← Общие книги

Общие книги · id 123658

المزدكية هي أصل الاشتراكية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (287 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول: الشرائع السماوية وسعادة البشرية . إن الشرائع الإلهية أنزلت لإسعاد البشرية، والسير بها في طريق الحق والخير والفضيلة. فهي تمنع الخبث والكذب والبهتان وكل ما لا يليق، وتشدد في ذلك المنع. كما تحرم أكل أموال الناس بالباطل والظلم والعدوان، وتعاقب على ذلك باقي العقوبات، حتى يتطهر المجتمع من الفساد والظلم، فالإسلام - دين - جاء في الوقت الذي فسدت فيه المجتمعات الإنسانية، بأمثال المزدكية والمانوية وغيرهما من النحل المضلة للعباد، فتطهر به المجتمع الإنساني من ذلكم الشر والفساد والإلحاد. إن الشرائع السماوية تمنع ذلك ولا تبيحه أبدا، لأنه شر عظيم وفساد كبير في الأرض. فكل من دعا إلى ما دعت إليه المزدكية أو عمل على إعادتها متسترة بستار غيرها من استباحة أموال الناس ونسائهم، فهو منها وعلى مذهبها، وناشر لعظامها البالية، ولمخازيها الماضية، وإن لم يعلن عن نفسه أنه مزدكي وذلك ما نرى بوادره ومقدماته تظهر في هذا الزمن - زمن العجائب والغرائب - بين الحين والآخر. فقد شاهد العقلاء وسمعوا - متألمين - ما أصاب الخلق الطيب من تدهور وسقوط إلى حضيض الحيوانية البهيمية، من إباحية مكشوفة، ودعاية لها منظمة، مع احتضان ورعاية البعض لها ممن لهم الكلمة المسموعة والنافذة، فسخر لها ما تحت يده وتصرفه من وسائل، وحاول أن يمنع من كشف أمرها، وأزاح القناع عنها ورفع الغطاء عن وجهها، وعن مخازيها المستورة بستار التقدم، والحرية - بلا حدود - ومسايرة الزمن، إلى غير هذا من العناوين التي أعطيت للمزدكية العصرية، حتى لا يتضح أمرها، وينكشف للبله مستورها، ويهتك حجابها الخادع.

стр. 37

إن الأمة العربية المسلمة لها من ماضيها المشرق الذي أناره وبيضه الإسلام العظيم - ما يكفيها ويسد حاجتها عن كل تشريع كيفما كان مصدره ومغزاه، فهي غنية بنظام الإسلام ودقته، لذلك فهي ليست في حاجه إلى أن تجلب من خارج حدودها مذاهب لا تشبه ما عندها - بل تخالفها تماما - من نظم وقوانين إسلامية محكمة، بل تحارب هذه القوانين الإسلام ونظمه في بلده وفوق تراب أرضه. الفصل الثاني: ما نتج عن توريد المبادئ الأجنبية الهدامة . وقد نتج عن استيراد النظم الأجنبية - سواء أكانت شيوعية أو غيرها بواسطة عملائها - نتج تحول عن ماض مجيد إلى حاضر سيئ، أو إلى مستقبل أسوأ. فقد رآى الناس المدركون للواقع الهوة السحيقة التي انحدرت إليها الأخلاق الفاضلة، فصارت الأعراض تستباح بعناوين براقة، خلابة للألباب، مثل التطور العصري، ولحوق الركب الحضاري، وترك الجمود والجامدين، والتحول الاجتماعي، والقضاء على التخلف، والانعتاق، إلى آخر ما سمعناه، ولا زلنا نسمعه - دوما - من أفواه الأبواق المرددة له والداعية إلى ذلك فهي أقوال حلوة في الظاهر مرة في الباطن، وقالوا عنها إنها أفكار - تحررية - فقد تحررت من الدين والأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام، كما هي أيضا خلق الشرائع السماوية السابقة، فهي تحررت - في زعمها - من الدين، ووقعت في أسر وعبودية الشيطان والشهوات، وما هذه الدعاية في الواقع إلا مثل السم يوضع في الدسم ليسهل ابتلاعه، ومن وراء ذلك كله تكمن الحقيقة، وتختفي النفوس المريضة الشريرة المدنسة بدنس الإلحاد والزندقة، فنتج من ذلك كله الفوضى، والنفاق، والخبائث والكفر بالدين، وبالماضي، ونكران لجهاد الجدود، وغير ذلك. هذه هي النتيجة الحاصلة من توريد المذاهب والنزعات الهدامة، كفران بالماضي، وقطع الصلة بتاريخ الجدود النير. الفصل الثالث: الصحافة تنشر ما يساعد على بعث المزدكية . ومن البلايا أن بعض الصحف تنشر ما يساعد على فساد الأخلاق، ويدعو

стр. 38

إلى المذهب المزدكي بالآراء والصور القبيحة - بلا مراقبة عليها - كصور الفرق الرياضية للإناث على أوضاع لا تقرها الآداب العرفية والأخلاق الحسنة، ولا القوانين الإنسانية العادلة، يسود بياضها بعض الصبيان الأغرار الذين أسموا أنفسهم - صحافيين - وما أنزلهم هذا المنزل إلا قلة خبرتهم بما يكون عليه الصحفي الواعي لمسؤوليته، يضاف إلى ذلك الطمع، مع التشجيع المطلق، والترغيب الكامل، بما كتبوا ولو كذبوا على الحقيقة والواقع. على حساب من يا ترى كل هذا؟ ومن هو الفائز المجلى في حلبة السباق .. ؟ لا ريب أنه الشيطان عدو الإنسان، فقد وجد في هؤلاء الأعوان ضالته المنشودة، فهم دعاة له مخلصون، أراحوه من عناء الإغراء والوسوسة، فجلس بعيدا - مرتاحا - قرير العين بعمل هؤلاء الأعوان المتطوعين الصادقين. إن الصحفي الحري بهذا اللقب هو ذلك الذي إذا كتب حرر وما غرر، يفخر ويعتز بمهنته، فهو لا يكتب إلا عن يقين وصدق، وهو يعرف أن هذه المهنة تعلو بصاحبها إلى أسمى وأعلى منازل العظماء الذين بذلوا حياتهم في تنوير عقول قارئيها، فحازوا بذلك ثناء القراء وإعجابهم بأفكارهم النيرة وأقلامهم الحرة النزيهة، إذا كتبوا درسوا الموضوع درسا وافيا، بعيدا عن الأغراض الرخيصة والمطامع الخسيسة، لا يكتبون إلا للحقيقة، لعلمهم بأن وراء ما يكتبون قراء نقادا، لم يكونوا من الغباوة والبلاهة بحيث يصدقون بالكذب ويؤمنون بالبهتان. فهل عندنا صحافيون من هذا الطراز ... ؟؟؟ وبالعكس من ذلك، تنزل مهنة الصحافة ببعض أصحابها إلى دركات الهوان فيذهب ما يسودونه بذهاب وقته، لا يؤثر ولا يفيد إلا بقدر ما يناله الكاتب من أجر حقير لقاء ما قدم، وهذا راجع إلى الإحساس بالكرامة المهنية وعزة النفس الإنسانية. هو - أيضا - ذلك الصحافي الذي يعلم أن مركب الصحافة مركب صعب وخطير، غير مذلل إلا للفرسان القادرين على ركوب متنها - وهو أيضا - يعرف أن الصحافة منزلتها منزلة الملك المتوج، فهي تأمر وتنهى، وتولي وتعزل، كما فعلت - أخيرا - برئيس الولايات المتحدة (نيكسون) فقد حملت عليه حملة شديدة وفضحته فضيحة منكرة ولم تسكت عنه حتى أنزلته من فوق

стр. 39

كرسيه وهو ذليل، وتحكم وتنفذ حكمها - تماما - كالملوك العادلين في أحكامهم، وقديما لقبت بـ (صاحبة الجلالة) - وكفى - فهل يعرف هذا - أيضا هؤلاء الصحافيون الأغرار المحترفون .. ؟؟ إن الصحفي الحر النزيه لا يرضى أن يكون أجيرا لأحد، وأكثر صحافيينا أجراء لإدارة الصحيفة، فهم لا يكتبون إلا ما يرضي إدارة الصحيفة ومن كان وراءها. وإني أذكر - هنا وبهذه المناسبة - كلمة كان قالها زعيم مصر العظيم المرحوم سعد زغلول - يوم كانت الصحافة حرة ونزيهة، وكانت الصحافة المصرية - فيما أذكر - تكتبها - فيما مضى من الزمن - بحروف بارزة تحت اسم الصحيفة كشعار لها ولمهمتها العظيمة، وهذه الكلمة هي: (الصحافة حرة، تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد من تريد، فليس من الرأي أن نسألها: لم تنتقدنا؟ بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه؟). هذه كلمة مسؤول عظيم، وزعيم كبير، قالها يوم كانت الصحافة حرة يملكها الأفراد - لا الحكومات - ينورون بواسطتها الرأي العام والحكومات، حتى يكون الجميع على علم بما يجري فوق تراب الوطن، وفي العالم كله، هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تخفى على من وضع نفسه موضع من تقدمت صفته من ذوي الرأي الناضج، والفكر النير، وإلا كانوا كمن قال فيهم القائل القديم: أما لخيام فإنها كخيامهم ... وأرى (١) رجال الحي غير رجاله أو قوله الآخر: لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس الفصل الرابع: الصحافة وحماة الدين . إذا ما هب حماة الإسلام والأخلاق الكريمة ينكرون الإلحاد الذي رفع رأسه وصوته، ويدافعون عن العقيدة والفضيلة المهانة، والكرامة المداسة،

стр. 40

قام - إخوان مزدك - من أبناء هذا العصر وأشياعه وقعدوا رافعين أصواتهم بواسطة أبواقهم وأقلامهم الرخيصة، منكرين على المنكرين - أنصار الإسلام - دفاعهم عن الفضيلة وعن خلق الحياء الذي قضت عليه - ولم يبق إلا في قلة من المؤمنين - هذه العقائد الزائغة والزائفة الواردة علينا من شعوب لا تدين بديننا ولا تتخلق بأخلاقنا. فقد كتبت بعض الصحف تنعت المدافعين عن الإسلام وأخلاق الإسلام بما لا يتفق والحقيقة، فكتبت تحت عنوان: (المراؤون) (١)، والعنوان لرواية - هزلية مسرحية - للكاتب الفرنسي (موليير)، وسبب ذلك أني تكلمت في خطة الجمعة، وفي جامع "كتشاوة" يوم الجمعة ٥ نوفمبر ١٩٦٥ م لما شاهدت العرض الذي جرى في الجزائر يوم أول نوفمبر ١٩٦٥ بمناسبة ذكرى ثورة نوفمبر ١٩٥٤، ذلك العرض الذي شاهدناه بواسطة التلفزة والذي لا ننكر ما شاهدناه فيه من قوة الجيش ونظامه ووفرة السلاح، وأعجبنا به كثير الإعجاب - وقد نوهت بهذا في نفس الخطبة - ولكن الذي أنكرناه - ودعونا إلى إبطاله - هو زج الفتيات وسط ذلك العرض بثياب فاضحة - لا تغطي من الجسم إلا قليلا - فالفتاة التي تلبس (التبان) (٢) وتظهر به أمام حشود وافرة جاءت من جميع الأوطان لتمثل دولها في هذا الحفل الوطني، أمر لا ينبغي السكوت عنه والرضى به وبفعله، فهل يتوجه اللوم هنا على منكر المنكر؟ لا، بل اللوم كل اللوم يوجه أولا وقبل كل اعتبار على من جلبها - الفتاة - وزج بها وسط جيش عرمرم من الشبان وأمام النظارة، كما يلام وليها الذي رضي بكشف جسد ابنته، والسير بها شبه عارية أمام النظارة - والمصورون من شركات السينما والتلفزة الأجنبية يصورون - فهل يلام الخطيب الواعظ إذا أنكر منكرا رآه ونبه المسلمين المصلين إلى قبحه وخطره على الدين والأخلاق الإسلامية؟؟؟؟

