهم لم يعودوا إلى الاحتجاج على خرق شروط التسليم خوفا من مصير المفتي العنابي. وهكذا اختفى عنصر من عناصر المقاومة في مدينة الجزائر، ورغم أننا لا ندري مدى التأثير الذي نسب إلى المفتي العنابي بين العرب. فإن الظاهر أنه كان مبالغا فيه. ولكن وجود العنابي في سلطة الافتاء وشخصيته القوية وهمته العالية وجرأته على معارضة الاحتلال -كل ذلك لفتت إليه الأنظار وجعلته قادرا، في أعين أعدائه على الأقل، على القيام بثورة ضدهم تجعل وجودهم في الجزائر محل شك. لذلك قرروا ضربه قبل أن يضربهم. وقد استمرت هذه السياسة من كلوزيل إلى روفيغو إلى بوجو. وهي سياسة تقوم على إبعاد جميع العناصر (الخطرة) ذات النفوذ أو التي يمكن أن تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا بين المواطنين، حتى يخلو الجو للسلطات الجديدة (٢).

стр. 71

أحمد بوضربة لعب دورا بارزا خلال السنوات الأولى للاحتلال، ومع ذلك فلا نعرف عن حياته إلا قليلا. وكل ما نعرفه حتى الآن هو أنه كان من حضر مدينة الجزائر الذين كانوا في الغالب تجارا ميسورين، والذين لم يكونوا على علاقة طيبة مع الحكم العثماني، ولكنهم كانوا راضين بنصيبهم منه على الأقل ظاهريا. ونعرف أيضا أنه كان قد أقام فترة من الوقت في مرسيليا مشتغلا بالتجارة. وهناك تعلم، كما يقول الفرنسيون، اللغة والعادات والتقاليد الفرنسية، وتزوج من فرنسية. وقد تورط هناك أيضا في قضية إفلاس مالي جعلته يغادر مرسيليا ويعود إلى مدينة الجزائر. ونعرف أنه حضر في الرابع من جويليه ١٨٣٠، لدى الكونت دي بورمون، قائد الجيوش الفرنسية، بصحبة حسن بن حمدان بن عثمان خوجة، وكاتب الباشا، ليفاوض على تسليم المدينة إلى الفرنسيين، مقتنعا بما أعلنوه عن أنفسهم من أنهم جاءوا محررين للجزائريين من ربقة الاضطهاد (التركي). ومنذئذ تكونت علاقة بينه وبين بورمون، فكان يثق فيه ويستشيره في شئون الجزائر الداخلية (١). وبورمون هو الذي ولاه رئاسة أول مجلس بلدي في مدينة الجزائر. وكان يأخذ برأيه في تعيين الأهالي ولا سيما الحضريين، في المناصب الجديدة. فهو الذي اقترح، كما قيل، إسناد منصب آغا العرب إلى الحضري حمدان بن أمين السكة، وهو الذي أوصى بتعيين الحاج مصطفى بن عمر بايا على التيطري، وكان يقترح سياسة فرنسا نحو باي قسنطينة وباي وهران. وقد استمر على مكانته وتأثيره عند خلفاء بورمون أيضا فقد ولاه كلوزيل إدارة أملاك مكة والمدينة، ووضع فيه برتزين ثقته. يصفه الفرنسيون بعدة أوصاف متناقضة أحيانا. فهم من ناحية يثقون

