← Общие книги

Общие книги · id 123658

المزدكية هي أصل الاشتراكية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (287 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عبد اللطيف بن علي السلطاني المزدكية هي أصل الاشتراكية (١٣٩٤ - ١٩٧٤)

стр. 2

عبد اللطيف بن علي السلطاني المزدكية هي أصل الاشتراكية ١٣٩٤ - ١٩٧٤

стр. 3

الطبعة الأولى ١٣٩٤ - ١٩٧٤ جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

стр. 4

الإهداء إلى روح من كان السبب - بعد الله - في خروجي إلى هذا العالم. إلى روح من لم يمتعني الله بحنوه وحنانه. إلى من لم يسعدني القدر بالتعرف على شخصه وملامحه، وإن كنت لمست آثار أعماله، ورأيت تأثيرها في أهل زمانه. إلى روح الذي عاش داعيا إلى الله، ومحاربا للباطل وأنصاره، لا تأخذه في ذلك لومة لائم. إلى روح الذي وهب كل حياته للعلم، بين التعلم والتعليم، حتى فارق هذه الحياة المملوءة بالأتعاب راضيا مرضيا عليه. إلى روح والدي الشيخ علي ابن السلطاني أهدي كتابي هذا، مع الدعوات له بالعفو والرضوان، من رب واسع الرحمة كثير الغفران.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم: الحمد لله الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، تفرد بالربوبية الحقيقية، وتقدس عن الشرك والشركية، الخالق المدبر لكل شيء وحده، لا شريك له ولا معين، المتصرف في خلقه بما جرت به حكمته، وفق إرادته ومشيئته، نحمده على ما أنعم به علينا مخلصين، ونشكره بكل جوارحنا صادقين، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه محمد بن عبد الله أكرم رسله أجمعين، عليهم من ربنا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ورضوان الله عن صحابته الأبرار، وأهل بيته الأخيار، من المهاجرين والأنصار، ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقفوا إلى جنبه وقفة صادقة، قضت على الشرك والضلال، واقتلعت جذور الوثنية والشر والفساد، ونشروا نور الهداية بين الأنام، وأوقفوا نفوسهم وباعوها لله وفي سبيل الله، وللدعوة للحق والهدي، فأعانوا على تثبيت قواعد الإسلام، بما بذلوه من نفوس أبية، وأموال زكية، وأوقات جليلة، كل ذلك بإيمان صادق، وعزم راسخ، لم يرجوا من وراء ذلك إلا الخير والسعادة لبني الإنسان - وخاصة - الذين: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ فجزاهم الله أحسن ما جازى به عباده العاملين آمين. وبعد فيقول العبد المفتقر إلى رحمة الله الغني، عبد اللطيف بن علي بن أحمد ابن السلطاني القنطري، كان الله له وليا ونصيرا، وكان في عون العاملين المخلصين

стр. 6

على نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة - هاديا ودليلا: إن ما يطرأ في هذا العالم - بين الحين والآخر - من أحداث ومذاهب، قد يكون فيها الخير والشر، والصلاح والفساد، والرشد والغي، والنفع والضر، وقد يخفى شرها وفسادها وضرها وغيها على بعض الناس، ولا يفطن له إلا ذوو الأبصار والبصائر الحية، ومن أجل هذا رأينا الكثير من علماء المسلمين - في كل زمان ومكان - كانوا حراسا أمناء على هذا الدين، يقظين بالمرصاد لكل طارئ يطرأ، ممن يحاول العبث بدين الله، فنصحوا وبينوا، وكشفوا وأوضحوا، حتى لا يتجرأ مفتر زنديق على الأمانة التي هم مسؤولون عنها - أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام أمتهم - فيسلبها منهم - شأن اللصوص الماهرين - وهم ينظرون إليه صامتين، فواجبهم الديني أن يكونوا مع الدين: حاملين وعاملين، داعين ومناصرين ومدافعين، إن كانوا من العلماء النزهاء العدول، الذين قال فيهم الرسول ﷺ كما في الأثر -: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)) يقولون الحق لله وللحق، في غير مطمع ولا مطمح، في دنيا أو جاه فأولئك هم العلماء الرجال، الذين لا يرضون - أبدا - أن يهان الإسلام وهم ينظرون، أو تعطل أحكامه وآدابه وأخلاقه وهم ساكتون لاهون. وقد ظهرت في هذا العصر - في غير بلاد المسلمين - مذاهب ونزعات - أو إن شئت فقل نزغات - تخالف شرائع الله التي جاء بها الرسل الكرام، عليهم من الله الصلاة والسلام، ظهرت في غير بلاد الإسلام، وتسربت فدخلت إلى أرض المسلمين، فأفسدت على الضعفاء عقيدتهم، وعلى المحاويج دينهم، بدعاوى شيطانية، وأطماع دنيوية، ووعود لماعة، وأماني خلابة، وما هي في الواقع والحقيقة إلا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. من هذه النزعات - بل النزغات - الشيوعية الملحدة الكافرة بالخالق وبالأديان والأخلاق الفاضلة، التي تسترت بستار وشعار (الاشتراكية) لتخفي على البسطاء مقاصدها وأهدافها، فضربت لهم على النغم الذي يحبونه، ويخلب عقول الضعفاء - بالخصوص - مدعية أنها رحمة جاءت لترحم المحرومين، ونعمة سابغة للمضطهدين، وما هي في الحقيقة إلا سم ناقع، وداء قتال يقتل - فيمن ابتلي به - الشعور بالكرامة الإنسانية، لهذا لم يقبل عليها ويتقبلها إلا النادر

стр. 7

القليل - عن طواعية واختيار - وإن تبنتها وحمتها بعض الهيآت الحاكمة في بعض البلاد الإسلامية، واتخذتها منهاجا تسير عليه، فساء من أجل ذلك الحال، وانشرت الفوضى وسوء السلوك في الأعضاء الحساسة في هياكل الأمة - التي تسربت إليها - بالرغم من التمويه والتدليس على ضعفاء الأحلام، فقد فشلت ولم تنجح إلا في الضلال والتضليل، لهذا أخذت تتراجع عن أشياء كانت من مبادئها. والدارس للتاريخ القديم يعلم - بالمقارنة - أن هذه (الشيوعية) أو (الاشتراكية) وليدة نزعة قديمة ظهرت في الأمه الفارسية قبل الإسلام، ظهرت من رجل اسمه: مزدق - أو مزدك - دعت الناس إلى ما تدعو إليه الاشتراكية الشيوعية اليوم، من إلحادية مضللة وإباحية فاجرة، فواجب على كل مسلم في دينه لرب العالمين، مؤمن بالله ألا يسكت عنها، فإن هدفها القضاء على الدين والأخلاق الكريمة، ويتأكد ذلك الواجب - بالخصوص - على علماء الدين الأحرار المخلصين، فهذا هو جهادهم المطالبون به، يتقدمون إلى ميدانه في شجاعة وصدق عزيمة ونزاهة، لا تأخذهم في قول الحق لومة لائم. ومن المؤسف المحزن أننا رأينا بعض المنتسبين للعلم والذين كتبوا فيها، فمنهم الداعي والمؤيد لها، ومنهم المنتحل لها الأسباب الداعية إليها، وقليل منهم المنكرون لها، فبعضهم سماها إشتراكية الإسلام، وآخر أطلق عليها اشتراكية عمر بن الخطاب، ومنهم من سماها الاشتراكية العربية، ومنهم من نسبها إلى حزبه السياسي الخ كل ذلك ترضية للهيئة الحاكمة، أو طمعا في مال أو جاه أو منصب، وهنا ضاعت جوهرة الحقيقة في رمال الأطماع، وفي يوم الحساب يجد كل واحد جزاءه. ومن العلماء - الصادقين - من كتب فيها بصدق وإخلاص ونزاهة وأمانة، فأظهر حقيقتها مكشوفة كما هي، فأدى الأمانة - أمانة العلم والدين - ونصح لله رب العالمين، غير راغب ولا راهب - من المخلوق شيئا - عملا بقول الصادق المصدوق ﷺ : ((الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) (١).

стр. 8

وسأذكر في هذا الكتاب الذي أسميته ـ[المزدكية هي أصل الاشتراكية]ـ بحول الله وقوته أصل هذه النحلة القديمة - المزدكية - وأذكر أقوال المؤرخين النزهاء من المسلمين وغيرهم فيها، ثم أقابل ذلك - في مناقشة - بما شاع في وقتنا هذا وما هو جار في مجتمعنا الإسلامي - مما له صلة وثيقة بها - وبالمقارنة وذكر الأهداف والغايات يظهر لذوي العقول النيرة أن هذه الاشتراكية ما هي إلا فرع عن تلك المزدكية القديمة، فقد طلعت علينا بأحداث ووقائع كشفت عن المستور من النيات، والمخبوء من المقاصد والغايات. والله المسؤول أن يوفقنا لما يحب ويرضى، ويسدد خطانا في سبيل الحق والصلاح، وهو من وراء القصد: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. القبة (الجزائر) في ٣ جمادى الأولى عام ١٣٩٣ هـ الموافق لـ ٤ جوان سنة ١٩٧٣ م.