стр. 41

لا ينكر على الخطيب الواعظ إلا جاهل مغرور أو صاحب نية سيئة نحو الدين والفضيلة والوطن. الحقيقة أن البعض من ولاة المسلمين تنقصهم التربية الدينية الإسلامية حتى يكونوا في مستوى أمتهم، وقد لاحظنا - فيما لاحظناه - أن البعض من حكام المسلمين الذين يتولون مناصب عليا في دولهم يداخلهم الغرور بالنفس والكبرياء على الناس، ولعلهم يظنون أنفسهم أنهم صاروا ملوكا مستبدين، لا يرد عليهم قول ولا يوجه إليهم لوم، أو لعلهم صاروا أكثر من الملوك، وهذا ناتج عن انعدام التربية الإسلامية الصحيحة، ولو عرفوا حقيقة أنفسهم لما جاوزوا بها درجتها، إذ هم من الشعب الذي يتولونه، وكم نحن في حاجة إلى التربية الإسلامية التي تأمر حكام المسلمين بالتواضع وخفض الجناح لعامة أفراد الأمة، ولنذكر هنا مثالا من التربية الإسلامية: ذكروا أن سلمان الفارسي كتب إلى أبي الدرداء ﵄ لما ولي هذا الأخير القضاء من قبل معاوية ﵁: (بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي، فإن كنت تبرئ فنعما، وإن كنت متطببا فانظر أن تقتل إنسانا فتدخل النار). فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا نظر إليهما ثم قال: (ارجعا إلي أعيدا علي قضيتكما متطبب - والله -). فما كتب به سلمان الفارسي إلى أخيه أبي الدرداء - وهما صحابيان جليلان آخى بينهما الرسول ﷺ ﵄ يعد من باب النصيحة للوالي، فلا غضاضة فيها عليه، لهذا تقبلها أبو الدرداء بالرضى والاعتبار، وعمل بها العالم الفقيه الورع. فأين نحن الآن من هذه التربية الإعلامية الرفيعة الغالية، إلى التربية الإلحادية التي تدخل الغرور والصلف والكبرياء على الحكام منا، حتى ظن البعض منهم أن الأمة ملك لهم يتصرفون فيها حسب رغباتهم وشهواتهم، لا ينازعهم فيها وفي توجيهها أحد سواهم، حتى صاروا كالأوثان تعبد من دون الله، تطاع ويعصى الله، ترضى ولا بأس بغضب الله. فاللهم رفقا بعبادك المسلمين، ممن: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ قرابة ولا عهدا.

стр. 42

نرجع إلى الموضوع من هذا الاستطراد الذي دفعت إليه الحاجة فنقول: لما قرأت ما كتب في الصحيفة بأمر المسؤول عن الأخبار في ذلك الوقت ١٩٦٥ - الوزير بومعزة - قلت: سبحان الله!!! يا للعجب العجيب!!! إنهم لم يفهموا حتى ما يكتبون أو يقرأون، خصوصا وكاتب الرد علي في الصحيفة الفرنسية اللسان امرأة فرنسية الجنسية والعقيدة - فيما بلغني - نسأل: أي داع لإقحام امرأة فرنسية في الرد على واعظ في خطبة الجمعة؟؟ ألكون الموضوع يتصل بالمرأة وكفى؟ والموضوع يتصل بالمرأة الجزائرية المسلمة، وعنوان الرد - أيضا - أصله لكاتب فرنسي كما أشرت إليه سابقا، وهو (المراؤون) أيضا، فما هو الرياء الذي يرمي به الخطيب الواعظ؟ وكانوا يدركون الحقائق من غير تحريف؟ إنهم لم يفهموه، ولو فهموه لما كتبوا ذلك الهراء الركيك. والحقيقة التي يعرفها العقلاء: أن من قام يدافع عن حق رآه ضائعا لا يقال في دفاعه - حسب إيمانه به - أنه رياء، وما تكلم إلا ليراه الناس - والكلام يسمع ولا يرى - ويقال عنه ما يقال، ومما لا ريب فيه أن الصدمة كانت عنيفة وغير منتظرة على أعوان مزدك، فلم يقووا على تحملها، خصوصا وخطبة الجمعة تلك كانت قد أذيعت من المسجد بواسطة الإذاعة الجزائرية، فرفعوا أقلامهم لتدافع عن الرذيلة والخلق المشؤوم. نقول لهؤلاء: إن الشعب الجزائري - مثلا - لما قام في ثورته، وحمل السلاح للدفاع عن كرامته المهانة ووطنه السليب، قاصدا من وراء حمل السلاح إرجاع كرامته ووطنه، فهل يقول له عاقل: إنك مراء أيها الشعب الجزائري؟ فإنك ما حملت السلاح إلا من أجل أن تراك الشعوب والأمم فقط، وتسمع ببطولتك ومواقفك، وما ادعيته لنفسك من دعوى إرجاع حريتك وكرامتك ووطنك دعوى باطلة وبهتان، لا يقول أحد من الناس في الشعب الجزائري مثل هذا القول إلا اتهمه العقلاء بالجنون، أو بالجهل بالمقاصد، أو بالغباوة، أو بالغرور والتغرير، أو بالخداع. فقد سقط في يد الموحي بالفكرة، ولم يجد حجة ودليلا يبرر به فعله فأخذ يتهم المدافعين عن الدين والفضيلة والوطن بالباطل والتزوير والبهتان، وكل دفاع بالباطل مصيره الفشل والخسران.

стр. 43

الباب الرابع

стр. 44

الفصل الأول: ما قدمته الأمة الجزائرية من ضحايا في سبيل الإسلام لا يتفق مع توريد بعض المذاهب الإلحادية . ثم نتساءل مرة أخرى: هل ما قدمته الجزائر المسلمة من ضحايا وافرة، أنفس بشرية غالية، وأموال غزيرة عزيزة عليها، ضنينة بها، وعذاب مهين، سلطه عليها المستعمر المحتل لها، الذي كان ماسكا بخناقها، ويشدد في الإمساك، فقد شمل تعذيبه ذلك جميع أنواع التعذيب والتنكيل، ولكنه كان عليها عذبا لا عذابا .. ؟؟ وهل كان كل ذلك - وغيره - من أجل أن تفرض عليها مذاهب هدامة لكيانها، وفدت عليها - مع الوافدين - من خارج وطنها ودينها وأخلاقها، من شيوعية وغيرها ... ؟؟؟ أو من أجل أن يعتنقها بعض المسؤولين باختياره يجب أن يفرض هذا الاختيار على الأمة كلها ... ؟ أتحقق أن كل مسلم جزائري - في قلبه مثقال حبة خردل من الإيمان بدينه ووطنه وكرامته - يجيب عن هذا السؤال لا بـ (لا) واحدة فقط، بل يجيب بألف (لا) أو بألف ألف (لا) أي مليون (لا) أو بأكثر، نظرا لما قدمته الجزائر من تضحيات في سبيل دينها الإسلام وعقيدته وفضائله وأحكامه. الفصل الثاني: كيف يكون الدفاع عن الإسلام ؟ نسمع بعد الحين والحين كلاما صادرا عن أشخاص عصريين كما يقولون،

стр. 45

قالوا أنهم أرادوا به الدفاع عن الإسلام - في زعمهم - فلفقوا لدفاعهم حججا وأقوالا دلت على جهلهم بالإسلام - كشريعة - قاصدين من وراء ذلك جعل الإسلام دينا عصريا، يناسب عصر الذرة كما يقولون، وقالوا أن الإسلام مرن، يطاوع كل وقت وحين، وما قصدهم بهذا إلا القضاء عليه - تدريجيا - حتى لا يفطن لهم أبناء الإسلام الصادقون، فهم كاللصوص يختلسون مال غيرهم، فإذا فطن لهم رب المال قالوا له: نريد صونه وحفظه من الضياع والتلف، والإسلام لم يعرفهم من أبنائه في مظاهره وأماكنه، فلم يعرفهم ولم يجدهم في المسجد، والمسجد أظهر مظاهر الإسلام. ولم يعرفهم في صوم رمضان أو غيره من شعائر الإسلام، فكما أنه لم يعرفهم في كل ذلك فهم - أيضا - لم يعرفوه في أي شيء منه، ولهذا فإنهم إذا كتبوا عنه أو خطبوا فضحوا أنفسهم بأنفسهم، وكشفوا الغطاء عن وجودهم، فظهر جهلهم للإسلام. من المعروف أن الإسلام رحمة من الله بهذه البشرية المعذبة من طرف الطغاة وأعوانهم، فالإسلام سهل خفيف على المؤمنين الصادقين، وهو صعب ثقيل على المنافقين الكاذبين، كما قال الله ﷻ في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١). هل يتصور الدفاع عن الإسلام من قوم لا يؤمنون به .. ؟؟ فإذا قام من يعرفه ليدفع عنه تهجمات خصومه غضبوا عنهم ورموهم بكل نقيصة ليخلو لهم الميدان كي ينفذوا خطتهم كما يريدون. ماذا يبتغي الغاضبون من المدافعين عن الإسلام وشريعته الطاهرة؟ وهم - الغاضبون - ينقضون عرى الإسلام عروة بعد عروة، أيبتغون منهم السكوت والكف عن الدفاع عن دينهم وعقيدتهم .. ؟ إن كانوا يبتغون منهم هذا فهم غالطون، أو يبتغون منهم أن يجيزوا لهم ما يفعلون وما يذرون مما هو مخالف للدين أو محرم في شريعة الإسلام؟

стр. 46

أيريدون أن يقول لهم علماء الإسلام: إن أقوالكم وأعمالكم موافقة - وهي غير موافقة - لما جاء في الشريعة الإسلامية، إن وجد من يقول لهم هذا فهو قليل، ومع قلته فهو صادر من شخص انتهازي قليل البضاعة - بضاعة العلم والدين - ولو كان له نصيب من العلم والدين - وتجرد من الأطماع - لما تجرأ وقال ما قال، وسيبقى قوله دليلا عليه. أيريد الحانقون على العلماء أن يقولوا لهم: إنه لا لزوم لفرائض الإسلام في هذا العصر، وغير ممكن تطبيق حدوده وأحكامه؟ كما يشتهي هذا بعض رجال السياسة والحكم، بدعوى أن وقت العمل بالإسلام قد فات ومضى مع الوقت الذي كان يستعمل فيه الجمل للحمل والركوب، أما الآن فالوقت للسيارة والطيارة وغيرهما، فهم يريدون أن يجردوه من عقائده وفرائضه وأحكامه وأخلاقه، إذن فماذا يبقى من الإسلام إذا فعلوا به هذا ... ؟؟؟ لا شك أنه يبقى هيكلا بلا روح، كما فعل أحبار اليهود ورهبان النصارى بتجريد شريعتي موسى وعيسى ﵉ من كل ما يسمى دينا سماويا، فصارتا طقوسا شكلية، فيصير الإسلام بهذه العملية - عملية تجريده من فروضه وأحكامه - دينا عصريا يبرز ويظهر في الحفلات الرسمية كغيره من الأديان الأخرى، فإذا وقف العلماء موقف المدافع عن الإسلام رموهم - كما سمعنا ذلك المرات العديدة - بالجمود والتحجر، وبالتمسك بالقديم البالي - في زعمهم - ولا أظن أن عالما واحدا - عالما - يشعر بثقل المسؤولية وخطرها - التي يحملها - أمام الله والتاريخ والأمة والوطن يتساهل في فتوى بإباحة محرم - شرعا - أو بتعطيل حكم منصوص عليه، فإن وجد - ولعله وجد - ورضي بتعطيل حكم، أو بتحليل محرم، فقد عمل على تحطيم الإسلام، دفعه إلى ذلك دافع خارج عن أصل الدين وشريعة الإسلام - من قلة بضاعته، أو طمع، أو غيرهما - ورضي لنفسه باللعنة وغضب الله - عياذا بالله - بنص الآية القرآنية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١).