стр. 72

فيه وفي إخلاصه ولكنهم من ناحية أخرى يتهمونه بأنه كان يرأس (لجنة المغاربة) التي كانت تعمل لصالح استعادة الحكم الإسلامي في الجزائر والتي كانت على اتصال مستمر مع الباشا المخلوع (١). وقد وصفوه بأنه كان لطيف المعشر وداهية، ولكنه كان بدون مبادىء أخلاقية، وكان كثير المشاكل أكثر من كونه ماهرا عمليا. وفي عهد برتزين بدأ يلعب دورا هاما بين الأهالي، حسب رواية بعض الفرنسيين، الذين كانوا حتى ذلك الوقت يمقتونه لسوء أخلاقه وسمعته السيئة، لا سيما بعد أن ظهر اسمه عدة مرات أمام المحاكم في قضايا مالية ونحوها (٢) وقد اتهمه بعض الفرنسيين أيضا بإثارة القلق والتآمر، بل بارتكاب أعمال خطيرة (٣). أما في عهد الدوق دي روفيغو فان سهم بوضربة قد هبط، كما هبطت أسهم جميع الحضريين أمثاله. فقد رأى الدوق أن بوضربة وجماعته يشكلون خطرا على الاحتلال الفرنسي وأنهم يعملون بأقنعة مختلفة. لذلك قرر التخلص منهم بشتى الوسائل. فسجن بعضهم، وأبعد آخرين عن مدينة الجزائر. وهكذا نفيت في عهده (لجنة المغاربة) التي كان من أعضائها بوضربة، وابن أمين السكة، وابن عمر، وحمدان خوجة، وابراهيم ابن مصطفى باشا. وكان من نتيجة ذلك أن التقى هؤلاء مرة أخرى في باريس حيث لفتوا إليهم الأنظار بمظهرهم الجزائري - الأفريقي، وباتصالاتهم مع رجال الصحافة والصالونات، بل والبرلمانيين. ويهمنا أن نشير إلى أن معرفتنا بدور بوضربة في باريس غير عميقة. فقد كان على خلاف مع حمدان خوجة في السياسة التي يجب اتباعها مع

стр. 73

الفرنسيين. وقد يكون هذا الخلاف شخصيا وقد يكون سياسيا. وبوضربة يعرض بخوجة في (مذكراته) فيصفه بأنه من الذين حملوا أقلامهم لاستعمالها في الهجومات الشخصية (١). ويفخر بأنه ليس من هذا النوع وأنه ينظر إلى الأمور نظرة واقعية وأنه يتحرى الحقيقة وأنه يعمل لصالح مواطنيه، ولفرنسا في نفس الوقت. وقد ظهر بوضربة، كما ظهر خوجة، عند تكوين اللجنة الأفريقية (٧ جويليه ١٨٣٣) فكتب إليها مذكرة. كما كتب إليها خوجة مذكرة. ولكن شتان بين العملين روحا وعاطفة وهدفا. فبينما كان خوجة ثائرا على الأوضاع، غير مؤمن بالتعاون المفروض بين الفرنسيين والجزائريين، كان بوضربة ناقدا للأوضاع ولكنه قابل لها مقترحا حلولا عملية لفائدة التعاون الفرنسي- الجزائري. والمذكرة مقسمة إلى سبعة فصول تضم عناوين مثل التنظيم البلدي، وتطبيق القضاء والعدل. والتنظيمات الخاصة بالمناطق الداخلية، وإدارة المؤسسات الخيرية، وغيرها. وإلى جانب المذكرة مثل بوضربة أمام اللجنة الأفريقية وتقدم عندئذ بخلاصة أفكاره حول العلاقات الجزائرية - الفرنسية. وقد ذكرنا من قبل هذه الآراء، التي لم تكن في الواقع سوى خلاصة للمذكرة، ولذلك فلا نرى داعيا لتلخيص المذكرة هنا. ويذكر دي رينو أن اللجنة الأفريقية قد استمعت بعناية لأفكار بوضربة (٢) كما يذكر إفير أن أفكار بوضربة لم تكن كلها تمنيات مثالية (يوتوبيا)، بل إن الحكومة الفرنسية قد طبقت بعضها، ولا سيما الأفكار الخاصة بالتنظيم القضائي والإدارة البلدية (٣). ماذا فعل بوضربة بعد ١٨٣٤؟ وكيف انتهت حياته؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه حاضرا. ولعل علاقة بوضربة بالفرنسيين في بداية الاحتلال