стр. 9

الباب الأول تمهيد: ١ - ما هي المزدكية؟ ٢ - من ابتدعها؟ ٣ - أين نبتث شجرتها؟ ٤ - ما هو هدفها؟

стр. 10

الفصل الأول: ما هي المزدكية ؟ المزدكية هي نحلة من النحل - أو مذهب من المذاهب - البشرية، والأحرى دعوة تدعو الناس إلى ما دعا إليه إبليس من قبل، فهي تتزعم حركة (إصلاحية) كما قال صاحبها ... المقصود منها - حسب قوله أيضا - نشر الأمن والسلام في الأرض - كما يدعي - وهي إلى جانب هذا تلزم أتباعها ومعتنقيها العاملين بها وبمبادئها: بأن يزيلوا من بينهم جميع الفروق وأنواع الاختصاص، فلا فرق فيما بينهم، ولا يختص الواحد منهم على أخيه فيها بأي شيء من أنواع الاختصاص حتى في المخصصات الفطرية، كالعرض والشرف، فلا شرف عند المزدكيين، ولا عرض ولا غيرة - والغيرة غريزة حتى عند الحيوانات التي لا تعقل - مثلما هو معروف عند شرفاء النفوس. وسأعمل - ما استطعت - بإذن الله على توضيحها، وتوضيح شقيقتها العصرية (الاشتراكية الشيوعية) فإنها نبتت من بذرتها وأصلها، واتحدت معها في المبادئ والغايات، فهما كما قال القائل القديم: فإن لم تكنه أو يكنها فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها سأعمل على توضيح ذلك حتى يدرك الواقف على هذا الكتاب مدى شرورها وآثامها، ومفاسدها ومكائدها، وما نشرته في زمانها من فوضى في الأموال والأعراض، الأمر الذي تألم منه العقلاء في وقتها، ولم يتنفسوا الصعداء، ولم يستريحوا من كيدها إلا بعد أن قضي عليها، فطهرت الأرض من رجسها، بعد أن دنست بأفعال (مزدك وجماعته) الفظيعة والمنكرة، وسأدعم مما أقوله بأقوال السابقين، من العلماء والمؤرخين الذين كتبوا عنها وعن الطوائف والنحل الأخرى، كي يتبين خطرها وشرها للعقلاء منا، فإن المتقدمين كشفوها للناس،

стр. 11

فهتكوا سترها الذي تسترت به، وفضحوا حيلها ومكائدها، وحذروا بذلك عقلاء الناس من أمرها، حتى لا ينخدعوا بدعوتها التي جعلتها وسيلة لنيل مرادها وما ترمي إليه، من إلحاد في الدين وفساد للعقيدة، وشر في الأرض. إذن ما هي إشتراكية مزدك ... ؟ تعتمد (المزدكية) أو إشتراكية مزدك على عنصرين اثنين هامين في حياة الفرد والأمة، هما عنصر المال، وعنصر المرأة، لهذا نجده - كما نجد من سلك سبيله - فتح ثلمتين في حصن الفرد والأمة، نفذ منهما إلى قلب الفرد والأمة، ومن استولى على المال والمرأة ... فقد استولى على كل شيء، وسخر كل شيء في سبيل أغراضه ومطامحه، واتبعه لذلك أكثر الناس، لأن الأكثرية من الناس تقدم - في الاعتبار - هذين العنصرين على ما سواهما. هذا هو الأساس الذي أرسى عليه (مزدك) بنيان دعوته إلى اشتراكيته. الفصل الثاني: من ابتدعها ؟ مبتدع هذه النحلة، أو الدعوة، أو المذهب - بل مجددها لأنها قديمة - رجل مجوسي من مجوسيي الفرس ادعى النبوة، وجاء بهذه النحلة أو المذهب، على أنها شريعة من الله أرسلها إلى عباده بواسطته هو، واسم هذا الرجل (مزدق بن بامداذ) والفرس يبدلون القاف كافا، فينطقون به (مزدك)، وادعى أن الله أمره هو ومن اتبعه بالعمل بها، فإذا عملوا بشريعته كان لهم الثواب الكثير والأجر العظيم. هذا (النبي) صاحب هذه الشريعة هو مزدك كما قلنا آنفا، وإليه تنسب نحلته فيقال لها: (المزدكية). متى ظهرت هذه النحلة؟ ظهرت هذه النحلة - حسبما ذكره المؤرخون - سنة (٤٨٤) ميلادية. ومزدك هذا إذا قلت أنه شيطان، بل هو من أكبر شياطين الإنس لم أكن - حقا - من المبالغين أو المخطئين، فهو شيطان - ذكي - علم أن الناس ينقادون إليه بيسر، ويقبلون على شريعته برغبة، ويعملون بها بسرعة وبدون تردد، إذا هو جاءهم بشريعة توافق ما تميل إليه النفس البشرية، فتبيح لهم الشهوات

стр. 12

والملذات، بل ويرضى عنهم الله تعالى - حسب دعواه - ويثيبهم على أفعالهم تلك إذا هم اتبعوا شريعة مزدك. وشريعة (مزدك) كما تقدم مبنية على عنصرين هامين في الحياة البشرية: (١) عنصر المال و (٢) عنصر المرأة، أما العنصر الأول وهو (المال) فهو قدر مشترك بين أتباع هذه الشريعة، فلا يختص أي واحد منهم بأي شيء من المال، فكل الأتباع فيه شركاء، فلا يتميز واحد منهم بدار، أو ببستان، وهكذا فأين وجد الواحد من أتباعه دارا أو غيرها أخذها ودخلها واستولى عليها، لأن شريعة مزدك تبيح له ذلك. وأما العنصر الثاني - في المزدكية - وهو (النساء) فقد أباحت شريعته لأتباعها جميع النساء، فلا يختص رجل بامرأة، ولا تختص امرأة برجل معين، فكل المزدكيين شركاء في نسائهم. هذه خلاصة شريعة (مزدك) المجوسي الذي كان يعيش في الربع الأخير من القرن الخامس وبداية القرن السادس المسيحي، أي قبل ولادة الرسول محمد ﷺ ، كما مر قريبا. توضيح دعوته: قال هذا النبي الفاجر الكذاب: (رأيت الناس إنما تكون بينهم الخصومات والأحقاد، بل وحتى القتال والحروب - من أجل الأموال والنساء - لهذا رأيت أن أزيل من بينهم الأسباب التي تؤدي بهم إلى الخلاف والخصام والعداوة والقتال. من أجل هذا يجب أن نزيل الأسباب حتى لا تكون المسببات، ومن العداوة والخصام تكون الحروب بين الناس، من أجل ذلك يجب أن يعيش الناس كلهم في اتفاق وأخوة وسلام. فشريعته كما رأيناها من خلال دعوته فكرة شيطانية، تفسد المجتمع الذي تطبق فيه، فتفسد أخلاقه وتجعله مجتمعا إباحيا حيوانيا كسولا، لا قيمة له بين الشعوب في الأرض، بل إن شريعته على العكس مما قال، تقوي العداوة بين الناس لا أنها تزيلها وتقضي عليها كما زعم زعيمها. وقد وجد أصحاب الشهوات البهيمية في هذه الشريعة الإباحية، والكسالى الذين لا يحبون أن يعملون ليكسبوا كما يعمل غيرهم ويكسب، كما وجد

стр. 13

فيها الفجار والفساق - ضالتهم المنشودة - وجد كل هؤلاء بغيتهم وما تشتهيه نفوسهم الخبيثة في هذه الشريعة الخبيثة. فالرجل لا يتعب نفسه في كسب المال والكد من أجل تحصيله، فالناس يتعبون وهو يجد ما يريد من غير تعب، كذلك لا يكلف نفسه نفقة الزوجة والأولاد، بل يكفيه أن يتبع (مزدك) فكل امرأة تعلقت رغبته بها فهي مباحة له حلال عليه - حسب شريعة مزدك - فكانت دعوته إلى شريعته مقبولة عند السفهاء والفساق والفجار، وعند الكسالى والعاطلين، فانتشرت دعوته بسرعة - لأنها شيطانية - وكثر أتباعه كثرة عظيمة، حتى اضطر ملك البلاد (كسرى) كما يلقب الفرس الساسانيون ملوكهم بهذا اللقب - إلى أتباعه خوفا على ضياع كرسيه، واسم كسرى هذا الذي آمن بـ (مزدك) واتبعه فيما دعا إليه: (قباذ بن فيروز) - بضم القاف، وأجبر على اتباعه لأنه بقي في قلة من أهل الشرف والمروءة والأنفة والحمية، ذلك أن مزدك هدده وتوعده بالخلع عن كرسيه وإبعاده عن العرش الكسروي إذا هو لم يؤمن به ويتبع شريعته، فاتبعه، الملك مضطرا، وذلك سنة (٤٨٨) م وصارت الشريعة المزدكية شريعة الملك - بدخوله فيها وقبوله لها - معترفا بها من قبل القصر الكسروي، فلحق الناس منها عار عظيم لم يمح بقتل مزدك كما سيأتي، بل بقي مكتوبا ومسجلا في التاريخ إلى يوم الناس. الفصل الثالث: أين نبتت شجرتها ؟ ظهر مما ذكر آنفا أن الأرض التي نبتت فيها هذه الشجرة الخبيثة كانت أرض الفرس - بلاد العجم - وسكانها كانوا وثنيين، لهم معبودات شتى من بيوت النار وغيرها، كما كانت لهم شرائع يدينون بها كشريعة (زرادشت) وغيرها، واستمر عملهم بهذه الشرائع أحقابا طويلة إلى أن أنقذهم الله من وثنيتهم تلك بشريعة الإسلام، شريعة التوحيد الخالص، ففتحت أرضهم ودخلها الإسلام في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، ولا زالت إلى الآن دار إسلام كسائر بلاد الإسلام. فبعد أن عرفنا شيئا عن هذه النحلة، نرى لزاما علينا أن نأتي هنا بما قاله علماء التاريخ الذين قصوا علينا أخبار هذه الفرقة الضالة، وتتبعوا في جميع مراحلها وأطوارها، كي نزداد بها وبأختها (الاشتراكية) معرفة، ومنها فرارا ويقظة وحذرا.