стр. 47

إن علماء المسلمين - أين كانوا - ليس لهم أي حق في تبديل شرائع الله، سواء أكان ذلك بالمحو أو بالزيادة، أو بالنقصان، ومن فعل ذلك فقد اعتدى وأقحم نفسه فيما ليس من خصائصه، وما خصائصه إلا الفهم الصائب لروح الشريعة والشرح والتوضيح، والدعوة لها والدفاع عنها الخ، وقد سمعنا من بعض البسطاء من قال: لماذا يتصلب العلماء هذا التصلب؟ ولماذا لا يكونون كعلماء اليهود والنصارى الذين خففوا عن أتباعهم ثقل الشرائع، فيسروا - مثلا - أمر الصيام وجعلوه شيئا قليلا؟ ولماذا نصوم نحن المسلمين شهرا كاملا، في حين لا يصوم غيرنا أصلا، أو لا يصومون إلا سويعات قليلات؟؟ نقول لهؤلاء الطائشين إن الدين الإسلامي دين إلهي أنزله وأمر به رب العباد وخالقهم، بواسطة رسوله محمد ﷺ ، فليس لأحد - كيفما كان - بعد موت الرسول أن يبدل أو يغير شرع الله - وليس ذلك إلا للرسول والرسول قد مات فلا تغتروا بما فعله علماء اليهود والنصارى بشرائعهم، فإنهم مأمورون بالمحافظة على شريعتهم والدفاع عنها، فتركوا ذلك، وسيلقون جزاء عملهم وسكوتهم يوم الحساب، فإنهم ضيعوا ما استحفظوا عليه من كتاب الله وشرعه وكانوا عليه شهداء، ولم يقف علماء بني إسرائيل مواقف أنبيائهم في الدعوة إلى الدين والدفاع عنه، وبنو إسرائيل اشتهروا بنقض الشرائع الإلهية وتركها والصدود عنها إلى ما تزينه لهم نفوسهم وشهواتهم وقد قص الله علينا في القرآن الكثير من أخبارهم للاعتبار، منها أن بني إسرائيل لما أنجاهم الله من قبضة عدوهم فرعون الظالم، وأخرجهم من البحر سالمين وأهلك عدوهم بالغرق وهم إليه ينظرون، نسوا نعمة الله هذه عليهم بالنجاة من عدوهم، فرأوا مشركين يعبدون الأصنام، فطلبوا من رسولهم موسى ﵇ أن يجعل لهم إلها يعبدونه كما لهؤلاء المشركين آلهة يعبدونها - بدل عبادتهم لله وحده - فنهاهم رسولهم موسى ﵇، وبين لهم أنهم هم خير وأفضل من غيرهم عباد الأوثان والأصنام، قال الله تعالى مبينا ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١).

стр. 48

نرى من خلال هذه الآيات وغيرها نعمة الله ظاهرة على بني إسرائيل، حين أنجاهم الله من عدوهم (فرعون) وأهلكه غرقا في البحر وهم ينظرون بأبصار رؤوسهم، فلم يشكروا لله هذه النعمة والنصر على عدوهم ومذلهم، ونسوها في لحظات قليلة من نجاتهم، وسولت لهم نفوسهم الخبيثة الشرك بالله كالمشركين، وفي هذا عبرة بالغة لنا - ولغيرنا - نحن الجزائريين الذين أعاننا الله - وحده - على تحرير أنفسنا ووطننا من المستعمر الغاصب، ولكن في لحظات قليلة نسينا نعمة الله وفضله علينا، فجحدنا نعمته وإحسانه، وأنكرنا فضله علينا، فألغينا شريعة الله، وعوضناها بقوانين الملحدين الكافرين. توجد في بعض بلاد المسلمين مخالفات كثيرة لأحكام الشريعة الإسلامية، وإذا أنكر المنكرون ذلك لم يرق إنكارهم في أعين حكامهم، وإلا فبأي نص وبأي دليل شرعي يباح في أغلب الأقطار الإسلامية - شرب الخمر - وصنعها، وبيعها، والاتجار فيها،؟؟؟ بعد الوعيد والتهديد الوارد في ذلك، فهل لم يبلغ إلى علم حكامهم النهي عن ذلك؟؟ وإذا بلغهم فلماذا لا يمتثلون لنهي الله؟ ولعل البعض منهم يقول - أو قد قال - أن المهم في حياتنا هذه وفي حياة الدولة إنما هو المادة - المال - فقط لأن ذلك يدل على قوة الدولة، وهذا هو المشاهد الملموس، فنقول لهم إذن هذا أساس المذهب الشيوعي الاشتراكي، وهو المادة فقط، أما الروح والدين فالكلام عليهما تضييع للوقت، والبيان الشيوعي يقول: (لا إله والحياة مادة) أما نحن المسلمين فإننا لازلنا - ولن نزال - نؤمن بما في شرعنا من تشريع إلهي حكيم، أحل الله لنا فيه الطيبات من الرزق وغيره، ومنع عنا فيه الخبائث كذلك، وقد نقل عن مسؤول في الحكومة - وقد وجه إليه التماس بمنع الخمر المحرمة شرعا في الإسلام - قوله: (المسجد مفتوح، والمخمرة مفتوحة، فمن أراد أن يذهب إلى المسجد فليذهب، ومن أراد أن يذهب إلى المخمرة فليذهب ...) هذا قول من لا يشعر بالمسؤولية الملقاة عليه، وإلا فما هي مهمة الحكومة إذا لم تحافظ على سلامة الأمة من كل ما يضر بها؟. الفصل الثالث: مضار الخمر وغض النظر عنها . إن إدخال المذاهب والمبادئ الإلحادية الإباحية الهدامة إلى الأوطان الإسلامية قد سهل كثيرا على المسلمين تعاطي شرب الخمور، وذلك بتزهيدهم في الدين

стр. 49

والخلق الكريم، فقد أعان المستهترين بهما وسهل عليهم تناول الخمور المحرمة شرعا وإدخالها للشعوب الإسلامية. إن تحريم الخمر - شربا، وصناعة، وتجارة - معلوم من الدين بالضرورة - كما يقول علماؤنا - بنص القرآن والحديث، فمن أنكر التحريم فهو مرتد كافر، فلا يحسب في عداد المسلمين، ولو كان اسمه مما اشتهر استعماله بين المسلمين إذ كيف يعد في المسلمين من أنكر أمرا معلوما، الله حرمه بقوله في آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وأقوال الرسول ﷺ كثيرة في هذا الموضوع منها ما أخرجه أبو داوود في سننه وبسنده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)) وفي بعض طرق الحديث زيادة ((وآ كل ثمنها)) فهؤلاء العشرة لعنهم الله على لسان رسوله محمد ﷺ ، ولا عقوبة أشد من اللعن لمن عرف - مدلوله ومعناه. الفصل الرابع: النهي عن بيع العنب لمن يتخذه خمرا . بما أن الخمر سبب في ارتكاب كثير من الشرور والآثام والجرائم، فقد ورد النهي من الرسول على الله عليه وسلم عن بيع العنب لمن يتخذ منه خمرا، فقد خرج الحافظ ابن حجر في كتابه "بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام" نقلا عن الطبراني في الأوسط - بإسناد حسن - عن بريدة بن الحصيب عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ، ((من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة)) (٢) قال شارحه الإمام الصنعاني: وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان من حديث بريدة بزيادة ((حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة)) قال شارحه المذكور: والحديث دليل على تحريم

стр. 50

بيع العنب ممن يتخذه خمرا لوعيد البائع بالنار، وهو مع القصد محرم إجماعا، فما حرمه الله ورسوله فهو حرام ليس لأحد من الناس أن يحله، ومن تعمد المخالفة فقد رضي لنفسه بالدخول إلى نار جهنم واقتحامها عن عمد وإصرار، فالممنوع ممنوع تعاطيه إلا لضرورة ملحة خشية أن تذهب معها روحه، أما الأعذار الأخرى ككونها مادة وموردا ذا بال في ميزانية الدولة، أو كون المستعمرين هم الذين غرسوا شجرتها وأنتجت وقلعها الآن يؤدى إلى خسارة في المال إلى غير هذا من الأعذار فهي كلها باطلة، لا ينسخ الشرع بها، وتوقف أحكامه بسببها. التداوي بالخمر - وهل يجوز للمسلم أن يستعمل دواء فيه خمر؟ ذلك ما ورد النهي فيه عن صاحب الشرع ﷺ ، فقد أخرج مسلم في صحيحه وأبو داوود في سننه، أن طارق بن سويد سأل رسول الله ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء، فقال له رسول الله ﷺ : ((إنها ليست بدواء ولكنها داء)) (١) وفي هذا المعنى ما أخرجه البيهقي عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) (٢) وجاء في بعض الروايات بيان من رسول الله ﷺ بين فيه أن الخمر لا منفعة فيها بعد أن حرمها الله فقد جاء في هذه الرواية قوله: ((إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها المنافع)) (٣) وهذا كأنه رد على من يعتمد على ظاهر الآية القرآنية وحدها، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٤) فبين الرسول ﷺ أن الله نزع من الخمر جميع المنافع بعد أن حرمها على المسلمين، فلا منفعة فيها لا للتداوي ولا لغيره. وأخرج الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أهدى رجل إلى رسول الله ﷺ راوية خمر (٥) فقال له رسول