стр. 74

ليست غريبة عن علاقة بعض الجزائريين أثناء وعند نهاية الاحتلال. فرغم (اعتداله) وتعلقه بفكرة التعاون بين الطرفين لقي جزاءه نفيا واتهاما بسوء الخلق والتآمر. ونحب أن نشير في نهاية هذا البحث إلى أن بوضربة، كخوجة، كان على إطلاع واسع بأحوال بلاده سواء في المدن أو في الريف، وسواء في إقليم الجزائر أو في بقية الأقاليم (١). وإذا كانت حياة بوضربة غامضة فان حياة حمدان خوجة كانت واضحة. فقد كان تاجرا كبيرا ومالكا غنيا من أثرياء مدينة الجزائر. كانت له أراضي في سهل متيجة وأملاكا في مدينة الجزائر. وقد ولد في أواخر القرن ١٨ من أسرة لها مكانة بارزة في الدولة. فكان عمه أمين السكة (أي مسئول المالية)، وكان والده أستاذا في الشريعة وأصول الدين ثم كاتبا من الدرجة الأولى للدولة. وقد مكنه ذلك من ثقافة عميقة ومعرفة شاملة بشئون الدولة والبلاد عامة، كما مكنه من السفر إلى المشرق وإلى أوربا والتعرف على أحوال العالم القديم (الشرق) والجديد (أوربا)، وكان ذلك في وقت دقيق يشهد تغيرات جذرية في السياسة الدولية (مؤتمر فيبنا)، وفي التفكير الإنساني نتيجة الثورة الصناعية. وعند الاحتلال كان خوجة حاضرا في مدينة الجزائر وقد لعب دورا هاما. ولكن من وراء الستار. فهو الذي، على ما قيل، كانت له اليد في الدعوة إلى اجتماع الحضر الذين طلبوا على أثره من الباشا الاستلام. وقد كان محل ثقة الباشا ولذلك أرسله إلى صهره الآغا إبراهيم ليقنعه باستئناف القتال بعد هزيمته (الآغا) في معركة أسطاويلي، وكان ابنه حسن هو الذي صحب بوضرة وكاتب الباشا للتفاوض مع بورمون على شروط التسليم. ويقال إن خوجة كان موضع ثقة بورمون الذي ولاه عضوية المجلس البلدي لمدينة الجزائر، وفي عهد كلوزيل الأول لم يكن خوجة مغضوبا عليه بعد، فكلوزيل هو الذي ولاه لجنة تقدير تعويضات الأملاك المصادرة

стр. 75

وأسند إليه دراسة طالب اليهود من فرنسا لدفع تعويضات عن القروض التي كانوا قد دفعوها إلى الكراغلة، كما أصبح خوجة، متوليا شئون المراسلة بين بومزراق، باي التيطري، وبين السلطات الفرنسية. غير أن حظوظه قد هبطت لعدة عوامل. فقد اتهمته أرملة الآغا يحيى بأخذ نقود منها لكي يمنع إرسال ابنها إلى فرنسا (١). وكان خلافه مع بوضربة قد أضر به. ويذكر بعضهم أن تدخله الملح لصالح المفتي العنابي قد أساء إليه أيضا (٢). ومن جهة أخرى تآمر ضده اليهود الذين لم يكونوا يثقون فيه. أما موقفه غير المتسامح من احتلال المساجد فقد جعله في أعين الفرنسيين من الحاقدين عليهم. وإذا كانت هذه أمور يمكن التسامح معها، فان الفرنسيين لم يكونوا ليتسامحوا معه في الدعاية الواسعة التي قالوا إنه قد نشرها بين الجزائريين عن هزيمة الفرنسيين وانتصار المسلمين في المدية. كان هذا الموقف سببا في عزله من الوظائف التي أسندت إليه والتي قال عنها بأنه قد قبلها لأنه لم يكن له الخيار. وقد وصف هو قرار العزل بأنه كان (بردا وسلاما) عليه (٣)، كان خوجة على اتصال مع الباشا حسين أثناء زيارة حسين إلى باريس سنة ١٨٣١. وكان له به علاقة عالية وسياسية أيضا (٤). وقد اختلفت آراء الفرنسيين حول خوجة. فبيشون Pichon الذي كان عندئذ المتصرف المدني، قد اعتبره رجلا قديرا، أما كلوزيل فقد
следующие страницы →