стр. 14

الباب الثاني أقوال علماء التاريخ في المزدكية وفي دعوتها

стр. 15

الفصل الأول: ١ - تعريف الشهرستاني لمزدك ونحلته. جاء في كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني عند الكلام على هذه النحلة قوله: (هو مزدك الذي ظهر في أيام - قباذ والد أنوشروان - ودعا قباذ إلى مذهبه فأجابه، واطلع أنوشروان على خزيه وافترائه فطلبه فوجده فقتله) وجاء فيه أيضا: (وكان مزدك ينهي الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلاء (١). ٢ - تعريف المسعودي: ورد في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي عند كلامه على ملوك الفرس قوله: (ثم ملك قباذ بن فيروز، وفي أيامه ظهر (مزدك) الزنديق، وإليه تنسب (المزدكية) وله أخبار مع قباذ، وما أحدثه في العامة من النواميس والحيل، إلى أن قتله أنوشروان في ملكه) وزاد على ما تقدم فقال: (ولما ملك أنوشروان قتل مزدك وأتبعه بثمانين ألفا من أصحابه) (٢) وسيأتي بيان أوسع من هذا يوضح كيف قبل الملك (قباذ) الدخول في مذهبه، وكيف توصل كسرى أنوشروان بن قباذ إلى قتل هذا الزنديق المفسد.

стр. 16

معنى أنوشروان: ولما قتل كسرى أنوشروان (مزدك) وأراح منه ومن شره البلاد والعباد، اجتمع الكهان وخلعوا على الملك هذا اللقب (أنوشروان) شكرا له وتقديرا لما فعل بمزدك وجماعته المفسدين في الأرض، ومن ذلك الوقت صار يدعى (كسرى أنوشروان) ومعناه بالعربية - الروح الخالدة، أو مجدد الملك - لأنه أعاد للأمة الفارسية - ذات الحضارة القديمة - ما كانت أضاعته من أراضيها في أيام الملوك المتقدمين عليه، فجمع ملكها الكبير بعد شتات استمر أزمانا. ٣ - ما قاله المؤرخ الطبري: وذكر المؤرخ الطبري - مبينا دعوة مزدك - ما يلي: (قال مزدك وأصحابه إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا - يقصد مزدك وجماعته - أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترص السفلة (١) ذلك واغتنموه، وكانفوا (٢) مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله، ونسائه، وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على ذلك، وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به، وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم) (٣). وهكذا في كل زمان ومكان من قديم الزمان إلى يومنا هذا، إذا أحاطت حاشية السوء والفساق بالملوك - ومن كان في منزلتهم - فإنهم يحولون

стр. 17

بينهم وبين ذوي الحاجات من عامة الناس، فلا يصل إليهم مظلوم ليرفع ظلامته إليهم كي ينصفوه من ظالمه. ٤ - تعريف صاحب المنجد في الأدب والعلوم لمزدك: جاء في منجد العلوم ما يلي: (مزدق رجل إيراني، دعا إلى مذهب غايته نزع الخلاف بين الناس، بجعل الحق في الأموال والنساء مشاعا بينهم، قد نجح سعيه على أيام الملك (قباذ) (٤٨٨ - ٥٣١) مات قتيلا) (١). كيف اتبع الملك قباذ مزدك؟ ولماذا؟ فقباذ لم يستجب لـ (مزدك) وجماعته إلا بعد أن توعده وهدده بخلعه وإزالته عن عرشه وكرسيه إذا هو لم يتبعهم ويتركهم يعبثون بأموال الناس ونسائهم كما يشاؤون ويبتغون، فقبل - مكرها - واتبعهم على مذهبهم، وبهذا صار المذهب المزدكي مذهب الملك (كسرى) فاكتسب بذلك قوة، وهكذا قوي الباطل باتباع أهل الرأي الصائب له، ولكن إلى حين. نعود مرة أخرى إلى المؤرخ ابن جرير الطبري، فنجده ذكر في مكان آخر من تاريخه نبذة من أقوال وأفعال هذا الزنديق الذي نشر الفساد والعار في الأرض، فقال: (وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه: التآسي (٢) في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وإنه لو لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض، فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب، وللظلمة إلى الظلم، وللعهار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله (٣). فقد رأينا من خلال هذا التوضيح، أن الفاحشة وانتهاك الحرمات والاعتداء

стр. 18

على كرامة وحرمة الحرائر المصونات، هذا كله يعد قربة وطاعة لله في المذهب المزدكي الشيطاني!!! يا لها من وقاحة وبهتان. فإذا كانت الفواحش قربة وطاعة فهي - في الحقيقة - للشيطان، فهو الذي يأمر أتباعه بالفواحش ويزينها لهم، ويدعوهم إليها، أما الخالق الحكيم مرسل الرسل الصادقين بالشرائع السماوية الطاهرة حاملة معها قوانين إصلاح البشر وإسعادهم، مبينة لهم الحدود التي لا يجوز للإنسان أن يتعداها ويجاوزها إلى ما وراءها - قلنا أما الخالق الحكيم فحاشاه أن يأمر بالفواحش أو يثيب عليها وهو القائل: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). ٥ - ما قاله ابن النديم في المزدكية والخرمية: وهذا ابن النديم يقص علينا في كتابه "الفهرست" عن محمد بن إسحاق من خبر هذا الشيطان المارد ودعوته الخبيثة الفاسدة المفسدة للمجتمع وأخلاقه - تحت عنوان "مذهب الخرمية والمزدكية" - ما يلي: (وهؤلاء أهل مجوس في الأصل، ثم حدث مذهبهم، وهم ممن يعرف بـ "اللقطية"، وصاحبهم مزدك القديم، أمرهم بتناول اللذات والانعكاف على بلوغ الشهوات، والأكل والشرب والمواساة، والاختلاط وترك الاستبداد بعضهم على بعض، ولهم مشاركة في الحرم والأهل، لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر، ولا يمنعه، ومع هذه الحال فيرون أفعال الخير، وترك القتل، وإدخال الآلام على النفوس، ولهم مذهب في الضيافات ليس هو لأحد من الأمم، إذا أضافوا الإنسان لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائنا ما كان، وعلى هذا المذهب (مزدك الأخير) الذي ظهر في أيام قباذ بن فيروز، وقتله أنوشروان وقتل أصحابه، وخبره مشهور معروف (٢). فالمفهوم مما ذكره ابن النديم أن اسم مزدك سمي به رجلان، أولهما مزدك القديم والثاني مزدك هذا الذي ظهر في أيام الملك (قباذ بن فيروز) والذي قتله أنوشروان بن قباذ عندما ورث عرش أبيه، وسيمر بنا قريبا - إن شاء الله -

стр. 19

زيادة بيان لهذه النقطة، أما دعوتهما فواحدة في هدفها وما ترمي إليه، لم تختلف حسبما أوضحه المؤرخون. ما هي الخرمية؟ أما الخرمية (١) التي جاءت في عنوان ابن النديم مع المزدكية فقد بينها وأوضح أهدافها الكثيرون ممن كتبوا عن الطوائف والفرق، ونكتفي هنا بما ذكره العالم المستشرق الألماني (يوليوس فلهوزن)، وهو باحث محقق في التاريخ العربي واليهودي والمسيحي، لأنه كان ابن قسيس، وقد درس المسيحية وأجيز فيها. ٦ - ما قاله (فلهوزن) في الخرمية والمزدكية: قال: (أما الخرمية فلم تكن حزبا، بل كانت نزعة إباحية عامة وكان الخرمية - كما يزعمون - لا يرضون عما في الإسلام من نزعة يهودية، أعني أنهم كانوا يعترضون على روح التطهر والتشدد الحزينة في ذلك، فكانوا يريدون أن يجعلوا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين، وهم في ذلك يصلون مذهبهم بالديانة الوثنية التي كانت في بلاد العجم من قبل، ويجوز أنهم كانوا إلى جانب ذلك متأثرين بمبادئ اجتماعية، كانت تلائم ما يطمح إليه الموالي أحسن ملاءمة، ويروى أن الخرمية، والراوندية، قد جددوا الدعوة إلى الشيوعية في النساء، وهي الشيوعية التي كان مزدك قد دعا إليها من قبل) (٢). فقد اتضح من هذا الرأي الذي أبداه العالم الألماني (يوليوس فلهوزن) أمران: ١) أن الشيوعية متفقة مع الخرمية في مقاصدها وأهدافها