стр. 51

الله ﷺ : ((أما علمت أن الله حرمها؟)) قال لا: فساره رجل إلى جنبه، فقال له الرسول ﷺ : ((بم ساررته؟)) فقال أمرته أن يبيعها، فقال له الرسول ﷺ : ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها)) (١). هذا بعض ما ورد في الخمر من النهي والوعيد، غير أن الوازع الديني فقد من بعض المسلمين، فتعاطوها وقد حرمها الله عليهم لما فيها من الأضرار والآثام، فتعاطوا صنعها وبيعها وشربها وأكل ثمنها إلى آخر أنواع التعاطي والاستغلال، والكل ممنوع - شرعا - وهم يعلمون أن كل ذلك حرام عليهم ممنوع في شريعتهم، فهم يفعلون ذلك عن معرفة وإصرار، فاستحقوا أن يدخلوا النار عن بينة من أمرهم .. كل هذا وأمثاله سببه المبادئ الأجنبية الهادمة للشرائع التي وردت علينا من الخارج، والتي لا تؤمن بالأديان السماوية، فجرأت المسلمين على احتقار دينهم، بل والسخرية منه أحيانا، والأمر واضح لا يحتاج إلى تفصيل. الفصل الخامس: إنتهاك الحرمات الشرعية سببه من المبادئ الإلحادية . وما قيل في انتهاك حرمة النهي عن الخمر يقال كذلك في انتهاك بقية الحرمات فقد كثر الاستخفاف وعدم المبالاة والاهتمام بحرمة الفروض الدينية وانتهاكها جهارا نهارا، بلا خوف من عقاب ينال المنتهك لحرمة الشرع العزيز، فهذا شهر رمضان المعظم من الله ومن المسلمين مثال لذلك، فقد تجرأ بعض من لا خلاق لهم على الإفطار في نهاره، ولم يجد من يعطيه درسا صارما جزاء على تهاونه واستخفافه بدين الله ودين الأمة التي تحترمه وتعظمه، وقد تجاوز الانتهاك من بعض الطائشين إلى بعض كبار المسؤولين في بعض دول الشعوب المسلمة التي سطرت في دستور ها ... مادة تنص على أن الإسلام دين الدولة - وهو يمثل الدولة - وهنا كان الواجب على هذا المسؤول الكبير أو الأكبر أن يكون حاميا لدستور بلاده لا هادما له، ومن المؤسف - حقا - أن يكون هو مثالا سيئا للمنتهكين المعتدين، ويفطر في نهار رمضان والأجانب عنه ينظرون إليه، ليظهر للعالم

стр. 52

تهاونه وشجاعته على نبذ شريعة الله، بحجة أن الصيام يضعف الصائم، ويقلل من نشاطه وإنتاج عمله وتأخر بلاده، في الحين الذي يرجوها أن تلحق ركب الدول العظيمة في إنتاجها وغناها وقوتها، فبعد أن رغب الشعب وحثه على الإفطار والشعب - الواعي المدرك - لا يستجيب بسهولة لمن أراد أن يجرده من دينه وخلقه، فبعد ذلك الحث والترغيب أراد أن يبدأ بنفسه وأمام جمع كبير فيهم غير المسلمين، بدأ بنفسه ليكون قدوة في الشر يقتدي به الأشرار، بدعوى القضاء على التخلف، ولكي يلحق ركبه الفقير ركب بعض الدول الثرية (فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ...) غير ناظر إلى رقعة بلاده الضيقة، وإلى انعدام وسائل الثراء في بلاده، فظن أن صيام شهر رمضان هو الذي أخر بلاده، ففضحه الله الذي اعتدى على حرمة شرعه، فازداد فقره وحاجته إلى الغير بالاقتراض منه، ولم يغنه الإفطار في نهار رمضان ولا غيره، وهذا كله وغيره مبعثه الغرور بالنفس والعظمة الخادعة، والاستخفاف، بدين الله، وعصيان أوامره ونواهيه، ولو فرضنا أن شخصا واحدا من مواطنيه - كيفما كانت منزلته - عصى أمره أو نهيه - وهو بشر - لعذبه أو قتله غضبا لعصيانه إياه، وانتقاما لكرامته المهانة في نظره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهذا المسؤول الذي انتهك حرمة شهر رمضان وأفطر فيه هو الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. وما قيل في شهر رمضان يقال في غيره من كل ما هو راجع إلى أمر الدين، فإننا رأينا ولمسنا تضييقا - ضيقا - مبالغا فيه على من أراد أن يقوم بأداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، بدعوى قلة العملة الصعبة، وأن البلاد في حاجة إليها لتكميل تجهيزها الصناعي وغيره، وفي الوقت ذاته نرى الأموال تنفق - بسخاء - على الوفود - الصادرة والواردة وما أكثرها - التي تذهب إلى بيوت الشياطين، إما إلى بيت الله فلا. قيل أن المال الذي ينفق في القيام بشعيرة دينية مال ضائع وخسارة لا تعود على الأمة وخزينة الدولة بالنفع والفائدة، وهو قول يدل على جهل أصحابه لأسرار التشريع وأحكام الدين، وقائله لا يخلو من نزعة إلحادية دفعت به إلى أن قال ما قال، في حين تحبذ - وتفعل - السياحة للنزهة والتنقل في ربوع أروبا الفاجرة، وما يتبع ذلك مما لا يليق، ففي هذه السياحة تصرف الأموال بكرم لأن ذلك علامة على التقدم والحيوية.

стр. 53

والبعض قال في المؤسسة التي لها إشراف - محدود - على الشؤون الدينية: أنها لا تنتج، وهو يعني أنها لا تأتي بالفائدة لصندوق الدولة كما في شجرة العنب مثلا - فإنها تدر على صندوق الدولة - من الخمر - بالأرباح الوافرة، وهذه الآراء والأقوال في مجموعها دليل على ما في النفوس من تقدير واحترام للدين وجهل بما يأتي به الدين للأمة - من خيري الدنيا والآخرة - وما يتركه في نفوس المسلمين من الخلق الكريم، والاستقامة على المنهج القويم، والمعروف لدى العارفين أن الدين يشارك جميع الوزارات في أعمالها، فهو مع الداخلية في الأمن وغيره، وهو مع الخارجية في الاتصالات وغيرها وهو مع التربية والتعليم في التهذيب، ومع العدل في الاستقامة، ومع المالية في الاقتصاد، وكذا يقال في جميع أجهزة الدولة، لكن لو وجد من يعرفه ويعمل به ويرعاه حق رعايته. الفصل السادس: في الحلال عوض عن الحرام ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . نعود من قريب إلى شجرة - العنب - ففيها العبرة البالغة لمن أراد أن يعتبر. دلت هذه العبرة على رحمة الله بهذه الأمة الجزائرية المسلمة، لو وجدت من يفهمها حق فهمها، وهي بينة جلية في قوله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١). أمتنا الجزائرية أمة مسلمة - عقيدة وعملا - ابتلاها الله بدولة استعمارية كافرة قوية استحوذت على أرضها بالقوة، وأعطتها لأبنائها، فاستغلوها، وفعلوا فيها ما فعلوه في أرضهم وبلادهم، وحسب شهواتهم، فأكثروا فيها من غراسة أشجار الكروم - العنب - ليعصروها خمرا، وفعلا نجحوا فيها نجاحا كبيرا، وربحوا منها أرباحا طائلة، ولما أراد الله اليقظة لأمتنا - بعد نوم طويل - وجاء وقت اليقظة والانتباه، قامت واستيقظت من نومها، وطالبت بحقها في أرضها، فلم يلب المحتل لها رغبة، ولم يسمع لها صوتا، عند هذا حملت السلاح واتحدت - معظمها - سنة ١٩٥٤ وخاضتها حربا شعواء ضروسا دامت سبع سنوات ونيفا، وبعد تضحيات كبيرة وصلت إلى هدفها، ونالت ما أرادت - وهو الاستقلال - وفي أثناء الثورة المسلحة،

стр. 54

وفي سنوات الكفاح المرير الشديد، قام المستعمر الفرنسي بالبحث والتنقيب عن البترول في صحرائها، فوجده - فيها - بجميع أنواعه ومحتوياته، وتدفق في الأرض الجزائرية، وصار يصدر منها ويباع في الأسواق العالمية، ويدر على خزينة الدولة - وعلى شركاته - بأرباح كثيرة، زادت بمر السنين، وبتحسين وسائل العمل والإخراج والاستغلال، هذا واقع لا ينكر، ومحل العبرة ظاهر فيه لمن تدبر. ذلك أن الله العالم بما تحمله الأيام في أحشائها، وما تخفيه السنون في طياتها، قد سبق علمه كل شيء، ففي العثور على الغاز وإخراجه والانتفاع به تنبيه للغافلين منا، فكأن الله قال لنا: قد علمت من حربكم أنكم على حق، وأنكم ستنالون حقكم الذي قمتم تطالبون به، فها أني قد هيأت لكم ما فيه الغناء لكم في أرضكم، ورزقتكم من الحلال الذي لا تبعة فيه، ولا ذنب يترتب عليه، أعطيتكم كنزا كبيرا - ادخرته لكم - وذخرا عظيما، أعطيتكم الغاز في أرضكم، فإذا وصلتم إلى ما تحبون، ونلتم ما تبغون - وهو استقلالكم - وفزتم بحرية بلادكم، فالغاز يكفيكم عن شجرة الخمر الملعونة التي غرسها المستعمر الكافر الجاحد في أرضكم، فاقتلعوها، وأزيلوا جذورها، فإن الشر كل الشر فيها وفي محصولها، فلتكن لكم الكفاية فيما رزقتكم به من الحلال فاعتبروا بهذا يا أولي الأبصار .. ولكن أين من يعتبر ويدكر؟ ورد في بعض الأدعية المأثورة هذا الدعاء، وفيه تعليم لنا جميعا، وتنبيه للساهين: ((اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك)) (١) كما قال الرسول ﷺ أيضا: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به)) - وفي رواية: ((كل جسد نبت من سحت)) (٢).

стр. 55

الباب الخامس

стр. 56

الفصل الأول: العلماء والتعصب . يتهم الملاحدة وأذنابهم بعض العلماء بالتعصب والتشدد في أمر الدين، ويقولون أنهم لا يتساهلون - نظرا للعصر - كما يتساهل غيرهم، وقد قال لي أنا شخصيا - مسؤول - كان - في الحزب، في مقابلة وقعت بيني وبينه، قال لي هكذا حرفيا: (قالوا لي عنك أنك متعصب) فقلت له: نعم أنا متعصب لديني، ولا أتساهل فيه أبدا، ذلك لأني لم أرض ببيع ديني مقابل رضى بعض الجهات عني، كما هي راضية عن غيري ممن يصفونهم بالمرنين المطواعين، وفي بعض الأوقات يصفوننا بالجمود للسيب نفسه، وهكذا يجري الصراع بين المتمسكين بدينهم والمحافظين على أخلاقهم، وبين الضعفاء المنشقين عن دينهم وأخلاقهم، كان هذا من أجل المواقف التي وقفها بعض العلماء لا عندنا في الجزائر فقط بل في جميع الأقطار الإسلامية تجاه حملة الإلحاد والاستهتار بالقيم الخلقية، والاستهزاء بالشريعة الإسلامية، وهي اتهامات يقصد من ورائها التنفير من الدين، كما هي باطلة لا دليل عليها يقبله العقل السليم ويسلم به، وذلك شأن العاجزين، يلتجئون إلى إلصاق التهم بغيرهم ليدعموا بها دعواهم، وهل يقال لمن يتمسك بعقيدته أنه متعصب؟ فحبذا المتعصب الذي يتمسك بدينه وعقيدته ومبدئه إذن .... الفصل الثاني: من لا يتعصب لمبدئه فلا خير فيه . نقول لهؤلاء للذين يحاولون نعت العلماء بالتعصب: إذا كان الإيمان بالمبدأ والدفاع عنه، والوقوف في وجه من يعمل على هدمه وإزالته - إذا كان هذا في نظركم تعصبا - غير لائق - فهو إتهام باطل وغير صحيح، ورأي فاسد