стр. 20

وهي الشيوعية في النساء، - ٢ - أن الخرمية - أخت للشيوعية. وهما لا يحبان التطهر والتدين، ويريدان أن يجعلا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين، ومن أجل هذا رأينا في البلاد الاشتراكية والشيوعية عناية كبرى بالغناء والرقص بجميع أصنافهما، وصارت الأموال تنفق عليهما من خزينة الدولة بغير حساب مع مسيس الحاجة إلى تلك الأموال لصرفها في المشاريع المفيدة للأمة، فهذه الفرق - الفنية - الكثيرة يؤتى بها من كل مكان لتقيم الحفلات الساهرة في الليالي العديدة، في المناسبات وفي غير المناسبات - تطبيقا وعملا بهذا المبدأ الذي أشار إليه العالم الألماني - وصار للفن الماجن الخليع انتشار كبير مذهل، وصاروا يلقبون صاحب المجون حامل رسالة، وللفن الفاجر رسالة .. فإن كان الفن الخليع رسالة، وحامله رسولا، فذلك للشيطان، كما صار لهذا الفن، مكانته في وزارات الأخبار والثقافة، وصارت كلمة - الثقافة - تطلق على الرقص والمجون، وما ينشأ عنهما، والأمة في حاجة أكيدة إلى المدارس والجامعات والمستشفيات والمساكن وغير هذا من المشاريع الهامة والنافعة لأبناء الأمة المحرومين من كثير من وسائل الحياة الكريمة. فالمال الذي ينفق على جلب فرق الرقص والغناء الخليع والماجن ربما يفوق - كثرة - أو يساوي ما ينفق على جلب العلماء لتعليم أبناء الأمة ما يعود عليهم بالنفع والفائدة، من شتى أصناف العلوم والصناعات جاء في المثل العربي (خَرْقَاءُ وَجَدَتْ صُوفًا). وقد رآى النظارة بواسطة التلفزة الجزائرية - في أيام أسبوع العلم - الذي يقام - عادة - بمناسبة ذكرى وفاة العالم الكبير، والمصلح الجزائري الشيخ (عبد الحميد ابن باديس) - نعمه الله بنعيمه الدائم - الذي لا يستطيع أحد أن ينكر علمه وفضله وورعه وصلاحه وطهارة نفسه، والذي بذل كل جهوده وطاقاته في سبيل بعث الأمة الجزائرية من جديد - وقد أنجح الله جهوده - بواسطة علمه وتقواه لربه وإخلاصه في عمله - أقول رآى النظارة في أسابيع العلم تلك ما يمجه الذوق السليم، وينكره الضمير الحي، وينبذه العقل الواعي، وخاصة في أسبوع هذه السنة - من ١٦ أفريل ١٩٧٣ إلى ٢٢ منه، فقد مر الأسبوع معظمه - إن لم نقل كله - بسهراته في الرقص الخليع، بل شاهد

стр. 21

النظارة حتى رقصة البالي - وهي كما يعرف الجميع من كشف وتهتك - وكان أسبوع هذه السنة أكثر خلاعة ومجونا من أسابيع السنوات الماضية، ففيه تدرج إلى ما لا يليق بالعلم، وعلماء الدين بالخصوص. فهل هذا وفاء وبرور بالعلم، وعالم الجزائر العظيم ... ؟؟؟ أو هو عقوق لهما من أقبح وأشنع أنواع العقوق؟ وما هذا في الحقيقة إلا تطبيق للنزعة الخرمية والاشتراكية الشيوعية، التي تعمل - جاهدة - على تلهية الأمة بشتى أنواع اللهو، ولو كان لا يوافق طبيعة الأمة والذوق السليم، كما شاهد الجزائريون سنة (١٩٦٧) حتى الفرق اليهودية الصهيونية (١) التي جيء بها للغرض نفسه، وقد يكون ذلك في ليالي الشهر المبارك - شهر رمضان المعظم من المؤمنين - بعنوان - إحياء ليالي رمضان - وهذا أمر غريب عن الشريعة الإسلامية، فليالي رمضان إنما يكون إحياؤها بما جاء في شريعة الله، لا بما جاء في شريعة الشيطان، فهؤلاء كما قال العالم الألماني: (يريدون أن يجعلوا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين). اللهم هب لنا عقولا مدركة صافية من كل ما يكدرها ... وبمناسبة الكلام على الفن وفرقه أقول: إن الوقت الذي يقضيه المسلم في الاستماع إلى هذه الفرق الفنية التي تبث في أوساطها ما لا يليق بالمسلم سماعه وقت ضائع لا خير فيه، زيادة عن كونه يبعث في الناس الكسل - وخاصة الشبان - وما لا يليق من الأخلاق، والأمة

стр. 22

التي تكثر منه ومن فرقه لا تستطيع أن تواجه خصومها في ميادين الحياة والجد، لأنها أضاعت أوقاتها في الهزل واللعب، ولربما يقضي ذلك عليها كأمة بين الأمم فهل نسينا أن الفن والغناء هما العامل القوي الذي عجل بضياع الأندلس - الفردوس المفقود -؟ فقد كان الغناء وما جر إليه هو الشغل الشاغل للأمراء وقادة الجيوش وبيوت العظماء وذوي الثراء منهم، فاشتغلوا به وأعرضوا عن النظر في شؤون الدولة وشؤونهم، وهم أمام أعدائهم، فلم ينتبهوا من سكر الفن حتى داهمهم الشر والعدو من كل جانب، فالحياة حياة جد وعمل، لا حياة هزل وكسل. وكضياع الوقت بلا طائل ضياع المال الذي ينفق على الفن، فهو مال ضائع إذ لا فائدة تعود منه، فلا يستفيد منه إلا المحترف له، وقد صار الفنانون - وخاصة المغنون منهم - من أغنى طبقات الشعوب، لما يملكون من عمارات وغيرها، ولهم أرصدة مدخرة في المصارف، وقد يبلغ كراء المقعد الواحد في حفلة غنائية مائة دينار جزائري، أي عشرة جنيهات أو أكثر، وهذا يدل على السفه وسوء التدبير، ولعل البعض منا لا يعجبه هذا الكلام، ويعده صادرا من رجل متأخر - حسبما يرى - ومع هذا فهو الحقيقة، والحقيقة لا تخفى على أحد، ولبعض المغنين تطأطأ الرؤوس، فقد رأيت مرة رئيس جمهورية ذهب إلى المطار لملاقاة أحد المغنين المشهورين. نعود - بفكرنا - لما تقدم لنرى أن المذهب المزدكي - وما تفرع منه - ذلك المذهب الذي يحمل لأهله وأتباعه كل أنواع الخزي والعار - لم يدع إليه ويحث عليه أي عاقل من البشر، حتى الوثنيون، فقد كانت عندهم أخلاق وعادات حسنة، وغيرة وأنفة على الحرمات، فما هو إلا مذهب من المذاهب الحيوانية البهيمية، وقد بان مما ذكرناه هنا وفيما سبق - أن الشيوعية والاشتراكية اللتين انتشرتا - حديثا - إنما هما تجديد وامتداد للمزدكية. ٧ - رأي أحمد أمين في مذهب مزدك: قال المرحوم أحمد أمين بعد أن نقل كلام ابن جرير الطبري، وما أمر به - مزدك - أتباعه ما يلي: (فترى من هذا أن تعاليمه - يعني مزدك - إشتراكية من أسبق الاشتراكيات في العالم.) (١).

стр. 23

٨ - ما قاله المفكر الكبير العلامة ابن خلدون: وشبيه بهذا ما ذكره العلامة ابن خلدون في تاريخه (كتاب العبر) حيث قال: (وسورة الخبر - يريد نزاع ملوك الفرس - أن مزدك الزنديق كان إباحيا، وكان يقول باستباحة أموال الناس، وأنها فيء - أي غنيمة - وأنه ليس لأحد ملك شيء ولا حجزه، (وهذا هو نفسه ما تدعو إليه الاشتراكية الشيوعية)، والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس، ولا يختص به أحد دون أحد، وهو لمن اختاره، فعثر الناس منه على متابعة مزدك في هذا الاعتقاد) (١). فظاهر من قول ابن خلدون (والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس) ومما تقدم من قول الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) عند الكلام على مزدك والمزدكية وهو قوله: (فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء، والنار، والكلاء) أن المزدكية هي نفس الشيوعية والاشتراكية اليوم فيما ترميان إليه من إلحاد وكفر وزندقة وفجور، واستيلاء على أموال الناس، بدعوى ردها إلى الفقراء، وكما رأينا ذلك - أيضا - في كلام المؤرخ الألماني (فلهوزن) حيث قال: (ويروى أن الخرمية، والراوندية، قد جددوا الدعوة إلى الشيوعية في النساء، وهي الشيوعية التي كان مزدك قد دعا إليها من قبل ..). فهذه الفرق الأعجمية الضالة: المانوية، والمزدكية، والخرمية، والراوندية وغيرها - كالشيوعية، والاشتراكية- هي التي بلبلت أفكار ضعفاء العقول وأصحاب المطامع والشهوات. فبان من هذه الأقوال كلها أن (الشيوعية) و (الاشتراكية) اللتين ظهرتا في عصرنا هذا هما صنوان - أختان - لشيوعية واشتراكية (مزدك) المجوسي، فالجميع من فصيلة واحدة كما قال القائل الحكيم: (فإن لم تكنه أو يكنها فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها) بل - هما هي وهي هما - وإن اختلفت أسماء هذه الاشتراكيات بحسب البلدان التي ابتليت بها وبحسب ما يناسب جو أهل البلد والوطن الذي طبقت فيه، فكل بلد سماها ونعتها بما يوافق هواءها أو هواها، كما تقدت الإشارة إليه من قبل.