стр. 57

يدل على سوء القصد، وفي الوقت نفسه هو - أي التعصب - إخلاص للمبدأ والدين الذي ندين الله به، لأن من دافع اللصوص الذين أرادوا أن يسرقوا ماله لا يعد في نظر العقل السليم متعصبا، لأنه قام بواجب، ودافع عن ماله، والدفاع عن الدين والمال واجب مشروع، إذ هو من الواجبات المنصوص عليها، وهي المجموعة في قول القائل: وحفظ دين، ثم نفس، مال، نسب ... ومثلها عقل، وعرض، قد وجب هذه هي الواجبات الستة التي يجب على المسلم أن يصونها ويحافظ عليها ويحفظها من كل من يريد أن يصل إليها بأذى، فعلى هذا الرأي الفاسد - التهمة بالتعصب - أما أن تدع اللصوص يأخذون مالك - وأنت تنظر - وأما أن تعد متعصبا فيما إذا عارضت اللصوص ودافعتهم عن أخذ مالك، هذا مثل الذين يرمون العلماء بالتعصب عند ما هبوا ليدافعوا اللصوص المهاجمين فمن يدافع عن مكاسبه لا يعتبر متعصبا، كمن يدخل يده في جيبك ليأخذ منك محفظة نقودك، فإذا فطنت له ومنعته مما أراد، قال لك: لماذا منك هذا؟ أنت رجل متعصب، إنها من العجائب والله. كل إنسان له مبدأ ارتضاه، أو عقيدة آمن بها، إلا والمبدأ يحتم عليه ويطالبه ويتقاضاه، أن يدافع عنه - ما استطاع - ولا لوم ولا عتاب عليه، لأنه آمن بمبدئه فدافع عليه، وكدليل على ذلك نقول: الفصل الثالث: الأحزاب السياسية والتعصب . إننا لمسنا في الأحزاب السياسية - وهي من وضع البشر الذي يخطئ ويصيب - ورأيناها توصي أتباعها والمنخرطين فيها والمنتفعين من هياكلها - بالمحافظة على مبادئها، وسمعتها، والدفاع عنها في كل وقت وحين، والوقوف في وجه من يحاول التنقيص من قيمتها، هذا مشاهد لا ينكره أحد، بل يذهب التعصب ببعض أصحابها إلى محاولة القضاء على كل ما خالف حزبه من بقية الأحزاب، حتى يصفو الجو لحزبه فقط، ويزول كل حزب سياسي - في الوجود - من الوجود، وأظهر ما يظهر هذا في الحزب الشيوعي - مثلا - فهو يعمل - جاهدا - ليسود العالم كله والدنيا بأجمعها، ويقضي على جميع الأحزاب السياسية الأخرى، فمن خالفه ولم يقبله وينخرط فيه فهو رجعي،

стр. 58

متأخر، إمبريالي، عميل، رأسمالي، إلى غير هذا من الألفاظ التي نسمعها تتكرر على آذاننا في كل يوم والنعوت التي تمنح لكل من لم يكن شيوعيا، في حين خلعوا على أنفسهم خلعة - التقدميين والتحرريين - هذا رأيكم ودعايتهم فليقولوا في أنفسهم وفي غيرهم ما شاؤوا، ذلك أن الحقيقة لا تخفى على أحد وهي أن التعصب الموجود في الحزب الشيوعي غير موجود في أي حزب سياسي آخر سواه، وقد رأينا كيف أن الشيوعيين لا يتساهلون مع مخالفيهم في الحزبية أبدا - ويرونهم أقل شأنا وفهما واعتبارا منهم هم، ومن مبادئ الحزب الشيوعي إظهار عيوب ونقائص غير الشيوعي حتى يقضي عليه، ليخلو الميدان لهم وحدهم، فهل هذا من الشيوعيين تعصب لحزبهم أم ماذا يسمى ... ؟؟ فمحاولة القضاء على المخالف في الرأي - رأي غير سديد - لأن حرية التفكير والرأي من الأمور الضرورية اللازمة لحياة الفرد والمجتمع، كالهواء للتنفس والغذاء والماء لحياة الجسم وسلامته، فالذي يحاول أن يحجر ويمنع الأفكار من التفكير إلا كما يفكر هو يكون على جانب من الخطأ كبير - كما تفعل ذلك الشيوعية والاشتراكية - فللإنسان أن يفكر، وله أن يختار ما يحلو له من الآراء، إذا كان صاحب رأي وتفكير. هذه تربية الإسلام للمسلمين ليتعودوا استعمال عقولهم عند الحاجة - من غير تعطيل لها - وهي ظاهرة في بعض الآيات القرآنية، كقول الله لرسوله محمد ﷺ : ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١) وكقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٢) هذا دين الله الذي يجب أن تخضع له النفوس، وتؤمن به القلوب - ولا حق لها في اتباع غيره - ومع هذا فقد ترك للرأي حريته وحكمه وقوله، وللإقناع سبيله، لم يمنع المخالف له من الاحتفاظ برأيه ولو خالف الحق والواقع والجمهور. فهذه الماركسية الشيوعية - مثلا - تحارب الدين وتمنع أتباعها من الإيمان بالله الخالق لكل شيء وهذا مخالف لفطرة البشر، كما تمنع من الإيمان بالرسل والعمل بالشرائع السماوية، وفي مقابل الإيمان بالله والرسل والعمل بالشرائع تأمر أتباع مذهبها بالإيمان بالماركسية الشيوعية في نظامها ليكون ذلك عقيدة

стр. 59

لهم بدل العقيدة الدينية، فياله من ضلال واضح، فالاتحاد السوفياتي لا يسمح بالدعاية للأديان والعمل على نشرها، بل بالعكس من ذلك يسمح للدعاية ضد الأديان ويشجعها وهذا المبدأ معروف للجميع، أما الدعاية الماركسية فقد غزت البلدان الإسلامية بواسطة عملائها من أساتذة في الثانويات والجامعات ومراكز الفنيين وغيرهم، هكذا نشاهد شباننا الأغرار يقعون فريسة لهذه الدعاية المضللة، حتى توصلوا بتلك الدعاية إلى تمزيق القرآن وحرقه، والمسؤولون لم يحركوا ساكنا، جاء في الدستور السوفياتي المادة "١٢٤" بالحرف (كما أن حرية الدعاية المضادة للأديان مضمونة لكل مواطن) فحرية الكفر مسموح بها أما حرية الفكر فممنوعة، هذا ما شاهدناه في البلدان الاشتراكية. الفصل الرابع: لمن هذه الأصوات ... ؟ وما شأنها ... ؟ أصوات ترفع بين الحين والآخر وكتب تظهر كذلك مدعية أنها تدافع عن الإسلام الذي قتله المتعصبون - يعنون بهم العلماء - وما دفاعهم في الواقع إلا قتل للإسلام وعقيدته وأخلاقه، باسم الدفاع عنه، إذ كيف يدافع المدافع عن شيء وهو غير مؤمن به. من هذه الفصيلة التي رفعت صوتها لتدافع به عن الإسلام - وهي غير مؤمنة به - امرأة ورجل، ادعيا أنهما جزائريان، أما المرأة فقد سودت بياضا وسمته كتابا - أو سود لها - بالفرنسية وسمته (المرأة الجزائرية) وملأته بالترهات والأباطيل على الإسلام وعلى الأخلاق الإسلامية، قاصدة بذلك دعوة المرأة الجزائرية المسلمة إلى نبذ الإسلام القديم المتعصب لأنه لا يوافق على اختلاط الرجال بالنساء، كما لا يوافق على أن تذهب المرأة إلى حيث تشاء من غير أن يمنعها وليها من ذلك، إلى غير هذا من الرغبات الشيطانية، فقد ظهر مما أذاعته أنها صنيعة للماركسية تخدم دعوى الملاحدة - قياسا على نفسها - وإن ادعت أنها تدافع عن المرأة الجزائرية - والمسلمة أيضا - والاسم الذي أعطته لنفسها (فضيلة مرابط) والاسم مستعار. فلو درست هذه المرأة الإسلام دراسة ولو كانت قليلة - كما درست الماركسية - وأحرى إذا كانت دراستها عميقة باحثة عن الحقيقة في غير كتب خصوم الإسلام، لو فعلت ذلك لوصلت إلى الحقيقة، وعرفت ما هو الإسلام

стр. 60

وطهارته ونزاهته، ولذاقت حلاوته التي لا توجد في غيره، أو لو تخلقت بأخلاقه، وتأدبت بآدابه لعرفت فضل الإسلام على البشرية كلها، ودعوته إلى الخير والفضيلة، وأيضا لو كانت زوجا لرجل مسلم - نشأة وعقيدة - لما تجرأت على الكلام في شيء تجهله، ولما جاءت بالبهتان والافتراء، مما دل على بعدها عن مبادئ الإسلام البسيطة، وعلى سوء قصدها، ويكفي دليلا على جزائريتها أنها تركت الزواج من خطيبها الجزائري المسلم وتعلق قلبها برجل فرنسي - شيوعي - قالوا عنه أنه أسلم وتسمى باسم بطل من الأبطال المسلمين - طارق بن زياد - ولم يظهر عليه شيء قليل من الإسلام، ويقال أيضا أنه أعان الثورة الجزائرية، ومن مظاهر إسلامه أنه كان يغري تلاميذه - وكان أستاذا في إحدى الثانويات بعاصمة الجزائر - بالإفطار في نهار رمضان، ويقول لهم من يفتح نافذة الحجرة أعطيه سيجارة يدخنها الآن، أما زوجته تلك فقد كانت تشبع المؤذن للصلاة - وكانت معلمة هي الأخرى مع زوجها في نفس الثانوية، وكانت نافذة حجرتها قريبة من المسجد - شتما وإهانة وتصفه بالحمار الخ، ولو كانت هذه المرأة في بلد يحمي الدين ويرعاه، أو يتتبع باهتمام ما يكتب عنه لما ترك هذه المرأة تعبث وتسخر بعقيدة الشعب الجزائري، من غير محكمة قانونية، لأن دين الشعب الجزائري الذي من أجل تحريره دفع دماء وأرواح أبنائه - إنما هو الإسلام - والإسلام وحده - ولأن دين الدولة الجزائرية هو الإسلام، كما هو مسطر في الدستور الجزائري الذي كتبه الشهداء بدمائهم قبل أن يكتبه النواب بحبر أقلامهم. وكانت هذه المرأة قد أعطت تصريحا - مع زميلات لها على مبدئها - إلى التلفزة الفرنسية عن المرأة الجزائرية المسلمة، فرأت وزارة التعليم - التي هي عاملة فيها وإليها يرجع النظر في شأنها - أن ذلك التصريح فيه تهجم على الإسلام وعلى المرأة الجزائرية، فأوقفتها عن التعليم - كما أوقفت بطلها - غير أن المرأة طالبت الوزارة - شرعا - فحكمت المحكمة لفائدتها، وأعيدت إلى عملها لتستمر في تضليل التلامذة، أما الأن فقد فارقت الوطن مع بطلها. وأما الرجل فهو كاتب خيالي قصصي، تعود أن يزين ما يكتبه بخياله وتزيينه وتزويقه وتزويره كي يجلب القراء لما يكتبه وينشره، فهو في حقيقة الواقع بعيد عن فهم الإسلام وما يدعو إليه من عقيدة سليمة وطهر وتطهير للأفكار من رواسب الجهالة والإلحاد، يؤيد ذلك الدليل والعقل والواقع.