стр. 24

فنرى وجه الشبه والاتفاق موجودا فيها كلها، وخاصة في الملك الفردي الخاص، وما عطف عليه مما يقبح التصريح به والتعرض له، فمبدأ الجميع واحد - كل شيء على الشياع لا يختص به أحد دون آخر - ومن أجل هذا الحلم اللذيذ أقبل عليها الذين وجدوا في دعوتها ما يوافق أهواءهم وغرائزهم، فاعتنقوها ودعوا إليها وهم يعلمون أنها لا تتوافق ولا تتلاقى مع تعاليم الشرائع الإلهية، التي أنزلها الخالق العليم بحسب ما يصلح مخلوقاته، فاعتنقوها واتخذوها دينا لهم ومذهبا، بدلا من دين الله، ومذهب الحق والعدل، وأخذوا يزينونها ويزينون مبدأها للأغرار وضعفاء العقول، وأرباب الأطماع والشهوات، ويذيعون فيهم ذلك بواسطة أجهزة الإعلام الحكومية، من شركات الأخبار، والصحافة، والإذاعة، والتلفزة، وغير ذلك من وسائل الإعلام. وَقَدِيماً مَالَأَ مُزْدَكَ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ وَأَصْحَابُ الشَّهَوَاتِ وَالْكُسَالَى وَشِرَارُ النَّاسِ. لهذا أحب الاستيلاء على أموال الناس، أولئك الذين لم يستطيعوا أن يعملوا - كما عمل غيرهم - لمركب النقص الذي هو فيهم، فلم يعملوا كما عمل غيرهم، حتى يملكوا ما يعود عليهم بالنفع والفائدة، فاتخذوا مذهب الشيوعية والاشتراكية وسيلة للاستحواذ على أموال الناس وأخذها، وبعد ما تعب أصحابها ونصبوا في العمل والكد توصلوا إلى امتلاك شيء قد ينفعهم عند الحاجة إليه، وقد كان استحواذهم عليها بواسطة التسلط بالقوة، وبدون حق شرعي، أو قانون عادل - تماما - كما فعل مزدك وأصحابه، ولو حاول محاول انتزاع كراسيهم منهم لقتلوه ... كما اتبع المزدكية - أيضا - ضعاف النفوس وشرار الناس من الفجرة والفسقة، لأن شريعة الحق والعدل - شريعة الله - لا تبيح للناس أن يستبيحوا أعراض النساء، ولا أن يأخذوا أموال الغير بغير رضاه وبدون موجب شرعي مقبول، فكل من اتبع المذاهب والقوانين البشرية - مثل المزدكية القديمة والجديدة - وأعرض عن القوانين الدينية والشرعية فإنه إنما اتبعها وعمل بها من أجل شيء واحد لا غير، هو مصلحته العاجلة وإشباع شهواته بواسطتها، فراح يبحث عن شريعة الشيطان يتبعها ويدعو إليها، لأنها

стр. 25

تعينه على بلوغ أغراضه، فاعتنقها وشرع يزينها للناس، بل ويحثهم على العمل بها. ٩ - ما قاله بروكلمان في المزدكية وأصلها وما تولد منها: ونضيف إلى ما سبق ما قاله العالم الألماني والمستشرق الكبير (كارل بروكلمان) في كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" ما نصه: (وفي فترة الفوضى التي عقبت هزيمة الملك (فيروز) ومصرعه في المعركة التي خاضها ضد الهون البيض (١) سنة ٤٨٤ م ظهر معلم ديني آخر هو (مزدك) الذي واصل فعل ماني من قبل النزعة (الغنوسية) (٢) في إيران، لكن تعاليمه أدت عند التطبيق إلى الاشتراكية في الزوجات والأموال، وقد اعتنق الملك الجديد (قباذ) الأول مذهب مزدك سنة ٤٨٨). وقال - أيضا - بعد الذي تقدم ذكره: (حتى إذا خلفه ابنه كسرى الأول جعل "الزرادشتية الرشيدة" مذهب الدولة الرسمي من جديد، فخلع عليه كهانها الشاكرون لصنيعه لقب (أنوشروان) أي الروح الخالدة (٣). فالعالم الألماني سمى النحلة المزدكية "الاشتراكية في الزوجات والأموال" كما سبق لزميله (فلهوزن)، وهذان العالمان الألمانيان معروفان بالتحليل والتدقيق. ١٠ - ما قاله النويري في المزدكية وأصحابها، وما فعله كسرى أنوشروان بهم: ولزيادة التوضيح والبيان أو الدراسة التحليلية لهذا المذهب الباطل نورد هنا ما ذكره العلامة شهاب الدين (النويري) في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" عند كلامه على ملك أنوشروان وإبطاله لملة (زرادشت) الثاني ومزدك ما يلي: (وكان أول ما بدأ به أن أبطل ملة (زرادشت) الثاني الذي كان من

стр. 26

أهل (فسا)، وأبطل ملة المزدكية، وقتل على ذلك خلقا كثيرا وسفك من الدماء بسبب أبطال هذين المذهبين ما لا يحصى كثرة، وقتل قوما من المانوية) (١). وزاد النويري بعد الذي تقدم ذكره بقليل قوله: (وأما تدبيره - يعني به أنوشروان - في أمر المزدكية وإبطال ما فعلوه، فإنه ضرب أعناق رؤسائهم وقسم أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن عرف من الذين كانوا يدخلون على الناس في بيوتهم، ويشاركونهم في أموالهم وأهاليهم، ورد الأموال إلى أربابها، وأمر بكل مولود اختلف فيه أن يلحق بمن هو في سيمائه، وأمر بكل امرأة غلب عليها أن يؤخذ الغالب عليها حتى يغرم لها مهر مثلها، ثم تخير المرأة بين البقاء عنده وبين تزويج غيره، إلا أن يكون لها زوج أول فترد إليه، وأمر بكل من أضر برجل في ماله، أو ظلمه أن يؤخذ منه الحق، ويعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه) (٢). وكان النويري قد ذكر قبل هذا كلاما يشبه في معناه ما قاله المؤرخ ابن جرير الطبري، مع شيء من التفصيل نورده هنا: (وفي أيام قباذ ظهر مزدق ويقال فيه مزدك، وتفسيره حديد الملك، وإليه تنسب المزدكية، ويقال لهم "العدلية" وقال: إن الله تعالى إنما جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالسوية، ولكن الناس يظلمون، واستأثر بعضهم على بعض، فانضم إليه جماعة وقالوا: نحن نقسم بين الناس بالسوية، ونرد على الفقراء حقوقهم من الأغنياء، ومن عنده فضل من المال، والقوت، والنساء، والمتاع وغير ذلك فليس هو له، ولا أولى به من غيره، فافترص السفلة ذلك واغتنموه واتبعوا مزدك وأصحابه، فقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على ما فيها من ماله ونسائه، ولا يستطيع أن يردهم عنه ولا يدافعهم، ورآى الملك قباذ رأي مزدك وأصحابه وتابعهم، فازداد قوة، فلم يلبث الناس إلا قليلا حتى صار الأب لا يعرف ولده، ولا الولد يعرف والده، ولا يملك أحد شيئا، وصيرت العدلية قباذ في مكان لا يصل إليه غيرهم، فاجتمعت الفرس على خلع قباذ من الملك، ففعلوا ذلك) (٣).

стр. 27

ففي هذا الكلام تفصيل لأعمال فرقة المجرمين (المزدكية) ولما لاقته من جزاء عادل - لأنها سمت نفسها العدلية - على إجرامها، استأصلها وقطع دابرها واقتلع عروق شجرتها الخبيثة، هذه الفرقة التي ابتليت بها أمة الفرس ذات التاريخ القديم والحضارة الأصيلة، وذلك في الربع الأخير من القرن الخامس من ميلاد المسيح ﵇، كما مرت الإشارة إليه سابقا، ومن الغريب المضحك أنها نسبت نفسها للعدل وهي الظالمة، فالأسماء لا تغطي الأفعال، إذا كانت الأفعال تخالف الأسماء، فالإعتداء على الناس في أموالهم وأعراضهم لا يسمى عدلا. ١١ - ما قاله ابن نبالة المصري في هذه الفرقة الشريرة: وذكر ابن نباتة المصري في شرحه المسمى "سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون" عند الكلام على كسرى، وعند قول ابن زيدون: (وكسرى حمل غاشيتك) قال: (إن هذا الاسم لقب لملك الفرس، والمراد هنا كسرى أنوشروان، فإنه أشهر ملوك الفرس، وأحسنهم سيرة وأخبارا، وهو كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز، وفي أيامه ولد النبي ﷺ ، وقال: (ولدت في زمن الملك العادل) (١) يعني كسرى، وكان ملكا جليلا محببا للرعايا تام التدبير، فتح الأمصار العظيمة في الشرق، وأطاعه الملوك، وتزوج ابنة خاقان ملك الترك، وقتل مزدك وأصحابه، وذلك أن أباه قباذ قد بايع رجلا زنديقا يسمى مزدك، أحدث مقالات في إباحة الفروج والأموال، وقال: إنما الناس فيها سواء، وكان لا يسفك الدم. ولا يأكل اللحم، وأنه دخل يوما على قباذ وعنده زوجته أم كسرى أنوشروان، وكانت من أحسن النساء، وعليها حلي عظيم، فأعجبته، فقال لقباذ: إني أريد أن أنكحها، لأن في صلبي نبيا يكون منها، فأطاعه قباذ - لقوله بمقالته - فلما هم مزدك بها - وكان كسرى صغيرا - قبل قدميه وتضرع له في أن لا يفعل، فوهبها له. فأول ما ولي كسرى بعد موت أبيه قتل مزدك وأصحابه، فعظم في أعين الفرس (٢).

стр. 28

إن هذا الملك العظيم (كسرى أنوشروان) قد أظهر من حسن التدبير والعدل في سياسة الملك ما جعله محبوبا عند أمته - زيادة عما فعله بالمزدكية المفسدة - وصار يضرب بعدله الأمثال - وإن كان مشركا - وفي هذه القصة التي أقصها هنا ما يؤيد ذلك: جاء في كتاب "مروج الذهب" للمسعودي عند الكلام على ملك أنوشروان الملك العادل قوله: (وانصرف أنوشروان إلى العراق، ووفدت عليه رسل الملوك وهداياها والوفود من الممالك، وكان فيمن وفد إليه رسول لملك الروم قيصر بهدايا وألطاف، فنظر الرسول إلى إيوانه (١) وحسن بنيانه، واعوجاج في ميدانه، فقال: كان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعا، فقيل له: إن عجوزا لها منزل من جانب الاعوجاج منه، وإن الملك أرادها على بيعه وأرغبها فأبت، فلم يكرهها الملك وبقي الاعوجاج من ذلك على ما ترى، فقال الرومي: هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء ...) (٢). فرسول قيصر ملك الروم أعجبه عدل الملك، وفضله على استواء الميدان لو أخذ الملك دار العجوز منها بالغصب والقوة - وهو قادر على ذلك - ولكنه العدل. والعدل وحده هو الذي وقف بينه وبين الظلم. سقت هذه القصة لنرى من خلالها عدل الملوك في الأزمنة الغابرة. ١٢ - ما قاله الملك المؤيد في المزدكية، وكيف لقيت جزاءها: وفيما ذكره الملك المؤيد أبو الفداء زيادة بيان لأعمال هذه الفرقة الخاسرة، فقد ذكر في تاريخه المسمى: "المختصر في أخبار البشر" عند كلامه على ملوك الفرس ما يلي: (وفي أيام قباذ المذكور ظهر مزدك الزنديق، وادعى النبوة، وأمر الناس بالتساوي في الأموال، وأن يشتركوا في النساء لأنهم إخوة لأب وأم - آدم حواء - ودخل قباذ في دينه، فهلك الناس وعظم ذلك عليهم، أجمعوا على خلع قباذ، وخلعوه). ثم زاد أبو الفداء الموضوع بسطة على ما تقدم ذكره فقال: (ثم ملك بعد قباذ ابنه أنوشروان

стр. 29

ابن قباذ بن فيروز) ثم استرسل في سرد النسب إلى أن قال: (وملك أنوشروان ثمانيا وأربعين سنة، ولما تولى الملك كان صغيرا، فلما استقل بالملك وجلس على السرير قال لخواصه: إني عاهدت الله - إن صار الملك إلي - على أمرين: أحدهما أني أعيد آل المنذر إلى الحيرة، وأطرد الحارث عنها، وأما الأمر الثاني فهو قتل المزدكية الذين أباحوا نساء الناس وأموالهم، وجعلوهم مشتركين في ذلك، بحيث لا يختص أحد بامرأة ولا بمال، حتى اختلط أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وتسهيل سبيل العاهرات إلى قضاء نهمتهن، واتصلت السفلة (١) إلى النساء الكرائم التي ما كان أولئك يتجاسرون على أن يملؤوا أعينهم منهن إذا رأوهن في الطريق، فقال له مزدك - وهو قائم إلى جنب السرير -: هل تستطيع أن تقتل الناس جميعا؟ هذا فساد في الأرض، والله ولاك لتصلح لا لتفسد ... فقال له أنوشروان: يا ابن الخبيثة أتذكر وقد سألت قباذ أن يأذن لك في المبيت عند أمي فأذن لك؟ فمضيت نحو حجرتها فلحقت بك وقبلت رجلك، وإن نتن جواربك ما زال في أنقي منذ ذلك إلى الآن، وسألتك حتى وهبتها لي ورجعت؟؟ قال: نعم ...). الفصل الثاني: أنوشروان يأمر بقتل مزدك وإحراق جثته، ثم يتبعه بقتل أصحابه. (فأمر حينئذ أنوشروان بقتل مزدك، فقتل بين يديه، وأحرقت جيفته، ونادى بإباحة دماء المزدكية، فقتل منهم في ذلك اليوم عالم كثير، وأباح دماء المانوية أيضا، فقتل منهم خلقا كثيرا) إلى أن قال مبينا ذلك: (وقسم أموال المزدكية على الفقراء، ورد الأموال التي لها أصحاب إلى أصحابها، وكل مولود اختلف فيه ألحقه بالشبه، وإن كان ولدا للمزدكية المقتولة جعله عبدا لزوج المرأة التي حبلت به من المزدكية، وأمر بكل امرأة غلبت على نفسها أن تعطى من مال المزدكي الذي غلبها بقدر مهرها، وأمر بنساء المعروفين اللائي مات من يقوم عليهن، أو تبرأ منهن أهلهن لفرط الغيرة والأنفة أن يجعلن في وضع أفرده لهن وأجرى عليهن ما يمونهن

стр. 30

من مال كسرى، وكذلك فعل بالبنات اللائي لم يوجد لهن أب، وأما البنون الذين لم يوجد لهم أب فأضافهم إلى مماليكه، ورد المنذر إلى الحيرة وطرد الحارث عنها) (١). فبان جليا مما ذكره المؤرخون الثقات أن هذه الشرذمة الشيطانية وعلى رأسها (زعيمها مزدك) كانت غاية ما تدعو إليه استباحة النساء والأموال، لتنال من وراء ذلك ما تشتهيه، وحتى امرأة الملك قباذ لم تسلم من شرهم لولا تدخل ابنها الطفل (أنوشروان) وتوسله إلى مزدك واحتياله عليه حتى صرفه عنها - لوقع لها مثل ما وقع لغيرها من النساء - ولهذا لما تمكن منه (أنوشروان) بعد أن صار ملكا ومصلحا عظيما انتقم منه وقتله شر قتلة، وأحرق جثته المدنسة بالخزي والعار. وبعد أن مرت بنا أسماء عدد من فرق ونحل ألاحظ هنا أن هذه الفرق والنحل الشيطانية كان - ولا زال - المقصود منها هو صرف الناس عن شرائع الله، ودعوتهم إلى اتباع وساوس الشيطان وأعوانه، فأصحاب هذه النحل دعاة للشيطان وأعوان له على إضلال الناس عن شرائع الله - الشرائع السماوية - فهم كما قال الله - محذرا منهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٢). الفصل الثالث: وقفة هاهنا للتأمل والاعتبار . لنقف هنا دقيقة للتأمل والتفكير - لا دقيقة صمت للترحم على أرواح الشهداء - ولكن للتأمل جيدا فيما ذكره المؤرخ الملك المؤيد (أبو الفداء) وغيره ممن قصوا علينا أخبار وحوادث مزدك والمزدكية من أولها إلى آخرها، وكيف كانت نتائجها وعواقبها: ومبلغ الأثر السيئ الذي أحدثته في المجتمع الفارسي في ذلك الزمان، والذي امتد أثره إلى وقتنا هذا. وقد أكثرت من عرض ونقل أقوال المؤرخين - بالقصد - على ما فيها

стр. 31

من اتفاق في البعض، وتشابه في البعض الآخر، وتباين في غيرهما - وطول أيضا - فعلت ذلك ليزداد الموضوع توضيحا ومعرفة، وكل المؤرخين متفقون على ما أحدثه (مزدك) في المجتمع الفارسي من الشر والفساد والظلم بذلك المذهب الإباحي الفوضوي، ويكفي للحكم على مذهبه، هذه النتائج التي لا يحمد صاحبها، ولا يشرف بها، بل لا يذكر إلا بالخزي والعار، متبوعا باللعنات. ومثل تلك الآثار السيئة التي أوجدها المذهب المزدكي في المجتمع الفارسي مثل الإباحية، والغصب، والظلم الخ مثلها ما أحدثته الاشتراكية والشيوعية في البلدان التي ابتليت بهما، فقد كثر فيها الظلم والفواحش بجميع أنواعهما، وخنق الحريات في الدعوة إلى الخير ومحاربة الشر، وإعطاء الحرية التامة لكل من يعمل الشر أو يعين عليه، وكثر الأولاد اللقطاء نتيجة لاختلاط الرجال بالنساء بدعوى التقدمية، والتحرر، والانعتاق الخ حتى وصلت النتائج إلى ما قاله كسرى أنوشروان: (حتى اختلط أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، واتصلت السفلة إلى النساء الكرائم التي ما كان أولئك يتجاسرون على أن يملؤوا أعينهم منهن إذا رأوهن في الطريق الخ) وخرجت المرأة إلى الشوارع - بما زينوه لها - لملاقاة من تحب ومحادثة من تريد، أو للعمل في الإدارات وفي غيرها، وفي هذا يكمن الشر والفساد - فساد المجتمع - حتى صار بنات ونساء بعض الأغنياء، وبعض من ينسبون للعلم والدين عاملات في المتاجر والإدارات، وهن في غير حاجة إلى العمل بما أعطاه الله لآبائهن وأزواجهن، ولكنه حب الكسب للمال وغيره، وصارت البنت أو المرأة التي لا تعمل في الإدارة كأنها غير حية، فذهب الشرف، والمروءة والعفاف، والحياء، والأمر لله من قبل ومن بعد. نرجع إلى ما جاء في العنوان فنقول: إن الجدير - حقيقة - بالملاحظة والاهتمام هو موقف الملك كسرى أنوشروان بن الملك قباذ، ذلكم المصلح العظيم الذي أنقذ البلاد والشرف الإنساني، والكرامة الآدمية - بموقفه الحازم ويقظته الفريدة - من ذلكم الخطر العظيم الذي نزل بالأمة الفارسية، فقضى على المزدكية الخبيثة التي ضعف عنها أبوه قباذ بن فيروز، فوقف هو تجاهها موقفه الحازم الذي يدل على شجاعة قوية، وروح نقية، وهمة أبية، فقد خلد له التاريخ ذكرا جميلا، لا يمحى أبد الآبدين بمواقفه