стр. 61

فقد كتب هذا الكاتب في صحيفة أسبوعية، جزائرية الطبع والصدور فرنسية اللسان والأفكار، لا تكتب عن الأحداث الدينية إلا قليلا، وإلا إذا أرادت أن تحتقر. كبر على هذا الكاتب أن يرى ويسمع ما يغيظ إبليس ويزعجه ويهرب منه عند سماعه، كبر عليه أن يرى مآذن المساجد مشيدة عالية، منها يرتفع صوت المؤذن داعيا المؤمنين بربهم إلى الصلاة، إلى طاعة ربهم، إلى مخالفة إبليس في وساوسه، إلى الخير والفلاح، إلى توحيد الله خالق هذا العالم بما فيه، إلى الشهادة والإقرار بأن الله واحد في ألوهيته، لا شريك له في ربوبيته، وبأن محمدا ﷺ رسول مرسل من الله، إلى عباد الله، إلى آخر ما في كلمات النداء من معان، والمؤمن الصادق في إيمانه إذا سمع المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة امتلأ قلبه خشوعا وحضر فكره الشارد في متاهات المادة والحياة البشرية المعقدة، وذكر ربه بكل إجلال واحترام، وأسرع إلى أداء ما فرضه عليه ربه في دينه، إلى أداء عادة هي أجل وأعظم ما في الشريعة الإسلامية من فروض وطاعات - بعد كلمة الشهادة - وهي الصلاة، أحب القربات إلى الله تعالى، وإلى الرسول ﷺ ، وإلى صالح المؤمنين، وهي الفارق بين الكفر والإيمان، كما ورد في الحديث النبوي الشريف. هذا الرجل أو هذا الكاتب دفعه جهله بحقيقة الإسلام وإلحاده المنبعث من سوء تربيته إلى أن يكتب في صحيفة أسبوعية تصدر باللسان الفرنسي في الجزائر، ويظهر مما كتبه أنه مدفوع إلى التهجم على الإسلام. والصحيفة هي: (أكتياليتي الجريان) أي - أخبار الوقت الجزائرية - مظهرا بما كتبه بغضه لمشاهدة آثار الإسلام باقية وماثلة أمام بصره - كالقذى في عينيه - فهو يريد أن تزال الصوامع وتنسف وتهدم حتى لا يبقى لها أثر في الوجود، وحتى لا يتأذى برؤيتها - كما يتأذى الشيطان من سماع صوت المؤذن من فوقها فيفر هاربا إلى حيث لا يسمع صوته - لأنها علامة الإسلام، وهو لا إسلام له. هذا الكاتب لقبه واسمه هكذا: (كاتب ياسين) والصحيفة التي كتب فيها ما سأذكره تحمل عدد (٧٧) بتاريخ ٩ أفريل سنة - ١٩٦٧ - كتب مستهزئا وساخرا تحت عنوان (كلاب الدوار) ما جبلت عليه نفسه الحقيرة، والعنوان

стр. 62

وحده كاف في التعبير عن مراده، والكلاب جمع كلب وهو الحيوان المعروف، أما الدوار في الجزائر فإنه يطلق على وحدة سكنية تشبه القرية الصغيرة تجمع عددا من السكان يكونون - عادة - من عائلات متقاربة في النسب (والدوار بضم الدال وتخفيف الواو). kateb Yacine : les chiens du douar كاتب ياسين يقول في المؤذنين: كلاب الدوار ومن هم كلاب الدوار في نظر كاتب ياسين؟ هم المؤذنون الذين يرفعون أصواتهم - من أعلى الصوامع - عند دخول وقت كل صلاة، يدعون المؤمنين إلى أداء فريضة الصلاة التي فرضها الله على عباده المؤمنين قائلين - الله أكبر - والأذان علامة على أن البلد بلد إسلامي، وضم إلى ذلك العنوان الساخر في وجه الصحيفة سورة كلب ينبح وصومعة وصاروخين لتطابق السورة العنوان، أحد الصاروخين انطلق في الفضاء وفارق الأرض والآخر بدأ في الانطلاق، والصاروخان من الصواريخ التي صنعت حديثا والتي تطلقها أمريكا في الفضاء، وهي من صنع البشر، وإلى الجانب من صور، الصاروخين سورة صومعة مسجد، تشبه صوامع الحرم المكي أو الحرم المدني، وهي ثابتة في مكانها، وكتب فوق الصور - ساخرا متهكما من مئذنة المسجد - قائلا: (الصاروخ الذي لا ينطلق).

стр. 63

une fusée qui ne démarre pas ويقول في الصومعة: الصاروخ الذي لا ينطلق

стр. 64

والصحيفة التي تحمل ذلك العنوان الساخر مع الصور بيعت هنا في الجزائر تحت نظر السلطة، ولم تصادر وتحجز، بل وتمنع من الصدور على ما فعلت من جرح شعور الأمة في دينها ومسجدها ومؤذنيها، كما تباع هنا مجلات أجنبية فيها صور تحمل معها السفه والمجون، من غير حجز ولا مصادرة ولا منع، فهي ما دامت لم تمس سياسة وسلطة البلاد فلا حرج عليها، ولو سخرت من دين الأمة وعقيدتها. نقول لهذا الكاتب الملحد ... ولأمثاله الكثيرين ١ - إن الصومعة علامة على المسجد، والمسجد في الإسلام كما هو بيت عبادة الله الخالق، هو أيضا مركز تهذيب وثقافة وتعليم وتربية - ومن غير شك أنك تجهل هذا - وكم أخرج المسجد من رجال عظماء، وفطاحل نجباء، أناروا الطريق للسائرين في متاهات الحياة، وأرشدوهم لما فيه السلامة والنجاة، أمثال المجاهد البطل الأمير عبد القادر، والشيخ عبد الحميد ابن باديس وغيرهما لم تخرج أمثالهما الجامعات يا مسكين ... ٢ - لماذا لم تقل ما قلته في صوامع الكنائس المسيحية التي هي عنوان الاستعمار وأثر من آثاره التي تركها في البلاد والتي تحمل أجراسا عظيمة تدق دقا شديدا كلما دعت المناسبة لدقها؟ وأنت تسمع دقاتها، وتشاهد بناءها عاليا في الفضاء، نقول هذا لمجرد التنبيه لا غير، وإلا فلكل دين شعائره ومميزاته. وهكذا نرى بعض - ربائب - الاستعمار الذين تغذوا بلبانه، وتربوا في أحضانه، وأشربوا في قلوبهم حبه وحب أخلاقه، فذهب وتركهم في هذا الوطن - بعد أن أخرج منه - يقومون بنفس المهمة التي كان يقوم بها - ولربما أكثر - وهي محاولته القضاء على الإسلام، فهم على آثاره يهرعون، وإلى مرضاته يسرعون، ومن أجل ذلك رأيناهم يمجدون آثار المستعر، كما رأيناهم يعظمون آثار أجدادهم الرومان، ويحتقرون آثار المسلمين الذين أتوا إلى هذا الوطن بالرحمة والهداية. ٣ - ونقول له ثالثا - جوابا عن تهكمه وسخريته بالصومعة صاروخ الإسلام -: إن صاروخ الإسلام - الصومعة - الذي تسخر منه وتمتهنه

стр. 65

قد هدم قصور الظالمين، وحطم عروش الطغاة الجبارين لو كنت تدري - ومن أين لك أن تدري في - وقد تغذيت بلبان خصوم الإسلام، فشببت وأنت أشد على الإسلام منهم، فقد قضى صاروخ الإسلام - الصومعة - على دولتي البطش والظلم والطغيان - في أول ظهوره منذ أربعة عشر قرنا - أعني دولتي الفرس والروم في المشرق وفي المغرب، وهما الدولتان القويتان اللتان كانتا تتحكمان في المشرق، ولا زال الإسلام إلى الآن يقضي على جبروت الجبابرة وطغيان الطغاة - إذا دعت الحاجة إلى ذلك - أيها المغرور. ولا نذهب بهذا الساخر الهازئ بعيدا، ففي أرضنا الجزائرية، وفوق تراب وطننا، وفي أيام ثورة الأمة الجزائرية المسلمة والمسلحة، كان جنودها المخلصون صواريخ موجهة إلى قلاع المستعمر وحصونه، فدكتها دكا عجيبا، وقضت عليها قضاء تركتها عبرة للمعتبرين، وأثرا بعد عين، لم يبق منها سوى هياكل تلك الحصون والقلاع مبعثرة هنا وهنالك في سائر نواحي القطر الجزائري، رآها كل الناس إلا من أعمى الله بصره وبصيرته فلم يقو على رؤية قوة الإسلام، في عقيدته وصواريخه البشرية، فيرون فيها العبرة والموعظة والقوة أيضا. الفصل الخامس: جندي جيش التحرير الجزائري كان صاروخا بشريا صارخا . قد كان الجندي الجزائري المسلم - إبان حرب التحرير - في جيش التحرير الجزائري إذا هاجم جنود العدو المستعمر واشتبك معهم، كان صاروخا صارخا ناطقا قائلا: (الله أكبر)، وهي الكلمة التي يعتز بها المسلم، وهي كذلك الكلمة التي يفتتح بها المؤذن أذانه من فوق المئذنة، كما أنها الكلمة التي يفتتح بها المصلي صلاته، فإذا قالها امتلأت نفسه قوة وعزيمة وشجاعة، وفي نفس الوقت تمتلئ نفس جندي المستعمر ضعفا وخورا ورعبا وانهزاما، بالرغم مما معه من سلاح قوي مدمر فتاك، فيفر هذا الأخير من الأول، نعم يفر منه لائذا بحاميته ومركزه الذي تجمعت فيه قواته وجيوشه ومعداته.

стр. 66

إن هذه المعاني التي ذكرتها - وغيرها كثير - هي التي بعثت القوة والشجاعة في قلوب جنود جيش التحرير الجزائري وكلها حقائق لمسها من عاش وسط جيش التحرير، ولكن أنى للبعيد عنها - حسا ومعنى - أن يدركها أو يتذوقها؟ ولعله لا يصدق بها، فنقول له: (اسأل به خبيرا) إذ لازال الكثيرون من جنود جيش التحرير الصادقين أحياء، فإذا أردت الحقيقة فاسأل، ولا تحكم خيالك في أمر واقع ومشاهد. كالبدر لا تختفي ليلا أشعته ... إلا على أكمه لا يعرف القمر فالنتيجة التي شاهدناها نحن هنا، كما شاهد العالم - أجمع - آثارها نتيجة لا تنكر، وهي انتصار جيش التحرير الوطني الجزائري على جيش - بل جيوش - مغتصب بلاده، انتصر عليه بصواريخه البشرية التي صنعت في مصاخ المآذن المسجدية، فانطلقت مدوية في الفضاء، محطمة كل قوة وجدتها أمامها، فأحيت بذلك عمل أسلافها الأبطال وأثبتوا للعالم أجمع أن قوة الإسلام - المؤيدة من الله - لا تغلب، لأن الله معها وفي عونها، ومن كان الله في عونه فاز بالنصر والغلبة، ولم نسمع ولم نر في ذلك الوقت شيئا يدل على بطولة الملاحدة أو انتصاراتهم على العدو الجاثم على صدر الوطن، بل الذي نعرفه عنهم أنهم فروا هاربين إلى خارج حدود الوطن، خوفا على أنفسهم من الموت أو التعذيب أو حتى الاعتقال تاركين الشعب الجزائري - بإسلامه - يواجه العدو في محنته، وما أن انتصر على المستعمر وهدأت موجة الاعتقالات والسجن، ولا أقول الموت لأنهم ليسوا ممن يتشرفون بها، قلنا ما إن هدأت العاصفة حتى رجعوا إلى البلاد وجاؤوا للاستغلال، مقترحين وعاملين بحيلهم على قادة البلاد بأن تكون الدولة الجزائرية الجديدة دولة - لائكية - أي لا دين لها كالمولود - غير الشرعي - الذي يولد من أبوين غير معروفين، فلا يعرف له أصل، ولا دين، ولا وطن، فباؤوا بالفشل، وجاء دستور البلاد ينص على أن دين الدولة (الإسلام) فبقوا ينشرون - بين الحين والآخر - ما يمسون به شعور المسلمين، ويؤذون به أرواح الشهداء الذين بذلوا أرواحهم فداء لدينهم وعقيدتهم، يؤذونهم في أعز عزيز عليهم وهو دينهم وعقيدتهم. ليعلم هؤلاء - وغيرهم - أن الجزائر تحررت بقوة الإيمان والإسلام

стр. 67

الدافعة إلى الأمام، إذ أن هذه القوة لا تعرف الرجوع إلى الوراء، فأخرجت العدو المستعمر من أرضها، وتحررت من عبودية العدو الغاشم، بالإسلام ودفعته إلى ما وراء البحار: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). إذا، فأين هذه الصواريخ البشرية النافعة - بالمقارنة - من تلك الصواريخ الجهنمية المدمرة التي تفخر وتفاخر بها - يا كاتب ياسين؟ - فتعدها شيئا عظيما، وما هي في واقع أمرها إلا آلات أعدت للتخريب والتعذيب، واكتشفت لتزيد الطغاة طغيانا، والظلمة ظلما وعتوا وفسادا في الأرض، كما زادت وتزيد الضعفاء تعاسة ومهانة وتشريدا في الأرض. ليفهم هذه المعاني الحقيقية - التي لا خيال فيها - من لا يزال لم يفهم، ليفهم من أراد أن يفهم سر الإيمان وما يتركه الدين من أثر طيب صالح نافع في نفوس أتباعه، فالشعب الجزائري حارب عدوه المستعمر بروح إسلامية، فكلمات: شهيد، وشهداء، وجهاد، ومجاهدين، وفي سبيل الله كل هذه الكلمات التي كانت مستعملة إبان المعركة كلمات دينية إسلامية أحب من أحب وكره من كره، لأن مدلول الكلمات لا يتغير بتغير الأفكار والأشخاص ولا زالت هذه الكلمات مستعملة إلى الآن، ولا يزال يعيش في ظلها أناس لم يكونوا من أهلها. الفصل السادس: موقف العلماء من هؤلاء الساخرين . وهكذا نشاهد في كل وقت اعتداآت تصدر ممن لا يقدر أحاسيس الأمة الجزائرية المسلمة، نشاهدها تتكرر بين الحين والآخر، وهنا قد يخطر على البال سؤال يوجه إلى العلماء وهو: لماذا أنتم ساكتون عن هذا الهذيان أو الأباطيل من هؤلاء المحمومين؟ وما لكم لا تردون عليهم بهتانهم، وتقنعونهم إن كانوا يريدون الاقتناع بأن آراءهم خاطئة؟ وأفكارهم مسمومة بسم الإلحاد والملاحدة، والاستعمار والمستعمرين، وكل هؤلاء خصوم وأعداء للإسلام والمسلمين، يعملون بكل طاقاتهم على محو الإسلام وآثاره من هذه الأرض ... ؟

стр. 68

نجيب بأن العلماء على علم من هذا وأمثاله، غير أنه لم يسمح لهم، بنشر الردود على افتراآت المفترين، وكم من رد أرسلوه للصحف لينشر فأهمل، وقد كانت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" (المؤسسة عام ١٩٣١) بالمرصاد - في أيامها - لكل من يتهجم على الإسلام - سواء ممن ينتسبون إليه أم من خصومه - ترد عليه بما يليق به وبأمثاله، وأعمالها ومواقفها معلومة غير مجهولة، غير أن ظروف الجزائر الحالية - وبعد الاستقلال طبعا - قضت على كل مؤسسة كانت قبل الاستقلال بالتعطيل، لذلك اجتمع جماعة من العلماء وأنصار العلم والدين، وأسسوا جمعية دينية - حسبما يسمح به الدستور الجزائري - باسم (جمعية القيم الإسلامية) سنة ١٩٦٣م، وأصدرت الجمعية مجلة لها تحمل اسم "مجلة التهذيب الإسلامي" وعملت الجمعية مدة ثلاث سنوات - في دائرة محدودة - غير أن كل ما له مساس بالدين لم يرق في أعين من كانت نياتهم سيئة بالنسبة للدين الإسلامي - بالخصوص - لما فيه من الروح والحيوية، فترصدوا لها المراصد علهم يجدون لها سببا يقضون به عليها، فكانت محنة محاكمة العلماء في مصر سنة "١٩٦٦" وعلى رأسهم الشهيد (سيد قطب) فأرسلت الجمعية برقية التماس لرئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر، ترجوه فيها أن يتدخل في القضية بأن يخفف على من حكمت عليهم المحكمة بالإعدام، والذي قامت به الجمعية أمر يقتضيه واجب التراحم والأخوة الإسلامية، فظهر أن هذا السعي الإسلامي لم يعجب الملاحدة، سواء من كان منهم في الداخل أو في الخارج، إذ المكيدة كانت مدبرة من قبل الملاحدة - كما كشف عنها النقاب من بعد - وما الاتهامات والمحاكمات إلا شيء صوري لا غير. والمعروف عند جميع الدول والشعوب أن عملا مثل هذا العمل الذي قامت به جمعية (القيم الإسلامية) شيء معروف ومستعمل، فهل في إرسال الجمعية لبرقية الالتماس شيء مخالف للقوانين والأعراف الدولية؟ وهل يعد مثل هذا تدخلا في شؤون الغير؟ - والإسلام جعل المسلمين كلهم إخوة - فقاموا للبرقية - تلك - وقعدوا ولم يجدوا لها غير صلاح واحد، وهو حل جمعية (القيم الإسلامية)، وتعطيل المجلة، وبذلك وقف نشاطها - كجمعية - وتعطلت عن أداء مهمتها، وهذا هو النظام الاشتراكي في كل بلد، فإنه لا يسمح بتأسيس أية هيئة أو تشكيلة - كيفما كانت - إلا إذا كانت تخدم مبادئه وتحمد أفعاله وتؤيدها.

стр. 69

والأمة الجزائرية لم تعرف في أيام محنتها الطويلة إلا الإسلام، فهو الذي أمدها بالحياة والبقاء، فأبقى فيها روح الإيمان، وهو الذي أوقد فيها شعلة الحياة الحرة الكريمة، فلم تعرف الملاحدة إلا من بعيد، ولكنها اليوم تعاني من تدخلاتهم الشيء الكثير. الفصل السابع: الاحتفال بالآثار الرومانية تعظيم للشرك والمشركين: ما هو الداعي إلى هذا ؟ لقد رأينا - أمثال - كاتب ياسين - يمجدون ويعظمون ويحفلون بالآثار الرومانية التي تركوها في هذه الأرض - لا الآثار الإسلامية - ويعظمونها إلى حد كبير. حقا لقد رأينا في هذه السنوات الأخيرة - وبعد الاستقلال طبعا - البعض ممن لا يزالون يحنون إلى عهد القهر والظلم واغتصاب الأوطان، عهد الرومان المشركين، رأينا هذا البعض يعملون - جاهدين - على ترضية الاستعمار الذي طرد من البلاد، فقد عمدوا إلى إقامة حفلات سنوية - فنية - تقام بين أطلال بلدة (تيمقاد) الرومانية القريبة من مدينة "باتنة" عاصمة ولاية "الأوراس" يقام وسط الأحجار المنحوتة، والهياكل الرومانية، تنفق من أجلها الأموال الكثيرة، كل ذلك احتفاء بأجدادهم الرومان - ولعلم من حفدتهم - تقام هذه الحفلات بين بقايا آثار الرومان بالمكان المذكور، وأمام التماثيل والأحجار والأقواس، تماما كما يفعل عباد الأوثان بأوثانهم في أعيادهم لآلهتهم، يجتمعون فيها للرقص والغناء والطرب الخ، ويدعى إليها حفدة الرومان من أروبا، ويجعلون لها أسبوعا معينا في السنة، يمر كله وهم تحت التماثيل التي نحتها الرومان عباد الأوثان، فهو احتفال واحتفاء - في الواقع - بها، أسبوع كامل يمر وهم بين الأقواس والمسارح الحجرية، بعنوان (أسبوع الثقافة) أو المحافظة على الآثار الرومانية - حقا إن العرق دساس - فالثقافة صارت عندنا عنوانا على الرقص والغناء والمحرمات الشرعية وغير ذلك كما تقدمت الإشارة إلى مثل هذا في أسبوع - العلم - الذي يقام عادة لذكرى وفاة المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس، وأصل الثقافة حذق الشيء وفهمه، بمعنى العلم والمعرفة.

стр. 70

كل هذا تضليل وبهتان، والواقع أنه تمجيد وتعظيم وتقدير لما تركه الرومان هنا في هذه الأرض وهو في نفس الوقت تزلف وترضية لحفدة الرومان. إننا لم نشاهدهم يحتفلون بالآثار الإسلامية - وهي كثيرة - أصلا، فما الذي دفعهم إلى الاحتفال بالآثار الرومانية ... ؟؟؟ والفرق عظيم جدا بين ما تركه الإسلام والمسلمون فوق هذه الأرض - عندما حلوا بها - وما تركه الرومان فيها عندما استولوا عليها، فالإسلام والمسلمون أتوا إلى هذه الأرض بالنور الإلهي، النور الذي بدد ظلمات الجهل والشرك والضلال، وقضى على الخرافات التي كانت منتشرة في الأرض، كما قضى على عبادة المخلوق للمخلوق - فيما هو من خصائص الخالق - وطاعة المخلوق للمخلوق، والخوف من المخلوق إلى غير ذلك مما جاء به الإسلام - شريعة الله - من رحمة وعدل وإحسان وحب وخير وفضائل، وفي المقدمة تحرير العقل من كل ما كان يتخبط فيه من أنواع الضلالات، فقد كون الإسلام مجتمعا خاليا من الفواحش والمناكر التي تفسد الأخلاق، وتولد الأمراض في المجتمع الذي تزرع فيه، والمشاهد أقوى حجة على من لم يفهم أو يعترف. كل هذه الفضائل الإنسانية بثت إلى المسلمين في المساجد - ولا زالت تبث لهم إلى الآن - التي في جوانبها المآذن الشامخة، التي يهزأ منها كاتب ياسين وأمثاله، ومنها يستمع المسلمون إلى دعوة الداعي، فيهرعون إليها ملبين النداء، ويفر الشيطان وأعوانه منها بعيدا حتى لا تسمع آذانهم تلك الدعوة الروحية. الفصل الثامن: الشريعة الإسلامية تنهى عن تعظيم المشركين وآثارهم . إن الإسلام هو دين التوحيد الخالص من كل شائبة شرك، فهو الدين الذي يبطل عبادة الآلهة الباطلة، ويثبت الألوهية الحقيقية لله الواحد القهار الخالق لكل شيء، خلقه فقدره تقديرا، فأساس الإسلام هو التوحيد - لا إله إلا الله - بمعنى لا معبود بحق غير الله، ولا شريك مع الله، فكل من اتخذ مع الله إلها آخر فهو مشرك كافر بالله، جاحد لخالقه، ولهذا ورد النهي من الله تعالى عن تعظيم الآلهة الباطلة، والافتخار بالمشركين