стр. 32

الجريئة في قضائه على الفساد والمفسدين، بقدر ما سجل التاريخ على (مزدك) وجماعته صفحة سوداء مدنسة بما لا يصدر إلا من الأشرار، والأوباش، والأنذال واللقطاء. وهكذا يجب أن يكون المسؤول الكبير، الذي بيده تصريف الأمور، حزم، وشجاعة، وطهر، وإخلاص، وقوة، حتى يبعد الشرور والأخطار عن الأمة والوطن، سواء أكان هذا المسؤول ملكا، أو رئيسا، أو أميرا، أو وزيرا، فإن لم يفعل مثل ما فعل (كسرى) أنوشروان فقد أعان بسكوته أو ضعفه - أمام المفسدين - على ازدياد وامتداد الشرور والمفاسد، وكيف يكون حال الأمة إذا كان واحد من الكبار المذكورين آنفا شريكا أو نصيرا للأشرار والمفسدين ... ؟؟ فليتق الله - الذي لا تخفى عليه خافية - بعض المسؤولين من عقبى المآل، ولقد أحسن الشاعر في قوله: وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم فإذا اندلعت النار في دار أو غيرها فإخمادها لا يكون بالوسائل الهينة، كالنفث بالشفاه أو غيره من الوسائل الضعيفة، بل لا بد لإطفائها - بسرعة - من الوسائل القوية الفعالة، كالمياه الغزيرة والعقاقير المطفئة للهب، فإذا وجدت النار عند شبوبها واشتعالها الحزم والحرص والقوة انطفأت واستراح الناس من ويلاتها، وإلا ازدادت وامتدت واتسعت رقعتها مع هبوب الرياح عليها، حتى تصل إلى الأماكن الأخرى البعيدة عن محل شبوبها واندلاعها. والخبائث والشرور كالنار تماما، فإذا كانت الهيئة الحاكمة في البلاد طاهرة تحب الطهر، شريفة تحافظ على الشرف، فإنها لا تطمئن على حياة الأمة المسؤولة عنها إلا بالقضاء على أصل الخبائث ومادتها التي تمدها بوسائل الحياة والقوة والبقاء، إذ هي منبع الشر والفساد. وبالعكس من هذا فإذا ضعفت عن القضاء عليها، أو أهملتها وسكتت عنها فإن آثامها تزداد، وتتسع مساحتها، ويصعب بعد هذا القضاء عليها كالمرض إذا لم يعالج في أول ظهوره فإن خطره يزداد، ولربما يقضي على المريض في النهاية.

стр. 33

فليتأمل في هذا القادة المصلحون، وليفكر فيه الزعماء المخلصون، وليتعظ بحوادث الزمن الغافلون، فمن لم يتعظ بما وقع لغيره، ويترك سبيل الغرور - غرور النفس وخداعها - فهو من الغافلين الضائعين. ذكرت ما قاله المؤرخون - على ما فيه من طول - كي أوضح ما بين المزدكية القديمة والمزدكية الجديدة - الممثلة في دعوة الشيوعية والاشتراكية - من تشابه قوي والتحام متين في: الدعوة، والأعمال، والنتائج، وإن اختلفت ألقاب الجميع، ذلك أن المقصود واحد، والهدف ظاهر - وهو القضاء على الدين والخلق الكريم - وهذا من أهم ما تحمله الشيوعية والاشتراكية في وطابيهما للأمم التي ساقها سوء طالعها إليها، فإنها حملت إليها الإلحاد والفوضى الخلقية، مضافا إلى ذلك الرذائل والنقائص بدون استثناء، والمشاهد في الأوطان الاشتراكية أكبر دليل وأقوى حجة لما قلناه. مادة الشيوعية والاشتراكية اللغوية: الشيوعية أصلها من مادة - شيع - و - شاع - ومن معاني هذه المادة الذيوع وعدم القسمة أو التعيين وعدم الاختصاص بالشيء، وكذلك شقيقتها الاشتراكية، فإنها تزيل الاختصاص وتفرض الاشتراك، فـ (الشيوعية والاشتراكية) فرعان لأصل واحد قديم - كما علمناه سابقا - وهو المزدكية، وفي الاشتراكية من مادة الشرك حروفه كما قيل. فهل ما نراه في هذا العصر نذير ينذر وينادي بأن (المزدكية) ستظهر إلى الوجود مرة أخرى بواسطة هذين المذهبين، متسترة باسميهما؟ فالدعوة لهما بشتى الوسائل، وإفساح المجال لنشرهما، وانتشارهما حجة قوية على ذلك، ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا مهما طرز الخطاب، وشرح الأسباب، وفتح الأبواب. رأي الاشتراكية والشيوعية في خلاص العالم من الفقر والظلم: يقول دعاة هذين المذهبين الإلحادين: إن خلاص البشرية - في رأيهم الفاسد وتفكيرهم الباطل - مما تتخبط فيه من شقاء وتعاسة، وتفاوت في الأموال والأرزاق والمعيشة الخ إنما يكون بهما لا بسواهما من شرائع الله،

стр. 34

فانخدع بهذه الدعاوة الكاذبة المضللة بعض البسطاء الذين ليس لهم تفكير سليم يقيهم من الوقوع في مثل هذا الضلال المبين، أما من بصره الله بعواقب الأمور ونتائجها فنور قلبه بنور الإيمان، فإنه لم ينخدع بها، فسخر وضحك من دعوة إبليس وأعوانه، فرمى بها إلى مكان سحيق. المعتبر إنما هو الأعمال لا الأقوال: والمعتبر عند ذوي العقول السليمة هو أعمال العباد لا أقوالهم، فالأعمال واحدة في هذه النزعات الثلاث، وهو إرضاء شهوات النفس التي لم تجد لها طريقا في شرائع الله، إذ لم ترخص لها في الفواحش والمناكر وفي هذه النزعات - أيضا - العمل على القضاء - تدريجيا - على تلك الشرائع، فما ينتبه الناس إلا وقد ذهبت من الأرض، وامحت - عمليا - وما بقي منها - ظاهرا - فهو لاحق بالذي ذهب، إذن فالمهم في كل شيء إنما هو الأعمال لا الأقوال. دموع صياد العصافير: ذكر علماء التربية أن أحد صيادي العصافير قد اصطاد عصفورين، فكسر أجنحتهما وأدخلهما في قفص أعده لذلك، فهبت ريح حملت معها ترابا فدخل في عيني الصياد شيء منه، فأخذت عيناه تدمعان، فقال أحد العصفورين لصاحبه إن صائدنا رجل رقيق القلب رحيم ... فرد عليه رفيقه قائلا: وما الذي دلك على رقة قلبه ورحمته بنا؟ فأجابه رفيقه: انظر إلى عينيه فإنهما تذرفان الدموع وما ذلك إلا شفقة علينا ورحمة بنا مما أصابنا من كسر اجنحتنا التي بها نطير، فرد عليه رفيقه بهذا الرد الواقعي البليغ: (يا رفيقي ... لا تنظر إلى دموع عينيه ... ولكن انظر إلى عمل يديه). فكم، وكم من مرة سمعنا بعض المسؤولين ينوهون بالدين ويشيدون بفضائله - عند الحاجة إلى سلطانه - ولكن سرعان ما تذهب تلك الكلمات مع الريح التي حملتها، ويعقب ذلك أعمال لا مصلحة للدين فيها، ولا للفضائل المنوه عنها.

стр. 35

الباب الثالث

стр. 36

الفصل الأول: الشرائع السماوية وسعادة البشرية . إن الشرائع الإلهية أنزلت لإسعاد البشرية، والسير بها في طريق الحق والخير والفضيلة. فهي تمنع الخبث والكذب والبهتان وكل ما لا يليق، وتشدد في ذلك المنع. كما تحرم أكل أموال الناس بالباطل والظلم والعدوان، وتعاقب على ذلك باقي العقوبات، حتى يتطهر المجتمع من الفساد والظلم، فالإسلام - دين - جاء في الوقت الذي فسدت فيه المجتمعات الإنسانية، بأمثال المزدكية والمانوية وغيرهما من النحل المضلة للعباد، فتطهر به المجتمع الإنساني من ذلكم الشر والفساد والإلحاد. إن الشرائع السماوية تمنع ذلك ولا تبيحه أبدا، لأنه شر عظيم وفساد كبير في الأرض. فكل من دعا إلى ما دعت إليه المزدكية أو عمل على إعادتها متسترة بستار غيرها من استباحة أموال الناس ونسائهم، فهو منها وعلى مذهبها، وناشر لعظامها البالية، ولمخازيها الماضية، وإن لم يعلن عن نفسه أنه مزدكي وذلك ما نرى بوادره ومقدماته تظهر في هذا الزمن - زمن العجائب والغرائب - بين الحين والآخر. فقد شاهد العقلاء وسمعوا - متألمين - ما أصاب الخلق الطيب من تدهور وسقوط إلى حضيض الحيوانية البهيمية، من إباحية مكشوفة، ودعاية لها منظمة، مع احتضان ورعاية البعض لها ممن لهم الكلمة المسموعة والنافذة، فسخر لها ما تحت يده وتصرفه من وسائل، وحاول أن يمنع من كشف أمرها، وأزاح القناع عنها ورفع الغطاء عن وجهها، وعن مخازيها المستورة بستار التقدم، والحرية - بلا حدود - ومسايرة الزمن، إلى غير هذا من العناوين التي أعطيت للمزدكية العصرية، حتى لا يتضح أمرها، وينكشف للبله مستورها، ويهتك حجابها الخادع.