стр. 71

وأعمالهم وآثارهم، ولو كانوا آباء أو أجدادا أو إخوة، فالإسلام قد قطع جميع الصلات بين المسلمين المؤمنين بالله الواحد الأحد، وبين المشركين الجاحدين، السابقين منهم واللاحقين، فيحرم على المسلم المؤمن الموحد لله أن يفتخر أو يفاخر أو يعظم المشركين ومعبوداتهم وآثارهم، لأن الفخر بهم إقرار لهم على شركهم، ورضى بكفرهم، ولا يصدر هذا وأمثاله ممن آمن بربه، ودرى أن الشرك باطل وظلم عظيم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأن المشركين كانوا على ضلال مبين. لمثل هذا نهى الرسول ﷺ من آمن من قومه - قريش - عن الافتخار بآبائهم، لأنهم كانوا مشركين، والشرك لا يستحق التعظيم والفخر به والانتساب إليه. جاءت الأخبار تذكر أن رسول الله ﷺ وقف عند باب الكعبة - المشرفة - يوم فتح مكة المكرمة - وخاطب قومه قريشا بأن يدعوا مما كانوا عليه من الفخر بآبائهم المشركين الضالين، فبعد أن وحد الله وأثنى عليه بما يليق بجلاله، بين أن الله هو الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: (يا معشر قريش ... إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١). وأخرج أبو داود في سننه، في كتاب "الأدب" تحت عنوان (التفاخر بالأنساب) بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله قد أذهب عنكم عبية (٢) الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن

стр. 72

رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن)) (١). فالرسول ﵊ خاطب قريشا بهذا الخطاب - في ذلك اليوم - الذي له عواقبه في الطاعة والعصيان، وقريش كانت تذكر دائما مفاخر آبائها وأجدادها وتعتز بها، فهو يقول لهم: إن الله ينهاكم عن الافتخار بعظمة آبائكم وأجدادكم الكفار المشركين، ويأمركم بترك نخوة الجاهلية، حيث أبدلكم بذلك فخر الإسلام وعز التوحيد واتباع سبيل الحق والصواب، بعد أن كنتم وكان آباؤكم وأجدادكم يتخبطون في ظلام الجاهلية الجهلاء، ويسلكون طريق الباطل والظلم والعدوان والفساد في الأرض فليفتخر وليفاخر - من أراد ذلك - بالإسلام والمسلمين الرحماء، لا بالشرك والمشركين القساة، والأحساب الماضية لا تساوي شيئا، ثم أكد عليهم بترك ذلك الفخر، وإلا كانوا أحقر على الله من - الخنافس - التي تدفع القذرة والنجاسات بأنفها، وتشم بذلك الرائحة الكريهة الخبيثة، وهو تمثيل عجيب، فيه معنى دقيق لمن تدبره وفهم ما فيه من معاني الخسة والحقارة والهوان. ويزيد هذا توضيحا ما رواه الإمام أحمد في مسنده - وانفرد به - عن أبي ريحانة، واسمه سمعون، وقيل شمعون، وقيل غيرهما، ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وفخرا - وفي رواية عزا وكرما - كان عاشرهم في النار)) أو هو عاشرهم في النار كما جاء في بعض طرق الحديث. فرسول الله ﷺ يحذر المسلمين من الانتساب إلى أجدادهم المشركين، بقصد الفخر والاعتزاز بهم، فالاعتزاز بالرومان أو بالفراعنة

стр. 73

أو غيرهم كالبربر المشركين الكافرين يشمله هذا النهي وهذا الوعيد الشديد، إذ لا عزة إلا بالتوحيد وطاعة الله وتقواه، كما في الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فمن - يا رب - للمسلمين الذين تركوا عز الإسلام والتوحيد والخلق الكريم، وراحوا يبحثون وينقبون في المقابر والآثار عن رفات الجاهليين والمشركين، ليباهوا بها وبهم الأمم الجاحدة لربها المنكرة لخالقها، بأنهم هم - أيضا - كان لهم أصل في الشرك، فها هم يحنون إليه، ويعتزون به .. ؟؟ فاللهم أنقذهم من هذا الضلال المبين، فقوم منهم يفاخرون بآثار الرومان، وآخرون بآثار الفراعنة، وآخرون بآثار البابليين أو الآشوريين أو العمالقة، أو القرطاجنيين، أو البربر ... وتنفق حكوماتهم في سبيل ذلك الأموال الوافرة في سبيل المحافظة على تلك الآثار - لأنها تجلب السواح ومعهم المال، أما العقيدة وأثرها فلا قيمة لها - فهي تذكر بالشرك والمشركين، وما لهم لا تكون لهم أسوة فيما فعله الرسول ﷺ بأصنام المشركين التي كانت في الكعبة المشرفة؟ فقد كسرها جميعها يوم فتح مكة، وهو يتلو قول الله : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١) إذ من هذه التماثيل يدخل الشرك إلى القلوب، ويعود إلى الحفدة، كما ذكر العلماء في سبب عودة الشرك وظهوره إلى الأرض بعد أن طهرت منه بالطوفان، ذلك أن إبليس أخرج الأوثان التي كانت ردمت بالطوفان، وهي المذكورة في سورة نوح ﵇ في الآية (٢٣) وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهي تماثيل كانت تمثل رجالا صالحين، فجاء إبليس إلى الحفدة ووسوس لهم وحثهم على عبادتها، وقال لهم: هذه آلهة آبائكم فاعبدوها - برورا بهم - كما كانوا يعبدونها فعكفوا على عبادتها، وكما فعل - السامري - ببني إسرائيل - قوم موسى - كما أخبر بذلك القرآن في قوله: ﴿فَكَذَلِكَ

стр. 74

أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (١)؛ فالسامري اتخذ من ذهب بني إسرائيل عجلا له خوار - وهو صوت العجل - وحث بني إسرائيل على عبادته، وقد رأينا من تعلق بعض المسلمين بذلك ما يذهل، فشرعوا يسلكون طريق العودة إلى ما كان عليه أولئك الأجداد المشركون، بتعظيمهم والانتساب إليهم والافتخار بهم وبأسمائهم، فمن أنواع ذلك التعظيم وإحياء تلك الآثار الرجوع إلى التسمي بأسمائهم، فقد صاروا يسمون أولادهم بأسماء أولئك الأجداد المشركين، مثل (فرعون) وهو الذي قال - جهلا وغرورا - ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ومثل هذا من سمى ابنته (الكاهنة) (٢) يقصد ملكة الأوراس البربرية، أو من سمى ولده (يوغرطة) مما رأيناه آخذا في الانتشار إذا لم يرجع المسلمون إلى أصل دينهم النقي من هذه الآثار والأقذار الشركية. ومن تعظيم آثار المشركين الدعوة إلى العودة للغة البربرية، فقد أخذ البعض ممن أصلهم بربري في وضع حروف للغة البربرية - وهي لغة بلا حروف - يريد من وراء ذلك الاعتزاز بها، ولتكون عوضا عن اللغة العربية - لغة القرآن - في الجهات التي لا زالت مستعملة فيها كلغة للتخاطب في منطقتها فقط، ولسنا ندري ما تحمله الأيام في طياتها، ولعله سيتقدم - في يوم ما - بمشروعه، طالبا من الحكومة موافقتها عليه ليصبح نافذ المفعول والتطبيق، وهي دعوة جاهلية عنصرية يمقتها الإسلام، لأنها تدعو الأمة إلى الانقسام والتفرق، زيادة عن كونها تحارب لغة القرآن. وبهذه المناسبة نذكر ما قام به المستعمر أيام احتلاله للوطن، فقد حاول التفرقة بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد، من جهة العنصرية والطائفية فلم يفلح، بالرغم مما بذله من مجهود، من ذلك أنه أنشأ محطة إذاعية خاصة باللغة البربرية، تبث برامجها سائر اليوم وطائفة من الليل، واستمر عملها إلى يومنا هذا، ولربما زاد على ما كان في أيام المستعمر، كما استمر عمل محطتي الإذاعة والتلفزة باللغة الفرنسية - لغة المستعمر - إلى الآن أيضا في أرض

стр. 75

الجزائر العربية اللغة، نحن نعرف أن الأمم كلها تذيع برامج بلغات أجنبية، وفي أوقات قليلة لتطلع الأجانب عنها بما يحدث في الداخل والخارج من غير أن تهضم حق لغة الوطن. كلنا يعرف أن أشرف اللغات إنما هي اللغة العربية، باعتراف جميع العلماء في القديم والحديث، لأن الله أنزل بها القرآن، وهو أشرف الكتب السماوية، فما معنى إبعاد استعمالها من وسط قسم من سكان الجزائر المسلمين؟ واستعمال اللغة البربرية بدلها، وهي اللغة التي لا حروف لها ولا حساب، لو لم يكن المقصود من ذلك إنما هو إحياء النعرات القديمة التي قضى عليها الإسلام، وفي ذلك تشتيت لعناصر الأمة الواحدة التي وحدها الإسلام دين التوحيد. فمشروع كهذا لا يستحق إلا الرفض والإهمال، لأنه يهدف إلى إحياء العنصريات التي أماتها الإسلام، وسماها الرسول ﷺ دعوة الجاهلية - وقال: ((دعوها فإنها منتنة)) وقد سمعنا البعض ممن ينتسبون إلى العلم والدين لا زالوا يستعملونها في دروسهم، ومخاطبوهم يحسنون العربية. ولعلهم يظنون أن هذا دليل على وطنيتهم وإخلاصهم للغتهم البربرية. وقد نهى الرسول ﷺ عن استعمال لغة غير اللغة العربية لمن يحسن التكلم بها، لأنها لغة القرآن والدين والوحدة، فقد أخرج الحاكم في المستدرك ما يفيد ذلك. ١) أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية، فإنه يورث النفاق)). ٢) وجاء فيه أيضا: عن يحيى بن كثير عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم بالفارسية زادت في خبثه، ونقصت من مروءته)) فمتن الحديثين وإن لم يبلغ درجة الصحة أو الحسن إلا أن معناهما يوافق دعوة الإسلام إلى الوحدة ونبذ العنصرية. فالتكلم بلغة غير اللغة العربية في وسط إسلامي فيه نوع من النفاق والخبث والبغض للغة العربية، وذلك يعود في الدرجة الأولى إلى مدى تمكن الإسلام من القلب والنبي ﷺ إنما ذكر اللغة الفارسية لأنها اللغة التي كانت مستعملة في زمنه ومثلها الآن الفرنسية والبربرية الخ، نسأل الله الهداية والتوفيق.
следующие страницы →