стр. 37

إن الأمة العربية المسلمة لها من ماضيها المشرق الذي أناره وبيضه الإسلام العظيم - ما يكفيها ويسد حاجتها عن كل تشريع كيفما كان مصدره ومغزاه، فهي غنية بنظام الإسلام ودقته، لذلك فهي ليست في حاجه إلى أن تجلب من خارج حدودها مذاهب لا تشبه ما عندها - بل تخالفها تماما - من نظم وقوانين إسلامية محكمة، بل تحارب هذه القوانين الإسلام ونظمه في بلده وفوق تراب أرضه. الفصل الثاني: ما نتج عن توريد المبادئ الأجنبية الهدامة . وقد نتج عن استيراد النظم الأجنبية - سواء أكانت شيوعية أو غيرها بواسطة عملائها - نتج تحول عن ماض مجيد إلى حاضر سيئ، أو إلى مستقبل أسوأ. فقد رآى الناس المدركون للواقع الهوة السحيقة التي انحدرت إليها الأخلاق الفاضلة، فصارت الأعراض تستباح بعناوين براقة، خلابة للألباب، مثل التطور العصري، ولحوق الركب الحضاري، وترك الجمود والجامدين، والتحول الاجتماعي، والقضاء على التخلف، والانعتاق، إلى آخر ما سمعناه، ولا زلنا نسمعه - دوما - من أفواه الأبواق المرددة له والداعية إلى ذلك فهي أقوال حلوة في الظاهر مرة في الباطن، وقالوا عنها إنها أفكار - تحررية - فقد تحررت من الدين والأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام، كما هي أيضا خلق الشرائع السماوية السابقة، فهي تحررت - في زعمها - من الدين، ووقعت في أسر وعبودية الشيطان والشهوات، وما هذه الدعاية في الواقع إلا مثل السم يوضع في الدسم ليسهل ابتلاعه، ومن وراء ذلك كله تكمن الحقيقة، وتختفي النفوس المريضة الشريرة المدنسة بدنس الإلحاد والزندقة، فنتج من ذلك كله الفوضى، والنفاق، والخبائث والكفر بالدين، وبالماضي، ونكران لجهاد الجدود، وغير ذلك. هذه هي النتيجة الحاصلة من توريد المذاهب والنزعات الهدامة، كفران بالماضي، وقطع الصلة بتاريخ الجدود النير. الفصل الثالث: الصحافة تنشر ما يساعد على بعث المزدكية . ومن البلايا أن بعض الصحف تنشر ما يساعد على فساد الأخلاق، ويدعو

стр. 38

إلى المذهب المزدكي بالآراء والصور القبيحة - بلا مراقبة عليها - كصور الفرق الرياضية للإناث على أوضاع لا تقرها الآداب العرفية والأخلاق الحسنة، ولا القوانين الإنسانية العادلة، يسود بياضها بعض الصبيان الأغرار الذين أسموا أنفسهم - صحافيين - وما أنزلهم هذا المنزل إلا قلة خبرتهم بما يكون عليه الصحفي الواعي لمسؤوليته، يضاف إلى ذلك الطمع، مع التشجيع المطلق، والترغيب الكامل، بما كتبوا ولو كذبوا على الحقيقة والواقع. على حساب من يا ترى كل هذا؟ ومن هو الفائز المجلى في حلبة السباق .. ؟ لا ريب أنه الشيطان عدو الإنسان، فقد وجد في هؤلاء الأعوان ضالته المنشودة، فهم دعاة له مخلصون، أراحوه من عناء الإغراء والوسوسة، فجلس بعيدا - مرتاحا - قرير العين بعمل هؤلاء الأعوان المتطوعين الصادقين. إن الصحفي الحري بهذا اللقب هو ذلك الذي إذا كتب حرر وما غرر، يفخر ويعتز بمهنته، فهو لا يكتب إلا عن يقين وصدق، وهو يعرف أن هذه المهنة تعلو بصاحبها إلى أسمى وأعلى منازل العظماء الذين بذلوا حياتهم في تنوير عقول قارئيها، فحازوا بذلك ثناء القراء وإعجابهم بأفكارهم النيرة وأقلامهم الحرة النزيهة، إذا كتبوا درسوا الموضوع درسا وافيا، بعيدا عن الأغراض الرخيصة والمطامع الخسيسة، لا يكتبون إلا للحقيقة، لعلمهم بأن وراء ما يكتبون قراء نقادا، لم يكونوا من الغباوة والبلاهة بحيث يصدقون بالكذب ويؤمنون بالبهتان. فهل عندنا صحافيون من هذا الطراز ... ؟؟؟ وبالعكس من ذلك، تنزل مهنة الصحافة ببعض أصحابها إلى دركات الهوان فيذهب ما يسودونه بذهاب وقته، لا يؤثر ولا يفيد إلا بقدر ما يناله الكاتب من أجر حقير لقاء ما قدم، وهذا راجع إلى الإحساس بالكرامة المهنية وعزة النفس الإنسانية. هو - أيضا - ذلك الصحافي الذي يعلم أن مركب الصحافة مركب صعب وخطير، غير مذلل إلا للفرسان القادرين على ركوب متنها - وهو أيضا - يعرف أن الصحافة منزلتها منزلة الملك المتوج، فهي تأمر وتنهى، وتولي وتعزل، كما فعلت - أخيرا - برئيس الولايات المتحدة (نيكسون) فقد حملت عليه حملة شديدة وفضحته فضيحة منكرة ولم تسكت عنه حتى أنزلته من فوق

стр. 39

كرسيه وهو ذليل، وتحكم وتنفذ حكمها - تماما - كالملوك العادلين في أحكامهم، وقديما لقبت بـ (صاحبة الجلالة) - وكفى - فهل يعرف هذا - أيضا هؤلاء الصحافيون الأغرار المحترفون .. ؟؟ إن الصحفي الحر النزيه لا يرضى أن يكون أجيرا لأحد، وأكثر صحافيينا أجراء لإدارة الصحيفة، فهم لا يكتبون إلا ما يرضي إدارة الصحيفة ومن كان وراءها. وإني أذكر - هنا وبهذه المناسبة - كلمة كان قالها زعيم مصر العظيم المرحوم سعد زغلول - يوم كانت الصحافة حرة ونزيهة، وكانت الصحافة المصرية - فيما أذكر - تكتبها - فيما مضى من الزمن - بحروف بارزة تحت اسم الصحيفة كشعار لها ولمهمتها العظيمة، وهذه الكلمة هي: (الصحافة حرة، تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد من تريد، فليس من الرأي أن نسألها: لم تنتقدنا؟ بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه؟). هذه كلمة مسؤول عظيم، وزعيم كبير، قالها يوم كانت الصحافة حرة يملكها الأفراد - لا الحكومات - ينورون بواسطتها الرأي العام والحكومات، حتى يكون الجميع على علم بما يجري فوق تراب الوطن، وفي العالم كله، هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تخفى على من وضع نفسه موضع من تقدمت صفته من ذوي الرأي الناضج، والفكر النير، وإلا كانوا كمن قال فيهم القائل القديم: أما لخيام فإنها كخيامهم ... وأرى (١) رجال الحي غير رجاله أو قوله الآخر: لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس الفصل الرابع: الصحافة وحماة الدين . إذا ما هب حماة الإسلام والأخلاق الكريمة ينكرون الإلحاد الذي رفع رأسه وصوته، ويدافعون عن العقيدة والفضيلة المهانة، والكرامة المداسة،

стр. 40

قام - إخوان مزدك - من أبناء هذا العصر وأشياعه وقعدوا رافعين أصواتهم بواسطة أبواقهم وأقلامهم الرخيصة، منكرين على المنكرين - أنصار الإسلام - دفاعهم عن الفضيلة وعن خلق الحياء الذي قضت عليه - ولم يبق إلا في قلة من المؤمنين - هذه العقائد الزائغة والزائفة الواردة علينا من شعوب لا تدين بديننا ولا تتخلق بأخلاقنا. فقد كتبت بعض الصحف تنعت المدافعين عن الإسلام وأخلاق الإسلام بما لا يتفق والحقيقة، فكتبت تحت عنوان: (المراؤون) (١)، والعنوان لرواية - هزلية مسرحية - للكاتب الفرنسي (موليير)، وسبب ذلك أني تكلمت في خطة الجمعة، وفي جامع "كتشاوة" يوم الجمعة ٥ نوفمبر ١٩٦٥ م لما شاهدت العرض الذي جرى في الجزائر يوم أول نوفمبر ١٩٦٥ بمناسبة ذكرى ثورة نوفمبر ١٩٥٤، ذلك العرض الذي شاهدناه بواسطة التلفزة والذي لا ننكر ما شاهدناه فيه من قوة الجيش ونظامه ووفرة السلاح، وأعجبنا به كثير الإعجاب - وقد نوهت بهذا في نفس الخطبة - ولكن الذي أنكرناه - ودعونا إلى إبطاله - هو زج الفتيات وسط ذلك العرض بثياب فاضحة - لا تغطي من الجسم إلا قليلا - فالفتاة التي تلبس (التبان) (٢) وتظهر به أمام حشود وافرة جاءت من جميع الأوطان لتمثل دولها في هذا الحفل الوطني، أمر لا ينبغي السكوت عنه والرضى به وبفعله، فهل يتوجه اللوم هنا على منكر المنكر؟ لا، بل اللوم كل اللوم يوجه أولا وقبل كل اعتبار على من جلبها - الفتاة - وزج بها وسط جيش عرمرم من الشبان وأمام النظارة، كما يلام وليها الذي رضي بكشف جسد ابنته، والسير بها شبه عارية أمام النظارة - والمصورون من شركات السينما والتلفزة الأجنبية يصورون - فهل يلام الخطيب الواعظ إذا أنكر منكرا رآه ونبه المسلمين المصلين إلى قبحه وخطره على الدين والأخلاق الإسلامية؟؟؟؟
следующие страницы →